٧ - الإرداف
٨ - التمثيل
٩ - ائتلاف اللفظ مع الوزن
١٠ - ائتلاف المعنى مع الوزن
١١ - ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت
١٢ - التوشيح
١٣ - الإيغال
١٤ - اعتدال الوزن
١٥ - ائتلاف لفظ مع لفظ
١٦ - تلخيص الأوصاف
١٧ - التوازى
١٨ - المضارعة
١٩ - عكس اللفظ أو عكس ما نظم من بناء
٢٠ - اتساق البناء والسجع.
وليس يعنينا من قدامة أكثر من هذا فإنه أمسك بالشعاع الذي أشعل فتيلته
ابن المعتز واستطاع أن يوسع دائرة الضوء في نفس الاتجاه.
بَيْدَ أن ما انتهى إليه ابن جعفر لم يكن موضع رضا عند المتأخرين نقاداً
وعلماء، وفضَّلوا عليه ابن المعتز في كل موضع اختلف معه فيه قدامة، ولعل
السر في ذلك أن قدامة قد سلك في كتابه مسلكاً منطقياً جافاً متأثراً بالثقافة
اليونانية القديمة.
* * *
* ابن طباطبا:
وجاء بعده ابن طباطبا فوضع كتابه " معيار الشعر " وهو يشرع فيه لصناعة
الشعر، وما ينبغى أن يلم به الشاعر فلا بدَّ له من طبع وذوق، قبل الوقوف
على عروضه. ولا بدَّ من معرفة علمي اللغة والنحو، والوقوت على أيام العرب وشِعرهم ونثرهم وحكمهم وأمثالهم. ولا بدَّ من معرفة مناهج فن الكلام جزله وعذبه. ولا بدَّ من الوقوف على ما يشين الشعر من سخيف الكلام وقبيحه، ولا بدَّ فيه من تمكين القوافى وإصابة الألفاظ مَواضعها.
стр. 72
وهو يُفرق بين حدى المنثور والمنظوم، ويتحدث عن أنواع المنظوم فيقسِّمه إلى ما حسن لفظه وجاد معناه وما حسن لفظه دون معناه.
أو معناه دون لفظه، وما تأخر لفظه ومعناه.
ويتحدث عن طريقة العرب في التشبيه - وهو من أهم مباحثه - ويقسمه إلى
وجوه: تشبيه الشيء بالشيء صورة. . كقول امرئ القيس:
كَأن عُيُونَ الوَحْشِ حَول خِبَائِنَا. . . وَأرْحُلِنَا الجِزْعَ الذِى لمْ يُثقبِ
ثم تشبيه الشيء بالشيء لوناً وصورة كتشبيه الثفر بالأقحوان، إذ لونهما
وصورتهما سواء، ثم تشبيه الشيء بالشيء صورة ولوناً وحركة وهيئة: كقول الشاعر:
الشمْسُ كَالمِرآةِ في كَفِّ الأشلِ. . . لمَّا رَأيُتهَا بَدَتْ فَوْقَ الجَبَلِ
ثم تشبيه الشيء بالشيء حركة وهيئة كقول الأعشى متغزلاً:
كَأن مِشْيَتِها من يَيْتِ جَارَتِهَا. . . مَر السحَابةِ لا رَيْث وَلاَ عَجَلُ
ثم تشبيه الشيء بالشيء معنى لا صورة، كتشبيه الجواد بالبحر، والشجاع
بالأسد، وماضى الأمور بالسيف.
ثم تشبيه الشيء بالشيء حركة وبطئاً وسرعة: كقول امرئ القيس يصف فرسه:
مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُدْبِرٍ مُقبِل مَعاً. . . كَجُلمُودِ صَخْرٍ حطَّهُ السيْلُ مِن عَلِ
وتشبيه الشيء بالشيء لوناً كتشبيه الخمر بالدم، والليل بلون الغراب. وتشبيه الشيء بالشيء صوتاً كتشبيه صوت النبل في الحروب ببكاء الثكلى. ويتحدث عن أدوات التشبيه: الكاف، وكأنَّ، ومثل، ويكاد، وتخال.
كما يتحدث عن التشبيهات المعيبة لمخالفتها لمعايير الجمال، كشدة الغلو
فيها، أو نبو التشبيه عن الذوق. كما تحدث عن التشبيهات البديعة الغريبة.
стр. 73
ويتحدث عن الكناية ويسميها " التعريض ". ويعرض لطائفة من الأبيات
المستكرهة الألفاظ المتفاوتة النسج. ولأخرى أفرط الشعر اء في معانيها وبالغوا مبالغة شديدة كقول أبى نواس يمدح الرشيد:
وَأخَفْتَ أهلَ الشرْكِ حَتى أنَّهُ. . . لتَخَافُكَ النُّطفُ التِى لمْ تُخْلقِ
وينقد قول زهير:
وَأعْلمُ مَا فِى اليَوْم وَالأمْسِ قَبْلهُ. . . وَلكِنًنِى عَنْ عِلم مَا في غَدٍ عَمَىٍ
فكلمة " عمى " عجيبة الوقع. ونسى أن يأخذ عليه كلمة " قبله " فقد
عدَّها النقاد حشواً لا معنى لها.
وفي الكتاب كثير من مسائل الأدب والنقد والبلاغة.
وقد رأينا أن الأساس الذي بنى عليه ابن طباطبا نقده يعتمد في كثير من الأحيان على التوجيه البلاغى ومقاييس البيان.
* * *
* أبو هلال العسكرى:
وتلا هؤلاء أبو هلال العسكرى، ووضع كتابه " سر الصناعتين " سنة
٣٩٤ هـ، ويُعد هذا الكتاب نقطة تحول في البيان العربي تناول فيه البلاغة
بروح الناقد، أو النقد بروح البليغ، وقد حدَّد أبو هلال وظيفة البلاغة في مقدمة
كتابه المذكور. ونوجز ما انتهى فيها فيما يأتي:
أولاً: أنها وسيدة فهم الإعجاز في كتاب الله، والإعجاز عنده يقوم عدى
الحُجة والبرهان، وعلم البلاغة هو الذي يقدم ذلك البرهان ويكشف عنه.
ثانياً: وصنَّاع الأدب ومنشئوه يقفون على الجيد الذي يقصدونه، والقبيح
الذي ينبغى أن يتحاشوه، والأديب الذي يعدم هذا العلم يمزج الصفو بالكدر، ويستعمل الوحشى العكر، فيجعل نفسه مهزلة للجاهل، وعبرة للعاقل.
стр. 74
ثالثاً: ورواة الأدب يعتبرون هذا العلم في معرفة الجيد الذي يُروَى، والرديء الذي ينبغى أن يُطرح، وبهذا القياس عاب أبو هلال - الأصمعى - الذي اختار قصيدة للمرقش جاء فى مطلعها:
هَلْ بِالدِّيَارِ أنْ تُجِيبَ صَمَمْ. . . لوأن حَيًّا نَاطِقاً كَلَّمْ
يقول أبو هلال: " ولا أدرى على أي وجه صرف اختياره إليها، وما هى
بمستقيمة الوزن، ولا مونقة الروى، ولا سلسة اللفظ، ولا جيدة السبك،
ولا متلائمة النسج ".
وبه أيضاً عاب الفضل لأنه كان يختار من الشعر ما يقل تداول الرواة له.
ويكثر فيه الغريب. ويعلل نقده للمفضل كما عَلله للأصمعى فيقول:
" لأن الغريب لا يكثر في كلام إلا أفسده، وفيه دلالة الاستكراه
والتكلف ".
رابعاً: وعلماء العربية والنقاد إفادتهم من معرفة البلاغة تفوق إفادة الأدباء
والرواة، لأن البلاغة تقدم لهم المقاييس التي يعتمدونها في الحكم على
الأدباء والتمييز بين آثارهم. . وصاحب العربية إذا أخل بطلب هذا العلم بان جهله، وظهر نقصه.
* * *
* قيمة الكتاب:
وكتاب " الصناعتين " غنى بالدراسات النقدية والأدبية والبلاغية.
وتظهر فيه سمة التقعيد ورسم الحدود وتقرير الموضوعات واستقلال البحث البلاغى.
وقد درس المؤلف من فنون البلاغة خارج دائرة البديع الفنون الآتية: التشبيه - الإيجاز والإطناب - السجع والازدواج.
стр. 75
ومعروف أن التشبيه من مباحث البيان، والإيجاز والإطناب من مباحث
المعاني. أما السجع والازدواج فمن مباحث البديع، وللعسكرى عذره فى
إخراجهما من دائرة البديع لأن مسائل العلوم الثلاثة لم تتضح كل الوضوح فى
عصره.
أما فنون البديع التي ذكرها في كتاب هذا فقد بلغت خمسة وثلاثين وجهاً
هى:
١ - الاستعارة والمجاز ٢ - التطبيق ٣ - التجنيس ٤ - المقابلة
٥ - صحة التقسيم ٦ - صحة التفسير ٧ - الإشارة ٨ - الإرداف
والتوابع ٩ - المماثلة ١٠ - الغلو ١١ - المبالغة ١٢ - الكناية
والتعريض ١٣ - العكس والتبديل، ١ - التذييل ١٥ - الترجيع
١٦ - الإيغال ١٧ - الترشيح ١٨ - رد الأعجاز على الصدور
١٩ - التكميل والتتميم ٢٠ - الالتفات ٢١ - الاعتراض ٢٢ - الرجوع
٢٣ - تجاهل المعارف ٢٤ - الاستطراد ٢٥ - المؤتلف والمختلف
٢٦ - السلب والإيجاب ٢٧ - الإستثناء ٢٨ - المذهب الكلامى
٢٩ - التشطير ٣٠ - المجاورة ٣١ - الاستشهاد والاحتجاج
٣٢ - التعطف ٣٣ - المضاعف ٣٤ - التطريز ٣٥ - التلطف.
