← Акыда

Акыда · id 21784

تحت راية القرآن

مصطفى صادق الرافعي

Полный текст (305 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

مَزجَر قريب منهم وهم يتعابثون ويلعبون، ثم قام فانسل أصغرهم فتمسح به، ثم التقم خبزته فوثب بعيداً، ثم جعل يستطرد لهم ويعدو عدواً رفيقاً وهم يتبعونه يريدون أخذه وإمساكه، حتى إذا جاء موضع الحمار دفع بين رجليه، ورفع الحمار راية ذيله فأصبح الكلب في حمايتها. . . وكان هذا الحمار قد رأى في بعض أسفاره قراداً يرقص قرداً وقد اجتمع له الصبيان، وعاين ما استخرجته حركات القرد من عجبهم ولهوهم، فلما اجتمع أولئك الصبيان يريدون أخذ الكلب طَفق يصنع لهم كما رأى القرد يصنع، وبذل في ذلك غاية جهده وبلغ فيه منتهى حماريته. . . فبهِتَ الكلب وجعل ينظر كالمتعجب ويقول في نفسه: أقرد هذا أم حمار؟ وأين ويحه المعجزة التي زعم، فإنما هذا رقص كالرقص. وإذا كان الرقص أكبرَ أمرِه فما في أمره كبير عندنا؛ فإن أهوَنَ الكلاب لأقوى عليه من أعظم الحمير. قال دمنة: وكان في النظارة خبيث نقاد، فقال: ما لهذا الحمار وخِفةَ القرود ونَزَقَها وما تصنع من الطيش؛ إِن هذه الشياطين إِنما تُتخذ لمحض اللهو والعبث، وهذا الغبي لا يرتبط إلا للحمل والمنفعة، فإذا هو ركبتهُ هذه الطبيعة وتُرك لها حتى تأخذ مأخذها فيه فوالله إن بقي أحدٌ يأمنه على أولاده، ويوشك أن يَقمص بأحدهم هذا القِماص فيرمي به فيدق عنقه أو يهشم عظماً من عظامه. ثم إنه راغ إلى داره فجاء بهراوة غليظة والحمار في عمَى مما يصنع. وقد قام في نفسه أنه موحَى إليه، وأنه أكبر معلم للعلم في أكبر مدرسة في الدنيا. . . فما راعه إلا الخبيث قائماً يدق ظهره بالهراوة وأسرع الصبيان فتناولوا ما أصابته أيديهم من عود وخشبة وجلدة وما خف وثقل وداروا بالأستاذ الحمار فاعتَوَرُوه، وخرج الكلب يشتد عدواً حتى إذا نجا بعيداً أنحى على نفسه وقال: ويحك يا نفس! ما كان أجهلك! لقد كدت والله تهلكينني، أفيمكن في عقل العاقل أن تكون معجزةُ حمار إلا شيئاً كتقليد القرد. . .؟ * * * وما دمنا في التقليد وانتظار المعجزة من وراء العجزة فإتا نقول إن فلاسفتنا المضحكين من أمثال طه حسين يُخرجون عجزهم مخرجَ الحيلة. فيُحكمون له التدبير ويأتون به في مثل أسلوب السحر والتلبيس والشعوذة، فإذا امتهدوا له من صناعتهم وبذلوا فيه العفو والجهد ثم جاؤونا به، نظرنا وحققنا فلم نر شيئاً، فقلنا: ما أهون وما أضعف وما أسخف، ثم قلنا لهم إنكم مقلدون مفضوحون؛ وإن أحدكم لهزيل ولا يرى إلا حُلة البادن الغليظ، وقصير ثم لا،

стр. 177

يلبس إلا ثياب المارد الطويل، ومفلس ثم لا ينفق على أعين الناس إلا ذهبا أصفر فهو ماذا؛ ثم قلنا لهم إنكم علماء بالعلم الذي تسرقونه ولكنكم جهلاء لما تتعاطون من السرقة، وإنكم فلاسفة بالآراء التي تنتحلونها ولكنكم أغبياء لما تصنعون من سوء الانتحال، ومصلحون بالأقوال التي تزخرفونها ولكنكم مفسدون لجهلكم عواقب هذا التمويه. ثم قلنا إننا لا ننخدع ولا نغتر ولا نتعبد للأسماء، ولتأت الأسماء من حيث هي آتية في المغرب والمشرق فهاتوا حققوا فلسنا في سرعة التقبل منكم مثلكم في سرعة الأخذ من الأوروبيين، ولا نحن في الشراء من دين الغرب مثلكم فيما بعتم من دين الشرق، وفصلُ ما بيننا وبينكم أن في أيدينا أصل الفضيلة فهو قياس لرذائلكم عندنا كما هو قياس لفضائلنا عند أنفسنا؛ وفي أيديكم أصل الهوى فهو قياس لكل شيء عندكم إلا ديننا وفضائلنا، ثم قلنا لهم من علامة الضعف في عقولكم الجبارة. . . والاستخذاء في نفوسكم الراقية. . . أنكم تقدسون فلاناً وفلاناً من فلاسفة الأوروبيين حتى فيما يؤخذ عن سواهم، وتحقرون فلاناً وفلاناً من فلاسفة الشرقيين حتى فيما لا يؤخذ إلا عنهم؛ فهل هذه ويلكم إلا سِمَةُ المستعبَدين والعجزة والمتواكلين، تجعلون الأسماء الأوروبية كأنها أسماء الدول العظمى والأسماء الشرقية كأنها أسماء المستعمرات، ولا تعلمون أيها الفلاسفة المغرورون أن هذا من شر ما تستعبد به الأمم الضعيفة؛ لأن قديمنا الذي تزرون عليه يذهب في جديدهم الذي تدعون إليه، ثم لا يكون جديدهم من بعد إلا مزجا بيننا وبينهم، ثم لا يكون هذا المزج إلا لعاب السياسة في أشداق الاستعمار لإساغة اللقمة أولاً وَحدرِها ثانيا وهضمها بعد ذلك. فإذا قلنا لهم هذا ونحوه قالوا: متحجرون، وقدماء، وأنصار القديم. فنعم نعم؛ غير أننا مع ذلك نلين لما لا يكْسِرنا، ونتجدد بما لا يفنينا، ونريد أن تبقى الأمة ولو هلك ألف من أمثال طه حسين، لا أن يبقى هؤلاء وتهلك الأمة، وما هلاك الأمم بالانقراض ولا بالأوبئة ولا بما يجتاحها من اصطدام النواميس، فإن مع كل شيء من هذه ونحوها عذره القائم وضرورته الملجئة، ولكن الهلاك الذي لا هلاك غيره أن تضعف الضمائر المؤمنة وأجسامها ضارية، وتمحق الفضائل والشهواتُ عنيفة، وتموت العقائد والحياة قتال ونزاع؛ فإن كان الشك والزيغ ومذهب فلان وطريقة فلان ورواية فلان والجامعة المصرية وطه حسين والبلاء الأسود - إن كان هذا مما يؤدي إلى ذلك أو بعض ذلك فالنجاةَ النجاةَ

стр. 178

أيتها الأمة والسلامةَ السلامةَ، فإن هذه الجامعة المشؤومة لا تصنع لك دينا بدينك، ولا تؤلف لك فضيلة من فضائلك، ولا ترد عليك ما تسلبك من ذات نفسك، وما حجتها إلا حجة الزنادقة في كل عصر، وما حجة الزنادقة إلا حرية الفكر والبحث، ولو لم يكن في الإنسان إلا الفكر وحده لقلنا عسى. . . ولكن هناك النية القائمة على الخلق، والخُلق القائم على الطبع، والطبع الذي منه خبيث لا يطيب وطيب قد يخبث! النجاةَ النجاة أيتها الأمة، فلو استطاعت الجامعة المصرية أن تجعل هذا المغرور طه حسين يرد على الميت عمره وينقله من قبره ويجعله تلميذاً في الجامعة يكفر بإبراهيم وإسماعيل ومحمد صلوات الله عليهم - لما أمكنها أن ترد على ملحد إيمانه الضائع، وعلى شاك يقينه الذاهب، وهذا لو أنها تكفر أبناء المسلمين بالعلم وللعلم، فكيف والأمر كله جهل في أستاذها وسقوط في نفسه وضعف في عقله وسوء تقليد منه أو تقليد سوء، وهو رجل لا يعرف علته الفلسفية ولا يدرك أنه منهزم أمام الحس، فهو يهدم ويخرب بقانون طبيعي فيه، لأنه أشعل من داخله لينفجر من داخله ولما منعته الحياة أن يعبث بحواسه ذهب عبثه كله إلى فكره وتسلط على لسانه، فهو رجل قانونه الطبيعي أنه مهما يأخذُ يفسِد ومهما يدع يصلح. . . ولقد أفسد مذهب ديكارت وعدا عليه، فإن هذا الفيلسوف لا يأخذ بمذهبه إلا مَن يحسن التفكير ويقوى على أن ينتج فيه إنتاجاً صحيحاً ويستجمع لذلك مادته الطبيعية من الذكاء والعلم والرأي. وإلا فديكارت إذن أحمقُ، بل يكون أجهلَ الخلق، إذ لو أطلق لكل إنسان أن يشك ويذهب بفكره ما يذهب على قدر ما يتهيأ له من الوسائل لانقلبت الأرض مارستاناً للمجانين، ولخرجت كل حرية عن وضعها في الطبيعة وفي الاجتماع وزاغت عن طريقها في نظام الدنيا القائم على اختلاف أنواع الحرية لا لتتنافر بل لتلتقي في الغاية، وعلى اصطدامها لا لتتناقض بل لتنتظم في ترتيب بعينه، ومن أجل ذلك يرجع ديكارت

стр. 179

فلسفته إلى الشخصية، وليس بهين أن يقال في هذه الشخصية إنها حيث يطمع كل طامع. وإن ديكارت مع ذلك ليخشى على التكوين الاجتماعي من الشك، لأن الشك لا حدَّ له، إذ هو المجهول كله، فهو من أجل هذا يشترط أن لا تُمس أصول الدين ولا يُجترأ على ما أنزله الناس في منزلتها من أصول العادات؛ وكل ذلك على ما فيه من القيود لا يتفق على أحسنه إلا لمن كان عقله من الذكاء والنفاذ كأنه قيد للمعاني والخواطر، فهو إطلاق لا يراد منه الإطلاق الأحمق كما ظهر في كتاب أستاذ الجامعة، بل تقيد الحقيقة التي لا سبيل إليها إلا من البصيرة، وما البصيرة أن تَعمَى عن الحق بشيء من العاطفة أو العصبية، ولا بشيء من الجهل أو ضعف الذهن، فإن هذين كهذين، ومذهب ديكارت كفه تجده على أسماه وأبعده من الاعتراض وما يدخله من الشبهة في قوله تعالى: (هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ) وأنت فلا يذهبن عنك معنى "البصيرة" وأنها أذكى الذكاء وأسمى العقل وأقوى الخلق وأصح الطباع، وكل ما نفذ بك إلى الحقيقة المستكنة في حجبها وجنبك عمى النفس بدرجاته المختلفة، وهذه البصيرة كلمة واحدة ولكن كل وسائل الحقيقة واليقين منطوية فيها فهي من الكلام الجامع المعجز، ثم إنها قيد ينفي عن هذا المذهب من لم يكن قد جعلته الطبيعة من أهله أو لم تكن الطبيعة هيأته بالأسباب التي بها يطيقه وبها يُحسن القيام عليه. وأغرب ما في هذا القيد أنه يقيد السبيل أو المذهب بالدعوة إلى الحق خاصة ولا يطلقه في كل دعوة، إذ كانت النفس الإنسانية لا تتعاطى هذا الشاو البعيد إلا إذا قويت بالحق قوةَ بالغة وكانت من أسمى النفوس وأعظمها وأقربِها إلى الانسلاخ من جلدتها الأرضية، وفيما عدا ذلك فهذا المذهب الفلسفي وهم وخيال وتجاوُز لمقادير الحقائق في طلب هذه الحقائق وأنت خبير أن الصدق إذا نقصت منه كلمة فغيرت من حقيقته استحال كذباً، وإذا زيدت فيه كلمة فغيرت من حقيقته رجع كأنه نقَص ولم يَزِد وما الزيادة والنقص إلا من هوى أو جهل والهوى بعضُ أثرِ النفس، ولن تجد التهمة على الحقائق إلا حيث تجد هذا الأثر. وانظر ماذا يقول أناتول فرانس في مثل ما يزعم طه حسين أنه ينتحله من مذاهب النقد المجرد، فهو يقول: "إن النقد لا قيمة له إلا قيمة الناقد، وهو كالنوع من أنواع القصص، وما مرجع القصة على الحقيقة إلا سيرة من يقضها، فبنفسه يكتب عن نفسه. وهؤلاء الذين يباهون بأنهم يضعون في فنهم شيئاً غير

стр. 180

أنفسهم لا تعدهم إلا في المغرورين، ولا يكبرن منهم أحد في وهمك، فإن الإنسان لن يخرج من ذاته ". ويقول الفيلسوف الإنجليزي جون تيودور مرتز: " إن هذه الطريقة التي يعكف عليها من يزعمون التجرد للحقيقة تنتهي إلى أن ينظر إليها الناظر فيراها طريقة لم يبتغ أهلها أن ينطلقوا من قيود التقليد، بل هم خدعوا أنفسهم أو خدعتهم فظنوا أنهم أحرار فيما صنعوا وما كانوا قطّ إلا مقيدين بخيالهم مستسلمين لوهمهم الذي يتحكم فيهم التحكم كله ". ونحن لم نقل في طه حسين إلا هذا، فهو يتوهم على التاريخ وعلى الحقائق، ثم يتسيب بالوهم إلى الحكم؛ وهو يطلق لنفسه كل قول عرض له، ثم يجعل ذلك من العلم ويُكرِه العلم على قبولُه، وقد يكون جاهلاً بالخبر وأصله، ومع ذلك يقول صدقوني وكذبوا الناس، وتراه سقيم الفهم ضعيف التخريج ثم يأبى إلا أن تكون الأذهان كلها على أساس من فهمه. وهو بعدُ خبيث ملحد مستهزئ يقلد أناتول فرانس في السخرية، والمعرِّي في الإلحاد على بُعد ما بينه وبينهما، ثم لا يريد إلا أن تكون نفسه هذه روحَ التاريخ الإسلامي. فإن امتنع أن يكون التاريخ قد جاء منه إذ كان قد سبقه في الوجود لم يمتنع أن يُخرج هو حقائقَه وفلسفته مطبوعة بطباعه زائغة بزيغه، فلا يأتينا إلا بما هو من جنسه، ولا يُخرج لنا غير المضحكات التي لا تليق إلا بأمة من أمثاله، ولقد والله وإن تاريخ لا يصحح ولا يحقق إلا بمثل طه حسين، ولقد والله ذلت أمة لا يكون القول في تاريخها إلا لمثل "عارورة الجامعة" كما سماه الأستاذ وحيد بك (١) . وسنأتيك الآن بمضحكة عجيبة من مضحكات دروس الجامعة المصرية. فقد تكلم أستاذها عن القصص عند المسلمين ليثبت أنه من أسباب الوضع في الشعر، فزعم في صفحة ٩٢ "أن الأدب لم يُدْرس في العصور الإسلامية الأولى لنفسه، وإنما دُرس من حيث هو وسيلة إلى تفسير القرآن وتأويله واستنباط الأحكام منه ومن الحديث، وكان هذا كله أدنى إلى الجد وألصقَ به من هذا

