← Акыда

Акыда · id 21784

تحت راية القرآن

مصطفى صادق الرافعي

Полный текст (305 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

إلى دون ما كان عليه في الجاهلية. قال الأصمعي: الشعر إذا أدخلته في باب الخير لان - أي ضعف - ألا ترى أن حسان بن ثابت كان عَلا في الجاهلية والإسلام؛ فلما دخل شعره في باب الخير من مراثي النبي ﷺ وحمزة وجعفر رضوان الله عليهما وغيرهما لأن شعره.. وطريق الشعر هو طريق شعر الفحول، مثل امرئ القيس وزهير والنابغة. صفات الديار والترجل والهجاء والمديح والتشبيب بالنساء وصفة الخمر والخيل والحروب والافتخار، فإذا أدخلته في باب الخير لان. انتهى. على أن شعر اليهود والنصارى بهان متميزاً في الرواية فإن لم يكن وقع إلينا فذلك لسقوط الرواية وضياع الكتب لا لضياع الشعر في نفسه بإهمال المسلمين. وقد ضاعت معانٍ كثيرة من عادات الجاهلية وأعمالها مما أبطله الإسلام أو لم يبطله، ومع ذلك أدَّاها الشعر ولم يتحرج العلماء من - روايته؛ وهذا ابن قتيبة يقول في كتاب " الميسر والقداح": إن الميسر أمر من الجاهلية قطعه الله بالإسلام، فلم يبق عند الأعراب إلا النبذ اليسير منه، وعند علمائنا إلا ما أدى - إليهم الشعر القديم. وقد كتب الجاحظ فيما روى قال: "أدركت رواة المسجديين والمربذيين ومن لم يرو أشعار المجانين ولصوص الأعراب ونسيبَ الأعراب والأرجازَ الأعرابية القصار وأشعارَ اليهود فإنهم كانوا لا يعدونه من الرواة، فهذا نص على أن رواية شعر اليهود كانت في الإسلام باباً خاصاً من أبواب الرواية ونوعاً متميزاً من طرائف الشعر. وللإمام المَرزُباني كتاب قالوا إنه في أكثر من خمسة آلاف ورقة، كسره على اثني عشر باباً منها باب خاص بديانات الشعراء في أشعارهم ومنهم اليهود والنصارى. "إن أستاذ "الجامعة ليعلم علماً لا يدخله الشك الذي يتباهى به. . . أن كتب السلف لم تنته إلينا بجملتها، ولا انتهى أكثرها، ولا ما يقال فيه إنه كثير، وأن الرواية لم تتأدَّ إلينا بما كانت تحمل من ذلك العلم المستطيل من الأشعار والأخبار والنقد، فكيف يجوز له أن يحكم على شعر الجاهلية بأنه موضوع أو محمول على أهله، أو الكثرة المطلقة منه موضوعة محمولة، وهو لا يروي هذا

стр. 107

الشعر، وهو لا يعرف ما مقداره، ولا يحيط بأقله فضلاً عن أكثره، وقد قالوا إن ابن الأعرابي أملى وحده من الشعر أحمالاً، فأين هذه الأحمال اليوم حتى يقابل ما فيها بعضه يبعض، ومن الذي يستطيع في عصرنا أن يقول في الشعر: هذا يشبه شعر الجاهلية وهذا لا يشبهه، والتوليد في هذا بيِّن، والصنعة في ذلك ظاهرة، وهذا بقول فلان أشبهُ وهذا ليس من نسج فلان ولا من طبقته، وذلك منحول رويناه في شعر فلان. . . الخ الخ؟ وقد وضع ابن سلام كتاباً في طبقات فحول شعراء الجاهليين لا يُعرف إلا اسمه، أفتحسب راوية مثله يضع في أوائل القرن الثالث كتاباً في أسماء هؤلاء " الفحول " وليس بين يديه من شعرهم الكثير الصحيح قد غُربل ونخل ونُفي منه الموضوع والمنحول وما تقولته العشائر بأهوائها وما دسه الرواة بسبب من أسبابهم؟ نحن لا ندفع أن يكون فيما يُعزَى إلى الجاهلية شعر محمول على أهلها حملاً، وشعر قد نحلوهم إياه من كلام الشعراء المغمورين، وقد بينا ذلك في "تاريخ آداب العرب" في باب الرواية والرواة من الجزء الأول، وهو الباب الذي بنى عليه الدكتور طه كتابه في الشعر الجاهلي. ولكن بيننا وبين الجاهلية ثم من نقلوا عنها أزماناً متناسخة كادت توفي خمسة عشر قرناً، وقد باد أكثر الكتب وذهبت فيها أقوال الرواة وعِلم العلماء مما حققوه ونصوا علبه، وما تسامحوا فيه وتوسعوا به، فلا يجوز لكائن من كان بين قطبي الأرض أن يثبت أو ينكر ويزيد أو ينقص إلا بنص عن المتقدمين؛ لأن هذا العلم لا يمكن أن يستقيم على اتباع الظن ولا أن يصح على الشك، فإن محل الشك والتخمين والحدس والاستنتاج إنما يجيء بعد أن تجتمع المادة من أطرافها بحيث لا يشد منها إلا القليل الذي يفرض فيه لقلته أنه لا ينقض حكماً ولا يبطل رأياً، للاستغناء بالنصوص الأخرى المتوافرة التي تتحقق بها غلبة الظن إن لم يأت منها اليقين، والأمر في يد أستاذ الجامعة المبتلى بالشك. على النقيض من ذلك فلا هو يستطيع أن يرد ما ذهب من الكتب فيستوعبها، ولا هو يمكنه أن يطلع على كل ما هو فبعثر في زوايا الدنيا من الكتب التي لم تذهب، ولا هو اطلع على كل ما تناله أيدي الأدباء: ثلاث درجات يَسفل بعضها عن بعض، فالعجب الذي ليس مثله عجب أن يكون الأستاذ ناقصاً هذا النقص كله ثم يزعم أنه يدعو إلى الطريقة العلمية في تاريخ الأدب، وأنه يمحص ويحقق، ويثبت وينفي، ويوقن ويشك، وهذا هو المضحك من أمره. فإن أخص شروط

стр. 108

الطريقة العلمية في درس التاريخ وكتابته أن يستوعب المؤرخ كل ما قيل وكتب في موضعه، مما يتعلق بحادث أو شخص أو موضوع، لا يفوته من ذلك شيء، فإذا هو أتى على المادة ووضع يده منها حيث أراد وأمِنَ أن يكون ندَّ عنه أمر ذو بال جاء الشرط الثاني لهذه الطريقة ووجب حينئذ أن ينتفي من أهوائه ونزعاته، ويتجرد من شخصه الإنساني، ليصبح في عمله شخصاً، كما يتجرد القاضي ليكون في قضائه شخصاً قانونياً ليس غير! بيدَ أن طه تجرد قبل أن يلبس. . . وهذا نوع من الهزل إن احتمل من كاتب في صحيفة لا يحتمل من مدرس في جامعة! ومع أن الطريقة العلمية قائمة على استقراء المادة والإحاطة بها من جميع جهاتها، فهي لا تخرج التاريخ نفسه كما هو في الواقع، وإنما تجيء برأي فيه يكون معياره دائماً ذكاء صاحبه وعقله وخياله، ولهذا اشترطوا في صاحب تلك الطريقة أن يكون ممن رُزقوا البراعة كل البراعة في إصابة الحدس وقوة الخاطر وسمو الخيال، وإلا خرج عمله بلا معنى، أو بمعنى لا قيمة له، أو بقيمة ضعيفة تنزل من التاريخ منزلة الهيكل العظمي من الجسم الحي. وضع الإمام المرزباني كتاباً غير الكتاب الذي أومأنا إليه آنفاً. قال ابن النديم إنه أكثر من خمسة آلاف ورقة أتى فيه على أخبار (الشعراء المشهورين) من الجاهلية، وبداً بامرئ القيس وطبقته، ثم المخضرمين، ثم الإسلاميين إلى أول الدولة العباسية، فهذه أخبار شعراء مائتي سنة من التاريخ، بل المشهورين منهم، وقد كتبت في خمسة آلاف ورقة، أي عشرة آلاف صفحة، لم ينته إلينا منها صفحة واحدة، فكيف مع ضياعها وضياع كثير من أمثال هذا الكتاب الجامع الممتع يُقبل عقلاً من مؤرخ علمي يجلس في كرسي التحقيق أن يقرر مثل هذا الهُراء الذي جاءنا به الدكتور طه حسين في إنكار الشعر وإثباته، على حين أنه مع هذا النقص الفاضح تنقصه كذلك ملكة الشعر فما هو بشاعر يدرك بالحس كما أدرك مثل ذي الرمة حين سئل عن شعر أنشده حماد الرواية في مدح بلال بن أبي بردة فقال: إنه جيد وليس له، فلما عزم بلال على حماد ليخبرنَّه قال: إن الشعر قديم ولا يرويه غيري وقد انتحلته. ولجرير والفرزدق وغيرهما من الشعراء أَخبار كثيرة من مثل هذا، يقرأون بنفوسهم كما يقرأون بأعينهم، فلا يحسن أن يقول المؤرخ في الشعر إلا إذا كان شاعراً يوثق بملكته، فإن الحس والملكة من أقوى أسباب الرأي في مثل ذلك. ومع نقص النقص في أستاذ الجامعة فهو لا يحسن نقد الشعر، لأن النقد

стр. 109

قائم بالملكة والفهم لا بالفهم وحده، ولم ينتقد في كتابه الشعر الجاهلي نقداً فنياً إلا بيتاً واحداً من قصيدة عمرو بن كلثوم المعروفة بالمعلقة، وهو قوله: ألا لا يجهلنْ أحد علينا. . . فنجهلَ فوق جهل الجاهلينا قال الأستاذ: "قلت إن هذاً البيت يمثل إباء البدوي للضيم، ولكني أسرع. . . فأقول إنه لا يمثل سلاسة الطبع البدوي وإعراضه عن تكرار الحروف إلى هذا الحد الممل فتمد كثرت هذه الجيمات والهاءات واللامات واشتد هذا الجهل حتى مُل " انتهى. قلنا ليته لم يسرع ولم يفرح بهذا الخاطر فقد عثر من إسراعه فامتلأ فمه تراباً، ومتى كان الأستاذ طه حسين يفطن إلى عيب تكرار الحروف وهو الذي كانت تضرب به الأمثال في التكرار قبل أن نلقنه ذلك الدرس في جريدة "السياسة"، وهو لم يبرأ بعدُ من هذه العلة، فقد رأينا له مقالاً في "مقتطف" شهر مارس من هذه السنة ١٩٢٦ جاءت فيه هذه الشأشأة. . . " يمضي حيث يشاء ويصور الأشياء كما يشاء لا كما تشاء الأشياء" فتأمل. نقول لأستاذ الجامعة: إن التكرار في بيت عمرو بن كلثوم هو سر البلاغة فيه، وهو اللون الذي نفضه الشاعر من ألوان روحه على المعنى ليخلقه خلقاً حياً بحيث لو لم يكن هذا التكرار لضعف المعنى وسقطت رتبة الشعر؛ فإن هذا الشاعر يمثل في البيت غضب قومه وحفاظهم وقدرتهم على المجازاة والنقمة والأخذ الشديد لمن عز وهان، فلم يقل: إذا جهل أحد علينا فعلنا وفعلنا، وكان يستطيعه إذا جعل البيت: متى ما يجهلن أحد علينا جهلنا. . . الخ، بل نبه أولاً بقوله: "ألا" ثم نهى بعد ذلك أن يجهل أحد عليهم، ليشعِر أن لقومه الأمر والنهي؛ فهذه واحدة، ثم كرر بعد ذلك لفظ الجهل بالفعل والمصدر واسم الفاعل، ومضى به إلى منقطع الشعر جهلاً بعد جهل، ليشعر النفوس أن انتقامهم بلاء لا آخر له، يتتابع فيه الجهل الذي لا عقل معه فلا رحمة فيه. وكأنه يقول: إن الصاع بثلاثة، وإن من أساء إلينا واحدة رددناها عليه ثلاثاً؛ وكل ذلك إنما أفاده التكرار، وهذا هو غضب الطبع البدوي وحفيظته، فلا تنتظر من هذا الطبع الحر سلاسة ولا رقة في موقف الغضب والتحذير وإنذاره أعداءه البطشة الكبرى، بل ترقب الهول الهائل الذي تمثله لك الجيمات والهاءات واللامات إذا ملأ بها شدقيه عربي جهير الصوت فخم الإنشاد ثائر العاطفة غضوب الدم يهدر بالكلام هديراً، أفرأيت يا أستاذ الجامعة؟ * * *