هذه أنواع البديع كما ذكرها أبو هلال وقد قال إنه زاد على ما ذكره المتقدمون
ستة أنواع بينها وهي: التشطير، والمجاورة، والتطريز، والمضاعف،
والاستشهاد، والتلطف. وقد أفاض في شرح هذه الفنون جميعاً وأكثر من
إيراد الأمثلة عليها.
وجاء سهواً في كتاب "البيان العربي " للدكتور بدوى طبانة أن أبا هلال زاد
فنون البديع المعروفة عند المتقدمين سبعة فنون، وهي كما ذكرنا آنفاً ستة
стр. 76
وليست بسبعة. . كما وقع في نفس الكتاب المذكور خطأ آخر هو إسقاط نوع مما زاده أبو هلال وإثبات آخر مما لم يزده مكانه، ومن الخير أن نذكر ما جاء فى المصدرين ليسهل علينا إدراك الحقيقة.
أبو هلال يذكر في كتابه الفنون التي زادها على الترتيب كما يلى: التشطير
- المجاورة - التطريز - المضاعف - الاستشهاد - التلطف.
والدكتور طبانة يذكرها كما يلى: المجاورة - الاستشهاد - التعطف -
المضاعفة - التطريز - التلطف - المشتق.
وبنظرة عابرة يتضح لنا أمران:
أولهما: أن الدكتور طبانه أسقط مما زاده أبو هلال " التشطير " وهو النوع
الأول عند أبى هلال.
ثانيهما: أنه زاد على ما ذكره أبو هلال نوعين. هما: التعطف والمشتق.
* * *
* الطبع والصنعة:
وقد كان القرن الرابع الهجرى حافلاً بجهود العلماء والنقاد، وساعد على
جدية هذه الجهود وعظمة شأنها. أن وجد مذهبان في الشعر. مذهبان متقابلان لكل منهما أنصار وأتباع، ولكل منهما أعداء وقادحون.
أحدهما: مذهب " المطبوعون " الذين لا يتكلفون في صناعة الشعر، بل
يسيرون مع طبائعهم ويمثل هذا النوع أبو عبادة البحترى.
стр. 77
وثانيهما: مذهب " المتكلفون " الذين يبعدون في معانيهم ويحتالون لإيراد
" البديع " في شِعرهم يزينونه به، وإن كان ذلك على حساب المعنى. وجودة
التعبير، ويمثل هؤلاء أبو تمام.
وقد رأينا أن أول مَن حمل حملة شعواء على أصحاب البديع هو ابن المعتز،
بل إنه وضع كتابه للرد عليهم خاصة، وأنهم لم يأتوا بجديد لم يعرفه السابقون
بل إن إسرافهم فيه جعل له بهم شبه إضافة.
نقول: كانت هذه البوادر كلها سبباً في نشأة الخصومة الأدبية والفكرية بين
أنصار القديم والطبع. وأنصار الجديد والصنعة. وهذه الخصومة لم تقم على
غير أساس. بل كانت تعتمد على فروق في الأساليب بين المذهبين. - وهذه
الفروق لم تتضح إلا من كتابات البلاغيين، ولم تعتمد على شيء مثل اعتمادها على الوجوه البلاغية التي يستخدمها الشاعر أو الناثر في أسلوبه للكشف عن معانيه.
* * *
* صلة البلاغة بقضايا النقد الكبرى:
ونتيجة لذلك عالجت البلاغة قضيتين من أخطر قضايا النقد. وهما قضية
اللفظ والمعنى، وقضية الموازنة بين معنى ومعنى.
وليس من اليسير معالجة هاتين القضيتين في جزء من بحث. ولذلك فإننا
نتناولهما في إيجاز نتبين من خلاله صلة البلاغة بقضايا النقد الكبرى. ومدى
تأثيرها في صقل الأساليب وإجادة المعنى.
أما قضية اللفظ والمعنى فإن النقاد ينقسمون حولها ثلاثة أقسام:
فريق يُقدم المعنى على اللفظ. وينسب إليه كل فضل في صناعة الأدب ونقده، يقول ابن رشيق: " اللفظ جسمٌ روحه المعنى، وارتباطه به كارتباط الروح
стр. 78
بالجسم. يضعف بضعفه ويقوى بقوته، فإذا سلم المعنى واختل بعض اللفظ كان نقصاً في الشعر، وهجنة عليه. كما يعرض لبعض الأقسام من العرج والشلل والعور، وما أشبه ذلك من غير أن تذهب الروح، كذلك إذا ضعف المعنى واختل بعضه كان للفظ من ذلك أوفر حظ، كالذي يعرض للأجسام من المرض بمرض الروح. ولا نجد معنى يختل إلا من جهة اللفظ، وجريه فيه على غير
الواجب قياساً على ما قدمت من أدواء الجسوم والأرواح. فإن اختل المعنى
كله وفسد بقى اللفظ مواتا لا فائدة فيه وإن كان حسن الطلاوة في السمع.
كما أن الميت لم ينقص من شخصه شيء في رأي العين، إلا أنه لا ينتفع به.
ولا يفيد فائدة، وكذلك إن اختل اللفظ جملة وتلاشى لا نجد له معنى لأنا لا
نجد روحاً في غير جسم ألبتَّة ".
فابن رشيق - وإن بدا أنه يسوى بين اللفظ والمعنى - فإنه يقدم المعنى على
اللفظ ما دام المعنى روحاً والجسم هو اللفظ. . .
وكذلك يرى ابن الأثير: " اعلم أن العرب كما كانت تعنى بالألفاظ
فتصلحها وتهذبها فإن المعاني أقوى عندها وأكرم عليها وأشرف قدرا فى
نفوسها. فأول ذلك عنايتها بالألفاظ لأنها كانت عنوان معانيها. وطريقا إلى
إظهار أغراضها، أصلحوها وزينوها وبالغوا في تحسينها ليكون ذلك أوقع فى
النفس. وأذهب بها في الدلالة على القصد، فإذا رأيت العرب قد أصلحوا
ألفاظهم وحسنوها. ورققوا حواشيها وصقلوا أطرافها فلا تظن أن العناية إذ
ذاك بالألفاظ فقط. بل هي خدمة منهم للمعاني. ونظير ذلك إبراز الصور
الحسناء في الحلل الموشية. والأثواب الحبرة، فإنَّا قد نجد من المعاني الفاخرة
ما يشوِّه من حسنه بذاذة لفظه وسوء العبارة عنه ".
стр. 79
وابن الأثير - في هذا النص - أقوى دلالة على بيان مذهبه من ابن رشيق -
وإن سار هو على طريقته في التقرير.
ويرى الجاحظ أن أبا عمرو الشيبانى كان لا يحفل إلا بالمعنى، فمتى
كان المعنى رائقا حسناً ظل كذلك في أي عبارة وُضِعَ فيها. ورأيه هذا مطابق
لما حكاه " أرسطو " عن السوفسطائى " بريزون " من أنه لا حسن ولا قبح فى
اللغة، ففى أي الكلمات وضعت الفكرة فالمعنى سواء.
ومن أنصار المعنى، الآمدى من النقاد، وابن الرومى والمتنبي من الشعر اء،
فهؤلاء يطلبون صحة المعنى. ولا يبالون - أحياناً - حيث وقع من هجنة اللفظ وخشونته
على أن من هؤلاء مَن لا يهمل اللفظ في العمل الأدبي. بل ينظر إليه نظرة
تقدير واحترام، ولكنها نظرة ليست مثل نظرته إلى المعنى فهو السابق.
وإليه يعزَى كل فضل.
والذي حمل هذا الفريق على التعصب لناحية المعنى. ما رأوه من جودة
السبك دون العناية بجمال المعنى عند أصحاب التصنع الذين اتخذوا الأدب
صناعة، ولم يروا فيه إلا وصف الألفاظ وجودة السبك، دون العناية بخطر
الموضوع، وأهمية الموقف، وصدق المعنى وحسن الدلالة. . وهذا أمر ضاق به كثيرون من النقاد.
يقول الآمدى: " وقد رأيتُ جماعة من متخلفى هذه الصناعة يجعلون كل
همهم مقصوراً على الألفاظ التي لا حاصل وراءها، ولا كبير معنى تحتها. وإذا أتى أحدهم بلفظ مسجوع، على أي وجه كان من الغثاثة والبرد، يعتقد أنه
стр. 80
أتى بأمر عظيم ولا شك في أنه صار كاتباً مفلقاً. وإذا نظر إلى كتاب زماننا
وجِدوا كذلك، فقاتل الله القلم الذي يجري في أيدى الجهال الأغمار ".
* * *
* تقديم اللفظ على المعنى:
ويقابل هذا الرأي اتجاه آخر يرى القائلون به أن الصياغة هي المقوِّم الأساسى
للأدب، فلا بدَّ أن يستوفى الأسلوب مقوماته اللفظية، أن تكون الجمل
مستوفاة خصائص الصياغة الفنية ليدخل الكلام في باب الأدب لأن المعاني
مشاع بين الأدب وغيره من العلوم، ولكن الذي يُفرق بين الأدب والعلوم الأخرى إنما هي اللغة بما فيها من فنون تعبيرية وخصائص فنية، ولذلك فإن المعاني العلمية يمكن أن تؤدى في أساليب أدبية إذا سلك كاتبها مسالك المتأدبين.
