الفعل + الفاعل أو ما قام مقامه + متعلقات الفعل مثل المفعول به.
وقد يُذكر بعد الفعل مباشرة غير الفاعل وغير المفعول به كالظرف إذا اقتضى ذلك مقتض.
وإذا كانت اسمية جاء تكوينها على الوجه الآتى:
- المسند إليه مع توابعه + المسند + متعلقات الإسناد.
والسير على هذا المنهج العادى ليس بلازم، لأن تكوين الجملة في اللغة
العربية تراعى فيه أسس تعبيرية تقوم على اعتبارات بلاغية على هداها تكون
الجملة في وضع جديد. وهذا السلوك نراه في الأنماط الأدبية الرفيعة، كالقرآن الكريم، والآثار النبوية، والحِكَم والأمثال، ونراه في الأشعار الرائعة والنثر الفنى الأصيل.
فمن القرآن الكريم نذكر: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ) ،
و (لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ) . . ففى الآيتين تقديم المسند " الخبر "
- وهو الظرف في الآية اَلأولى، والجار والمجرور في الآية الثانية - على المسند
إليه فيها وهو: " مَفَاتِحُ الْغَيْبِ " في الأولى. . . و " دار السلام " فى
الثانية.
ومثلها قوله تعالى: (أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا) ، وقوله:
(بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ، وقوله: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦) .
والحال كذلك في تقديم بعض المتعلقات كقوله تعالى:
(وَجَاءَ مِنْ أقْصَا المدينَة رَجُلٌ يَسْعَى) : ف " رجل ": فاعل قُدمَ عليه متعلق الفعل: " مَنَ أقصا المدينة " فاصلاً بينه وبين الفعل، والمنهج العادى يأبى مثل هذا لكن الاعتبار البلاغى يوجبه.
стр. 37
ومن الأدب النبوى قوله ﵊: " إخوانكم خَوَلكم "
والتقدير: خَوَلكم إخوانكم.
وقد قال الشُراح إن المراد بهذا الحديث تشبيه " الخول " بالإخوان في حسن المعاملة إليهم. وحفظ الود لهم. فهو من التشبيه
البليغ المؤكد. فقدم المسند على المسند إليه اعتناءً بشأن المقدم. واهتماماً به.
وفي الأدب النبوى كثير من اللفتات البلاغية من هذا النوع وغيره يطول بنا
التطواف لو أرخينا العنان. . فلنكتف بما قَل ودَلَّ.
ومن الشعر الرائع. . قال الشاعر:
أأتركُ إنْ قَلتْ دَرَاهِمُ خَالِدٍ. . . زِيَارَتَهُ إنَى إذَنْ للئِيمُ
وقال ابن المعتز:
وإنَى على إشْفاقِ عَيْنِى من العِدَى. . . لتَجْمَحُ مِنَى نَظرَةٌ ثم أطرِقُ
وقال أيضا:
وظلتْ تُدِيرُ الراحَ أيْدى جَآزِرٍ. . . عِتَاقِ دَنَانِيرِ الوُجُوهِ مِلاَحِ
هذه ثلاثة أبيات من الشعر لم تجر على النسق العادى.
ففى الأول فصل بين الفعل ومعموله بجملة الشرط، والأصل اتصال العامل بالمعمول.
كما فصل فى الشطر الثاني من نفس البيت بين اسم " إن " - الضمير - وخبرها بأجنبى هو " إذن ".
كما فصل ابن المعتز في البيت الثاني بين اسم: " ظل " وبينها بالخبر:
"تدير الراح " وفيه تقديم الخبر على المبتداً أيضاً، ففيه فصل وتقديم كما ترى.
стр. 38
وفى البيت الثاني فصل بين اسم " إن " وخبرها بأجنبى هو " على إشفاق
عينى من العدى " كما فصل بين الفعل: " لتجمح " وفاعله: " نظرة "
بالجار والمجرور: " منى ". . وغير ذلك كثير.
والطريقة التي يعتمد عليها المنهج العادى لتكوين الجملة الاسمية - إذا خلا
المقام من دواعى التقديم والتأخير - أنه يفرق بين الأعرف والأقل أعرفية من
ركنى الإسناد الخبرى.
فالأعرف هو المسند إليه، وتقديمه هو الأصل. والأقل
أعرفيه هو المسند. وذلك لأن المسند إليه هو موضوع الحديث ومحط الحكم، والحكم على المجهول لا يفيد. فإذا تساويا في التعريف فهما سيان في صحة
وقوع كل منهما مسنداً إليه أو مسنداً.
والفصل في ذلك هو الاعتبار الذى
يجعله المتكلم نصب عينيه - مراعياً في ذلك حال المخاطب.
إن طريقة التعبير في اللغة لا تخضع لقوالب جافة. وإنما هي مرنة طوع يد
العبر تصور أحاسيسه ومعانيه. على أي وجه أراد حسبما يقتضيه الحال.
* * *
الأسلوب اللغوي. . معناه، وأنواعه، ووظيفته:
معنى الأسلوب اللغوي: تشير معاجم اللغة إلى أن مفهوم الأسلوب هو
الطريقة، يقال: سلكت أسلوب فلان - أي طريقته. ويقال - كذلك -: كلامه على أساليب حسنة.
كما يقال للسطر من النخيل: أسلوب، وكل طريق ممتد فهو أسلوب.
والأسلوب: الطريق والوجه والمذهب. يقال: أنتم في أسلوب سوء، ويجمع
على أساليب، والأسلوب: الطريق تأخذ فيه. والأسلوب: الفن، يقال: أخذ فلان في أساليب من القول: أفانين منه.
هذا معنى الأسلوب في القواميس وأسفار اللغة.
والمتأخرون متأثرون بهذه التوجيهات في ضبط الأسلوب.
ونعرض فيما يأتى آراء اثنين فذَّين منهما:
стр. 39
* رأى عبد القاهر الجرجانى:
الأسلوب عند عبد القاهر الجرجانى يشمل جانبين: طريقة التفكير. . ثم طريقة الأداء اللفظي الذي يتجلى في أنماط التعبير. . قال: " واعلم أن الاحتذاء عند الشعر اء، وأهل العلم بالشعر وتقديره وتمييزه. أن يبتدئ الشاعر فى معنى وغرض أسلوياً - والأسلوب: الضرب من النظم والطريقة فيه - فيعمد شاعر آخر إلى ذلك الأسلوب فيجيء به في شِعره ". . ويتسع معنى الأسلوب عنده فينتظم من حيث التقعيد له، ووضع أصوله نظريات علم المعاني وما قرره فيها من توجيهات بلاغية لها بالأسلوب أوثق صلة. . ولا يهمل عبد القاهر توجيهات علم " النحو " وعلم " التصريف ". بل جعل النظم - الذي يرادف الأسلوب عنده - هو توخى معاني النحو بين الكلم. وهو بهذا يضفى على النحو مفهوماً أوسع من عُرف النحاة أنفسهم. فحكم اللفظ النحوى تابع لعرفة معناه ووظيفته في الأسلوب. وتوخى النحو بين الكلمات هو معرفة مواضعها من الصياغة الأسلوبية. قال: " إنه لا يتصور أن تعرف للفظ موضعاً من غير أن تعرف معناه، ولا أن تتوخى الترتيب فى الألفاظ - من حيث هي ألفاظ - ترتيباً ونظماً دون أن تتوخى الترتيب فى المعاني. وتعمل الفكر هناك. فإذا تم لك ذاك أتبعتها الألفاظ، وقفوت بها آثارها. وإنك إذا فرغت من ترتيب المعاني في نفسك لم تحتج إلى أن تستأنف فكراً في ترتيب الألفاظ. بل تجدها تترتب لك بحكم أنها خدم للمعاني. وتابعة لها، ولاحقة بها. . وأن العلم بمواقع المعاني في النفس علم بمواقع الألفاظ الدالة عليها في النطق ". والخلاصة أن عبد القاهر في هذا النص يربط ربطاً محكماً بين مظهرى الأسلوب الآنفى الذكر: طريقة التفكير، ثم الأداء اللفظي. فالأسلوب - عنده - مجموع الأمرين. وتوخى معاني النحو هو الذي يجعل الأسلوب يبدو بهذه الصورة المتألقة.
стр. 40
ويرى بعض المحدَثين أن عبد القاهر تفوته سمة لها وزنها في الأسلوب لم يتحدث عنها وهي اختيار الألفاظ والتأنق في الصياغة. والمدقق في هذا النص المذكور لعبد القاهر يرى أن عبد القاهر لم يفته ما آخذوه عليه. لأنه - أي عبد القاهر - لا يمنع على الفكر أو الأديب اختيار الألفاظ. ولعله ترك النص عليها - هنا - إحالة على ما ذكره في موضع آخر مما هو صريح في الدعوة إليها. وقد نقلنا نصاً له قبل ذلك بقليل يكفى مجرد الاطلاع عليه لتبرئة عبد القاهر مما رُمِىَ به فكان تحرى الدقة في الحكم على الرجل وتوجيهاته أولى بالتعجلين.
* *
* رأي ابن خلدون:
الأسلوب عند ابن خلدون لا يرجع إلى
إفادة التراكيب أصل المعنى (النحو) ولا إلى كماله (البيان)
ولا موافقته للوزن (العروض) فذلك كله خارج عن
صناعة الأسلوب - شعراً ونثراً -.
وإنما الأسلوب عنده هو: الأداء اللفظى المطابق للصورة الذهنية لفهوم الأسلوب الناجم عن قوة الملكة في اللسان العربي الذي هو ثمرة الاعتماد على الطبع والتمرس بالكلام البليغ.
ويسوق ابن خلدون نصاً مطولا عن الأسلوب يخرج منه الباحث بالنتائج الآتية:
(أ) لا يدخل النحو ولا البلاغة ولا العروض في مفهوم الأسلوب.
(ب) يرجع الأسلوب إلى الصور الذهنية للتراكيب المنظمة كلية باعتبار انطباقها على تركيب خاص.
وتلك الصورة ينتزعها الذهن من أعيان التراكيب.
стр. 41
ويصيرها كالقالب أو المنوال، ثم ينتقى لها التراكيب الصحيحة عند العرب باعتبار الإعراب والبيان.
(جـ) (لكل فن من فنون الكلام أسلوب خاص يميزه عما سواه من الفنون.
