← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21785

خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية

عبد العظيم المطعني

Полный текст (956 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية]ـ (رسالة دكتوراه بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى) المؤلف: د. عبد العظيم إبراهيم محمد المطعني الناشر: مكتبة وهبة الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ - ١٩٩٢ م عدد الأجزاء: ٢ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الأولى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذا العمل الذي بين يديك هو - في الأصل - بحث علمي تقدمتُ به إلى كلية اللغة العربية جامعة الأزهر، للحصول على درجة الدكتوراة (العالمية) فى البلاغة: النقد.: في صبيحة يوم الاثنين ٢٥ من شهر إبريل عام ١٩٧٤ نوقش البحث في مدرج " العقاد " من العاشرة صباحاً حتى الواحدة ظهراً. وكانت الهيئة العلمية المنوط بها أمر المناقشة: التقويم مكونة من ثلاثة أساتذة مخضرمين، ولهم قدم راسخة في قادة التخصص - البلاغة والأدب والنقد - وهم ﵏: الأستاذ الدكتور كامل إمام الخولي عميد كلية اللغة العربية -: وقتذاك - ورئيس قسم البلاغة والنقد بها. : الأستانج الدكتور حامد حفني داود أستاذ ورئيس قسم الأدب والنقد في كلية الألسن بجامعة عين شمس - حينذاك. ثم الأستاذ الدكتور يوسف البيومى البسيونى أستاذ البلاغة والنقد فى كلية اللغة العربية - إذ ذاك. وبعد المناقشة قررت الهيئة العلمية بالإجماع منع البحث: تقدير، (ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى) . وفي أثناء التقدم بالبحث كنت أعمل محرراً مراجعاً بقسم المراجعة والتصحييح بجريدة الأهرام. وفي اليوم التالى للمناقشة نشرت " الأهرام " خبراً مبروزاً فى صفحتها الأخيرة أو الأولى الثانية في العُرف الصحفي. ووضعت للخبر عنوانا لافتاً للأنظار: " ثاني دكتوراه خلال شهر لعضو بقسم المراجعة والتصحيح "

стр. 3

وكان زميلى الأستاذ الدكتور عبد العزيز رضوان الذي يعمل بنفس القسم قد حصل على الدكتوراة قبلى بثلاثة أسابيع. وقد تضمن الخبر عنوان البحث: " خصائص التعبير في القرآن الكريم وسماته البلاغية " ثم التقدير الممنوح عليه، وما كادت الصحيفة - الأهرام - تلامس أيدى القراء صباحاً حتى انهالت عليَّ العديد من المكالات التليفونية يطلب أصحابها أن أدلهم على كيفية الحصول على نسخ من البحث، ولم يكن لذلك من سبيل؟ لأن النسخ المطبوعة كانت محدودة للغاية، حيث جرت العادة - في ذلك الوقت - على طبع نسخ محدودة جداً بحيث لا تتعدى أعضاء لجنة البحث وبعض الإخوة الحاضرين لمشاهدة المناقشة. ومن الذين هاتفونى مستشارون بمجلس الدولة أذكر منهم الآن "المستشار محمدعطية". كما تلقيت رسائل بريدية لنفس الغرض: قد عزَّ علينا كثيراً أنى كنت عاجزاً عن تلبية هذه المطالب النبيلة التي ما كان وراءها من سبب سوى حب المسلمين لكتاب ربهم العزيز، والدراسات الجادة المتعلقة به. وبعض دور النشر أبدت إستعدإدها لطبعه انذاك، ولكن الشروط التى حددتها لم تكن موضع ارتياح. ومن ذلك أن شركة " أرامكو " الخليجية طلبت - عن طريق أحد الوسطاء - شراء حق التأليف وطبع البحث لحسابها. ورغم أن العرض كان مغرياً فإن بعض المخلصين من معارفي نصحوني بعدم الموافقة؛ لأن بيع حق التأليف سيقطع صلتى بالبحث تماماً، ولن أستطيع طبعه أو التصرف فيه مستقبلاً. ومن ذلك الوقت - صيف ١٩٧٤ - ظل البحث حبيس " مكتبتى " إلا نسخاً نادرة جداً كانت باقية من لجنة المناقشة وكنت قد أهديتها لبعض الأصدقاء. والآن. . قد قيَّض الله لطبعه ونشره " مكتبة وهبة " التي نذرت نفسها لخدمة الدعوة الإسلامية أكثر من نصف قرن، وتخصصت في نشر الأعمال الجادة الهادفة، وتبنت الكلمة الصادقة والهادئة والرزينة. شكر الله لأصحابها " الأستاذ " وهبة حسن وهبة " الذى بذل من جهده وماله لإخراج هذا العمل من الظلام إلى النور، فجزاه الله عن العلم وأهله خير الجزاء. * * *

стр. 4

وفى هذه المقدمة يحسن بنا أن نشير إلى عدة حقائق تتعلق بهذا العمل الذى لم نرد به إلا وجه الله الكريم والإسهام في خدمة كتابه المعجز أبد الدهر: أولاً: إن هذا النص المنشور - هنا - هو نفس النص الذي تمت مناقشته منذ ثمانية عشر عاماً، بلا حذف ولا إضافة؛ لأن هيئة المناقشة لم تبد عليه ملاحظات جوهرية تقتضى حذفاً أو إضافة. وذلك من فضل ربى ذى الجلال والإكرام. ثانياً: لم نشر في هذه المقدمة إلى منهج البحث وثماره التي أسفر عنها وأقرها أساتذتنا المناقشون ﵏، لأننا أوجزنا الحديث عن ذلك فى المقدمة التالية التي كانت قد أعِدت لتلاوتها على جمهور مشاهدى المناقشة. ثالثاً: الاسم العلمي لهذا البحث المسجَّل في الوثائق الرسمية هو: " خصائص التعبير في القرآن الكريم وسماته البلاغية " وعند صدور هذه الطبعة " الأولى " اقترح علينا الناشر الأستاذ " وهبة حسن وهبة " أن يكون العنوان هكذا: " خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية " فبادرنا إلى الموافقة. وليس بين العنوانين فرق قط من حيث المعنى سوى فرق لفظي طفيف صار به " الثاني " أوجز من " الأول " مع وحدة المعنى. رابعاً: إن عنوان هذا البحث وإن لم يشر أية إشارة إلى قضية الإعجاز فإنه - أعنى البحث - تطبيق عملى موضوعى للكشف عن سر الإعجاز في القرآن الكريم على المذهب المختار من مذاهب جهات الإعجاز في القرآن الكريم. فقد تباينت وجهات النظر قديماً وحديثاً حول: بِمَ كان القرآن مُعْجِزاً؟ صال العلماء وجالوا قديماً حول معرفة وجوه الإعجاز. وحديثاً أضاف الباحثون مذاهب عدة إلى مذاهب العلماء، ومن أبرز ما قاله المحدَثون أن في القرآن - بالإضافة إلى وجوه الإعجاز عند القدماء - إعجازاً آخر في مجال الكشوف العلمية، وفي مجال التشريع، وفي مجال العلوم الإنسانية كالفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس. . إلخ.

стр. 5

ومع تسليمنا بصدق ما يقوله المحدَثون فإن أمامنا حقيقة يجب أن نبرزها بكل وضوح. . وهي: إن القرآن صالح لأنواع عدة من الإعجاز كالإعجاز العلمي الكونى، والإعجاز التشريعي. ولكن الإعجاز الذي وقع به التحدى في عصر الرسالة، لم يكن إعجازاً علمياً وتشريعياً، أو تاريخياً أو غيبياً، بل كان محصوراً فى جهة واحدة هي الإعجاز البياني البلاغى التمثل في أسلوب القرآن ونظمه وتراكيبه اللغوية. فالعرب الذين تحداهم الله تعالى بأن يأتوا بمثل كتابه - سورة أو سورتين أو عشر - لم يكونوا مشرِّعين ولا أطباء ولا كيماويين، ولا مؤرخين، بل كانوا مضرب المثل في الفصاحة والبلاغة وإحكام البيان، لذلك تحداهم الله من جهة هم فيها ضالعون. وهذا أظهر للعجز، وأمكن لقيام الحُجة عليهم حيث زعموا أن القرآن كلام بَشر. فما الذي يمنعهم وهم بَشر من أن يأتوا بمثله؟ مع شدة حاجتهم للإتيان بمثله؟ هذا هو الإعجاز الذي وقع به التحدى وترتب عليه العجز من جهتهم وصدق الرسالة من جهة صاحب الدعوة ﷺ . وإذا تقرر هذا فإن موضوع هذا البحث يدور حول تجلية كثير من خصائص النظم القرآني، وسمات بلاغته المعجزة التي أعجزت الجن والإنس. وقد سلكنا في ذلك مسلكاً حمدنا الله تعالى عليه. وسيلم القارئ عند مطالعته للمقدمة التالية بأصول المنهج، وسيقف على كثير من التفاصيل والشروح عند مطالعته أبواب وفصول هذا الكتاب، وإنى لعلى الرحب والسعة أن أتلقى ملاحظات أهل العلم، وأعدهم بأنى سأعمل بها إن قُدِّرَ لهذا الكتاب أن يُطبع مرة ثانية وأنا على قيد الحياة. والحمد للهِ في الأولى والآخرة. البلد الطيب الأمين: مكة المكرمة. حى العزيزية. . عصر السبت ١٢ من شهر ربيع الثاني ١٤١٢ هـ الموافق (١٩ من أكتوبر ١٩٩١ م) . عبد العظيم بن إبراهيم المطعني * * *