стр. 181

القصص الذي كان يمضي مع الخيال حيث أراد ويتقرب من نفس الشعب ويمثل له أهواءه وشهواته ومُثُلَه العليا، فليس غريباً أن ينصرف عن القصص أصحاب الجد من المسلمين " انتهى. قلنا: وهذا عجيب جداً من أستاذ الجامعة، فإن معناه أنه لم يشتغل بالقصص إلا أصحاب الهزل والرقاعة. ونحن نقرر أنه لم يكن يقص في أولية هذا الفن الإسلامي إلا أصحاب الجد من المسلمين وبه عُرِفوا وبهم نشأ وبفصاحتهم نبغ، وهذا الحسن البصري كان أشهر قاص في زمنه، وهو من سادات التابعين وكانت أمه مولاة لأم سلمة زوج النبي ﷺ وكانت أم سلمة تُرضعه أحياناً؛ وقد قالوا إنه جمع كل فن من علم وزهد وورع وعبادة، وقال أبو عمرو بن العلاء إنه ما رأى في عصره أفصح منه؛ ولكن أستاذ الجامعة يخلط في معنى القصص والقاص لأنه يريد بعد هذه العبارة التي كتبها أن يأخذ اسكندر دوماس صاحب القصص الفرنسية المعروفة - وهو من أكبر المزورين والمدعين والمنتحلين - فيقحمه في التاريخ الإسلامي ويشبه به علماءنا كما سيأتي بعد، فيجعل القصص بذلك روايات وخيالات، أو كما يقول: " أهواء الشعب وشهواته ". . . ثم إننا نقرر له أن القاص لا يسمى قاصاً عند المسلمين إلا إذا كان يقص للتعليم والوعظ وللتذكير بالآخرة والتزهيد في الدنيا وحفظ الروح والخُلق ونحوهما، وأن أساس هذا الفن كان تحريضَ المؤمنين على الجهاد والترغيبَ فيما عند الله وإيثاره على الحياة، فكان مرجع القاص في قصصه إلى التفسير والحديث والحكمة وما تناوله من أخبار الماضين وما لا حرج عليه في وضعه مما يراد به غرض من تلك الأغراض، وقد قرروا أن الحديث الضعيف يُعمل به في فضائل الأعمال، فكذلك القصة الموضوعة يؤخذ بها في الوعظ دون التاريخ؛ لأنها إنما وضعت لذلك دون هذا؛ وما نشأت أهواء الشعب في القصص إلا بعد أن تعاطاه الهفال المقتحمون عليه من غير أهله وجعلوه من عملهم للحياة والعيش، ومع هذا فأمثال هؤلاء يعرفهم العلماء من أول التاريخ ويعدون قصصهم بدعة ويحذرون منهم كما يحذر أهلُ كل علم من الواغلين عليه. وبعد أن ذكر الأستاذ مصادر القصص على زعمه قال: " إن القصص العربي لا قيمة له ولا خطر في نفس سامعيه إذا لم يَزِنه الشعر من حين إلى حين" (كذا، وإنما لحين الزمن) وضرب مثلاً بألف ليلة وليلة وقصة عنتر، ثم

стр. 182

قال: "وإذن فقد كان القصص أيام بني أمية وبني العباس في حاجة إلى مقادير لا حد لها من الشعر يزينون بها قصصهم ويدعمون بها مواقفهم المختلفة". فتأمل بالله كيف يقاس أولُ الزمن أيام بني أُمية على آخر الزمن أيام قصة عنتر؛ ونحن نقرر للشيخ أن القصص أبعد أنواع الكلام عن اجتلاب الشعر وعن الحاجة إليه ولا يدخله منه إلا مقادير قليلة حيث يراد الشاهد والدليل، فسبيل الشعر في هذا سبيله في غيره من فنون الأدب جميعاً. وإذا وضع القاص شعراً أو وُضع له شعر فإنما يكون قليلاً على جهة التظرف وليستروح إليه من الجد ويعلل به من يقص لهم استجماعاً للنشاط، فهذه واحدة، والثانية أن يقصد إلى الإغراب في الخبر الذي يقصه ليقال إنه واسع الحفظ، وهذه كانت سبيل الرواة أيضاً فيما وضعوه من الشعر، والثالثة أن يكون القاص قد وعظ ويريد المبالغة في التأثير فيُجري في كلامه قليلاً من الشعر كما تتغرغر الأعين ببعض الدمع؛ وليس غير هذه، ففي أيها تجد المقادير التي لا حد لها. ثم يقول الشيخ طه: "وأكاد لا أشك في أن هؤلاء القُصاص لم يكونوا يستقلون (يريد يقومون) بقصصهم ولا بما يحتاجون إليه من الشعر، وإنما كانوا يستعينون بأفراد من الناس يجمعون لهم من الأحاديث والأخبار ويلفقونها، وآخرين ينظمون لهم القصائد (صارت قصائد لا أبياتاً ومقاطع) . قال: ولدينا نص يبيح لنا أن نفترض هذا الفرض، فقد يحدثنا (كذا) ابن سلام أن ابن إسحاق كان يعتذر عما (كذا) كان يروي من غُثاء الشعر فيقول: لا علم لي بالشعر. إنما أوتى به فأحمله" فقد كان هناك قوم إذن يأتون بالشعر وكان هو يحمله. فمن هؤلاء القوم؟ انتهى خلط الرجل. وهذه عجيبة من عجائب الفهم. فإذا قال ابن إسحاق إنما أوتى بالشعر فأحمله، وكان ابن إسحاق من المعروفين بالكذب، لم يكن كلامه عند طه إلا صدقاً، ثم لم يكن معنى كلامه إلا أن قوماً يدقون عليه بابه ويهزأون به ويقولون يا ابن إسحاق خذ الشعر واروِه؛ ومن ترى يكون هؤلاء المجانين الذين يُغنِتون أنفسهم ويكدْون الذهن ويتعبون الخاطر في عمل الشعر ليسمعوه بعد ذلك مروياً لعاد وثمود وفلان وفلان ممن هلكوا وبادوا. إذا كان ابن إسحاق بهذه الغفلة وجب أن لا يُصدق ولا يؤخذَ كلامه مأخذ النص ألبتة. على أن عبارة ابن سلام هكذا: وممن هجن الشعر وأفسده وحملَ - يعني روى - منه كل غثاء: محمد بن إسحاق، وكان من علماء الناس بالسيَر، فقبل الناس منه الأشعار، وكان يعتذر منها ويقول: لا علم لي بالشعر إنما أوتى به

стр. 183

فأحمله؛ ولم يكن ذلك عذراً، فكتب في السيرة من أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعراً قط. . . الخ!. فأنت ترى أن الكلام يدور على تهجين الشعر وإفساده، ومثل هذا لا يستقيم في العقل أن يعتذر منه ابن إسحاق بقوله لا علم لي بالشعر، إلا إذا كان رديئاً فاسداً وكان من ساقط الكلام وما لا يجوز على أهل البصر بالشعر، فإذا كان على هذه الصفة فلم لا يكون من عمل ابن إسحاق الذي لا علم له بالشعر ويكون العذر تلفيقاً من كذبه؛ وإن يكنْ أن هناك قوماً يصنعون له الشعر ويأتونه به، فيبقى أن ابن إسحاق ليس أعجمياً؛ بل عربياً بليغاً؛ وكلامه في السيرة من الطبقة الأولى؛ ومن كان بهذه المنزلة وكان في حاجة إلى الشعر وجب عليه أن يستجيد له فلمَ يُهمل أن يختار لعمل الشعر شعراء وهم كثيرون فيأتونه بالجيد لا السفساف، وإذن فلا يكون ما يحمله غَثاً ضعيفاً؛ وإذن فلا وجه لأن يعتذر منه بقوله لا علم لي بالشعر. فإن قلت إنه كان بليغاً يميز جيد الكلام من رديئه وكان هو الذي يصنع الشعر الهجين الفاسد وجب أن لا يرضاه لمكانه من الضعف، قلنا: هذه شيمة العلماء، حتى إنهم جعلوا شعر العلماء طبقة على حدة، وهم يتسمحون في الرديء من شعرهم لأنهم لا ينافسون به أحداً ولأنهم غير معدودين في الشعراء. وطه حسين نفسه يقع في مثل هذا. فهو يميز الشعر؛ وإن له لشعراً في منتهى الركاكة، سنطرف القراء بشيء منه في بعض ما يأتي: فهما اثنتان في تأويل خبر ابن إسحاق لا ثالثة لهما، وكلتاهما نقض للأخرى، وكلتاهما هدم على أستاذ الجامعة ودليل على سوء فهمه. وهنا نمسك القلم خمس دقائق لنضحك من الجامعة كما نضحك من شارلي شابلن، الممثل الهزلي المشهور، فقد كشفت الجامعة المصرية عن آثار مصنع إسلامي عظيم للتلفيق والكذب رؤساؤه العمال من القصاص والعمال فيه طائفتان عظيمتان، إحداهما لتلفيق الأخبار والأخرى لوضع الشعر، وكلما اجتمع مقدار من إنتاج المصنع أرسل إلى الأسواق، وذلك حيث يقول طه في صفحة ٩٦: "أليس من الحق لنا أن نتصور أن هؤلاء القصاص لم يكونوا يتحدثون إلى الناس فحسب، إنما كان كل واحد منهم - تأمل - يشرت على طائفة غير قليلة من الرواة والملفقين ومن النطام والمنسقين، حتى إذا استقام لهم مقدار من تلفيق أولئك وتنسيق هؤلاء طبعوه بطابعهم ونفخوا فيه من روحهم. . . وأذاعوه بين الناس، ومثلهم لي هذا مَثلُ القاصق الفرنسي المعروف " إسكندر دوماس الكبير" اهـ.

стр. 184

ولكن يا سيدنا ومولانا أنت تعلم أنه كان من الرواة والعلماء والمتكلمين قوم متعصبون على العرب قد نحتوا أثلتَهم نحتاً، كأبي عبيدة صاحب كتاب المثالب الذي هتك فيه العرب وتناول أصحاب رسول الله ﷺ ثم علماء الشعوبية؛ ثم متكلمي الزنادقة وأدبائهم، وكانوا كلهم معاصرين للقصاص الذين تتكلم أنت فيهم؛ فكيف سكتوا ولم يفضحوا العرب وتاريخهم وأدبهم بهذا المصنع العجيب، وكيف غفلوا كلهم عنه وتركوه لك لتكشفه بعد ألف ومائتي سنة؛ أيكون سكوتهم عن ذكر ذلك إلا دليلاً قاطعاً على كذبك أنت فيه؟ النصّ النصّ إن كان عندك رسم المصنع وحجته الشرعية. . . وإلا فاستر على نفسك يرحمك الله!

стр. 185

وشعر طه هو طه الشعر نريد أن نسجل في هذه المقالات كلمتين كبيرتين، فإننا إنما نكتبها لجيل سينتهي وأجيال ستبئدئ، ولقد رسخ في يقيننا أن الله تعالى ما أشهر أستاذ الجامعة بهذه الفضيحة التي نشرها في آفاق الأرض ملكُ الرعد. . . إلا ليجعله خزياً لقوم ملحدين، وعبرة لقوم منافقين، ومثلاً عند قوم مؤمنين، وما لغير حكمة وتقدير كانت الفضيحة مدخرة حتى تُفتح هذه الجامعة الكبرى لتبدأ تاريخ العلم العالي في مصر ويرتقي طه منصبه فيها، وقد ملئ غروراً وزهواً واستطال وبذخ وتوافرت له العلل من نفسه ومما حوله ورفعته في طويل أرادت أن يكون حبال المعالي وأراد الله أن يكون من حبال المشانق. . . فلو هو سقط هذه السقطة في غير هذه الجامعة لوقع بالجناحين اللذين ارتفع، ولكنها الجامعة التي قالوا إنها أكبر من جبال الألب، فلما تمت صنعة الجبل في بضعة أشهر (١) وأراد القدر أن يعلن في الناس مبلغ علوه وارتفاعه لم يكن القياس إلا طه حسين يتدحرج من أعلاه إلى أسفله. . . إن للأقدار مقاييس عجيبة لا يراد بها الكمية ولكن الكيفية، ولا يُطلب منها تحديد الشيء في ذاته ولكن تحديده في عواقبه. ويكون القياس على هذا اليوم الذي نحن فيه مثلاً، ولا يراد به إلا مقدار ما سيكون في غد أو بعد غد أو أي الأزمنة مما يُستقبل، ويأتي رجل كأبي جهل فيكون في أول الإسلام قياساً للكفر والتعصب في الكفر واللجاج في التعصب، ولكن كل ذلك مَرَده ليشد النبوة ويقيمها على طريقها ويسددها فيه، كان الأقدار تبني بناء فإذا سألت ما الأساسُ قيل لك أوله هذه الحفرة. . . والأستاذ طه حسين هو حفرةُ اليوم، وكان لا بد من حفرة إذا لم يكن بد من أساس، فالله أعلم ماذا يبلغ هذا الأساس وماذا يحمل، أما الحفرة فأمرها

