من أنواع كثيرة وهذا النوع هو " الخاص" منها؛ فكيف ترى الصنيع وكيف
تسميه؟
والغريب أن هذا الأستاذ الذي يحاول ما لم تحاوله أمة كاملة من العلماء
والرواة وأهل الأدب، لا مرجع له في اللغة العربية في علمه ونُقوله إلا كتابان: أحدهما الأغاني والآخر طبقات ابن سلام (١) أفبكتابين يصبح في رأي الجامعة
شيخ المتقدمين والمتأخرين ويمحو ويثبت - كلما شاء كما يشاء لا كما تشاء
الأشياء حينما تشاء الأشياء. . . -؟
وسنتم القول في هذا المعنى وفي عقم استنتاج شيخ الجامعة وفساد آرائه
التي يقهر النصوصَ عليها في فصل آخر إن شاء الله.
(فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) .
стр. 142
طه حسين ابن الجامعة البكر . . .!
" روى المقطم أن الأستاذ الجليل مدير الجامعة حشد فيها لحفلةْ رياضية
جمعت الرؤساء والأساتذة والطلبة؛ وأنه خطب في الجميع فنصح للطلبة بالجد
والمثابرة.
قال: "وخطب حضرة الأستاذ الدكتور طه - حسين خطبة ممتعة ناقش
فيها برفق وأدب. . .! نصيحة صاحب السعادة "مدير الجامعة".
ثم كان ختام الحفلة كلمة لسعادة المدير ذكر فيها جلالة الملك المفدى أبا الفاروق الأعظم نصر الله بحوله وقوته أعلامه، ونضر بفضله وكرمه أيامه، وألقى من طالع يمنه السعيد على وجه الحياة المصرية أجملَ ابتسامة.
قال المقطم: ثم ناقش خطبة الدكتور طه قائلاً: إنه الابن البكر للجامعة المصرية! ثم قال: يا بني الاعتدال. . . الاعتدالَ ". اهـ.
فأما اندفاع طه للرد على مدير الجامعة في حفلة رسمية أقيمت للألعاب
الرياضية على حين لم يزد المدير فيها على نصح الطلبة بالجد والمثابرة، فهذا
هو الأصل في طه وذلك طبعه وخُلقه، بُني على المجاذبة والمماراة، فما من
كلمة إلا ولها عنده بنت عمة أو بنت خالة. . .
ولو أن الخطبة في هذه الحفلة كانت في تعليم المشي على الحبل. . . لردَّ
طه بنوع من الرد ولجأ بنبذ من الاعتراض، فإن العبرة عنده بما يهجس في
خاطره لا بما هو الحق ولا الواقع ولا مقتضى الحال، وتلك طريقته في العلم
وهي آفة من آفاته وأصل من أصول الخطأ فيه، ومثل هذا لا تزال الشبهة قائمة على لسانه، ولا يزال مُعِدًّا لكل قول قولاً، فما يسمع شيئاً إلا خُيل له شيء آخر، ولا يفكر في أمر إلا لبس عليه أمر غيره، ولا تفاتحه رأياً فيرضاه إلا إذا أراد لأمر أن يرضاه، ولا تجادله فيقتنع إلا إذا شاء لغرض أن يقتنع؛ لأن الأصل في تركيبه المراء، والحدة، واللجاجة، وطغيان القول وهي أربع مظاهرها فيه الشك والاضطراب والقلق وفساد النية، ونتائجها الإنكار والخلط والسفه والعناد، وكل ذلك يجمع طه حسين، وأما أنه ناقش مدير الجامعة (برفْق وأدب) فهذا هو الغريب عن طبعه، والنص هنا على الرفق والأدب يُفهم شيئاً،
стр. 143
ولا يمكن أن يقع المقطم في هذه الهفوة البيانية الدقيقة، فهو أستاذ هذا الباب من البلاغة، وإنما كتبت العبارة في الجامعة، كتبها طه أو ذَنَبه أو رأسه. . . وأتى المقطم بها فنشرها -
- نريد أن نستجيز لهذا القلم مناقشة الأستاذ الجليل لطفي بك السيد مدير
الجامعة، وهو عقل من العقول النادرة في مصر بل في الشرق كله، يكاد يكون مُلهماً محدثاً إذا كتب أو قرأ أو فكر، وهو كذلك شعاع ساطع من تلك المرآة العلوية التي ترسل على آفاق الدنيا نور الذكاء والنبوغ والفلسفة، وقد كنا نحسبه أول من يستجيب لرأينا في وجوب نقد طه وتمييز خطئه من صوابه ورد الرأي عليه فيما لم يصح، فإنه يجب أن تكون الجامعة موضع الثقة في علمها، ويجب أن تعرف الأستاذ بعلمه لا العلم بأستاذه، فإن أظهرها إنسان على غلطة أو نبهها
إلى زلة بحثت وحققت وسألت أهل الذكر وأهل الفكر ورجعت إلى كل ذي
فطنة، ثم أعلنت ما تنتهي إليه من خطأ أو صواب بحججه وأدلته ولم تصرَّ ولم
تستكبر ذهاباً بنفسها أو ممالأة لأستاذها أو تغطية لعيبها؛ لأنه إذا كان طه حسين ابن الجامعة البكر فالأدب العربي ليس ابنها الثاني ولا الثالث. . .
وإذا كان طه ابن الجامعة البكرْ فماذا؟ أيترك لطيشه ولهوه وعبثه، ويخلى لشكِّه وحيرته واضطرابه ويدلل حتى على العلم ويضحك له - حتى من أغاليطه، ويُكافأ حتى على ما يجنيه إذا كان ما يجنيه متصلاً بحنان أهله ونازِعتهم أكثر مما هو متصل بأسباب الجناية ونتائجها؟
لعمري إذا كان هذا كله لابن الجامعةِ البكر وكان - اسم الله عليه. . . -
يجعله من عذره في - نتف لحية أبيه وعمه وخاله ويعتده من أسباب الرضا عنه إذا وقع في قبيح أو دخل في كبيرة - إذا كان هذا لابن الجامعة البكر فما بقي على الجامعة إلا أن تضع له بجانب منبر التدريس حصاناً من الخشب. . . ليلهو على هذا وعلى هذا، فمن المنبر إلى الحصان ومن الحصان إلى المنبر. . . ولا تلُم الصبيان فيه على الرقص!.
ثم إن الأستاذ الكبير يقول لـ طه. يا بني الاعتدال. . . الاعتدال: كلا يا
سيدي الأستاذ، لا محل للاعتدال، ولا نقبل منك هذه الكلمة ولا يقبلها طه، أما هو فإنه يقول بوضع علم المتقدمين كله موضع الشك. فأين يعتدل وفيم وكيف؟ وأما نحن فإننا نريد منك أن تقول له: يا بني التوبة التوبة! فقف خرج في درسه على دين الأمة وكذب القرآن ونسب إليه الخرافات وجعل النبي ﷺ رجلاً سياسياً يحتال الحيل ولا يؤمن فيما بلَّغ عن ربه، ثم جاء في تاريخ الأدب
стр. 144
بأقبح الجهل ودل من نفسه على عجز وضعف وسوء فهم ونية مدخولة وذهن مريض؛ فأين تريده أن يعتدل من ذلك كله؛ على أننا في هذا الكلامِ إنما نأخذ بظاهر الرأي، أما في الحقيقة فنحن نعرف من بلاغة مدير الجامعة وغوره البعيد في أنه بكلامه أراد النصيحة لـ طه كما نصح الطلبة، جعله بذلك لا يزال في حكم الطالب وإن كان أستاذاً وأنزله هذه المنزلة على أعين الملأ، ثم إنه كأنه يقول له: "يا بني إنك مائل فاعتدل، ومعوج فاستقم؛ ومجازف فتبصر، وحديد الطبع فاستأنِ وكثير الخطأ فتعقل!
يا بني إنك مصغر مستصغر لا تستكفي بنفسك ولا تستقل بأمرك فاسمع
وأطع ".
(يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ) فكيف بمثقال ستين كيلو جراماً من إلحاد وخطأ هي في جلد ولحم ودم؟
ولقد فهمنا كلاماً كثيراً من كلمتي الأستاذ البليغ الدقيق، ولكن يجب أن
يفهم طه وأمثاله، فقد ذهب بعضهم إلى أن مدير الجامعة يرد علينا بهذه الكلمة.
كأنه يبلغنا أن طه مغفور له معفو عنه إذا قلب الأثاث أو كسر الصحون وأن
خطأه طَلق، وأشد ما تعاقبه الجامعة به أن تقول له الاعتدال الاعتدال! لأنه ابن الجامعة البكر! أي غزالها. . . (١)
هكذا قال لنا بعض الأدباء وهكذا فهم.
ولكنا على يقين من الأستاذ مدير بربخ الجامعة، وسيرى الناس أنه مرجع طه إلى ما هو أليق به وأولى بسمعة الجامعة. . .
إن الذي يُخشى من طه أمران: أولهما أنه يقلد المعرِّي ويحتذيه ويسير
على أعقابه إما إلى الجنة وإما إلى النار، وقد صرح هو بهذا التقليد في على
أعقابه إما إلى الجنة وإما إلى النار، وقد صرح هو بهذا التقليد في مدينة بيروت
في خطبة له، وقال إن للمعري الفضل عليه في إظهاره كما هو.
فيريد الرجل أن قي يهدم كما هدم ذاك.
وليس له رواية المعرِّي ولا حفظه ولا شعره ولا فلسفته
стр. 145
ولا غيرها مما يصرفه إلى الكناية والإشارة والغميزة ويجعل بعض شره في بعض
خيره ويفسح له من أبواب البلاغة في باب التوجيه والتعاليل فلم يبق إلا الخلط والخبط والحماقة والدعوة الفارغة ومحض التشبه وما يجري هذا المجرى.
وما علم هذا المقلد مع الفارق أن أكثر إلحاد المعري إلحاد شعري تجيء
به القافية ويحمل عليه التخيل، فهو من بعض الوجوه في باب الشعر كالقول في الخمر والغزل والمجون والسفه وما يتصل بها؛ فلما فقدنا هذا من طه لم نر إلا الحثالة والقشر، فهو المعري الذي بقي من المعري في مُنخل الأدب!
وهذا التصريح منه بالتقليد والاحتذاء يُسقط الثقة به وبما يدعي من حرية الفكر، لأن الحرية لا تأتي بتقليد الأحرار، ولكن بالاشتمال على وسائلهم وأسبابهم ومواهبهم، وأما بغير ذلك فلا حرية وإنما هناك غرض من التقليد يقلد الحرية حتى في اسمها، وكل أعمال المقلد تُحمل منه على هذا الغرض الدنيء لا على ذلك المبدأ السامي.
والأمر الثاني الذي نخشاه من طه أنه أداة أوروبية استعمارية تعمل في
إفساد أخلاق الأمة وحل عروتها الوثقى من دينها في أدبه ولغته وكتابه وتحقير
كل من يتسم بشيء من ذلك عالماً أو متعلماً أو متورِّعاً، فهو دائب في إزالة ما وقر في نفوس المسلمين من تعظيم نبيهم وكتابهم وإيثار دينهم وفضيلتهم
وإجلال علمائهم وسلفهم، مرة بالتكذيب، ومرة بالتهكم ومرة بالزراية، ومرة بإفساد التاريخ، ومرة بنقل الأخلاق الفاحشة المتعهرة من مدينة الفرنسيين، وهلم جرا! حتى كأنه شيطان عاقبه الله فطمره في جلد إنسان، وتالله لو تم لهذا وأمثاله ما أرادوا فاجترأ الناس على دينهم وكتابهم وعلمائهم، وسخروا من تاريخهم وتقطع ما بينهم وبين أسلافهم، وخاطروا بما في أيديهم من دين وعلم وتاريخ وفضيلة على ما تسميه صناعة الكتابة مدنية وفناً وفلسفة - إذن تكون أوروبا قد بلغت منا بمدافعها وجنودها وحيلها ودهاتها بعض ما بلغت بهذه الأدوات الإنسانية التي تسمى طه حسين وفلاناً وفلاناً. . .
أما إن هذه فئة من الناس، ولكنها كذلك فئة من المذاهب، والمصيبة أنهم
ما فيهم من فيلسوف ولا عالم ولا أديب ولا من يستطيع أن يقول هذه فلسفتي وهذا علمي وهذا أدبي، بل كلهم عيال على أدب أوروبا وعلمها وفلسفتها وكلهم مقلد وكلهم سارق وناقل؛ فإذا كانوا على هذه الصفة ثم رأيناهم قد زاغت عقائدهم وفسدت طباعهم وانتقلت أهواؤهم أفيكونون بيننا إلا من وسائل التدمير والخراب والاستعمار، شعروا أو لم يشعروا وأرادا أو لم يريدوا؛ وماذا
стр. 146
يجدي علينا صياحهم العلمي أو السياسي أو الأدبي وهم إنما يحترفون هذا
الصياح ويؤجرون عليه ويعيشون منه، كالرجل من أهل الغناء والموسيقى ربما
كان في نفسه مثالُ البؤس والهم والحزن ويستأجره الناس ليغني. . .
إن لشيطان طه سبلاً كثيرة فهو يتراءى لنا في معان مختلفة تذهب بنا أحياناً
بعيداً عن كتابه.
ولكن هذا أيضاً من شؤم كتابه، إذ يرجع هذا الكتاب إلى
أسباب في طباع مؤلفه قائمة على النكر والمراء والزيغ أكثر مما هو راجع إلى
أشباب في التأليف قائمة على البحث والرأي والتحقيق.
فلنعد إلى ما نحن بصدده من القول في فساد رأيه وسوء استخراجه وأنه ليس معه إلا الانتحال على غير توفيق، والخنط على غير هدى والجرأة على غير تحقيق ولا استبصار.
لقد توارد أستاذ الجامعة مع الإمام الجاحظ في استخراج واحد من مسألة
واحدة، وكلاهما شك فيها، ونريد أن نعرض ذلك على الجامعة لنعلم صحة
قولنا إن العالم يأتي بالرأي من مجموع أخلاقه وطباعه أكثر مما يأخذه من صفاته
العقلية، وأنه لو كان طه حسين أذكى الأدباء في الرأي والعقل، وأجمعهم في
المادة والحفظ، وأبلغهم في المنطق والأسلوب، ثم كان على بعض فساده
وزيغه - لوجب تنحيته عن التدريس الأدبي وحماية النشء منه؛ لأن تعليمه ينقل إلى هؤلاء الأطهار الأغفال علمه وأهواءه جميعاً فلا يقوم ما فيها من طيب بما فيها من خبيث.