стр. 6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القرآن الكريم هو معجزة الخلود، بل هو المعجزة الفريدة التي لم يُعرف لها مثيل، وهو معجزة خالدة فريدة لأنه لم يتقيد بما قُيدت به غيره من المعجزات، من ظهورها في لحظة معينة تتاح خلالها مشاهدتها لمعاصريها فتؤدى وظيفتها فيهم بما تحمل من الخوارق وتعيها - بعد - الذاكرة، ويظل سلطانها قوياً على النفوس ما دام مَن شاهدوها أحياء صالحين لتحملها وروايتها لن لم يحظ بتلك المشاهدة من الأجيال. أمناء في نقلها وصدق الإحساس بعظمة مدلولها: صدقاً يبدو من جدية الحديث، أو استقامة السلوك، أو رهبة الوقف وجلال الأثر. فإذا لبثت المعجزة عمراً ذهب خلاله مَن كان حياً من مشاهديها. وأغمض الموت أعيناً كانت قد شاهدتها. وفَنِىَ مَنْ فَنِىَ ممن سمعوها عنهم مشافهة فإنها حينئذ تصبح واقعة من وقائع التاريخ، لا ينكَرها مَن آمن بمصدرها لأنه يثبت له قدرة ليست ذات حدود. أما لدد الخصوم، فإن لهم جرأة حمقاء تحملهم على إنكارها ونفيها، ما دامت لم تقع تحت حاسة يمكن عن طريقها إدراكها وفحصها. فقد فلق موسى ﵇ البحر بعصاه - هذا حق - وقد أحيا عيسى ﵇ الميت بإذن ربه - وهذا حق كذلك - ولكن كم من المعاندين رفضوا كل ذلك، وغير ذلك مما تقدم عليه في الرسالات السابقة. وهم لا يعدمون شُبهة يتمسكون بها، لأنهم لو ذهبوا إلى البحر الذي فلقه موسى ﵇ لوجدوه

стр. 7

ملتئماً. ولأن مَن أحياه عيسى ﵇ بإذن ربه، قد مات مرة أخرى. وحتى معجزات الإسلام غير القرآن - كالإسراء والمعراج - لهم في رفضها شُبَه وأحاييل. * * * أما القرآن الكريم فإنه معجزة خالدة لأنها مستمرة لا تنقطع، مشرقة لا تغرب وإن غربت الشمس، لامعة لا تأفل وإن أفلت النجوم. باقية لا تذهب وإن ذهب الكون. ليس من سبيل لإنكارها: لأنها مرئية بالبصر، ومسموعة بالأذن، وملموسة باليد. وتلك روافد هذه المعجزة إلى الإحساس المفضي بالتسليم والإذعان، المؤدي إلى التصديق والإيمان، المقنع للعقول والممتع للعواطف. ومن هنا كان اهتمام العلماء والدارسين في كل عصر ومصر بالقرآن الكريم، حفظاً ودراسة، وبحثاً واستنتاجاً. فللفقهاء والأصوليين والشرعين فيه أهداف، ولهم إليها طريقة ومنهج، وللفلاسفة والمتكلمين فيه أهداف، ولهم إليها طريقة ومنهج، وللغويين فيه أهداف، ولهم إليها - كذلك - شِرعة ووسيلة. وللبيانيين فيه أهداف، ولهم إليها طريقة ومنهج، ولغير هؤلاء من طلاب العلم والدرس أهداف ومناهج. وعلى كثرة ما كتبه الكاتبون حول القرآن، ويخصنا هنا الجانب البياني، فإن القرآن ما زال - وسيظل - جديداً فيه لكل دارس مجال، ولكل باحث مقال. ولما كان القرآن هو معجزة الإسلام. وإعجازه - في المختار - راجع إلى بيانه وأدبه، وبلاغته وفصاحته، وأسلوبه ونظمه. فإن الحاجة في هذا العصر الذى يتسم بالتنكر لحقائق الإيمان، والتمرد على سلطان الدين - تصبح ماسة إلى ما يساعد على جلاء تلك المعجزة، وتقريبها إلى الأفهام. ومن هنا كان اختياري لهذا الموضوع " خصائص التعبير في القرآن الكريم وسماته البلاغية ". على أن يكون خطوة على الطريق. وتجرية قابلة للتوجيه والتقويم. وبدهي أننى لم أبدأ من فراغ، ولذلك فإننى استفدتُ

стр. 8

كثيراً من كتابات السابقين قدماء ومحدَثين. كما أننى أفرغت ما أملك من جهد، واستنفدت ما أجد من طاقة في التأمل والنظر في ما درستُ من نصوص قرآنية لم أجد لسابق فيها توجيهاً، أو وجدتُ ولكن لم يبلغ مرحلة الإقناع. وإن كان هناك فَرق بين هذا البحث المتواضع، وبين ما سبقه من بحوث. فإنه يهتم بالناحية الموضوعية غالباً. ولم يكتف بمجر التمثيل على فن بلاغى، أو ملحظ بياني كما صنع جُلة الكاتبين إلا ندرة منهم، ويهتم هذا البحث كذلك بتتبع الظاهرة البيانية في القرآن مع سوق الدليل عليها، ولم يكتف بمجرد التعميم والوصف دون لفت النظر إلى الحقيقة المدروسة وتحديدها وإقامة الدليل عليها. وكثير من الكاتبين يهملون هذا الجانب كالقاضي أبى بكر الباقلاني من القدماء في كتابه " إعجاز القرآن "، وكمصطفى صادق الرافعي من المحدَثين فى كتابه " إعجاز القرآن والبلاغة النبوية ". ومن أبرز ما يهتم به هذا البحث الاعتماد على القرآن نفسه في استنتاج ما أمكن استنتاجه. بالنظر في طرق الصياغة، وبالرجوع إلى أسباب النزول، وبالوقوف على السابق واللاحق نزولاً، وبالتفريق بين ما هو مكى وما هو مدنى، وبقرائن الأحوال ومقتضيات المقامات، ثم بالرجوع إلى الدلالات اللغوية لألفاظه من حيث اللغة في نفسها، ومن حيث وجودها في سياق معيَّن. وسيرى القارئ أن هذا الطابع هو الغالب على وسيلة الدرس في هذا البحث في كثير من موضوعاته. * * ولعلك تسأل الآن عن الخُطة التي اتبعت في هذا العمل. وأنا أستأذنك لأختلس من وقتك قليلاً في بيان تلك الخُطة، وهي في إيجاز جاءت على الصورة الآتية: الباب الأول: مدخل إلى البحث. وتحته فصلان. الأول: وظيفة التعبير اللغوي وتطورها. وقد درستُ فيه كثيراً من المسائل كتعريف التعبير اللغوي

стр. 9

والحاجة الداعية إليه، وأنواعه وخصائصه ومراحل تكوينه وعناصره وفائدته. وانتهيتُ من هذا كله إلى أن اللغة لم تقف عند الجانب النقلى للأفكار من متكلم إلى سامع. بل لها وظيفة جمالية إمتاعية غير وظيفتها العملية النفعية. تبرز أولاهما في لغة الآداب والفنون الرفيعة وتكون اللغة - حينئذ - في أسمى مظاهرها. وقد تأتى وظيفة اللغة في غير هاتين فلا يُراد بها النقل ولا الإمتاع. كما في عبارات الترويح عن النفس، وعبارات التحية والتأسف، وكما فى " المنولوج ". وكان هدفى من هذا الفصل معرفة ما به تسمو وظيفة اللغة. ومنها الوجوه البلاغية التي هي محور الدراسة في هذا البحث. لذلك جاء الفصل الثاني من المدخل: الوجوه البلاغية وقيمتها في جمال التعبير. وأوجزتُ فيه القول عن البلاغة الفنية في عصورها الأولى - الجاهلى والإسلامى والأموى والعباسي - وأبنتُ كيف نشأت توأماً مع النقد توجهه وتعضده. وبينت دور النقد في تكوين الملاحظات البلاغية حتى انفصلا فى كتاب " البديع " لابن المعتز، وأبنتُ قيمة هذا الكتاب. كما تعرضتُ لجهود بعض البلاغيين من بعده كقدامة بن جعفر وأبى هلال العسكرى وابن طباطبا؛ لأضرب مثلاً بأصالة البلاغة في النقد والتوجيه. كما ذكرتُ دور البلاغة العربية فى قضايا النقد الكبرى ومنها الصراع بين القديم والجديد، والطبع والصنعة. ومنها نقد الموازنات بين نصَّين اتحدا موضوعاً واختلفا شكلاً. ومنها قضية الإعجاز التي شغلت العلماء على مختلف مناهجهم ومشاربهم. كما كان لها دور كبير في قضية اللفظ والمعنى.

стр. 10

كما أوضحتُ دور البلاغة في التشريع للعمل الأدبى لفظاً ومعنى. وكان هدفى من ذلك أن بلاغتنا العربية ذات شأن عظيم في توجيه الأدب ونقده، وأن مراعاتها تسمو بالأسلوب حتى لا تكون هناك درجة يمكن أن يقصر دونها، فلا وجه إذن للطعن فيها والنقليل من شأنها، ثم تتويج ذلك كله بإشارة القرآن الكريم إلى فضل القول البليغ، ممثلة في إحدى آيه الكريمة. كان ذلك هو دور المدخل. . أما موضوع البحث فقد جاء في أربعة أبواب وثلاثة عشر فصلاً. الباب الأول - هو الباب الثاني من جملة البحث - ترجمت له بـ: " خصائص التعبير في القرآن الكريم ". وتحته أربعة فصول: الفصل الأول: في الإعجاز التشريعي والعلمي. ورددتُ في مطلع هذا الفصل على شُبهة الصرفة. . بينتُ المراد منها وفندتها تفنيداً لا يُبقى لها على أثر. كما تعرضتُ لقضية المعارضات، ولم أنسق مع القائلين بنفيها أساساً، وخلصتُ من ذلك إلى أن التسليم بوجود المعارضات يخدم قضية الإعجاز. أما الإعجاز التشريعي والعلمي. . فلم أذكرهما على أنهما من الإعجاز المقصود بالتحدى، فهما وإن كان فيهما إعجاز فليسا بمرادين للهِ حين تحدى العرب بالقرآن. واتخذت من ذلك وسيلة للحديث عن الإعجاز البياني الأدبي. وكان ذلك هو موضوع الفصل الثاني. وقد عرضتُ فيه آراء مَن وضعوا فى الإعجاز مؤلفات قديماً وحديثاً، مناقشاً لكل رأى موافقاً ومخالفاً. فمن الأقدمين عرضتُ آراء الواسطى والخطابى والرماني والباقلاني وعبد القاهر الجرجانى. . . ومن المحدَثين عرضتُ آراء الرافعي ودراز والزرقانى وعبد الكريم الخطيب وأبى زهرة وبنت الشاطئ. ثم اتبعتُ ذلك بآراء منثورة في الإعجاز للقدماء والمحدَثين وخلصتُ في النهاية إلى أن الإعجاز المقصود للهِ - سبحانه - إنما هو الإعجاز البياني الأدبي بما تحمل هاتان الكلمتان من بيان وأدب. وفي كل ذلك لم أترك رأياً إلا ناقشته نقاشاً موضوعيأ هادفاً ذاكراً لكل ذى فضل فضله.