وهذا الرأي يسمو بالألفاظ في نظرته لها، ويجعل المعنى دونها وإن كانت
الصلة بين العنصرين وثيقة العرى.
من هؤلاء الجاحظ حيث يقول: " والمعاني مطروحة على الطريق يعرفها
العجمى والعربي والبدوى والقروى والمدنى، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير
اللفظ وسهولة المخرج وكثرة الماء وفي صحة الطبع وجودة السبك فإنما الشعر صياغة وضرب من النسج وجنس من التصوير ".
ومنهم قدامه بن جعفر، إذ يرى أن المعاني مادة الشعر، واللفظ صورته،
ولا ينبغى الحكم على الشعر بمادته - أي معناه - وإنماَ يُحكم عليه بصورته - أى عباراته - كما لا يُعاب النجار من حيث رداءة الخشب في ذاته، وإنما يُمدح أو يُذم من حيث صناعته هو.
ومنهم ابن خلدون إذ يعتبر الألفاظ أصلاً والمعاني تابعة لها. وهو في هذا
يردد ما ذهب إليه الجاحظ ولكنه غالى في قيمته. وأفرط في حكمه. وفي هذا
стр. 81
يقول ابن خلدون: ". . . وفي طوع كل فكر منها - أي المعاني - ما يشاء
ويرضى، فلا يحتاج إلى صناعة. وتأليف الكلام للعبارة عنها هو المحتاج إلى
الصناعة. وكذلك جودة اللغة وبلاغتها في الاستعمال تختلف باختلاف طبقات الكلام في تأليفه. . باعتبار تطبيقه على المقاصد، والمعاني واحدة في نفسها.
وإنما الجاهل بتأليف الكلام وأساليبه على مقتضى ملكة اللسان - إذا حاول
العبارة عن مقصوده ولم يحسن - بمثابة القعد الذي يروم النهوض ولا يستطيعه
لفقدان القدرة عليه ".
وعند أصحاب هذا الرأي: أن الأدب عبارة جميلة وكفى. .
وقد سئل الأصمعى: مَن أشعر الناس؟ . . .
قال: " مَن يأتى إلى المعنى الخسيس
فيجعله بلفظه كبيراً، أو إلى المعنى الكبير فيجعله بلفظه خسيساً ".
ويقول المرزوقي: " فمن البلغاء مَن يقول: فقر الألفاظ وغررها. كجوهر
العقود ودررها، فإذا رسم أغفالها بتحسين نظومها. وحلى أعطالها بتركيب
شذورها فراق مسموعها وجاء ما حرر منها مصفىً من كدر العيِّ والخطل،
مقوماً من أود اللحن والخطأ، يموج في حواشيه رونق الصفاء لفظاً وتركيباً.
قبله الفهم والتذ به السمع، وإذا ورد على ضد هذه الصفة صدئ الفهم منه.
وتأذى به تأذى الحواس بما يخالفها ".
وقد بحث ابن سنان الخفاجى معايير حسن اللفظ فذكر منه تباعد الحروف فى
المخرج، وذلك لأن الحروف أصوات تجرى من السمع مجرى الألوان من البصر، والألوان المتباعدة إذا جُمِعت كانت في النظر أحسن من المتقاربة. وجل كلام العرب مبنى على التأليف من الحروف المتباعدة، ولحروف الحلق الستة ميزة خاصة فى القبح إذا تقاربت مثل " الهقخع "، ومن معايير حسن اللفظ حسن وقعه على السمع فتسمية الغصن غصناً أو فنناً أحسن من تسميته عسلوجاً.
стр. 82
ومن معايير جمال اللفظ عند ابن سنان ألا تكون الكلمة وحشية غير مألوفة
الاستعمال، وقد مثل لذلك بقول أبى تمام:
. . . . . . . . بِلاَ طائرٍ سَعْدٍ، وَلاَ طائرٍ كَهْلِ
إذ المراد بـ ((الكهل " هنا: الضخم، وليس هذا المعنى معروفاً لها.
وألا تكون الكلمة مبتذلة أي أخلقها الاستعمال. ومثل لها بقول ابن نباتة:
فَقَدْ رَفَعَتْ أبْصَارَهَا كُل بَلدَةٍ. . . من الشوْقِ حتى أوْجَعَتْهَا الأخَادعُ
فكلمة " أوجعتها " عامية مبتذلة.
وأن تكون الكلمة جارية على قواعد اللغة، وأن تكون قليلة الحروف، لذلك عاب قول ابن نباتة أيضاً:
فَإياكُمو أن تَكْشِفُوا عَنْ رِءُوسِكُمْ. . . ألاَ إن مغْنَاطيسَهُن الذوَائِبُ
لأن كلمة " مغناطيسهن " كثيرة الحروف.
ويورد معياراً آخر لجمال اللفظ: ألا تكون الكلمة عُثر بها عن معنى يُكره
ذكره، فإذا وردت غير مقصود بها ذلك المعنى قبحت. مثل كلمة " جنابة "
فى قول الشريف الرضى متغزلاً:
سَلاَمُ على الأطلاَلِ لاَ عَنْ جنابَةٍ. . . وَلكِن يأسَاً حِينَ لم يَبْق مَطمَعُ
وصفوة القول: إن اللفظ المفرد لا يكون جميلاً عند ابن سنان إلا إذا خلا من
ثمانية عيوب ذكرها ومثل لها. فكان بلاغياً ناقداً في آن واحد.
ويسوق قدامة بن جعفر نصاً يبين فيه مقوِّمات جمال الألفاظ فيقول:
" وأحسن البلاغة الترصيع، والسجع، واتساق البناء. واعتدال الوزن واشتقاق لفظ من لفظ وعكس ما نظم من بناء وتلخيصه بألفاظ مستعارة وإيراد
стр. 83
الأقسام موفورة التمام وتصحيح المقابلة بمعان متعادلة، وصحة التقسيم باتفاق النظوم وتلخيص الأوصاف بنفى الخلاف، والمبالغة في الرصف بتكرير الوصف.
وتكافؤ المقابلة بالتوازن وإرداف اللواحق وتمثيل المعاني ".
وهكذا تصرف همم هذا الفريق إلى جمال الألفاظ، وجودة السبك، ظناً منهم
أن الأقدمين ذهبوا بالمعاني كلها ولم يتركوا منها ضرعاً لمحتلب. فكان لا بد
من التسابق في ميدان اللفظ وروعة التعبير.
* * *
* قيمة هذا المذهب:
ولهذا المذهب خطره في الأدب ونقده. وإن تطرف بعض دعاته كابن خلدون
وقدامة، ذلك لأن الأسلوب أو الأداء اللفظي هو دليل المعنى وآلة البيان،
ولولا الأسلوب ما وقفنا على ما يجول في نفس الأديب من معان وأخيلة
وعواطف وصور أدبية، فليس الأديب تمثالاً صامتاً وإنما هو طائر يغرد،
وتغريده هو الذي يكشف لنا عن عالمه الفسيح. والطعام الطيب إذا قُدَم فى
أوانٍ نفيسة كان أشهى للنفس وأمتع للذوق.
* *
* نظرة عادلة:
الرأيان اللذان قدمناهما متقابلان فهما يصنعان مشكلة.
ومن هنا تبدو قيمة رأى فريق ثالث
ويرى هذا الفريق ألا تفرقة في العمل الأدبي ونقده بين معانيه وألفاظه، فهم
- إذن - يسوون بين اللفظ والمعنى، ولكل منهما معايير حسن وجمال، ولكل منهما وظيفة يؤديها لكن ليس منفرداً بل باعتبار ارتباطه بالآخر، فإذا توفرت لهما أوصاف الجمال قدما نموذجاً رائعاً من الأدب يمتع من أي جهة نظر إليه سواء من
стр. 84
جهة لفظه، أو من جهة معناه مثل سلكى الكهرباء السالب والموجب عندما
يتماسان ينطلق منهما الشعاع الذي يبدد طبقات الظلام وإن كان كثيفاً.
وإن أزيل اتصالهما فلا نحس لأى منهما أثرا.
فالمعنى بدون اللفظ جنين في ضمير الغيب. واللفظ بدون معنى لا يعتبر.
وهؤلاء على حق فيما ذهبوا إليه لأنهم يحلون تلك المشكلة التي رأيناها بين
الفريقين السابقين. ولأنهم يمثلون الواقع. . فهى نظرة معتدلة حرية بالاعتبار.
ومن أقدم النصوص في هذا المذهب صحيفة بشر بن المعتمر المعتزلى (المتوفى
عام ٢١٠ هـ) وقد ذكرها الجاحظ في " البيان والتبيين ". . . وفيها ينصح
بترك التوعر والتكلف " فإن التوعر يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذى
يستهلك معانيك ويشين ألفاظك. . وَمن رام معنى كريماً فيلتمس له لفظاً كريماً.
فإن حق المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقهما أن تصونهما عما يفسدهما ويهجنهماً.
وفي موضع آخر يقول: " أن يكون لفظك رشيقاً عذباً وفخماً سهلاً، ويكون
معناك ظاهراً مكشوفاً وقريباً معروفاً "
والباحث يرى أنه في الموضعين يتحدث عن جمال اللفظ وجمال المعنى،
ويسوى بينهما ويمضى في الصحيفة مشرعاً للأدب. وناصحاً للأديب.