فأسلوب الشعر غير أسلوب النثر. . . وهكذا.
(د) إن الأساليب ليست من القياس في شيء.
بل هي هينة ترسخ في النفس من تتبع التراكيب العربية شِعراً ونثراً.
لجريانها على اللسان.
حتى تستحكم صورتها فيستفيد بها العمل.
ويلاحَظ أن ابن خلدون عندما تحدث عن الأسلوب إنما كان يضع نصب عينيه الأسلوب في الصناعة الشعر ية.
ولكنه عاد فعمم تلك القواعد التي يراها هو للأسلوب على المنظوم والمنثور إذ يقول: " وهذه القوالب كما تكون في المنظوم، تكون في المنثور ".
هذه خلاصة مفهوم الأسلوب عند أديب ناقد، هو عبد القاهر الجرجانى، وعالم مؤرخ هو عبد الرحمن بن خلدون، وإننا حين نقارن بين ما قرراه، لا نجد كبير خلاف بل هما ينزحان من دلو واحدة، وإن اختلفا في طريق الورود.
فقد رأينا الشيخ عبد القاهر يجعل الأسلوب منتزعاً من توخى معاني النحو بين الكلم، وفي نفس الوقت ينكر ابن خلدون هذا الفهم.
ويجعله خارجاً عن مفهوم الأسلوب.
ويخص ابن خلدون الأسلوب بالصور الذهنية المنتزعة من التراكيب الصحيحة وقد رأينا عبد القاهر لا يغفل قضية هذه الصور الذهنية.
بل يجعلها الأساس الذي يصنع التراكيب حين تؤدى أداءً لفظياً بحيث يكون الأداء اللفظي تابعاً لترتيب المعاني في النفس.
стр. 42
والحقيقة أن الخلاف بين الرجلين يكاد يكون لفظياً، لأنهما يلتقيان عند الركنين الأساسيين للأسلوب: المعاني والألفاظ.
وأحدهما ينظر إلى الألفاظ باعتبار تأديتها للمعاني وهو عبد القاهر.
والثاني ينظر إلى المعاني باعتبار صياغتها فى تراكيب منتقاة.
وهو ابن خلدون. .
فهما - إذن - متفقان في الجملة وقديماً نحا أرسطو منحى عبد القاهر.
إذ يرى أن الأسلوب هو " طريقة الصياغة " أو الأداء اللفظي الذي يتخذه الأديب أداة للتصوير والإبانة عن مشاعره وأحاسيسه ونقل تلك المشاعر والأحاسيس إلى الآخرين.
كما نحا عبد الرحمن عثمان هذا المنحى إذ يقول: " الأسلوب هو طريقة التعبير اللفظي الجارية على نسق الفكرة والعربة عن أدق خفاياها ".
ولا أخفى أنني أميل إلى مدرسة عبد القاهر الجرجانى في حد الأسلوب ومقوماته.
وإن كنت أرى أن كلامه فيه مفتقر إلى الصقل والتركيز.
وقد قسَّموا الأسلوب اللغوي إلى قسمين هما: أولاً - الأسلوب العلمي: تتسع وظيفة الأسلوب في العصر الحديث.
وتخرج عن دائرة اختصاصها إلى ميادين أوسع وأرحب فيقال: أسلوب السياسة، وأسلوب الحكم، وأسلوب الإدارة. .
هذه استعمالات نقرأها اليوم في الصحف.
ونسمعها في الإذاعة والتليفزيون ولم تعد الكلمة مقصورة على فن القول.
ولا غرابة فإن الأسلوب ملحوظ فيه معنى الطريقة.
وهذا المعنى هو الذى جوَّز التعميم في الإطلاق، ولكن العتبر من هذه الإطلاقات التي شاعت الآن نوعان: الأسلوب العلمي، والأسلوب الأدبى. .
ولكل من النوعين خصائص ومميزات.
стр. 43
والفرق الجوهرى الذي يميز بين الإثنين هو موضوع الحديث، والفكرة التي يكشف عنها.
فإن كان موضوع الحديث حقائق ثابته يراد شرحها وتلخيصها لتقر فى الأذهان، وتأخذ شكل القوانين اليقينية أو ما يقرب منها، ويهدف منها الكاتب إلى إقناع القارئ أو السامع بالنتائج التي يتوصل إليها.
ومثل هذا النوع من الأفكار يتطلب من الكاتب أو الباحث عملاً مخصوصاً. . .
وطريقة معيَّنة.
وهذا يُعرف بالأسلوب العلمي.
ويتبع فيه الكاتب الخطوات الآتية: فعليه أولاً: أن يختار الأفكار التي يريد شرحها لجدتها أو قيمتها العلمية.
ثم عليه ثانياً: أن يرتب هذه الأفكار ترتيباً منطقياً ليكون ذلك أدعى إلى فهمها وحسن تنسيقها وارتباطها في الذهن.
وتسلسلها المؤدى إلى فهمها وقبولها.
وعليه ثالثاً: أن يختار الألفاظ الواضحة الدلالة اللائمة للفكرة ليكشف بها عما في نفسه من قيم وحقائق وأفكار.
وهو يتوجه بهذه الحقاق والأفكار إلى العقل: لأنه مركز التلقى والتحليل والاستنتاج - فالأسلوب العلمي موضوعه حقائق ذهنية ومظهره العام خبرى يجلى الواقع ويوضحه مويداً حقائقه بالأدلة والبراهين - عقلية.
أو نقلية.
أو تجريبية - والفكرة فيه يجب أن تنمو نمواً تصاعدياً.
وهذا يقتضي تقسيمها إلى أجزاء.
والألفاظ فيه يجب أن تكون محددة المعنى حتى لا يؤدى ذلك إلى غموض في الاستنتاج.
ومن المسلَّم به أن الأسلوب العدمى تستخدم فيه - أحياناً - بعض مظاهر الأسلوب الأدبى - كالتشبيه والمجاز، ولكن معناه - والحالة هذه - يظل ذهنياً رتيباً.
يدل على حقائق جافة تخاطب العقل.
ليس للعاطفة شيها أدنى نصيب.
الكلمات في الأسلوب العلمي لا بدَّ أن تدل على معانيها الوضعية أو الاصطلاحية الفنية، ولهذا اشترط الناطقة تجريد الألفاظ من معاني المجاز وإبقاءها على معانيها الوضعية وعابوا على السوفسطائيين استخدامهم المجاز فى القياس لأنه يؤدى إلى المغالطة في الاستنتاج.
стр. 44
ثانياً - الأسلوب الأدبي: الأسلوب الأدبي كالأسلوب العلمي فيه " أفكار " وله " ألفاظ " تحمل تلك الأفكار، والاختلاف بينهما يأتى من حيث نوع الفكرة التي يؤديها كل منهما، والعبارات الدالة عليها ووسيلة الإدراك التي يخاطبها.
والفكرة فيه غير الحقائق الثابتة.
بل هي معان وليدة الإحساس والشعور، ورؤى هي في طبيعتها فردية خاصة وإن إشترك فيها كثير من الأدباء، وقد تكون الفكرة في الأسلوب الأدبي حقيقة ثابتة لكن الأديب لا يعرضها في قوالب جافة وقوانين منطقية بل يعرضها عرضاً أدبيا أخاذاً كقوله ﵇: " إياكم وخضراء الدمن ". .
قيل: من هى يا رسول الله؟ قال: " المرأة الحسناء في النبت السوء " فالحقيقة الثابتة - هنا - معروضة مع دليل التنفير منها لكنه دليل أدبي ذوقى. . لا علمى منطقى.
ولذلك اختص الأسلوب الأدبي بالخصائص الآتية:
(أ) استثارة العاطفة: العاطفة هي قِبْلة العبارة الأدبية.
إياها تعنى ولها تتحدث.
والعاطفة تتلقى شعوراً وانفعالات. فتتأثر بها.
وتتأمل ما تتأثر به.
ولا بدَّ لها من موقف إزاءه.
هذا الموقف قد تتفق فيه العاطفة المتأثرة مع العاطفة المؤثرة.
وقد تختلف معها.
ولكنه على كل موقف صنعه ذلك التأثر.
وهذا الموقف هو المسمى بالاستجابة للعمل الأدبي شِعراً أو نثراً وهو - كما في الحديث - إثارة شعور النفرة من المرأة المذكورة.
وقد تكون الاستجابة إمتاعاً جمالياً مستوحى من التجربة موضوع الحديث.
وقد تكون إشفاقاً أو رثاءً.
стр. 45
(ب) الخيال: ليس من سبيل أمام الأديب عندما يريد نقل تجربته، والتعبير عن شعوره وانفعالاته إلا الخيال الخصب.
والصور الأدبية الناضرة يتخذ منها وسيلة للإبانة والكشف عما في الشعور.
شريعة الأديب في البيان هي المجازات والتشبيهات والكنايات، وتصيد المشاهد الحية. .
فالذي يُشرك بالخالق هاو سقط من السماء فتوزع في حواصل الطيور.
أو جرفته الريح إلى مهاوى الهلاك السحيقة.
والرجل الشجاع القلب أسد يزأر في صحراء مخيفة.
والكريم الذي يصل رفده لكل سائل بحر زاخر يروى الظامئين.
والتردد في أمره كالواقف في مكان يرفع رجلاً مرة ويضع مرة أخرى. . .
والأغصان تحركها النسمات عرائس تتعانق بعد غياب طال.
ولعل في بيت ابن الرومى الآتى - يصف الطبيعة أيام الرييع - أكبر دليل على مانقول: تَبَرجَتْ بعدحَيَاءٍ وخَفَرْ. . .
تَبَرْجَ الأنْثَى تصَدَّتْ لِلذكرْ! والآن نوجز أهم الفروق بين الأسلوبين. .
* الفروق بين العلمي والأدبي:
١ - الأسلوب العلمي يخاطب العقل - وموضوعه حقائق ثابتة أو كالثابتة.
وقَل أن نجد فيه أثراً للانفعال، بينما الأسلوب الأدبي يخاطب العاطفة فيثيرها بما يبسطه أمامها من تجارب وقيم شعورية، وغايته الإمتاع الجَمالى والإقناع الذوقى، أما العلمي فهدفه الإقناع العقلي بما يستخلصه من نتائج مدعومة بالدليل.