стр. 11

والفصل الثالث سميته " خصائص يغلب عليها جانب الألفاظ ". ودرستُ فيه خمس خصائص: فواتح السور - الفواصل - اللفظ القرآني - النغم الصوتى - التكرار. ففى مجال الفواتح كانت الخلاصة أن ذلك إشارة واضحة للإعجاز البياني الأدبي. وفي مجال الفواصل هُديتُ للفروق بين فواصل الآي الطويلة وفواصل الآي القصيرة، ولم أر أحداً تنبه إلى هذه الفروق، وفى مجال اللفظ فإن ظاهرة الترادف تكاد تكون معدومة في لغة القرآن فلكل لفظ موضع ودلالة. والقرآن يدعو إلى اختيار الألفاظ في آيتين من آياته ذكرناهما مع التوجيه. وفي مجال النغم الصوتى فإن القرآن يمتاز بخاصة صوتية فريدة كفلتها حروفه، وحركاته وسكناته، وجمله وأسلوبه - سواء المرسل منه والمسجوع - ومع هذا فإن القرآن ليس فيه موضع واحد يُصار فيه إلى حلية اللفظ أو الصوت دون أن يكون هناك معنى اقتضى هذا العمل. فهما متعانقان. لذلك ترى طائفة من الآيات مقسمة إلى مجموعات، كل مجموعة تنتهى بفاصلة متحدة، ثم تأتى آية فاصلتها مختلفة عما قبلها وعما بعدها مع اتحاد فواصل ما بعدها وذلك كالآيات: (قُتلَ الإنسَانُ مَا أكْفَرَهُ) إلى آخر سورة عبس. فإن آية: (فَليَنظرِ الإَنسَانُ إلى طعَامه) تفصل ما قبلها عما بعدها وفاصلتها في نفسها مختلفة عن جاراته. وذلك لأنها رأس موضوع جديد مؤذنة به مشروحاً فيما تلاها. أما من حيث التكرار فقد أثبتُ بالدليل أن ما جاء في القرآن مكرراً إنما هو صنع حكيم. وسردتُ أمثلة موجهة من تكرار الأداة، أو الكلمة، كما تعرضتُ للتكرار في القصة واخترتُ نموذجاً لذلك قصة آدم ﵇. ذكرتُ كل نصوصها في القرآن، ودرستها دراسة مقارنة أحسبها فريدة فيما يبدو. وبينت عناصر القصة في كل نص. ثم جمعتُ العناصر المشتركة في كل النصوص وتحدثتُ عنها. ثم العناصر المشتركة في مجموعة دون أخرى

стр. 12

وتحدثتُ عنها كذلك. ثم الملامح الخاصة بكل نص. وكانت النتيجة أن سياق كل نص قد اقتضاه، وأنه ما من نص منها إلا اشتمل على جديد لم يرد فى غيره ولو كان هذا النص آية واحدة كما في آية الكهف وبذلك بان للباحث نفى الفضول عما ورد في القرآن مكرراً. بل هو سر من أسرار إعجازه. والفصل الرابع. ترجمت له بـ " خصائص يغلب عليها جانب المعاني ". ودرستُ فيه كذلك خمس خصائص: ثراء معاني القرآن - دقة النظم - اختلاف الأغراض - الإقناع والإمتاع - التصوير والتشخيص. ففى مجال ثراء المعاني أوضحتُ أن القرآن قد يستعمل اللفظ الواحد في ما يقرب من عشرين معنى كلفظي: " الهدى " و " السوء "، وقد يوضع اللفظ الواحد ويراد به معان متعددة دون تعدد اللفظ ككلمة " حساب " في قوله تعالى: (يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) ، وأوضحت أن تلك المعاني المرادة لا تتنافى مع طبيعة اللغة ولا مع مقاصد الشرع، فهى إذن فضيلة بيانية مطلوبة. كما بينتُ دور القراءات وجمل القرآن في ثراء معانيه وتعدد جهات فهمه، وفي مجال دقة النظم ذكرتُ بعض ما قاله العلماء قدماء ومعاصرين، وخطوتُ بمثال عندهم خطوة أخرى إلى الأمام. وهو آية المحرمات من النساء وهى آية لا مجال في مثلها للإبداع المجازى وغيره، ومع هذا فقد اشتملت على أسرار آسرة، كما حللت سورة الغاشية تحليلاً شاملاً بيَّنتُ فيه جهات الترابط الوثيق بين معاني تلك السورة. كما قمتُ بعمل جديد هو البحث عن العلاقة بين سورة وبين جارتيها في المصحف وبين جارتيها في النزول، تلك السورة هى " الكوثر "، وقد أسفرت التجربة عن وجود روابط قوية بين السورة وما تقدم عليها وما تأخر عنها في المصحف،: ما تقدم وما تأخر عنها في النزول، وبذلك تبدو وحدة النسج بين سور القرآن وكلماته على أي وجه طُلِبت تلك الوحدة.

стр. 13

وفى مجال اختلاف الأغراض فإن القرآن يمزج المقاصد مزجاً قوياً مؤلفاً بينها برباط آسر، ولم يقتضب في موضع فيه القول اقتضاباً، ولا حُجة لمن قال بهذا كالعز بن عبد السلام، والغانمي. وقد أثبتُ في ما ذكرتُ من نصوص قوة الربط بين جمل وفقرات القرآن كما وضح في الخاصة السابقة. كما ذكرتُ العِلَّة فى هذا الصنع الحكيم من تيسير القرآن للعظة والانتفاع. والهداية والتوجيه. وفى مجال الإقناع والإمتاع فإن القرآن يخاطب العقل ويمتع العاطفة في أسلوب واحد ومقام واحد، جامعاً بين مقصدين يعزان على طالبهما، ولو كان ذلك في تقرير حقيقة كونية، أو بيان حكم شرعى. فليس هناك موضع فيه مطلوب من ورائه موقف تأثيرى عند السامعين - أمراً أو نهياً - إلا تجد القرآن يخاطب به كل حاسة مدركة من حواس الإنسان: العقل والعاطفة، والنفس والوجدان. وقد بينتُ هذه الطريقة في كثير من المقاصد القرآنية كالتشريع والجدل. . وخاصة في قضيتي التوحيد والبعث. أما التصوير والتشخيص فإن القرآن فيها يمنح الجمادات حياة والمعدوم وجوداً: فالليل يعسعس، والصبح يتنفس، والدعاء له طول وعرض. . إلى آخر هذه الصورة الخلابة. وتلك سمة بارزة في أسلوب القرآن وظيفتها التوضيح والبيان، كما لا تخلو من الإمتاع والإقناع، إذ الفصل بين هذه السمات أو الخصائص إنما هو نسبى، وحقيقة التعبير القرآن أنه مَجْمَع أشعة يأتيك من كل ناحية أبصرته منها شعاع وضياء. والباب الثالث. . وقفته على دراسة بعض فروع علم المعاني في القرآن الكريم، وتحته ثلاثة فصول. الأول: من أسرار الحذف، وتتبعتُ فيه مظاهر الحذف المختلفة من حذف الحرف، إلى حذف الكلمة سواء أكانت مبتدأ أو خبراً، أو مفعولاً أو فاعلاً، أو موصوفاً أو صفة، أو حالاً أو تمييزاً: ذكرتُ ضابطاً جديداً لحذف الحرف في القرآن كأن يُحذف ويبقى أثره. أو يُعتبر الحرف محذوفاً لوروده في موضع مماثل مذكوراً، وأثبتُ سر ذلك كله. كما تحدثتُ عن حذف الجملة وحذف الفقرات، وأثبتُ بالدليل أن الحذف فيه يؤدى إلى فخامة العبارة

стр. 14

ولا يؤدى إلى الغموض. وأنه أبلغ من الذكر في موضعه، ولم يُصَر إليه لهدف بلاغى أصيل. كما أثبتُ أن الحذف في الفقرات يحكمه إما ترتيب زمني بين المذكور والمحذوف وإما ترابط طبيعى بينهما. فهو إذن بلاغة آسرة، وليس تعسفاً وجرأة معيبة، وفضلاً عن بيان أسرار الحذف تحدثتُ عن منهج البلاغيين فيه، وبيَّنتُ اهتمامهم ببعض المواضع دون بعض، كما تحدثتُ عن طريقة ابن الأثير. ورددتُ - بالدليل - أن يكون مجرد الاختصار أو رعاية الفاصلة وحدهما سبباً في حذف ما يُحذف، وخرَّجت مواضع أرجعوا الحذف فيها إليهما على غير الوجه الذي ذكروه، مما ظننته أولى من صنعهم. كحذف المفعول فى قوله تعالى: (أهَذَا الذي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً) ، وكحذفه أيضاً فى قوله تعالى: (أرِني أنَظرْ إليْكَ) . كما ذكرتُ قانون الحذف الذي نصَّ عليه السيوطي في كتاب له نُشر لأول مرة، وناقشتُ هذا القانون وذكرتُ في النهاية أن الحذف في القرآن يخضع لسمتين بارزتين. . أولاهما: دليل قوى يدل على المحذوف. بل ويعينه - أحياناً - وثانيتهما: داع بلاغى اقتضى ذلك الحذف. وبهذا كان الحذف فى القرآن في جميع مظاهره ومواضعه - بلاغة - فَخُمَ معه المعنى وحَسُنَ اللفظ. وكم من الإبهام والغموض نتج عن الحذف خارج دائرة القرآن. وضريتُ لذلك أمثلة مع شهادة النقاد أنفسهم. والفصل الثاني. . درستُ فيه التقديم في القرآن من خلال أربعة مناهج: منهج البلاغيين، ومنهج شمس الدين بن الصائغ الحنفى، ومنهج ابن الأثير. ثم منهج المفسرين ممثلاً في كشاف الزمخشري وتفسير أبى السعود. وناقشتُ كل منهج على حدة مبيناً محاسن كل، ومشيراً إلى القصور إن وجدا وعقدت مقارنة بين