стр. 186

إلينا نتولاها كيف شئنا بعد أن غارت وانخسفت، وإنه من أجل ذلك نفيض فيما نكتبه ولا نزال نتبسط في الشرح ونتسع في تحليل نفسية طه وإيراد معايبه وبيان أغلاطه وأسبابها، ومن أجل ذلك نسجل هاتين الكلمتين كما أشرنا آنفاً، إذ هما عندنا باب من القول على حدة. فالكلمة الأولى هي للدكتور طه حسين حديث له مع جريدة " الأنفورماسيون " ترجمته "السياسة". قال والإشارة في حديثه لحضرات علماء الدين: "قيل لهؤلاء البسطاء. . . إني أطعن في الإسلام، فشهروا الحرب علي جميعاً، وعلى أني أقول عالياً إنه ليس في كتابي كلمة يمكن أن تؤول ضد الدين، والعبارة الوحيدة التي يمكن أن أنتقد من أجلها تضع النصوص المقدسة بعيدة عن قسوة المباحث التاريخية. . . ". والكلمة الثانية للأستاذ الشيخ عبد ربه مفتاح من علماء الأزهر في مقالة نشرها "الكوكب "، وهي قوله والخطاب لـ طه حسين "وكيف تزعم أيها الدكتور أن بعض العلماء أثار هذا الأمر - أمر كفرِك - وهأنذا أصرح لك - والتبعة في ذلك على وحدي - بأن العلماء أجمعين وعلى بكرة أبيهم يحكمون عليك بالكفر، وبالكفر الصريح الذي لا تأويل فيه ولا تجوُّز؛ وأتحداك وأطلب منك بإلحاح أو رجاء أن تدلني على واحد منهم "وواحد فقط" يحكم عليك بالفسوق والعصيان دون الكفر. أجل إني وأنا من بينهم أتهمك بالكفر وأتحمل تبعة هذا الاتهام. وعليك تبرئة نفسك من هذا الاتهام الشائن والمطالبة بما لك من حقوق نحوي. اهـ. نسجل هاتين الكلمتين للعلم والتاريخ والأدب، ثم ليعلم الناس مبلغ مصيبة الجامعة في أستاذها الذي كله مصائب، فالأعين ممتدة إليه في هذه البلاد ولا يستحي أن يظن نفسه في أرض قفر، والأمة كلها توفر علماءها وتفزع إليهم في أمر دينها وتراهم من رحمة الله بها ولا يخجل هو أن يسميهم (البسطاء) وهو يعلم أَنها كلمة عامية لا يراد بها في لسان العامة إلا البلاهة والغفلة وما إليهما. وكل العلماء إجماع على كفره الصريح حتى لا تأويل ولا تجوُّز ولا مطمع في حكم دون الكفر ثم هو تبلغ به الرقاعة أن يدعي أنه ليس في كتابه (كلمة) يمكن تأويلها ضد الدين، مع أنه لا يُهدم دين من الأديان بأنكى ولا أخبثَ من الطريقة التي انتهجها في كتابه وأدارها على إسقاط هيبة الدين وأهله في نفس الطالب الناشئ، ثم الشك فيه، ثم التأدي بهذا الشك إلى الإنكار منه، ثم التأدي بالإنكار إلى الهدم؛ وهذه درجات يركب بعضها بعضاً كما ترى.

стр. 187

وتالله ما رأيت رجلاً أَعجب من هذا الأستاذ، ولكن كلامه إنما هو صورة فكرِه، وفكرُه مظهر أخلاقه؛ وحسبُك من أَخلاقه هذا العناد وهذه المكابرة وهذا الكذب وهذه السخرية كأنه ليس في الأمة كلها إلا هو وحده يعقل ويفهم، وإذا نحن تابعناه على منطقه فكل الشهود الذين رأوا اللص بأعينهم وشهدوا على جناية يده هم اللصوص، واللص وحده هو البريء! فإن قيل له إن في هميانك ألف درهم مسروقة، ووضعوا أصابعهم عليها، قال: وليس فيها واحد يمكن أن يقال إنه مسروق. . . فإن كان فيها فإنما ذلك إبعاد للأموال المقدسة عن قسوة المباحث الشيوعية. ألا ليت شعري لهذه الجامعة، ما الذي يمنعها أن تعلم هذا المنطقَ البديع في دروس الحقوق، فإنها بذلك تخدم حرية الفكر والعمل، وإنها بذلك ترحم كثيراً من اللصوص والمجرمين وأهل الكبائر والصغائر مما تدعوها إليه الإنسانية وتحمده لها بتلك الألسنة؟ وأيم الله لو أمكن لصاً من نوابغ اللصوص أن يكون أستاذاً لقانون العقوبات وأمكن مزوراً أن يدرس القانون المدني وشيوعياً - أحمر. . . - أن يكون أستاذاً للقانون الدولي لما فعل أكل واحد منهم في دروسه إلا شبيهاً بما فعل طه حسين في درس الأدب، فلِمَ تأتي الجامعة بالرجل الملحد يحكم بكفره ألفُ عالم فتعهد إليه بدرس الفن العربي الذي معجزته القرآن، ولا تأتي باللص والمزور والشيوعي يتناولون القوانين ويفتحون فيها باب الرحمة بمفتاح ديكارت؛ وهل هذا إلا جنس واحد بعضه من بعض؟ فإن قالت الجامعة إن أستاذها ليس ملحداً ولا كافراً ولا زنديقاً، قلنا وهذا أشد خزياً ومقتاً، فأيما أقرب إلى الصدق والسداد: قولُ رجل أو رجلين أو ثلاثة لا سابقة لهم في الدين ولا صلة لهم بعلومه، أم قول ألف عالم يحملون ألف شهادة دينية وعلى مقدمتهم شيخ الجامع الأزهر؟ إنهما اثنتان عَقِمَت أم المنطق فلم تلد لهما ثالثة: فإما إباحة الخلط في كل علوم الجامعة وتَركُ الطلبة أحراراً في التفكير والاقتناع وفي الشك واليقين، فلا يؤخذ أحدهم بحفظ شيء لا يراه صحيحاً، ولا يُسأل ما رأيُ فلان في كذا بل ما رأيك أنت. . . ولا يحاسَب على خطأ ولا صواب، لأنه لا خطأ ولا صواب في مذهب الشك، بل هو كله كالدائرة المفرغة ليس فيها أطراف، وإنما لها المحيط لو شئتَ لقطعتَ العمر كله دائراً فيه بلا نهاية ولا غاية معينة، وإن كان في باب المساحة لا تزيد رقعتها على دائرة ثورِ الساقية.

стр. 188

هذه واحدة، والثانية مَحقُ البدعة التي جاء بها طه حسين في الأدب والبراءةُ من كتابه السخيف وإعلان فساده من الجامعة ذاتها. فإن التهمة ليست على طه إلا بأنه في الجامعة، فالتهمة على الجامعة نفسها وهي وحدها المتهمة بالإلحاد والجهل والخلط وفساد التأويل والاستهزاء بالأمة وإصغار علمائها وأدبائها، لأنها هي وحدها الراضية بالكفر المُعِينة عليه المشارِكة فيه، والمقرةُ للجهل الداعية إليه المحققة له. كان الفيلسوف أرسطو يرى بعض الرأي فينكر عليه لأن أفلاطون يذهب خلاف مذهبه، فكان يقول: إذا اختلف أفلاطون والحق فأيهما أحق أن يتبع؛ ونحن نقول للجامعة: إذا اختلف أفلاطونك. . . والدينُ ثم التاريخ، ثم العقل ثم الفهم؛ فأي الفريقين أحق بالاتباع؟ وفيم نحن أيتها الجامعة إلا في بيان سقَطِه وغلطه، وناهيكِ بهما سَقطا وغلطا لولا أنكِ في فلسفتك على شبيه مما يقول أناتول فرانس في فلسفة القوانين إذ يقول: إن الاجتماع قائم على أصلين: الأول أن السرقة محرمة، والثاني أن ثمرة السرقة مقدسة لأنها من حرية العمل! فأنتِ كذلك ترين أن الأدب قائم على أصلين: الأول أن الخطأ جهل مردود، والثاني أن ثمرة الخطأ علم مقبول لأنها من حرية الفكر! والآن نظهرك أيها القارئ على سر من أسرار الخطأ في أستاذ الجامعة. وإليه يرجع أكبر السبب في كلال ذهنه وتعقد فهمه وتهافُت آرائه وأنه إذا تعاطى القول في الأدب لم يتمكن من معنى صحيح ولم يصب غرضاً واقعاً، ولا يزال دأباً يلوذ بأطراف الكلام حتى كأنه لا يفكر إلا بنصف عقل، فلا يخرج نصف كلامه إلا من لغو وعبث وخطأ، ولا يزال يعتريه ما يعتري كل من اتخذ الخلاف مذهباً فيُحيل أكثر الكلام عن جهته ويجعل الخطأ صواباً والصوابَ خطأ، ويستلب الرأي من أهله ويفسده عليهم في ظاهره أو باطنه، ثم لا يرضى إذا فرط منه الجهل أن تُبين له العلم، وإذا وقع في الغفلة أن تكشف له عن الحقيقة، فإن فعلتَ طار الغضب في رأسه فزلزله عليك زلزالاً وفجره تفجيراً وجعله بركاناً فملأه نيراناً وبذلك تميز في أمثاله ومَهر، وبان وظهر، وغلبَ وقهر، وكان واللهِ سبة لأدباء هذا العصر، فكل ما في الرجل من قوة وجرأة فإنما هو مما فيهم من جبن وانكماش. . . أما ذلك السر فهو أن طه لما عَرف من نفسه ضعف المخيلة، ورأى أنه لا يدرك ما يتعرض له ولا ينفذ إلى حقيقته، عَدَل في الأدب عن طبيعة الشعر إلى طبيعة المنطق؛ إذ كان الأصل فى هذا المنطق الاتساع في الكلام وهو من

стр. 189

مميزات الأستاذ وخصائصه؛ غير أن المنطق أيضاً لا يستقيم إلا بالقريحة النفاذة، وهذه القريحة من بعض أسبابها الطبيعةُ الشعرية، فلما خذلته هذه الطبيعة في المنطق كما خذلته في الشعر، عدل إلى طبيعة الجدل وهو فن من الكلام قاعدته الأشكال والمقاييس، وبناؤه على التنظيم والترتيب، ومادته الثرثرة والاستطالة؛ وأعظم مقوماته اللجاج والإصرار، ولا يُسأل فيه ما الحقيقة ولكن ماذا تريد أن تكون الحقيقة؟ ولا ما اليقين ولكن ما ظنك باليقين ولا يقال فيه ما البرهان ولكن ما الاعتراض، ولا ما النص ولكن ما التأويل وكل ذلك إن لم تقم به الجرأة والحماقة ولم يكن سبيله من السخرية وعدم المبالاة ومن الشك والوساوس وما جرى هذا المجرى، لم يستوِ منه شيء لصاحبه وخرج منه مخذولاً لا هو في حجة ولا مغالطة. فطه حسين مُكرَهٌ على طريقته في الأدب إكراهاً ما دام يريد أن يكون شيئاً مذكوراً، وإنما كان سبيل مثله أن - يتبع - غيره ويقلد ويحتذي ولا يستنكف أن ينزل على رأي من هو أذكى منه ولا يأنف أن يدخل في قوانين الناس، فلما أبى ذلك وغلبته طبيعته وأراد أن يبتاع وما فيه من الابتداع شيء، كان كل عمله أن يفسد عمل غيره؛ ولا طريقة إلى ذلك إلا أن ينقاد إلى الظن، ولا سبيل لاتباع الظن إلا الشك، ولا برهان على الشك إلا من غاية صاحبه، وهذه الغاية راجعة إلى الطبع والخلق وحالة الفكر، وكما يكون الشك أول اليقين في أهل الطباع السليمة والأفكار القوية والأذهان المرهفة، يكون آخر اليقين في ذوي الطباع المضطربة والأذهان البليدة. فطه رجل عالم فاضل، تراه من أحسن أدبائنا إذا وقف عند الحفظ والمراجعة، يقابل بين تواريخ الأمم ويستخرج ما فيها من أنواع المشابهة والمباينة ويعمل في ترتيبها، وتصنيفها، وإذا وقف عند العقل فأخذ يجمع الحواشي والمتون والتعاليق ويضم مسألة إلى مسألة وكلاماً إلى كلام في أي علم شاء مما يحسن انتحاله، ولكنك تراه من أسخف الأدباء إذا حاول التجديد والإبداع، ثم من أضعفهم إذا تعاطى ما ليس في طبعه ولا قوته مما يحتاج إلى الطبيعة الشعرية والذهن الحاد والرأي والاستنباط؛، ولا أدل على ذلك من كتابه: الشعر الجاهلي، ثم من القصص التي نقلها عن الفرنسية. فقد كنت أقرأ هذه القصص واحدة بعد واحدة، وهي لأعلام البيان الفرنسي، فلا أراها إلا كعظام الموتى ليس فيها غير المادة - الفطرية ونظام - الهيكل وهيئته -، ولو كانت كذلك - في أصل لغتها لم يكن الأدب الفرسسي إلا فضولاً، وكان أدباء فرنسا أضعف الأمم

стр. 190

خيالاً وأبعدهم من الشعر ومعانيه. ولقد نقل خلاصة من رواية الزنبقة الحمراء لأناتول فرانس - وهي من أبلغ كتب هذا العبقري العظيم - فجاء بها كلاماً جافا لا ماء فيه ولا رونق له، وما ينقصها من أنواع النقص أن تكون من تأليف طه حسين لا من ترجمته! ولست أدري كيف يأتي لمن لا يكون الشعر من طبيعته أن يكون ناقدا أديباً أو أستاذاً للأدب، وفي أي أمة نجد مثل هذا، وهل كل من عرف الحساب عرف منه الهندسة، لا نظن أحداً يزعم ذلك أو يكابر فيه إلا طه، فإنه وحده يعرف من جدول الضرب. . . علوماً كثيرة منها الهندسة والجبر وحساب المثلثات والطبيعة والكيمياء وكل ما دخله العدد، ما دام الحساب هو العدد. وتراه لا يجادل في شيء بما أوتي من قوة إلا في إثبات أن الناقد الأدبي لا يجب أن يكون شاعراً، وأن المعرفة بالشعر ليست ضرورية فيه كضرورة الأداة في الصنعة لمن يتصرف بها، ولو أن الشعر كان جَدَلاً وقياساً وقواعد وحدوداً لما نازع في أمره، لكنه يعلم أنه الذوق والقريحة وهما من أسرار السموات، ويعلم أن الشمعة إن كانت نوراً فنورها غير أشعة رنتجن "فلا هم له من ثمة إلا أن يزعم أن النقد الأدبي منطق وعلم وتأمل وفلسفة" وفي بعض هذا كل وسائل النقد، وكل هذا بعض مواهبه هو فيما يدعي. ولقد رأيت كلمة بليغة للآمدي كأنما كتبها للرد على أستاذ الجامعة منذ أكثر من ألف سنة؛ أو لعله كان لهم في زمنهم طه كما لنا في زمننا، وكل ذلك (الطاها) يظن أن رِجله برقُ الأرض تطوي أقاصيها في بعض خطوات فقال له الآمدي: (ولعلك أكرمك الله اغتررتَ بأن شارفتَ شيئاً من تقسيمات المنطق وجملاً من الكلام والجدال، أو علمت أبواباً من الحلال والحرام (هذه نسيها طه. . .) أو حفظت صدراً من اللغة، أو اطلعت على بعض مقاييس العربية؟ وإنك لما أخذت بطرف نوع من هذه الأنواع بمعاناة ومزاولة ومتصل عناية فتوحدتَ فيه وميزت، وظننت أن كل ما لا تلابسه من العلوم ولم تزاوله يجري ذلك المجرى، وأنك متى تعرضت له وأمررت قريحتَك عليه نفذت فيه وكشفت عن معانيه؛ هيهات! لقد ظننت باطلاً ورمت عسيراً، لأن العلم أي نوع كان لا يدركه طالبه إلا بالانقطاع إليه، والإنكباب عليه، والحرص على معرفة أسراره وغوامضه ثم قد يتأتى جنس من العلوم لطالبه ويسهل؛ ويمتنع عليه جنس آخر ويتعذر لأن كل امرئ إنما يتيسر له ما في طبعه قبوله وما في طاقته فعلُه