٢ - العبارات في الأسلوب العلمي دقيقة محددة الدلالة لا إيحاء فيها ولا تعميم.
وفي الأسلوب الأدبي نجد فخامة الألفاظ والإيحاء والإثارة والشمول، وشيوع الخيال بما في اللفظ من دلالة مجازية وتشبيهية أو كنائية.
стр. 46
٣ - التجرية في الأسلوب العلمي وسيلة إلى غاية أكبر منها تصير فى
النهاية قاعدة أو قانوناً، وليس للتجرية بعد صياغة القاعدة منها أي قيمة إلا
من حيث هي مظهر " تاريخى " من مظاهر تطور العلوم.
أما التجرية في الأدب فهى نفسها " الغاية ".
(جـ) التكرار لا يُحمد في الأسلوب العلمي، بينما يقوم بوظيفة هامة فى
الأسلوب الأدبي إذا دعت إليه ضرورة بيانية.
مثاله من القرآن تشبيه المنافقين بـ " رجل استوقد ناراً " مرة" ثم تشبيههم
بعد ذلك مباشرة بـ " ذى صَيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق ". . .!
وتشبيه أعمال الكافرين بـ " السراب يحسبه الظمآن ماءً " مرة،
ثم تشبيهها بعد ذلك بـ " ظلمات في بحر لجي ". . .
* * *
* صلة التعبير اللغوي بالتفكير:
ولتحديد المشكلة في هذا الفرع نسأل سؤالاً فحواه:
هل يمكن التفكير بدون لغة؟ أم اللغة ضرورية في كل عملية تفكير؟
ويجيب على هذا السؤال فريق من العلماء بما حاصله: إن اللغة ليست
ضرورية - دائماً - في كل عملية تفكير. إذ يمكن التفكير بدون لغة كما فى
حالات التأمل الذاتى - حديت النفس الصامت - وتنحصر وظيفة اللغة عند هذا الفريق في نقل الفكرة إلى الآخرين. فهى مظهر خارجى للتفكير فقط. . . .
وآخرون أجابوا عن السؤال بما يلى: إن اللغة ضرورلة في كل تفكير مفيد،
والإنسان يفكر بمعونة الكلمات لأنها ظلال للمعاني. ولا يمكن أن نفكر تفكيراً
стр. 47
منتظماً سليماً إلا بإدراك العلاقات بين مدلولات الألفاظ سواء أكان ذلك تفكيراً صامتاً - حديث النفس - أو كان ذا صوت مسموع.
أما التفكير بدون لغة فيمكن إذا استبدلنا باللغة رموزاً أخرى تحل محلها في الدلالة.
وإذا كان الأمر كذلك، فإن هذه الرموز تصير لغة بديلة. وتكن النتيجة أن اللغة ضرورية فى كل تفكير.
يقول الدكتور " بلارد ": هل نستطيع التفكير بدون لغة؟ نعم. . إذا
استطعنا أن نحل محل اللغة رموزاً أخرى. ولكن كلما زاد التفكير عمقاً من
المقارنة والاستنباط والوصول إلى الأحكام العامة. زادت حاجة العقل إلى
استخدام اللغة. وإذا أمكن التفكير بدون لغة فإن هذا التفكير لا يستمر طويلاً
وهو في هذه الحالة - أي التفكير - يحتاج إلى اللغة ليعتمد عليها في تحديده
ودقته. نعم إن اللغة غير ضرورلة لكل عمليات العقل. ولكنها لا بدَّ منها عند التفكير المعنوي المحض.
والذي أختاره في هذا المجال أن اللغة ضرورية لكل تفكير، لأن التفكير
عمل، ولكل عمل مادة ومجال، ومادة التفكير لا تتحقق إلا عن طريق وحدات تدل على أجزائها وهي - هنا - المفردات اللغوية.
وإذا تطورت الفكرة فلا بدَّ من تركيب وحداتها الدالة عليها - في جمل أو أسلوب - والعقل الفكر لا يصنع تفكيره من الوهم بل لا بدَّ من ضبط أجزاء الفكرة بضوابط يستطيع إخضاعها في عملية التفكير للتصور والقياس.
وإلا كان التفكير أوهاماً تتبدد سراعاً.
والإنسان يفكر - أحياناً - نتيجة لا يسمعه أو يقرأه.
والتفكير الاجتماعى يصحبه تعبير، والتعبير في أسمى مظاهره يتكون من جمل وأساليب، وإذن فلدينا دائرة متصلة الحلقات. تبدأ بتأثر المفرد بالمجتمع عن طريق اللغة - سمعاً أو قراءة أو رؤية - فيفكر نتيجة لهذا التأثر ثم يُعبِّر عن تفكيره وهكذا تصبح
اللغة سبباً ونتيجة معاً. سبباً في التفكير ونتيجة له.
* * *
стр. 48
* مناقشة سريعة:
والآن هل يستطيع القائلون بجواز التفكير بدون لغة أن يجيبوا على هذه
الأسئلة، وإذا أجابوا فإلى أي مدى تكون إجاباتهم صائبة؟
س: هل يمكن أن يجرى الإنسان معادلة جبرية دون أن تكون هناك رموز
- نائبة عن اللغة - تمثل حدى المعادلة؟
س: هل يمكن أن يتوصل إنسان إلى نتيجة قياس منطقى ما لم تكن هناك
ألفاظ أو عبارات تتكون منها مقدمتا القياس؟
س: لو عزلنا طفلاً - منذ ولادته - عن أي مؤثر خارجى يتعلم من خلاله
مفردات لغوية وأهملناه من هذه الناحية حتى بلغ قادراً على الكلام.
فإذا طلبنا منه أن يُكوِّن جملة لغوية فهل يمكن أن يفهم ما نقول؟.
وإذا فهم - وهذا محال - فهل يستطيع أن يُكون تلك الجملة؟
لا أظن أن لدى القائلين بإمكان التفكير بدون لغة إجابات مقبولة على هذه
الفروض، وغيرها كثير.
ومن هنا تظهر أهمية اللغة في التفكير إذ هي وسيلته تكويناً ونقلاً. .
والذين يقولون بعكس هذا يجردون اللغة من أخص خصائصها.
* * *
* صلة التعبير اللغوي بالذكاء:
اللغة من حيث صلتها بالتفكير تكونه وتبرزه، ولها به صلة أخرى بعد
الإيجاد والبروز، هي أنها تسهم في كيفيته فتجعله تفكيراً ذكياً فيكتسب
الفكر عن طريقها مَلكة الذكاء.
والذكاء هو سرعة الفهم والاستنتاج ودقة
القياس وسلامة النتائج.
وقد أشار الأستاذ " تشارلز سنكر " إلى العلاقة بين اللغة والذكاء فقال:
"من المتفق عليه بين علماء اللغة عامة وجود عامل ارتباط إيجابى مهم بين
نتائج قياس الذكاء والقدرة اللغوية. ذلك لأن جزءاً كبيراً من مقاييس الذكاء
стр. 49
المستعملة في العادة لغوي. وعلى هذا فيجوز أن يكون هذا العامل نتيجة لأن
بعض اختبارات الذكاء هي أيضاً لغوية. على أن ثمة أمراً واضحاً يستفاد من
وجود هذا الأمر هو أن الإجابات اللغوية نوع هام من سلوك الإنسان الذي يمكن أن يوصف بالذكاء وعدمه ".
والذي يُفهم من هذا النص أن قُدرة الإنسان اللغوية تتناسب تناسباً طردياً مع
قدرات الذكاء. فكلما زادت مقدرته اللغوية زادت درجة الذكاء عنده. هذه صلة، وصلة أخرى بين الذكاء واللغة باعتبار اللغة جزءاً هاماً من سلوك الذى يوصف بأنه ذكى أو غير ذكى.
ولتوضيح هذا يقول الأستاذ " ألبرت " ما نصه: " فنوع الإنشاء ذو قيمة
أهم من كمها، ولا يدل فقط على ما عند النشء من قدرة لغوية. ولكن يدل أيضاً على ما عنده من قدرة تربوية. بل وقبل هذا يدل على ذكاء المفرد العام، فهو إذن مقياس دقيق من غير شك ".
و" ألبرت " في هذا النص يتخذ " التعبير الإنشائى " مقياساً من مقاييس
الذكاء وكيفية التعبير هي الدلالة دون الكم، وكيفية التعبير المشار إليها تعتمد فى جودتها - كما يرون - على العناصر الآتية: صحة الأفكار وتنسيقها، عمقها وجدتها، ربطها ودقتها، تسلسلها وتتابعها، إصابه الهدف المقصود من الكلام (مراعاة الكلام لمقتضى الحال) ، اختيار اللفظ المناسب.
ولذلك فإنهم يرون أن ضعف الذكاء عند بعض الأطفال سببه ضعف القدرات
العامة عنده. ولا سيما اللغة كالقراءة والهجاء. كما يرون أن الصم البكم
لا تصل نسبة ذكائهم إلى ما تصل إليه نسبة الذكاء عند الأطفال العاديين. ذلك لأنهم محرومون من استخدام اللغة.
стр. 50
والواقع أن اللغة عامل هام في تنمية الذكاء وحدته. ما دامت اللغة هى
الأداة في التفكير. فالأشخاص الذين يفكرون تفكيراً عميقاً مضطرون للبحث
عن معلومات ومعارف، ونتيجة ذلك أنهم يحصلون على ثروة هائلة من تلك
الأفكار. وبديهى أن هذه الأفكار تستدعى الكلمات التي تدل عليها. وبها
يكون التحصيل والتفكير. . ونحن نطلق على مثل هؤلاء أنهم مفكرون أذكياء.
* * *
* وظيفة اللغة - إذن - ما هي ؟
إن الشائع بين الناس - قديماً وحديثاً - أن اللغة وسيلة لنقل الأفكار.
وحول هذا المعنى حام كثير من المفكرين، فهذا " هنرى سويت " يُعرِّف وظيفة اللغة تعريفاً كلاسيكياً فيقول: " إن اللغة هي التعبير عن الأفكار بوساطة الأصوات الكلامية المؤتلفة في كلمات ".
ويذهب " إدوارد سابير ". نفس المذهب إذ يقول: " اللغة وسيلة إنسانية
خالصة وغير غرزية إطلاقاً لتوصيل الأفكار. والانفعالات والرغبات عن طريق نظام من الرموز التي تصدر بطريقه إرادية ".