قال طه في صفحة ١٥٢: "وهناك لون من ألوان القصص كان الناس
يتحدثون به ويميلون إليه ميلاً شديداً ويروون فيه الأكاذيب والأعاجيب وهو
أخبار المعمَّرين الذين مُدت لهم الحياة إلى أبعد مما ألف الناس، رويت حول
هؤلاء المعمَّرين أخبار وأشعار قبِلها العلماء الثقاتُ في القرن الثالث
للهجر ة " انتهى.
وقال الجاحظ: "وقد ذكرت الرواة في المعمرين أشعاراً وصنعت في ذلك
أخباراً، ولم نجد على ذلك شهادة قاطعة ولا دلالة قائمة ولا نقدر على ردها
لجواز معناها، ولا على تثبيتها إذ لم يكن معها دليل يثبتها".
فأنت ترى من الفرق بين الجاحظ وطه أن هذا يبالغ ويهوِّل ويتعمد الكذب
فيزعم أن الناس كانوا يتحدثون بذلك النوع من الكذب ويميلون إليه ميلاً
شديداً، كأنه كان شاهدَ أمرهم ورأى الناس يتحدثون ويميلون.
ثم يوهمك أن العلماء الثقات فى القرن الثالث قبلوا تلك الأخبار والأشعار
وما كان الجاحظ إلا
стр. 147
في القرن الثالث، ثم ينفي طه كل ما قيل من ذلك كأنه على ثقة من أن العرب لم يعمَّر منهم أحد، مع أن في زماننا هذا من ارتفعت به السن إلى قرن ونصف، فلو كان هذا شاعراً فماذا يمنعه أن يقول في هرمه وامتدادِ العمر به.
وثقل الحياة عليه وتبرمه بها ما قال أولئك أو شبيهاً بما قالوا؟
ومن غفلة أستاذ الجامعة وهي من الأدلة الكثيرة على سوء فهمه وتعلقه
بأول خاطر وأنه لا يتبين أسباب المعاني ولا يحققها - أنه يقيسى على ظاهر
الرأي كيفما وقع له؛ فلا يذكر أن العرب قوم لا حساب عندهم ولا يؤرخون إلا الحوادث الكبر، فإذا عُمر شيخ منهم وبلغ خمسين ومائة سنة مثلاً - وهو عمر طبيعي - حسبها ثلاثمائة أو تزيد، وخاصة إذا خَرِف وأسرف وبَعدَ ما بين فكره ولسانه أو أراد التهويل على عصره وقبيلته؛ وكيف يعرف مثلُ هذا حقيقة سنة وما يعد ولا يكتب ولا يحسُب ولا عنده من يدون له، ولا في قبيلته من يحفظ
من التاريخ أو يردُّ منه شيئاً إلى أصل بعيد..
فالرواة إنما نقلوا من هذا ونحوه وما انتهى إليهم فإن كان فيه الكذب ففيه الصدق، وإن كان فيه الموضوع ففيه الصحيح؛ وما كانت المبالغة سبباً من أسباب العدم، بل هي بعض أسباب
الوجود، ولا بد في المنحول من أصل يقاس عليه وصحيح يبالغ فيه، وهذا كله فهمه الجاحظ، فهو لا يرد ما ورد من ذلك، لأن معناه غير بعيد ولا مستحيل.
ولا يثبته بعينه لأنه ليس معه دليل قاطع.
ولو كان الجاحظ ضعيف الفهم قليل
الاطلاع بعيداً من آداب العلماء لوافق في الرأي أستاذ
الجامعة وتحامق وكذب وسب الرواة وتهزأ بهم كما فعل هذا.
ومن العجائب أن طه يتوارد أيضاً في طريقة الاستنتاج مع الرافضة
ويطابقها مطابقة النعل للنعل؛ ولا تستبعدن ذلك ما دام كِلا الفريقين أسقط
الإيمان من حسابه "وتجرد من دينه" عند البحث والرأي؛ وكأن شيخ الجامعة
يقيس على نفسه فلا يصدق أنه كان في الأمة الإسلامية قوم يؤثرون الله ورسوله على كل وساوس النفس وأهوائها، وليس عنده إلا العصبية والميل مع طبع الجاهلية حتى في إمام أهل الحق عمر بن الخطاب، وقال الشيخ في صفحة ٥٣
وقد ذكر الرواةُ أن عمر مر ذات يوم فإذا حسان في نفر من المسلمين يُنشدهم شعراً في مسجد النبي ﷺ فأخذ بأذنه وقال: أرُغاء كرغاء البعير، قال حسان:
إليك عني يا عمر! فوالله لقد كنت أنشد في هذا المكان من هو خير منك!
فيرخي عنه عمر ويمضي..
قال: وفقهُ هذه الرواية يسير لمن يلاحظ ما قدْمنا من أن الأنصار كانوا
стр. 148
موتورين وأن عصبيتهم كانت لا تطمئن إلى انصراف الأمر عنهم فكانوا يتعززون بنصرهم النبي ﷺ وانتصافهم من قريش. . . وكان عمر قرشياً تكره عصبيته أن تزدَرَى قريش، وينكر - كذا كذا - ما أصابها من هزيمة - يعني في غزوة بدر - انتهى.
ولكن من أين لأستاذ الجامعة أن حساناً كان ينشد يومئذ في هجاء قريش
في مسجد النبي ﷺ ليعزي الأنصار وينوح لهم كالنائحة المستأجرة حتى ثارت
لذلك عصبية عمر ورجع وهو أمير المؤمنين إلى طبع الجاهلية!
ومن أين له أن عمر كان ينكر ما أصاب قريشاً من الهزيمة في غزوة بدر أو
فتح مكة!
وهل كان عمر كـ طه حسين يشك في التاريخ ويكذبه مع أن سيفه كان من
تلك السيوف التي هزمت قريشاً؟
ثم كيف يجوز لأستاذ الجامعة أن يكذب ويغير النص فيقول: "فيتركه عمر
ويمضي، وكل الروايات في الكتب متفقة على أنه قال لحسان: صدقت أو
صدقه. ولكن إذا قال عمر صدقت كان ذلك نصاً على أنه لم ينكر ما أنكر، لا حمية ولا عصبية لأن العصبية تأبى عليه أن يصدق، بل يكظم على غيظه
(ويتركه ويمضي) فانظروا أيها الناس ما يصنع الخبيث لرمي الرجل الذي أعز الله به الإسلام واتهام إيمانه وصدقه مع ورود الحديث الشريف
" ليس منا من دعا إلى عصبية"
وقد رأيت كم تكرر لفظ العصبية في كلامه ثم إن قول عمر
لحسان: صدقت، يدل من جهة أخرى على أنه
لم ينكر عليه إلا هيئة الإنشاد.
كان ينشد الشاعر العربي فينتفخ ويربو في ثيابه
ويتكلف التفخيم والتشذق
وإدارة اللسان وتقليبه ويهدر كما يهدر البعير حين يستفحل ويرغو وكل ذلك في مسجد النبي ﷺ فذلك حيث يقول عمر أرغاء كرغاء البعير؟
على أن الأستاذ المخلط الذي يرمي عمر بالعصبية قال في الصفحة
نفسها: تحدثت الرواة "وهنا ترجم نصاً فلننقله عن ابن سلام"، قال: قدم ضرار بن الخطاب الفهري وعبد الله بن الزبَعرى المدينة أيام عمر بن الخطاب فأتيا أبا أحمد بن جحش. . . فقالا له: أتيناك لترسل إلى حسان فنناشده ونذاكره، فإنه كان في الإسلام ويقول في الكفر - أي الجاهلية - فأرسل إليه فجاء، فقال: يا أبا الوليد، أخواك تطربا إليك يذاكرانك وينشدانك.
قال: نعم، فأنشداه - أي
مما قالا في الأنصار - حتى إذا صار كالمرجل يفور قعدا على رواحلهما إلى
стр. 149
مكة، فخرج حسان حتى أتى عمر فأخبره خبرهما، فقال: لا جرم والله لا
يفوتانك! فإرسل في أثرهما فردا، وقال لحسان: أنشد؛ فأنشد حسان حاجته
حتى قال له: اكتفيت؟ قال: نعم! قال: شأنكما الآن إن شئتما فارحلا وإن شئتما فأقيما. انتهى.
ترك الأستاذ هذا النص الواضح الجلي ونقل رواية الأغاني وفيها زيادة
وصنعة ولها توطئة وخاتمة، إذ جاءت بعد رواية ابن سلام بنحو مائة سنة
واستخرج منها أن الأنصار كانوا يكتبون هجاءهم لقريش!
ولكن يا أستاذ؛ كيف غفلتَ هذه الغفلة المطبقة بين صفحتين اثنتين..
وأين ما قلت في عصبية عمر؟ وكيف مالأ حساناً على أكبر شعراء قريش وتركهُ يُنشد في هجاء قومه مما قاله في الجاهلية حتى اكتفى؛ أليس هذا هو العدلَ والقصاص: إنشاداً بإنشاد وكلاماً بكلام وإن في قريش؟
على أن ما قاله طه في عصبية عمر هو كاستنتاج الرافضة وعلى طريقهم
في الرأي والفكر؛ إذ يقولون إن الصحابة بايعوا أبا بكر وتركوا علياً، لا طاعة ولا رغبة بل عصبية منهم على عليٍّ، ورجوعاً إلى طباع الجاهلية؛ إذ كان علي قتل من عشائرهم بين يدي رسول الله ﷺ من قتل في الغزوات والفتوح؛ فليس يمحو الإسلام عندهم شيئاً، ولا يكون المؤمن إلا على أصله التاريخي وطبيعة
الجاهلية، ويسقطون ما عدا ذلك من مظاهر النفس الإنسانية التي من أعظمها في الإسلام ذلك اليقين الديني وكان عجيبةَ العجائب وأنزل فيه الله تعالى:
(لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) .
وليت طه يفهم معنى قوله؛ (كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ) ولكن قلبه هو
لوح ممسوح، ونعوذ بالله من خذلانه.
ومتى تجرد الباحث في التاريخ الإسلامي "من دينه" فهو شيء واحد إن كان من الرافضة أو كان أستاذاً في الجامعة، لأن
هذا التاريخ إنما يقوم في أصله على معان لا يعقلها ولا يصدق بها من يجرد
نفسه منها، وكيف يعقل الجبان المنخوب القلب أفعال بطل من أبطال الدنيا
الذين شذت فيهم طبيعة القوة والجرأة فيقال في أحدهم إنه يحمل مائة قنطار
وأنه يقطع سلاسل من الحديد بيديه وأنه يصلب رجلاً كطه حسين في
خنصره. . .؟
стр. 150
ْإن التاريخ الإسلامي إذ حُمل على غير طريقته وتولاه غيرُ أهله لم يأت
منه إلا ما هو دخيل فيه، وتقل الرويةُ ويكثر التكذيب ويخصل الخطأ ويقع
الخلل، لأن الأشياء بما كانت عليه لا بما تتوهم أنت أنها كانت عليه وذلك هو السر في خلط المستشرقين والمسيحيين والديكارتيين من أمثال طه حسين إذا هم تعاطوا الكلام في تاريخ الصدر الأول أو ما يتصلى به نوعاً من الاتصال في الأدب أو الشعر أو نحوهما.
وإذا كتبت الشياطين تاريخ الملائكة واتبعت مذهب ديكارت. . .
فتجردت من قوميتها ودينها فهل تراها تُسلب طبيعتها وخُبثها.
وهل يدخل عليها الخطأ إلا من ناحية هذه الطبيعة في تركيبها على غرائز
وأوصاف لا تتحول؟
وانظر حمق العصبية في قول طه صفحة ٥٥: "وأنت لا تنكر أن يزيد هو
صاحب وقعة الحرّة التي انتهكت فيها حرمات الأنصار في المدينة والتي انتقمت فيها قريش من الذين انتصروا عليها في بدر "لا حول ولا قوة إلا بالله " والتي لم تقم للأنصار بعدها قائمة، ولأمر ما يقول الرواة حين يقضون وقعة الحرة إنه قتل فيها ثمانون من الذين شهدوا بدراً "
أي من الذين أذلوا قريشاً".
يا هذا، ألك ثأر على الأنصار أم كان أبوك من قريش، وأنا أعلم أن أباك
وأسرتك يتبرأون إلى الله منك ويخشون أن يقال في الآخرة يوم العرض: هؤلاء أهل طه حسين! هَبِ الإسلام ليس شيئاً ولم يُحدث أثراً ما في نفوس المسلمين إلى زمن يزيد؛ وهب وقعة الحرّة نقمة من غزوة بدر التي لم يغزُها الأنصار إلا بين يدي رسول الله ﷺ هب ذلك معقولاً في رأي رجل مسلم، فيبقى أن الرواة والمؤرخين لا يقولون تلك الكلمة وهم يريدون التفسير الذي جئت به إلا إذا كانوا هم أيضاً متعصبين على - الأنصار، وكان إسلام الأنصار عندهم غير
إسلام قريش، وكانوا مع ذلك أهل جبن ونفاق يخشون الأنصار بعد إذلالهم
وبعد أن لم تقم لهم قائمة؛ فيعبرون بكلمة مبهمة لا يفتحُ الله بتفسيرها على أحد إلا بعد ١٢٥٥ سنة وعلى طه حسين وحده. . .
ألا تفهم شيئاً، وكيف صرت أستاذاً في الجامعة وأنت بهذه الغباوة إنما
يريد الرواة أن وقعة الحرة كانت شديدة النكاية في الإسلام قبيحة الأثر فيه.
وكانت مع ذلك عدواناً صرفاً وجهلاً محضاً حتى قاتل فيها أهل بدر وقتل منهم ثمانون، وأهل بدر بنص الحديث الصحيح أفضل المسلمين، وهم نجوم الأفق النبوي بعد أن غاب كَره الأزهر.