стр. 15

منهجي البلاغيين وابن الصائغ ذاكراً الفروق بينهما، مسجلاً لكل ذى فضل فضله، وبيَّنتُ نواحى القصور في كل منهما. وكذلك بيَّنتُ غلو ابن الأثير - أحياناً - في تفسيره لأسرار التقديم على غير المقبول مع أن النصوص التى ذكرها لا اختلاف بينها يؤذن باختلاف توجيهها بلاغياً. أما الفصل الثالث. . فقد درستُ فيه نوعاً جديداً من التقديم أطلقتُ عليه: التقديم غير الاصطلاحى، أو: اختلاف النظم في العبارات ذات المدلول الواحد. وقد عرَّفته وذكرتُ الفَرق بينه وبين التقديم الاصطلاحى. الذي عنى به البلاغيون عناية فائقة. كما نبهتُ في مطلع هذا الفصل على نوع ثالث من التقديم اهتم به المفسرون وابن الصائغ. والتقديم غير الاصطلاحى سمة خاصة بأسلوب القرآن، وقد جمعتُ من أمثلته عشرين نصاً اختلفت الصياغة في كل نصين متقابلين منها أو أكثر، واتحد أصل المعنى. مثل: (قُلْ إن هُدَى الله هُوَ الهُدَى) مع قوله تعالى: (قُلْ إن الهُدَى هُدَى الله) .، حيث قدم " هُدَى الله " في الأولى واختلف الوضع في الآية الثانيةَ فقدم " الهدى " على " هُدَى الله ". هذا النوع من التقديم لم يهتم به أحد، لا البلاغيون، ولا المفسرون. اللهم إلا ندرة يسيرة من التوجيهات، يغلب عليها طابع التعميم قال بها جماعة من العلماء والمفسِّرين، وهي لا تُفسِّر الظاهرة ولا تقنع الباحث. وقد أفرغتُ جهدي فى هذا الفصل مستعيناً بإطالة النظر والتأمل. معتمداً على أسباب النزول والسابق واللاحق وأحوال البيئتين المكية والمدنية. وقد انتهيتُ من هذا كله إلى نتائج أطمع أن أُوافَق عليها. وحسبى أنها تجرية، خاضعة للتوجيه والأخذ والرد. على أني بعد الفراغ من توجيه تلك المواضع العشرين عثرتُ على كتاب للخطيب الإسكافى عرَّفت به في موضعه. وفي هذا الكتاب حديث عن بعض

стр. 16

تلك النصوص المتقابلة، وعند الوقوف على آرائه فيها لم أغير مما كنتُ قد هداني النظر إليه، واكتفيتُ بذكر رأيه في نهاية حديثى عن كل موضوع وجدت له فيه تعليلاً، كما نبهتُ إلى إغفاله بعض الموضوعات التي درستها. وهذا الفصل أحسبه من الجديد الذي جاء به هذا البحث. أما الباب الرابع. . فقد جعلته: سحر البيان في القرآن الكريم. وجاء فى ثلاثة فصول. . الفصل الأول: درستُ فيه التشبيه والتمثيل دراسة تقرب من الاستقصاء وقسَّمتُ فيه التشبيه والتمثيل إلى مجموعات: المجموعة الأولى: في شأن الكافرين وتحتها أربعة فروع: ضلال المعتقد - ضعف المعتقد - بطلان الأعمال - سوء المصير. والمجموعة الثانية: في شأن المؤمنين. وتحت هذه المجموعة غرضان رئيسيان تحت كل منهما صور مختلفة وهما: الترغيب: سواء أكان في عقيدة، أو سلوك، أو حسن مصير. والثاني - الترهيب: سواء أكان من عقيدة، أو سلوك، أو سوء مصير. والمجموعة الثالثة: في مظاهر القُدرة الإلهية. والرابعة: باقة من الزهور. درستُ فيها نصوصاً كثيرة وفي كل هذه لم آل جهداً في بيان قيمة التشبيه والتمثيل في القرآن، والصور الأدبية التي تشع منها متحدثاً عن خصائص كل مجموعة منها يجمعها غرض واحد، مبيناً دور التشبيه والتمثيل القرآني بيانياً ودينياً. وقد أتبعتُ هذا كله بحصر لما رأيته من خصائص التشبيه والتمثيل القرآني ونبَّهتُ في أثناء الدراسة إلى بعض الأخطاء التي وقع فيها بعض المعاصرين داعماً ما ذهبتُ إليه بالدليل. على أن من أهم مباحث هذا الفصل، وهو مما أطمع أن يكون جديداً كذلك هو نوع من التشبيه لا وجود له خارج القرآن، وقد سميته: التشبيه السلبي،

стр. 17

وذكرتُ نصوصه وعرَّفته وبيَّنتُ لماذا كان هذا النوع من أخص خصائص القرآن. ووجَّهتُ ذلك توجيهاً مستمداً من طبيعة الظاهرة نفسها. وفصل التشبيه بعامة أرجو أن أكون وُفًقتُ في دراسته على نفس الصورة التي ورد عليها، والتي أظن أنها يمكن أن تأخذ بعض ملامح الجديد. والفصلان الثاني والثالث. . درستُ فيهما المجاز القرآني في صوره المختلفة مع التركيز على الاستعارة - وإنما جعلتهما فصلين؛ لأن الثاني درستُ فيه المجاز من خلال نص " مختار " من سورة البقرة، والثالث درستُ فيه المجاز من خلال نص " مختار " من سورة الأعراف. ومنهج البحث في الفصلين واحد حيث درستُ الكلمة المستعملة مجازاً فيهما في كل صورها في القرآن، وبعد جمع تلك الصور قمت بالنظر فيها لأوجه مجازها ثم أتبع كل مادة درستها بما لاحظته على استعمالها في القرآن. وقد درستُ في هذين النصين مواد متعددة على سبيل الاستقراء التام لمواضعها في القرآن - فيما عدا مادتين اكتفيتُ ببعض أمثلتهما لورودهما كثيراً كثرة يصعب معها ذكر كل نصوصهما في بحث كهذا. على أن ما ذكرته منها كاف لإيضاح منهج القرآن فيهما، وهما: " تبع "، و " أخذ ". ومن أهم النتائج التي أسفرت عنها الدراسة في هذين الفصلين أن القرآن الكريم يستخدم كل مادة على منهج معيَّن، ولاعتبارات دقيقة. ثم يلتزم هذا المنهج في جميع صور المادة، وذلك الالتزام يكون في المجاز - مثلاً - أو المدح، أو الذم، أو غير هذه جميعاً فمثلاً: مادة " ذاق ". لم ترد في القرآن إلا مجازاً استعارياً، ولم ترد - كذلك - إلا في مواضع المخالفة والمؤاخذة. مثل: (ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ) . ومادة " ختم " يستخدمها القرآن إذا كانت " فعلاً " في مواضع الذم والتهديد، وإذا كانت " اسماً " يستخدمها في مقام المدح والترغيب.

стр. 18

الأول مثل: (نَخْتمُ عَلى أفْوَاههمْ) ، والثاني مثل: (رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ) . ومادة " مرض " يستخدمها " فعلاً " استخداماً مجازياً استعارياً، وتختص حينئذ بمواضع الذم إلا في موضع واحد وردت فيه - فعلاً - محتملة للحقيقة والمجاز وذلك هو قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) . . أما إذا كانت " اسماً مفرداً " أو " مثنى " أو "مجموعاً " فإنه يستخدمها استخداماً " حقيقياً " لا مجازياً وتختص حينئذ بمواضع التشريع، وهكذا تجد كل مادة في القرآن لها قاعدة وقانون. وهذا شجعنى على أن أقترح أن نسمى هذا المنهج البياني الآسر ب " منهج الالتزام " وقد أشرقت بوادر هذه النظرية عند دراستنا لألفاظ القرآن في الباب السابق . وستطالعك في غضون البحث عنوانات ربما بدت غريبة في أول الأمر مثل: " الأب ليس والداً - النعمة ليست نعيماً - المرأة ليست زوجاً ". وسوف تزول تلك الغرابة عندما نقف على النصرص القرآنية التي نُسلِّم من تأملها بصحة تلك العنوانات وغيرها مما لم نذكره هنا. لتلك الاعتبارات - جميعاً - فإنى أطمع في اتفاقك معي على " نظرية الالتزام " فإن شرفتُ بذلك، فتلك مِنَّة من الله. وقد أثبتُ - بعد - ما بانَ لي من خصائص المجاز القرآني، وسماته التى تميزه من أساليب الناس. أما الباب الخامس. . فقد وقفته على دراسة " البديع " في القرآن، ووزعته فى ثلاثة فصول: الأول: درستُ فيه بعض المحسنات المعنوية، كالطباق والتورية. والثاني: درستُ فيه بعض المحسنات اللفظية، كالجُناس والمشاكلة. وكان هدفى من هذين