стр. 191

فينبغي - أصلحك الله - أن تقف حيث وُقف بك، وتقنع بما قسم لك، ولا تتعدى إلى ما ليس من شأنك ولا صناعتك " انتهى. وقد كان أحد أصدقاء طه يجادلنا ذات يوم؛ فرد علينا ما وصفناه به من أنه لا حظ له في الشعر ولا يدَ له فيه، وقال: إن له فيه يداً ورجلاً. . . وإنه غير منسلخ من الشعر بل هو في جلد شاعرين معاً، وإنه قد انبثت خواطره في كل معنى وافتتح للناس طريقة الأدب الحديث التي جمع فيها بين بلاغة اليونان والفرنسيس والعرب، فذهب في شعره بمحاسن هذه الأمم الثلاث؛ ودلنا على أبيات كان نظمها في استقبال العام الهجري، وقال إنها نُشرت في بعض أعداد "المقطم " من زمن، فكتبنا إلى من جاءنا بها، فما منها إلا المعنى البكر والأسلوب النادر واللفظ الموسيقي، وفيها الحلاوة والطلاوة ولها رفيف وعليها ماء، حتى لو تليت على شجرة جافة لاخضرَّت ثم هي بعد آية في الدلالة على القريحة الصافية والبلاغة المتمكنة والطبع البدوي السلس الرقيق الذي عرفه هو في كتابه بأنه يُعرض عن تكرار الحروف، فقال لا فضَّ فوه، وبتعبير المذهب الجديد لا أحوجه الله إلى تركيب أسنان: ما لي وللبدر أطلب ردّه (١) . . . بل ما لأفلاك السماء وما لي لا در در المال لو لم يُدَّخر. . . لبناء مكرمة وحسن فعال لا در در المال لو لم يدخر. . . إلا لذات الطوق والخلخال لا در در المال لو لم يدخر. . . إلا لنيل مراتب الإجلال والأغنياء على الملاهي عكف. . . صرعى اللواحظ والهوى الختَّال ولا ريب عندنا أن هذه الأبيات من قصيدة طويلة ذهبت بقيتها في إحدى الزلازل، لأنه بعد هذا الشعر لا يكون إلا الرجم وانقضاض الشهب وتمزق الأرض. أفلا ترى الشيخ يقول: "بل ما لأفلاك السماء وما لي، فهذا نذير بأنها توشك أن تنقض عليه وتُتبعه شهاباً رصداً، وتأمل البيت الرابع فإنه من فرط سموه وإبداع معناه والتعميق فيه قد فسد، لأن الشاعر يلعن المال إن لم يدخر إلا لنيل مراتب الإجلال. فهل مراتب الإجلال إلا العلا والمكارم، وهل يدخر المال إلا لهذا؟ أم تكون المراتب هي الرتب والنياشين؟ وإذن فما كلمة "الإجلال " إلا سمو آخر لإفساد المعنى إذ رُتَبُ الإجلال هي رتب العظماء في

стр. 192

كل أمة. فيا صاحب هذا السمو إن كان ذلك شعرك فقد سلمنا لك ما تدعي من أن الكثرة المطلقة في الشعر الجاهلي منحولة بل كل الشعر الجاهلي مكذوب موضوع لما فيه من التوليد والسخف والركاكة، وأنه لا يمثل الحياة الجاهلية. وإنما جاءك الدليل على هذا الرأي من أنك لو كنت أنت في ذلك العهد ولجأت إليك القبائل تستكثر بك من وقائعها وأشعارها، وجاءك الرواة يحملون عنك والقُصاص لتخلق لهم ذلك الخلق - لوضعت على فحول الجاهلية من نمط أبياتك هذه جزالة وقوة وإحكاماً وذهاباً في فنون الشعر، فعضَل شعرُك بأهل النقد والتمييز، ولا تُجريه في شعر إلا أشبهته وامتزجت به امتزاج الماء الصافي بالماء الصافي وإن كانا من نبعين مختلفين فلا يعرف بعد امتزاجهما أيهما من هنا وأيهما من ثم! . . . إني والله أستحي لـ طه حسين أن يكون هذا شعره ثم يتكلم في الشعر، فإن هذا الكلام الركيك ما فصل عن نفسه إلا وبينهما شبه في الجفاء والغلظة والاضطراب والتخرق؛ وما يسقط الأستاذ أكثر ما يسقط في كتابه الشعر الجاهلي إلا من هذه العلة الشعرية في ذهنه، ومن تلك العلة الفلسفية في رأيه فما هو شاعر ولا هو فيلسوف، ولكن كتابه قائم على الشعر وإدراكه وتمييزه وتصحيح نسبته من فحول كبار أئمة هذا الفن، وعلى الفلسفة في التاريخ وتناولها الأشياء والحوادث والأشخاص من جهة عللها وأسرارها فلا جرم تهافَت وتعثر وأحال وتناقض بحيث لا يصيب في واحدة إلا أخطأ في عشر. ولم يكن بدعاً أن يجيء كتابه على مقداره فيغلب عليه الضعف ويفسده التعسف - وتنزعه النزعات - الخبيثة لا يكون كتابه في حاجة إليها ولكنها من حاجة نفسه فلا يزيد على أن يفتضح بها؛ ومن أغربها قوله في صفحة ٧٤ إذ نقل من الأغاني عن عبد العزيز بن أبي نهشل قال: إنه قال لي أبو بكر بن عبد العزيز وجئته أطلب مَغرَماً: يا خال، هذه أربعة آلاف درهم وأنشد هذه الأبيات الأربعة وقل: سمعت حساناً ينشدها رسول الله ﷺ فقلت: أعوذ بالله أن أفتري على الله ورسوله، ولكن إن شئت أن أقول سمعت عائشة تنشدها فعلت. قال: لا. إلا أن تقول سمعت حساناً ينشدها رسول الله ﷺ فأبى علي وأبيتُ عليه، فأقمنا لذلك لا نتكلم عدة ليال. فأرسل إليَّ وقال: قل أبياتاً تمدح بها هشاماً وبني أمية واجعلها في عكاظ واجعلها لأبيك الخ الخ. قال أستاذ الجامعة المتبع مذهب ديكارت: فانظر إلى ابن عبد الرحمن كيف أراد صاحبه على أن يكذب وينتحل الشعر (كذا) على حسان. ثم لا يكفيه

стр. 193

هذا الانتحال حتى يذيع صاحبه أنه سمع حساناً ينشد هذا الشعر بين يدي النبي ﷺ كل هذا بأربعة آلاف درهم، ولكن صاحبنا كره أن يكذب على النبي ﷺ بهذا المقدار - واستباح أن يكذب على عائشة ﵂ اهـ. فهل تجد أنت في القصة مساومة أو ما يشير إليها حتى يكون الرجل المسلم لم يكره الكذب على النبي ﷺ إلا لقلة الثمن؛ وهل فرق في الكذب بين أن يكون بأربعة آلاف أو بعشرة أو أقل أو أكثر إن لم يكن الإيمان هو الذي منع الرجلَ منه للحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (من كذب علي عامداً متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" غير أن فقه الرواية أن نفس طه في جشعها وتكالبها على المال حلالاً وحراماً وفى رقة دينها وإيمانها، هي التي أوحت إليه هذا التعليل السخيف البارد، فحسب أنه لو كان هو المسؤول أن يكذب لقال للسائل: يا هذا، إن الكذب على عائشة بكذا وعلى رسول الله ﷺ بكذا، فإذا لم تبذل إلا أربعة آلاف فلا أكذب إلا على عائشة.. والرواية في عبارتها صريحة واضحة لا لبس فيها، ولكن طه كما وصفنا ثمرة لم تنضج إلا مُرة شديدة المرارة، فليست تُذاق أبداً إلا دلت على نفسها وتركت طعماً من مرارتها ينبئ عنها؛ ولو أن الجامعة المصرية ألحقت من أجل ذلك بشركة السكر. . . لأفلست الشركة في إحلاء هذه الثمرة ولا تحلو! ويقول في صفحة ٥٦ "في عصبية قريش على الأنصار" إنه كان من قريش من يتجاوز الاقتصاد في العصبية إلى شيء يشبه العطف على الأنصار والرثاء لهم، ولعل الزبير بن العوام كان من هؤلاء العاطفين على "الأنصار" الراثين لهم الحافظين لعهدهم والراعين لوصية النبي ﷺ فيهم، فقد يحدثنا - كذا - الرواة أنه مر بنفر من المسلمين فإذا فيهم حسان وهم غير حافلين بما يقول فلامهم على ذلك وذكرهم موقع شعرِ حسان من النبي ﷺ وأثر ذلك في نفس حسان فقال يمدحه: وأحب أن تلتفت إلى أول هذا الشعر. فهو حسن الدلالة على ما أريد أن أثبته من دخول الحزن على نفوس "الأنصار" لهذا الموقف الجديد الذي وقفته منهم قريش، وأول الشعر هو: أقام على عهد النبي وهديهِ. . . حوارِيُّه والقولُ بالفعل يُعدَلُ

стр. 194

أقام على منهاجِه وطريقِه. . . يوالي وليَّ الحق والحقُّ أعدل قال طه: "فانظر إلى هذين البيتين في أول المقطوعة كيف يمثلان ذكر حسان لعهد النبي ﷺ وحزنه عليه وأسفَه على ما فات "الأنصار" من موالاة النبي لهم وإنصافه إياهم " انتهى. وبعد صفحة واحدة قال: كما كان الزبير من هذه الفئة القرشية التي كانت تعطف على "الأنصار" ذكراً لعهد النبي ﷺ أو " احتفاظاً بمودة الأنصار ليوم الحاجة. . . ". والخبر من الأغاني في ترجمة حسان، وعبارته أن الزبير مرَّ بمجلس من أصحاب رسول الله ﷺ وحسان بن ثابت ينشدهم من شعره وهم غير نشاط لما يسمعونه منه، فجلس معهم الزبير فقال: ما لي أراكم غير آذنين لما تسمعونه من شعر ابن الفُريعة، فلقد كان يعرض لرسول الله ﷺ فيحسن استماعه ويجزل عليه ثوابه ولا يشتغل عنه بشيء، فقال حسان وأنشد الأبيات. فانظركم في أسباب الدلالة التاريخية بين قول الأغاني إنه مر بمجلس من أصحاب رسول الله ﷺ وقول طه مر بنفر من المسلمين وهذا الخبر قد مرَّ على كل علماء الأدب والتاريخ الإسلامي فما فطن أحد إلى دلالته على حزن الأنصار وعطف الزبير عليهم "ليوم الحاجة"، إلا أستاذ الجامعة وحده؛ فأين فيه ذكر الأنصار وحزنهم على ما فاتهم، وإنما يتكلم حسان عن نفسه وإياها أراد بقوله: "وليَّ الحق" إذ كان يتولاه رسول الله ﷺ ، وهو رجل شاعر كل مجده في إقبال الناس عليه ونشاطهم لكلامه إن كانوا من قومه الأنصار أو من غيرهم. وأين النص يا أستاذ الجامعة على أن ذلك المجلس من الصحابة كان من قريش، فإنه إذا جاز أن يكون من الأنصار فقد بطل ما جئت به؛ إذ يكون قومُ حسان هم الذين لم ينشطوا لسماعه، ثم كم من الفرق بين أن يكون سامع الشعر غير ناشط له وبين أن يكون غير "حافل " به؛ ثم أين النص على أن ذلك المجلس كان في تاريخ بعينه مع أنه يجوز أنه كان في زمن عمر بن الخطاب بعد أن استقرت الأمور ولم يبق شيء من الخلاف بين قريش والأنصار، أو بعد ذلك بزمن بعيد، فإن الزبير قتل في سنة ست وثلاثين للهجرة. وإذا علمتَ أن الزبير هو ابن عمة رسول الله ﷺ وحواريُّه وصفيُّه وقد شهد معه المشاهد كلها فلا تسألني أنا عن معنى قول الأستاذ "ليوم الحاجة"، ولكن سل رجلاً ملحداً زنديقاً

стр. 195

لا يظن أن في النفوس نفساً مؤمنة، لأن الإيمان عنده خدعة من خدع السياسة كإسلام نابليون في مصر! وعجيب من طه بعد أن عرفت شعره ومبلغ فهمه للشعر أن تراه يقول في صفحة ٩٩: "وكل هذا الشعر إذا نظرت فيه سخيف سقيم ظاهر التكلُّف بيِّن الصنعة. . . ". وفي صفحة ١٠٣: "ويروي لنا ابن سلام شعراً آخر ليس أقل من هذا سخفاً ولا تكلفاً ولا انتحالاً. . . ". وفي صفحة ٤١٥ وقال دولة سعد باشا للورد لويد: ويحسن استشارة لندن، فقال اللورد: أنا لندن في المسائل الحاضرة! وأنا أقول كذلك للرافعي ولغير الرافعي: أنا الشعر، أنا الجامعة. . .!