وما كل ما مر بك أيها القارئ بأشنع من قول طه فى صفحة ٧٢: "ونوع
стр. 151
آخر من تأثير الدين في انتحال - كذا - الشعر وإضافته للجاهليين، وهو ما يتصل بتعظيم شأن النبي ﷺ من ناحية أسرته ونسبه في قريش؛ فلأمر ما اقتنع الناس أن النبي ﷺ يجب أن يكون صفوة بني هاشم، وأن يكون بنو هاشم صفوة بني
عبد مناف، وأن يكون بنو عبد مناف صفوة بني قُصي، وأن تكون قصي صفوة قريش، وقريش صفوة مُضر، ومضر صفوة عدنان؛ وعدنان صفوة العرب، والعرب صفوة الإنسانية كلها" انتهى.
فما هذا الأمر يا شيخ الجامعة؟ ثم ما هذا التهكم؟ وهل تتهكم أيها
الأحمق المغرور إلا بالحديث الصحيح:
"إن الله تعالى: اصطفبى كِنانة من ولد
إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش. بني هاشم.
واصطفاني من بني هاشم "
ألا قبحك الله من شيخ سوء! وسيحيق بك ما كنت
تستهزئ؛ ومن عساك تظن أنك تبلغ ضُرَّه بهذه الحماقة فتضره؟ -.
стр. 152
عصبية طه حسين على الإسلام
قيلت لي عبارة لم أصدقها ولا أزال في ريب منها، وأرجو أن تكون
حديثاً مفترى وكذباً صُراحاً، وأن يكون الشيخ طه بريئاً منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب، إن الدم ليس غريباً من الذئب.
وليس الذئب إلا طبيباً دموياً، ولكن ابن يعقوب له دم غير دماء الناس، وقد كان لا بد لهذا الدم الزكي أن ينشأ به ذلك الفكر النبوي المفهَم فيستنقذ مصرَ وأهلها من المجاعة والقحط.
فلو أن الذئب ولغَ فيه لقتل به أمة كاملة، وبهذا كانت براءة الوحش من ذلك الدم كأنها فضيلة نقلته من طبع الذئاب إلى طباع أهل النْسُك من عباد الله المقرَّبين وجعلت تهمته مثلاً مضروباً في الظلم دائراً في الأفواه باقياً في ميراث بني آدم من الحكمة والبلاغة، وعاد الذئب - وإنه لذئب بعد - كأنما استُشهد وكأنما وقعت عليه التهمة فقتله في سبيل الله فأصبح قديساً اخضرت أظفاره من ريح الجنة فأنبتت ورق الريحان وانقلب ما كان سَفكه من الدم فنبت منه الورد، وبدا الذئب القديس في التاريخ كأنه طاقة زهر فيها الأخضر والأحمر، وفيها أوراق الياسمين البيضاء من أنيابه وأضراسه. . .
وطه حسين إن لم يكن ذئباً، ولكنا نرجو أن يرحمه الله ببراءته من تهمة
كتهمة الذئب تعدو على النبوة وتمزق بأظفارها أديم الإسلام، وقد علمنا إن كان لبريئاً منها، ولكن يقال والله أعلم إن المبشرين وجدوا في كتاب "الشعر
الجاهلي " ما كانوا يحومون حوله فلا يصلون إليه (١) وما قضوا في البحث عنه ستين سنة تحت شمس المشرق يلتمسون بعضه في كلام عالم من العلماء
المسلمين أو رجل ذي منصب فيهم أو أديب له شهرة ومكانة، فأصابوه اليوم في
стр. 153
دروس أكبر جامعة في أكبر مملكة إسلامية، وأصابوه من أستاذ كبير مصرّ عليه معاند فيه تؤيده الجامعة وتحميه وتدفع من ورائه وتنصره، وإن خَذَلت فيه الأمة كلها، وإن سفهت كل أهل العلم وأهل الأدب، وإن أهانت دين الأمة والحكومة تأييداً - زعموا - لحرية الفكر، لا يبالون أكان هو الفكر الناضج الصحيح أم الفكر العاجز المستهلك الذي يشبه أفكار الصبيان في إقامة ما يبنونه على شاطئ البحر من قصورهم الشاهقة في أملاكهم الواسعة، أو أفكار البنات تبني ما يلدن من الدُّمى والعرائس، أو أفكار طه حسين فيما زعم في القرآن والنبوة.
لقد ضاعت الثقة بهذه الجامعة فكأنها لا تفهم أن كلام طه ليس برهاناً
واحداً عند المبشرين.
ولكنه برهان عليه براهين، فهو في نفسه دليل ونسبته إلى
الجامعة دليل، ومجيئه من بلاد الأزهر تقوية للدليلين معاً، وإصرار الجامعة عليه خاتمة للأدلة؛ ألا ليت شعري ما تملك الجامعة أن تصنع إذا ترجم المبشرون خلاصة هذا الكتاب وشرحوه وبسطوه ونقلوه إلى الإنجليزية والفرنسية والسنسكريتية والصينية واليابانية وغيرها، وطبعوا منه الملايين - ولهم المطابع الكبيرة، ولديهم الأموال الطائلة المحبوسة على محاربة الإسلام، وفي أيديهم الدعوة العريضة - وأذاعوا في أقطار الأرض أن الجامعة المصرية الإسلامية لحكومة مصر قررت في دروسها أن القرآن وضع إنساني فيه الخرافة وفيه الكذب، وأن النبي ﷺ رجل سياسي فلا نبوة ولا رسالة (١) ، وأن أئمة المسلمين يكذبون في تأويل تاريخهم ويؤيدون هذا التاريخ بقول الزور والانتحال.
ويستشهدون لقرآنهم وحديث نبيهم - وهما أصلا الدين كله - بشعر لفقوه تلفيقاً ونسبوه إلى أشخاص خلقوهم خلقاً.
وأن هذا الكذب مرتفع ممتد يرتقى في عصورهم وأجيالهم إلى زمن الخلفاء الراشدين، وأن ورود الأحاديث الصحيحة
عن النبي ﷺ وما يؤثر من كلام أصحابه عن شيء اسمه امرؤ القيس وغير امرئ القيس لا يوثق به، إذ لم يكن من هذا شيء؛ فالأحاديث الصحيحة كذب، وأسانيدها التي حققها العلماء وحفظوها وتناقلوها وأجاز بها بعضهم بعضاً زمناً بعد زمن إنما هو تواضع على الكذب من هذه الأمة.
وحسبكم بأمة يمضي عليها زهاء أربعة عشر قرناً ويكون عديدها ثلاثمائة
مليون وتنبث في أقطار الأرض كلها ثم لا ينبغ فيها رجل يعرف الصحيح ويفطن
стр. 154
له ويستعلن به للناس ويقرره ويعلمه إلا رجلا واحدا هو العلامة حجة
المبشرين.. الدكتور طه حسين!..
" ما عسي أن تفعل الجامعة المصرية في هذا البلاء الداهم وهذه الفتنة
الآكلة، وكيف لها بسد الثْلمَة إدْا انفجرت - وانبثق منها هذا الشر العظيم، وهي إلى اليوم كأنها مأخوذة لا تعي، ومسحورة لا تفهم، وعميد الآداب فيها رجل أعجمي لا يزال من العربية في المنزلة التي يقال له فيها: إذا نقلت النقطة من تحت الباء إلى فوق صارت نوناً. . . فما رأينا هذه الجامعة تبرأت من هذا الكتاب. - ولا انتفَت من نسبته إليها، ولا تزال تحسبه كتاباً في الشعر - الجاهلي. . .
وهو كتاب في التنكيل بالإسلام.. وهو في موضوعه شبه بالسلسلة صفحاته
حلقاتهْ، " فلا تستهيننَّ بحلقة لتقول إنما هي واحدة وإنما هي ضئيلة ولا خطر
لها، فإنه ليس الشأن في حلقة حلقة ولا في صفحة صفحة، بل في اتصال بعض ذلك ببعضه واجتماع جملته من أجزائه وتفرق أجزائه على جملته.
وعلم الله ما كتبنا هذه المقالات إلا لنقنع الجامعة بجهل شيخها وفساد رأيه ومرض نيته، ثم لنرد عليه " هذا الغِل الذي في قلبه للمسلمين، وهذه السخرية التي في لسانه وقلمه لدينهم وأئمتهم وعلمائهم، وهو على ذلك ضعيف الفهم سخيف التقليد.
وهو في غاية تحصيله رجل حافظ كالأوراق المجموعة من كتاب إلى كتاب.
وفي غاية عمله رجل جريء يقع في الأشخاص وفي المعاني، ويستوحِل في كل
وَحَل، وقد لبسه عقله الناقص الأهوج فلا يتثبت ولا يتحرج ولا تسوؤة السيئة من نفسه ولا تسره الحسنة من أحد؛ وما زلنا نذكر له كلمة غريبة لو خلق الله منها شيئاً بعد موت طه لجاء منهما طه نفسُهُ مرة أخرى.
فقد لقيناه في جريدة "السياسة" عند رئيس تحريرها وقلنا له فيما قلنا: إنك لست بالعقل العام - ولا الحقيقة الكلية فيسوغ لك أن تظن أن ما لا تفهمه أنت لا يفهمه أحد، وإن الناس خُلقوا على درجات قد يبعد أعلاها من أسفلها حتى ليكون العالم من عالم أذكى منه بموضع كموضع الجاهل من العالم، وروينا. له قصة إمام عصره بهاء الدين العاملي حين اجتمع له العلماء في مجلس وفيهم علامة الشام الإمام البوريني، فبدأ البهاء يتكلم في التفسير بكلام صريح واضح فهمه كل من في المجلس من عالم وغير عالم، ثم دقق حتى لم يفهمهْ إلا العلماء، ثم علا حتى لم يفهمه إلا البوريني وحده، ثم غمض غموض السر في حقائق المعقولات حتى لم يفهمه ولا البوريني.
فما كان من جواب الأستاذ الأديب المهذب طه
حسين إلا هذه الجملة بحروفها "دا مغفل لازم ". . .
стр. 155
أما والله إن المغفل هو الذي يحسب أن سنن الكون تنشئ له أمة
جديدة بكتاب ككتاب الشعر الجاهلي، وتفسد له أمة قديمة بمجموعة
كمجموعة قصص السياسة، ثم لا يعلم أن الفاسق الفاجر يكون من الهوان
على الله بحيث لا يجعل الله أمره في هذه الأمة المسلمة يزيد شيئاً على حانة
في شارع في مدينة.
كلما نظرنا في كتاب "الشعر الجاهلي" لم نزدد إلا يقيناً. بأن هذا الأستاذ
الذي يسبح بمذهب ديكارت هو أشد الناس خروجاً في كتابه على هذا
المذْهب، فإنه لا يكتب ولا يفكر إلا لغرض واحد - يبتغي له وسائله وأسبابه بكل ما استطاع، وهو توهين أمر الإسلام وصدعه من مفاصله وتفكيك العُقَد
المحكمة التي يتماسك بها في تاريخه وناهيك به دائباً يجمع من هنا وهناك من
أثينا إلى مكة. . .!
فالأستاذ لا يبحث كما يدعي وكما هو الأصل في مذهب ديكارت، وإنما
يقرر تقريراً، وشتان بين بحث يراد منه ما ينتجه من غير تعيين لنتيجة محتومة.
وبين تقرير النتيجة التي يساق لها البحث وتجمع لها الأدلة، فإن الأول يصلع
على التجرد من الأسباب التي تؤثر في الرأي كالعاطفة والعصبية وغيرهما، وأما الثاني فزَعمُ التجرد فيه حماقة وسخرية؛ لأن النتيجة المعينة لا تجاذب إلا
مقدماتها. وهذه المقدمات - لا تستدعي إلا أسبابها، وهذه الأسباب لا تقوم إلا بأحوال مقررة منها الرأيُ والعصبية والميلُ والهوى ونحوها؛ وذلك ما حمل طه في اقتحام هذه - الخطة وركوب - هذا النهج، على ما فعل من تحريف النصوص وإرادتها لما ليس فيها؛ وعلى ذلك الخبط من سوء الفهم وفساد الاستنتاج، ومن أجل ذلك تناول الدين بالتكذيب والرد، وتعصَّبَ تلك العصبية الحمقاء في تأويله وسياق أدلته، وجعل الشبهة حجة والحجةَ شبهة. ليستوي له أن يخالف الإجماع، فإذا خالفه نقضه، فإذا نقضه وظن أنه قد تهيأ له نسق تاريخي ولو مزوراً مكذوباً عاد بالهدم على التاريخ وعلى الأسباب الطبيعية الواشجة فيه وكسر كل قياس كان العلماء يقيسون عليه، فيتم له. بذلك ما يسميه هو وأمثاله
جديداً وهو من السخف - بحيث ترى.
ولسنا نتحرج أن ننبه هنا إلى أصل هذا الجديد الذي يزعمونه ويتشدَّقون
به، فكل فاسق، وكل ملحد، وكل مقلد أحدَ هذين، وكل متهوس بإحدى هذه العلل الثلاث - هو مجد إذاً جرى في انتحال الأدب العربي وتعاطيه مجرى
стр. 156
التكذيب والرد والنقيصة والزراية عليه وعلى أهله والخبط ما بين أصوله
وفروعه، على أن لا يستخرج من بحثه إلا ما يخالف إجماعاً، أو يعيب فضيلة، أو يغض من دين، أو ينقض أصلاً عربياً جزلاً بسخافة إفرنجية ركيكة، أو يحقر معنى من هذه المعاني التي يعظمها الجامدون أنصار القديم من القرآن فنازلا، وبالجملة فالتجديد أن تكون لصاً من لصوص الكتب الأوروبية، ثم لا تكون ذا دين؛ أو لا يكون فيك من الدين إلا اسمك الذي ضُرِب عليك فلا حيلة لك فيه ولا تستطيع أن تستدرج منه إلا في أولادك المساكين كما فعل أبو مرغريت الشيخ (١) . . . ثم لا حاجة للجديد بإلحادك وزيغك إلا إذا طبعتَ بأحدهما أو كليهما مسائل التاريخ الإسلامي والأدب العربي، وأفسدت الخالص بالممزوج.
وحقرت الناس والمعاني، وكنت حراً طليقاً من قيود السماء والأرض إذا
صدرت أو وردت، فتقول على قدر عقلك، ثم تعقل على قدر زيغك، ثم تزيغ قدر ما أنت قادر!