стр. 19

الفصلين التدليل على أصالة " البديع " في القرآن سواء المعنوي واللفظي منه، : قد تبين من الدراسة أن أصالة " البديع " القرآني قد أخرجته من كونه حلى للمعنى أو اللفظ تأتى بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال، إلى كونه قريباً من ذلك المقتضى إن لم يكن منه. وقد استشهدتُ في بعض المواضع بآراء مَن سبقوا من علماء البلاغة، الذين لهم فيها قدم راسخة. أما الفصل الثالث. . فقد درستُ فيه " البديع " معاني وألفاظاً من خلال ثلاثة نصوص قرآنية حلَّلتُ كل ما بدا لى من صور " البديع " فيها، وقمتُ بإحصاء شامل لمظاهر " البديع " التي وردت في تلك النصوص فبلغت - بعد حذف المكرر منها - واحداً وأربعين نوعاً، فإذا علمنا أن تلك النصوص الثلاثة لم تزد في جملتها على خمس آيات فإن مقابلة هذين الرقمين تفيد أن الآيات الخمس قد حفلت بصور " البديع " وكثر هو فيها كثرة يُحَذِّرُ النقاد منها في غير القرآن لأنهم يشترطون في تناوله شرطين أساسيين هما: ١ - جريه مع الطبع. ٢ - الإقلال منه. وإنما فعلوا زلك ليأمن الأديب الزلل. وهذان الشرطان سلم أحدهما في القرآن الكريم وهو: جريه مع الطبع وعدم التكلف. أما الثاني فلا مفهوم له فيه، ومع هذا فإن بديع القرآن بديع حقاً وَفَّى بحق اللفظ والمعنى. وذلك هو الفارق بين القرآن في بيانه المعجز، وبين غيره من الآداب الرفيعة. ثم ذكرتُ نصوصاً للشعراء تناولوا فيها " البديع " فأصابوا وأخطأوا حتى المقلون منهم. حيث لم يكن الإقلال منه عاصماً لهم من الزلل. ولذا سيظل الفرق بين أدب القرآن وبين الآداب الأخرى كالفرق بين الصوت صادراً من مصدره الأصيل، والصدى لا تلوى منه على شيء. كما بيَّنت في مطلع الباب خلط العلماء بين فنون " البديع "، وبيَّنتُ السبب فيما ظهر لى، وأوضحتُ في نهايته إسرافهم في أنواعه. والاعتدال كان أحوط. وبهذا تنتهى أبواب وفصول هذا البحث واضعاً أمامك صورة تقريبية فى وصف كل باب وفصل. وبقيت - بعد - كلمة أخيرة عن المراجع والرجاء.

стр. 20

فمن حيث المراجع. . فقد رجعتُ إلى كل ما أمكن الاطلاع عليه مما يتصل بالموضوع من كتب التفسير، واعتمدتُ منها على كشاف الزمخشري وتفسير أبى السعود، وهذا لم يمنع من الرجوع إلى غيرهما أحياناً. كما رجعتُ إلى مَن كتبوا في الإعجاز قديماً وحديثاً حتى المقالات التي صدرت أثناء كتابة هذا البحث وأثناء مثوله للطبع، كما رجعتُ إلى كتب البلاغة المختلفة، وإلى كتب اللغة وغيرها. وقد بلغت جملتها ما يقرب من مائة وخمسين مرجعاً متباينة فيما بينها في الأهمية من حيث صلتها بالموضوع. واستفدتُ - كذلك - من كتب النقد وقد وجَّهتني كثيراً. ولسهولة الوقوف عليها جملة وتفصيلاً أثبتها فى نهاية البحث مرتبة ترتيباً أبجدياً حسب أسمائها. هذا جهد متواضع أضعه أمامك لتشجعني على صواب، أو ترشدني إلى خطأ، فإن جلال كلام الله يجعل الثقات يضعون أيديهم على قلوبهم حين يتصدون لبيان شيء فيه، وأين أنا منهم؟ وما حملنى على الكتابة فيه - فوق ما قدمت - إلا حب أكنه لهذا البيان العالي، وإلا عظمة وعزة وروعة يحسها فيه كل مَن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد. وحسبى أنى مجتهد، والمجتهد لا يخلو من الأجر. أصاب أو أخطأ، وفرق ما بين الأجرين فرق ما بين الصواب والخطأ. وكفى هذا البحث أن يكون بناناً تومئ من بعيد إلى تلك العظمة في آفاقها، وإن البنان - على الإشارة - لأقدر من الباع على الإحاطة، وخير من عجز المحيط طاقة المشير. . والحمد لله في الأولى والآخرة. (رَثنَا لاَ تُزغ قلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا وهَبْ لنَا من لدُنكَ رَحْمَةً، إئكَ أنتَ الوَفابُ @١١!. جمادى الأولى سنة ١٣٩٣ هـ (يونيو سنة ١٩٧٣ م. عبد العظيم إبراهيم محمد المطعني * * *

стр. 21

الباب الأول مدخل إلى البحث * وظيفة التعبير اللغوي وتطورها. * قيمة الوجوه البلاغية في جمال التعبير اللغوي .

стр. 22

الفصل الأول وظيفة التعبير اللغوي وتطورها التعبير اللغوي أسمى أنواع التعبير، وأوضحها في الدلالة على المراد، وأيسرها على المعبرين، وهو الأصل في الإبانة والكشف، وبه تتفاوت الدلالات في القوة والضعف، والغموض والوضوح، وبه تظهر الميزة بين قول وقول، ومعنى ومعنى، وهو أقدرها على تصوير المعاني الدقيقة ونقلها إلى السامعين. . وهو الذي يميز الإنسان بأسلوبه الراقى مما سواه من كائنات لها القُدرة على أن تطلق أصواتاً. ومن هنا ساغ للمناطقة أن يعرفوا الإنسان بأنه حيوان ناطق. ويريدون بالنطق التفكير وهو لا يكون إلا بوساطة عبارات تكونه وتظهره. وقد فرق المشتغلون بالدراسات اللغوية بين التعبير عند الإنسان والتعبير عند الحيوان. بأن اللغة عند الإنسان ذات مقاطع صالحة للدخول في تراكيب تدل دلالة واضحة على معان كلية. أما لغة الحيوان فهى لغة انفعالية غرزية تتكون من أصوات طولية مصحوية بحركات تدل على معان مبهمة لا تتضح إلا بالتكرار وهي غير صالحة للدخول في تراكيب تدل على معان كلية واضحة. فالتعبير الواضح الجميل خاصة من خصائص الإنسان الراقى. ولعل الآية الكريمة: (عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) تدل على هذا المعنى.

стр. 23

وقد عرف المجتمع البَشرى - منذ بداوته - التعبير اللغوي، لأن الإفصاح عما يحول في نفسه من معان وخيالات ضرورة من ضرورات حياته الجَماعية، وللعلماء - قديماً وحديثاً - بحوث ونظريات حول " نشأة اللغة الإنسانية " والمراحل التي مرت بها حتى وصلت إلى مرحلة الكمال أو قربت منها. * * * * الآراء حول نشأة اللغة: ويمكن إيجاز تلك البحوث في أربعة اتجاهات: الاتجاه الأول: مؤداه أن الفضل في نشأة اللغة الإنسانية يرجع إلى إلهام إلهى هبط على الإنسان وعلمه النطق وأسماء الأشياء. ومن أنصار هذا الاتجاه فى العصور القديمة الفيلسوف اليونانى " هيراكليت "، وأحمد بن فارس فى كتابه " الصاحبى " وابن جنى في " الخصائص ". . وفي العصور الحديثة طائفة من المستشرقين على رأسها الأب لامى فى كتابه "فن الكلام " والفيلسوف " دبونالد " في كتابه " التشريع القديم " وليس لهؤلاء دليل قوى يمكن الاعتداد به. الاتجاه الثاني: وفحواه أن اللغة ابتدعت بالمواضعة والارتجال وقد ذهب إلى هذا الرأي الفيلسوف اليونانى القديم،، ديموكريت " و " آدم سميث " الفيلسوف الإنجليزى وآخرون، وليس لهذا الاتجاه سند عقلي أو نقلى يمكن الاعتماد عليه. وقد نُقد بأن المواضعة لا تتم إلا عن طريق عرف لغوي سابق عليها، وهذا يلزم عليه الدورَ - كما يقولون - لأن المواضعة تحتاج إلى مواضعة يتم بها الوضع.

стр. 24

الاتجاه الثالث: وترجع فيه اللغة إلى غريزة خاصة زُودَ الإنسان بها منذ القِدَم. وهذه الغريزة كانت تحمل كل فرد من بنى الإنسان على التعبير عن كل مدرَك حسي أو معنوي بكلمة خاصة، وكانت عند جميع الأفراد متحدة فى طبيعتها ووظائفها وما يصدر عنها، لذلك اتحدت المفردات أو تشابهت في طرق التعبير. ولكن تطاول العصور أثر على تلك الغريزة فتلاشت! ؟ ومن القائلين بهذا الاتجاه العلامة " ماكس مولر " المالاني. وقد بنى هؤلاء رأيهم على أدلة مستمدة من دراسة أصول الكلمات في اللغات الهندية الأوروبية. فقد تبين لهم أن مفردات تلك اللغات ترجع إلى خمسمائة أصل مشترك. وأن هذه الأصول تمثل اللغة الأم التي تشعبت عنها اللغة. فهى لذلك تمثل اللغة الإنسانية في أقدم عصورها!! ؟ وعلى طرافة هذا الاتجاه، ودعمه بالدراسات الحية، فإنه فاسد من وجوه: ١ - أنه لا يحل المشكلة حتى يضع مكانها مشكلة أخرى هي افتراض الغريزة الكلامية. ٢ - وأن ما يقرره من قبيل تفسير الشيء بنفسه. ٣ - أنه لا يعالج جوهر المشكلة، لأن الهم هو معرفة أول مظهر لاستغلال هذه القدرة والانتفاع بها في تكوين الكلام الإنسانى، والأسلوب الذي احتذاه الإنسان في وضع أصوات معينة لمسميات خاصة. والكشف عن العوامل التي وجهته إلى هذا الأسلوب. ٤ - وأكبر خطأ وقع فيه هذا الاتجاه أن الأصول المذكورة التي اعتمدوا عليها فى الاستنتاج تدل على معان كلية - كما قالوا - والمعاني الكلية تحتاج إلى درجة عقلية راقية لم يجرؤ باحث منصف على إثباتها للإنسان في عصور بداوته. . فكيف يصح جعل هذه اللغة " الهندية - الأوربية " اللغة الأم للغات الإنسانية؟