стр. 196

خنفساء ذات لون أبيض . . . إن من عادتي إذا جلست للكتابة أن أضع ساعتي ناحية إلى اليمين مرتفقة ذراعي أسد مصنوع من الحديد قد ربض ربضةَ الكبرياء مستوفزاً كأنما يجمع الوثبة على فريسة وجد في الهواء ريحَها، كاشراً كأنما يتهيأ لنقضها نفضة الموت، مقشعرا يضم أجزاءه ليرسل منها حملته الفاتكة، وقد برز له صدر ضخم مكتنز عُضلة لا أحسبه إلا جحر ذلك الطاحون الحيواني الذي صنعه الله من شدقيه وأنيابه. وتأملتُ الآن هذا الأسد وهو يحمل ساعتي وأخذت أفكر فيما أكتب اليوم عن الجامعة، فقلت: أسأل هذه الجامعة: ماذا عسى أن يدرك الأسد من معنى هذه الساعة لو هو أبصرها ملقاة بين يديه في الصحراء ورأى عقاربها تدب دبيبَها؛ أتراه يظنها خنفساء ذات لون أبيض، أم يحسبها في أرقامها السوداء قرية صغيرة من النمل، أم يخالها قطعة من العظم تفرَّق الذباب على أطرافها؟ إنه ظان ما شاء أن يظن إلا أن يعرف أنها أداة لتعيين الوقت، فإن ساعة الوقت عنده هي قرص الشمس يطلع أو يغيب، لا ليدل على أن الساعة واحدة أو ثلاثة أو اثنتا عشرة، بل الساعة ظلام أو الساعة نور. هذا في الأسد؛ أما في الإنسان فنسأل الجامعة: أكل امرئ يعرف قيمة الوقت في تحريره وضبطه؟ أم كل إنسان في ذلك بحساب من عمله وطريقته في الحياة؟ وماذا يفهم "المتشرد" في الطرقات من معنى قولك الساعة خمسة والساعة عشرة إلا على نحو مما يفهم الأستاذ طه حسين من المعاني الدينية السامية في التاريخ الإسلامي، إذ تعيَّن له فضائل كريمة لا يألفها ولا يسيغها ولا يعقلها، كما تعيَّن الساعة مواقيت دقيقة لا محل لها في حياة المتشرد والمفلول ولا وزن ولا قيمة. وإذا نحن وضعنا هذه الساعة في ثوب هذا المتشرد وكانت عاملة محرَّرة ثم وضعناها يوماً آخر وهي معطلة خربة. فهل هذا اليوم عنده إلا كذاك اليوم؟ وهل تكون ساعة مثل هذا الرجل إلا الرغيف والقرش ونحوهما مما لا يدله على أن الساعة واحدة أو ثلاثة أو اثنتا عشرة بل الساعة شبع والساعة جوع؟

стр. 197

لا تعرف الجامعة ولا تريد أن تعرف أن مثل أستاذها في المبالاة بحقائق المعاني العالية من التاريخ الإسلامي وفقهها مثل ذلك المتشرد في المبالاة بمعاني الوقت، ومثلُ ذلك الأسد في المبالاة بمعاني الصناعة؛ ولكننا أريناها بعينيها وبأعين الناس جميعاً أن كل المعاني الإسلامية في دروسها لم يدرك منها أستاذها إلا شبيهاً بما أدرك الأسد إذ فكر ثم قدَّر ثم تدبر ثم حكم أن الساعة خنفساء ذات لون أبيض. . . كنا والله نرتاب في أن الجامعة المصرية مدرسة إلحاد، وأن طه حسين ما أخذ لها دون سواه ممن كانوا في الجامعة القديمة (١) إلا لهذه العلة فيه، ولأنه أقوَمُ بها وأقدرُ عليها، وكنا لا نظن هذا فضلاً عن أن نحققه، غير أنا قرأنا اليوم فصلاً إضافياً لصديقنا الأستاذ العلامة الكبير السيد رشيد رضا كتبه في " المنار" وأذاعته جريدة "البلاغ " وجعل عنوانه " دعاية الإلحاد في مصر" وهو يقول فيه ليس الإلحاد بجديد في مصر، وإنما الجديد هو الدعوة إليه وتأليف الجمعيات لبثه وهدم الإسلام، وتأليف الكتب في الطعن على أعلام حكمائه المتقدمين الذين يعلي الإفرنج قدرهم كالغزالي وابن خلدون، والتنويه بمن اتهموا بالكفر والإلحاد كالمعرِّي، والإشادة بأدب من اشتهر بالفسق والخلاعة كأبي نواس. "وقد كنا ذكرنا من بضع عشرة سنة خبر تأليف أول جمعية إلحادية من أعضائها معمَّم من خريجي الأزهر؛ ثم إنهم خلعوا العذار وجهروا بدعايتهم في دروس "مدرسهّ الجامعة المصرية" ومحاضراتها. . . وإذ فطنوا في هذه الأيام لما في وطنيتهم ولا دينيتهم من الخسارة الأدبية والسياسية على مصر، وأنشأت (جريدة السياسة) تعدهم وتمنيهم بأن ثقافتها الإلحادية الجديدة طفقت تتبوأ مباءة تلك الزعامة الدينية من أنفس الشعوب الشرقية عامة والسورية خاصة، إذ شعرت هذه الشعوب بأن الدين صار الأدنى والأضعف من جوامع الأقوام وروابط الأمم، وأن "مدرسة الجامعة المصرية الإلحادية" وهي المظهر الأعلى للثقافة الجديدة. . . قد خلفت الأزهر المتوفى غير مأسوف عليه وورثت مكانته المعنوية. . . لقد صدقت جريدة (السياسة) - وقلما كانت صادقة - فيما صورته من التنازع بين الجامعة الأزهرية الدينية، والجامعة المصرية الإلحادية، فهذا أمر يعرفه البصيرون وإن غفل عنه الأكثرون، وأول من صرح به في مجالسنا من غير

стр. 198

المسلمين شابٌّ إسرائيلي ذكي سمعنا نتكلم في مسألة كتاب الشيخ علي عبد الرزاق عقب ظهوره، وكونه ينصر فيه دعاية الإلحاد الجديدة؛ فقال: ليست المسألة مسألة كتاب ألفه شيخ مسلم في محاربة الإسلام، فلو كان هذا كل ما تشكو منه لهان خطبه. ولكن المسألة كل المسألة - هي التنازع بين " الجامعة المصرية" وجامعة الأزهر، فإذا غلبت الثانية بقيت هذه البلاد إسلامية، وإذا انتصرت الأولى لحقت مصر بالبلاد التركية وانقضى عصر الإسلام فيها" انتهى كلام السيد بحروفه. وتقع هذه اللطمة وفيها قوة الأربعمائة مليون يد إلا تسعاً. . . على وجه الجامعة، فلا ترى هذه الجامعة الذليلة تغضب لدين أو كرامة أو أمانة. ولا يكون منها إلا أن تدير القفا. . . وكنا والله نحسبها ساكتة في جدالنا إياها عن عجز، لأننا على ما نعلم من وجوه الضعف الكثيرة في نفسنا نعلم يقيناً أنه ليس في هذه الجامعة من يقوم لنا في هذا الباب الذي نجادلها فيه، وهي بعدُ مغرورة بأستاذها تحسب الأدباء يتحامَونه لأن في فمه لجة من السب والشتم يغرق فيها من يتصدى له، فليكن في فمه البحر فإن ذلك لا يعجزنا أن نجيئه في وسط اللجة بتراب اليابسة يُرغم أنفه. والآن علمنا أن إيمان الجامعة أو إيمان طه حسين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر في ذلك الكتاب الذي أذاعته الجامعة إنما كان في بابه تزيُّناً كتجمْل تلك المرأة السوداء التي سخر منها القدر حين وُلدت فسماها أهلها دنانير. . . ثم سخر منها حين كبرت فتزوجها أعشى سُليم الشاعر. ثم سخر منها الثالثة حين تجملت وتكحلت بالإثمد فانطق الأعشى بهذا البيت: كأنها والكحل في مِرودها. . . تكحل عينيها ببعض جلدها كثيراً ما سألت نفسي: هل في مصر كلها رجل واحد يحق له أن يكفر؟ وبمعنى آخر: هل في مصر كلها رجل عبقري شاذ يبلغ من سمو العقل وسعة الإحاطة وحدة الذهن وغؤر النفس أن يكون له رأي خاص في الإيمان ينكسر به ما أجمع الناس عليه؟ وبمعنى ثالث: هل في مصر ممن يقلدون بعض فلاسفة الأوروبيين في الإلحاد من يُعد في طبقة من يقلدهم بحيث لو كان في أوروبا الملحدة لقلده أذكياء الأوروبيين وأساتذة الجامعات هناك. . .؟ إن البلاء كله إنما يجيئنا من ناحية الأخلاق الضعيفة أو الأعراق الدساسة

стр. 199

أو العلم الناقص؛ فأما أثر الخلق الضعيف والعرق الهجين فليس له إلا الحكومة بمدارسها، فإن أهملته في المدارس فلن يهملها هو في الأسواق وما وراءها من الأماكن والجهات حين ينبتُ الملحدون المتعلمون في الأمة ويتعاطون أمورها ويجارونها في أسباب الحياة؛ وأما العلم الناقص فأنت ترى أن صاحبه ما إن يتناول شيئاً من دقائق الفكر إلا انتهى إلى الحكم بأن فيها عجزاً أو ضعفاً أو اضطراباً، كما يفعل طه حسين في دقائق التاريخ والشعر والدين، وذلك طبيعي لا يكون غيره، فما العقل الناقص إلا كالعين المريضة: لا ترى أثر مرضها إلا في الأشياء التي تراها والأشياء مع ذلك صحيحة لا مرض فيها. واعلم أن الخطأ ولو في فكرة واحدة إن لم يكن إتلافاً وإحالة وإفساداً فهو تشويه ونقص، لأن الفكرة جزء من الأجزاء التي يتألف منها الكل المعنوي. ومتى كثرت الفِكَرُ المخطئة بأي الأسباب من نقص العقل أو الذكاء أو الخلق، فذلك أشنع ما أنت واجده في عمل هؤلاء الملحدين إذ يفسدون الإيمان وهم يحسبون أنهم يصححونه، وما الإيمان إلا صورة معنوية كاملة لها أجزاء ولأجزائها ألوان ولألوانها مقادير؛ فقل الآن في رجل أشل اليد أو سقيم النظر أو فاسد الذوق تريده على أن يرسم صورة امرأة جميلة ويكون من بعض آفاته أنه رجلُ منطق وتعليل وإبداع واختراع يزعمه، ثم لا يكون منطقه الذي يلائم ذوقه وفكره وفنه إلا على هذا التمثيل. إن الحاجب أسود، والأسود يضاده الأبيض. والضد يظهر حسنَه الضد، فالعين في الصورة يجب أن تكون بيضاء. . . والخد أحمر! والأحمر لون النار وللنار دخان يزينها من حواشيها، فعارضا المرأة يجب أن يكون لونهما في الصورة أسود ويمر في هذا المنطق ثم يخرج لك الصورة الجميلة فإذا هي صورة امرأة عمياء ملتحية، لم يخرجها من الطبيعة ولا من الفن بل من المنطق والحدس. ثم من منطقه هو خاصة، ثم مما حدث بظنه على أنه إبداع واختراع، وكل أولئك الذين تعرفهم ما منهم على الأمة إلا ذو مصيبة واحدة، خلا الدكتور طه، فإنه ذو المصيبتين، لأنه وحده الذي يتناول الأدب العربي من دون هذه الفئة ويريد أن يأتي الإسلام من دعائمه، أما سائرهم فأهلُ سياسة وفلسفة؛ لا يُقدم أجرؤهم على بحث أدبي فيديره على الإلحاد إلا جعله على جهة النظر الاجتماعي أو السياسي. فبذلك يهاجم الأدب وينهزم عن الأدباء. لأنك إذا جادلته التوى عليك بأنه ينظر إلى غير ما تنظر، ويذهب في غير مذهبك، وأخذ يكيلك الحصى وأنت توازنه الذر؛ فكلهم في الأدب مخادع نفسه؛ ولذلك لم يشتغل بهم أحد من علمائنا وأدبائنا على ما يتسع من عيوبهم

стр. 200

ويتضاعف من زلاتهم؛ إلا ذا المصيبتين، فهو وإن كان من جملتهم فإنه وحده. . . وبهذا تقدمَ عليهم وبانَ منهم حتى رأينا فيهم من يصفه بأنه زعيم المجددين، ولعله من أجل هذا لم تجد الجامعة غيره ولم تعدل به أحداً إذا صح أن هذه الجامعة أداة من الأدوات كما هي مدرسة من المدارس؛ ونحن لا نزال نتوقف في هذا فلا نبت الحكم عليه إلا بعد التثبت والاستبانة الصحيحة لأن أثقال هذا الميزان من الرأي لا تزال ناقصة ولا يقع الرجحان فيه إلا بعد أن يُلقَى في كفتيه عمل الأستاذ الكبير مدير الجامعة، فإن هو ظل ساكتاً بعد الآن فسكوته عمله وكفى، وسكوتهُ يُنطق غيره، فما هو وحده بذي اللسان ولا هو يملك على أحد لسانه، وهو عندنا رجل للتاريخ فليحذر ألسنةَ التاريخ. قلنا إن طه ذو المصيبتين على الأمة، ولكن الله تعالى يرعى دينه ويكلؤه فيسر طه لما خُلق له، ثم يسره لمن يصدمه، فهو حجر لكنه هش لين المكسر، إذ كان من طبقاته التي يتألف منها طبقات مُتفتتة خُلقت من كُسارة الأحجار ودُقاقها كالطباشير، فهو ينطوي على طريقة كسره رحمة من الله بهذا الدين، وتلك سنة لن تخطئها في أعداء الإسلام إذ أنت استعرضتَهم وميزتهم فلا تتبدل ولا تتغير، ولولا ذلك لما هلكوا وبقى الدين، ولا ذهبت كتبهم وبقي القرآن. وترى ذا المصيبتين هذا يحمل أسلحة كثيرة من العلم والتاريخ والجراءة والشك والحماقة، ولكنها كلها متفللة تكسرها في أصابعك لو شئت؛ فمعه إلى قوة الكلام ضعف الفهم وإلى شدة الصولة خَوَرُ الهزيمة، وهو سبَّاق القلم لكنه أعرج الخيال، سديد الجدل لكنه سيئ التاريخ؛ وقس على ذلك من فضائله وأسباب قوته ما إن تدبرته رأيته لا يأتي أبداً إلا متعارضاً متهاتراً في بعضه إسقاط لبعضه. وضع الأستاذ كتابه ليبحث في أن الشعر الجاهلي مصنوع محمول على أهله، وأجمل هذه الفكرة وأسبابها ثم قال في صفحة ": "ولكني لن أقف عند هذه المباحث، لأني لم أقف عندها فيما بيني وبين نفسي، بل جاوزتها وأريد أن أجاوزها معك إلى نحو آخر من البحث أظنه أقوى دلالة وأنهض حجة من المباحث الماضية كلها، ذلك هو البحث الفني واللغوي، فسينتهي بنا هذا البحث إلا أن هذا الشعر الذي ينسب إلى امرأ القيس أو إلى الأعشى أو إلى غيرهما من الشعراء الجاهليين لا يمكن من الوجهة اللغوية أو الفنية أن يكون لهؤلاء الشعراء" انتهى.