فهى - بحق - تشريع فريد في صناعة الأدب وبناء الأسلوب. لا فرق بين
الشكل أو المضمون وكان لهذا التوجيه أثره في تقعيد البلاغة العربية.
وممن يسوون بين اللفظ والمعنى ابن قتيبة. فخير الشعر - عنده - ما حسن
لفظه، وجاد معناه، فإذا قصر اللفظ عن المعنى، أو حلا اللفظ ولم يكن وراءه طائل كان الكلام معيباً.
стр. 85
ويسوق نموذجاً على ذلك هو قول الشاعر:
وَلمَّا قَضيْنَا مِنْ مِنًى كُلَّ حَاجَةٍ. . . وَمسحَ بِالأركَانِ مَن هُوَ مَاسِحُ
وَشُدَّتْ عَلى هُدْبِ المهَارَى رِحَالُنَا. . . وَلمْ يَنْظرِ الغَادىِ الذِى هُوَ رَائحُ
أخَدنا بأطرَافِ الأحَاديثِ بِيْنَنَا. . . وَسَالتْ بِأعْنَاقِ المطِىِّ الأبَاطِحُ
ثم يقول: " وهذه الألفاظ أحسن شيء مطالع ومخارج ومقاطع. فإذا نظرتَ إلى ما تحتها وجدته: ولما قضينا أيام مِنًى واستلمنا الأركان وعالينا الإبل
الأنضاد ومضى الناس لا ينظر مَن غدا الرائح ابتدأنا في الحديث وسارت
المطىُّ في الأباطح ".
والشاعر البحترى يرى التسوية بين الألفاظ والمعاني فيقول:
حَجَجٌ تُخْرِسُ الألدَّ بِألفَا. . . ظٍ فَرَادَى كَالجَهَرِ المعْدُوِد
وَمَعانِ لوْ فَصًلتْهَا القَوافِى. . . هَجَّنَتْ شِعْرَ جْرَولٍ وَلبِيدِ
حُزْنَ مُسْتَعْمَل الكَلاَماخْتِيَاراً. . . وَتَجَنَّبْنَ ظلمة التَّعقيدِ
وركبْنَ اللفْظَ القَرِيبَ فأدْركنَ. . . بِهِ غَايةَ المرَادِ البَعِيدِ
وعبد القاهر الجرجانى ممن يسوون في صناعة الأدب بين اللفظ والمعنى. وإن
لم يصرح بذلك. لأنا نجده أحياناً يثنى على اللفظ دون المعنى، وأحياناً أخرى
يثنى على المعنى دون اللفظ، ولعله كان يقصد الرد على المتطرفين فلامَ كلا
الجانبين لنفى ذلك التطرف إلى جانب دون آخر وغرضه من ذلك إثبات التساوى بين العنصرين: الألفاظ والمعاني.
стр. 86
فتراه يقول دفاعاً عن اللفظ:
" واعلم أن الداء الدوى، والذي أعيى أمره في هذا الباب، غلط مَن قدم
الشعر لمعناه. وأقَلَّ في الاحتفال باللفظ، وجعل لا يعطيه من المزية - إن هو
أعطى - إلا ما فضل عن المعنى، يقول ما في اللفظ لولا المعنى، وهل الكلام
إلا بمعناه؟ فأنت تراه لا يقدم شِعراً حتى يكون قد أُودع حكمه وأدباً، واشتمل على تشبيه غريب ومعنى نادر ".
ويقول: ". . لأنا لا نرى متقدماً في علم البلاغة، مبرزاً في شأوها، إلا
وهو ينكر هذا الرأي ويعيبه ويزرى على القائل به ".
وهذا يدلنا دلالة واضحة على أن عبد القاهر ليس ممن ينحازون إلى المعاني،
ويفضلونها على الألفاظ.
ثم يقول بعد جولات واسعة المدى بعيدة العمق يرجع فيها المزية إلى المعنى
دون اللفظ: " قد فرغنا الآن من الكلام على جنس المزية وأنها من حيز المعانى
دون الألفاظ، وأنها ليست لك حيث تسمع بأذنك بل هي حيث تنظر بقلبك، وتستعين بفكرك، وتعمل رويتك وتراجع عقلك.
وبلغ القول في ذلك أقصاه، وانتهى إلى مداه ".
стр. 87
* وقفة:
والناظر في هذه النصوص يرى أن الرجل - عبد القاهر - يناقض نفسه، أو
أنه ما قال في شأن اللفظ والدفاع عنه إلا بعد نسيان ما قرره في جانب المعنى
ونسبة الفضل إليه، وإلا لما صح أن يقع منه هذا التضارب الذي لا يخفى شأنه على إنسان، ولا مخرج من هذا الإشكال إلا أن نقرر ما قلناه في مطلع الحديث عنه من أنه حين حمل على مَن يفضل المعاني على الألفاظ إنما كان يضع نصب عينيه مغالاة القائلين بها الرأي. وعندما حمل على مَن يفضل الألفاظ على المعاني كان كل همه أن يدفع مغالاتهم وتطرفهم فيها.
على أن في كتابه هذا - دلال الإعجاز - نصوصاً يمكن أخذ رأى عبد القاهر
من النظر إليها في وضوح.
ورأيه الذي يصل إليه الباحث هو المساواة بين العنصرين دون حيف منه على
أحدهما لحساب الآخر. فهو يقول: " ولا جهة لاستعمال هذه الخصال - يقصد حسن الدلالة - غير أن يؤتى المعنى من الجهة التي هي أصح لتأديته. . ويختار له اللفظ الذي هو أخص به وأكشف عنه وأتم له، وأحرى بأن يكسبه نبلاً ويظهر فيه مزية".
ويقول: " فقد اتضح إذن اتضاحاً لا يدع مجالاً للشك أن الألفاظ لا
تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة ولا من حيث هي كلمة مفردة. .
وأن الألفاظ تثبت لها الفضيلة وخلافها في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها أو ما أشبه ذلك مما لا تعلق له بصريح اللفظ ".
стр. 88
ولا ينسى عبد القاهر في كل ذلك فضيلة النظم التي من أجلها وضع أصول
الكتاب، فإنكاره لمزية اللفظ - مفرداً - إنكار - بدلالة اللزوم - لمزية المعنى المفرد - ولذلك فهو يقول: " علمتَ - بفتح التاء - أن الفصاحة والبلاغة، وسائر ما يجرى في طريقهما أوصاف راجعة إلى المعاني وإلى ما يدل عليه بالألفاظ دون الألفاظ أنفسها لأنه إذا لم يكن في القسمة إلا المعاني والألفاظ.
وكان لا يعقل تعارض في الألفاظ المجردة إلا ما ذكرت لم يبق إلا أن تكون
المعارضة معارضة من جهة ترجع إلى معاني الكلام المعقولة. . . دون ألفاظه
المسموعة ".
ذلك هو رأى عبد القاهر في قضية اللفظ والمعنى، وهو رأى حرى بالقبول
لخلوه من التصرف ولتمثيله للواقع.
وله في أسرار البلاغة ما يؤيد هذه الفكره. يقول فيه: " الألفاظ خدم
للمعاني والمصرِّفة في حكمها. وكانت المعاني هي المالكة سياستها المستحقة
طاعتها. فمَن نصر اللفظ على المعنى كان كمن أزال الشيء عن جهته. وأحاله عن طبيعته وذلك مظنة من الاستكراه ".
وهو في هذا النص يدفع الغلو من جهة اللفظ، وإهمال المعنى. .
وقبله يقول:
" فقد تبين لك أن ما يعطى التجنيس من الفضيلة أمر لم يتم إلا بنصرة المعنى،
إذ لو كان باللفظ وحده لما كان فيه مستحسن ولا وُجِدَ فيه إلا معيب مستهجن ولذلك ذم الإكثار منه والولوع به ".
فلكل من المعنى واللفظ دوره في روعة العمل الأدبي.
ولكنا نراه فى " الأسرار " ينتصر للمعاني أكثر من إِثباته مزايا الألفاظ، وفي " الدلائل "
стр. 89
كان حَكَماً عدلاً بينهما. ولعل السر أن التعصب للفظ وقت أن وضع " أسرار البلاغة " كان قد بلغ مداه.
* * *
* قيمة مذهب عبد القاهر:
كانت فكرة النظم التي أشار إليها الجاحظ وتبناها عبد القاهر الجرجانى ففتح
أكمامها وبعثها في كتابه " الدلائل " حديقة دانية القطوف. وارفة الظلال.
كانت هذه الفكرة فتحاً جديداً في مجالات البلاغة والبيان والأدب والنقد. وقد سبق عبد القاهر المفكرين المعاصرين بزمن طويل حين أرسى قواعد هذه النظرية التي يتعانق فيها الشكل والمضمون وتبدو فيها قيمة الألفاظ والمعاني مجتمعة دونما تفضيل.
" مذهب عبد القاهر هو أصح وأحدث ما وصل إليه علم اللغة في أوروبا
لأيامنا هذه، هو مذهب العالِم السويسرى الثبت " فردنان دى سوسير " (المتوفى سنة ١٩١٣) . لقد فطن عبد القاهر إلى أن اللغة ليست مجموعة من الألفاظ
بل مجموعة من العلاقات ".
وقد أخذ بنظرية عبد القاهر عالم وناقد إيطالى هو " بندتو كروتشيه "
ونظريته في النقد ذات خطر عظيم.