ويتابع الأستاذين " هنرى " و " إدوارد " كثير من المحدَثين على ما بينهم
من اختلافات في الذاهب الفكرية. . . إذ يرون أن الوظيفة الأساسية للغة هى أنها وسيلة من وسائل الاتصال أو التوصيل. أو النقل أو التعبير عن طريق
" الأصوات الكلامية " وأن ما توصله اللغة أو تنقله أو تعبر عنه هو الأفكار
والمعاني والانفعالات والرغبات. . . إلخ، فاللغة عندهم لا تعدو أن تكون مرآة عاكسة للفكر، أو مستودعاً للفكر النعكس. . ويلخص " جوفنز "" الإنجليزي وظيفة اللغة فيما يأتى:
стр. 51
١ - أن اللغة وسيلة للتفكير.
٢ - إنها عون آلي للتفكير.
٣ - إنها وسيلة للتسجيل وللرجوع إلى ما سجل.
ويقول " جوفنز ": " إن اللغة في نشأتها الأولى كانت تستعمل في الغرض
الأولى على وجه المخصوص إن لم يكن استعمالها فيه وحده ".
ولم يرتض الأستاذ " يسبرسن " ما قاله " جوفتز " وناقشه مناقشة خرج
منها بأن الباحث المنصف لا يستطيع أن يتابع رأى " جوفنز " باعتبار ما ذكره
من أن الأغراض الثلاثة هو الغاية الوحيدة للغة؛ لأن هذا لا يتحقق إلا عند
المفكرين في أسمى لحظاتهم الأكاديمية.
وجاءا "فالينوفسكى " العالم الأنثروبولوجى فخطا خطوات ملحوظة فى
تغيير النظر إلى اللغة، فقد أدركَ عندما كان يدرس بعض المجتمعات البدائية
والفطرية أن دراسته لن تصح دون معرفة الوظيفة التي تقوم بها اللغة فى
المجتمع، ومن هنا كانت نظريته الهمة في اللغة. . . والتي أسهمت إلى حد
كبير في تطور الفكر اللغوي. . وخلاصة نظريته: " إن اللغة ليست مجرد
وسيلة للتفاهم أو التوصيل، بل هي حلقة في سلسلة النشاط الإنسانى المنتظم.
وهي جزء من السلوك الإنسانى. "هى ضرب من العمل وليست أداة "عاكسة" للفكر.
تبلورت هذه النظرية وتبناها الكثيرون، وذكروا أنماطاً من التعبير لم يكن
المراد من اللغة فيها هو مجرد النقل. ومن تلك الأنماط التي ذكرها:
١ - المنولوج: ويُعرف بأنه حديث الإنسان لنفسه. أو الكلام الانفرادي
كالتفكير بصوت مسموع، ومثله الكلمات التي تتردد على الأفواه عند فقد عزيز. أو فراق صديق.
стр. 52
٢ - السلوك الجَماعى: ويُطلق هذا النوع على ما يدور بين الجماعات فى
المواسم الدينية - مثلاً - كالحج والجُمَع والأعياد، وكالأناشيد والأدعية.
٣ - لغة التأدب: ويقصدون بها ما يجرى بين الناس في مواقف معيَّنة مثل:
شكراً، وآسف.
٤ - عبارات التحية: ويقرب هذا النوع من سابقه مثل: " مرحباً بك "،
"كيف حالك؟.
لاحظ الباحثون أن هذه الأضرب من التعبير وما ماثلها، ليس ملحوظاً فيها
معنى النقل، لأن المراد بها مجرد الترويح عن النفس أو العبادة، أو إظهار
الأسف أو السرور.
ولذلك استنتجوا أن اللغة قد تستعمل - أحياناً - في أغراض غير النقل
والتوصيل ومَن يُقصر اللغة على هذه الوظيفة فقد قلل من شأنها. وبعد هذا
الغرض لآراء المفكرين نوجز: وظائف اللغة فيما يأتى:
أولاً: أن اللغة نشأت كضرورة من ضرورات المجتمع البَشرى، وكانت فى
عصورها الأولى ذات مظاهر بدائية كبدائية الإنسان نفسه، ثم تطورت بتطور
الحياة المستمر فأخذت تنمو حتى أصبحت ذات قواعد وأصول وفروع. وأنها فى نشأتها الأولى كانت مقصورة على التفاهم البسيط ونقل الأفكار من طرف إلى آخر، بعيدة كل البعد عن استخدامها في أغراض جَمالية.
ثانيا: أن اللغة تؤدى دوراً هاماً في صنع الحضارة الإنسانية وإليها يعزى
كل تقدم حضارى باعتبارها وسيلة هامة فيه مباشرة أو غير مباشرة.
ثالثاً: وللغة - أيضاً - وظيفة نفعية، وقد كانت - كذلك - في عصورها
الأولى. . ويراد بنفعية اللغة أنها كانت أداة من أدوات العمل لها علاقاتها
المباشرة بالمدلول، لا يلحظ منها معنى فنى جَمالى.
وعلماء النفس يسمون هذه الوظيفة: وظيفة اللغة الاجتماعية النفعية. . ويلخص " ألبرت " وظائف اللغة الاجتماعية فيما يأتى:
стр. 53
١ - أنها تجعل للأفكار والمعارف الإنسانية قيماً اجتماعية.
٢ - أنها تحتفظ بالتراث والتقاليد الاجتماعية جيلاً بعد جيل.
٣ - أنها تساعد المفرد على تكييف سلوكه وضبطه.
٤ - إنها تزود الفرد بأدوات التفكير.
رابعاً: وللغة - كذلك - وظيفة جَمالية - وقد وُجدَت متأخرة عن الوظيفة
النفعية العملية، فجاءت الوظيفة الجَمالية نتيجة لرقى المجتمع وتطور الحياة.
ولعل أول مَن فرق بين وظيفة اللغة النفعية ووظيفتها الجَمالية الفنية هو
" أرسطو " حد تصدَّى للرد على الذين يقولون: إن القبيح يظل قبيحاً مهما
كان التعبير عنها ويذكر أن الأشياء القبيحة قد يُعبر عنها بما يستر قبحها -
كما إذا أسمينا أرسطى " قاتل أمه " أو سميناه " المنتقم لأبيه ".
ووظيفة اللغة الجَمالية هي الهدف من كل الفنون والآداب. . وغايتها الإمتاع
ولكنها لا تخلو من النفع غالباً، لأن الفن الجدير بالتقدير هو ما كان للمجتمع
وليس للفن. وهي في " الفن للفن "، وظيفة جَمالية إمتاعية فحسب،
أما في " الفن للمجتمع " فهى وظيفة جَمالية إمتاعية نفعية.
ولا شك أن الوظيفة الجَمالية الإمتاعية تتفاوت في القوة والضعف بحسب
النماذج اللغوية التي تؤديها، لأن الأساليب تتفاوت فيما بينها في هذا المجال
. . . ولجمال الأساليب أسس ومقومات إذا توافرت في الأسلوب عُدَّ من النماذج الأدبية الرفيعة وتناقلته الأجيال جيلاً بعد جيل.
وسنعرض في الفصل التالى للأسس والمقومات التي تصقل العمل الأدبى
وتُكسبه الأصالة والجدة الخالدة.
* * *
стр. 54
الفصل الثاني
قيمة الوجوه البلاغية في جمال التعبير اللغوي
ندرس في هذا الفصل المقومات البلاغية في تكوين الأسلوب الأدبي الرفيع،
ودور هذه الوجوه في توجيه النقد الأدبي في مراحله المختلفة. محاولين بذلك دفع الهجوم الظالم على البلاغة العربية ومحاولة التهوين من شأنها في مجال النماذج الأدبية ونقدها. عارضين كل ذلك في إيجاز واف.
ويجب أن نُفرِّق - من الآن - بين مسألتين هامتين:
الأولى: البلاغة كفن من فنون الجَمال التعبيرى.
والثانية: البلاغة كعلم له قواعد وأصول.
والبلاغة كفن سابقة في الوجود على البلاغة كعلم، لأن البلاغة كعلم لم
تُستنبط إلا في مرحلة متأخرة عن وجود موضوعها ومجالها الذي برزت فيه.
شأنها في ذلك شأن جميع العلوم اللغوية، فعلم النحو وعلم الصرف وعلم
العروض إنما وجدَت نتيجة للبحث والدراسة في النصوص النثرية والشعر ية. .
والعربي إنما كانَ يتكلم على هدى من علمي النحو والصرف دون وقوفهَ على تلك الاصطلاحات التي جَدت في عصور الدراسة والتدوين، والشاعر العربي كان ينطلق في شعره دون أن يدرى على أي بحر من بحور الخليل أنشأ قصيدته.
ودون أن يعلَم ما شاع في شِعره من علل أو زحاف. وكذلك كان البليغ منهم يجرى في تعبيره مع سجيته. ويصور معانيه كما يحسها خياله مشبهاً ومكنياً ومستعيراً، ومقدَماً ومؤخراً. ومؤكداً أو تاركاً للتوكيد. . .
إلى آخر هذه الاعتبارات دون أن يلحظ ما توصل إليه السكاكى أخيراً من تأصيل وتقعيد لعلم البلاغة: معانيها وبيانها ومحسناتها في المعنى أو اللفظ.
هذه حقيقة لا يمكن أن تُنكر.
стр. 55
* العصر الجاهلي:
وقد نشأت البلاغة كعلم نتيجة للملاحظات التي برزت أمام النُقاد في التراث
العربي الأصيل. بدأت هذه الملاحظات من العصر الجاهلى، ذلك لأن الرواية
العربية تنقل لنا من تلك الملاحظات ضوءاً ينبئ عن إحساس العرب بمواطن الجودة والرداءة في الأساليب الأدبية.
تذكر الرواية العربية أن طرفه بن العبد - الشاعر الجاهلى - عاب قول
الملتمس - أو المسيب بن علس، على خلاف في هذه الرواية - لأنه قال:
وقَد أتناسَى الهمَّ عند احتِضارِهِ. . . بِناجٍ عليه الصيْعَرِّيَةُ مُكْدِمُ
تقول الرواية: إن طرفة حين سمع هذا البيت - وكان طفلاً - قال كلمته
المشهورة: استنوق الجمل. إشارة إلى خطأ في الاستعمال اللغوي لكلمة
" الصيعرية " لأن الشاعر استعملها صفة للجمل، وهي لا تكون إلا صفة
للناقة في العُرف اللغوي. ومن هذه الجهة كان نقده.