стр. 110

من أقبح ما في كتاب الدكتور طه حسين أنه يعلن في مقدمته تجرده من دينه عند البحث، يريد أن يأخذ النشء بذلك، اتباعاً لمذهب ديكارت الفلسفي الذي يقضي على الباحث بالتجرد من كل شيء عندما يبحث عن الحقيقة. قال الأستاذ: يجب حين نستقبل البحث عن الأدب العربي وتاريخه أن ننسى قوميتنا وكل مشخصاتها " وأن ننسى ديننا وكل ما يتصل به!. وهذا لعمري هو منتهى الجهل، فإنه هناك فرقاً بين البحث عن حقيقة فلسفية عقلية محضة، وبين البحث عن حقيقة أدبية تاريخية قائمة على النص وقول فلان وفلان، وإذا هو نسي دينه (وتأمل ما في هذه العبارة) فماذا يكون من أثر هذا التاريخ ما دامت المادة التاريخية لم تجتمع له كما أسلفنا، وما دام الأستاذ مبتلى بالنقص من كل جهة. أما إنه قد نسي دينه حقيقة في رده على كليمان هوار المستشرق الفرنسي الذي زعم أنه اهتدى إلى مصدر عربي من مصادر القرآن هو شعر أمية بن أبي الصلت "الذي يجب أن يكون النبي قد استعان به كثيراً أو قليلاً في نظم القرآن " كما جاء في كتاب طه، (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥) . وقد كان رد أستاذ الجامعة الذي نسي دينه أنه أنكر الاستعانة بشعر أمية ولكنه لم يرد على حماقة هوار في زعمه أن القرآن من نظم النبي، بل سكت عن ذلك، بل قال بالحرف الواحد في صفحة ٨٣: "ليس يعنيني هنا أن يكون القرآن قد تأثر بشعر أمية أو لا يكون" فالأمر عنده على حد الجواز كما ترى، وليس يعينه أن يكون دينه ودين أمته صحيحاً أو كذباً. . . ولو كان طه حسين بليغاً من أئمة البلاغة لقلنا: رأي رآه وإن كان كفراً وإلحاداً، ولكنه هو هو هو. . . على أن كلامه في هذا الكتاب عن القرآن الكريم كلام من "نسي دينه" بل كلام من لا دين له، فليس في الأمر عنده معجزة ولا إعجاز ولا تنزيل. وسيأتي هذا مفصلاً بعدُ.

стр. 111

إن هذا الكتاب السخيف الذي جاءتنا به الجامعة مما تضيق به النفس لكثرة ما فيه من الخطأ، حتى لا يطيقه إلا من كان في عقل صاحبه وضعف حجته وتهافت آرائه وكثرة سقطه، وقد وجدنا أن أقوى ما يستند إليه المؤلف في كذب ما روي من الشعر الجاهلي دليل واحد اجتهد فيه وكرره وسماه عقدة لغوية وأيقن أن أنصار القديم لا يستطيعون فيه شيئاً، وذلك ظنه أن اختلاف لهجات العرب يجب أن يكون في أشعارها. ولما كان شعر الجاهلية ليس فيه شيء منها فهو موضوع بعد الإسلام وبعد أن صارت اللغة قرشية، قال: "فهذا النوع من اختلاف اللهجات له أثره الطبيعي اللازم في الشعر، في أوزانه وتقاطيعه وبحوره وقوافيه بوجه عام، وإذا لم يكن نظم القرآن وهو ليس شعراً ولا مقيداً بما يتقيد به الشعر قد استطاع أن يستقيم في الأداء لهذه القبائل "يريد اختلاف القراءات " فكيف استطاع الشعر، وكيف لم تحدث هذه اللهجات المتباينة آثارها في وزن الشعر وتقطيعه الموسيقي "؟ فما هي اللهجات يا أستاذ الجامعة؟ كان ينبغي أن تستقر بها قبل أن تعترض بها، فإنك لو فعلت لرأيتها في الجملة لا تغير شيئاً من أوزان الشعر. فهي في معظمها بين إبدال حرف بحرف أو حركة بحركة أو مد بمد، وكل ذلك لا يؤثر في إقامة الوزن كثيراً ولا قليلاً، والاختلاف في الحقيقة هيئات في النطق والصوت أكثر مما هو هيئات في الوضع واللغة، ومع ذلك فقد نصوا على أن العربي الفصيح غير مقيد بلغة قبيلته إذا نافرت طبع الفصاحة فيه، فمنهم من يوافق اللهجة ومنهم من يخالفها لسبب عند هذا وعند هذا راجع إلى الفطرة وقوتها، ومن القبائل من تأخذ لهجة غيرها كما فعلت قريش، فقد كانت لا تهمز، فلما نزل القرآن بالهمز اتخذت هذه اللهجة. ويجب أن تعلم يا أستاذ الجامعة أن عندنا نصاً عن ابن الكلبي أن العرب لم ترو من شعر الجاهلية إلا ما كان إلى مائة سنة قبل الإسلام، أي عمر رجلين يروي أحدهما عن الآخر، وذلك هو الزمن الذي نهضت فيه اللغة وأخذ العَرب بعضهم عن بعض. ومع كل هذا فهناك نص آخر على أن من اختلاف اللهجات ما يؤخذ به في إنشاد الشعر إذا وجد في لغة من ترتضى عربيته، ومنه ما لا يؤخذ به إذا وُجد في لغة من لا تُرضي عربيته، فذلك دليل قاطع على أن العلماء حذفوا أشياء لم يَرضوها وغيروا في إنشاد الشعر لا في نظمه، قال شاعر من بني تميم: ولا أكول لكدْر الكوم قد نضجت. . . ولا أكول لباب الدار مكفول

стр. 112

يريد: لا أقول لقدر القوم الخ، وهي القاف المعقودة التي ينطقونها بين القاف والكاف، وكانت شائعة في العرب، وهي غير القاف الخالصة التي يُقرأ بها القرآن، فهل رُوي كل شعر بني تميم على هذا الوجه؟ وماذا لو أبدلت الكاف في البيت قافاً لتوافق اللغة الفصحى في الإنشاد؟ وفي الحديث من لغة حِمير "ليس من امِبر امصِيامُ في امسفَرِ" إذ كان من لغتهم إبدال لام التعريف ميماً، وهذه العبارة لو أشبعت فيها حركة السين في " ليس " خرج منها شطر موزون من الرجز، فإذا أنشدته بالفصحى وقلت "ليسا من البر الصيامُ في السفر" فأين تأثير اللهجات في الوزن والتقطيع الموسيقي. . . والبحر والقافية؟ فالدليل الذي حسب أستاذ الجامعة أنه ليس أقوى ولا أعضل منه في بابه هو كما تراه أوهَنُ أدلته وأسرعها اضمحلالاً، فكيف بغيره مما تمحل فيه وتكلف له التلفيق؟ إذا أخذت قيس عليك وخِندِف. . . بأقطارها لم تدرِ من أين تَسرَحُ

стр. 113

أستاذ الآداب والقرآن إلى هيئة كبار العلماء ومجلس إدارة الجامعة لقينا صديق من أدباء المسيحيين فقال، ويحكم! أيها العلماء والكتاب الذين أقاموا القيامة على رسالة الأستاذ الشيخ علي عبد الرزاق (١) فإن هذه الرسالة إنما هي تسبيح لله في جنب كتاب طه حسين الذي درَّسه في الجامعة. فقلنا لهذا الأديب: وكتاب طه حسين هو تسبيح لله في جنب ما يكون في نفس طه حسين، فلولا دين الحكومة والقضاء والنيابة - كما يقول هو في كتابه - لكان قد هدم السماء والأرض وترك الآخر يلعن الأول، ولافترى بين يديه ورجليه ويَسْرته ويُمناه وما فوق وما تحت، سخطة على الدين وكتابه، والإسلام ونبيه، وعلى الأمة وعلمائها؛ وهو على ما يعرف من دين الحكومة والقضاء والنيابة لا تراه ينظر في معنى من معاني الإسلام إلا جاء بشرِّ النظرين وأشدهما جهلاً وحمقاً؛ وتراه يُزهى في كتابه بأنه ممن "خلق الله لهم عقولاً تجد من الشك لذة وفي القلق والاضطراب رضا" - صفحة ٥ - وأنه من فئة (حسبك أنهم يشكون فيما كان الناس يرونه يقيناً، وقد يجحدون ما أجمع الناس على أنه حق لا شك فيه - صفحة ٦ - فهو لا يعد نفسه من أولئك الذين قال الله فيهم: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ) بل كرَّه الله الإيمان وزين في قلبه القلق والاضطراب والشك، ولو نعلم أن كتابه وإلحاده

стр. 114

حديث بينه وبين نفسه أو بينه وبين مثل "كازانوفا" لأهملناه، ثم لما كان حكمه عندنا إلا ما قال الله تعالى: (فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا) ولكن كتابه دروس ألقاها في الجامعة، على طلبة يقول هو إنهم زهاء مائتين؛ فلقد أمِر أمرُهُ إذن بقوة هذه الجامعة، وأصبحت الجامعة هي المتهمة بإزاغة عقيدة مائتي طالب، وصارت في معناها العلمي كمستشفيات المبشرين في معناها الطبي. . . ومن ثم وجب على أئمة الدين أن يحيطوا عقائد أبنائنا وإخواننا، وأن يَزعوا الجامعة ويردوا جماحها ويكسروا شِرَّتها، وإلا شركوها في الإثم وأعانوها عليه، وقد أبلغنا فاللهم اشهد؛ وإنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب! ولننظر الآن في حماقة طه وتكاذيبه التي زعمها في القرآن، ووقاحته العجيبة فيما يكتب جهلاً بأساليب الكتابة وذوقها واسترسالاً مع طبعه الأحمق السفيه. يقول في صفحة ٢٦ "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضاً؛ ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلاً عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل وإبراهيم إلى مكة. . . قال: ونحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعاً من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية، والتوراة والقرآن من جهة أخرى". انتهى. . . فانظر هذه الوقاحة في قوله "للقرآن أن يحدثنا" كأنه زَعْمُ زاعمٍ له أن يقول وأن لا يقول؛ وإذا لم يكف النص في كتاب سماوي تدين له الأمة كلها لإثبات وجود المنصوص عليه فما بقي معنى لتصديقه، وما بقي إلا أن يكون القرآن كما يزعم المستشرقون أساتذة طه حسين وأولياؤه كلاماً من كلام النبي ﷺ نفسه. ومن نظمه وعمله كما نقل عن هذا الخرف المسمى كليمان هوار؛ فهو يدخله ما يدخل كلام الناس من الخطأ والغفلة والحيلة والكذب، فله أن يزعم ما شاء ولكن ليس علينا أن نصدق أو نطمئن، وإذا هو ذكر اثنين من الأنبياء، وإذا هو ورد فيه قوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) فذلك غير كاف

стр. 115

في رأي الجامعة المصرية لإثبات أن إبراهيم واسماعيلَ شخصان كان لهما "وجود تاريخي "، ولا أنهما هاجرا إلى مكة ورفعا قواعد البيت الحرام وبنيا الكعبة؛ وإذن فالقصة في رأي الجامعة المصرية من الأساطير الموضوعة ومما يلتحق بحيل الروائيين التي يشدون بها المعاني الاجتماعية، والسياسية. والتاريخية، ويؤتى بها في الرواية على أنها من الكذب الفني توصلا إلى سبك حادثة أو تقرير معنى أو شرح عاطفة أوَلاً يعلمُ أستاذ الجامعة أن النصوص واردة بأن العرب لا يعذون اليهود منهم (١) وإن كانت الدار واحدة واللغة واحدة، فما حاجتهم إلى حيلة روائية سخيفة، وهم لم تفصل طباعهم على طباع طه حسين، ليكذبوا وينافقوا وهم يعلمون أنهم كاذبون منافقون، على حين أنهم مستيقنون أن اليهود أهل كتاب وعلم فلا يقبلون من أمة جاهلة أن تضع لهم التاريخ؛ ثم كيف دخل هذا الكذب واندست هذه الحيلة في القرآن؟ نبئوني "بعلم " إن كنتم صادقين. ويقول الأستاذ في صفحة ١٨: "فقريش إذن كانت في هذا العصر ناهضة نهضة مادية تجارية، ونهضة دينية وثنية؛ وهي بحكم هاتين النهضتين كانت تحاول أن توجد في البلاد العربية وحدة سياسية وثنية مستقلة. . . قال: واذا كان هذا حقًّا، ونحن نعتقد أنه حق، فمن المعقول أن تبحث هذه النهضة الجديدة لنفسها عن أصل تاريخي قديم يتصل بالأصول التاريخية الماجدة التي تحدث عنها الأساطير، قال: وإذن فليس ما يمنع قريشاً من أن تتقبل هذه "الأسطورة" التي تفيد أن الكعبة من تأسيس إسماعيل وإبراهيم. . . كما قبلت روما قبل ذلك ولأسباب مشابهة " أسطورة" أخرى صنعها اليونان تثبت أن روما متصلة بإينياس ابن بريام صاحب طروادة". انتهى كلام الجامعة المصرية، ومعناه الصريح أن قريشاً قبلت هذه الأسطورة الخرافية التي تثبت أن الكعبة من بناء إسماعيل وإبراهيم، فأخَذَها مَن وضع القرآن عن قريش لأنه منهم؛ وبذلك تجزم الجامعة المصرية أن في القرآن كذباً وتلفيقاً، لأن الأسطورة كما يقول أستاذها في صفحة ٢٩ حديثة العهد ظهرت قبل الإسلام واستغلها الإسلام لسبب ديني" أي فهي كذب صريح يعلم