وفي هذه النظرية إجابة شافية عن سؤال مهم في مجال النقد الجمالى:
هل الجمال ينحصر في المضمون وحده؟ أم في الشكل وحده؟ أم هو فيهما
معاً؟
وعلى ما هو معروف بين فلاسفة الجمال من المراد من الشكل والمضمون، فإن عبد القاهر كان عالياً في منهجه إذ أرجع التذوق الجمالى إلى الشكل والمضمون كليهما. لهذا يلتقى " بندتو كروتشيه " مع عبد القاهر في هذا المنهج السليم.
стр. 90
لأن كروتشيه " يحدد المضمون بالأحاسيس أو الناحية الانفعالية قبل صقلها
صقلاً جمالياً، وأما الشكل فهو صقلها وإبرازها في تعبير عن طريق النشاط
الفكرى، وعلى هذا يأبى " كروتشيه " أن تكون الحقيقة الجمالية محصورة
فى المضمون. وإنما هي ترجع إلى الشكل بما يحويه من أحاسيس وخيالات
وعواطف وانفعالات، لأن أهمية المضمون عنده تنحصر في التعبير عنه تعبيراً
جمالياً".
* * *
* الموازنة بين معنى ومعنى:
وأما الموازنة بين معنى ومعنى فإن الباحث يرى أن الوجوه البلاغية من أهم
العناصر التي كانت تعتمد عليها هذه الموازنات. ونورد بعض الأمثلة فيما
يأتى لنرى إلى أي مدى كانت الوجوه البلاغية تذكيها وتوجهها وتتخذ أساساً
للحكم أو القبح فيها.
فالآمدى وهو أحد رجلين وضعا أصول النقد المنهجى عند العرب، أكثر
ما يقوم عليه مذهبه النقدى هو الملاحظات البلاغية فقد ذكر ابن المعتز قول
أبى تمام:
فَضَربْتُ الشتَاء في أخْدَعَيْهِ. . . ضَريةُ غَادَرَتْهُ عُوْداً ركوبَا
على أن فيه استعارة معيبة، فجاء الآمدى يدافع عن أبى تمام فيقول: "فأما
قوله - يعنى أبا تمام - " فضربتُ الشتاء في أخدعيه " فإن ذكر الأخدعين على قبحهما أسوغ، لأنه قال: " ضربة غادرته ". .
وذلك أن العود المسن من الإبل يُضرب على صفحتى عنقه فيذل، فقربت الاستعارة هنا من الصواب قليلاً".
стр. 91
وللآمدى باب خاص عقده " لا عيب من الاستعارة عند أبى تمام " ويورد
الآمدى بعض استعارات القرآن شارحاً لها وموضحاً أوجه الجمال فيها.
وبهذا القياس نفسه - قبح الاستعارة أو حسنها - يعيب قول أبى تمام:
يَا دَهَرْ قَوِّمْ مِنْ أخْدَعَيْكَ فَقَد. . . أضجَجْتَ هذا الأنامَ من خَرقِك
ويتساءل: أي ضرورة دعته للأخدعين؟ وكان يمكن أن يقول: من اعوجاجك، أو: قَوم من عوج صنعتك، أو: يا دهر أحسن بنا الصنيع، لأن الأخرق هو الذي لا يحسن العمل. .
وعاب - كذلك - قوله:
وَحُمِّلتُ مَا لوْ حُمِّلَ الدهْرُ شَطرَهُ. . . لفَكرَ دَهْراً أَىَّ عِبْئَيْهِ أثقَلُ
إذ جعل للدهر عقلاً، وجعله مفكراً في أي العبئين أثقل، وما معنى أبعد من
الصواب من هذه الاستعارة، وكان الأليق بهذا المعنى لما قال:
" وحملت ما لو حمل الدهر شطره " أن يقول: لتضعضح، أو لانهد، أو لأمن الناس صروفه ونوازله. ونحو هذا مما يعتمده أهل المعاني في البلاغة.
والموازنة في هذه الأمثلة بين معنى قيل وفيه خطأ ومعنى كان يجب أن يقال.
ويورد للبحترى بيتاً آخر وينقده. وهو قوله:
قِفْ العِيسَ قَدْ أدنَى خُطاهَا كَلاَلُها. . . وَسَلْ دَارَ سُعْدَى إنْ شَفَاكَ سُؤَالُها
يقول الآمدى: وهذا لفظ حسن ومعنى ليس بالجيد، لأنه قال: " أدنى
خطاها كلالها ". أي قارب من خطوها الكلال، وهذا كأنه لم يقف لسؤال
الديار التي تعرض لأن الوقوف يشفيه وإنما وقف لإعياء المطي.
والجيد قول عنترة:
فَوَقَفْتُ فِيهَا ناقَتِى وكَأنهَا. . . فَدِنٌ لأقْضِى حَاجَةً المتُلوِّمِ
стр. 92
فإنه لما أراد ذكر الوقوف احتاط بأن شبَّه ناقته بالفدن وهو القصر، ليُعلم أنه
لم يقفها ليريحها.
ويمضى بعد ذلك مناقشاً كل الدفوع التي يمكن أن تقال في جانب البحترى
حتى ليقيم عليه الحُجة من كل وجه. بأنه خالف عادات العرب في مثل هذه
الواقف. مؤيداً وجهة نظره بمأثورهم.
ويعيب قول أبى تمام متغزلاً:
بَيْضَاءُ تَسْرِى في الظلاَم فَيَكْتَسِي. . . نُوَراً وتُبْدُو فِى الضياء فيُظلمُ
مَلطومَةٍ بِالوْردِ أُطلِقَ طرْفُهَا. . . فِى الخَلقِ فَهُوَ مَعَ المنُونِ مُحْكَمُ -
فيقول الآمدى: " وقوله " ملطومة بالورد " يريد حُمرة خدها، فلِمَ لم يقل:
مصفوعة بالقار يريد سواد شعرها؟ ومخبوطة بالشحم يريد امتلاء جسمها؟
ومضروبة بالقطن يريد بياضها؟ إن هذا لأحمق ما يكون من اللفظ وأسخفه
وأوسخه. وقد جاء مثل هذا في كلام العرب ولكن على وجه حسن. .
قال النابغة: " مقذوفة بدخيس اللحم " يريد أنها قُذفت بالشحم. أى كأنه رُمِىَ على جسمها رمياً.
وإنما ذهب أبو تمام إلى قول أَبى نواس: " وتلطم الورد
بعناب " وهذه كانت تلطم في الحقيقة في مأتم على ميت بأنامل مغضوبة
الأطراف فجعلها عناباً تلطم به ورداً. فأتى بالظرف كله. والحُسن أجمعه.
والتشبيه على حقيقته. وجاء أبو تمام بالجهل على وجهه. والحمق بأسره.
والخطأ بعينه ".
والحق أن الآمدى كان يصدر في نقده عن ذوق وخبرة وعلم وحكمة. وكتابه " الموازنة " حافل بما يمتع الباحث ويفتح أمامه آفاقاً واسعة للموازنة والدرس.
стр. 93
وهو كما رأينا معتمد - فى كثير من الأحيان - على الأصول البلاغية فى
نقده. بل مشرع فيها وصاحب رأى. والموازنة هنا بين نصين كل منهما قد
قيل.
* * *
* القاضي الجرجاني:
وكان كتاب " الوساطة بين المتنبي وخصومه ". للقاضى أبى الحسن
الجرجانى مصدراً للنقد العربي. وتوجيهه توجيهاً منهجياً، وليس من السهل
وصف هذا الكتاب وما حواه من نظريات وآراء. وإنما نذكر هنا أمثلة تدل على شيوع البلاغة. وتوجيهاتها في منهج هذا العالِم الذائع الصيت. والناقد العميق النظر.
* على أن عنوان كتابه يوحي بخطورة موضوعه. فإن الخصومة بين المتنبي
وخصومه أمر له خطره في تاريخ النقد العربي، والفصل فيها لا يقدم عليه إلا
الثقات من النقاد. المحيطون بفنون القول ووجوه الحسن والقبح في الأساليب، وقد اجتمعت هذه المؤهلات في القاضي الجرجانى وكتابه المذكور أكبر شاهد له.
ومن الأمثلة التي تهمنا في هذا المجال. أن الجرجانى قد مدح أبياتاً
لأبى تمام، هي:
دَعْنِى وَشُرْبَ الهَوَى يَا شَارِبَ الكَاسِ. . . فإننى لِلذِى حُسيتُهُ حَاسى
لاَ يُوحشَنكَ مَا اْسَتْسَمْجَت مِنْ سَفَمى. . . فَإن مُنْزِلهُ مِن أحسَنِ النَاسِ
مِنْ قًطع أُوْصَالِهِ تَوْصِيلُ مَهْلكَتِى. . . وَوَصْلُ ألحَاظهِ تَقْطِيعُ أنْفَاسِى
مَتَى أُعِيشُ بتأمِيلِ الرخاءِ إذَا. . . ما كان قَطعُ رجَائى في يدِ بَاسى
يقول الجرجانى معلقاً عليها: " فلم يخل بيت منها من معنى بديع، وصفة
لطيفة. طابق وجانس، واستعار فأحسن. وهي معدودة من المختارة من غزله
وحق لها، فقد جمعت على قصرها فنوناً من الحسن وأصنافاً من البديع. ثم
стр. 94
فيها من الأحكام والمتانة ما تراه، ولكن ما أظنك تجد لها من سورة الطرب
وارتياح النفس ما تجده لقول بعض الأعراب:
أقولُ لِصَاحبي والعِيسُ تَهْوِي. . . بِنَا بَيْنَ المُنِيفَةِ فالضِّمَار*
تمَتعْ مِنْ شِميم عَرَارِ نجْدٍ. . . فَمَا بَعْدَ العَشِيَّةِ من عَرَارِ*
ألاَيا حبذَا نَفَحَات نجد. . . وَرَيا رَوْضه غِب القِطارِ
وَعَيْشُك إذِْ يَحِل القومُ نجداً. . . وأنْتَ عَلَىَ زَمَانِك غَيْرُ زارِ
شُهُورٌ يَنْقضينَ ومَا شَعَرنا. . . بِأنْصَافٍ لهُنَ ولاَ سِرَارِ
فَأمَّا ليْلُهُنً فَخَيْرُ ليْلٍ. . . وَأقْصَرُ مَا يَكُونُ من النهارِ
فهوَ كما تراه - بعيد عن الصنعة. فارغ الألفاظ سهل الأخذ قريب التناول،
وكانت العرب إنما تفاضل بين الشعر اء في الجودة والحُسن بشرف المعنى وصحته وجزالة اللفظ واستقامته، وتُسلْم السبق فيه لمن وصف فأصاب وشبَّه فقارب. .