ويبدو أن طُرفة كان متعجلاً في نقده. لأن للشاعر مندوحة تصحح له هذا
الاستعمال إذ تنص المعاجم اللغوية على أن اختصاص الناقة بهذا الوصف إنما هو فى لغة اليمن دون لغة الحجاز.
والمتتبع للملاحظات التي كان يدركها النقاد الجاهليون يمكن أن يخضعها
لثلاثة مظاهر. .
أولها: خروج الشاعر عن الواقع أو مراعاة عنصر الصدق في الحديث.
وتطبيقاً لها المبدأ عابوا قول المهلهل بن ربيعة:
فَلوْلاَ الريحُ أسْمَعَ مَنْ بحُجزٍ. . . صَلِيلُ البِيضِ تُقْرَعُ بالذكُورِ
стр. 56
لاشتماله على مبالغة مستكرهة، لأن بين " حجر " وهو قصبة اليمامة وبين
مكان الموقعة مسيرة عشرة أيام. ولهذا عدُّوا قوله هذا " أكذب بيت قالته
العرب ".
ذلك لأن العربي لا يميل إلى المبالغة والتهويل في تصوير عواطفه.
وإنما يسير مع الواقع المحسوس، أو يقاربه.
ولهذا - أيضاً - لم يعيبوا قول أوس بن حجر يصف السحاب:
دَانٍ مسِفٌّ فُوَيْقَ الأرض هَيْدَبُهُ. . . يكادُ يَلمسُهُ مَنْ قام بالراحِ
لأنه لم يُغرب في تصويره لدنو السحاب من الأرض، فذلك منظر مألوف فى
صحراء العرب! والنفس العربية مولعة به دائماً لأن فيه أسباب الحياة،
والشاعر حتى مع هذا الإلف، وحب النفس للسحاب، احترس من الغلو فى
المبالغة فأتى بكلمة " يكاد " ليكون معناه مقبولاً.
ثانيها: الربط القوى بين الألفاظ وما تدل عليه. وعليه عابوا قول الملتمس
السابق لأنه خالف العُرف اللغوي فاستعمل اللفظ في غير موضعه. .
وإن التمسنا وجهاً لصحته كما سبق.
ثالثها: النظر في اللفظ من حيث دلالته على معناه الجمالى، ولذلك عاب
النابغة الذبياني قول حسان بن ثابت:
لنا الجَفَناتُ الغُرُّ يَلمَعْنَ بالضُّحَى. . . وأ اصْيَافُنَا يَقْطرْنَ مِنْ نَجْدَةٍ دَما
وَلدْنا بَنِى العَنْقَاءِ وابَنْى مُحَرقٍ. . . فَأكْرِمْ بِنَا خالاً وأكْرِمْ بنا أبْنمًا
قال النابغة لحسان: " إنك لشاعر لولا أنك قللتَ جفانك، وفخرتَ بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك، وقلتَ: " يلمعن في الضحى " ولو قلت: " يبرقن فى
стр. 57
الدُجَى " لكان أبلغ في المديح، لأن الضيف بالليل أكثر طروقاً.
وقلت:" يقطرن من نجدة دماً ". . . ولو قلتَ: " يجرين " لكان أكثر لانصباب الدم.
هذه الملاحظات تدل - وإن تطرق إليها الشك أحياناً - على إدراك العريى
لصقل الشعر ووقوفه على مواطن الجودة والجمال فيه.
وقد نقلت هذه الرواية أن زهيراً كان يقلب النظر في شِعره ينقحه ويهذبه حولاً كاملاً حتى سميت قصائده
بـ " الحوليات " وكان زهير هذا رائد مدرسة أدبية لها أتباعها والمعجبون بها. .
مثل ابنه كعب، والحطيئة وهدبة بن الحشرم العذرى. وعنه أخذها جميل بن
معمر، وعن جميل تلقاها كثير عزة.
وللعرب في الجاهلية أسواقهم المعروفة (عكاظ - وذو المجاز - وذو المجنة)
التي كان الشعر اء يعرضون فيها نتاجهم الأدبي ليقول النقاد فيه رأيهم. . فهى أشبه ما تكون بالمهرجانات الأدبية التي تُقام كل عام مرة في العصر الحديث.
بَيْدَ أن النقد عندهم كان يعتمد على اللمحة الخاطفة والبساطة والإيجاز،
ومرجعه في الغالب إلى الذوق وإلى معايير غير الذوق كالجوانب الثلاثة التى
عرضنا أمثلة لها آنفاً.
* * *
* العصر الإسلامي:
وفي العصر الإسلامى جدَّت ظاهرتان كان لهما أعظم الأثر في توجيه الأدب
وتهذيب الأساليب وتربية الذوق. وهما: القرآن الكريم، والآثار النبوية
الشريفة، فقد جاء القرآن حافلاً بصور البيان.
وضروب البديع. وجدة المعنى.
وقوة الأسلوب وجزالته ووضوح المعنى وطرافته.
стр. 58
وهذا أمر لا يحتاج إلى دليل، فالقرآن - نفسه - شاهد صدق.
وآياته تفيض بالبيان الرفيع في كل حين بإذن ربها.
فقد بهر العرب وتحداهم فحاولوا.
وحاولوا فعجزوا واعترفوا بأنه ليس من عمل بَشر.
فقد سمع الوليد بن المغيرة - أحد خصوم الرسول الألداء - الرسول ﷺ يقرأ صدر سورة " فصلت " فأعجب بها أيما إعجاب.
ثم قال: " والله لقد سمعتُ من محمد كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن. وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق ".
وكان من أبرز الملاحظات التي أثارها القرآن تشبيهه طلع " شجرة الزقوم "
برءوس الشياطين، وهي ليست معروفة عندهم.
وكانت هذه الملاحظة سبباً فى وضع أبى عبيدة كتابه " مجاز القرآن ".
وأسهمت أحاديث الرسول ﵇ في تطور الملاحظات البلاغية لأنه -
﵇ كان بليغاً فصيحاً - هو كما يقول الجاحظ: " لم ينطق إلا عن
ميراث حكمة، ولم يتكلم إلا بكلام قد حُفَّ بالعصمة، وهو الكلام الذي ألقى الله عليه المحبة، وغشَّاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة.
وبين حسن الإفهام وقلة عدد الكلام. مع استغنائه عن إعادته.
وقلة حاجة السامع إلى معاودته ".
وكانت خطب الصحابة، مثل أبى بكر وعمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم، والأمثال والحكم المأثورة عنهم وعن غيرهم نماذج رائعة للأسلوب البليغ فحفظها الناس وروتها الأجيال.
* * *
* العصر الأموي:
وجاء العصر الأموى وهو عصر كان طابعه العام الفتن السياسية التي مزقت
أوصال الأمة وفرقتها شيعاً وأحزاباً. . شيعة وزبيريين، وأمويين وخوارج،
وأعادت العصبية العربية إلى الوجود مرة أخرى، وكانت ملاحظات هذا العصر
стр. 59
ترجع إلى الذوق العربي والاحتكام إلى اللغة كالنحو والصرف واستقرت
الاتجاهات النقدية في هذه الفترة في نواح ثلاث:
الأولى: نقد الذوأقين من الأدباء والخلفاء والرواة.
والثانية: الموازنة الدقيقة بين نصين اتحدا في الموضوع أو بين شاعرين
يجمعهما مذهب شِعرى واحد.
والثالثة: النقد العلمي المحتكم فيه إلى اللغة والنحو، ونذكر لكل مثالاً
فيما يأتى:
فمن نقد الذواقين قال أبو النجم يصف فرساً:
* يسبْحُ أُخراهُ وَيطفُو أولُه*
فنقده الأصمعى بقوله: إذا كان - الفرس - كذلك فحمار الكساح أسرع
منه، لأن اضطراب مؤخره قبيح، وإنما الوجه ما قال أعرابى في وصف فرس
أبى الأعور السلمى:
مر كَلمْح البَرْقِ شامَ نَاظِرُهْ. . . يَسْبَحُ أولاَهُ وَيْطفُو آخِرُهْ
فَمَا يَمَسُّ الأرضَ مِنْهُ حَافِرُهْ
وقد طابق الأصمعى - هنا - بين المضمون والشكل - أو بين المعنى والصورة
- فوجد اضطراباً في المعنى نجم عن تعبير الشاعر عنه بقوله: " يسبح أُخراه.
فنقده نقداً جمع فيه بين ذوق اهتدى بالفكر إلى فساد ما ذهب إليه الشاعر.
ومن نقد الموازنات أنشد بشار بن برد قول كثير عزة:
ألاَ إنمَا ليْلى عصى خَيْزَرَانَةٍ. . . إذَا غَمزُوها بِالاكُفِّ تَلينُ
стр. 60
فقال: لله أبو صخر، جعلها خيزرانة، فوالله لو جعلها عصا زبد لهجنها،
ألا قال كما قلت:
إذَا قَامتْ لحاجتِها تثنَتْ. . . كأنَ عِظامَهَا مِنْ خَيْزَرَانِ
أقول: وقد فات بشاراً في نقده للبيت المذكور ملحظ آخر. . هو أن كثيراً
جعل " ليلى " في قوله هذا مشاعاً بين الغامزين. . وكان الأحرى أن يثبت لها
الصون والعفاف. .
ومن النقد العلمي المحتكم إلى اللغة قول الحضرمى ينقد الفرزدق في قوله:
وعَفى زَمانٍ يا ابْنَ مَرْوَانَ لمْ يَدَعْ. . . مِنَ الناسِ إلا مُسْحِتاً أو مُجلَّفُ
فقد نقده أبو عبد الله الحضرمى النحوى بأنه عطف المرفوع: " مجلف " على
المنصوب: " مسحتاً ". والاحتكام في هذا النقد راجع إلى النحو.
وقال الفرزدق أيضاً:
وإذَا الرجالُ رَاوا يَزِيدَ رَأيْتَهُم. . . خُضْعَ الرقابِ نَواكِسَ الأبصارِ
فنقده أبو العباس محمد بن يزيد النحوى بأنه جمع " ناكس " على " نواكس "
وفواعل خاص بالمؤنث. . ولم يجمع الذكر على فواعل إلا في موضعين
" فوارس " و " هوالك " والمحتكَم إليه في هذا النقد هو الصرف.