стр. 25

الاتجاه الرابع: وخلاصته أن أصل اللغة نشأ من محاكاة الإنسان لأصوات الطبيعة (التعبير الطبيعى عن الانفعالات: أصوات الحيوان، أصوات مظاهر الطبيعة التي تحدث عن الأفعال الطبيعية كالشرب والقطع والكسر) وسارت فى سبيل الرقى تبعاً لارتقاء العقل وازدهار الحضارة، وممن قال به من العلماء العرب ابن جنى في الخصائص. وقد رجح المحدَثون هذا الاتجاه لاتساقه مع طبيعة التطور ودعموه بأن لغة الطفل تتفق في مراحل تكوينها وتطورها مع ما تقرره هذه النظرية من مراحل تكوين وتطور اللغة الإنسانية في الدهور السحيقة. كما دعموه بأن ما يقرره يتفق مع ما عُرِف من خصائص اللغات في الأمم البدائية. لهذا رجح المحدَثون هذا الرأي. * * * * أنواع التعبير اللغوي: التعبير اللغوي نوعان. . الأول: تعبير لغوي طبيعى انفعالى بحت. ويشمل جميع الأصوات الفطرية - مقصودة أو غير مقصودة - التي تصحب مختلف الانفعالات السارة وَالمحزنة. كالضحك والبكاء والصراخ والأنين والتأوه. وهذا النوع يتألف - في الغالب - من أصوات مبهمة تشبه أصوات الطبيعة وأصوات العجموات. مختلطة - أحياناً - بأصوات ذات مقاطع - حروف ساكنة - كالأنين والتأوه وأصوات لين (حروف مد) كالصراخ - ومن مميزات هذا النوع اتحاده عند جميع الناس لا فَرق بين جنس وجنس، ولا بيئة وبيئة. وخلوه من الوضع.

стр. 26

والثاني: هو التعبير الوضعى الإرادى. . ويشمل جميع الألفاظ الإرادية التي يلجأ إليها الإنسان للتعبير عن المعاني التي تجول في نفسه لينقلها إلى الآخرين. . ويقصدون بهذا النوع: الأصول المركبة ذات المقاطع التي تتألف منها الكلمات وإليه تنصرف اللغة عند الإطلاق. . وهو أسمى مظاهر التعبير اللغوى. وخصائصه كالآتى: ١ - أنه مكتسب لا فطرى ٢ - أنه إرادى لا آلى. ٣ - أنه يتمثل في أصوات مركبة تتألف منها كلمات وجمل (أسلوب) لا في أصوات. ٤ - أنه يُعبر عن معان تجول في النفس لا عن انفعالات مبهمة. ٥ - أنه يختلف باختلاف الأجناس والبيئات، ويحتاج إلى وضع واضع. ٦ - أنه وسيلة سهلة ميسرة للتخاطب ونقل الأفكار ولا يتوقف الانتفاع به على وسيلة سوى السمع. * * * * تطور التعبير اللغوي: رأينا اختلاف العلماء حول نشأة اللغة الإنسانية، والبواعث التي حملت الإنسان الأول على التعبير والكيفية التي بدأ بها تعبيره. وتلك مشكلة ما زالت قابلة للبحث والدراسة، ثم هناك مشكلة أخرى متفرعة عنها، وهي: ما هى المراحل التي اجتازها التعبير اللغوي حتى أصبح لغة متكاملة اتخذها الإنسان وسيلة للتخاطب ونقل الأفكار بين أفراد المجتمع. . ويمكن حصر هذه المراحل فيما يأتى:

стр. 27

المرحلة الأولى: مرحلة الصراخ. وفي هذه المرحلة لم يكن في أصوات اللغة الإنسانية أصوات مد (لين) ولا أصوات ساكنة. بل - كانت مؤلفة من أصوات مبهمة كدوى الريح وخرير الماء، وحفيف الأوراق. المرحلة الثانية: مرحلة المد، وفي هذه المرحلة ظهرت أصوات المد في اللغة الإنسانية وتخلصت من الأصوات المبهمة. المرحلة الثالثة: وفي هذه المرحلة ظهرت الأصوات الساكنة في اللغة مثل الباء، والتاء، والثاء. . . وهكذا. ويعتمد الباحثون في تقرير هذه النظرية على ما هو مشاهدُ من لغة الطفل فى مراحل نموها المختلفة. وهذا التقسيم من حيث تطور الصوت اللغوي نفسه. أما من حيث دلالته على معناه فلهم فيه مذهبان: المذهب الأول: وعلى رأس القائلين به " ماكس مولر "، مؤداه أن الألفاظ بدأت دالة على معان كلية ثم تفرعت عنها المعاني الجزئية. ودليلهم عليه ما سبق ذكِره من الدراسة التي قاموا بها حول اللغات " الهندية - الأوروبية ". وقد سبق هناك أن هذه النظرية غير مسلمة، فكذلك ما أثبت - هنا - اعتماداً على صحتها. المذهب الثاني: مؤداه أن المعاني الجزئية سابقة على المعاني الكلية. لأنها - أي المعاني الكلية - مرحلة أرقى من تلك. لذلك فإن النفس ترتاح لهذا الرأي". . ويمكن الاعتماد فيه على تطور الدلالة في لغة الطفل. . كما أن المعاني الحسية سابقة على المعاني الذهنية. والمعاني الحقيقية سابقة على المعاني المجازية. . لأن كلاً من المعاني الكلية والذهنية والمجازية تتطلب رقياً فكرياً لم تتوافر أسبابه لدى الإنسان الأول.

стр. 28

وفريق آخر من الباحثين يقولون - اعتماداً على نظرية تُعرف بنظرلة العلامة ريبو -: إن أول ما نشأ من اللغة الصفات. ثم أسماء المعاني. ثم أسماء الذوات، ثم ظهرت الأفعال واختتمت مراحل رقيها بظهور الحروف. * * * * اللغة - إذن - - ما هي ؟ إن أشهر تعريف للغة شاع في العصور الوسطى - وما زال العلماء يرددونه حتى الآن - هو أن اللغة: أصوات يُعبِّر بها كل قوم عن أغراضهم. وفى العصور القديمة تحدث " أرسطو " عن ماهية اللغة ووظيفتها وهي عنده وظيفة عضوية في الإنسان ورموز لمعاني الأشياء. . بدأت حسيَّة ثم صارت تجريدية فهى إذن رموز لتجارب أفادها الإنسان في حياته. والمحدَثون لم يستريحوا للتعريف الذي شاع في القرون الوسطى. ورأوا فيه قصوراً في التطبيق، ففيه التعبير بالأصوات دون الألفاظ، وهو لا يمنع من اندراج الصراخ والموسيقى في مفهوم اللغة. كما أنه لا يشمل أغراض اللغة المتطورة لأنه يحصر غرضها في التعبير عن المقاصد مع أن أغراض اللغة - كما سنرى - قد تجاوزت هذا الحد بكثير. لذلك حاول المحدَثون وضع تعريف للغة يساير تطورها كما نراه الآن. ونورد فى هذا المجال تعريفين، أحدهما للمفكرين من غير علماء النفس، والثاني لعلماء النفس.

стр. 29

أما تعريف المفكرين من غير علماء النفس فهو: " اللغة ألفاظ يُعبِّر بها كل قوم عن مقاصدهم. وتتخذ أداة للفهم والتفاهم والتفكير ونشر الثقافة والمعارف الإنسانية ". وقد روعى في هذا التعريف ما تتركه اللغة من آثار في واقع الحياة وهي: ١ - التعبير عما يجول في النفس من أحاسيس وأفكار. ٢ - سهولة التفاهم بين الناس. وفهم ما يتبادلونه من آراء وأفكار. ٣ - ضبط التفكير ودقته. ٤ - نشر الثقافة بين الناس وتسجيلها ونقلها للأجيال. وأما تعريف - علماء النفس فهو: " اللغة هي الوسيلة التي يمكن بها تحليل صورة أو فكرة ذهنية إلى أجزائها أو خصائصها بعيث يمكن بها تركيب هذه الصورة مرة أخرى في أذهاننا أو أذهان غيرنا بوساطة تأليف كلمات في وضع خاص ". هذا التعريف يبين الخصائص النفسية للغة. وقد روعى فيه جانبان: ١ - حالة التعبير أو الإرسال. ٢ - حالة الاستقبال أو التلقى. * * * * عناصر اللغة: وما دامت اللغة هي ألفاظاً، فإن موضوعها يشمل العناصر الآتية:

стр. 30

١ - المفرد: واللفظ المفرد هو أول ما وُضِعَ من الكلام. وفيه تبدو اللغة في أبسط مظاهرها. لأن دلالته هي الفكرة الواحدة البسيطة سواء أكانت دلالة مستقلة أو بطريق الاشتراك مع ألفاظ أخرى مثل الترادفات. . وسواء خُص اللفظ بمعنى واحد أو كانت له معان ويظهر المراد منها بالقرائن. . ونريد ب " اللفظ المفرد " - هنا - الأسماء مطلقاً. دون الأفعال أو الحروف لأن الفعل لا يقع مفرداً وإن أمكن النطق به كذلك. لاستلزام الفعل فاعله. والحروف ليست لها دلالة مستقله. والاسم المفرد - سواء أكانت دلالته حسيَّة مثل الورق، أو معنوية مثل الحرية، فإن هذه الدلالة لا يمكن استفادتها من الاسم إلا بعد تجارب يمر بها الإنسان مع اللفظ نفسه، وهذه التجارب في الغالب تعتمد على المراحل الآتية: أولاً: كثرة المشاهدة والتكرار. ثانياً: موقف الإنسان من هذا الشيء المتكرر المشاهَد. ثالثاً: اختيار الإنسان ضابطاً لهذا الشيء وإطلاقه عليه. رابعاً: اشتهار ذلك الشيء بهذا الإطلاق وارتباطه به في الذهن وجوداً أو عدماً. هذه المراحل نظنها ضرورية لمشكلة وضع الأسماء على مسمياتها. ويمكن أن نسميها تجارب أصلية عامة كان لها دور كبير - وما زال - في وضع المفردات وهناك تجارب طارئة خاصة تكتنف دلالة المفرد. وتثير في الذهن شعوراً خاصاً مفرحاً أو مقبضاً حسب تجارب الشخص ونوعها.