стр. 201

لا جرم كان "البحث الفني واللغوي لا هو الأساس الذي يقوم عليه مثل هذا الكتاب؛ إذ لا معنى للتخرص والحدس وقولِك أشد في هذا وأنكر هذا وأكبر الظن كذا، فكل عافي وسوقي ونبطي وزنجي يستطيع أن يتناول الميزان الدقيق فيُميله ويجعله أكذب الموازين وأخبثها ولا يعجزه أن يسوغ فعله بعذر أو دليل وإن لم يكن من القوة على ذلك والتوسع فيه بحيث يصلح أستاذاً، ولكن العجب أن شيخ الجامعة لما انتهى إلى البحث الفني واللغوي تخبط واختل وذاب واضمحل، ورأينا هذا البحر العظيم الذي يقال له الفني واللغوي، مستنقعاً صغيراً يخوض منه الشيخ في ضحضاح من الماء الراكد، ويخرج مدعياً الغرق وما يغرق أحد في مثله إلا إلى الكعبين. وكان جديراً بمن يقول الفني واللغوي أن يدلنا على نمط كل شاعر وطريقته ومذهبه وعمودِ شعره وأسباب التوليد عليه بخاصته ووجوه الصنعة في كلامه وأن يعيد لنا من علمه الواسع ذلك العهد الأول الذي كان يقول فيه الرواة لم يصح لامرئ القيس إلا كذا، ولم يصح لطرفة وعبيد إلا كذا. وهذه الأبيات وضعها فلان أو زاد فيها فلان، بيد أن الأستاذ بعد أن وصف هو الأوقيانوس الفني واللغوي وأنه سينتهي بنا إلى القارة الجديدة المسماة أمريكا، اختصر الطريق إلى أمريكا هذه فجاء بها ووضعها في العدوة الأخرى من المستنقع. . . إذ يقول في صفحة ١٣١: "وإذن فلنتناول مع الإيجاز الشديد شيئاً من البحث عن الشعر والشعراء في العصر الجاهلي، لنرى إلى أي شيء نستطيع أن نطمئن من هذه الأشعار". وفي صفحة ١٥٢ بعد أن روى مطلع قصيدة لعبيدة بن الأبرص: " لولا أننا نؤثر الإيجاز ونحرص عليه لروينا لك هذا الشعر ووضعنا يدك على موضع التوليد فيه. . . ". قلنا: ففي أي شيء هذا الكتاب إذن ما دام " الإيجاز الشديد وإيثار الإيجاز والحرص على الإيجاز" هو أساسَ البحث الفني واللغوي فيه، على حين أن الكتاب هو البحث وكل ما عداه حشو واستعانة وأن امرأ القيس لا يمحى من التاريخ "بالإيجاز الشديد"، ومهلهلاً لا يكون من رجال الأساطير "بالحرص على الإيجاز". . . وماذا يغني عنك - ويلك - أن تجمع لحرب أمة مصانع كروب ومدافعها ومخترعاتها - عدةَ ملايين من المقاتِلة إذا لم يكن لديك إلا بضعة مدافع بالإيجاز الشديد. . .؟ ألا تستحي يا طه أن تسقط بالجامعة هذا

стр. 202

السقوط كلَّه؛ وأن تتغفل الناس إلى هذا الحد في بحث لم يَخلق الله له أهلاً بعد أن ذهب أهله؟ على أن المسألة اللغوية في كتاب الشيخ هي مسألة اللهجات، وقد أسقطناها في بعض ما مر بك، ثم كانت عقدتها قوله في صفحة ١٤١ "وقد يكون لنا أن نلاحظ قبل كل شيء ملاحظة لا أدري كيف يتخلص منها أنصار القديم، وهي أن امرأ القيس - إن صحت أحاديث الرواة - يعني إن صح أنه خُلق - يمني وشعره قرشى اللغة. . . ولغة اليمن مخالفة كل المخالفة للغة الحجاز فكيف نظم الشاعر اليمني شعره في لغة أهل الحجاز"؛ إلى أن يقول: "وأعجب من هذا أنك لا تجد مطلقاً في شعر امرئ القيس لفظاً أو أسلوباً أو نحواً من أنحاء القول يدل على أنه يمني، فمهما يكن امرؤ القيس قد تأثر بلغة عدنان فكيف نستطيع أن نتصور أن لغته قد مُحيت من نفسه محواً تاماً ولم يظهر لها أثر في شعره؛ نظن أن أنصار القديم سيجدون كثيراً من المشقة والعناء ليحلوا هذه المشكلة ". انتهى. فنحن مع الأستاذ في اثنتين: أن ينكر وجود امرئ القيس إنكاراً صريحاً. وحجتنا عليه ذكر هذا الشاعر في الأحاديث المروية عن النبي ﷺ وفيما رُوي من كلام الصحابة كعمر وعلي وكلام الشعراء الأمويين كالفرزدق وجرير. وأخرى: أن يقر بوجوده إقراراً صريحاً ولا يقول "نرجح أنه وجد" وتبقى المشكلة اللغوية التي أوردها واعترض بها وتوهم فيها في أنصار القديم ما توهم وجعلها أقوى ما في كتابه من الأدلة، وقد أنذَرنا غير مرة في جدالنا معه أننا "سنجد مشقة، وعسراً" في التخلص من مشكلاته، فوالله ما وجدنا في واحدة عسراً ولا مشقة، ولكنه يرمي الناس بما فيه وذلك من أمره، ولو تثبت واستعان بغيره لكان خيراً له وأقوم، ولكن فتنه الله بنفسه وبصَّره العيوب إلا عيبه. وقبل أن نحل له المشكلة نقول: إننا رأينا في بعض كتب الجدل أن رجلاً ذكياً قال لجماعة من الناس: إن سقف البيت كان فوق زيد ثم صار تحت زيد، فقال واحد منهم: لا جرم تهدم البيت ووقع السقف فلا حول ولا قوة إلا بالله! وقال آخر: لا عجب مات الرجل شر ميتة فإنا لله! وقال ثالث: وليس يمشي الناس في جنازته إلا متوجعين فرحمه الله! وانطلقوا في ذلك يُفضي به بعضهم إلى بعض ولا رجعة لمن مات فالمشكلة لا حل لها! ألا دعونا أيها الناس من الموت والهدم ومما قام بأنفسكم من المعاني،

стр. 203

وانظروا في الكلمة ولا تجاوزوها ودققوا الفهم قبل أن تدققوا التخريج فإن السقف كان فوق زيد حين كان زيد جالساً في الغرفة، ثم صار تحته حين صعد زيد إلى السطح؛ وهذا حل المشكلة التي هدمت بيتاً وقتلت رجلاً! وهي بعينها مشكلة أستاذ الجامعة، فلا تجد في هذه صعوبة إلا إذا جريتَ على طريقته في التاريخ والاعتماد فيه على العقل والرأي دون المادة متجاهلاً أن العقل ينتج في كل العلوم فيصلحها إلا في التاريخ فإته يفسده إذ لا تنتج فيه إلا المادة، وإذ حاجته إلى العقل المفسر منه لا إلى العقل المنتج فيه، والعقول أنواع بطبائعها وخصائصها ودرجاتها، فإذا تحكمتَ في التاريخ نوعتَه وهو شيء واحد لا يختلف ولا يقبل الزيادة، إذ كان وانتهى ووُضع عليه خاتم الفناء. انظر يا سيدنا ومولانا طه حسين في كتاب العمدة في صفحة ٥٩ من الجزء الأول. تجدهم حلُّوا مشكلتك منذ ألف سنة بقولهم إن امرأ القيس يماني النسب نزاري الدار والمنشأ - يعني المولد والمربى. ولا تؤاخذنا، في التفسير لك - فقل أنت الآن يا سيدنا ومولانا، هل تريد أن تولد لغة اليمن في دمه فيكون دمه معجماً لغوياً لا يجري كريات حمراء بل كلمات واشتقاقات وأساليب؛ وهل العربية أية لهجة كانت إلا على الدار والمنشأ بالسماع والمحاكاة؛ كان سبيلك يا سيدنا ومولانا أن تثبت لنا بدياً أن امرأ القيس وُلد ونشأ في اليمن ثم تنقل بعد ذلك في قبائل العرب، ثم يكون لك أن تقول: فكيف نسي لغته؟ وماذا نرى في قول بعض الرواة إن الشعر يماني واحتجاجهم لذلك في الجاهلية بامرئ القيس، وفي الإسلام بحسان بن ثابت، وفي المولدين بأبي نواس وأصحابه مسلم بن الوليد وأبي الشيص ودعبل - وكلهم من اليمن - وفي الطبقة التي تليهم بالطائيين أَبي تمام والبحتري. أكل هؤلاء وهم ينسبون إلى اليمن قد كانوا إلا على لغة الدار والمنشأ؟ ذلك هو كل ما في كتاب طه من المسألة اللغوية، وبقي أنه يجعل من أسباب وضع الشعر سهولةَ ألفاظه، ويطلق ذلك في كل الشعراء الجاهليين قياساً واحداً، مع أن الرواة العلماء نصوا على أن الأعشى يحيل في لفظه كثيراً ويسفسف دائماً ويرق ويضعف، وقد جعلوه بإزاء النابغة، قالوا: وألفاظ النابغة في الغاية من البراعة والحسن. فإذا كان هذا الشعر وضعاً وصنعة فما الذي شدَّ النابغة وأرخى الأعشى؛ وقد أدرك الأعشى الإسلام وكان جاهلياً، وكان أهل الكوفة يقدمونه على الشعراء، فلا شبهة في وجوده؛ وكان من شعراء ربيعة

стр. 204

كطرفة بن العبد، وإنهما لمتباينان في ألفاظ الشعر؛ فكيف اشتد واحد ولان الآخر؟ قالوا: وكان الأصمعي يزعم أن العرب لا تروي شعر أبي دؤاد وعدي بن زيد، وعلل هذا بأن ألفاظهما ليست نجدية، أي ليست قوية متينة السبك في الغاية من القوة والجزالة، ولقد كان الأصمعي أحق من طه حسين بما ذهب إليه لو أن رقة الألفاظ تنفي نسبة الشعر إلى جاهلي أو مخضرم أو تُثبته لمولَّد أو محدَث تكون سبباً من أسباب الشك. ومع رقة شعر عدي كان معاوية يفضله على جماعة الشعراء، ومع رقة أبي دؤاد فضله الحطيئة وهو أعلم بالشعر من طه ومن أجداده؛ فما أظن أن في سلسلته شاعراً وإلا فأين أثره؟ إن الرقة والجزالة واللين والجفاء لا ترجع في الشعر إلى لغة الشاعر ولا عصره ولكن لعواطفه ومعانيه وذوقه، وللطريقة التي نشأ عليها، وللشاعر الذي يحتذيه؛ فإن الشاعرية لا تنبت شاعريته كما تنبت الشجرة، بل هو بروي شعر غيره فيعمل عليه، ثم تعرض له أمور من نفسه ودهره وعيشه فتوثر فيه قوة وضعفاً، وقد كانوا لا يعذون الشاعر إلا مَن روى لغيره، لأنه متى روى استفحل. وسئل رؤبة عن الفحل من الشعراء، فقال: هو الرواية. قال يونس بن حبيب: وإنما ذلك لأنه يجمع إلى جيِّد شعره معرفَةَ جيِّد غيرِه، فلا يحمل نفسه إلا على بصيرة؛ وتأمل ما قالوا في حفظ الشعراء المولدين كأبي نواس الذي لم يقل الشعر حتى رَوى لسبعين امرأة من النساء دون الرجال، وأبي تمام الذي كان يحفظ ما لا يُعد، والمتنبي الذي لم يَفته شيء، والمعرِّي الذي لم تَسقط عن حفظه كلمة الخ الخ. ولو كان طه شاعراً لعرف كيف تختلف أساليب الشعراء وبمَ تختلف ولِم تختلف؟ ولكنه بعيد من هذا وهذا بعيد منه كما تعلم، ومتى ثبت أن الشاعر عندهم هو الراوية - وذلك ثابت لا ريب فيه والنصوص عليه كثيرة وأسماء الشعراء ورواتهم معروفة - فمن ذلك تعلم كيف تأدى الشعر الجاهلي إلى الرواة؛ فأولئك هم كانوا الدواوين التي جمعت الشعر وأدَّتْه صحيحاً محفوظاً ثم زيدَ، عليه بعد، ولكن كذبَ الزيادة لا ينفي صحة الأصل؛ والأمر في هذه الزيادة إلى أهله الذين كانوا أهلَه لا إلى طه ولا أمثال طه، فإذا رأيناهم يقولون مثلاً: كان امرؤ القيس كثير المعاني والتصرف لا يصح له إلا نَيف وعشرون شعراً من طويل وقطعة؛ فما بنا بعد هذا القول حاجة إلى طفيلي في الشعر وروايته وتحقيقه كأستاذ الجامعة ينفي أو يثبت"، علىِ مذهب ديكارت أو علِى مذهب

стр. 205

الشيطان؛ لأن المذهب هنا من أقوال العلماء والحفاظ وأهل البصر بالشعر والحذق في نقده وتمييزه، وما على الأرض اليوم رجل واحد يقول إنه من هؤلاء. ومما نظن أن ألفا وثلاثمائة سنة تضحك منه ضحكاً يهز قبور الأدباء، قولُ شيخ الجامعة في تعيين تاريخ امرئ القيس صفحة ١٥٠ "والذي نرى نحن - تأمل نحن - أنه عاش قبل القرن السادس، وربما عاش قبل القرن الخامس أيضاً. . . " فربما التي يقال فيها إنها للتقليل هي في حساب التاريخ الحسيني بمائة سنة، لأن الذي يقال فيه إنه عاش قبل القرن السادس للميلاد لا يمكن أن يتقدم على سنة ٥٠٠ فإذا قيل فيه: ربما عاش قبل القرن الخامس أيضاً؛ فأيضاً هذه لا يمكن أن تتقدم سنة ٤٠٥ وما أنا من علماء الرياضة فأجد من عقلي قوة على تخليص هذا الخلط، وإذا جاءنا فيثاغورس فخلصه فقد بقي أنه يجوز أن يكون امرؤ القيس قد عاش قبل القرن الرابع وربما قبل الثالث أيضاً. . . إن نصف الكذب من الكذاب يشبه أن يكون منه بمنزلة نصف الصدق. فالحمد لله على أن أستاذ الجامعة قد أبقى لنا شيئاً نفهمه من شيء كان اسمه امرأ القيس!