" والحق أن الملاحظات البيانية كثرت. في هذا العصر، وهي كثرة عملت فيها بواعث كثيرة، فقد تمصر العرب واستقروا في الأمصار وازدهرت حياتهم العقلية وأخذوا يتجادلون في جميع شئونهم السياسية والعقدية. . ونما العقل العربي نمواً واسعا، فكان طبعيا أن ينمو النظر في بلاغة الكلام، وأن تكثر الملاحظات
التصلة بحسن البيان لا في مجال الخطابة والخطباء فقط. بل في مجال الشعر
والشعر اء.
стр. 61
ومع هذا الاتساع في إدراك الملاحظات البلاغية، فقد ظلت - كما هو الحال
فى العصرين: الجاهلى والإسلامى - متصلة بالنقد في أدق معانيه.
* * *
* العصر العباسي:
وفي العصر العباسي تجددت الحياة في كل جانب من جوانبها، وازدهرت
الثقافة والفكر ازدهاراً عكس آثاره على كل لون من ألوان الحضارة الإسلامية،
والباحث يرى خصائص العصر العباسي لم تتوافر لسواه، وهي تتمثل في ثلاث نواح:
الأولى: امتداد زمانى من سنة (١٣٢ إلى سنة ٦٥٦ هـ) حين سقطت بغداد
فى يد المغول بزعامة قائدهم هولاكو.
الثانية: امتداد مساحى اتسعت رُقعة الدولة فيه وانتظمت تحت لوائها كثير
من الأقطار والشعوب الأجنبية.
الثالثة: امتداد ثقافى في جميع الفنون والعلوم ونشطت حركة الترجمة من
اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية، وامتزجت الثقافة العربية بغيرها من لغات
الأمم التي شملها الفتح الإسلامى.
جاء في كتاب " تاريخ آداب اللغة العربية " لجرجى زيدان تلخيص
للكتب التي نقلت إلى اللغة العربية في العصر العباسي الأول (١٣٢ - ٣٣٢ هـ)
نوجزه فيما يأتى:
بلغت الكتب التي نُقِلت إلى اللغة العربية من اللغات الأخرى بضع مئات،
منها ثمانية في الفلسفة والأدب لأفلاطون، وتسعة عشر في الفلسفة والمنطق
والأدب لأرسطو، وعشرة في الطب لأبقراط.
وثمانبة وأربعون في الطب لجالينوس.
стр. 62
وبضعة وعشرون كتاباً في الرياضيات والنجوم لأقليدس وآخرين، ونحو عشرين كتاباً عن الفارسية في التاريخ والأدب.
ونحو ثلاثين كتاباً من السنسكريتية
وأكثرها في الرياضيات والطب والنجوم والأدب.
ونحو عشرين كتاباً من اللغة السريانية أو القبطية، وهناك بضعة كتب نقلت من اللاتينية والعبرانية ".
لهذه العوامل الثلاثة كان العصر العباسي هو العصر المذهبى بحق في مجال
العلوم والفنون، وقد حفل شأن هذا العصر بفحول العلماء والأدباء والنُقاد
والقُراء والخطباء. ونبغ فيه أعلام الفكر العربي الإسلامى نبوغاً منقطع النظير، ووُضِعت فيه كثير من الكتب.
فقد وضع كتاب " مجاز القرآن " لأبى عبيدة معمر بن المثنى (١٨٨ هـ)
الذي ألفه للفضل بن الرييع. وبعده كان كتاب " معاني القرآن " لأبى زكريا
الفراء (٢٠٧ هـ) وقد تحدث في كتابه هذا عن بعض الوجوه البلاغية مثل
الكناية والتشبيه والتمثيل والاستعارة، ولكنه لم يُصرح بذكر اسمها.
ووضع فيه الجاحظ (المتوفى ٢٥٥ هـ) كتابيه "البيان والتبيين "،
و" الحيوان " وفيهما - وخاصة الأول - كثير من التوجيهات البلاغية وهو أول مَنْ يُصرح باسم الاستعارة إذ يقول في قول الشاعر:
وَطفِفَتْ سَحَابَة تَغْشَاها. . . تَبْكِى عَلى إِعَراصِها عَيْنَاهَا
" جعل الطر بكاء من السحاب على طريق الاستعارة.
وهي تسمية الشيء باسم غيره إذ قام مقامه ".
وللجاحظ كتاب آخر غير المذكورين سماه " نظم القرآن " تحدث فيه عن كثير
من الفنون البلاغية ولهذا يعده بعض المحدَثين بأنه واضع علم البلاغة.
وجاء بعد الجاحظ تلميذه ابن قتيبة (المتوفى ٢٧٦ هـ) ووضع كتابه
" تأويل مشكل القرآن الكريم "، ولعله انتفع ببحوث أستاذه الجاحظ في هذا
стр. 63
المجال وتكاد تتفق تحليلاته البلاغية للنصوص مع ما انتهى إليه الرأي عند
المتأخرين من علماء البلاغة.
انظر إليه يقول: " العرب تستعير الكلمة إذا كان المسمى بها بسبب من
الأخرى، أو مجاوراً له، أو مشاكلاً: فيقال للنبات: " نوء "، لأنه يكون
من النوء عندهم. . ويقولون للمطر: " سماء "لأنه من السماء ينزل،
فيقال: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم. . قال الشاعر:
إذ نَزلَ السماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ. . . رَعَيْنَاهُ وإنْ كانوا غِضابا
ويقولون: ضحكت الأرض - إذا أنبتت - لأنها تبدى من حسن النبات
وتتفتق عن الزهر كما يفتر الضاحك عن الثغر. . ولذلك قيل لطلع النخل إذا انفتق عنه كافوره: الضحك! لأنه يبدو منه للناظر كبياض الثغر ".
وظاهر مما ذكره أنه لا يُفرق بين الاستعارة - التي يتحدث عنها - ويين المجاز
المرسل. لأن ما ذكره في المثال الأول مجاز مرسل. وكذلك الثاني، أما المثالان الأخيران فإن أولهما يمكن حمله على الاستعارة التمثيلية أو المكنية. والثاني استعارة أصلية تصريحية.
وقد استغرق باب الاستعارة أكثر من أربعين صفحة من كتابه المذكور.
وهو كغيره من السابقين لا يذكر قرينة المجاز.
هذه المحاولات - التي بدأت برضع أبى عبيدة كتاب " مجاز القرآن "
وانتهت بابن قتيبة حيث وضع كتاب " مشكل القرآن " - مهدت لظهور مرحلة جديدة أخذ العلماء فيها يسجلون من ملاحظاتهم الاصطلاحات الفنية للبلاغة، بدأت هذه المرحلة بابن المعتز، وانتهت بالسكاكى.
* * *
стр. 64
* كتاب البديع وسبب تأليفه:
ألف ابن المعتز - أبو العباس عبد الله بن المعتز (المتوفى ٢٩٦ هـ) كتابه
" البديع " سنة ٢٧٤ هـ.
وكان الباعث له على تأليفه ما يوضحه هو نفسه:
" قد قدمنا في أبواب كتابنا هذا بعض ما وجدنا في القرآن واللغة، وأحاديث
رسول الله ﷺ وكلام الصحابة والأعراب وغيرهم. . وأشعار المتقدمين من الكلام
الذي سماه المحدثون بديعاً ليعلم أن بشاراً ومسلماً وأبا نواس ومَن تقبَّلهم لم
يسبقوا إلى هذا الفن، ولكنه كثر في زمانهم حتى سمى بهذا الاسم فأعرب عنه
ودل عليه، ثم إن حبيب بن أوس الطائى - من بعدهم - شغف به حتى غلب
عليه. . . وأكثر منه فأحسن في بعض ذلك وأساء في بعض. . . وتلك عقبى
الإفراط وثمرة الإسراف ".
* البديع. . خمسة:
وقد بحث ابن المعتز في كتابه خمسة فنون تحت اسم " البديع " هي:
الاستعارة والتجنيس، والمطابقة، ورد الأعجاز على الصدور، والمذهب
الكلامى. . وحد ينتهى من الحديث عنها يردف عليها فنوناً أخرى بلغ بها ثلاثة عشر فناً سماها " محاسن الكلام ".
ويوضح أن هدفه من ذكر هذه الأنواع كلها لم يكن الحصر الشامل لجميع أنواع البديع ولا لجميع أنواع المحاسن،
وليس لأحد أن يدعى ذلك.
ويبدأ بالاستعارة فيُعرفها بأنها: " استعارة الكلمة لشيء لم يُعرف بها من
شيء قد عُرف بها ". وساق لها شواهد كثيرة من القرآن منها: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) ،
ومن الحديث النبوى: ". . . كلما سمع هيعة طار إليها ".
ومن كلامَ الصحابة قول علىَ كرم الله وجهه:
". . . واحلل عُقد الخوف عنهم "،
ومن كلام غيرهم قال: قال بعض الصالحين في ذم الدنيا:
стр. 65
دار غرست بها الأحزان. . . ".
وتكاد تكون الأمثلة التي ذكرها من قبيل
الاستعارة المكنية، كما تحدث عن الاستعارات الرديئة وذكر طائفة منها مثل! :
فَضَرَبْتُ الشتا في أخْدَعَيْهِ. . . ضَربةً غَادَرَتْهُ عَوْداً ركُوبا
وينتقل إلى الحديث عن التجنيس، ويُعرفه بقوله: أن تجيء الكلمة تجانس
أخرى في شعر أو كلام، ومجانستها لها أن تشبهها في تأليف حروفها على
السبيل الذىَ ألف الأصمعى كتاب " الأجناس " عليها. .
ويقسمه إلى نوعين: ما تجانس فيه الكلمتان في الحروف والمعنى، ومثل له بقول الشاعر:
يَوْمَ خَلجْتَ على الخليج نُفوسَهُمْ. . . غَضَباً وأنْتَ بِمْثِلهَا مُسْتَتامُ
أو يكون تجانسهما في الحروف دون المعنى، ومثل له بقول الشاعر:
يا صاحِ إنٌ أخَاكَ الصبَ مَهْمُومُ. . . فَارْفِقْ بِهِ إن لوم العَاشِقُ اللُّومُ. . .