стр. 116

الإسلام أنه كذب ويتغفل به العرب لسبب ديني. فماذا بقي من هذا الدين الذي يتناول الخرافة المخترعة قبل الإسلام بقليل ويوردها في كتابه على أنها منزلة من السماء وأنها وحي يُوحَى. وتماماً على هذه الخرافة يقول أستاذ الجامعة في صفحة ٨٠ فهو - يعني القرآن - يذكر التوراة والإنجيل ويجادل فيهما اليهود والنصارى، وهو يذكر غير التوراة والإنجيل شيئاً آخر هو صحف إبراهيم، ويذكر غير دين اليهود والنصارى ديناً آخر وهو ملة إبراهيم، هو هذه الحنيفية التي لم نستطع إلى الآن أن نتبين معناها الصحيح، وإذا كان اليهود قد استأثروا بدينهم وتأويله، وكان النصارى قد استأثروا بدينهم وتأويله ولم يكن أحد قد احتكر ملة إبراهيم (تأمل!) ولا زعم لنفسه الانفراد بتأويلها، فقد أخذ المسلمون يردون الإسلام في خلاصته إلى دين إبرَاهيم" انتهى. ولكن، أهمُ المسلمون الذين زعموا هذا، أم نزل ذلك في قرآنهم في قوله تعالى: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) . إلى آيات أخرى؟ فإذا كان ذلك من فعل المسلمين فالقرآن كذلك من صُنعهم عند أستاذ الجامعة؛ وهذا الأستاذ يشير (بالحنيفية) التي لم يفهم معناها الصحيح إلى ما ورد في الحديث من قوله ﷺ : "بُعثتُ بالحنيفية السمحة السهلة ". وقد تكررت هذه اللفظة في الحديث، فكيف سمعها العرب ورواها العلماء ولم يفهموها، وكيف يكون ذلك وهي مبنية على آيات كثيرة وردت في القرآن، مثل قوله تعالى: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا) وقوله: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) . إلى آيات كثيرة كلها نص قاطع في أن معنى الحنيف إنما هو الذي مال عن الشرك والتشبيه والتجسيد مما يزعمه اليهود والنصارى والمشركون، والحنفُ في اللغة: الميل، وكان العرب يقولون في كل من تعبد واعتزل الأوثان: إنه تحنَّفَ، وكل من حج واستقبل البيت سموه حنيفاً، لأنه بيت إبراهيم، ثم توسع الإسلام في الكلمة على سنته في الألفاظ الإسلامية المعروفة، فالمعنى الصحيح للحنيفية أنها الشريعة النقية التي لا شَوْبَ فيها من الإلحاد والشرك، والتي تعدل بالناس إلى الله وتوجه الخلق إلى الخالق وحده. وانظر كيف يقول الله: ((مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا) ثم يزعم أستاذ الجامعة أنَّ قصة إبراهيم "حيلة" فى إثبات الصلة بين

стр. 117

اليهود والعرب، وبين الإسلام واليهودية وبين التوراة والقرآن. . . فهل في الجهل أوسع مْن هذا؟ والعجب أن شيخ الجامعة مع كل هذا الخلط وكل هذه الحماقة يقول في صفحة ١٢٦: "القرآن وحده هو النص العربي القديم الذي يستطيع المؤرخ أن يطمئن إلى صحته ويعتبره مشخصاً للعصر الذي تلي فيه، فأين الشك الذي ابتلي به هذا الرجل، وكيف يستطيع على قاعدته في البحث والتحليل "ووضع علم المتقدمين كفه موضع الشك" أن يثبت هذا القول؛ وهل هو يجهل أنه كان قبله بزمن بعيد قوم "يجدون في الشك لذة وفي القلق والاضطراب رضا" وهم الرافضة، وقد شكوا في نص القرآن وقالوا إنه وقع فيه نقص وزيادة وتغيير وتبديل؛ فإذا أخذ طلبة الجامعة المصرية بقاعدة الشك التي يقررها أستاذهم ويريد أن ينشئهم عَليها فهل يصدقون طه حسين أم يصدقون الرافضة؟ وما الذي يجعل طه أصدق منهم أو يجعلهم أكذب منه ما دام الأمر إلى الشك والتعسف؟ يعتقد الأستاذ أن القرآن يمثل العصر الجاهلي " ويشخصهُ"، وأنه أصدق مرآة للحياة الجاهلية - ص ١٦ - وأن العصر الجاهلي القريب من الإسلام لم يَضع، وأنَّا نستطيع أن نصوره تصوراً واضحاً قوياً صحيحاً، بشرط أن لا نعتمد على الشعر، بل على القرآن من ناحية والتاريخ والأساطير. . . من ناحية أخرى - ص ٨ - ومعنى هذا الخلط مضافاً إلى ما تقدم وإلى قوله في ص ٨٣: "ليس يعنيني أن يكون القرآن تأثر بشعر أمية - ابن أبي الصلت - أو لا يكون، أن القرآن عند هذا الرجل كتاب أشبه بالكتب التي يضعها المؤلفون فتكون تمثيلاً للعصر الذي وُضعت فيه لأنها صادرة عن فكر متأثر بالأسباب الكثيرة التي أنشأت العصر نشأته الخاصة به والمميزة له، مؤثرة بهذه الأسباب عينها فيما يضعه ويؤلفه، كما ترى في إلياذة هوميروس مثلاً؛ وإذن فلم يبق معنى لما ورد فيه من أنه (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) . ويلتحق هذا ومثله "بالأساطير التي استغلها الإسلام لسبب ديني" وتكون هذه هي عقيدة الجامعة المصرية في القرآن لا عقيدة طه حسين وحده، ما دامت الجامعة تدرس هذا وتقره وتمتحن الطلبة فيه وتجيزهم عليه. هل يدري طه حسين معنى قوله تعالى: (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ) ومعنى قوله (وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) ؟ وهل يفهم هذه البلاغة المعجزة التي يسجد لها البلغاء؛ إن معناها يا أستاذ الجامعة أن القرآن لا يشخص عصراً ولا يمثله، بل هو كتاب كل عصر، وهو الثابت على كل عِلم وكل بحث وكل اختراع واستكشاف على مدى الأزمنة

стр. 118

في أيها جاء مما سيستأنفه التاريخ؛ وهذا معنى (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ) وأيها ذهب مما يطويه الماضي، وهذا معنى (وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) ؛ وليس يخفى عليك أن العصور يصحح بعضها بعضاً ويكشف بعضها خطأ بعض، وقد يتقرر في زمن ما يثبت بعد أزمان طويلة أنه كان خطأ فقوله: ((لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) من الكلمات التي لا تخطر بفكر إنساني يُظنْ أنه يشخص العصر الجاهلي، بل هي عِلم من لا يعلم غيره أن ستجد أمور وتحدث علوم وتُمَحَّص تواريخ وتنشأ مخترعات، فلو فهم الجاهل لما تكلم إلا الفاهم؛ وقد قال الله في أشباه طه حسين (وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا) . ولقد عجبت لأستاذ الجامعة كيف يعتمد في تصور العصر الجاهلي على التاريخ والأساطير وهو الذي يقول بالشك، وكيف تصح عنده الأساطير ويصح التاريخ العربي دون الشعر الجاهلي؛ وهل جاء هذا الشعر إلا من الطريق التي جاءت منها الأساطير والتاريخ، أي بالرواية والإسناد، ومن الحفظ والتلقين؟ وإذا جاءت ثلاثتها من طريق واحدة وكان الكذب والوضع قد دخلها جميعها ونص العلماء على أشياء من ذلك في الأبواب الثلاثة، فكيف يكون العصر الجاهلي في اثنين منها دون الثالث مع أن الوضع فيهما أيسر من الوضع في الشعر، إذ هما كلام كالكلام لا مؤونة فيه ولا تعب ولا صناعة ولا كذلك الشعر، وخاصة ما يوضع منه على ألسنة فحول الجاهليين. إنما جاء أستاذ الجامعة هذا العلم الغريبُ من جهله بالشعر وصناعته وأغراضه، فهو يحسب أن الشعر الجاهلي لا يكون جاهلياً ولا تصح نسبته إلى الجاهلية إلا إذا مثل الحياة الدينية عند العرب، ولقد ذكر القرآن اليهود والنصارى والمشركين والصابئة ولم يذكرهم الشعر الجاهلي، بل هو كما يقول في ص ١٨: "يُظهر حياة غامضة جافة بريئة أو كالبريئة من الشعور الديني القوي. . . " فالقرآن عنده لذلك أصح تمثيلاً، والشعر لذلك عنده غير صحيح. قال في ص ١٩: "وقريش كانت متدينة قوية الإيمان بدينها، ولا يمثل لها الشعر الجاهلي من ذلك إلا قليلاً" فليذكر لنا الأستاذ شعراء قريش من عهد امرئ القيس، وليقل لنا متى كان الشعر في قريش وقد نصوا على أنها أقل القبائل شعراً وشعراء في الجاهلية، ثم - ليذكر لنا هذا الباحث المحقق. . . كيف مثل الشعر الإسلامي الحياة الدينية الإسلامية، وأين هذا في شعر جرير والفرزدق والبحتري والمتنبي، وهل يحسب أستاذ الجامعة أن القرآن يجري مجرى الشعر في الوضع والسبب والغاية؛ ألم يعلم طه حسين إلى سنة ١٩٢٦ أن القرآن نزل

стр. 119

بشريعة تنسخ الشرائع، ودينِ يتمم الأديان وعبادة تمحو العبادات، فكان لا بد من ذكر كل ذلك فيه بإجمال حين يُجمل وتفصيل حين يُفصل وقَصص حين يقصى وبرهان - حين يحتج وقياس حين يقايس، - وأنه ما هو عاطفة شاعر ولا وصف كاتب ولا حكاية مؤرخ ولا حيلة قاصٍّ روائي، ولا هو بعلم على قياس فكر طه حسين مدرس الجامعة المصرية. . . لقد تناولت الآن هذا الكتاب الكريم عندما انتهيت في الكتابة إلى هذه الكلمة وسألت الله أن يخرج لي آية تشير إلى طه حسين وغروره وحماقته وتخاليطه، ثم فتحته على هذه النية فوالله لقد خرج قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) . ويا أسفاً ثم يا أسفاً - ثلاث مرات، كما يقول الفرنسيون - لو فهم طه ما في قوله: (زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ) إذن لأكل نصف أصابعه عضاً من الندم! القرآن يا شيخ الجامعة يقارع أدياناً فهو يذكرها ويصفها ويحتج عليها. فماذا يقارع الشعر الجاهلي ليذكر الأديان والشعور الديني القوي؛ وهذا على أنك لم تحط بهذا الشعر ولا بأكثره ولا بكثيره، وعلى أن ما انتهى إليك في الكتب إنما هو ما اختاره الرواة والعلماء للغة والفن والصناعة، لا للتاريخ ولا للبحث التاريخي ولا "لتشخيص" عصر من العصور، ولو هُم أرادوا ذلك وفطنوا له لجاءتك كتب وافرة مصنفة وتاريخ تام محفوظ ولكنهم أهملوا من أمر الشعر في اتصاله بالتاريخ وأسبابه ومعانيه مثل الذين أهملوا في ذلك من أمر اللغة، كما كانت تقتضيه طبيعة عصرهم وعلومهم. أفليس الحمل على هذا المعنى أقربَ إلى العقل من ذلك الهذيان؟ * * * وفي ص ٢٠ من كتاب طه حسين ترى الجهل المركب تركيباً مزجيا كبعلبك ومعديكرب. . . فهو يزعم أن القرآن يمثل للعرب حياة عقلية توية في الجدال الديني والفلسفي، لأنه وصفهم بشدة الخصام. قال: "وفيم كانوا يجادلون ويخاصمون ويحاورون؛ في الدين وفيما يتصل بالدين من هذه المسائل المعضلة التي ينفق الفلاسفة. . . فيها حياتهم " فيا فضيحة الجامعة المصرية في جامعات الأمم! ألا يتفضل أستاذها على الأدب والتاريخ فيذكر لنا مجلساً واحداً من هذه المجالس العربية الفلسفية وما دار فيه من البحث والتحقيق والجدل والخصام والمحاورة في معضلات الفلاسفة التي ينفقون فيها حياتهم، لنصدق أن معنى اللَّدد والخصام الواردين في القرآن صفة للعرب إنما هو الحوار في