стр. 206

أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ قرأت في "الأهرام" حديئاً كان مع أحد كتابها للأستاذ الفاضل مدير الجامعة يصف ما تم في جامعته مدة عام ويؤرخها فيه، وقد رأينا الأستاذ ركب فناً غريباً من الكلام لا يعمد إليه في طبيعة القول وأساليبه إلا من كان في نفسه أشياءُ تناقض ما في لسانه، أو كان قوله على أصل مخترع؛ وسنعرض لحديثه بعد قليل. ولما استوفيت القراءة رجعت إلى نسختي القديمة من كتاب (كليلة ودمنة) لعلي أجد فيها بيان الحديث أو تأويل هذه الفلسفة، فأصبت ما أقص عليك من هذا المثل الغريب، قال دمنة: وأنت يا كليلة بعدُ لا أراك تخرج من نحيزتك ولا تدع زَهوَك وفلسفتك وما تبرح في لسانك دأباً كلمتان: واحدة تنحدر وأخرى تَهمُّ أن تنحدر. وتحسب أن ما معك من هذه الخاصة ليس مع أحد مثله، كأنَّ الله أفردك بها وما يُفرِد إلا نبيا وما يميز إلا رسولاً وما أنت بأحدهما؟ وإن رجاء الأمور لا يكون بزخرف الكلام ولكن بصحته، ولا تجزئ منه كثرة أساليب الباطل وإنما غَناؤه في أسلوب واحد، إذ كانت الحقيقة الواحدة لا تتعدد. ولعمري لو نفعك شيء من ذلك لقد كان نفَع الفيلسوفة الأمريكية، قال كليلة: وكيف كان ذلك؟ قال: زعموا أنه كان في أمريكا امرأة فيلسوفة أحكمت المنطق وجمعت العلوم ونظمت الشعر وألفت الكتب، وكانت صلعاء مُنقشرةَ الرأس، يعرفون ذلك منها ويتواصفونه، فكانت لا ترى امرأة جثلةَ الشعر واردة الفرع إلا قالت في نفسها: أما إني لا أعرف أحداً من العلماء والفلاسفة وأهل الأدب يقطعني جداله وتعجزني مسألته، ولو قد جادلتني امرأة كهذه لأعجزتني بأول كلمة منها، فإنها أول بدأتها لا تتكلم إلا في الصلع. . . ويا ويلك إن لم ينطق في قبحك إلا لسانُ الحسن! قال: ثم إن النساء يومئذ وقع نقص جديد في عقولهن فذهبت كل

стр. 207

حسناء تُجمِّمُ وتقص شعرها تشبهاً بالغلمان والفتيان، وعمهن ذلك، فقالت الصلعاء الفيلسوفة: لقد وإن أكثر الصبر العسير وقارب فن فناً، وما الشعر الذي يسقط إلا أخو الشَّعر الذي لا ينبت. قال دمنة: ثم إن الفيلسوفة أرادت أن تسبح وترى الأرض حتى تنتهي إلى مصر فترى آثار الفرعون تتخمون، فلما جاوزت البحر ووقعت في الأرض المسلمة رأت الناس في حيثما نزلت من مراكش إلى مصر يحلقون رؤوسهم بالمواسي، فقالت: أما والله إن هذه لهي المدنية التي فَتحت العالم ودوَّخت الممالك، وغيرُ مستنكر ممن ينشأون على حلق رؤوسهم بالموسى أن يحلقوا أعناق الأمم بالسيف، وإن هذا لهو الرأي، وإني لموفقة أحسن التوفيق، ولن أبرح الفرصة حتى أفعل وأفعل، إلى أن أحمل هذه المواسي على رؤوس الأمريكيات، فلا يبقى من فرق بيني وبينهن إلا أنهن يحلقن مرة بعد مرة وحُلقت أنا بالموسى الإلهية التي ليس لها مر بعد! قال كليلة: ويحك يا دمنة! فماذا صنعت هذه اللكعاء؟ قال دمنة: سبحان الله! أقول لك فيلسوفة وتقول لكعاء؛ ثم إنها تعجلت الرجوع إلى أرضها فعملت خطبة سمتها "من بلاد الموسى" ولم تدع فيها جهداً من مثلها إلا بلغته، حتى أتت على آخر وسعها، فصنفتها أحسن تصنيف وعدلت أقسامها وأحكمت فصولها وابتدأتها بأن في الشرق مذهباً فلسفياً جديدا أبدعه مدير الجامعة المصرية، وهي مدرسة أفريقيا كلها، فما كان من عمل ولو إنشاء جامعة كبرى في زمننا هذا زمن الجامعات (فسنته الأولى تجربة. . . " يذهب خطأُها في طلب صوابها فهو لا بد لاحق به، فهو من ثمَّ معدود منه. فهو ليس بخطأ، ولو أن الدنيا خرِبت به لم يمنعه ذلك أن يسمى في الفلسفة الشرقية صوابَ تجربة. ثم إنها حشدت الأمريكيات وخطبت فيهن خطبتها تلك وشرحت قضية الموسى، ولم تدع أن تزينها وتقرظها وتدعو إليها، وقالت آخر ما قالت: هب أنكن لا تعرفن عواقبها، فإن المذهب الفلسفي الشرقي يقضي "بسنة تجرِبة ". فلا عليكن أن تكفرن بالمقص وتؤمن بالموسى! واعلمن - أصلحكن الله - أن

стр. 208

"سنة التجربة" ستكون الدين الجديد الذي يطبق الأرض فسارِعنَ إلى تجربة الحلق بالموسى ليأخذه عنا الأوروبيات والسابقةُ لنا قبل أن نأخذه عنهن والسابقة لهن. قال دمنة: فانتدبت لها امرأة من المجلس وضيئة حسناء، فلما وقفت بإزائها أمسكت المشط فمرَّت في شعرها تُفيئه يميناً وشمالاً وقالت لها: يا هَناهُ! لو كان على رأسك من هذا لما كان في لسانك هذا. * * * وقرأنا حديث الأستاذ مدير الجامعة، والأستاذُ أول كاتب مصري جرت في قلمه عبارة "سلطة الأمة" ولكنه في هذا الحديث سكت عن الأمة وشكواها واحتجاجها كأنه لم يوجد من هذا شيء، أو كان الأستاذ يرى دين الأمة في الجامعة كقطن الأمة في البورصة، يبعد السعر ويقرب ويرتفع وينزل ولا عليه من ذلك، فإن كان اليسر فاليسر وإن كان إفلاس فإفلاس، إنما عمله هو نشر السعر كما تجيء به المصادفات خراباً وعماراً! قلنا: فلتكن الجامعة كافرة كفراً صريحاً، ولتكن على هذا أديرت إن لم تكن لهذا أنشئت، فيبقى أمر هذه الغلطات التاريخية والأدبية التي وقع فيها أستاذها وأبان فيها عن حماقة تركت الجامعة سخرية في الألسنة؛ فما سكوت الأستاذ المدير عن هذا وللعلم حق يقضي عليه بإحدى قضيتين: فإما أن يسلم بالخطأ ويلتمس إصلاحه ويعمل في ذلك ويعلنه للأمة، وإما لا؛ فليدفع حجة بحجة وليرد كلاماً بكلام وليربأ بالجامعة أن تكون في موقف المعاند المكابر. فإن المعاند يحسب السكوت مما يغطي ويموه على الناس، ولا يعلم أنه متى قام الدليل من أحد خصمين لم يكن لسكوت الخصم الآخر إلا معنى واحد لا يختلف لا في القانون ولا في العرف ولا في الشرع، وهو الإقرار والإذعان وإن كان لم يقر ولم يذعن. يقول الأسنتاذ المدير: الجامعة تبتدئ، ولا شبهة في أن السنة الأولى لإقامة معهد علمي كبير يراد به ترقية التعليم العالي من ناحية ونشر المعلومات التي تحبب العلم إلى الجماهير - كذا كذا - من ناحية أخرى ينبغي اعتبارها "سَنة تجربة". . . قلنا: ولكن يا سيدي المدير، ما نحن من أخلاط الأمم المبعثرة، ولا نحن في جهل من مجاهل الدنيا، ولا نحن مبتدعين في إنثاء الجامعة فتضيع

стр. 209

أموالنا وأعمار أبنائنا فى سنة تجربة؛ أو لو قام تاجر مقصّر ينشئ مصرفاً ويعامل فيه الناس ثم خسر وانكْسرت عليه أموالهم يكون عذره عندك وعند المحاكم أنها سنة تجربة؟ ويقول الأستاذ: "لا أحد يشك في أن البرلمان المصري بعد أن استقبل في العام الماضي نبأ تأليف الجامعة بالتصفيق لا يتردد هذا العام - بهذا الجزم - في أن يقر قانون الجامعة ويحرص على إثبات شخصيتها المعنوية من غير أن ينقص "من غير أن ينقص! " من مشخصاتها شيئاً "ولو بعض الشيء. . . " بل ربما زاد - الله الله - على قوة هذه الشخصية المعنوية ووسع في دائرة مظاهرها" انتهى. ونحن نظن أن الحديث كله لم يوضع إلا ليستجرَّ هذه العبارة وحدها. فهي والله ثقيلة على كل نفس، بل هي كالإملاء على البرلمان يفرضها عليه المدير فرضاً، فلا أحد يشك حتى ولا يُهمهِمُ في نفسه؛ لا أحد عليه لا أحد، و "لا" لنفي الجنس، ولكن أين مذهب ديكارت يا سعادة المدير؛ أتشكون في الدين والعلم وتعلمون الشك وتحامون عنه وتحملون فيه سخط الأمة كلها، حتى إذا انتهى أمركم إلى نواب الأمة قلتم " لا أحد يشك) .. أفلا تعلم يا سيدي المدير أنك حقرت هذه الأمة، وإنك بعملك أنزلت الجامعة من الأمة منزلة عدو من عدوه. فكيف تريد البرلمان على أَن يكون الخاضع وهو الحاكم، وكيف تريد أن ينسى الأمة ليذكر الجامعة، وكيف تتقدم له "بسنة تجربة" ثم تقول إقرار القانون وإثباتُ الشخصنية وتقويتها وتوسيعُ دائرة مظاهرها؟ ونريد نحن أن نفهم كيف يكون التوسيع في دائرة مظاهر دروس الأدب. أيامر البرلمان بحرق المصاحف توسيعاً لمظهر الدائرة التي تدور على أن القرآن كتاب موضوع دخلته الخرافات العربية كما تعلمون في الجامعة؟ حدثني عنك يا سيدي المدير، ألا تعلم وأنت مدير الجامعة أن طه حسين أعلَم الطلبة بعد أن احتج العلماء وثار الرأي العام وكادت تقع الفتنة، أن دروس الأدب في السنة الآتية ستكون في "مناقشة القرآن من الوجهة الأدبية"؛ أمِثلُ طه يناقش القرآن إلا في مثل هذه الجامعة الممقوتة التي تتقدم إلى البرلمان في سلاسلها وأغلالها من غضب الله والأمة وصالح المؤمنين ثم تفرض عليه إثبات الشخصية وتوسيع دائرة المظاهر؟ وحدثني عئك يا سيدي المدير، ألم تكن تعرف المسيو كازانوفا الذي

стр. 210

جئتم به للجامعة وما علمتم أن الله سيبطله (١) لأنه تعالى أرحم من أن يجمع على أبناء هذه الأمة المسكينة كازانوفا وتلميذه طه حسين في مدرسة واحدة - ألم تكن تعلم أنه صاحب كتاب "محمد وانتهاء العالم" الذي يقرر فيه أن النبي ﷺ لم يستخلف أحداً بعده إذ كان لا يعتقد أنه سيموت. . . بل يرى أن الساعة قائمة في عهده، فلما مات كان موته تكذيباً صريحاً لأصل عقيدته، فاضطر أبو بكر الصديق أن يكذب ويزيد في القرآن آيتين إحداهما (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) والأخرى (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) . ويقول بعد ذلك، هذه كذبة حلال نحن مدينون لها بقرآن أبي بكر. . . ْغط يا سيدي على الناحية الحية من الجامعة فقد غطى القبر على الناحية الميتة منها، ولقد أكثرتم الرماد فإذا أثارته الريح فلا تلوموها ولوموا أنفسكم! * * * ولنأخذ الآن في كتاب طه فقد وقعت فيه جَهلة لم نر مثلها لأجد إلا بعض المستشرقين وهي تأويل سيرة امرئ القيس وإثبات الشيخ بالبحث الفني. . . أن هذه القصة مكذوبة؛ ولقد رأينا في تاريخ الأدب قصة أخرى أراد العلامة ابن أبي الحديد شارح نهج البلاغة أن يقول إنها موضوعة وبحث في ذلك بوسائل فنية. فنريد أن نعرض عليك البحثين لتقابل بين هذا وذاك ولتعلم الجامعة في أي منزلة من السخف تنزل دروسها. قالوا: انه لما نشأت فتنة الخلافة أبى على أن يبايع لأبي بكر، فبعث الصديق لأبي عبيدة وأنفذه إلى علي برسالة يؤديها وحمَّلَه عمرُ كلاماً آخر، فأدى ذلك إلى علي، فرد ﵇ بكلام يعتذر فيه، ثم غدا فبايع؛ وتركه أبو بكر مع عمر فتناقلا كلاماً بليغاً، والقصة طويلة يتراد فيها هؤلاء الثلاثة: أبو بكر وعمر وعلي، كلاماً من النمط العالي، فرواه ابن أبي الحديد ثم قال: "قلت: الذي يغلب على ظني أن هذه المراسلات والمحاورات وهذا الكلام كله مصنوع موضوع، وأنه من كلام أبي حيان التوحيدي، لأنه بكلامه ومذهبه في الخطابة والبلاغة أشبه، وقد حفظنا كلامَ عمر ورسائله وكلامَ أبي بكر وخطبَه. فلم نجدهما يذهبان هذا المذهب ولا يسلكان هذا السبيل في كلامهما، وهذا كلام عليه أثر التوليد ليس يخفى؛ وأين أبو بكر وعمر من البديع وصناعة المحدَثين؟ "ومن تأمل كلام أبي حيان عرف أن هذا الكلام من ذلك المعدن خرج