* وهو في هذين النموجين ينقد ويوازن.
ويأخذ الجرجانى في إيراد أمثلة للاستعارة الحسنة والقبيحة ويتحدث - مثلاً
- عن التجنيس المطلق والتجنيس المستوفى والناقص والمضاف،. إلخ.
وتراه أحياناً مصححاً لأخطاء وقع فيها بعض الناس. كأن يخلطوا بين
الاستعارة والتشبيه، فتراه يقول في بيت أبى نواس:
وَالحُبُّ ظهْر أنتَ رَاكِبُهُ. . . فَإذَا صَرَفْتَ عَنَانَهُ انْصَرَفَا
ولستُ أرى هذا وما أشبهه استعارة وإنما معنى البيت: أن الحب ظهر أو مثل
ظهر. . أو الحب كظهر تديره كيف شئتَ إذا ملكت عنانه. .
فهو إما ضرب مثل أو تشبيه شيء بشيء.
стр. 95
ثم يضع حداً للاستعارة يلتقى فيه مع الآمدى، إذ يطلب كل منهما فى
الاستعارة أن تظهر فيها المناسبة بينة بين المستعار له، والمستعار منه.
ويمضى الجرجانى بروح العالِم الناقد بعد مقدمة كتابه يتحدث عن الشعر اء
المتقدمين والمتأخرين وخاصة أبا نواس وأبا تمام مصوراً ما في أشعارهم من جمال
أو قبح، محتكماً إلى البلاغة والذوق واللغة والتاريخ، ثم يعمد إلى شِعر
المتنبي ويذكر طائفة من أشعاره التي أخذَت عليه إما لبعد الاستعارة أو لغرابة
فى اللفظ أو تعقيد في الكلام.
* * *
* حصيلة هذه الجولات .
رأينا منذ بزوغ النقد العربي من العصر الجاهلى حتى القرن الرابع الهجرى أن
النقد والبلاغة وُلِدا توأمين، وأن البلاغة كانت ذات يد على النقد غذَّته ونمَّته، وأفدته بكثير من عناصر التطور والنضوج.
وأنها كانت - وما زالت - المقوم الأساسى للنقد الفنى والنقد النفسي.
ورأينا أنها تشرلع للأدب. ومنارات هدى للشعراء والناثرين، تُسهم فى
رسم الصورة التي ينبغى أن يكون عليها الأداء اللفظي.
والأسس العامة التي ينبغى أن تورد على هداها المعاني.
ورأينا أنها كانت وراء كل قضية أدبية أو نقدية لأنها كانت تشيع فى
الأساليب شيوع الماء في العود الأخضر. فما استُحْسِن معنى إلا من جهتها.
ولا عِيْبَ آخر إلا لمخالفته مقاييسها. بل كانت هي وراء أخطر قضية في النقد
العربي لا من الناحية الأدبية فقط. بل ومن ناحية الدين أيضاً، إنها وراء
قضية الإعجاز القرآني. وكتاب عبد القاهر " الدلائل " آية هذا وشاهده.
وإذا نظرنا إلى عنصرى الأدب - " الألفاظ " و " المعاني " - فإن البلاغة
تشرع للاثنين معاً، وتقدم لهما أثمن الإرشادات.
стр. 96
* الألفاظ:
فمن حيث الشكل اهتمت جهود العلماء بدراسة الألفاظ وصنفوها تصنيفاً
حكموا بجمال بعضها وحكموا بقبح بعضها.
وأوصوا باستعمال الجميل واطراح القبيح.
فقد اشترطوا في جمال اللفظ:
الجزالة والاستقامة، ومشاكلته للمعنى،
وشدة اقتضاء القافية له إن كان الموضوع شِعراً.
وجزالة اللفظ تتوافر له إذا لم يكن سوقياً مبتذلاً ولم يكن غريباً نابياً.
ومعياره عندهم أن يكون بحيث تعرفه العامة ولا تستعمله في محاوراتها.
وبهذه القاعدة عابوا كثيراً من أقوال الشعر اء.
واستقامة اللفظ تكون من حيث الجرس أو الدلالة أو التجانس مع قرائنه من
الألفاظ، فمن حيث الجرس يكون اللفظ مستقيماً إذا لم يجاف المتكلم به أصل
وضعه اللغوي ولهذا عابوا البحترى في قوله:
تشُقُ عَليْهِ الريحُ كل عَشيةٍ. . . جُيُوبَ الغَمَام بَيْنَ بِكْرٍ وَأيِّمِ
لأن الأيِّم هي مَن لا زوج لها، سواء سبق لها الزواج أو لم يسبق.
فالمقابلة بينهما غير مستقيمة.
وكذلك يكون اللفظ مستقيماً إذا تجانس مع قرائنه من الألفاظ.
ولذلك عابوا قول مسلم بن الوليد:
فَاذْهَبْ كَمَا ذَهَبَتْ غَوَادى مُزنةٍ. . . يَثْنِى عَليَهَا السَّهْلُ والأوْعَارُ
لأن المناسب أن يقول: السَّهل والوعر، أو السهول والأوعار، ليكون البناء
اللفظي واحداً، ومشاكلة اللفظ للمعنى تكون إذا وقع اللفظ موقعه بغير
زيادة ولا نقص. لذلك أخذوا على المتنبي قوله:
اسْتَأثَرَ اللهُ بِالوَفَاءِ وَبِالعَدل. . . وَأُولى المَلاَمة الرَّجُلاَ
стр. 97
لأن الملامة تتجه إلى الإنسان رجلاً كان أو امرأة، فذكره الرجل - هنا - فى
مكان " الإنسان " معيب.
ويلحق بهذا القياس وقوع الكلمة موقعها من القافية في الشعر.
ولذلك مدحوا قول الحطيئة:
هُمُ القَوْمُ الذِينَ إذَا ألمَّتْ. . . مِنَ الأيام مُظلِمَة أضَاءُوا
لأن الإضاءة يتطلبها ظلام الأيام. وما استجد منها من أحداث مدلهمة.
وتوسعوا في أوصاف اللفظ وجعلوا لكل نوع حكماً. . فهناك اللفظ
العذب، واللفظ القوى، واللفظ الرقيق. . . إلى آخر هذه الأوصاف الحسنة.
وهناك اللفظ النازل، واللفظ النابى، والمستكره والقلق. . . إلى آخر هذه
الأوصاف المعيبة.
* * *
* المعاني:
أما المعنى فيطلبون فيه أن يكون شريفاً.
وشرف المعنى أن يقصد الشاعر فيه إلى الإغراب: اختيار الصفات الم
ثلى، إذا وصف أو مدح لا يبالى بالواقع.
فإذا وصف فرساً وجب أن يكون الفرس كريماً. وإذا تغزل ذكر من أحوال محبوبه ما يمتدحه ذو الوجه الذي برح به الحب.
وإذا مدح فعليه أن يذكر ما يدل على شرف المقام إبداعاً وإغراباً لا مراعاة
لصدق الوقف ولصفات ممدوحه كما يراه.
ويطلبون فيه أن يكون صحيحاً.
وصحة المعنى عندهم أن يسلم من الخطأ التاريخى أو العُرفى. .
وبالاعتبار الأول عابوا قول زهير:
فتَنْتِجْ لكمْ غِلمَانَ أشْأم كُلَهُمْ. . . كأحْمَرِ عَادٍ ثم تُنْتَجْ فتُتْئِم
لأن المشتوم هو قدار أحمر ثمود.
стр. 98
وبالاعتبار الثاني عابوا قول البحترى:
نَصَرْتُ لهَا الشوْقَ اللجُوجَ بأدْمُعِ. . . تَلاَحَقْنَ في أعْقَابِ وَصْلٍ تَصَرمَا
وذلك لأن الآمدى يرى الشوق يشفيه البكاء ولا يزيد منه، وعلى هذا النهج
سار الشعر اء قبل البحترى.
كما عابوا قول أبى تمام:
إذَا ما رحًى دَارَتْ أدَرَّتْ سَمَاحَة. . . رَحَى كُلً إنجازٍ عَلى كلِّ مَوْعِدِ
لأنه جعل إنجاز الوعد بمثابة طحنه بالرحى. وهو قضاء عليه. وذلك فى
عُرف اللغة لا يكون إلا للإخلاف.