أما إن بحثت وقايست وتعقلت وكنت أذكى الناس وأبلغ الناس، ثم كنت
لا تستخرج من التاريخ والأدب إلا ما يزينهما ويزيدهما ويكشف عن أسرارهما وحقائمهما الصحيحة، ولم تكن لص كتب أوروبية ومذاهب أوروبية فالويل لك فما أنت إلا قديم وما أنت إلا نفس حجرية ولو المسلمون
تقديس الكعبة وحجرها، وإن العصر لفي غنى عنك وعن كتبك وآرائك لأن
خمسة أو ستة - أو خمسين أو ستين - هم العصر وهم الأمة وهم من التاريخ
المترامي إلى المستقبل كالقطار: فيه ما فيه من عربات تحمل من العروض على
أجناسها وأنواعها ومن الناس على درجاتهم وطبقاتهم، ولكن الخمسة أو الستة هم وحدهم عربة الآلات والبخار وفحم نيوكاسل. . .
بل أيها المجددون، غير أنه ليس على الأرض معصوم من الخطأ، وغير
أننا نعرف أن غلطة العالم تدل على علمه كما يدل صوابه.
وأن شبهة الجاهل تدل على جهله كما يدل خطأُه، إذ كان الأول متحرزاً يتوقى جهده، وكان الثاني متحمقاً يسترسل جهده، فعلى قدر قوة الشبهة وضعفها، وبحسب نوع الغلطة وشكلها، يُعرف نوع الفكر وتتبين حالة العقل، وبهذين تعرف صفة النفس، وبالنفس لا بغيرها يقوم التاريخ الإنساني.
стр. 157
فتعالوا نسألكم لو أن عيسى ﵇ كان مَعه مائة ألف من أمثال
الخواجة المجدد سلامة موسى أيكون معه إلا مائة ألف مكابر سخيف
يفسدون عليه ولا يُغنُون في أمره ما يغني رجل واحد من أولئك الصيادين الذين كانت في أنفسهم الصافية روحُ الماء العذب!
ولو أن محمداً ﷺ كان معه خمسمائة ألف من أمثال الشيخ المجدد طه حسين، أفيردون عليه ما رد عربي واحد قلبُه روحُ سيفه؟
أرأيتم الآن أيها الفضلاء جداً.. أن الأمم في غنى عنكم، وأن حاجتها
كل الحاجة إنما هي إيمانها وقديمها، وأنكم لا تنزلون منها ومن تاريخها
وأسباب تاريخها إلا منزلة الثرثرة في المعنى الصريح من المعنى الصريح، وأن
مَثلكم معها كمثل حادثة تاريخية عظيمة أخذت ما أخذت من الناس وتركت ما تركت فيهم حتى مضت لسبيلها وصارت حديثاً في الأحاديث، جاء رجل
متسكع متلكع فاحتسى ألف كأس من الخمر وأحرق ألف دخينة من التبغ
وأضرم النار وروح النار على دماغه ليخرج من دماغه رواية تمثيلية في تلك
الحادثة تزخرفها بالكذب وتزينها بالفلسفة وتزيدها بالتحليل والمنطق وتجملها
بالخيال والشعر، ثم لا تكون مع هذا كله في جنب الأصل إلا مَلهاة وهزءا
وسخرية ليس فيها إلا حسام لا يقطع، وبطل لا يمنع، ونار لا تحرق وبحر لا
يغرق؟
أتظنون أنْ التجديد لا يقوم إلا بالهدم، وهل يبلغ ما أنتم فيه من الحماقة
وضعف البصر بعواقب الأمور وأسرار الأشياء أن تقولوا إن البناء الجديد لا يقوم إلا بعد هدم القديم وإزاحة أنقاضه وإقرار الجديد في موضعه؛ أهو بناء من الطوب والحجارة والأخشاب ترفعون هذا وتضعون هذا، أم هو بناء بالكلام على أرض من الورق، فكل ما جاء ليبنى بَنَى وكل ما جاء ليهدم هدم؛ أفلا تعلمون أن القديم لا يهدم ألبتة لأنه هو الذي يُباع الجديد ويشقه؛ فإن هُدم في أمة من الأمم زال الجديد بزواله ولم يبق من الأمة إلا بقايا لا تستمسك على حادثة ولا تقر على صدمة.
وأن سنة الكون في الجديد أنه ترميم في بعض نواحي القديم وتهذيب في بعضها وزُخرُف في بعضها الآخر، وإلا لوجب أن
стр. 158
يتجدد التركيب الإنساني والتركيب العقلي، وهو ما لم يقع ولن يقع منه شيء.
فالشأن في الجديد أن تتصل المادة الجديدة بالقديم فإذا هو هو، ولكن
ببعض الزيادة أو بعض الزينة أو بعض القوة، وكل ذلك لإحداث بعض المنفعة، فالرجل المجدد لا يوجد نفسه أيها الفضلاء جديداً، وما هو من الهوان على الكون ونواميسه وعلله بحيث يقول ساكون فيكون؛ ولو أن كل أسود في مطعم أو حانة كأسود بني عبس لفسدت الأرض ولم يبق للشجاعة تاريخ يُحفظ، ولو أن كل لون أحمر يقول أنا الورد لما بقي للورد معنى إلا أن يكون خجلاً في وحه الدنيا. . .
المجدد أيها الفضلاء جديداً لا تخرجه للأمة إلا أقوى عناصر القديم متى
اجتمعت فيه صحيحة متظاهرة يمد بعضها بعضاً، فإن من انتهى إلى غاية من
الغايات كان هو الحريُّ أن يستشرف لما بعدها وأن يأتي بما لا يستطيع مَن
دونه، ولكن الشرط أن يكون قد بلغ هذه الغاية، وما يبلغها إلا إذا كان مهيأ بوسائلها، ولن تأتي له هذه الوسائل على أتمها وأكملها إلا إذا شاءت الحكمة الإلهية أن تنقح شيئاً في أسأليب الحياة والنظام القديم.
فالذي يحصل من كل ما تقدم أن لا جديد إلا حيث تُباع الحكمة شيئاً ثم
تتصل نواميس الحياة النفسية بهذا الشيء فإذا هي تفعل به ما اقتضته الحكمة مما نسميه هدماً أو بناء، فأنت إذا كنت مجدداً في اللغة مثلاً وكانت فيك العناصر الكافية لاجتماع قوة من قوى الناموس العام فلا بد أن تباع شيئاً غير موجود لا يستطيعه غيرك كما تستطيعه أنت، فإذا أبدعت واستحدثت رأيت القديم نفسه هو الدليل على أنك جددتَ فكنت بشهادته مجدداً؛ وهي شهادة كما ترى لا تنالها بأنك "محرر" صحيفة أو مترجم مجلة أو ملخص من بعض آراء الفلاسفة، بل من حياة عصرك وطبيعته وقوانين وجوده، إذ تكون أنت زيادة في العصر وآية في الطبيعة وكلمة جديدة في قوانين الأمة.
стр. 159
كأن هذا بعيد عن موضوعنا، ولكن كيف نصنع وموضوعنا طه حسين.
وهو رجل كشبكة الصائد: كلها عيون وخروق، وبين كل خرق وخرق
عقدة. . .
رأينا عصبية طه على الإسلام تلبس ثلاثة وجوه: أولها عقيدته في القرآن
وأنه من وضع الذي جاء به لا من وحي ولا تنزيل ولا معجزة.
وثانيهما رأيه في النبي ﷺ وأنه رجل سياسي فلا نبوة ولا رسالة.
وثالثها عمله في توهين أمر الأئمة من الصحابة فمَنْ بعدهم وقياسهم في
الإنسانية وأهوائها وشهواتها على قياس من نفسه وطباعه. . .
فأما القرآن فقد أفردنا له مقالاً افتضح به أستاذ الجامعة أشد فضيحة
وأخزاها، ونزيد عليه هنا أن الأستاذ يقول في صفحة ٨٥ في الرد على
المستشرق هوار الذي زعم أن النبي ﷺ أخذ من شعر أمية بن أبي الصلت واستعان به في نظم القرآن: "من الذي يستطيع أن ينكر أن كثيراً من القصص القرآني كان معروفاً بعضه عند اليهود وبعضه عند النصارى وبعضه عند العرب أنفسهم، وكان من اليسير أن يعرفه النبي ﷺ تأملوا - كما كان من اليسير أن
يعرفه غير النبي؛ ثم كان النبي وأمية متعاصرين، فلمَ يكون النبي هو الذي أخذ من أمية ولا يكون أمية هو الذي أخذ من النبي؟
وهذه العبارة ناطقة برأي قائلها، حتى كأنه يقول إن القرآن لا ينقصه إلا أن
يكتب عليه "تأليف فلان" ونعوذ بالله ونتوب إليه ونستغفره.
ويقول في صفحة ١٨ في بيان أن القرآن ليس في حاجة إلى شواهد من
الشعر على ألفاظه ومعانيها عند العرب: " نخالفهم أشد الخلاف، لأن أحداً لا ينكر عربية النبي فيما نعرف. . . ".
стр. 160
يعني إذا لم ينكر أحد عربيته لم ينكر صحة كلامه؛ ونعوذ بالله ونتوب إليه
ونستغفره.
ثم يقول في صفحة ٧٦ عن علماء الموالي وعلماء العرب: "وأرادوا هم -
علماء العرب - أو الموالي، أو أولئك وهؤلاء، أن يدرسوا القرآن درساً لغوياً ويثبتوا صحة ألفاظه ومعانيه؛ ولأمر ما شعروا بالحاجة إلى إثبات أن القرآن كتاب عربي مطابق في ألفاظه للغة العرب، فحرصوا على أن يستشهدوا على كل كلمة من كلمات القرآن بشيء من شعر العرب يثبت أن هذه الكلمة القرآنية عربية لا سبيل إلى الشك في عربيتها" انتهى.
والرجل يكرر هذا المعنى ويطيل فيه، ولا يفهم أن الاستشهاد بالشعر لا
يراد منه إثبات عربية القرآن ولا مطابقة ألفاظه لألفاظ العرب، ولا هو من شك في العربية ولا "من أمر ما. . . "
وإنما يراد به اتخاذ القرآن سبباً في جمع مادة
اللغة وشواهدها، كما كان هو السبب في وضع العلوم العربية كلها؛ أفترى
وضع النحو كان لإثبات أن القرآن ليس فيه لحن، أم كان لإقامة الألسنة الزائغة حتى يسهل عليها الأداء والقراءة؛ ثم يراد من تقييد تلك الشواهد وجمعها وتدوينها تفسير كلمات القرآن ليفهمها من يجيئون بعد العرب كما فهمها العرب أنفسهم، وظاهر أنه لا سبيل إلى ذلك إلا بالنص على معاني الكلمات عندهم، ولا ثقة بهذا النص إن لم يكن عليه دليل من شعرهم، إذ هو وحده، المحفوظ عنهم، وهو كان متن اللغة والخبر والأثر؛ ولعمري لولا صنيع العلماء في جمع
هذه الشواهد لقام ألف زنديق يضيفون إلى مطاعنهم في القرآن أن فيه خطأ في
اللغة، فانظر، أين هذه الحكمة مما يخبط فيها أستاذ الجامعة.
ويقول في صفحة ٩١: "إن اليونان يقدسون الإلياذة والأوديسا ويعنون
بجمعهما وترتيبهما وروايتهما وإذاعتهما عناية المسلمين بالقرآن الكريم ".
ولم نفهم شيئاً من هذا الكلام، لأنه يحتمل كل شيء، ولو فسرَ لنا فسرنا
له وأريناه مبلغ جهله وسوءِ أدبه!
وأما رأيه في النبي ﷺ فمن أعجب ما عجبنا له أنه ما من عالمٍ أو كاتب مسلم يذكره ﷺ إلا صلى عليه أو وضع رمز الصيغة ولو هذا الحرف "ص"
وترى كتاب المسيحية يأخذون بهذا الأدب في كتبهم العربية، لأن المسلمين
يقراونها؛ أما أستاذ الجامعة فكأنه لا يتولى النبى ﷺ ولا يحس عظمته ولا أثره.
فقد ذكره في كتابه مراراً تفوت العدَّ فلم يتأدب معه ولا مرة واحدة، فلا بعقيدة
стр. 161
المسلمين أخذ، ولا بمجاملة المسيحيين اقتدى، بل طريقته هي طريقة المبشرين
بعينها، تُشعرك وقاحة الكاتب وغرورَه وانتشار عُقَدِه، مع أنهم قالوا إن هذه
الصلاة من الرجل المسلم إنما تكون دليلاً على خلوص نيته وقوة عقيدته، وأنه لا شوب فيها ولا شرك، وعلى أن بشاشة الإيمان قد خالطت قلبه، ولكن شيخ الجامعة قد تجرد من دينه منذ الصفحة الأولى، وقد والله صدق فيه الحديث.
"رَغِمَ أنفُ عبد ذُكِرتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ "
فما أنف أَرغَمُ من أنف طه حسين كمداً وذلاً وخزياً ولعنة.
والأستاذ يكذب الحديث الصحيح ويتهكم به كما رأيت في بعض ما مر.
وما نظن أحداً يسلم من تكذيبه، بل هو يقول في صفحة ١٢٨: " فأنا لا أقدس أحداً من الذين يعاصرونني ولا أبرئه من الكذب والانتحال".
فإذا كان هذا من رأيه فيمن يعاصرونه ويعرفهم حق المعرفة، فيهم أستاذه
وصديقه وأبوه وأمه، فكيف به فيمن لا يعرفهم إلا من الكتب، بل هو يكاد
يصرح في صفحة ١٠١ أن كل شخص لا يعرفه فأكبر الظن عنده أنه من
أشخاص الأساطير لم يوجد قط؛ قال: "نحن لا نعرف مَن سَعد ومن مالك ومن زيدُ مَناة، فأكبر الظن عندنا أنهم أشخاصُ أساطير لم يوجدوا قط ".
فهل تعرف يا أستاذ الجامعة أولئك الذي ألفوا كتب التاريخ؛ وإذا كنت لا
تعرفهم فليس ما يمنع أن يكونوا أشخاص أساطير، وإذن فالكتب قد ألَّفَت
نفسها. . . إذ لو قلت: إن غير أولئك ألفوها قلنا لك: وهؤلاء لا تعرفهم؛ فلا تزال تدور في محال لو أخذنا بقياسك الفاسد ورأيك السقيم!
قالوا: سعد ومالك وزيدُ مَناة وفلان وفلان، وفسروهم وأخبرونا خبرهم.