стр. 211

ويدل عليه أنه أسنده إلى القاضي أبي حامد المروروزي، وهذه عادته في كتاب البصائر: يسند إلى أبي حامد كل ما يريد أن يقوله هو من تلقاء نفسه إذا كان كارهاً لأن ينسَب اليه. ومما يوضح لك أنه مصنوع، أن المتكلمين على اختلاف مقالاتهم من المعتزلة والشيعة والأشعرية وأصحاب الحديث وكل من صنف في علم الكلام والإمامية، لم يذكر أحد منهم كلمة واحدة من هذه الحكاية، ولقد كان الرضى ﵀ يلتقط من كلام أمير المؤمنين ﵁ اللفظة الشاذة والكلمة المفردة الصادرة عنه في معرض التألم والتظلم فيحتج بها ويعقد عليها، نحو قوله. . . وقوله. . . وقوله. . . وكان الرضي إذا ظفر بكلمة من هذه فكأنما ظفر بملك الدنيا ويودعها كتبه وتصانيفه، فأين كان الرضي عن هذا الحديث، وهلا ذكر في كتاب الشافي في الإمامية كلام أمير المؤمنين ﵁ هذا؟ وكذلك من جاء من الإمامية، كابن النعمان وبني نوبخت وبني بُوَيه وغيرهم. وكذلك من جاء بعده من متأخري متكلمي الشيعة وأصحاب الأخبار والحديث منهم إلى وقتنا هذا - وسط القرن السابع -؛ وهلا ذكره قاضي القضاة في المغني مع احتوائه على ما جرى بينهم حتى إنه يمكن أن يجمع منه تاريخ كبير في أخبار السقيفة؛ وهلا ذكره من كان قبل قاضي القضاة من مشايخنا وأصحابنا ومن جاء بعده من متكلمينا ورجالنا؛ وكذلك القول في متكلمي الأشعرية وأصحاب الحديث، كابن الباقلاني وغيره، وكان ابن الباقلاني شديداً على الشيعة عظيم العصبية على أمير المؤمنين ﵁، فلو ظفر بكلمة من كلام أبي بكر وعمر في هذا الحديث لملأ الكتب والتصانيف بها وجعلها هجيراهُ ودأبه. "والأمر فيما ذكرناه من وضع هذه القصة ظاهر لمن عنده أدنى ذوق من علم البيان ومعرفة كلام الرجال، ولمن عنده أدنى معرفة بعلم السير وأقل أنس بالتواريخ" انتهى. فتأمل كيف يكون بحث المطلع المستوعب للمادة التي يتكلم فيها حتى لا يفوته كتاب من الكتب ولا كلام عالم من العلماء، حتى لا يحكم إلا بعلم ولا يحكي إلا عن مقنع، ثم قابل هذا ببحث أستاذ الجامعة وركاكته، قال في صفحة ١٣٤: وهنا يحسن أن نلاحظ أن الكثرة من هذه الأساطير والأحاديث لم تشِعْ

стр. 212

بين الناس إلا في عصر متأخر، - وفي عصر الرواة - المدونين والقَصاصين فأكبر الظن أنها نشأت في هذا العصر ولم تورَث من العصر الجاهلي؛ وأكبر الظن أن الذي أنشأ هذه القصة ونفاها إنما هو ذلك المكان الذي احتلته قبيلة كندة في الحياة الإسلامية إلى أواخر القرن الأول للهجرة. "فنحن نعلم أن وفداً من كندة وَفَد على النبي ﷺ وعلى رأسه الأشعث بن قيس. . . وأن الأشعث - بعد الردة - تاب وأناب وأصهر إلى أبي بكر فتزوج أخته أم فروة. . . وشهد مواقع المسلمين في حرب الفرس، وتولىٍ عملاً لعثمان، وظاهرَ علياً على معاوية، وأكره علياً على قبول التحكيم في صِفين. " ونحن نعلم أن ابنه محمد بن الأشعث كان سيداً من سادات الكوفة، عليه وحده اعتمد زياد حين أعياه أخذ حُجر بن عدي الكندي ونحن نعلم أن قصة حجر بن عدي هذا وقتلَ معاوية إياه في نفر من أصحابه قد تركت في نفوس المسلمين عامة واليمنيين خاصة أثراً قوياً عميقاً مَثَّلَ هذا الرجل في صورة الشهيد؛ ثم نحن نعلم أن حفيد الأشعث بن قيس وهو عبد الرحمن بن محمد قد ثار بالحجاج وخلع عبد الملك. . . ثم انهزم فلجأ إلى ملك الترك ثم أعاد الكرة فتنقل في مدن فارس. ثم استيأس فعاد إلى ملك الترك، ثم غدر به هذا الملك فأسلمه إلى عامل الحجاج، ثم قتل نفسه في طريقه إلى العراق. . . أتظن أن أسرة كهذه الأسرة الكندية تنزل هذه المنزلة في الحياة الإسلامية لا تصطنع القصص ولا تؤجر القُصاص لينشروا لها الدعوة ويذيعوا عنها كل ما من شأنه أن يرفع ذكرها ويُبعد صوتها؟ بلى، ويحدثنا الرواة أنفسهم أن عبد الرحمن بن الأشعث اتخذ القُصاص وأجرهَم. . . وكان له قاص يقال له عمرو بن زر. وقصة امرئ القيس بنوع خاص تشبه من وجوه كثيرة حياة عبد الرحمن بن الأشعث، فهي تمثل لنا امرأ القيس مطالباً بثأر أبيه، وهل ثار عبد الرحمن عند الذين يفقهون التاريخ إلا منتقماً لحجر بن عدي، وهي تمثل لنا امرأ القيس طامعاً في الملك، وقد كان عبد الرحمن بن الأشعث يرى أنه ليس أقل من بني أمية استئهالاً للملك الذي كان يطالب به، وهي تمثل لنا امرأ القيس متنقلاً في قبائل العرب، وكان عبد الرحمن متنقلاً في مدن فارس والعراق، وهي تمثل امرأ القيس لاجئاً إلى قيصر مستعيناً به، وقد كان عبد الرحمن لاجئاً إلى ملك الترك مستعيناً به، وهي تمثل لنا خبر امرئ القيس وقد غدرَ به قيصر بعد أن كاد له أسدي في القصر، وقد غدر ملك الترك بعبد الرحمن بعد أن كاد له رسل الحجاج، وهي تمثل لنا بعد هذا وذاك امرأ القيس وقد مات في طريقه عائداً من

стр. 213

بلاد الروم. وقد مات عبد الرحمن في طريقه عائداً من بلاد الترك. قال الشيخ العلامة الطاهوي الحسيني. . . "أليس من اليسير أن نفرض بل أن نرجح أن حياة امرئ القيس التي تد تحدث بها الرواة ليست إلا لوناً من التمثيل لحياة عبد الرحمن استحدثه القصاص إرضاء لهوى الشعوب اليمنية في العراق، واستعاروا له اسم الملك الضليل (١) اتقاء لعمال بن أمية من ناحية، واستغلالاً لطائفة يسيرة من الأخبار كنت تعرف عن هذا الملك الضليل من جهة أخرى؟ " انتهى كلامه بنصه. وكل ما مر بك من تاريخ فهو من تاريخ الطبري، ليس فيه لـ طه إلا التحريف أو التخريف؛ فأين تقف من مثل ذلك على بحث أو اطلاع، وقد جهل الشيخ أن التاريخ كله حوادث متشابهة؟ إذ تنشأ في الأصل من طباع متقاربة محدودة في آثارها فتتشابه هذه الحوادث كما يتشابه الناس. وسنقفك على ما فى كلام الشيخ من الكذب والخلط، فالأشعث بن قيس لم يُكرِه علياً على قبول التحكيم وإن كان قد تكلم في ذلك، إنما أكرهه القراء الذين كانوا معه حين انخدعوا برفع المصاحف من جيش معاوية. وزياد بن أبي سفيان لم يعتمد على محمد بن الأشعث في أخذ حجر بن عدي، بل قال لمحمد: والله لتأتيَني بحجر أو لا أدع لك نخلة إلا قطعتها ولا داراً إلا هدمتها.، ثم لا تسلم مني حتى أقطعك إرباً إرباً ثم أمهله ثلاثاً وأرسله إلى السجن، فخرج محمد منتقع اللون يُتَلُّ تلا عنيفاً أفمثل هذا يقال فيه "عليه وحده اعتمد زياد" أم هي سنة العرب في أخذ سيد بسيد والاستفادة من رجل برجل، واستفزاز الحمية والإباء في نفس من يفوتهم هرباً لكيلا يظلَم فيه غيره فإذا عَرف من أخذ به أسلم نفسه؟ والمضحك أن الشيخ يقول إن زياداً اعتمد على محمد بن الأشعث في أخذ حجر بن عدي، ثم يقول بعد ذلك: "هل ثار عبد الرحمن بن محمد عند من يفقهون التاريخ إلا منتقماً لحجر؟ " أفليس الأقرب أن ينتقم لإهانة أبيه؟ ثم يقول إن قتل حُجر مثله في صورة الشهيد؛ فمن هو الشهيد إذن إن لم

стр. 214

يكن مثلَ حجر؛ ولكن الشيخ فهم ذلك من قول الطبري: إن حجراً قال لمن حضره من أهله: لا تطلقوا عني حديداً ولا تغسلوا عني دماً فإني ألاقي معاوية غداً على الجادة! ثم قُدم فضرب عنقه، قال هشام: كان محمد بن سيرين إذا سئل في الشهيد يُغَسل؛ حدثهم حديث حجر؛ فأنت ترى أنهم يسألون ابن سيرين هل يغسل الشهيد كما يغسل الميت فيحدثهم حديث حجر، يعني أنه لا يُغسل بل يُدفن بثيابه؛ ولكن الشيخ فهم أن السؤال وجوابه تصوير لحجر عند المسلمين في صورة الشهيد. . . ثم يقول إن أسرة هذا شأنها تتخذ القصاص لينشروا لها الدعوة،. فإن كان هذا فكيف أمِن الحجاج عبد الرحمن بن الأشعث فأرسله قائداً على أربعين ألفا لمحاربة الترك؟ وكيف يمكن أن يقع هذا من مثل الحجاج إذا كان قُصاص هذه الأسرة ينشرون لها الدعوة؟ ألا يدل صنيعُ ذلك الطاغية الحجاج على أن أولئك القصاص لم يكونوا قد خُلقوا بعد، إذ لم يخلقوا إلا في سنتنا هذه في رأس شيخنا هذا؟ قال العلامة الطاهوي: "ويحدثنا الرواة أنفسهم أن عبد الرحمن اتخذ القصاص، وكان له قاص اسمه عمرو بن زر". فسلوه من أين جاء بهذا ومن الذي حدثه به من الرواة؛ إنه رأى في الطبري هذه العبارة. قال أبو مخنف: حدثني غمرو بن زر القاص: أن أباه كان معه هنالك (في بلاد الترك) وأن ابن محمد - عبد الرحمن - كان ضَرَبه وحبسه لانقطاعه إلى أخيه القاسم، فلما كان من أمره الذي كان من الخلاف - أي الانتقاض على الحجاج وخلع عبد الملك - دعاه وكساه وأعطاة. فأقبل فيمن أقبل؛ وكان قاصاً خطيباً! اهـ. فالعبارة صريحة في أن عمراً هذا كان قاصاً، وأن أباه كان قاصاً خطيباً وأنهما كانا في بلاد الترك يقاتلان كما يقاتل قراء المصرين البصرة والكوفة لأن هذا هو الجهاد في سبيل الله، حتى إن أقوى كتائب عبد الرحمن كانت كتيبة كل جندها من القراء وأن عبد الرحمن كان ضرب زراً وحبسه لانقطاعه إلى أخيه القاسم، فلما احتاج إلى المقاتلة دعاه فحمله، يعني فأركبه، وجعله من فرسانه لا من قصاصه، فمن أين يؤخذ أن عمرو بن زر أو زراً أبا عمرو كان قاصاً لابن الأشعث اتخذه وأجره ليصنع له ولأسرته الأخبار كقصة امرئ القيس، وبخاصة إذا علمنا أن الأب منهما ضُرب وحبس. . . .

стр. 215

وليس ينتهي عجبنا من الخلط في التمثيل والمقابلة. بين سيرة ابن الأشعث وسيرة امرئ القيس، فابن الأشعث ليس بشاعر، ولا ابن ملك، ولا قُتل أبوه فخرج يطلب الثأر كامرئ القيس؛ وابن الأشعث لم يكن في سيرته صُعلوكاً، ولا متعهراً، ولا متفحشاً كصاحبه، فإذا قابله القصاص برجل فلن يكون هذا الرجل امرأ القيس في تبطله وانقطاعه لصعاليك العرب وذؤبانها وفي الخمر والنساء والفحش ونحوها. وابن الأشعث إن كان قد طلب الملك، فما طلب امرؤ القيس إلا ثأر أبيه، ولهذا قال حَمَّلني دمه ولم يقل حَمَّلني مُلكه. وابن الأشعث لم يلجأ إلى ملك الترك مستعيناً، بل منهزماً، لأنه كان صالحه على أن يكف عّنه ثم يفرغ للحجاج، فإن ظهر أعفى ملكَ الترك من الخراج ما بقي، وإن انهزم فأراده وجب على الملك أن يلجئه عنده، وقد وفى الملك بذمته وعهده. وابن الأشعث لم يكد له رسل الحجاج عند ملك الترك، وإنما هددوه ليُسلمه فأسلمه صاغراً، واشترط على الحجاج شروطاً قبلها منه، وفي بعض الروايات أن ابن الأشعث مات بالسل وجاء الملك فاحتز رأسه وأرسله إلى الحجاج. وابن الأشعث لم يتنقل في مدن فارس والعراق مستنصراً مستجيشاً كما فعل امرؤ القيس في قبائل العرب، بل كان محارباً يرحل بالجيش وينزل بالجيش، وامرؤ القيس كان سبب هلاكه أنه فتن بنت قيصر بجماله وغزله أو على الأصح بمنظره العصبي، أما عبد الرحمن فكان سبب هلاكه أحد اثنين: إما السل، وإما رغبة ملك الترك أن يتخذ له يداً عند الحجاج. وإذا صحت رواية الموت بالسل - وبرهانها قوي - فلم يمت الرجل في طريقه إلى بلاده ولم يقتل نفسه، وإذا صح أنه مات في طريقه فقد قالوا إنه وثب من فوق قصر، وأين هذا من ميتة امرئ القيس في حلة مسمومة نثرت لحمه نثراً؟ وإذا أراد قصاص بني الأشعث أن يكذبوا فيزيدوا قصة امرئ القيس في مفاخرة كندة، فليس من الفخر أنهم جعلوه شاعراً طرده أبوه، ثم يوصف بالتصعلك والعهر والفحش، ثم يجعلونه عاجزاً ضائعاً في القبائل لا يأخذ بثأر أبيه، ثم يلجئونه إلى قيصر فيكون هناك فاحشاً ويُقتل بفحشه وليس في السب عندهم أشنع من هذا ونحوه، وهو كما ترى أعجز العجز، لا يوافق أهواء شعب عربي ولا عاداته
следующие страницы →