ويطلبون فيه الإصابة في الوصف. فعليه أن يذكر المعاني العامة التي هى
أولى بمثال الوصوف من حيث هو مثال. فينأى عن المعاني والصفات المجهولة.
ولهذا حكموا بإصابة زهير في الوصف حين مدح هرم بن سنان. لأنه وصفه
بالصفات العامة التي يجب أن تكون في الرجل الكريم.
كما يطلبون فيه المقاربة في التشبيه. ومناسبة المستعار منه للمستعار له،
على حسب العُرف اللغوي والمجاز.
ولهذا عابوا قول أبى نواس:
بُح صَوْتُ المالِ مِما. . . مِنْكَ يَشْكُو ويَصِيحْ
وذلك لبُعد الشبه بين المال - المشبه - والإنسان - المشبه به.
كذلك يطلبون فيه الاعتدال، ويذمون المبالغة المغرقة. . .
إلى آخر ما شرعوه لتصوير المعاني الكلية والجزئية.
* * *
стр. 99
* منارات على الطريق:
والبلاغة العربية بحثت في اللفظ المفرد وهيئته للاستعمال خالياً من العيوب
فلا يكون اللفظ أو الكلمة فصيحة صالحة للاستعمال إلا إذا سلمت من أربعة
عيوب:
الأول: سلامتها من تنافر الحروف لتكون الكلمة رقيقة عذبة.
الثاني: سلامتها من الغرابة لتكون الكلمة مألوفة الاستعمال غير قلقة.
الثالث: سلامتها من مخالفة القياس لئلا تكون شاذة.
الرابع: سلامتها من الابتذال فلا تكون الكلمة قد أبلاها الاستعمال.
فإذا سلمت من هذه العيوب فهى فصيحة. وإذا لم تسلم فهى غير فصيحة.
واستعمالها معيب ولهذه الاعتبارات ردوا كثيراً من النصوص.
أما الكلام - قَلَّ أو كثر - فالفصاحة - أيضاً - شرط جماله.
وهو لا يكون فصيحاً إلا إذا سلم - أيضاً - من العيوب الأربعة الآتية:
الأول: تنافر الكلمات مجتمعة.
الثاني: ضعف التأليف، فلا يخرج الكلام عن قواعد النحو المشهورة.
الثالث: التعقيد اللفظي بحيث لا يكون الكلام على نسق غير معروف.
الرابع: التعقيد المعنوي بحيث لا يظهر المعنى من الكلام إلا بعد جهد جهيد
. . . هذا نصيب الكلام من الفصاحة والمقصود من ورائه أن يكون النص عذب الكلمات رشيقها وأن يكون معناه واضحاً.
والوضوح دعامة من دعائم جمال النص.
فإذا توافرت في الكلام - بعد الكلمة - شروط الفصاحة - فلا تظننَّ البلاغة
تنتهى بك عند هذا الحد. بل تأخذ بيدك إلى مقياس آخر.
هو أن يكون الكلام
стр. 100
بليغاً. . . ولا يكون الكلام بليغا إلا إذا كان مطابقاً لمقتضى الحال.
مع فصاحة كل كلمة فيه، ولكل مقام مقال، وعلى المتكلم أن يكون خبيراً بأحوال مخاطبيه. فطناً بطرق التعبير حتى يكون كلامه مؤثراً.
وهنا تظهر صلة البلاغة بأحوال النفس. وهي صلة تشغل جانباً كبيراً فيها.
فعلى المتكلم أن يعرف أقدار المعاني، ويوازن بينها وبين أقدار السامعين.
ويعرف أقدار الحالات فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاماً. ولكل حالة مقاماً.
وقد فصلت البلاغة القول فيما يناسب كل مقام. وأمدت المتكلم بالنماذج
والأسس التي يسير على هداها في كل حال، وكان علم المعاني - وهو أحد
مباحثها الثلاثة - خير معين على ذلك.
ففيه التوكيد بأنواعه، وفيه ترك التوكيد عند عدم دواعيه، وفيه الحذف
والذِكر، وفيه التقديم والتأخير، وفيه التعريف والتنكير، وفيه الفصل
والوصل، وفيه الإيجاز والمساواة والإطناب، وفيه القصر وعدم القصر، وفيه
الحقيقة العقلية والمجاز العقلي. . وهذه عناوين لأمهات مسائل تحتها كثير من
الدقائق والأسرار.
وعلم البيان مجال فسيح لتصوبر المعاني. وخلجات النفوس في أدق
أحوالها، ففيه التشبيه والتمثيل، وفيه الاستعارة، وفيه المجاز الرسل، وفيه
الكناية والتعريض، وفيه الالتفات من حالة إلى حالة لداع ومقتض. .
وفيه كثير من التوجيهات.
والتشبيه والمجاز وسائل إبراز الخيال والعواطف. ومكامن الإبداع والخلق فى
كل عمل فنى. فليس هناك وسيلة يمكن أن يصور على هداها الخيال إلا التشبيه والمجاز.
стр. 101
والبديع ليس سمة ترف في الأسلوب متى كان جارياً مع الطبع. وإنما هو
مظهر من مظاهر التناسق الصوتى في العمل الأدبي. ومظهر من مظاهر التأنق
فى روعة المعنى وحسن تأديته.
إن منزلة البديع من الأسلوب منزلة المكملات في الجملة بعد استيفاء ركنيها،
ولم يقل أحد بتهوين شأن تلك المكملات في الإفصاح عن المعنى واكتماله.
فليس في البديع مظهر ترف في البيان وإنما هو إضافات تزدان بها العبارات
وتكسبها بهاءً وخلابة.
تلك هي - في إيجاز - بلاغتنا العربية، دعامة الإعجاز البياني ومصدر
القوة والجمال في البيان الرفيع. وصدق الله العظيم إذ يقول منوِّهاً بفضل
بلاغة القول: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣) .
* * *
стр. 102
الباب الثاني
خصائص التعبير في القرآن الكريم
* الإعجاز العلمي والتشريعي.
* الإعجاز البياني الأدبي.
* خصائص يغلب عليها جانب الألفاظ.
* خصائص يغلب عليها جانب المعنى .
стр. 103
الفصل الأول
الإعجاز العلمي والتشريعي
يعتبر الإعجاز - بعامة - خصيصة القرآن الكبرى. وجدير بالذكر أن نبئن
الاتجاهات التي حاولت فهم الإعجاز. ونرجح منها ما رجحه الدليل
والباحث في الإعجاز القرآني يرى أربع نظريات:
١ - مذهب الصرفة
٢ - الإعجاز العلمي.
٣ - الإعجاز التشريعي
٤ - الإعجاز البياني الأدبي (١) .
* * *
١ - الصرفة
يُنسب القول بالصرفة إلى الشيخ إبراهيم بن سيار النظام، على أنه أول مَن
قال به. ومعناه على وجوه ثلاثة:
أحدها: أن الله صرف العرب عن معارضة القرآن مع قدرتهم عليها.
ثانيها: أن الله صرف عن العرب العلوم التي تمكن بها المعارضة مع بقاء
الدواعى.
ثالثها: أن الله قسرهم وألجأهم إلى عدم المعارضة.
وقد راق هذا القول كثيراً من المعتزلة فاتخذوه مذهباً لهم في فهم الإعجاز،
وتابعهم عليه غيرهم.
стр. 104
ويرى بعض المحدَثين أن في نسبة الصرفة إلى المعتزلة ضعفاً في المسند وحيفاً
فى الحكم.
فقد تشكك الدكتور على العمارى في صحة النسبة. واستند في تشككه
إلى ما كتبه عبد الهادى أبو ريدة وفحواه: إنه لا يستطيع أحد أن يزعم أن
القول بالصرفة جاء صراحة في كتب المعتزلة وعلى رأسهم النظام.
بل إن آراء المعتزلهَ جملة أخذت من كتب خصومهم.
يقول الدكتور العمارى: " ولولا إنى رأيت الجاحظ يعرض لهذا المذهب فى
كتاب " الحيوان " لكان لى مندوحة في الشك والتردد الكثير في نسبة المذهب
للنظام ".
وقد انتهى الدكتور العمارى إلى نتائج نوجزها فيما يلى:
١ - أن النظام قد شهد كثير من الفضلاء بنبوغه وورعه وولائه وبلائه فى
الإسلام، وخالف فريق فقالوا بكفره وزندقته.
٢ - أن المعتزلة - عموماً - نكبوا بضياع مؤلفاتهم في القرن الثالث الهجرى
وظلت آراؤهم تلوكها الألسنة، وتناولها الخصوم بالتبديل فهى - لذلك -
لا تمثل حقيقة آرائهم.
٣ - أنهم - أي المعتزلة - نكبوا - كذلك - برجل لا يثبت على
مذهب، ولا يستقر على حال. وكانَ واسع الأفق في الكذب والاختراع، وهو أبو الحسن أحمد بن يحيى المعروف بابن الرواندى. فهو منسوب إلى الاعتزال وقد أساء إلى المذهب بأقاويله الفاسدة.
стр. 105
ويريد أستاذنا العمارى بذكره هذه الوقائع أن يدعم شكه الذي سبقت الإشارة إليه في نسبة هذا الرأي إلى النظام. وقد عزاه إلى عيسى بن صبيح الزدار شيخ الاعتزال في بغداد. والذي يلقب براهب المعتزلة.
وإلى الجعد بن درهم مؤدب مروان بن محمد آخر خلفاء الأمويين.
والجعد - هذا - كان معروفاً بالتطرف في الرأي.