فإن قلنا إننا لا نعرفهم ولم نثبتهم عياناً فيجوز لذلك أن يكونوا رجال أساطير - صدق هذا على كل ما كان قبلنا، وسيصدق علينا وعلى تاريخنا إذا جاء من بعدنا ووِرثتنا الدنيا، فلا يكون العلم التام إلا الجهل التام، وحسبك بهذا جهلاً ممن يقول به.
ثم إنه ليس في الطبيعة الإنسانية تواطؤ على نمط واحد من
الخُلُق، فإن وُجد الكذب وُجد معه الصدق، وإن كانت الغفلة كان التحزز، وإن عُرف التلفيق عُرف النقد والتمحيص، وما قطُّ وُجدت أمة يُجمع كل أدبائها وعلمائها على الكذب.
ولقد امتازت الأمة الإسلامية دون كل الأمم بعلم الرواية وشروطه
الكثيرة، كما بسطنا الكلام عليه في الجزء الأول من تاريخ آداب العرب؛
стр. 162
فإن كان عندنا الكذابون والوضاعون ومن لا ثقة بهم، فإن عندنا الناقدين
والمصححين والثقات؛ ولكن ما أنت صانع في رجل كطه حسين جَهله أوسعُ
من علمه، ولسانه أوفى من عقله، ولا يدري إلى الآن أنه متى صار التاريخ إلى الطريقة الجدلية فلا حاجة إلا اطلاع ولا فكر ولا علم، وكل عاقي هو مؤرخ، إذ حسبه من العلم أن يقول فيما لم يكن إنه كان، وفيما كان: يجوز أنه لم يكن، وعجيب أن تكون هذه هي طريقة أستاذ الأدب في الجامعة وأن يكون رجال هذه الجامعة من الغفلة بحيث يظنون هذا علماً أو تجديداً في العلم. . .
ويقول في صفحة ٤٨ يعني النبي ﷺ أول أمره مع قريش: "ولم يكن يطمع في ملك ولا تغلب ولا قَهر، أو لم يكن ذلك في دعوته ".
وهذه العبارة الأخيرة يقلد فيها دهاة السياسة في لغتهم العملية التي
يجعلون لكل جملة منها بابين، غير أن طه سدَّ في عبارته البابين والنافذة
أيضاً. . . فإن معناها الصريح أن النبي ﷺ أولَ أمره لم يكن يطمع في ملك، أو كان يطمع، ولكنه كتم ذلك فلم يُظهره في دعوته التي دعا بها الناس إلى الله.
وإذن يا شيخ الجامعة فقد كان للدعوة بطن وظهر، ولا تكون كذلك إلا إذا
كانت من عنده هو لا من عند الله، وليتأمل القراء شنعة ما يخرج من هذا القياس من إنكار النبوة والرسالة، نعوذ بالله ونتوب إليه ونستغفره.
ثم يقول في صفحة ٥٥: "إن النبي ﷺ كان يحرض على الهجاء ويثيب عليه أصحابه، ويتحدّث أن جبريل كان يؤيد حساناً".
وهذا الجهل مما تضيق به الصدور فإن النبي ﷺ لم يكن به الهجاء ولا الإقذاع، وإنما كانت تلك سُنة عربية اضطرته إليها طبيعة العرب لحماية أعراض المسلمين، فقد كان من هذه السنّة عند العرب أنه إذا سكت المشتوم صدق الشاتم فجرى كلامه مجرى التاريخ الصحيح، ثم كانت معارك الألسنة لا يسكت فيها إلا الذليل فسكوته ذل، ولا يُغلب فيها إلا العَيي فعيه ذل آخر، وكل ذلك من أمرهم فلم يكن بدٌّ من المصير إليه ليتعالمه العرب فلا يؤثر هجاء قريش أثره
فيهم ويكون سبباً لنفرتهم ولتوهين أمر المسلمين عليهم (١) .
وما كان جبريل
стр. 163
يؤيد حساناً في الهجاء، ولكن في الكفاح عن نبيه كما ورد في الحديث:
"إن الله ليؤيد حساناً ما كافح عن نبيه"
والعبارة بهذه اللفظة (الكفاح) تُفهِم معانيَ كثيرة وليس منها معنى الهجاء، وكأنه ﷺ كُشف له أن طه حسين
سيدعي عليه ويغض منه فقيد غرضه بها ليقول للناس: انظروا فإنه. . .
وافهموا فإنه..
* * *
وأما عصبية الرجل على أئمة المسلمين فقد مر من ذلك نبذ، وانظر
كيف يقول في صفحة ٥١ عن أبي سفيان في فتح مكة: "فنظر فإذا هو بين
اثنتين: إما أن يمضي على المقاومة فتفنى مكة، وإما أن يصانع ويصالح
ويدخل فيما دخل فيه الناس "وينتظر. . . " لعل هذا السلطان "السياسي"
الذي انتقل من مكة إلى المدينة، ومن قريش إلى الأنصار، أن يعود إلى
قريش وإلى مكة مرة أخرى؛ قال: وألقى الرماد على هذه النار التي كانت
متأججة بين قريش والأنصار وأصبح الناس جميعاً - في ظاهر الأمر - إخواناً
مؤتلفين في الدين" انتهى نصاً.
وقد طال "انتظار" أبي سفيان في رأي الشيخ المأفون حتى قام حفيده يزيد
بن معاوية فانتقم من غزوة بدر في وقعة الحَرّة كما قال في صفحة ٥٥، وفي
هذه الصفحة يقول: "إن يزيد صورة صادقة لجده أبي سفيان في السخط على
الإسلام وما سنَّه للناس من سنن (١) .
فأبو سفيان والصحابة أو أكثرهم منافقون في رأي الجامعة المصرية.
لأنهم لم يكونوا إخواناً مؤتلفين في الدين إلا - في ظاهر الأمر - وأبو سفيان مع ذلك من كتاب النبي ﷺ وقد شهد معه حنينا والطائف وفُقئت عينه في هذه.
وهو القائل لرسول الله ﷺ بعد غزوة حنين:
"والله إنك لكريم فِداك أبي وأمي، والله لقد حاربتك فنِعمَ المحارَب كنت، ولقد سالمتك فنعم المسالم أنت"
أفهذا كلام منافق ينتظر ويتربص؟
стр. 164
على أن الذي ما يُقضَى العجبُ منه أن رأي طه حسين هذا هو بعينه ونصه
رأي الرافضة ومذهبهم، فقد زعموا أن الصحابة كانوا منافقين في حياة رسول الله ﷺ : أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح وجلة المهاجرين وخيارَ الأنصار.
فكيف يتفق كل هذا في كتاب الجامعة، وهل الذي فيها أستاذ للآداب أم
هو أستاذ للفكر والرفض؟
стр. 165
قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
قبل أن يجري القلم في هذه الكلمة نصحح قولاً جئنا به في بعض ما
كتبناه، فقد ظنَنا أن أستاذ الجامعة أخذ فكرة الشك في شعر الجاهلية عن
المستشرق مرجليوث، ولكن أحد الفضلاء نبهنا إلى أنه قبلَ جحا قد كان أبو
دلامة. . . فإن هذه الفكرة من آراء مستشرقي الألمان، وهي مبسوطة بكثير من أدلة طه حسين في كتاب "الشعر العربي قبل الإسلام " المطبوع في باريس سنة ١٨٨٠؛ فيسرنا والله أن نباهي الأمم كلها بجامعتنا المصرية التي جاءت في تاريخ الدنيا بمعجزة فوق المعجزات، إذ ظفرت لتدريس الآداب العربية بأستاذ عظيم تُسرَق آراؤه وتُطبع وتنشر في أوروبا قبل أن يولد هو في مصر ببضع سنوات. . .
وما زالت بلادنا هذه مُرَزأة مسكينة لا تبرح الأقدار تمسها في كنوزها
الغالية وترميها بالمتلصصة من آفاق الأرض، فما كفى أوروبا أن تسرق آثار
ملوكها وفراعنتها بعد موتهم، بل اجترأت كذلك فسرقت آراء الفرعون العظيم طه حسين قبل ولادته. . .
أما بعد أيتها الجامعة، فإنما نخاطبك ونكتب لك وحدك، وإياكِ نعني.
وعلى قدرِك ما أجملنا وفصلنا؛ لأنك مؤتمنة على عقائد أبنائنا ونراك خائنة.
وفيك مَثابة العلم ونراك جاهلة، وإليك الرأي في هذا الأدب ثم لا يسف ولا يسقط في الرأي غيرك؛ وقد كان الظن بك أن للعلم حرمة عندك وللأمانة موضعاً فيك، وأنك تعلمين الفرق بين علم مفروغ منه وعلم قد بُدئ؛ فيه وبين العقل العام الذي يجتمع من صواب العلماء جميعاً وبين العقل الخاص الذي يحمله كل عالم وكل جاهل، وكنا نرجو بذلك أن تدركي أن الأدب لا يلبس ثياب طه حسين ولا يحيا بحياته ولا يموت بموته، وأن هذا الرجل هو مِرآتك في الأمة، فهو رادك إلى طبعه وخلقه، وممثلك بجهله وحمقه، ودامغُك بزيغه وإلحاده؛ فتَعَالَمتِ به حتى فضحك جهله، وأمنت له حتى لبسك كفره؛ ثم أنت بعد ذلك لا خطأ نفيتِ ولا صواباً أتيت، بل ذهبتِ بنفسك؛ غروراً منك بأن
стр. 166
اسمك الجامعة، وتعصباً لباطل أستاذك الملحد واستكباراً في الأرض ومكرَ
السيئ، فكنتِ ما كنتِ، إلى صلابة وعناد، وإلى شدة ونكاية؛ وملتِ إلى
ناحية الازدراء بالأمة والتهكم بدينها والتحقير لعلمائها وأدبائها، كأنه ليس في كل أولئك عالم ولا أديب، وكان مجموعة الأمة المصرية لا توزن عندك "بابن الجامعة البكر" لأن قلبك يزيد فيه حتى يصير جبلاً، وينقص من الأمة حتى ترجع حصاة، والميزانُ ميزان قلبك؛ ثم هو في يدك المتصلة بهذا القلب.
فسبحان الله! كأننا لا نجادلك في العلم والأدب ولكن نعذلك في العشق
والهوى، وأضيع شيء ما تقول العواذل! فما بك إلا الخلاف والمكابرة
والإصرار واعتدادُ كل سيئة من سيئات المحبوب حسنة من حسنات الحب. . .
فلقد صار لنا أن نفهم أن الأمر عندك إنما هو بين أشخاص وأمزجة
ومصالح تجعل علماء الدين في مصر بأسمائهم وألقابهم وإجازتهم كأنهم صفحة
مكتوبة تقرأ وترمى في سلة المهملات.
أما طه وحده فهو الحي العالم القادر المتكلم الابن البكر الذي تجعله شهادة السوربون كأنه الآية الناسخة، ثم لا تكون الآية المنسوخة إلا الأزهر الشريف، على حين لا يكون الخلاف إلا دينياً وفي كتاب الله.
وصار لنا أن نفهم أن هذه التي تسمى الجامعة المصرية لا تبالي حُسنَ
أثرها على الأمة أو سوء أثرها عليها، ولا تعبأ بسمعة تمدح أم تذم كأنها هي
وحدها مركز المخ من الجسم المصري، أما سائر الناس والطبقات فجلد وعظم وأدوات وشيء كالصبغة فيما تغِله على صاحبها، أو نحو من هذا التشبيه أو قريب من نحوه، فإن سقط رجل فيها كطه حسين ونبذته الأمة كلها لم يكن للجامعة هم إلا أن تشده إلى كرسيه ولو بالحبال، وتثبته ولو بالمسامير، كأنما وظيفته في الجامعة أن لايتركها وحسبُ. . .
أما العلم والأدب فكل كلام هو علم وأدب ما دام قائله "ابن الجامعة
البكر" وما دام التمييز مفقوداً والأهواء ملتبسة، إذ البغية عندهم كما وضح لنا وللناس جميعاً أن يجد أستاذ الأدب عيشه لا أن يجد الأدب أستاذه، والأمران مختلفان جدا كماترى وبينهما بعد باعد لا تقريب فيه.
نسأل الجامعة سؤالاً مكشوفاً لتجيبنا عليه إن استطاعت أن تجيب بعد ذلك
السكوت منها:
مَن الذي يصلح من رجالها والقائمين عليها أن يكون حَكماً فيما شَجر
стр. 167
بينها وبين الأدباء من خلاف؛ فهم يرمون أستاذها بالجهل في تاريخ الأدب
ويهدمون عليه دروسه ينقضون آراءه، وذلك إما حق فينفذ وإما باطل فيرد.
فمن عساه يقول هذه الكلمة الفاصلة من أساتذة الجامعة ورجالها؛ ومن هو هذا الذي يرى في نفسه قوة في هذا العلم ويكون من أهله بهذا الموقع، وما علمنا أن في الجامعة الأصمعى ولا أبا عبيدة ولا الجاحظ ولا من فيه من هؤلاء
وأمثالهم رائحة، وليس في الأرض كلها من يقول إن عالماً بالقانون هو من أجل ذلك عالم بالأدب، وأن فيلسوفاً في العقليات هو بفلسفته مؤرخ للشعر
والكتابة، وما كل من يحسن شيئاً يحسن كل شيء.
ولقد ادعى الأدباء والعلماء وجاؤوا بالبينة وساقوا الحجج وأثبتوا للجامعة
إلحاد شيخها وضعف رأيه وسوء فهمه وعقم استنباطه، وأنه على ذلك نزر
المادة يتوسع فيها بأشياء من نفسه يسميها التحليل والمنطق، لا بالأسباب التي
تكون المادة نفسها مما يسمى بالنصوص والعلل ونحوها.