أى اللؤم.
وبقوله تعالى: (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ،
وقوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ) . . .
وبقوله ﵊:
" عصيّة عصت الله، وغفَار غفر الله لها ".
ومن الشعر بقول أبى تمام:
جَلاَ ظلُلماتِ الظُلم عَنْ وَجْهِ أُمَّةِ. . . أضَاءَ لهَا مِنْ كَوكَبِ الحقِّ آفِلُهْ
وقد ساق كثيراً غير الذي ذكرناه.
وهو: إن لم يقسم الجناس إلى أنواعه المعروفة.
فإن كثرة الأمثلة التي ساقها كانت دليلاً للمتأخرين الذين نظروا فيها
وتوصلوا إلى وضع أقسام الجناس المختلفة وضبطها.
стр. 66
وطفق يتحدث عن الطباق - أو المطابقة - ويذكر تعريف الخليل له: " يقال
طابقتُ بين الشيئين إذا جمَعتهما على حذو واحد ".
ويمثل له من القرآن بقوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) ،
ويقول الرسول ﵇: "إنكم لتكثرون عند الَفزع، َ وتقلون عند الطمع ".
ومن الشعر بقول عبد الله بن الزبير الأسدى:
فَرَد شُعُورَهُن السودَ بِيضاً. . . وَرَد وَجُوهَهُن البِيضَ سُود،
وبعد أن أفاض في ذكر أمثلة الطباق الجيد ذكر ما رديء منه ممثلا له بقول
الأخطل:
قُلتُ المقامُ وَناعِبٌ قَالَ النوَى. . . فعَصَيْتُ أمْرِى وَالمطاعُ غُرابُ
ويُعلق عليه بقوله: وهذا من غث الكلام وبارده.
ثم تحدث عن رد الإعجاز على الصدور، وقسمه ثلاثة أقسام.
أولها ما وافق فيه آخر كلمة من البيت، آخر كلمة في نصفه الأول،
ومثل له بقول الشاعر:
تَلقَى إذ ما الأمْرُ كَانَ عَرَمْرَمَا. . . في جَيْشِ رَأى لاَ يُفَل عَرْمَوِمُ
وثانيها: ما يوافق فيه آخر كلمة من البيت أول كلمة في نصفه الأول،
ومثاله قول الشاعر:
سَرِيعٌ إلى ابْنِ العَئمَ يَلطمُ وَجْهَهُ. . . وَليْسَ إلى داع الندَى بِسَرِيع
وثالثها: ما يوافق فيه آخر كلمة من البيت بعض ما فيه، ومثاله قول
الشاعر:
عَمِيدُ بَنى سُليْم أقْصَدَتْهُ. . . سِهَامُ الموْتِ وَهِى لهُ سِهَامُ
ثم ختم حديثه عن فنون البديع الخمسة بالحديث عن المذهب الكلامى، ويقول:
إن الجاحظ هو الذي دعاه بهذا الاسم وإنه باب لم يجيء في القرآن منه شيء وهو ينسب إليه التكلف - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
стр. 67
وهو - لهذا - يقتصر في أمثلته على غير القرآن والحديث.
ولم يذكر له تعريفاً كما صنع في الأنواع الأربعة السابقة، وأمثلته التي ذكرناها لم تبلغ من حيث الإفاضة مثل ما أفاض في غيره.
ويبدو من هذا كله أن ابن المعتز - وهو الشاعر الرقيق الحس والناقد الحاد الذكاء - لم يرتح لهذا الفن لجريه على طريقة
أهل المنطق، كما جاء في كتاب " الصناعتين " لأبى هلال.
ونرى أبا هلال يحذ حذو ابن المعتز في أن القرآن يخلو من استخدام المذهب
الكلامى، أو هو - على الأقل - يردد ما قاله ابن المعتز، ثم يمثل له من غير
القرآن ومن غير الأحاديث، والباحث المدقق إذا نظر إلى هذا الفن - المذهب الكلامى - من حيث تعريفه عندهم ومن حيث الأمثلة التي ذكروها - تطبيقاً عليه - لا يعدم له مثالاً أو أمثلة في القرآن الكريم بل والسنة. والحُجة التي ذكروها وهي " التكلف ". ليست بلازمة في المذهب الكلامى. وهي عيب اشترط النقاد براءة البديع كله منه لا المذهب الكلامى فحسب.
فكلما استخدم القرآن البديع بألوانه المختلفة - خالياً من كل عيب - استخدم - كذلك - المذهب الكلامى - خالياً من عيب التكلف وغيره من العيوب الأخرى.
وحسبنا أن نذكر أن له أمثلة من القرآن، لا تختلف مع ما ذكروه من أمثلة
عليه من خارج القرآن، من حيث اندراجها تحت التعريف.
جاء في هامش " الصناعتين " ما يأتى:
" قالوا في تعريفه: هو إيراد حُجة للمطلوب على طريقة أهل الكلام.
وهو أن تكون المقدمات بعد تسليمها مستلزمة للمطلوب. .
وعلى ذلك لم يستشهد على المذهب الكلامى بأعظم من شواهد القرآن، وأوضح الأدلة في شواهد هذا النوع قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) ، قالوا فى
стр. 68
تقرير ذلك: وتمام الدليل أن تقول: لكنهما لم تفسدا فليس فيهما آلهة
غير الله.
وهذا الذي ذكره حق، ومن أمثلته - أيضاً - في القرآن: (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ) .
وقوله: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) .
وقوله: (كَمَا بَدَأكُمْ تَعُودُونَ) .
وقوله: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) .
وقوله: (وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧) .
وغير ذلك كثير، وإذا جاز لابن المعتز ومن بعده أبو هلال أن ينكرا وجود هذا النوع في القرآن، ابن المعتز بالأصالة وأبو هلال بالتقليد، فالأمر يسير لتقدم زمنيهما، فكيف يجوز لبعض المحدثين متابعتهما في ذلك؟
فقد رأينا الدكتور شوقى ضيف يذكر عن ابن المعتز هذه الشبهة - شُبهة
التكلف في المذهب الكلامى وعدم وروده في القرآن لذلك - دون أن يُنبه إلى وجه الصواب فيها على كثرة معالجته لكثير من المشاكل التي تعرض لها كتاب " البديع "
* * *
стр. 69
* محاسن الكلام:
أما الأنواع الأخرى التي خصئها باسم محاسن الكلام فقد ذكر منها: الالتفات
- الاعتراض - الرجوع - حسن الخروج - تأكيد المدح بما يشبه الذم - تجاهل المعارف - الهزل يُراد به الجد - حسن التضمين - التعريض والكناية - الإفراط فى الصفة - حسن التشبيه - لزوم ما لا يلزم - حسن الابتداء.
هذه إشارة سريعة لبديع ابن المعتز، وهو أول كتاب حاول فيه وضع ضوابط
للفنون البلاغية، ولا شك أن ابن المعتز قد أفاد من إشارات السابقين مثل
الجاحظ والأصمعى، خاصة وأنه نقل عن الأصمعى بعض أمثلته في الالتفات.
وهى قول الشاعر:
أتنْسَى إذْ تُوَدعُنَا سُليْمَى. . . بِعُودِ بَشَامَةٍ سُقِىَ البشَامُ
لكنه ينفرد عن السابقين بمحاولته الجادة، وتصنيفه المتخصص. ولذلك كان
لكتابه الآثار الآتية:
أولاً: أنه أول كتاب صُنف في البلاغة العربية. وتخصص فيها ولم يخلطها
بغيرها من فنون الأدب كما هو الحال عند الجاحظ والأصمعى.
ثانياً: أنه كشف عن زيف مدرسة البديع. . وادعائها أنها صاحبة الفضل فيه، فالقرآن الكريم والأدب النبوى والأدب الجاهلى - شعره ونثره - والأدب
الإسلامى - منظومه ومنثوره - هذه المصادر غنية بذكر الأمثلة التي تدل على
أصالة هذا الفن وعمق جذوره في الآداب الرفيعة.
ثالثاً: وكتاب " البديع " - بعد - دراسة فنية لعناصر الجمال في الفن
الأدبي جُمِعَ فيه محاسن الكلام التي ازدان بها كلام الفحول من الجاهليين
* والإسلاميين ووردت في الكتاب الكريم، وفي حديث الرسول ﷺ ، وكلام الصحابة والتابعين.
стр. 70
رابعاً: أنه مهَّد لنوعينِ من الدراسات:
النوع الأول: البحث البلاغى نفسه. حيث كان هذا الكتاب الشعاع الذى
أمسك به مَنْ جاء بعده من العلماء فعكفوا على دراسة الوجوه البلاغية وجمعها وتصنيفها والمضي بها خطوات إلى الأمام عصراً بعد عصر حتى اكتملت معالمها وأصبحت فناً مستقلاً بعد أن كانت مزيجاً مع الفنون الأخرى كاللغة والأدب، وخاصة النقد.
والنوع الثاني: أنه مهَّد لنوع جديد من النقد الذي كان له عظيم الأثر
فى إثراء النقد الأدبي عند العرب. واكتمال ووضوح دعائمه، هو نقد
" الموازنات ".
* * *
* قدامة بن جعفر:
وجاء قدامة بن جعفر (٢٧٥ - ٣٣٧ هـ) بعد ابن المعتز، ووضع كتابه
المعروف " نقد الشعر " وقد تحدث فيه عن البديع وفنونه بجانب حديثه عن
الشعر ومعايير الجوَدة فيه حيث - اللفظ، والوزن، والقافية، والمعنى. والذى يهمنا من هذا الكتاب حديثه عن البديع لاتصاله بموضوعنا.
والبديع - عن قدامة - ثمانية وعشرون فناً وافق ابن المعتز في ثمانية منها
وهى: الاستعارة، والتجنيس، والمطابقة، والالتفات، والاعتراض،
ويسميه " التتميم "، والإفراط في الصفة ويسميه " الغلو والتشبيه " (١) .
وينفرد قدامة بالأنواع الآتية:
١ - صحة التقسيم
٢ - صحة المقابلات
٣ - صحة التفسير
٤ - ائتلاف اللفظ مع المعنى
٥ - المساواة
٦ - الإشارة
стр. 71
٧ - الإرداف
٨ - التمثيل
٩ - ائتلاف اللفظ مع الوزن
١٠ - ائتلاف المعنى مع الوزن
١١ - ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت
١٢ - التوشيح
١٣ - الإيغال
١٤ - اعتدال الوزن
١٥ - ائتلاف لفظ مع لفظ
١٦ - تلخيص الأوصاف
١٧ - التوازى
١٨ - المضارعة
١٩ - عكس اللفظ أو عكس ما نظم من بناء
٢٠ - اتساق البناء والسجع.