وعلى هذا فليس النظام هو أول مَن قال بهذا الرأي.
وإنما نُسِبَ إليه المذهب وعُرِف به لأنه أكثر القول فيه.
* * *
* رأى آخر للنظام:
وكما نُسِب القول بالصرفة إلى النظام. . فقد نُسِب إليه قول آخر هو أن القرآن معجز لا فيه من الإخبار بالأمور الماضية والآتية.
كما يذكر الدكتور العمارى حقيقة أخرى. هي: أن القائلين بالصرفة - سواء أكانوا معتزلة أم غير معتزلة - لم يحطوا من شأن بلاغة القرآن. وجمال
أسلوبه، لأن القول بالصرفة لا ينال من القول ببلاغة القرآن وعلو طبقته.
* * *
* تعقيب:
لسنا في موضع دفاع عن المعتزلة والتظام. ومهما استند إليه الباحثون من
التشكيك في نسبة هذا القول إليهم. فإن المعتزلة قد عُرِفوا بالجرأة في مسائل
العقيدة والسياسة فلا يُستساغ: لا يُقبل أن يبرأ النظام وأشياعه عن ابتداع هذا القول في فهم الإعجاز.
وإن لم يكونوا هم القائلين به فمَن يكون مبتدعه إذن؟
стр. 106
ليكن عيسى بن صبيح المزدار، أو الجعد بن درهم، أو حتى الرواندى.
أوَ ليسوا هم معتزلين؟
وكيف يُستهان بشهادة الجاحظ؟ والدكتور العمارى نفسه قد ذكرها في كتابه.
والجاحظ ممن يعتد برأيه في هذا المجال؟
إن المسألة أخذت من الدكتور العمارى - فيما أرى - أكثر مما تستحق. .
* * *
" أشياع المذهب من غير الاعتزال:
راق القول بالصرفة كثيراً من غير المعتزلة. فأخذوا به واعتنقوه مذهباً فى
فهم الإعجاز.
من هؤلاء الجاحظ في أحد آرائه، والرماني صاحب النكت في إعجاز القرآن
وهما من المعتزلة.
ومنهم الشريف الرضى، وابن سنان الخفاجى، وهما من الشيعة.
وأبو إسحق الإسفرائينى من الأشاعرة.
والإمام محمد بن حزم من أهل الظاهر.
يقول ابن سنان الخفاجى: ". . وإذا عدنا إلى التحقيق. وجدنا وجه إعجاز
القرآن صرف العرب عن معارضته بأسلوبه بأن سلبوا العلوم التي كانوا يتمكنون بها من المعارضة في وقت مرامهم ذلك ".
ساق ابن سنان هذا الكلام، وهو بصدد الرد على الرماني وإنكاره ما ذهب
إليه من تقسيم التأليف إلى ثلاثة أقسام:
стр. 107
١ - متنافر.
٢ - متلائم في الطبقة الوسطى.
٣ - متلائم في الطبقة العليا. وحيث جعل القرآن من النوع الثالث التلالم
من الطبقة العليا، لمجيئه على وجه لم يكن مألوفاً عند العرب.
وقد خالف ابن سنان الخفاجى رأى الرماني هذا. وأنكر أن يكون في تأليف
القرآن ما يخالف كلام العرب، وسوى بين طريقة القرآن وطريقة العرب فى
التأليف، وبنى على ذلك مذهبه في الرد على الرماني. إذ كيف يفصل - أى
الرماني - بين كلامين خصائصهما الأسلوبية واحدة.
ويُفهم من كلام ابن سنان أمور:
١ - أن العرب - بطبعهم - قادرون على محاكاة القرآن، ودواعى المحاكاة
متوافرة لديهم.
٢ - أن الذي منع العرب من المعارضة هو أن الله تعالى صرف المعارضة
عنهم بسلب العلوم المؤدية إليها مع رغبتهم فيها.
٣ - أن ذلك المنع هو وجه الإعجاز في القرآن لا غير!
* * *
* رأى متطرف:
وقد صرَّح ابن سنان بما هو أخطر من ذلك إذ يقول: " لا فرق بين القرآن،
وبين فصيح الكلام المختار في هذه القضية.
ومتى رجع الإنسان إلى نفسه وكان معه أدنى معرفة بالتأليف المختار وجد في كلام العرب ما يضاهي القرآن فى تأليفه ".
стр. 108
والحق أن الذي ذهب إليه من المساواة بين القرآن وبين كلام العرب مرفوض من وجهين: -
أولاً: أنه ادعى دعوى لم يقم عليها الدليل! ؟
ثانياً: أن هذا الرأي شاذ وموضع إنكار شديد عند العلماء.
* * *
* ابن حزم والصرفة:
يرى ابن حزم الأندلسى إمام أهل الظاهر أن إعجاز القرآن حال بالصرفة.
ويرفض ابن حزم الإعجاز البياني.
وقد لخص رأيه في قوله: " ووجه إعجازه أن الله رفع القوة عن العرب. وحال بين العباد وبين أن يأتوا بمثله، ويرى أن
التحدى وقع بالنظم وبما في القرآن من الإخبار عن الغيوب وإن كان غير مطرد فى القرآن كله. وأن الإعجاز حاصل ببعض القرآن دون التوقف على القرآن كله كما يرى الأشاعرة.
وإعجازه باق إلى يوم القيامة. والقرآن ليس من جنس كلام البَشر، ويسوق
على ذلك ما رآه من أدلة مثل فواتح السور بالحروف المقطعة، والأقسام التي لا عهد للبَشر بها. ومزجه بين المعاني المتباعدة.
وفي رفضه الإعجاز البياني يقول: " وقد ظن قوم أن عجز العرب ومَن تلاهم
من سائر البلغاء عن معارضة القرآن إنما هو لكون القرآن في أعلى طبقات
البلاغة، وهذا خطأ شديد، ولو كان كذلك، وقد أبى الله أن يكون كذلك، وإن كان سبق في وقت ما فلا يؤمن أن يأتى في غد ما يقاربه أو يفوقه "!
ومعنى هذا الكلام: أن ابن حزم يستند في رفضه المذهب البياني إلى أن
القول به قد يفضى إلى نقض الإعجاز في المستقبل، لجواز أن يظهر في الناس
نابغة يأتى بمثل القرآن أو بما يفوقه.
стр. 109
وظاهر أن هذا الاحتياط الذي لخصه مبنى على وهْم ما كان يليق بابن حزم أن
يقع فيه.
إن العصر الذي نزل فيه القرآن كان عصر ازدهار في البيان، وقد اقتضت
حكمة الله أن تكون معجزات رسله فوق ما يستطيعه الناس.
كل حسب طبيعة القوم المرسَل إليهم.
إن ثبوت عجز العرب الأصلاء الذين عاصروا نزول القرآن. دليل قاطع - من الواقع لا من الوهم - على عجز اللاحقين.
فالقرآن كان يتحدى آنذاك قوما لهم
فى البيان قدم راسخة. كان يتحدى عصر " القمة " في البيان والفصاحة.
وهذا يدفع شُبهة ابن حزم
* * *
* الرماني والقول بالصرفة:
قلنا فيما سبق أن الرماني من القائلين بأن وجه الإعجاز في القرآن كان
الصرفة.
وترجع وجوه الإعجاز عنده - جملة - إلى سبعة أصول:
١ - ترك المعارضة مع توافر الدواعى وشدة الحاجة.
٢ - تحدى الكافة
٣ - الصرفة.
٤ - البلاغة
٥ - الأخبار الصادقة عن الأمور المستقبلة.
٦ - نقض العادة
٧ - قياسه بكل معجزة.
والبلاغة التي هي أحد وجوه الإعجاز عند الرماني - يقسمها إلى عشرة
стр. 110
أقسام: الإيجاز - التشبيه - الاستعارة - التلاؤم - الفواصل - التجانس -
التصدير - التضمين - المبالغة - حسن البيان. .
وسيأتى رأيه مفصلاً.
* * *
* ما هو مذهب الجاحظ في الإعجاز ؟
هل قال الجاحظ بالصرفة؟ حقيقة لا بدَّ من عرضها هي أن الجاحظ لم يذكر
رأيه صراحة في الإعجاز. وإنما يفهم رأيه فيه من ثنايا حديثه عن القرآن.
وقد جاء عنه: " وفي كتاب الله المنزل الذي يدلنا على أنه صدق نظمه
البديع الذي لا يقدر على مثله العباد ".
وإذا ضممنا إلى هذا القول ما كتبه الجاحظ عن القرآن - وتحليله لبعض
نصوصه - قوى الرأي لدينا بأن الجاحظ يقول بإعجاز القرآن من حيث نظمه
البديع.
* * *
* نقد مذهب الصرفة:
لم تثبت لهذا الرأي حُجة، ولم يبق له دليل، منذ تعرض العلماء لنقده ورده
لضعف أدلته.
فهل استطاعوا جميعاً، أو استطاع واحد منهم أن يأتينا بمثال أو مثالين
أو أدنى من ذلك أو أكثر من شِعر العرب أو نثرهم.
مما أثبتت الرواية أنهم قالوه قبل سلب تلك العلوم، تتضح فيه الخصائص التي جاء بها الأسلوب القرآني.
فيكونا سواء في القوة والروعة.
لم يفعل أحد منهم ذلك، فظلت آراؤهم لا تتجاوز دائرة الظن والتخمين،
وهل كان القائلون بالصرفة أدرى من العرب أنفسهم الذين تحداهم القرآن أن يأتوا