стр. 120

مسائل الدين والجدال في معضلات الفلسفة؛ أمِن حُججهم الفلسفية كانت تلك الحجارةُ التي نص التاريخ على أنهم كانوا يقذفون بها النبي ﷺ حتى يُلجئوه إلى الحائط، وذلك الترابُ الذي كانوا ينثرونه على رأسه؟ أم قولهم: شاعر وساحر وكذاب ومجنون، ونحوها مما يدخل في باب الحمق والسفاهة والاستهزاء؟ ومتى كانت هذه من صفات الفلاسفة يا شيخ الجامعة؟ أم كان من حججهم الفلسفية حين عرض نفسه على قبائل العرب يدعوهم إلى الإسلام ويتلو عليهم القرآن أن أتبعوه عمه عبدَ العُزى يقول من ورائه: "يا أيها الناس لا تسمعوا منه فإنه كذاب" أو كانت مجالسهم العلمية والدينية والفلسفية حين كان ﷺ يجلس فيدعو الناس ويتلو عليهم القرآن ثم يقوم فيأتي عالمهم ومتكلمهم النضر بن الحارث فيخلفه في مجلسه ويقص على الناس من أخبار ملوك فارس ويقول: والله ما محمد بأحسنَ حديثاً مني، وما حديثه إلا أساطير الأولين اكتتبها كما اكتتبتُها!.. إن معنى الخصام واللدد أنهم سفهاء أهل تكذيب وعناد ومكابرة وتأبٍّ على من يريد هدايتهم وإرشادهم، لا يمكن صرفهم عن رأي يكون فيه الهوى، كما لا يمكن مثل ذلك في الجاهل الأحمق المصر المبتلى بالاستهتار والشك. فإن أصل الألد في اللغة الشديد اللدد أي صفحة العنق، فلا يلوي عنقه في الصراع، وذلك من أكبر الأدلة على وثاقة تركيبه الجسماني فإن عنق المصارع ثُلث المصارع، ولقد كانت هذه الطباع الجاهلة الحمقاء المكابرة من أوضح الأدلة على إعجاز القرآن، لأنه مع إصرارها بلغ منها، ومع عنادها أثر فيها ببلاغته، فلو كانوا كما زعم طه " أصحاب علم وذكاء وأصحاب عواطف رقيقة وعيش فيه لين ونعمة" لما كانت هدايتهم شيئاً يذكر في باب المعجزة. أولسنا نرى اليوم في الأمم المتحضرة الرقيقة ذات النغمة الفاشية من ينقادون أسهل انقياد وأسرعه لكل ذي مذهب، حتى لعبادة الشيطان في أمريكا بلاد كل شيء ذهبي. . .؟ وكيف يكونون "أصحاب عيش فيه لين ونعمة " وهم أنفسهم حين اجتمع أشرافهم من قبائل قريش ليكلموا النبي ﷺ ويخاصموه حتى يعذروا فيه قالوا له فيما قالوا: "قد علمتَ أنه ليس أحد من الناس أضيقَ يداً ولا أقل ماء ولا أشد عيشاً منا" ولما نزل قوله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) . قال الزبير بن العوام عن أي النعيم نسأل يا رسول الله؟ إنما هما الأسودان - التمر والماء

стр. 121

فقال ﷺ : أما إنه سيكون فيا سبحان الله! جهل بالأدب وجهل بالتاريخ وجهل باللغة وجهل بالشعر ثم يكون من هذا كله علم الجامعة المصرية! والطامة الكبرى في صفحة ٢٢ إذ يزعم الأستاذ أن وجود سورة في القرآن تسمى سورة الروم دليل على أن العرب لم يكونوا في عزلة سياسية بل هم أصحاب سياسة متصلة بالسياسة العامة، وقد أخذت ذلك من قوله تعالى: (الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ) . كأنه يعني أن هدْا التاريخ كان معروفاً في أهل السياسة من العرب وفي وزارة خارجية قريش. . . فأخذه القرآن عنهم كما زعم الرجل في إبراهيم وإسماعيل، وغفل أستاذ الجامعة الذي لا يفهم عن قوله تعالى: (وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) فلم يدر أن هذا إنباء بالغيب يدخل في باب المعجزة لا في باب التاريخ ولا في باب السياسة. فذِكر الروم في القرآن وما يجري مجراها في قصص الأمم إعجاز من النبي الأمي في هذه الأمة الأمية، فهو بذلك دليل على جهل تلك الأمة وبدأوتها لا - على علمها وحضارتها، ولن يكون القرآن - دليلاً - على علم العرب وحضارتهم ومعرفتهم بالتاريخ واتصالهم بالسياسة كما يقرر طه حسين في الجامعة إلا إذا كان القرآن كلام النبي الذي جاء به لم يكن وحياً ولا تنزيلاً، فلتنظر الجامعة أين يذهب أستاذها الخبيث في قوله في ص ٢٣ "وكيف يستطيع رجل عاقل أن يصدق أن القرآن قد ظهر في أمة جاهلة همجية" وهل نصدق طه فيما يستنتج بفكره العقيم من أن العرب كانوا أمة متحضرة راقية "وكانوا أصحاب علم ودين وسياسة متصلة بالسياسة العامة" أو نصدق النبى ﷺ في قوله: "إنا أمة أمية لا نحسُبُ ولا نكتب " ومن أين

стр. 122

تجيء الحضارة ويأتي العلم وتستقيم السياسة مع جهل (الأمة) بالكتابة والحساب؟ إن طه حسين هذا مجموعة أخلاق مضطربة وأفكار متناقضة وطباع زائغة. وما من عالم في الأرض إلا وأنت واجد آراءه قائمة بمجموع أخلاقه أكثر مما هي آتية من صفاته العقلية، ولذلك قال رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: "إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان" وطه رجل أرسلوا لسانه وقلبه إلى أوروبا، فرجع بلسانه وترك قلبه هناك في خرائب روما. . . فيجب أن يكون نفاقه وثرثرته مقصورين على نفسه، ويجب أن تحمي الجامعة طلبتها منها، ويجب أن ينهض علماؤنا في إلزام ١ هذه الجامعة أن تعلن براءتها من آراء أستاذها حتى لا يزيغ به أحد فتبقى قيمته وقيمة آرائه كما هو في نفسه وأهوِن به، لا كما هو بالجامعة وأعْظِم بها. وإذا كان عميد كلية الآداب لا يحسن من العربية شيئاً ولا يفقه من هذه المباحث شيئاً ولا هو من دين الأمة فى شيء فماذا نقول في الأستاذ الأديب الذكي البليغ مدير الجامعة الذي اسمه: أحْمد (١) .

стр. 123

للتاريخ بعد نشر المقالة التي سلفت نهض العلماء في جميع المعاهد الدينية، في أسيوط وإسكندرية وطنطا ودمياط والزقازيق والقاهرة فحققوا إلحاد أستاذ الجامعة وجهله وخطله، ثم أرسلوا البرقيات إلى جلالة ملك مصر ورئاسة وزرائها ووزارة المعارف ونبهوا الأمة جمعاء، فخفق البرق من كل جهات القطر بالاحتجاج على أستاذ الجامعة، وأصبح الرجل ملعَنةَ هذه الأمة بأديانها الثلاثة: الإسلام، والنصرانية، واليهودية. وإليك ما كتبه أحد علماء الأزهر ونشرته الصحف، وهو يصف ما كان من الأزهر الشريف وحده دون سائر المعاهد التي أشرنا إليها آنفاً، قال: العلماء يطاردون الإلحاد أهم علماء الأزهر الشريف طلائع تلك الحملة المدبرة ضد الأديان السماوية التي في مقدمتها كتاب "في الشعر الجاهلي " تأليف طه حسين، فرأوا بعد أن جودل بالحجة والبرهان فلم يخضع لسلطانها وأظهر عناداً وإصراراً على الخروج والإلحاد، أن يرفعوا الأمر إلى جلالة الملك وحكومته المسؤولة عن حماية دينها الرسمي، قياماً بما يقضي به واجبهم نحو الدين الذي هم ممثلوه ودعاته، فاجتمع منهم زهاء مائتي عالم بسكرتارية المعاهد الدينية، ومن هناك يمموا "قصر عابدين " يتقدمهم فضيلة أستاذهم الأكبر شيخ الجامع الأزهر وهيئة كبار العلماء، حيث قابلوا صاحب الدولة توفيق باشا نسيم وبسطوا له شيئاً من المطاعن التي وردت في ذلك الكتاب، فأبدى عظيم استيائه لهذا التبجح. وأعلن دولته تضامنه مع العلماء في حفظ بيضة الدين والذود عن حياضه. فخرجوا شاكرين لدولته هذه الروح العالية والنزعة النبيلة. وقصدوا تواً إلى صاحب الدولة زيور باشا رئيس الوزراء بوزارة الخارجية. وهناك اجتمعوا بدولته وصاحبي المعالي وزيري الخارجية والمعارف مجتمعين. فشرحوا لدولته ومعاليهما كذلك بعض ما في هذا المؤلف من كفر وإلحاد. فعظم عليهم الأمر وأكبروه جد إكبار من شخص مسلم من أبوين مسلمين في أمة

стр. 124

متمدينة يطعم ويكسى من أموالها ويحسب في عداد أبنائها وهو أقبح أثراً وأكبر إجراماً من أعدائها. وأعلنوا مجتمعين اتخاذ الوسائل الحاسمة في القريب العاجل، فحمد العماء لهم هذه الهمة العالية والعناية الجليلة التي ستعقد لسان الأديان السماوية وجميع معتنقيها على حمدهم والثناء عليهم، ويستوجبون بها عند الله عظيم المثوبة وجزيل الأجر (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) ولقد عاد العلماء من هذا التطواف ممتلئين ثقة وإيماناً بأن حضرة صاحب الجلالة نصير الدين والعلم، وحكومته الرشيدة، سيضعان الحد الفاصل والسد المنيع والعلاج الناجح لهذه الأوباء الفتاكة التي هي أولى بالمطاردة والإفناء من الجراثيم المعدية. حفظ الله دينه ورعى بعنايته جلالة مليكنا المعظم وولي عهده المحبوب. إنه سميع الدعاء. عبد ربه مفتاح من علماء الأزهر وكان الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر قد أمر، فتألفت لجنة من العلماء لدرس كتاب طه حسين ورفع تقرير بما فيه، فرفعت إلى فضيلته هذا التقرير الذي ترى نسخته، ثم نشرته في الصحف. وهو: كتاب الشعر الجاهلي، ورأي لجنة العلماء فيه.

стр. 125

كتاب الشعر الجاهلي رأي لجنة العلماء فيه حضرة صاحب الفضيلة مولانا الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر. السلام عليكم ورحمة الله: وبعد، فقد اجتمعت اللجنة المؤلفة بأمر فضيلتكم من الموقعين عليه لفحص كتاب طه حسين المسمى "في الشعر الجاهلي" بمناسبة ما قيل عنه من تكذيب القرآن الكريم، واطلعت على الكتاب، وهذا ما نرفعه إلى فضيلتكم عنه بعد فحصه واستقراء ما فيه: يقع الكتاب في ١٨٣ صفحة، وموضوعه إنكار الشعر الجاهلي وأنه منتحل بعد الإسلام لأسباب زعمها - وقال إنه بنى بحثه على التجرد من كل شيء حتى من دينه وقوميته عملاً بمذهب " ديكارت" الفرنسي. والكتاب كله مملوء بروح الإلحاد والزندقة، وفيه مغامز عديدة ضد الدين مبثوثة فيه لا يجوز بحال أن تلقى إلى تلامذة لم يكن عندهم من المعلومات الدينية ما يتقون به هذا التضليل المفسد لعقائدهم والموجب للخلاف والشقاق في الأمة وإثارة فتنة عنيفة دينية ضد دين الدولة ودين الأمة. وترى اللجنة أنه إذا لم تكافح هذه الروح الإلحادية في التعليم ويقتلع هذا الشر من أصله وتطهر دور التعليم من (اللادينية) التي يعمل بعض الأفراد على نشرها بتدبير وإحكام تحت ستار حرية الرأي، اختل النظام وفشت الفوضى واضطرب حبل الأمن لأن الدين هو أساس الطمأنينة والنظام. الكتاب وضع في ظاهره لإنكار الشعر الجاهلي، ولكن المتأمل قليلاً يجده دعامة من دعائم الكفر ومعولاً لهدم الأديان، وكأنه ما وضع إلا ليأتي عليها من أصولها، وبخاصة الدين الإسلامي، فإنه تذرع بهذا البحث إلى إنكار أصل كبير من أصول اللغة العربية من الشعر والنثر قبل الإسلام مما يرجع إليه فى فهم القرآن والحديث، هذا ما يرمى إليه الكتاب فى جملته،