стр. 31

فكان لفظ يحمل معه تجربة عامة أصلية. كانت السبب المؤثر في الوضع اللغوي، ولعل هذه التجارب هي التي حدت ببعض اللغويين إلى القول بأن بين الألفاظ ومدلولاتها تلازماً طبيعياً. وقد يحمل اللفظ معه تجربة خاصة طارئه "فكلمة " سجن " أو " حبس " تثير في النفس شعور القلق والنفور. . . وهذه تجربة أصلية عامة. وقد تثير هذه الكلمة - سجن - لشعور الابتهاج السرور إذا كان بين مَن يسمعها إنسان قد عمل في السجن، وترقى في درجات الوظائف فيه. وعاد عليه نفع كبير طيلة توليه عمله به. أو تمتع فيه بإدارة عمل حققت له نجاحا وشُهرة. وهذه تجربة طارئة خاصة لا يحس بها إلا مَن كانت له هذه الصفة. فإذا سمع هذه الكلمة آخر كان قد أمضى عقوبة في السجن وذاق في أثنائها ألوان العذاب والبؤس. فإنه يكاد يطير فزعاً لما تثيره فيه هذه الكلمة من الظلال الرهيبة، والذكريات الأليمة. . وذلك لاختلاف التجرية عند الرجلين فاختلفت آثار الكلمة فى النفس، وتباينت قيمتها الشعورية. . كل حسب تجربته الخاصة فهذه كلمة واحده، لكن معناها النفسي يختلف من فرد إلى آخر، لأنه معنى ذاتى خاص مقيَّد بتجارب الشخص نفسه. فالمعنى النفسي للفظ إحساس وشعور خاص وليد التجارب، والتجارب تختلف. فهو معنى قانوى إذا ما قيس بالمعنى الواقعى لمدلول الألفاظ. ويراد بالمعنى الواقعى: الخصائص التي استفيدت من التجارب الأصلية العامة التي مَر بنا شرحها.

стр. 32

وعلى هذا فإن الدلالة الواقعية هي الأصل المعتَبر في كل تعبير وهو المعنى الثابت للكلمة أو الدلالة القاموسية. وإلى هنا يمكننا أن نوجز وظيفة اللفظ المفرد من حيث الدلالة على معناه المستفَاد من التجارب الأصلية العامة. ونحلل هذه الوظيفة إلى المظاهر الآتية: إن لكل لفظ دلالة واقعية عامة هي الأصل. وقد تكون له دلالة طارئة خاصة ناتجة عن تجربة خاصة عاناها بعض الأفراد. والدلالة الواقعية العامة ضربان: الأول: دلالة سارة بأصل وضعها مثل: السعادة، النور، الفاكهة، الورد، العسل. الثاني: دلالة مقبضة بأصل وضعها - كذلك - مثل: الشوك، الظلام الحنظل. والمرجع في هذا كله هو التجارب. فإذا وجد إنساناً لم يكون تجربة عن كلمة، أولم يدرك تجربتيا الأصلية العامة. وجهل معناها. فإنه يكون ذا شعور متبلد لدى سماعه لها لا تثير فيه شعوراً أى شعور. ويقارن علماء النفس بين الدلالتين - الأصلية العامة والطائة الخاصة - على النحو التالي أولا: أن المعنى الواقعى العام موضوعى مشترك. يدرك مغزاه الجميع، ويمكن نقله. أما المعنى النفسي. . فذاتى خاص لا يدركه إلا الشخص نفسه موضوع التجربة، ولا يمكن نقله. ثانياً: أن المعنى الخارجى العام هو الدعامة التي يقوم عليها أساس التخاطب بين الناس ليمكن تصور المعنى على وجهة لا تختلف من فريق إلى فريق.

стр. 33

والمعنى الذاتى بمنأى عن هذه المنزلة، فهو معنى ثان قد يُثار لدى الشخص إذا توافرت عنده دواعيه. فلا يصلح أن يكون وسيلة للتفاهم. * * * * عناصر المعنى اللغوي: الدلالة بنوعيها - الواقعى والخاص - تسمى الوظيفة الإشعاعية للفظ، ويبدو الإشعاع واضحاً عندما يكون اللفظ دالاً على ذات، لأنه عند سماعه يثير فى الذهن مدلوله الخارجى بشكله وهيئته وخصائصه وهذا هو المراد بالإشعاع. إذ هو قوة الإيحاء الذهنى، ووضوح التصوير. وهذا المعنى هو ما كان شائعاً فى دلالات اللفظ في اللغة القديمة قبل مرحلة التجريد. ويعزو بعض العلماء نشوء فكرة السحر والرقيا بوسيلة الكلمات إلى تلك القوة التصورية التي كانت تشع من اللفظ فجعلهم ينظرون إليه كأنه المدلول عليه نفسه بما له من قوة تصوير. أما عناصر هذه الدلالة الإشعاعية - أو المعنى - فإن العلامة " ريتشاردز " يراها على النحو التالى: ١ - المدلول: وهو الشى المقابل للكلمة، في عالم الواقع. سواء أكان هذا المقابل ذاتاً أو معنى يحصل تصوره في ذهن السامع. ٢ - الشعور الوجدانى: ويراد به شعور المتكلم نحو الشيء الذي هو موضوع الحديث. فلكل مدلول عليه شعور وجدانى خاص هو الذي يساورنا حين نذكر الكلمة الدالة عليه. مثل: أب - وطن - غول - تفاح. . ألا تحس بتغيير فى شعورك الخاص نحو مدلول كل من الكلمات السالفة؟ وهذا الشعور الوجدانى هو الذي يرتبط بمدلول كل كلمة. فهو عنصر من عناصر المعنى الذي تحمله الكلمة في مدلولها العام. وقَلَّ أن تتجرد عنه كلمة

стр. 34

إلا إذا كانت رموزاً رياضية أو علمية لم ترتبط بشعور خاص مثل الرقم (٩٩٠) والعلامة (+) . . . وهكذا. ٣ - النغم: فكل متكلم يعطى اللفظ نغمة خاصة تناسب حاله النفسية وتدل عليها مثل أن تقول: أنا فلان - في حالة فخر، وفي حالة إجابة عن استفهام عادى. فإن النغمة في حالة الفخر تختلف عنها في حالة الاستفهام العادى. . حادة قوية في الأولى، رقيقة في الحالة الثانية. ولذلك كان النبر في الكلام ذا دلالة واضحة على اختلاف المعاني مع اتحاد العبارات. ولذلك فإن كتابة العبارة تجردها من ميزة النغم. وتمخضها لدلالة واحدة هي التي جرى عليها الوضع والعُرف اللغوي. ٤ - القصد: وهو ما يرادف الحال في البلاغة العربية. إذ هو الأمر الذى يدعو المتكلم إلى أن يقول كلاماً ما. وهذا العنصر خارج عن مدلول اللفظ الذاتى. بخلاف العناصر الثلاثة السابقة فإنها ذاتية له. * * * * الجملة اللغوية: الجملة اللغوية - سواء أكانت اسمية أو فعلية - أول مظهر مستقل من مظاهر اللغة لأن مدلولها معنى تام غالباً. وفي الجملة يظهر نوع من براعة التعبير حيث يُضَم معنى مفرد إلى آخر. واللوحة الفنية لا تحوز الإعجاب إن كانت مصنوعة من لون واحد. وإنما تحوز نصيباً منه إذا تألفت من لونين مثلاً. وإلى هذا المعنى يشير شيخ البلاغة العربية عبد القاهر الجرجانى في كتابه " دلائل الإعجاز " إذ يقول:

стр. 35

" والألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة. ولا من حيث هي كلم مفردة، ولكن الألفاظ تثبت لها الفضيلة وخلافها في ملاءمة معنى اللفظة لعنى التي تليها، أو ما أشبه ذلك مما لا تعلق له بصريح اللفظ، ومما يشهد لذلك أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع، ثم تراها بعينها تثقل عليك فى موضع آخر ". وتقوم فلسفة الجملة اللغوية على قاعدة مؤداها أن تكشف العلاقة بين مفردين حقيقة أو تقديراً. حقيقة في الاسمية وتقديراً في الفعلية. وهذا هو أبسط تصور للجملة. فإذا تجاور مفردان على جهة من جهات الارتباط المعتبرة فى تكوين الجملة. صار ذلك المفردان " جملة " أو ألفاظاً مركبة تؤدى معنى من أجله صيغ التركيب. وأنواع الكلمات المكونة للجملة اسم أو فعل. لأن الاسم والفعل لهما دلالة مستقلة كل واحد على حدة. ولا يدخل الحرف في تكوينها الأساسى لعدم دلالته على معنى مستقل يمكن جعله ركناً في جملة التركيب. وقد تنوعت الجملة فى اللغة العربية إلى هذين النوعين: جملة اسمية: وهي ما كان المسند إليه فيها اسماً مقدماً على المسند حقيقة أو تقديراً، سواء أكان المسند اسماً كذلك أو جملة أو شبه جملة. وهي تدل على ثبوت المعنى المؤدية له. وجملة فعلية: وهي ما كان المسنَد إليه فيها اسماً مؤخراً على المسنَد " الفعل " ضرورة. . وتدل على تجدد المعنى المؤدية له وعلى حدوثه. وقد تقترن كلتا الجملتين بعناصر ثانوية - بعد ركنى الإسناد - تزيد المعنى وضوحاً. . وترتيب تلك العناصر في الذكر راجع إلى قانون تنظيمى " نحوي "، أو إلى اعتبار معنوي " بلاغى ". . ولاَ يجرى العمل فيها دونما توجيه. والمنهج الذي تقوم عليه الجملة في اللغة العربية يختلف باختلاف نوع الجملة نفسها. فإن كانت فعلية كان تكوينها على النحو الآتى:

стр. 36

الفعل + الفاعل أو ما قام مقامه + متعلقات الفعل مثل المفعول به. وقد يُذكر بعد الفعل مباشرة غير الفاعل وغير المفعول به كالظرف إذا اقتضى ذلك مقتض. وإذا كانت اسمية جاء تكوينها على الوجه الآتى: - المسند إليه مع توابعه + المسند + متعلقات الإسناد. والسير على هذا المنهج العادى ليس بلازم، لأن تكوين الجملة في اللغة العربية تراعى فيه أسس تعبيرية تقوم على اعتبارات بلاغية على هداها تكون الجملة في وضع جديد. وهذا السلوك نراه في الأنماط الأدبية الرفيعة، كالقرآن الكريم، والآثار النبوية، والحِكَم والأمثال، ونراه في الأشعار الرائعة والنثر الفنى الأصيل. فمن القرآن الكريم نذكر: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ) ، و (لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ) . . ففى الآيتين تقديم المسند " الخبر " - وهو الظرف في الآية اَلأولى، والجار والمجرور في الآية الثانية - على المسند إليه فيها وهو: " مَفَاتِحُ الْغَيْبِ " في الأولى. . . و " دار السلام " فى الثانية. ومثلها قوله تعالى: (أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا) ، وقوله: (بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ، وقوله: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦) . والحال كذلك في تقديم بعض المتعلقات كقوله تعالى: (وَجَاءَ مِنْ أقْصَا المدينَة رَجُلٌ يَسْعَى) : ف " رجل ": فاعل قُدمَ عليه متعلق الفعل: " مَنَ أقصا المدينة " فاصلاً بينه وبين الفعل، والمنهج العادى يأبى مثل هذا لكن الاعتبار البلاغى يوجبه.

стр. 37

ومن الأدب النبوى قوله ﵊: " إخوانكم خَوَلكم " والتقدير: خَوَلكم إخوانكم. وقد قال الشُراح إن المراد بهذا الحديث تشبيه " الخول " بالإخوان في حسن المعاملة إليهم. وحفظ الود لهم. فهو من التشبيه البليغ المؤكد. فقدم المسند على المسند إليه اعتناءً بشأن المقدم. واهتماماً به. وفي الأدب النبوى كثير من اللفتات البلاغية من هذا النوع وغيره يطول بنا التطواف لو أرخينا العنان. . فلنكتف بما قَل ودَلَّ. ومن الشعر الرائع. . قال الشاعر: أأتركُ إنْ قَلتْ دَرَاهِمُ خَالِدٍ. . . زِيَارَتَهُ إنَى إذَنْ للئِيمُ وقال ابن المعتز: وإنَى على إشْفاقِ عَيْنِى من العِدَى. . . لتَجْمَحُ مِنَى نَظرَةٌ ثم أطرِقُ وقال أيضا: وظلتْ تُدِيرُ الراحَ أيْدى جَآزِرٍ. . . عِتَاقِ دَنَانِيرِ الوُجُوهِ مِلاَحِ هذه ثلاثة أبيات من الشعر لم تجر على النسق العادى. ففى الأول فصل بين الفعل ومعموله بجملة الشرط، والأصل اتصال العامل بالمعمول. كما فصل فى الشطر الثاني من نفس البيت بين اسم " إن " - الضمير - وخبرها بأجنبى هو " إذن ". كما فصل ابن المعتز في البيت الثاني بين اسم: " ظل " وبينها بالخبر: "تدير الراح " وفيه تقديم الخبر على المبتداً أيضاً، ففيه فصل وتقديم كما ترى.

стр. 38

وفى البيت الثاني فصل بين اسم " إن " وخبرها بأجنبى هو " على إشفاق عينى من العدى " كما فصل بين الفعل: " لتجمح " وفاعله: " نظرة " بالجار والمجرور: " منى ". . وغير ذلك كثير. والطريقة التي يعتمد عليها المنهج العادى لتكوين الجملة الاسمية - إذا خلا المقام من دواعى التقديم والتأخير - أنه يفرق بين الأعرف والأقل أعرفية من ركنى الإسناد الخبرى. فالأعرف هو المسند إليه، وتقديمه هو الأصل. والأقل أعرفيه هو المسند. وذلك لأن المسند إليه هو موضوع الحديث ومحط الحكم، والحكم على المجهول لا يفيد. فإذا تساويا في التعريف فهما سيان في صحة وقوع كل منهما مسنداً إليه أو مسنداً. والفصل في ذلك هو الاعتبار الذى يجعله المتكلم نصب عينيه - مراعياً في ذلك حال المخاطب. إن طريقة التعبير في اللغة لا تخضع لقوالب جافة. وإنما هي مرنة طوع يد العبر تصور أحاسيسه ومعانيه. على أي وجه أراد حسبما يقتضيه الحال. * * * الأسلوب اللغوي. . معناه، وأنواعه، ووظيفته: معنى الأسلوب اللغوي: تشير معاجم اللغة إلى أن مفهوم الأسلوب هو الطريقة، يقال: سلكت أسلوب فلان - أي طريقته. ويقال - كذلك -: كلامه على أساليب حسنة. كما يقال للسطر من النخيل: أسلوب، وكل طريق ممتد فهو أسلوب. والأسلوب: الطريق والوجه والمذهب. يقال: أنتم في أسلوب سوء، ويجمع على أساليب، والأسلوب: الطريق تأخذ فيه. والأسلوب: الفن، يقال: أخذ فلان في أساليب من القول: أفانين منه. هذا معنى الأسلوب في القواميس وأسفار اللغة. والمتأخرون متأثرون بهذه التوجيهات في ضبط الأسلوب. ونعرض فيما يأتى آراء اثنين فذَّين منهما:

стр. 39

* رأى عبد القاهر الجرجانى: الأسلوب عند عبد القاهر الجرجانى يشمل جانبين: طريقة التفكير. . ثم طريقة الأداء اللفظي الذي يتجلى في أنماط التعبير. . قال: " واعلم أن الاحتذاء عند الشعر اء، وأهل العلم بالشعر وتقديره وتمييزه. أن يبتدئ الشاعر فى معنى وغرض أسلوياً - والأسلوب: الضرب من النظم والطريقة فيه - فيعمد شاعر آخر إلى ذلك الأسلوب فيجيء به في شِعره ". . ويتسع معنى الأسلوب عنده فينتظم من حيث التقعيد له، ووضع أصوله نظريات علم المعاني وما قرره فيها من توجيهات بلاغية لها بالأسلوب أوثق صلة. . ولا يهمل عبد القاهر توجيهات علم " النحو " وعلم " التصريف ". بل جعل النظم - الذي يرادف الأسلوب عنده - هو توخى معاني النحو بين الكلم. وهو بهذا يضفى على النحو مفهوماً أوسع من عُرف النحاة أنفسهم. فحكم اللفظ النحوى تابع لعرفة معناه ووظيفته في الأسلوب. وتوخى النحو بين الكلمات هو معرفة مواضعها من الصياغة الأسلوبية. قال: " إنه لا يتصور أن تعرف للفظ موضعاً من غير أن تعرف معناه، ولا أن تتوخى الترتيب فى الألفاظ - من حيث هي ألفاظ - ترتيباً ونظماً دون أن تتوخى الترتيب فى المعاني. وتعمل الفكر هناك. فإذا تم لك ذاك أتبعتها الألفاظ، وقفوت بها آثارها. وإنك إذا فرغت من ترتيب المعاني في نفسك لم تحتج إلى أن تستأنف فكراً في ترتيب الألفاظ. بل تجدها تترتب لك بحكم أنها خدم للمعاني. وتابعة لها، ولاحقة بها. . وأن العلم بمواقع المعاني في النفس علم بمواقع الألفاظ الدالة عليها في النطق ". والخلاصة أن عبد القاهر في هذا النص يربط ربطاً محكماً بين مظهرى الأسلوب الآنفى الذكر: طريقة التفكير، ثم الأداء اللفظي. فالأسلوب - عنده - مجموع الأمرين. وتوخى معاني النحو هو الذي يجعل الأسلوب يبدو بهذه الصورة المتألقة.

стр. 40

ويرى بعض المحدَثين أن عبد القاهر تفوته سمة لها وزنها في الأسلوب لم يتحدث عنها وهي اختيار الألفاظ والتأنق في الصياغة. والمدقق في هذا النص المذكور لعبد القاهر يرى أن عبد القاهر لم يفته ما آخذوه عليه. لأنه - أي عبد القاهر - لا يمنع على الفكر أو الأديب اختيار الألفاظ. ولعله ترك النص عليها - هنا - إحالة على ما ذكره في موضع آخر مما هو صريح في الدعوة إليها. وقد نقلنا نصاً له قبل ذلك بقليل يكفى مجرد الاطلاع عليه لتبرئة عبد القاهر مما رُمِىَ به فكان تحرى الدقة في الحكم على الرجل وتوجيهاته أولى بالتعجلين. * * * رأي ابن خلدون: الأسلوب عند ابن خلدون لا يرجع إلى إفادة التراكيب أصل المعنى (النحو) ولا إلى كماله (البيان) ولا موافقته للوزن (العروض) فذلك كله خارج عن صناعة الأسلوب - شعراً ونثراً -. وإنما الأسلوب عنده هو: الأداء اللفظى المطابق للصورة الذهنية لفهوم الأسلوب الناجم عن قوة الملكة في اللسان العربي الذي هو ثمرة الاعتماد على الطبع والتمرس بالكلام البليغ. ويسوق ابن خلدون نصاً مطولا عن الأسلوب يخرج منه الباحث بالنتائج الآتية: (أ) لا يدخل النحو ولا البلاغة ولا العروض في مفهوم الأسلوب. (ب) يرجع الأسلوب إلى الصور الذهنية للتراكيب المنظمة كلية باعتبار انطباقها على تركيب خاص. وتلك الصورة ينتزعها الذهن من أعيان التراكيب.
следующие страницы →