قد أقيمت الدعوى فأين القاضي؟ أتريد هذه الجامعة أن تتهزأ بالعلماء والأدباء جميعاً، وأن تتغفل الأمة كلها فتضع لـ طه حسين لحية كثة على عارضيه وفروة بيضاء على رأسه وتخرجه للناس يقول: نحن قاضي الجامعة، فتحت الجلسة وحكمنا أن طه حسين لم يلحد في دين الله ولن يلحد فيه، ولم يخطئ في تاريخ الأدب ولن يخطئ، ولم ولن عشر مرات على بياض..؟ ليضع فيها طه حسين ما شاء كلما شاء؟ "
أيتها الجامعة، لا نسألك إنصافاً ولا بعضاً من الإنصاف، ما دمت تخصين
أستاذك بالمراعاة وبفضل من المراعاة، ولكن ويحك ما أنت صانعة في تاريخ
الأدب، ومن الذي ورثك إياه أو وفقه عليك حتى يكون علمك هو العلم
وحده، وأية قوة هذه التي تجعل الغلطة منك ذات عنصر ليس في الغلط حتى لا يطمع أحد في تنبيهك إليها أو حسابك عليها، وفي هذا القياس من الذي يجعل حديدك ذهباً، وثلجك البارد لهباً، وحطبك عُود الند، وجَزرَك أعلى المد، سبحانكِ بيدك الخير، وأستاذكِ ولا غير، وورثت ملكَ سليمان "بعِفريت"، وملكت حرارة الشمس في علبة كبريت. . .
أما إنه عزيز علينا والله أن يجري بنا القول إلى هذا المعنى، ولكن الكلام
لا مَقادَة له إلا من الواقع، وما كان لنا أن نرى في المرآة قفاً عريضاً ثم نقول في وصفه تبارك الله ما أبدع سحرَ العين، وما أحلى ندَى الابتسام على ورق
الشفتين، وهذا الخد، قافية في شعر الورد، وذاك الفم على وزن الدم،
стр. 168
ويا عليل الطرف أين منك الدواء، وما هذا الحاجب إلا حاجباً محكمة
الهوى. . .
* * *
وبعد فلندع الجامعة في أستاذها ولتسخر من الأمة ما شاءت، ولكنا نريد
أن نفهمها أن السماجة كل السماجة في أستاذها أنه يزعم في كتابه تصحيح
الحياة الأدبية الإسلامية، وقد علم أنه ما كان فيها ولا شارك أهلها ولا أحاط
بأسبابها، ولا هو يتولاها بالذهن اللطيف والبصيرة النافذة والطبع الشعري وما يشبه أفكار أهلها ومنازعهم وأغراضهم، بل يزعم في غرور أي غرور أنه تجرد من العاطفة والدين ليدرس ويستثبت ويحقق، وهو لو كان على علم وبصر وكان قد توفر على ما هو بسبيله من هذا الأدب للبس ولم يتجرد. فكان يكسو فكره وخياله عواطف العرب وأذواقهم وعاداتهم وطبائع عصرهم، ويقارب أذهانهم
الحِداد وقرائحهم القوية، ثم يقول بعد ذلك في تاريخهم، وتاريخ أدبهم وينكر
ويثبت. فإنه أحرى أن يقبل منه؛ إذ يكون كأنه اتصل بالحادثة التي يؤرخها بمثل ما يرده العيان والمشاهدة على من عاين وشاهد، وكأنه شارك فيها بإيجاد
وخلق، فمن ثم لا يقول فيها من هو أصدق منه أو أقرب إلى الصدق؛ ويكون فيما يحكيه أو يصفه أو يستنبطه كأنه بقية دهر تصف دهرها، فما ثم إلا القبول منه والمصير إلى قوله ورأيه؛ وينزل عصره منه منزلة الفتى الناشئ الذي يسمع لقصة الهرِم الفاني الذي يقصها عن نفسه.
من أين للفكر المستفاد من عصرنا هذا عصر الشك والإلحاد أن يستبطن
خفايا العصور المؤمنة الغالية في إيمانها، ومن أين للعقل الذي تنشئه أسباب
التخنث ويقوم على النعمة واللين والحياة الوادعة أن يمضي في أسرار الأعصر
المخربة المدمرة البالغة في جبروتها؛ وليت شعري عن أستاذ الجامعة إذ يجانس
فكرُه الغربي الأوروبي ذلك الفكرَ الشرقي العربي حتى يقع التمازُجُ بينهما. هل يكون كلا الفكرين إلا سبًّا للآخر ونقضاً عليه؟ كما ظهر في كتابه الذي سب تاريخ الأدب به وسبه به تاريخُ الأدب؟
أنت يا راكب السيارة وممتطي القطار تزعم أن الحمق أشد الحمق أن
تمتطي الناقة أو تركب الجمل فتزري عليهما وتحقر شأنهما وتقول فيهما ما يبلغ لؤمُ القول، ثم تجاوز بهذه السمة إلى أهل الناقة والجمل، ثم تتعداهم إلى
عصرهم فتقول عصر البطء والبلادة والقلة وضياع الوقت والإسراف في إنفاق العمر وكيت وكيت؛ ولكن أيها الأحمق غامر بنفسك مرة في الصحراء وارتم
стр. 169
هناك بين العرض والطول الملتبسين في خيط واحد، ثم اجمع شواهدك
وحججك واستعرضها حجة حجة ودليلاً دليلاً فإنك مشرى الجمل يهدم عليك ذلك المنطق كله ببعره. . . وستتعلم هناك منطقاً آخر تؤمن فيه أشد الإيمان بأن الناقة والجمل ليسا من الحيوان، بل هما الكوكبان اللذان خلقهما الله بقدرته لتلك السماء من الرمل.
إن أقوى أسباب الخطأ في تاريخ الأدب شيئان: ضعف الفكر عن النفاذ
في إدراك الأسرار التي انطوى عليها ذلك التاريخ، وضعف المادة التي تجمع
لك صور التاريخ وتعين أجزاء هذه الصورة وتحقق أوضاع هذه الأجزاء؛ أما
الفكر فلا نفاذ - له إلا - أن يكون فكر شاعر كاتب بليغ على أصل من الفلسفة والذكاء الشفاف والعلم العربي، وأما المادة فلا قيمة لها ما لم تكن من الاتساع بحيث تتناول عصراً عصراً ورجلاً رجلاً وما نقص من ذلك، فالنقص في التاريخ بحسبِه وعلى مقداره.
ولنضرب مثلاً بأستاذ الجامعة؛ فقد صنع فصولاً في أبي نواس جعل فيها
هذا الشاعر الماجن الخليع المتخنث ديناً لعصره ومذهباً للحياة في زمنه فقال إنه كان عصر شك وإلحاد وزندقة؛ وغفل عن قول الأصبهاني جامع شعر أبي
نواس: " إن تعاطيه لقول الشعر كان على غير طريق الشعراء لأن جل أشعاره في اللهو والغزل والمجون والعبث كأشعاره في وصف الخمر ولغة النساء والغلمان، وأقل أشعاره مدائحه، قال: وليس هذا طريق الشعراء الذين كانوا في زمانه".
فإذا كان هذا النص صريحاً قاطعاً في أن شعراء زمن أبي نواس كانوا على
غير طريقته فكيف يكون الزمن نفسه على طريقته.
وما دمنا في طه حسين فلنضرب به هو مثلاً، فقد جاء في كتابه الشعر
الجاهلي بمخزيات كثيرة من الإلحاد والتهكم بالدين، فإذا مضت ألف سنة ثم
جاء أديب في مثل فكره وفهمه العجيب فوقف على كتابه أو نبذٍ منه أفلا يقطع بهذا الدليل إذا لم يجد غير هذه المادة من التاريخ أن الجامعة المصرية كانت في سنة ١٩٢٦ معهد كفر وإلحاد، ثم ينساق به الفكر إلى الأمة المصرية فيستنبط أنها كانت بقَضها وقضيضها أُمة كافرة ملحدة، لأن الجامعة هي أكبر مدارس الحكومة، والحكومة أقوى مظاهر الأمة الدستورية، ولكن هذا الأحمق - مقدماً وسلفاً. . . - إنما يقع في هذا الخلط الشنيع من ضعف استجماعه لمادة التاريخ وإن كان سديد الرأي صحيح القياس، فلو هو اطلع على برقيات المعاهد الدينية
стр. 170
المذيَّلة بأسماء جميع علمائها، وعلى قرار علماء الأزهر، وعلى احتجاج الشعب المصري، وعلى ما كتبه الأساتذة الكبار، وعلى مقالاتنا الضعيفة أيضاً، لعلم من كل ذلك فضيحة الجامعة فتغير رأيه، فتغير حكمه، فتغير التاريخ الذي يجيء به ويؤلفه.
لا جرم كانت المادة المحفوظة هي التي تنشئ التاريخ إنشاء على حسبها
فلا تجزئ عنها الفلسفة ولا الفكر ولا مذهب ديكارت ولا مذهب طه حسين؛ إذ هي وحدها سبيلنا إلى ما لا يمكن أن نلحق به أو يرجع إلينا، أما اتهام
الرواية والجرح والتعديل وما كان من الانتحال بزيادة أو نقص ولسبب وغير
سبب، فهذا وما يجرى مجراه عمل الفكر الذي أفيضت عليه تلك المادة لا
الذي انحسرت عنه، فعلى قدر ما يعجز المؤرخ عن استيعاب المادة يكون عجز فكره، ويدخل رأيه من الخلل والاضطراب والنقص بمقدار ما عسى أن يكون في تلك المواد التي سقطت عنه من الإحكام والضبط والزيادة وغيرها من أسباب الرأي، ولن يسلم مؤرخ الأدب من ذلك ولن يكون لفكره نفاذ ولن يكون رأيه رأياً إلا إذا أزاح هذه العلة بالاطلاع والجمع والاستقصاء؛ وذلك ما نبهنا إليه الجامعة في غير موضع من كلامنا، لنعلم أن المطلب بعيد والطريق وعر، وأن تاريخ الأدب ليس مقالة إلى مقالة ولا فكرة إلى فكرة، ولا هو من باب الكلام الصحفي، ولكنه مادة إلى مادة وتحقيق إلى تحقيق؛ فلتعاير كتاب أستاذها بهذا المعيار، ولتبحث فيه عن المادة قبل الرأي، لَكنها ستراه كله خلطاً أحدثه تمازج
عصرين متناقضين، أحدهما: عصرنا هذا بما فيه مما يعرف الأستاذ عياناً
وتصديقاً، والآخر: عصر العرب بما كان فيه مما لا يعرف إلا بعضه وهماً
وتكذيباً، لأنه لا ينساغ في طبيعته المعتلة الزائغة التي أفسدتها العقلية الأوروبية.
ومتى سُلط الفكر التاريخي بالمشاهدة على الوهم وبالتصديق على
التكذيب وكان لا يجري في ذلك إلا بميل وهوى، لم يبق من التاريخ شيء.
فإن بقي شيء لم يكن تاريخاً بل عملاً كتابياً يُكد فيه الذهن ويُعنتُ الخاطر
لغرض من الإبداع أو الإغراب أو التفلسف أو التضليل ونحوها من الأغراض
العقلية - أيها كان إلا غرضَ التاريخ.
وانظر كيف يصنع هذا الخلط، قال أستاذ الجامعة في صفحة ٥٢: وفي
الحق أن النبي ﷺ لم يكد يدع هذه الدنيا - هذا تعبير المبشرين، كأنه حازها ثم تركها، أما التعبير الإسلامي فهو: لم يكد يلحق بربه، أو بالرفيق الأعلى - حتى اختلف المهاجرون من قريش والأنصار فى الخلافة أين تكون ولمن تكون؟ وكاد
стр. 171
الأمر يفسد بين الفريقين لولا بقية من دين "كذا كذا، بقية فقط في أصحاب
رسول الله ﷺ وحزمُ نفر من قريش، ولولا أن القوة المادية كانت إذ ذاك إلى قريشاً وهذا كذب على التاريخ؛ فما هي إلا أن أذعنت الأنصار وقبلوا أن تخرج منهم الإمارة، وظهر أن الأمر قد استقر بين الفريقين، وأنهم قد أجمعوا على ذلك لا يخالفهم فيه إلا سعد بن عبادة الأنصاري الذي أبى أن يبايع أبا بكر وأن يبايع عمر وأن يصلي بصلاة المسلمين وأن يحج بحجهم وظل يمثل
المعارضة قوي الشكيمة ماضي العزيمة حتى قتل غيلة في بعض أسفاره قتلته
الجن فيما يزعم الرواة انتهى.
ثم قال في صفحة ٧١: وأعجب من هذا أن السياسة نفسها قد اتخذت
الجن أداة من أدواتها "نهنئ الجامعة". . . وأنطقتها بالشعر في العصر الإسلامي
نفسه، فقد أشرنا في الفصل السابق إلى ما كان من قتل سعد بن عبادة، ذلك
الأنصاري الذي أبى أن يذعن بالخلافة لقريش، وقلنا إنهم تحدثوا أن الجن
قتلته، وهم لم يكتفوا بهذا الحديث وإنما رووا شعراً قالته الجن تفتخر فيه بقتل
سعد بن عبادة هذا:
قد قتلنا سيد الخز. . . رج سعدَ بن عباده
ورميناه بسهميـ. . . نِ فلم نخطئ فؤاده
انتهى كلام الشيغ. وسنقف هنا وقفة نبين لك فيها ضلالة هذا الرجل
وخلطَه وتعمدَه الكذب وقلة تَحفظه وأخذِه على نفسه فيما يقوله ويراه، وستطلع من ذلك على دخيلة نفسه الخبيثة وتعلم يقيناً أن غايته تحقير الإسلام وتهوين أمره، وأنه كالمكره على أن يسوق كلامه مَساق الشبهة مع أنه في سعة من التاريخ ونصوصه واللغةِ وأساليبها، وأنه دائماً يتبع طريق الزنادقة في جعل الكلام مقدمات فاسدة ثم الإمساك عن النتيجة الآتية منها فلا يصرح بها بل يدع الطالب يستخرجها بفكره؛ ليجعل ذلك من عمله فيكون أَلصق به وأشد تأثيراً في نفسه وعقله، ويخرجه ذلك إلى أن يعتقد ما انتهى إليه ويتأدى به الشك إلى التهمة، وتسلمه التهمة إلى ما لا يَسلم عليه إيمان ولا يصح به يقين.