стр. 126

ولنذكر نبذاً منه بعضها كفر صريح وبعضها يرمي إلى الإلحاد والزندقة فنقول: قال في صفحة ٢٦ ما نصه: "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل. وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضاً، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلاً عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة". أنكر المؤلف بهذا هجرة سيدنا إبراهيم مع ولده إسماعيل ﵉ وقال إن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، وهو تكذيب صريح لقول الله تعالى في سورة إبراهيم حكاية عنه ﵊ (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) . وقال في الصفحة نفسها "نحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة - يريد قصة الهجرة - نوعاً من الحيلة لإثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية، والقرآن والتوراة من جهة أخرى". وهو في هذا النص يصرح بأن القرآن اختلق هذه الصلة بين إسماعيل والعرب ليحتال على جلب اليهود وتأليفهم، ولينسب العرب إلى أصل ماجد زوراً وبهتاناً لأسباب سياسية أو دينية. وهذا من منتهى الفجور والفحش والطعن على القرآن الكريم في إثباته أبوة إبراهيم للعرب في قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ) الآية. وقال في صفحة ٢٧ "وقد كانت قريش مستعدة كل الاستعداد لقبول مثل هذه الأسطورة - الهجرة المذكورة - في القرن السابع للمسيح. . . إلى أن قال في صفحة ٢٩ "إذاً فليس ما يمنع قريشاً من أن تقبل هذه الأسطورة التي - تفيد أن الكعبة من تأسيس إسماعيل وإبراهيم، كما قبلت روما قبل ذلك ولأسباب مشابهة أسطورة أخرى صنعتها لها اليونان تثبت أن روما متصلة بإينياس بن بريام صاحب طروادة، أمر هذه القصة إذاً واضح. فهي حديثة العهد قبيل الإسلام، واستغلها الإسلام لسبب ديني، وقبلتها مكة لسبب ديني وسياسي أيضاً، وإذاً فيستطيع التاريخ الأدبى واللغوي ألا يحفل بها عندما يريد أن يتعرف أصل اللغة العربية الفصحى"

стр. 127

وهو تكذيب صريح لقول الله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) الآية سورة البقرة، ولقوله تعالى: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) . وقوله تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) . إلى غير ذلك من الآيات التي في هذا الموضوع، وهو فوق تكذيبه للقرآن، يقول إن فيه تدليساً واحتيالاً لأسباب سياسية ودينية من أجلها اختلق هذه الأخبار - بهذا وأمثاله يقرر المؤلف أن القرآن لا يوثق بأخباره ولا بما فيه من التاريخ. وكم يترك هذا الكفر الفاحش في عقول الطلبة من أثر سيئ وهدم لعقائدهم ودينهم وماذا بقي في القرآن من ثقة وحرمة في نفوسهم بعد هذا التكذيب؟ وقال في صفحة "٣٣ وهناك شيء بعيد الأثر لو أن لدينا أو لدى غيرنا من الوقت ما يمكننا من استقصائه أو تفصيل القول فيه، وهو أن القرآن الذي تُلي بلغة واحدة ولهجة واحدة هي لغة قريش ولهجتها لم يكد يتناوله القراء من القبائل المختلفة حتى كثرت قراءاته وتعددت اللهجات فيه، وتباينت تبايناً كثيراً. . . إلى أن قال: إنما نشير إلى اختلاف آخر في القراءات يقبله العقل ويسيغه النقل وتقتضيه ضرورة اختلاف اللهجات بين قبائل العرب التي لم تستطع أن تغير حناجرها وألسنتها وشفاهها لتقرأ القرآن كما يتلوه النبي وعشيرته من قريش، فقرأته كما كانت تتكلم" إلى آخر ما قال. وهذا تصريح منه بأن القراءات لم تكن منقولة كلها عن النبي ﷺ بل هي من اختلاف لهجات القبائل، فالسبع المتواترة ليست عنده واردة عن النبي ﷺ . ومعلوم في أصول الدين أن السبع متواترة وأن طريقها الوحي فمنكرها كافر. وعدا ما سردناه توجد صحائف عديدة فيها مغامز مؤلمة، منها ما قاله في صفحة ٨١، وشاعت في العرب أثناء ظهور الإسلام وبعده فكرة أن الإسلام يجدد دين إبراهيم. وفي الصفحة التي قبلها "أما المسلمون فقد أرادوا أن يثبتوا للإسلام أولية في بلاد العرب كانت قبل أن يبعث النبي، وأن خلاصة الدين الإسلامي وصفوته هي خلاصة الدين الحق الذي أوحاه الله إلى الأنبياء من قبل" وهو في هذا يكذب قوله تعالى (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) .

стр. 128

وقوله تعالى: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في هذا الموضوع، ومنها غير ذلك كثيراً مما هو مبثوث في الكتاب. ولا ريب في أن هذا هو عين ما يطعن به المشركون على القرآن في مبدأ أمره، قال تعالى في سورة الفرقان (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) . فاللجنة ترفع إلى فضيلتكم ما وصلت إليه على سرعة من الوقت مما سطره المؤلف من الكفر الصريح، وتترك ما ينطوي في ثناياه من الإلحاد والزندقة مما لا يخفى على الناظر. نرفعه مطالبين فضيلتكم والحكومة بوضع حدٍّ لهذه الفوضى الإلحادية. خصوصاً التي تنبت في التعليم لهدم الدين بمعول الزندقة كل يوم، فما نفرغ من حادثة إلا ونستقبل حوادث لا تدع المؤمن مطمئناً على دينه. نطالب فضيلتكم والحكومة بذلك حرصاً على أبناء الدولة أن يتفشى هذا الداء فيهم، وهم رجال المستقبل وسيكون بيدهم الحل والعقد في مهام الأمور. ونحن لا نفهم كيف تُصرف أموال المسلمين وأوقافهم على تعليم نتيجة هذا الإلحاد الذي يبثه الداعي ويتقاضى عليه مرتباً ضخماً من هذه الأموال. وهل بهذه الطريقة وعلى هذا النحو تخدم وزارة المعارف أبناء الأمة ورجال الغد وتبني صرح التعليم والتربية؟.. نسأل الله أن يوفقكم لما فيه المصلحة والسلام. ٢٦ شوال سنة ١٣٤٤ الإمضاءات محمود الديناري. عبد المعطي الشرشيمي. محمد عبد السلام القباني. عبد ربه مفتاح، عبد الحكم عطا. محمد هلالي الأبياري. عبد الرحمن المحلاوي. محمد علي سلامة. * * * قلنا فما كان بعد ذلك إلا أن خنَس أستاذ الجامعة وذهبت كل شجاعته الأدبية فى رغيف من الخبز. . . وأصبح دينه بين عقله وبطنه، فجعل له خوف

стр. 129

الجوع ديناً، وخشي أن يخرجوه من الجامعة فرفع هذا الكتاب إلى مديرها لينشره على الأمة، قال: حضرة صاحب العزة الأستاذ الجليل مدير الجامعة المصرية أتشرف بأن أرفع إلى عزتكم ما يأتي: كثر اللغط حول الكتاب الذي أصدرته منذ حين باسم: " في الشعر الجاهلي " وقيل إني تعمدت فيه إهانة الدين والخروج عليه، وإني أعلِّم الإلحاد في الجامعة؛ وأنا أؤكد لعزتكم أني لم أرد إهانة الدين ولم أخرج عليه، وما كان لي أن أفعل ذلك وأنا مسلم أؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأنا الذي جاهد ما استطاع في تقوية التعليم الديني في وزارة المعارف حين كففت العمل في لجنة هذا التعليم، ويشهد بذلك معالي وزير المعارف وأعوانه الذين شاركوني في هذا العمل، وأؤكد لعزتكم أن دروسي في الجامعة خلت خلواً تاماً من التعرض للديانات، لأني أعرف أن الجامعة لم تنشأ لمثل هذا. وأنا أرجو أن تتفضلوا فتبلغوا هذا البيان من تشاؤون وتنشروه حيث تشاؤون وأن تقبلوا تحياتي الخالصة وإجلالي العظيم. طه حسين فكتبنا المقالة الآتية: فلما أدركه الغرق. . .

стр. 130

فلما أدركه الغرق . . . عندي نسخة من كتاب " كليلة ودمنة " ليس مثلها عند أحد، ما شئتُ من مَثل إلا وجدته فيها، وقد رجعت إليها اليوم. (١٣ مايو سنهَ ١٩٢٦) فأصبت فيها هذه الحكاية. قال كليلة: أما تضرب لي المثل الذي قلتَ يا دمنة؟ قال دمنة: زعموا أن سمكة في قدر ذراع كانت في غدير، فلما سال به السيلُ جرى بها الماء إلى نهر قريب، فدخلها الغرور فقالت: هذا لعمري ميراث أبي قد كنت عنه غافلة، وما أكثر ما يضيع التهاون والعجز! ثم إنها لبثت في النهر ما شاء الله حتى خرج بها التيار إلى البحر، فقالت: يا ويلتا، أعجزت كل هذا العمر عن ميراث أعمامي! . . . ثم ما زالت فىِ ميراث أعمامها حتى قذف بها الماء إلى المحيط فاتسع لها منه ما يسعها. . . فقالت: قبَّح الله العجز ولو من كسل وهُوَينا، لقد كدت أسلَبُ ميراث أجدادي! . . . لولا أن من دمهم فيّ لم يزل يدفعني ولم يزل يسمو بي. ثم إنها طفت يوماً على الماء فإذا الأسطول الإنجليزي يمخر العُباب إلى جبل طارق في عشر بوارج وعشرين مدرعة ومائة سفينة طوربيد وخمسين غواصة، فطار بها الغيط قِطعاً وقالت: مَن هذا الوقح المتهجم على ميراث أجدادي لا يخشى أن يقتحم علي وقد حميتُ هذا الملك من حيث يجري الماء إلى حيث يبلغ الماء؛ ثم إنها شدت نحو الأسطول وهي تخبط بذنبها من الغيظ تريد أن تضربه بهذا الذنب ضربة تلوي به، ولكن الأسطول كان بعيداً، ثم إنه كان سريعاً، ففاتها فقالت: أولى لك، ما نجا بك والله إلا حِدة الهرب وسرعة الفرار. قال دمنة: ثم اضطجعت على الماء تسكن من غضبها فنامت واسترخت. فمر بها زورق صيد، فما أحست إلا الشبكة وقد أخذتها، فغاصت في الماء وجعلت تختبط عالية سافلة لا ترى مذهباً ولا مفرًّا، فلما أعياها ذلك وبلغ منها

стр. 131

الجهد قالت: أيتها الشبكة، دعيني، فوالله ما قلت إن المحيط ميراث أجدادي ولا البحر ميراث أعمامي ولا النهر ميراث أبي! قال كليلة: فمثلُ مَن هذا يا دمنة؟ قال: مثل طه حسين في كتابه لمدير الجامعة. . . * * * قرأت اليوم هذا الكتاب وفيه يقول طه: "أؤكد لعزتكم أني لم أرِد إهانة الدين ولم أخرج عليه، وما كان لي أن أفعل ذلك وأنا مسلم أؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. . . وأرجو أن تتفضلوا فتبلغوا هذا البيان من تشاؤون وتنشروه حيث تشاؤون ". ونحن فقد أصبحنا من أتباع مذهب ديكارت، فوالله ما نصدق طه حسين ولا سمكة دمنة حتى نبحث متجردين من كل عاطفة. فليبحث معنا القراء: ١ - الكتاب مؤرخ ١٢ مايو، فأين كان طه منذ اتهم بالإلحاد من كاتب واحد ثم من علماء أسيوط ثم الإسكندرية ثم دمياط ثم الزقازيق ثم طنطا ثم الأزهر ثم الأمة كلها ثم الحكومة! أيقبل هذا كله على نفسه إلا متعنت كل التعنت مُصِرٌّ أشد الإصرار معاند بغاية العناد؟ ٢ - ألم يصرح في منهج البحث من كتابه أنه تجرد من دينه لهذا البحث وأوجب ذلك على الأدباء، وقال في صفحة ٤٥: إن عقليته اصطبغت بالصبغة الغربية، وفي صفحة ٤٦: إنه خلص شخصيته من الأوهام والأساطير وإن سخط الناس على كتابه "لن يقلل من تأثيره في هذا الجيل الناشئ، فهذا سخط الناس على كتابه فما باله اليوم؟ وهل العقلية الغربية الباحثة على مذهب ديكارت متجردة من الدين ومن العواطف تعقل الوحي وتقرُّ به؟ ٣ - هل يجد القراء في كتابه لمدير الجامعة أنه رجع عن إلحاده وتبراً من آرائه في كتاب الشعر الجاهلي من نسبة الخرافة إلى القرآن وتكذيب النبي ﷺ والتهكم به وبحديثه الخ الخ؟ أم كان أمره كما حكى الله عن فرعون (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ) ؟ ٤ - ما الغرض من الكتابة لمدير الجامعة؟ أكان الأستاذ المدير يجهل منهج الدراسة في كلية الآداب إلى هذا التاريخ؟ أم كان لا يعرف أن كتاب الشعر الجاهلي منسوب إلى أستاذ الجامعة وأن اسم الجامعة مطبوع في عنوائه؟

стр. 132

أم كان لا يقرأ في الصفحة الأولى منه أن طه (تحدث بهذا البحث إلى طلابه في ْالجامعة وهم أكثر من مائتين" وأنه مصرٌّ على بحثه مكابر فيه " غير حافل بسخط الساخط ولا مكترث بازورار المزوَر"؟ ٥ - ألا تنطق عبارة الكتاب أنه ما كُتب إلا لغرضين: أولهما أن "تبلغه" الجامعة الحكومة كأنه حل حاسم للمشكلة معها؛ والثاني أن "تنشره" الجامعة في الصحف كأنه حل لمشكلتها مع الأمة. فهل مع مثل هذين الغرضين يكون للنية السليمة موضع أو للإيمان محل في هذا الكتاب؟ ٦ - كيف يصدق طه في أنه لم يُرِد إهانة الدين والإهانة في كتابه، وكتابه لا يزال يباع ولا يزال الرجل مصرًّا عليه لم يتبرأ منه ولا تبرأت الجامعة. وما وردت تلك الإهانة في كتابه إلا ليجعلها برهاناً على نظريته في أن العرب العدنانية لم تتخذ لغة إسماعيل التي ورد في شأنها الحديث الشريف والتي هي أساس لغة القرآن، فإذا لم يتبرأ من هذا الرأي ويعلن أنه رجع عنه وكانت الإهانة هي البرهان الوحيد على هذا الرأي فكيف يقول إنه لم يرِدها؟ ٧ - هل يظن طه أن الأمة وعلماءها وأدباءها من البلاهة والغفلة بحيث يقنعهم هذا العذر البارد، عذر ١٢ مايو؟ هذه سبعة اعتراضات لابد من ردها قبل أن نصدق سمكة دمنة!