وليس يعنينا من قدامة أكثر من هذا فإنه أمسك بالشعاع الذي أشعل فتيلته
ابن المعتز واستطاع أن يوسع دائرة الضوء في نفس الاتجاه.
بَيْدَ أن ما انتهى إليه ابن جعفر لم يكن موضع رضا عند المتأخرين نقاداً
وعلماء، وفضَّلوا عليه ابن المعتز في كل موضع اختلف معه فيه قدامة، ولعل
السر في ذلك أن قدامة قد سلك في كتابه مسلكاً منطقياً جافاً متأثراً بالثقافة
اليونانية القديمة.
* * *
* ابن طباطبا:
وجاء بعده ابن طباطبا فوضع كتابه " معيار الشعر " وهو يشرع فيه لصناعة
الشعر، وما ينبغى أن يلم به الشاعر فلا بدَّ له من طبع وذوق، قبل الوقوف
على عروضه. ولا بدَّ من معرفة علمي اللغة والنحو، والوقوت على أيام العرب وشِعرهم ونثرهم وحكمهم وأمثالهم. ولا بدَّ من معرفة مناهج فن الكلام جزله وعذبه. ولا بدَّ من الوقوف على ما يشين الشعر من سخيف الكلام وقبيحه، ولا بدَّ فيه من تمكين القوافى وإصابة الألفاظ مَواضعها.
стр. 72
وهو يُفرق بين حدى المنثور والمنظوم، ويتحدث عن أنواع المنظوم فيقسِّمه إلى ما حسن لفظه وجاد معناه وما حسن لفظه دون معناه.
أو معناه دون لفظه، وما تأخر لفظه ومعناه.
ويتحدث عن طريقة العرب في التشبيه - وهو من أهم مباحثه - ويقسمه إلى
وجوه: تشبيه الشيء بالشيء صورة. . كقول امرئ القيس:
كَأن عُيُونَ الوَحْشِ حَول خِبَائِنَا. . . وَأرْحُلِنَا الجِزْعَ الذِى لمْ يُثقبِ
ثم تشبيه الشيء بالشيء لوناً وصورة كتشبيه الثفر بالأقحوان، إذ لونهما
وصورتهما سواء، ثم تشبيه الشيء بالشيء صورة ولوناً وحركة وهيئة: كقول الشاعر:
الشمْسُ كَالمِرآةِ في كَفِّ الأشلِ. . . لمَّا رَأيُتهَا بَدَتْ فَوْقَ الجَبَلِ
ثم تشبيه الشيء بالشيء حركة وهيئة كقول الأعشى متغزلاً:
كَأن مِشْيَتِها من يَيْتِ جَارَتِهَا. . . مَر السحَابةِ لا رَيْث وَلاَ عَجَلُ
ثم تشبيه الشيء بالشيء معنى لا صورة، كتشبيه الجواد بالبحر، والشجاع
بالأسد، وماضى الأمور بالسيف.
ثم تشبيه الشيء بالشيء حركة وبطئاً وسرعة: كقول امرئ القيس يصف فرسه:
مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُدْبِرٍ مُقبِل مَعاً. . . كَجُلمُودِ صَخْرٍ حطَّهُ السيْلُ مِن عَلِ
وتشبيه الشيء بالشيء لوناً كتشبيه الخمر بالدم، والليل بلون الغراب. وتشبيه الشيء بالشيء صوتاً كتشبيه صوت النبل في الحروب ببكاء الثكلى. ويتحدث عن أدوات التشبيه: الكاف، وكأنَّ، ومثل، ويكاد، وتخال.
كما يتحدث عن التشبيهات المعيبة لمخالفتها لمعايير الجمال، كشدة الغلو
فيها، أو نبو التشبيه عن الذوق. كما تحدث عن التشبيهات البديعة الغريبة.
стр. 73
ويتحدث عن الكناية ويسميها " التعريض ". ويعرض لطائفة من الأبيات
المستكرهة الألفاظ المتفاوتة النسج. ولأخرى أفرط الشعر اء في معانيها وبالغوا مبالغة شديدة كقول أبى نواس يمدح الرشيد:
وَأخَفْتَ أهلَ الشرْكِ حَتى أنَّهُ. . . لتَخَافُكَ النُّطفُ التِى لمْ تُخْلقِ
وينقد قول زهير:
وَأعْلمُ مَا فِى اليَوْم وَالأمْسِ قَبْلهُ. . . وَلكِنًنِى عَنْ عِلم مَا في غَدٍ عَمَىٍ
فكلمة " عمى " عجيبة الوقع. ونسى أن يأخذ عليه كلمة " قبله " فقد
عدَّها النقاد حشواً لا معنى لها.
وفي الكتاب كثير من مسائل الأدب والنقد والبلاغة.
وقد رأينا أن الأساس الذي بنى عليه ابن طباطبا نقده يعتمد في كثير من الأحيان على التوجيه البلاغى ومقاييس البيان.
* * *
* أبو هلال العسكرى:
وتلا هؤلاء أبو هلال العسكرى، ووضع كتابه " سر الصناعتين " سنة
٣٩٤ هـ، ويُعد هذا الكتاب نقطة تحول في البيان العربي تناول فيه البلاغة
بروح الناقد، أو النقد بروح البليغ، وقد حدَّد أبو هلال وظيفة البلاغة في مقدمة
كتابه المذكور. ونوجز ما انتهى فيها فيما يأتي:
أولاً: أنها وسيدة فهم الإعجاز في كتاب الله، والإعجاز عنده يقوم عدى
الحُجة والبرهان، وعلم البلاغة هو الذي يقدم ذلك البرهان ويكشف عنه.
ثانياً: وصنَّاع الأدب ومنشئوه يقفون على الجيد الذي يقصدونه، والقبيح
الذي ينبغى أن يتحاشوه، والأديب الذي يعدم هذا العلم يمزج الصفو بالكدر، ويستعمل الوحشى العكر، فيجعل نفسه مهزلة للجاهل، وعبرة للعاقل.
стр. 74
ثالثاً: ورواة الأدب يعتبرون هذا العلم في معرفة الجيد الذي يُروَى، والرديء الذي ينبغى أن يُطرح، وبهذا القياس عاب أبو هلال - الأصمعى - الذي اختار قصيدة للمرقش جاء فى مطلعها:
هَلْ بِالدِّيَارِ أنْ تُجِيبَ صَمَمْ. . . لوأن حَيًّا نَاطِقاً كَلَّمْ
يقول أبو هلال: " ولا أدرى على أي وجه صرف اختياره إليها، وما هى
بمستقيمة الوزن، ولا مونقة الروى، ولا سلسة اللفظ، ولا جيدة السبك،
ولا متلائمة النسج ".
وبه أيضاً عاب الفضل لأنه كان يختار من الشعر ما يقل تداول الرواة له.
ويكثر فيه الغريب. ويعلل نقده للمفضل كما عَلله للأصمعى فيقول:
" لأن الغريب لا يكثر في كلام إلا أفسده، وفيه دلالة الاستكراه
والتكلف ".
رابعاً: وعلماء العربية والنقاد إفادتهم من معرفة البلاغة تفوق إفادة الأدباء
والرواة، لأن البلاغة تقدم لهم المقاييس التي يعتمدونها في الحكم على
الأدباء والتمييز بين آثارهم. . وصاحب العربية إذا أخل بطلب هذا العلم بان جهله، وظهر نقصه.
* * *
* قيمة الكتاب:
وكتاب " الصناعتين " غنى بالدراسات النقدية والأدبية والبلاغية.
وتظهر فيه سمة التقعيد ورسم الحدود وتقرير الموضوعات واستقلال البحث البلاغى.
وقد درس المؤلف من فنون البلاغة خارج دائرة البديع الفنون الآتية: التشبيه - الإيجاز والإطناب - السجع والازدواج.
стр. 75
ومعروف أن التشبيه من مباحث البيان، والإيجاز والإطناب من مباحث
المعاني. أما السجع والازدواج فمن مباحث البديع، وللعسكرى عذره فى
إخراجهما من دائرة البديع لأن مسائل العلوم الثلاثة لم تتضح كل الوضوح فى
عصره.
أما فنون البديع التي ذكرها في كتاب هذا فقد بلغت خمسة وثلاثين وجهاً
هى:
١ - الاستعارة والمجاز ٢ - التطبيق ٣ - التجنيس ٤ - المقابلة
٥ - صحة التقسيم ٦ - صحة التفسير ٧ - الإشارة ٨ - الإرداف
والتوابع ٩ - المماثلة ١٠ - الغلو ١١ - المبالغة ١٢ - الكناية
والتعريض ١٣ - العكس والتبديل، ١ - التذييل ١٥ - الترجيع
١٦ - الإيغال ١٧ - الترشيح ١٨ - رد الأعجاز على الصدور
١٩ - التكميل والتتميم ٢٠ - الالتفات ٢١ - الاعتراض ٢٢ - الرجوع
٢٣ - تجاهل المعارف ٢٤ - الاستطراد ٢٥ - المؤتلف والمختلف
٢٦ - السلب والإيجاب ٢٧ - الإستثناء ٢٨ - المذهب الكلامى
٢٩ - التشطير ٣٠ - المجاورة ٣١ - الاستشهاد والاحتجاج
٣٢ - التعطف ٣٣ - المضاعف ٣٤ - التطريز ٣٥ - التلطف.
هذه أنواع البديع كما ذكرها أبو هلال وقد قال إنه زاد على ما ذكره المتقدمون
ستة أنواع بينها وهي: التشطير، والمجاورة، والتطريز، والمضاعف،
والاستشهاد، والتلطف. وقد أفاض في شرح هذه الفنون جميعاً وأكثر من
إيراد الأمثلة عليها.
وجاء سهواً في كتاب "البيان العربي " للدكتور بدوى طبانة أن أبا هلال زاد
فنون البديع المعروفة عند المتقدمين سبعة فنون، وهي كما ذكرنا آنفاً ستة