يصور الشيخُ سعدَ بن عبادة كما تفهم أنت من موقف كموقف الحزب
الوطني في البرلمان مثلاً، فهو يمثل "المعارضة" وظل يمثلها إلى أن قتل، أي
سنة خمس عشرة للهجرة على بعض الأقوال وبعد وفاة أبي بكر ﵁ بنحو سنتين، والمعارضة إنما كانت معارضة حين نشأت مسألة الخلافة فما
стр. 172
بقاؤها بعد أن استوثق الأمر وهل تسمى بعد إجماع الأمة عصياناً وخروجاً أو
معارضة يمثلها رجل سياسي؛ ثم يقول إن سعداً هذا كان لا يصلي بصلاة
المسلمين الخ، فهل يفهم القارئ من هذه التعمية إلا أنَّه كان يصلي بصلاة
النصارى أو اليهود، مع أن صريح المعنى فيها أن الرجل كان يصلي بصلاة
المسلمين لم يغير ولم يبدل، ولكنه يصلي وحده وفي بيته لا مع الجماعة في
المسجد؟.. ثم يقبول إن الجن قتلته غيلة في بعض أسفاره، والرجل لم يُقتل
وإنما"سار. إلى الشام وأقام بحوران إلى أن مات ووجدوه ميتاً على مغتسله، ولم يختلف المؤرخون في ذلك؛ وإنما يذهب شيخ الجامعة إلى جعل القتل سياسيا لمكان "المعارضة" حتى يحسن التلفيق وهذا أفضح لجهله، فما حاجة المسلمين إلى فتل رجل ضعيف مغترب وقد استقر الأمر وبويع أبو بكر ثم بويع عمر ومضت سنتان على ذلك ولم يُقتل، ولا فتنة ولا خلافَ ولا شيء مما يدعو إلى القتل غيلة؟
ثم يقول إن السياسة التي قتلته أنطقت الجن بذينك البيتين، وأنهم
تحدثوا وروَوا؛ وكل ذلك جهل من الأستاذ؛ والخبر أن قريشاً وضعت فيما
وضعت من الشعر بيتاً نحلته الجن في سعد بن عبادة وسعد بن معاذ، فزعموا
في أول الإسلام، أنهم لسمعوا صائحاً يصييح ليلاً على جبل أبي قُبيس:
فإن يُشلم السعدانِ يُصبِح محمدٌ. . . بمكة لا يخشى خِلافَ مخالِف
لما كان لهذين الرجلين من الشأن والخطر في قومهما، حتى إن النبي ﷺ اششارهمافي غزوة الخندق دون سائر الناس، فلما كانت هذه من أولية سعد زعم ابن سيرين في قَصصه أنه لما مات بالشام عُرف خبر موته في المدينة
"بالتلغزاف. . . " ولا تلغرافَ يومئذ إلا من الجن، فزعم أنهم لم يشعروا بموته بالمدينة حتى سمعوا قائلاً من بئر وأنشد البيتين؛ فأنت ترى لطف الصنعة في هذه الواية ورقتها وحسن سبكها، فإن الصائح الأول قبل إسلام سعد كان على ظهر - جبل والصائح الآخر بعد موته كان في قعر بئر. . . وكل ذلك تعظيم
لشان سعد، ولا سياسة ولا قتل ولا زندقة، وإنما قيل في الشعر - قد قتلنا -
لأن عبارة ابن سيرين في ذلك أن الرجل كان قائماً يبول فاتكأ فمات، فهذه
الفجأة هي ما يسمونه قتلاً من الجن، وهي كثيرة في أخبارهم؛ ولا يذهبن
عنك أنه إذا صح أن الرجل قتلته السياسة فما قتله إلا عمر بن الخطاب، وما
أشنعها تهماً أخزى الله قائلها!
ويبقى بعد كل هذا أن شيخ الجامعة قد جانب الفكر وترك التحليل في
هذه الحادثة مع أنه كثيراً ما يقول في كتابه: "وفِقهُ هذه الرواية "كيت ذيت" فما
стр. 173
باله غفر الله له؟ ونحن نقول له إن "فِقه هذه الرواية" أن سعد بن عبادة كان سيد الأنصار وأجودَهم وصاحبَ رايتهم في المشاهد كلها، وكان غيوراً حتى ورد في الحديث:
"إن سعداً لغيور وإني لأغيرُ من سعد واللهُ أغيرُ منا وغيرة الله أن تؤتى محارمُه " وكان يرمي بهمته بعيداً، حتى كان من دعائه: "اللهم هَب لي مجداً.
لا مجد إلا بفعال، ولا فعَال إلا بمال، اللهم إنه لا يُصلحني القليل ولا أصلح
عليه".
فهذه كلها أخلاق الرجل وطباعه، فلما لحق النبي ﷺ بربه طمع في الخلافة لمكانته وسابقته، وكان وقتئذ مريضاً لا يُسمع صوته، حتى إنه لما اجتمعت له الأنصار قال لابنه: لا أقدر لشكواي أن أسمع القوم كلهم ولكن تلقَّ مني قولي فاسمعهُموه، فكان يتكلم ويحفظ الرجل قوله فيرفع صوته فيُسمع أصحابه، فلعل هذا المريض لو كان صحيحاً لصح رأيه ولم تغلبه الفلتة الجاهلية ودخل فيما دخل الناس فيه، وهو إن كان قد غضب بعد أن تولاها أبو بكر فما غضب على المسلمين كافة ولكن على الأنصار بخاصتهم، لأنهم قومه الذين خذلوه. وإذا كان هذا كان الزعم أنه "يمثل المعارضة" زعماً مضحكاً.
ثم يبقى قول أستاذ الجامعة "ولولا أن القوة المادية كانت إذ ذاك إلى
قريش " وما ندري من أين جاء بهذا إلا أن يكون سخافة من سخافاته، كأنه خيل إليه أن الأنصار لو كانوا يملكون القوة المادية لذهبوا بالخلافة، فلما ذهبت بها قريش كان ذلك نصاً على أن القوة كانت فيهم.
وهذا الأشتاذ والله في حاجة شديدة إلى طبيب يحميه الاستنتاج كما يُحمَى
المريضُ الأطعمةَ الغليظة، ونحن نشير عليه أن يرحم نفسه فلا يحمل ذهنه على
هذا النوع الدقيق من معاناه الفكر، فإن لم يرحمها فليرحمنا. . .
كيف تكون القوة المادية في قريش، وفي خبر اختلاف الأنصار معهم أن
الحباب بن المنذر قال: يا معشر الأنصار، ملكوا على أيديكم فإن أبوا عليكم ما سألئموه فأجلوهم عن هذه البلاد، فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم، فإنه بأسيافكم دان لهذا الدين مَن دان.
أفيكون هذا كلام الأنصار ومنطق أسيافهم ومبلغ عزيمتهم ثم تكون القوة
المادية إلى قريش ولا تذعن الأنصار إلا خوفاً ورهباً من هذه القوة لا رغبة ولا
إسلاماً ولا إيماناً ولا إرادةَ وجه الله ولا تأثراً بعاطفة؛ ثم ما معنى "القوة
المادية "، أكانت وزارة الحربية في قريش، أم كانت في أيديهم مصانع
الذخيرة. . . أم كان سلاحهم السيوف والرماح، وسلاح الأنصار العصي
والنبابيت. . .؟
стр. 174
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا
رجعتُ إلى النسخة العتيقة التي عندي من كتاب "كليلة ودمنة" وقد قلت
إنه ليس مثلها عند أحد غيري، وأنه لا تأبى عليها حكمة ولا تهولها حادثة ولا
يتعاظمها مَثل، وقد تصفحتها لعلني أصيب فيها مثلاً للجامعة وشيخها صاحب المعجزات والخوارق، فإذا كليلة يقول في بعض قوله:
فاضرب لي مثلاً في الرجل تعجبه نفسه فتغرُّه فتقحِمهُ في الجهلة المنكرة
يراها وحده علماً ولا يعرفها الناس أجمعون إلا حمقاً وجهلاً، فإنك أمسكت
عن الحديث آنفاً عند مثل المدرسة التي زعموا أن اسمها الجامعة في إيمانها
بشيخها وتربصها أن تقع منه المعجزة، وقلتَ إنه كان رجلاً مفتوناً فجمعت عليه بين الغرور فيه والغفلة منها، وزادت في حمقه بضعف تمييزها فانقلب لا يمسكه عقل ولا دين، وإنه كان يتقي بعض السوء على نفسه، وكان يعتبر على علمه بعض الاعتبار، فلما رأَى الجامعة مهملة مُخلاة ورأى أنه وحده فوق المئذنة
وأن المصلين وإمامهم على الأرض، أذن في المسلمين بلغة الروم، وقال: إذا
كان المصلون غِرباناً فالمؤذن ولا عجب من البوم. . . وزعمتَ يا دمنةُ أنها
كانت مدرسة كمدرسة الحمار، فما مثل مدرسة الحمار؟
قال دمنة: زعموا أنه كان بأرض كذا حمار خُيًل إليه أنه عظيم الهامة حتى
لا يكبره الثور إلا بقرنيه، وغمه زيادة القرنين في الثور، فلما فكر وقايس واعتبر صح عنده أن أذناً من أذنيه الطويلتين ترجح بالقرنين جميعاً وكان حماراً ذا قياس ومنطق عجيب، فزعم لنفسه أن رأساً في قدر رأسه لا بد أن ينشئ عقلاً، وأن عقلاً كهذا العقل يباع إنساناً، وأن إنساناً لا يكون حماراً، فاهتدى من ذلك إلى أنه خلقٌ غير الحمير وقال: فما يمنعني أن آتي عملاً لا يتعلق فيه أحد بذيلي.
ثم يكون دليلاً في الحمير على أني فوق الناس، فإنه يُشبه أن أكون لهذا خلقت، وما ينفعني أن أكون فخم النهيق، إن لم يكن معي من القدرة والتمكين ما
تحصل به الفضيلة على من لاينهق؟
قال دمنة: وكان له صديق منِ الكلاب يأنس به جماعة من صبيان القرية
стр. 175
فيمسحونه ويطعمونه ويعبثون به، فأسرَّ إليه الحمار يوماً أنه ليس حماراً.
قال: وما عساك تكون؟ وما هذا الجلد؟ وما هذا الحافر؟ ثم اقتصه القصة فزعم له الحمار أن هذا الجلد الذي هو فيه إنما أشبهَ به الحمير ليكون إرهاصاً للمعجزة التي بُعث بها!
قال الكلب: وإنك لصاحب معجزة؟ قال: نعم فإياك أن يعتريك
شك أو تكذيب، وإنما بعثت حماراً لأن جنس الإنسان قد فطر على ضرائب من اللؤم والخمسة والدناءة فليس أقربَ إليه من الشك والحسد والجحود، وما تغني فيه الآيات والنذُر، ولا يجيئه من نبي ولا رسول بمعجزة إلا حسده فردها عليه بالحسد فكفر بردِّها عليه، وكان في الأنبياء مَن فَلق البحر ومن أحيا الموتى ومن شق القمر نصفين، ثم لا يزال الكفر مع ذلك باقياً على الأرض فلم يَغُز كما يغور الماء، ولم يمت كما يموت الحي، ولم يَبْل كما يَبلَى الميت، فلعمري ما بقي في حكم العقل ولا في حيلة الظن لإيمان هذا الجنس الممقوت إلا أن تجيئه المعجزة في جِلد حمار!
قال الكلب: لعمري وعَمرُ أبي إن هذا لهو الرأي، وإن أمرك لأمر له ما بعده، وأنا حَوارِيُّك في هذه الرسالة، أخبرني ما
أنت صانع فلعلي أن أقوم فيه مقاماً، فإنك لتعلم ما عندي من الوفاء والأمانة، وأنت حقيق أن يستكفيني بعض أمرك، فقد عُرفنا معشر الكلاب بهذه الخلال الفاضلة، حتى إن الناس لا يجدون لهم أمثالاً يضربونها إلا منا كلما ذكروا الوفاء أو تمثلوا فيه.
قال الحمار: أخزى الله هؤلاء الناس؛ يضربون بكم المثل
في الأمانة والوفاء ثم لا يَسبُّ بعضهم بعضاً إلا قالوا يا كلب ويا ابن
الكلب. . .!
قال دمنة: ثم إنه قال للكلب: ادْنُ مني حتى أعهد إليك، وإياك أن
يعتريك داء الكلام في الصياح لكل نبأةِ فتفشي ما ائتمنتك عليه؛ فقد قالت
العلماء إن أشقى الخلق من شَقَى بصاحب معجزة!
قال الكلب: وإن كان حماراً. . .؟
قال: اعْزبْ عني فَعل الله بك وفَعَل، ما أنتَ بصاحبها وإن الكلاب
لكثيرة بعدُ؛ وتالله إن رأيتُ كلبَ سَوْءٍ كاليوم؛ فانكسر الكلب وخشي أن يصيبه ما قالت العلماء، وبصبص بذنبه قليلاً ثم إنه دنا من الحمار وقال: ما أخطأ الناس في تنابزهم بالكلاب فقد عرفتُ معرَّة جنسي، وأنا تائب إليك مما فرط مني، فاعهد إليَّ بعهدك وخُذني بما أحببت فلن تجدني إلا حيث يسرك أن
تجدني.
قال الحمار: بارك الله عليك " وأَعظَم " لك. . . فقد ترى هؤلاء الصبيان
الذين يألفونك ويُلقون إليك بَكسر الخبز، فانظر فيما تحتال به حتى تأتيني بهم
فإن أولَ بَدأتي في المعجزة أن أكون معلم صِبيان.
فذهب الكلب فربض على
стр. 176
مَزجَر قريب منهم وهم يتعابثون ويلعبون، ثم قام فانسل أصغرهم فتمسح به، ثم التقم خبزته فوثب بعيداً، ثم جعل يستطرد لهم ويعدو عدواً رفيقاً وهم يتبعونه يريدون أخذه وإمساكه، حتى إذا جاء موضع الحمار دفع بين رجليه، ورفع الحمار راية ذيله فأصبح الكلب في حمايتها. . . وكان هذا الحمار قد رأى في بعض أسفاره قراداً يرقص قرداً وقد اجتمع له الصبيان، وعاين ما استخرجته حركات القرد من عجبهم ولهوهم، فلما اجتمع أولئك الصبيان يريدون أخذ الكلب طَفق يصنع لهم كما رأى القرد يصنع، وبذل في ذلك غاية جهده وبلغ فيه منتهى حماريته. . . فبهِتَ الكلب وجعل ينظر كالمتعجب ويقول في نفسه:
أقرد هذا أم حمار؟ وأين ويحه المعجزة التي زعم، فإنما هذا رقص كالرقص.
وإذا كان الرقص أكبرَ أمرِه فما في أمره كبير عندنا؛ فإن أهوَنَ الكلاب لأقوى عليه من أعظم الحمير.