стр. 133

موقف حرج لوزارة المعارف قبل أن نكتب كلمتنا اليوم نسوق حرفين إلى معالي وزير المعارف، فإن معاليه رجل عالم ذكي، بل نابغة في ذكائه وحدة خاطره؛ لا تخطئ الفراسة أن تعرف منه رجلاً أي رجل، وهو خير من يعلم أن لكل فن منهجاً ولكل علم طريقة؛ وأن نادرة الأذكياء في الطب وعالم الدنيا فيه لو هو سمت به همته ونازعته نفسه لأن يطاول أهل القانون ويفسر لهم ويبصرهم بعلومهم ودقائق علومهم لجعلوه سخرية بينهم، ولتناولوه من ألسنتهم بما يُلقي في أعصابه كلل آلاف المرضى في مستشفى طويل عريض كمستشفى المجاذيب. . . والأستاذ طه حسين مدرس الآداب في الجامعة لا يمكن أن يعرفه معالي الوزير في هذا الفن الأدبي معرفة ذات نسب بينهما، كمعرفته أستاذ القانون الجنائي مثلاً، أو معرفة التشريح لأستاذ الأمراض العصبية، أو مثل ذلك لمثل ذلك، بل معرفة عامة غير محدودة بصفات مشتركة ولا متميزة بخصائص متشابهة، بل معرفة أوسع وأشمل كمعرفة كل من يقرأ لكل من يكتب؛ فلا ريب عندنا أن معالي الوزير يكون معنا فيما نقرره من وجوب نقد طه وتمحيص آرائه وبيان أغاليطه وفيما نوجهه إلى الجامعة من ذلك، وليس هذا بحكم منصبه فقط، بل بحكم ذكائه وعلمه أيضاً، ثم بحكم إخلاصه لأمانة العلم فوق ذلك كله، لا يمكن غير هذا ولا نصدق غير هذا إلا إذا اعتبرت الجامعة المصرية ملجأ أو في حكم ملجأ للدكتور طه حسين، فذاك شيء آخر، والرجل بحيث ترى إن لم تَعُرَّه الجامعة عَرَّها. والآن يا معالي الوزير الكبير قد تناولك كتاب الأستاذ طه فحصرك في موضع أحكم شدَّ ثلاث من جهاته الأربع بحيث لا رجعة ولا تحول وليس إلا المضى بعزيمة لا تنفع فيها الهوينا وحزم فرغت كل الحيل منه وفرغ منها؛ ذلك أن وزارة المعارف تدرس هذا العلم الذي يسمى آداب اللغة في مدارسها الثانوية ومدرسة دار العلوم والقضاء الشرعي، وقد جاءت المدرسة الكبرى التي تسمى الجامعة فسفه أستاذها كل هذه المدارس ونفى ما يعلَّم فيها من ذلك الفن

стр. 134

وأفسده وقال بخطئه من أصوله إلى فروعه، فما يسمَّى في تلك المدارس شعر امرئ القيس وعَبيد وطرفة وعمرو بن كلثوم وغيرهم تسميه الجامعة كذباً وتدليساً وخرافة، وما يقال له هناك إعجاز القرآن يوصف في الجامعة بأنه خرافات وأكاذيب الأعراب واستغلال ديني أو سياسي وهكذا. . . فوزارة المعارف بين اثنتين لا بد من إحداهما ولا تستطيع كل قوانين الطبيعة أن توجد لهما ثالثة: فإما أن تعلن الوزارة أن هذه الكتب التي تدرس في مدارسها خطأ محض ليست لها ولا لأساتذتها قيمة، ثم تصحح علم طلبتها، ثم تنشر ذلك في كل الصحف ليعلمه من ضلُّوا بهذه الوزارة وبعلومها قديماً وهم لا يُحصون كثرة؛ وإما أن تعلن أن كتاب الجامعة المصرية سخيف وأن أستاذها قد ذل وضل وقل، فأما أن يكون نصف العلم يكذب نصفه في وزارة واحدة بحيث يجيء الأعلى نقضاً على الأسفل فهذا ما لا نكاد نعقله، وهو إذا استمر كان صريحاً في الدلالة على أن وزارة المعارف المصرية ليست لها قيمة ولا ثقة بها ولا بمدارسها ولا أمانة فيها للعلم (١) ؛ ثم نرجو أن لا تنسى الوزارة - إذا صح عندها كتاب طه حسين فأمرت بتصحيح العلم والتاريخ - لا تنسى أن تأمر وزارة الأوقاف يومئذ بإنارة مآذن جامع القلعة.. ليعلم الأزهر الشريف أن ما أقيمت عليه علوم العربية واللغة والبلاغة والتفسير من الشواهد الكثيرة المنسوبة إلى شعراء الجاهلية، وأن القرآن وبلاغته وإعجازه وأخباره، كل ذلك يجب الصوم عنه منذ اليوم، لأن أستاذ الجامعة أثبت لوزارة المعارف أنه رأى "هلال "الشك ". . . الوزارة موسومة الآن في العالم العربي كله بالنقص والخطأ في إحدى جهتيها، ما يرتاب في ذلك أحد؛ ولسنا نكره أن يكون الأستاذ طه حسين نادرة المشرق وفخر العربية، ولكنا نكره أن يكون فضيحة مصر، وأن يجعل الجامعة المصرية معرضاً للسخرية بهذه الدروس التي نقول من ناحيتنا إنها حماقة في الرأي وفساد في الفهم وتعكس في التأويل والاستخراج، ونقول أكثر من ذلك إنها تشبه رجلاً به مسٌّ فزُيِّن له أن يخالف الناس لأن جنونه أوهمه أنهم مجانين وأن العاقل مثله يجب أن يتميز منهم ليُعرف بينهم فلا تجري عليه أوصافهم، ثم رأى أنه لا يُعرف بينهم إلا بالمخالفة حتى يبين منهم فـ. . . فـ. . . فوضع رأسه في حذائه ومشى. . .

стр. 135

ومن بعدُ؛ فالقول في أغاليط أستاذ الجامعة لا ينتهي، ونحن إنما نبحث فيما نبحث عن أصول الخطأ في هذا الأستاذ لا عن فروعه، ونعد من ذلك مثلما يعدون من الشجر فيقولون واحدة وفي الواحدة فروع كثيرة، لأنهم إنما ينظرون إلى الجذع الذي يحمل ذلك ويخرجه، فكذلك أمرنا مع طه حسين؛ لماذا نحن كسرنا الجذع فما نبالي ما عدد فروعه، لأنها مكسورة وإن بقيت في جذعها. لقد عثرنا في كتاب أستاذ الجامعة على نوع غريب من الترجمة، وهو ترجمة من أصول الخطأ في فكر الرجل أو فكره أصل فيه، ولا تحسبنها ترجمة من الفرنسية أو اليونانية، بل هي من العربية، وذلك أشنع لها، فلو أنت تدبرت النصوص التي ينقلها الأستاذ في كتابه ويحملها على أغراضه أو يحمل أغراضه عليها وكنت فطناً باحثاً نقاباً لرأيت هذه النصوص تشكو إليك وتستجير بك مما أصابها من القلة والذلة، فإن طه لا يجد النص أبداً في كتب العربية إلا كلاماً جزلاً بليغاً محكم السرد موثق التركيب قد نُزلت فيه الألفاظ على منازلها وجُلبت لمعانيها وتلاءمت مع أشكالها وخرج منها أسلوب رصين مطبوع كمصنوع أو مصنوع كمطبوع؛ فإذا أصابه في الكتب على هذه الصفة من البلاغة خشي منه على أسلوبه وكتابته، ورأى أن أشد ما يفضح الثوب القذر أن تنزل فيه رقعة نظيفة لها جدة ورونق، فلا يكون له مِن هَمٍّ غير أن يعمد إلى النص فيُمِرَّه لسانه ويديره على أسلوبه ويرصفه كرصفه ويترجمه من عربية إلى عربية غيرها فيختل ويرك، ثم يندمج في عبارة طه فإذا هو لا يَنبُهُ عليها ولا هي تنبه عليه، ثم يكون لـ طه من ذلك فائدتان غير هذه؛ أما واحدة: فإن النص إذا نقل على أصله اختلفت فيه العقول وكانت حَرية أن تتفاوت فيما تدرك منه ففهم كل إنسان بمقدار ذكائه واطلاعه وعلى حسب ما تيسر له وسائله، ولا كذلك النص المختلف عن أصله المزال عن جهته، فإنه لا يؤتي إلا معنى واحداً هو ما سيق له، ثم لا يكاد يدرك أحد حقيقةَ ما وضع النص فيه. ومما اتفق لي من ذلك أني وقفت في بعض الكتب على نص في تكذيب خبر المعلقات وأنها كتبت أو علقت، ووقف عليه صاحب كتاب في آداب اللغة فإذا هو يسوقه في كتابه نصاً على خبر التعليق مع أنه برهان قاطع في خبر النفي، وإذا الخلاف كله في أنه أخطأ قراءة فعل نقله على غير وجهه فانقلب المعنى وانتكس النص. وأما الفائدة الثانية التي يرمي إليها طه فإنه إذا ترجم النص وحذف. . . وحذف منه وغيَّر وبدَّل استطاع أن يجد من ذلك سبيلاً إلى صلة المعنى الذي في الكلام بالغرض الذي في نفسه، وتسهَّل عليه القول الذي كان صعباً، وقرب

стр. 136

الرأي الذي كان بعيداً. فربما كذب الأستاذ وهو عندك صادق، أو غلط وهو عندك مصيب، أو نحل الناسَ ما لم يقولوه والنص يوهم أنهم قالوه؛ وأي ذلك قد كان فإنما له نتيجة واحدة، هي أن يقهر النص على أداء معنى لا يراد به إلا ما أراد طه؛ وما هذه بأمانة ولا هذا بصدق، فإنه يجب على كل عالم يحتج بكلام غيره أو على كلام غيره أن يورد الكلام بحروفه وإن حَذَف دل على موضع الحذف، وإن غير أو أبدل نبه إلى أنه تصرف وتعمل، وذلك واجب في العلم، ولهو في التاريخ أوجب، إذ الكلمة التاريخية حادثتها أو معناها كالاسم في الناس على مسماه: مهما بدلتَ فلا يجوز تبديله ومهما قلتَ فليس فيه إلا قول واحد إذا أردته لحقيقته. ونريد أن نبين للناس وللجامعة التي يظهر لنا أنها في غفلة مغطاة أن صنيع طه حسين في بتر النصوص وترجمتها طريقة معروفة للطاعنين في الإسلام وعلومه، سبقه إليها ابن الراوندي العالم الزنديق المشهور الذي كان يؤلف الكتب لليهود والنصارى في الطعن على المسلمين ونبيهم ﷺ وقرآنهم وأئمة دينهم وأشياخ الكلام فيهم، إذ كان من شأنه الحكايةُ للنص مبتوراً، قالوا: يُسمِّجه ويوحِشُ الناس منه، ثم ليتأتى له أن يستخرج الرأي الفاسد من كلام يظنه الناس صحيحاً متى عزاه إلى المصححين والثقات. فإياكم ثم إياكم أيها الأدباء وأيها الطلبة أن تصدقوا أستاذ الجامعة فيما يستخرجه من النصوص إلا إذا أورد هذه النصوص بعبارتها وحروفها فإنه أحياناً مريض الذهن، وعسى من يفهم منكم ما لا يفهمه؛ وإه دائماً مريض النية، فهو بذلك جريء جراءة من خولط في ناحية من عقله، لا يوفر إماماً ولا يرضى رأياً ولا يتحرج ولا يقيد نفسه إلا بما يقيده به قانون العقوبات فقط. . . وما دام يأمن (النيابة والقضاء) فما شيء أراد أن يقوله إلا قاله! وهنا معنى يحسن أن لا ندعه وأن نصل به الكلام، فإن أستاذ الجامعة رجلُ شك، ولا يمكن أن يكون رجلاً من غير شك. . . فإن لزمَنا عنده العيبُ والشتعة واتهمنا بالغفلة لأننا نصدق دلالة النصوص ونأخذ بها في التاريخ لزمه عندنا أكثر من ذلك إذا هو احتج أو استخرج منه نتيجة علمية، ولم يكن له شيء من الحجة إلا كان لنا عليه أضعافه، إذ ما يدريك يا أستاذ الشك أن هذا النص الذي تحتج به وتسوقه لما تريد ليس من النصوص المكذوبة أو المشكوك فيها. وكيف تقطع على صحته ولعله أقواها وأضعفها صدقاً؟ وما كنت أنت من أبناء الدهر الأول فتشهد عليه شهادة العدل، ولا الذي رواه أبوك أو أخوك أو