قال دمنة: وكان في النظارة خبيث نقاد، فقال: ما لهذا الحمار وخِفةَ
القرود ونَزَقَها وما تصنع من الطيش؛ إِن هذه الشياطين إِنما تُتخذ لمحض اللهو
والعبث، وهذا الغبي لا يرتبط إلا للحمل والمنفعة، فإذا هو ركبتهُ هذه الطبيعة وتُرك لها حتى تأخذ مأخذها فيه فوالله إن بقي أحدٌ يأمنه على أولاده، ويوشك أن يَقمص بأحدهم هذا القِماص فيرمي به فيدق عنقه أو يهشم عظماً من عظامه.
ثم إنه راغ إلى داره فجاء بهراوة غليظة والحمار في عمَى مما يصنع.
وقد قام في نفسه أنه موحَى إليه، وأنه أكبر معلم للعلم في أكبر مدرسة في الدنيا. . .
فما راعه إلا الخبيث قائماً يدق ظهره بالهراوة وأسرع الصبيان فتناولوا ما أصابته أيديهم من عود وخشبة وجلدة وما خف وثقل وداروا بالأستاذ الحمار فاعتَوَرُوه، وخرج الكلب يشتد عدواً حتى إذا نجا بعيداً أنحى على نفسه وقال: ويحك يا نفس! ما كان أجهلك! لقد كدت والله تهلكينني، أفيمكن في عقل العاقل أن تكون معجزةُ حمار إلا شيئاً كتقليد القرد. . .؟
* * *
وما دمنا في التقليد وانتظار المعجزة من وراء العجزة فإتا نقول إن
فلاسفتنا المضحكين من أمثال طه حسين يُخرجون عجزهم مخرجَ الحيلة.
فيُحكمون له التدبير ويأتون به في مثل أسلوب السحر والتلبيس والشعوذة، فإذا امتهدوا له من صناعتهم وبذلوا فيه العفو والجهد ثم جاؤونا به، نظرنا وحققنا فلم نر شيئاً، فقلنا: ما أهون وما أضعف وما أسخف، ثم قلنا لهم إنكم مقلدون مفضوحون؛ وإن أحدكم لهزيل ولا يرى إلا حُلة البادن الغليظ، وقصير ثم لا،
стр. 177
يلبس إلا ثياب المارد الطويل، ومفلس ثم لا ينفق على أعين الناس إلا ذهبا
أصفر فهو ماذا؛ ثم قلنا لهم إنكم علماء بالعلم الذي تسرقونه ولكنكم جهلاء لما تتعاطون من السرقة، وإنكم فلاسفة بالآراء التي تنتحلونها ولكنكم أغبياء لما تصنعون من سوء الانتحال، ومصلحون بالأقوال التي تزخرفونها ولكنكم مفسدون لجهلكم عواقب هذا التمويه.
ثم قلنا إننا لا ننخدع ولا نغتر ولا نتعبد للأسماء، ولتأت الأسماء من
حيث هي آتية في المغرب والمشرق فهاتوا حققوا فلسنا في سرعة التقبل منكم
مثلكم في سرعة الأخذ من الأوروبيين، ولا نحن في الشراء من دين الغرب
مثلكم فيما بعتم من دين الشرق، وفصلُ ما بيننا وبينكم أن في أيدينا أصل
الفضيلة فهو قياس لرذائلكم عندنا كما هو قياس لفضائلنا عند أنفسنا؛ وفي
أيديكم أصل الهوى فهو قياس لكل شيء عندكم إلا ديننا وفضائلنا، ثم قلنا لهم من علامة الضعف في عقولكم الجبارة. . . والاستخذاء في نفوسكم الراقية. . .
أنكم تقدسون فلاناً وفلاناً من فلاسفة الأوروبيين حتى فيما يؤخذ عن سواهم، وتحقرون فلاناً وفلاناً من فلاسفة الشرقيين حتى فيما لا يؤخذ إلا عنهم؛ فهل هذه ويلكم إلا سِمَةُ المستعبَدين والعجزة والمتواكلين، تجعلون الأسماء
الأوروبية كأنها أسماء الدول العظمى والأسماء الشرقية كأنها أسماء
المستعمرات، ولا تعلمون أيها الفلاسفة المغرورون أن هذا من شر ما تستعبد به الأمم الضعيفة؛ لأن قديمنا الذي تزرون عليه يذهب في جديدهم الذي تدعون إليه، ثم لا يكون جديدهم من بعد إلا مزجا بيننا وبينهم، ثم لا يكون هذا المزج إلا لعاب السياسة في أشداق الاستعمار لإساغة اللقمة أولاً وَحدرِها ثانيا وهضمها بعد ذلك.
فإذا قلنا لهم هذا ونحوه قالوا: متحجرون، وقدماء، وأنصار القديم.
فنعم نعم؛ غير أننا مع ذلك نلين لما لا يكْسِرنا، ونتجدد بما لا يفنينا، ونريد أن تبقى الأمة ولو هلك ألف من أمثال طه حسين، لا أن يبقى هؤلاء وتهلك الأمة، وما هلاك الأمم بالانقراض ولا بالأوبئة ولا بما يجتاحها من اصطدام النواميس، فإن مع كل شيء من هذه ونحوها عذره القائم وضرورته الملجئة، ولكن الهلاك الذي لا هلاك غيره أن تضعف الضمائر المؤمنة وأجسامها ضارية، وتمحق الفضائل والشهواتُ عنيفة، وتموت العقائد والحياة قتال ونزاع؛ فإن كان الشك والزيغ ومذهب فلان وطريقة فلان ورواية فلان والجامعة المصرية وطه حسين والبلاء الأسود - إن كان هذا مما يؤدي إلى ذلك أو بعض ذلك فالنجاةَ النجاةَ
стр. 178
أيتها الأمة والسلامةَ السلامةَ، فإن هذه الجامعة المشؤومة لا تصنع لك دينا
بدينك، ولا تؤلف لك فضيلة من فضائلك، ولا ترد عليك ما تسلبك من ذات نفسك، وما حجتها إلا حجة الزنادقة في كل عصر، وما حجة الزنادقة إلا حرية الفكر والبحث، ولو لم يكن في الإنسان إلا الفكر وحده لقلنا عسى. . . ولكن هناك النية القائمة على الخلق، والخُلق القائم على الطبع، والطبع الذي منه خبيث لا يطيب وطيب قد يخبث!
النجاةَ النجاة أيتها الأمة، فلو استطاعت الجامعة المصرية أن تجعل هذا
المغرور طه حسين يرد على الميت عمره وينقله من قبره ويجعله تلميذاً في
الجامعة يكفر بإبراهيم وإسماعيل ومحمد صلوات الله عليهم - لما أمكنها أن ترد على ملحد إيمانه الضائع، وعلى شاك يقينه الذاهب، وهذا لو أنها تكفر أبناء المسلمين بالعلم وللعلم، فكيف والأمر كله جهل في أستاذها وسقوط في نفسه وضعف في عقله وسوء تقليد منه أو تقليد سوء، وهو رجل لا يعرف علته الفلسفية ولا يدرك أنه منهزم أمام الحس، فهو يهدم ويخرب بقانون طبيعي فيه، لأنه أشعل من داخله لينفجر من داخله ولما منعته الحياة أن يعبث بحواسه ذهب عبثه كله إلى فكره وتسلط على لسانه، فهو رجل قانونه الطبيعي أنه مهما يأخذُ يفسِد ومهما يدع يصلح. . .
ولقد أفسد مذهب ديكارت وعدا عليه، فإن هذا الفيلسوف لا يأخذ
بمذهبه إلا مَن يحسن التفكير ويقوى على أن ينتج فيه إنتاجاً صحيحاً ويستجمع لذلك مادته الطبيعية من الذكاء والعلم والرأي. وإلا فديكارت إذن أحمقُ، بل يكون أجهلَ الخلق، إذ لو أطلق لكل إنسان أن يشك ويذهب بفكره ما يذهب على قدر ما يتهيأ له من الوسائل لانقلبت الأرض مارستاناً للمجانين، ولخرجت كل حرية عن وضعها في الطبيعة وفي الاجتماع وزاغت عن طريقها في نظام الدنيا القائم على اختلاف أنواع الحرية لا لتتنافر بل لتلتقي في الغاية، وعلى اصطدامها لا لتتناقض بل لتنتظم في ترتيب بعينه، ومن أجل ذلك يرجع ديكارت
стр. 179
فلسفته إلى الشخصية، وليس بهين أن يقال في هذه الشخصية إنها حيث يطمع
كل طامع. وإن ديكارت مع ذلك ليخشى على التكوين الاجتماعي من الشك، لأن الشك لا حدَّ له، إذ هو المجهول كله، فهو من أجل هذا يشترط أن لا تُمس أصول الدين ولا يُجترأ على ما أنزله الناس في منزلتها من أصول العادات؛ وكل ذلك على ما فيه من القيود لا يتفق على أحسنه إلا لمن كان عقله من الذكاء والنفاذ كأنه قيد للمعاني والخواطر، فهو إطلاق لا يراد منه الإطلاق الأحمق كما ظهر في كتاب أستاذ الجامعة، بل تقيد الحقيقة التي لا سبيل إليها إلا من البصيرة، وما البصيرة أن تَعمَى عن الحق بشيء من العاطفة أو العصبية، ولا بشيء من الجهل أو ضعف الذهن، فإن هذين كهذين، ومذهب ديكارت كفه تجده على أسماه وأبعده من الاعتراض وما يدخله من الشبهة في قوله تعالى: (هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ) وأنت فلا يذهبن عنك معنى "البصيرة" وأنها أذكى الذكاء وأسمى العقل وأقوى الخلق وأصح الطباع، وكل ما نفذ بك إلى الحقيقة المستكنة في حجبها وجنبك عمى النفس بدرجاته المختلفة، وهذه البصيرة كلمة واحدة ولكن كل وسائل الحقيقة واليقين منطوية فيها فهي من الكلام الجامع المعجز، ثم إنها قيد ينفي عن هذا المذهب من لم يكن قد جعلته الطبيعة من أهله أو لم تكن الطبيعة هيأته بالأسباب التي بها يطيقه وبها يُحسن القيام عليه.
وأغرب ما في هذا القيد أنه يقيد السبيل أو المذهب بالدعوة إلى الحق
خاصة ولا يطلقه في كل دعوة، إذ كانت النفس الإنسانية لا تتعاطى هذا الشاو البعيد إلا إذا قويت بالحق قوةَ بالغة وكانت من أسمى النفوس وأعظمها وأقربِها إلى الانسلاخ من جلدتها الأرضية، وفيما عدا ذلك فهذا المذهب الفلسفي وهم وخيال وتجاوُز لمقادير الحقائق في طلب هذه الحقائق وأنت خبير أن الصدق إذا نقصت منه كلمة فغيرت من حقيقته استحال كذباً، وإذا زيدت فيه كلمة فغيرت من حقيقته رجع كأنه نقَص ولم يَزِد وما الزيادة والنقص إلا من هوى أو جهل والهوى بعضُ أثرِ النفس، ولن تجد التهمة على الحقائق إلا حيث تجد هذا الأثر.
وانظر ماذا يقول أناتول فرانس في مثل ما يزعم طه حسين أنه ينتحله من
مذاهب النقد المجرد، فهو يقول: "إن النقد لا قيمة له إلا قيمة الناقد، وهو
كالنوع من أنواع القصص، وما مرجع القصة على الحقيقة إلا سيرة من يقضها، فبنفسه يكتب عن نفسه.
وهؤلاء الذين يباهون بأنهم يضعون في فنهم شيئاً غير
стр. 180
أنفسهم لا تعدهم إلا في المغرورين، ولا يكبرن منهم أحد في وهمك، فإن
الإنسان لن يخرج من ذاته ".
ويقول الفيلسوف الإنجليزي جون تيودور مرتز: " إن هذه الطريقة التي
يعكف عليها من يزعمون التجرد للحقيقة تنتهي إلى أن ينظر إليها الناظر فيراها طريقة لم يبتغ أهلها أن ينطلقوا من قيود التقليد، بل هم خدعوا أنفسهم أو خدعتهم فظنوا أنهم أحرار فيما صنعوا وما كانوا قطّ إلا مقيدين بخيالهم مستسلمين لوهمهم الذي يتحكم فيهم التحكم كله ".
ونحن لم نقل في طه حسين إلا هذا، فهو يتوهم على التاريخ وعلى
الحقائق، ثم يتسيب بالوهم إلى الحكم؛ وهو يطلق لنفسه كل قول عرض له، ثم يجعل ذلك من العلم ويُكرِه العلم على قبولُه، وقد يكون جاهلاً بالخبر
وأصله، ومع ذلك يقول صدقوني وكذبوا الناس، وتراه سقيم الفهم ضعيف
التخريج ثم يأبى إلا أن تكون الأذهان كلها على أساس من فهمه.
وهو بعدُ خبيث ملحد مستهزئ يقلد أناتول فرانس في السخرية، والمعرِّي في الإلحاد على بُعد ما بينه وبينهما، ثم لا يريد إلا أن تكون نفسه هذه روحَ التاريخ الإسلامي.
فإن امتنع أن يكون التاريخ قد جاء منه إذ كان قد سبقه في الوجود
لم يمتنع أن يُخرج هو حقائقَه وفلسفته مطبوعة بطباعه زائغة بزيغه، فلا يأتينا إلا بما هو من جنسه، ولا يُخرج لنا غير المضحكات التي لا تليق إلا بأمة من
أمثاله، ولقد والله وإن تاريخ لا يصحح ولا يحقق إلا بمثل طه حسين، ولقد
والله ذلت أمة لا يكون القول في تاريخها إلا لمثل "عارورة الجامعة" كما سماه
الأستاذ وحيد بك (١) .
وسنأتيك الآن بمضحكة عجيبة من مضحكات دروس الجامعة المصرية.
فقد تكلم أستاذها عن القصص عند المسلمين ليثبت أنه من أسباب الوضع في
الشعر، فزعم في صفحة ٩٢ "أن الأدب لم يُدْرس في العصور الإسلامية الأولى لنفسه، وإنما دُرس من حيث هو وسيلة إلى تفسير القرآن وتأويله واستنباط الأحكام منه ومن الحديث، وكان هذا كله أدنى إلى الجد وألصقَ به من هذا