стр. 137

حموك.. فيكون لك إليه سبب من الصهر والقرابة يقوم دليلاً في التعديل والتجريح؛ وكيف يجوز الكذب والوضع على أكثر النصوص التي نحتج بها ولا يكون النص الذي تحتج به أنت مما هذه سبيله. . .؟ أفتراك يا طه في ريب بعد أو تشك في أن مذهب الشك في التاريخ يهدمك قبل أن تهدم به شيئاً، ويظهر الناس على غفلتك وأنت تتوهم أنك ظهرت على غفلاتهم؟ وهل في العلم أحمق من أن تقول إن الكثرة المطلقة في الشعر الجاهلي موضوعة وأنت لا تعرف القلة الصحيحة منه ولا تستطيع تعيينها ولا تعيين بعضها ولا الجزم ببيت واحد منها؟ نحن لا نرجع عن رأينا في أن تقليد بعض المستشرقين هو الذي أفسد طه، فقد صحبهم وأخذ عنهم ثم نزع إلى مذاهبهم وأقاويلهم، لأنه وإياهم سواء أو متقاربون في الركاكة وسقم الفهم والوقوع بالبعد البعيد من أسرار الكلام العربي ومعانيه؛ وقديماً ما أفسد شيخ الرافضة هشام بن الحكم إلا صحبة أبي شاكر الديصاني إمام الديصانية، وكان هذا أبو شاكر رجلاً يظهر الإسلام ويبطن الزندقة كما يظهر بعض المستشرقين الميل إلى العربية وينطوي على هدم الإسلام بهذا الميل، وعلى استعمار أرضه واستعباد أهله. والعجيب أن مذهب الرافضة هو بعينه مذهب هذه الفئة من المستشرقين. فإن أكبر شأنهم جحد الرسالة لمحمد ﷺ والتكذيب بالقرآن ورد ما أجمعت عليه الأمة، وهذا كله يدور عليه كتاب أستاذ الجامعة إيماء وجَهرة وتعريضاً وتصريحاً. وأعجب ما عجبنا له أن الأستاذ تورط في الهلكة وطعن في القرآن وكذب به واشتمل كتابه من ذلك على ما بيناه في المقال السابق، وهو كان في غنى عن كل ما تكلف منه، وكان في عافية وسعة، لأن شيئاً من ذلك لا يداخل موضع الشعر الجاهلي، ولا هو من أدلته لا بالقرب ولا بالبعد، وما نحسبه أراد به الحشد في كتابه وتكبير حجمه، فإن كتابه مع كل هذه الثرثرة ومع كل ما استعان به من الكلام في الشعراء وتراجمهم ضئيل الحجم قليل الورق في تسعين ونيف من القطع الصغيرة؛ فما بقي إلا أن يكون قد أراد غرضاً علمه الله منه ففضحه به وخذله فيه! ولقد أخذ فكرة الشك في شعر الجاهلية عن المستشرقين أيضاً، فقد كان حدثنا الأستاذ العلامة الكبير صاحب مجلة "المقتطف" فى شهر سبتمبر من السنة

стр. 138

الماضية أن مجلة الجمعية الأسيوية نشرت بحثاً للشيخ. . . مرجليوث المستشرق الإنجليزي المعروف، أنكر فيه صحة الشعر الجاهلي، ثم ساق لنا الأستاذ بعض أدلته فلم نجد مقنعاً ولا رضا، وقلنا هو رأي في العلم لا عِلم، ثم هو من مستشرق وذلك أوهن له، وما كان لنا أن نأخذ عن القوم في الأدب العربي إلا بتمريض واحتراس. ولما فتحت الجامعة إذا المسشر. . . طه حسين ينتحل الفكرة ويدعيها ويبوب لها أبواباً ويفصل فصولاً ويدرس ذلك فى الجامعة، فباءت هذه الجامعة المسكينة من عمله بالخزي والفضيحة، واستمتع هو بمنزلتها وأموالها؛ والجامعة كما رأيناها مريضة يتحامل بعضها على بعض، حتى لو طنت عليها ذبابةُ انتقاد لفزعت وخافت، أما الشيخ فلو قرضوا جلده بالمقاريض لما أحس شيئاً، كأنَّ الله تعالى خلق نصف دمه من "الكلورفورم " فجلده مبنج في كل وقت. . . ولنرجع إلى ما كنا فيه من النصوص، فانظر كيف يصنع شيخ الجامعة. قال في صفحة ٦٦: "ولابن سلام مذهب في الاستدلال لإثبات أن أكثر الشعر قد ضاع، لا بأس أن نلم به، فهو يرى أن طرفة بن العبد وعبيد بن الأبرص من أشهر الشعراء الجاهليين وأشدهم تقدماً، وهو يرى أن الرواة المصححين لم يحفظوا لهذين الشاعرين إلا قصائد بقدر عشر، فهو يقول: إن لم يكن هذان الشاعران قد قالا إلا ما يحفظ لهما فهما لا يستحقان هذه الشهرة وهذا التقدم. وإذن فقد قالا شعراً كثيراً ولكنه ضاع ولم يبق منه إلا هذا القليل، وشق على الرواة أو على غير الرواة ألا يروى لهذين الشاعرين إلا قصائد بقدر عشر فأضافوا إليهما ما لم يقولا". انتهت الترجمة. . . أما الأصل في اللغة العربية فهو: "ومما يدل على ذهاب العلم وسقوطه قلة ما بقي بأيدي الرواة والمصححين لطرفة وعبيد. والذي صح لهما قصائد بقدر عشر، وإن لم يكن لهما غيرهن فليس موضعهما حيث وُضعا من الشهرة والتقدمة، وإن كان يروى من الغثاء لهما فليسا يستحقان مكأنهما من أفواه الرواة، ونرى أن غيرهما قد سقط من كلامه كلام كثير. غير أن الذي نالهما من ذلك أكثر، وكانا أقدم الفحول؛ فلعل ذلك لذلك، فلما قل كلامهما حُمل عليهما حمل "كثير". انتهى النص، وعارِض أنت بلاغة ببلاغة ولغة بلغة، وقابِل بين ما ذهب إليه طه وما أراد ابن سلام؛ فمهما أخطأ فلن يخطئك أن تعرف الفرقَ بين الثرثرة والقصد، وبين هزيل الكلام وسمينه؛ وبين صحة الفكر وفساده وبين الأخذ

стр. 139

من الدليل بقيده والاتساع في الدليل على إطلاقه، وما يرى ابن سلام إلا أن كثرة ما ضاع من شعر طرفة وعبيد إنما كان لأنهما أقدم الفحول، فبعد العهد به ومات بموت من علموه من عرب الجاهلية. فهذا نص على بعض أسباب ضياع ما ضاع من الشعر إن كثيراً أو قليلاً، ثم في عبارته نص آخر ينقض كتاب الجامعة كله، وهو إثبات أن لنا "رواة مصححين"، وأنهم صححوا لطرفة وعبيد قصائد بقدر عشر، وأثبتوا أن ما عداها غثاء حُمل عليها حملاً. ويلزم من هذا أنهم درسوا الشعر وجمعوه وحققوا روايته وأثبتوا الصحيح ونصوا عليه وميزوا المنحول وردوه وفصلوا الشعراء وقالوا في كل منهم وعارضوا بين الأقوال ورجحوا واستدلوا واحتجوا وناظروا، فوجب من ثم أن نصير إلى قول أولئك المصححين ونأخذ بعلمهم ونقف عند ما نضوا عليه، لأنهم كانوا أهل هذا العلم ولا أهل له من بعدهم إلا بِصلة تنتهي إليهم؛ وهو ظاهر أن هؤلاء الرواة لم يُثبتوا في كتبهم إلا ما صح عندهم، وأنه ليس على الأرض اليوم من يستطيع بعض ما فعلوه، لأننا بالإضافة إليهم أمة من الأعاجم؛ وبديهي أن ما يكون من وسائل العلم والرواية والنقد بعد مائة سنة من تاريخ الجاهلية لا يكون مثله ولا بعضه ولا بعض من بعضه بعد أربعمائة وألف سنة، وخاصة مع انقطاع الأسانيد وضياع الكتب؛ فأين هذا كله مما يذهب طه إليه وما خرف به في كتابه؟ ويقول شيخ الجامعة في صفحة ٦٧ بعد أن بين أن العصبية كانت من أهم الأسباب التي حملت العرب على وضع الشعر ونسبته إلى الجاهلية، قال: وقد رأيت أن القدماء قد سبقونا إلى هذه النتيجة؛ وأريد أن ترى أنهم قد شقوا بها شقاء كثيراً، فابن سلام يحدثنا بأن أهل العلم قادرون على أن يميزوا الشعر الذي ينتحله الرواة (كذا وهو يريد الوضع لا الانتحال) (١) في سهولة، ولكنهم يجدون مشقة وعسراً في تمييز الشعر الذي ينتحله العرب أنفسَهم!. انتهت (الترجمة) أما الأصل المعرَّب العربي فهو: " ثم كانت الرواة بعدُ فزادوا في الأشعار، وليس يشكل على أهل العلم زيادة ذلك ولا ما وضع المولَّدون وإنما عَضَل بهم أن يقول الرجل من أهل بادية من وَلَدِ الشعراء أو الرجلُ ليس من ولَدِهم، فيشكل ذلك بعض الإشكال" اهـ. فانظر إلى الفرق البعيد بين قول ابن سلام: "الرجل من أهل بادية" وبين

стр. 140

قول طه "الذي ينتحله العرب أنفسهم " وتأمل معنى (يشكل بعض الإشكال) ومعنى "يجدون مشقة وعسراً". وكلام ابن سلام صريح قاطع في أن الشعر الذي نسب إلى الجاهلية وأشكل أمره على الرواة قليل جداً، ثم هو لا يشكل إلا "بعض الإشكال" ثم لا يكون كذلك إلا حين يجيء من عربي قح له عرق في الشعر فتعَينه الوراثة أو عربي في حكم ذلك بالقريحة والقوة والطبع، أما الذي زاده الرواة والذي صنعه المولدون فكل ذلك متميز معروف لا إشكال فيه، وهو بعض ما يقوم عليه الرواة، لأنه من مادة علمهم ولا فائدة للرواية إن لم تتحقق به، فقل لي بعيشك أين هذا مما ذهب إليه طه في الحكم بتزوير (الكثرة المطلقة) من الشعر؟ وقال في صفحة ٥٤: قال ابن سلام - كان الله لك يا ابن سلام. . . - وقد نظرت قريش فإذا حظها من الشعر قليل في الجاهلية، فاستكثرت منه في الإسلام. قال: وليس من شك عندي في أنها استكثرت بنوع خاص من هذا الشعر الذي يُهجى فيه الأنصار. وترجم هذا النص في صفحة ٦٦ ترجمة أخرى فقال عن ابن سلام: (وهو يحدثنا باكثر من هذا: يحدثنا أن قريشاً كانت أقل العرب شعراً في الجاهلية. فاضطرها ذلك - تأمل - إلى أن تكون أكثر العرب انتحالاً للشعر في الإسلام) . أما ترى؟ أما تعي؟ أما تعجب؟ هل كان في النص الأول أن قريشاً كانت (أقل العرب) شعراً في الجاهلية فاضطرها ذلك اضطراراً لأن تكون (أكثر العرب) انتحالاً؟ على أن كتاب ابن سلام مطبوع، ولم نعثر فيه على أصل النص، وإنما الذي رأيناه من كلامه في الكتاب كله أنه علل قلة شعر قريش في الجاهلية بأنهم لم يحاربوا ولم تكن بينهم نائرة، وإنما تكثر الأشعار في الحروب والوقائع. وقال في موضع آخر: وقريش تزيد في أشعارها تريد بذلك الأنصار والرد على حسان. ففي كلام أستاذ الجامعة كذب وسرقة: فأما الكذب فنسبته إلى ابن سلام أنه قال إن قريشاً "أكثر العرب انتحالاً للشعر في الإسلام" وأما السرقة فقوله: "وليس من شك عندي" في أنها استكثرت بنوع خاص. . . من هذا الشعر الذي يهجى فيه الأنصار فذلك من عند ابن سلام لا من عند طه حسين، ويبقى أن تعرف أن - ابن سلام الزيادة كلها من هذا النوع أما أستاذ - الجامعة فجعلها

стр. 141

من أنواع كثيرة وهذا النوع هو " الخاص" منها؛ فكيف ترى الصنيع وكيف تسميه؟ والغريب أن هذا الأستاذ الذي يحاول ما لم تحاوله أمة كاملة من العلماء والرواة وأهل الأدب، لا مرجع له في اللغة العربية في علمه ونُقوله إلا كتابان: أحدهما الأغاني والآخر طبقات ابن سلام (١) أفبكتابين يصبح في رأي الجامعة شيخ المتقدمين والمتأخرين ويمحو ويثبت - كلما شاء كما يشاء لا كما تشاء الأشياء حينما تشاء الأشياء. . . -؟ وسنتم القول في هذا المعنى وفي عقم استنتاج شيخ الجامعة وفساد آرائه التي يقهر النصوصَ عليها في فصل آخر إن شاء الله. (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) .

стр. 142

طه حسين ابن الجامعة البكر . . .! " روى المقطم أن الأستاذ الجليل مدير الجامعة حشد فيها لحفلةْ رياضية جمعت الرؤساء والأساتذة والطلبة؛ وأنه خطب في الجميع فنصح للطلبة بالجد والمثابرة. قال: "وخطب حضرة الأستاذ الدكتور طه - حسين خطبة ممتعة ناقش فيها برفق وأدب. . .! نصيحة صاحب السعادة "مدير الجامعة". ثم كان ختام الحفلة كلمة لسعادة المدير ذكر فيها جلالة الملك المفدى أبا الفاروق الأعظم نصر الله بحوله وقوته أعلامه، ونضر بفضله وكرمه أيامه، وألقى من طالع يمنه السعيد على وجه الحياة المصرية أجملَ ابتسامة. قال المقطم: ثم ناقش خطبة الدكتور طه قائلاً: إنه الابن البكر للجامعة المصرية! ثم قال: يا بني الاعتدال. . . الاعتدالَ ". اهـ. فأما اندفاع طه للرد على مدير الجامعة في حفلة رسمية أقيمت للألعاب الرياضية على حين لم يزد المدير فيها على نصح الطلبة بالجد والمثابرة، فهذا هو الأصل في طه وذلك طبعه وخُلقه، بُني على المجاذبة والمماراة، فما من كلمة إلا ولها عنده بنت عمة أو بنت خالة. . . ولو أن الخطبة في هذه الحفلة كانت في تعليم المشي على الحبل. . . لردَّ طه بنوع من الرد ولجأ بنبذ من الاعتراض، فإن العبرة عنده بما يهجس في خاطره لا بما هو الحق ولا الواقع ولا مقتضى الحال، وتلك طريقته في العلم وهي آفة من آفاته وأصل من أصول الخطأ فيه، ومثل هذا لا تزال الشبهة قائمة على لسانه، ولا يزال مُعِدًّا لكل قول قولاً، فما يسمع شيئاً إلا خُيل له شيء آخر، ولا يفكر في أمر إلا لبس عليه أمر غيره، ولا تفاتحه رأياً فيرضاه إلا إذا أراد لأمر أن يرضاه، ولا تجادله فيقتنع إلا إذا شاء لغرض أن يقتنع؛ لأن الأصل في تركيبه المراء، والحدة، واللجاجة، وطغيان القول وهي أربع مظاهرها فيه الشك والاضطراب والقلق وفساد النية، ونتائجها الإنكار والخلط والسفه والعناد، وكل ذلك يجمع طه حسين، وأما أنه ناقش مدير الجامعة (برفْق وأدب) فهذا هو الغريب عن طبعه، والنص هنا على الرفق والأدب يُفهم شيئاً،

стр. 143

ولا يمكن أن يقع المقطم في هذه الهفوة البيانية الدقيقة، فهو أستاذ هذا الباب من البلاغة، وإنما كتبت العبارة في الجامعة، كتبها طه أو ذَنَبه أو رأسه. . . وأتى المقطم بها فنشرها - - نريد أن نستجيز لهذا القلم مناقشة الأستاذ الجليل لطفي بك السيد مدير الجامعة، وهو عقل من العقول النادرة في مصر بل في الشرق كله، يكاد يكون مُلهماً محدثاً إذا كتب أو قرأ أو فكر، وهو كذلك شعاع ساطع من تلك المرآة العلوية التي ترسل على آفاق الدنيا نور الذكاء والنبوغ والفلسفة، وقد كنا نحسبه أول من يستجيب لرأينا في وجوب نقد طه وتمييز خطئه من صوابه ورد الرأي عليه فيما لم يصح، فإنه يجب أن تكون الجامعة موضع الثقة في علمها، ويجب أن تعرف الأستاذ بعلمه لا العلم بأستاذه، فإن أظهرها إنسان على غلطة أو نبهها إلى زلة بحثت وحققت وسألت أهل الذكر وأهل الفكر ورجعت إلى كل ذي فطنة، ثم أعلنت ما تنتهي إليه من خطأ أو صواب بحججه وأدلته ولم تصرَّ ولم تستكبر ذهاباً بنفسها أو ممالأة لأستاذها أو تغطية لعيبها؛ لأنه إذا كان طه حسين ابن الجامعة البكر فالأدب العربي ليس ابنها الثاني ولا الثالث. . . وإذا كان طه ابن الجامعة البكرْ فماذا؟ أيترك لطيشه ولهوه وعبثه، ويخلى لشكِّه وحيرته واضطرابه ويدلل حتى على العلم ويضحك له - حتى من أغاليطه، ويُكافأ حتى على ما يجنيه إذا كان ما يجنيه متصلاً بحنان أهله ونازِعتهم أكثر مما هو متصل بأسباب الجناية ونتائجها؟ لعمري إذا كان هذا كله لابن الجامعةِ البكر وكان - اسم الله عليه. . . - يجعله من عذره في - نتف لحية أبيه وعمه وخاله ويعتده من أسباب الرضا عنه إذا وقع في قبيح أو دخل في كبيرة - إذا كان هذا لابن الجامعة البكر فما بقي على الجامعة إلا أن تضع له بجانب منبر التدريس حصاناً من الخشب. . . ليلهو على هذا وعلى هذا، فمن المنبر إلى الحصان ومن الحصان إلى المنبر. . . ولا تلُم الصبيان فيه على الرقص!. ثم إن الأستاذ الكبير يقول لـ طه. يا بني الاعتدال. . . الاعتدال: كلا يا سيدي الأستاذ، لا محل للاعتدال، ولا نقبل منك هذه الكلمة ولا يقبلها طه، أما هو فإنه يقول بوضع علم المتقدمين كله موضع الشك. فأين يعتدل وفيم وكيف؟ وأما نحن فإننا نريد منك أن تقول له: يا بني التوبة التوبة! فقف خرج في درسه على دين الأمة وكذب القرآن ونسب إليه الخرافات وجعل النبي ﷺ رجلاً سياسياً يحتال الحيل ولا يؤمن فيما بلَّغ عن ربه، ثم جاء في تاريخ الأدب

стр. 144

بأقبح الجهل ودل من نفسه على عجز وضعف وسوء فهم ونية مدخولة وذهن مريض؛ فأين تريده أن يعتدل من ذلك كله؛ على أننا في هذا الكلامِ إنما نأخذ بظاهر الرأي، أما في الحقيقة فنحن نعرف من بلاغة مدير الجامعة وغوره البعيد في أنه بكلامه أراد النصيحة لـ طه كما نصح الطلبة، جعله بذلك لا يزال في حكم الطالب وإن كان أستاذاً وأنزله هذه المنزلة على أعين الملأ، ثم إنه كأنه يقول له: "يا بني إنك مائل فاعتدل، ومعوج فاستقم؛ ومجازف فتبصر، وحديد الطبع فاستأنِ وكثير الخطأ فتعقل! يا بني إنك مصغر مستصغر لا تستكفي بنفسك ولا تستقل بأمرك فاسمع وأطع ". (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ) فكيف بمثقال ستين كيلو جراماً من إلحاد وخطأ هي في جلد ولحم ودم؟ ولقد فهمنا كلاماً كثيراً من كلمتي الأستاذ البليغ الدقيق، ولكن يجب أن يفهم طه وأمثاله، فقد ذهب بعضهم إلى أن مدير الجامعة يرد علينا بهذه الكلمة. كأنه يبلغنا أن طه مغفور له معفو عنه إذا قلب الأثاث أو كسر الصحون وأن خطأه طَلق، وأشد ما تعاقبه الجامعة به أن تقول له الاعتدال الاعتدال! لأنه ابن الجامعة البكر! أي غزالها. . . (١) هكذا قال لنا بعض الأدباء وهكذا فهم. ولكنا على يقين من الأستاذ مدير بربخ الجامعة، وسيرى الناس أنه مرجع طه إلى ما هو أليق به وأولى بسمعة الجامعة. . . إن الذي يُخشى من طه أمران: أولهما أنه يقلد المعرِّي ويحتذيه ويسير على أعقابه إما إلى الجنة وإما إلى النار، وقد صرح هو بهذا التقليد في على أعقابه إما إلى الجنة وإما إلى النار، وقد صرح هو بهذا التقليد في مدينة بيروت في خطبة له، وقال إن للمعري الفضل عليه في إظهاره كما هو. فيريد الرجل أن قي يهدم كما هدم ذاك. وليس له رواية المعرِّي ولا حفظه ولا شعره ولا فلسفته

стр. 145

ولا غيرها مما يصرفه إلى الكناية والإشارة والغميزة ويجعل بعض شره في بعض خيره ويفسح له من أبواب البلاغة في باب التوجيه والتعاليل فلم يبق إلا الخلط والخبط والحماقة والدعوة الفارغة ومحض التشبه وما يجري هذا المجرى. وما علم هذا المقلد مع الفارق أن أكثر إلحاد المعري إلحاد شعري تجيء به القافية ويحمل عليه التخيل، فهو من بعض الوجوه في باب الشعر كالقول في الخمر والغزل والمجون والسفه وما يتصل بها؛ فلما فقدنا هذا من طه لم نر إلا الحثالة والقشر، فهو المعري الذي بقي من المعري في مُنخل الأدب! وهذا التصريح منه بالتقليد والاحتذاء يُسقط الثقة به وبما يدعي من حرية الفكر، لأن الحرية لا تأتي بتقليد الأحرار، ولكن بالاشتمال على وسائلهم وأسبابهم ومواهبهم، وأما بغير ذلك فلا حرية وإنما هناك غرض من التقليد يقلد الحرية حتى في اسمها، وكل أعمال المقلد تُحمل منه على هذا الغرض الدنيء لا على ذلك المبدأ السامي. والأمر الثاني الذي نخشاه من طه أنه أداة أوروبية استعمارية تعمل في إفساد أخلاق الأمة وحل عروتها الوثقى من دينها في أدبه ولغته وكتابه وتحقير كل من يتسم بشيء من ذلك عالماً أو متعلماً أو متورِّعاً، فهو دائب في إزالة ما وقر في نفوس المسلمين من تعظيم نبيهم وكتابهم وإيثار دينهم وفضيلتهم وإجلال علمائهم وسلفهم، مرة بالتكذيب، ومرة بالتهكم ومرة بالزراية، ومرة بإفساد التاريخ، ومرة بنقل الأخلاق الفاحشة المتعهرة من مدينة الفرنسيين، وهلم جرا! حتى كأنه شيطان عاقبه الله فطمره في جلد إنسان، وتالله لو تم لهذا وأمثاله ما أرادوا فاجترأ الناس على دينهم وكتابهم وعلمائهم، وسخروا من تاريخهم وتقطع ما بينهم وبين أسلافهم، وخاطروا بما في أيديهم من دين وعلم وتاريخ وفضيلة على ما تسميه صناعة الكتابة مدنية وفناً وفلسفة - إذن تكون أوروبا قد بلغت منا بمدافعها وجنودها وحيلها ودهاتها بعض ما بلغت بهذه الأدوات الإنسانية التي تسمى طه حسين وفلاناً وفلاناً. . . أما إن هذه فئة من الناس، ولكنها كذلك فئة من المذاهب، والمصيبة أنهم ما فيهم من فيلسوف ولا عالم ولا أديب ولا من يستطيع أن يقول هذه فلسفتي وهذا علمي وهذا أدبي، بل كلهم عيال على أدب أوروبا وعلمها وفلسفتها وكلهم مقلد وكلهم سارق وناقل؛ فإذا كانوا على هذه الصفة ثم رأيناهم قد زاغت عقائدهم وفسدت طباعهم وانتقلت أهواؤهم أفيكونون بيننا إلا من وسائل التدمير والخراب والاستعمار، شعروا أو لم يشعروا وأرادا أو لم يريدوا؛ وماذا
следующие страницы →