Полный текст (171 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الكتاب: إكفار الملحدين في ضروريات الدِّين
المؤلف: الشيخ / محمد أنور شاه الكشميري الهندي المتوفي (١٣٥٢ هـ)
الناشر: المجلس العلمي - باكستان
الطبعة: الثالثة - ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
جَزَى اللَّهُ كَاتِبَهُ وَمَنْ تَحَمَّلَ نَفَقَةَ الْكِتَابَةِ خَيرَ الجَزَاءِ وَأَوفَاهُ.
*******************
تنبيه آخر:
يوجد في الطبعة الثانية من الكتاب من الصفحة ١٣٣ إلى الصفحة:١٥٧ نصوص لكفريات القادياني بجانبها ترجمة عربية لها فلا يحتاج إلى إثباتها متون هذه النصوص باللغة الأردية.
стр. 2
مقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي جعل الحق يعلو ولا يعلى، حتى يأخذ من مكانة القبول مكاناً فوق السماء، يبسم عن بلج جبين، وعن ثلج يقين، ويبهر نوره وضياءه، ويصدع صيته ومضاءه، ويفتر عن سناء وسناء، وجعله يدمغ الباطل فكيفما تقلب وصار أمه إلى الهاوية، يتقهقر حتى يذهب جفاء، ويصير هباء، وحيث سطع الحق واستقام كعمود الصبح لوى الباطل ذنبه كذنب السرحان، وتلون تلون الحرباء، ومن تلاوه تبوأ مقعداً من النار، وحقت عليه كلمة العذاب، وإداركه درك الشقاء وسوء القضاء، وكم من شقي أحاطت به خطيئته (أعاذنا الله من ذلك) . والحمد لله على العافية، والمعافاة الدائمة من البلاء. والصلاة والسلام على نبيه ورسوله نبي الرحمة محمد ﷺ ، خاتم الرسل والأنبياء، الذي انقطعت بعده الرسالة والنبوة ولم يبق إلا المبشرات، وقد كان بقي من بيت النبوة موضع لبنة فكأنها وقد كمل البناء. وعلى آله وأصحابه والتابعين وتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، كل صباح ومساء، إلى يوم الجزاء.
стр. 3
أما بعد: فهذه رسالة في واقعة فتوى قصدت بها النصح والذكرى، لمن كان له قلب، أو القى السمع وهو شهيد، سميتها: إكفار المتأولين والملحدين في شيء من ضروريات الدين، أخذاً للإسم والحكم من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
قال ابن عباس: يضعون الكلام في غير موضعه.
والمراد "بالضرورياتط على ما اشتهر في الكتب: ما علم كونه من دين محمد ﷺ بالضرورة، بأن تواتر عنه واستفاض، وعلمته العامة، كالوحدانية، والنبوة، وختمها بخاتم الأنبياء، وانقطاعها بعده، وهذا مما شهد الله به في كتابه، وشهدت به الكتب السابقة، وشهد به نبينا ﷺ ، وشهد به الأموات أيضاً، كزيد بن خارجة الذي تكلم بعد الموت، فقال: محمد رسول الله النبي الأمي، خاتم النبيين، لا نبي بعده، كان ذلك في الكتب الأول، ثم قال: صدق صدق. "ذكره بهذا اللفظ في "المواهب"
стр. 4
وغيرها، وكالبعث والجزاء، ووجوب الصلاة والزكاة، وحرمة الخمر ونحوها، سمي: ضرورياً، لأن كل أحد يعلم أن هذا الأمر مثلاً من دين النبي ﷺ ، ولابد، فكونها من الدين ضروري وتدخل في الإيمان، لا يريدون أن الإتيان بها بالجوارح لابد منه، كما يتوهم، فقد يكون استحباب شيء أو إباحته ضرورياً يكفر جاحدة، ولا يجب الإتيان به، فالضرورة في الثبوت عن حضرة الرسالة، وفي كونه من الدين، لا من حيث العمل، ولا من حيث الحكم المتضمن، فقد يكون حديث متواتراً ويعلم ثبوته عنه ﷺ ضرورة، ولابد، ويكون الحكم المتضمن فيه نظرياً من حيث العقل، كحديث عذاب القبر، ثبوته عنه ﷺ مستفيض، وفهم كيفية العذاب مشكل. والإيمان عمل من أعمال القلب، كما اشار إليه البخاري رحمه الله تعالى يستلزم إرادة إطاعة الشريعة في كل شيء
стр. 5
وقبولها. وهذه الإرادة شيء واحد ينسحب على كل الشريعة، لا يزيد ولا ينقص، فمن جحد شيئاً واحداً من الضرويات فقد آمن ببعض الكتاب وكفر ببعضه، وهو من الكافرين، وإن ركض إلى بلاد "الصين" و"أوربا" لنشر ما زعمه ديناً، ورآه الجاهلون خدمة للإسلام:
وكل بدعي حباً للبلي ... وليلى لا تقر لهم بذاكا
وهذا الأمر هو الذي دار بين الشيخين أبي بكر وعمر، فقاتل
стр. 6
أبو بكر من فرق الصلاة والزكاة، يريد: أنه ليس مؤمناً من لم يؤمن بالكل، فشرح الله له صدر عمر ﵁ أيضاً، فرآى ما رآه أبو بكر، فعند "مسلم" عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوت بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله"
ثم إن التواتر قد يكون من حيث الإسناد: كحديث: "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار"، ذكر في "الفتح": أنه ثبت صحيحاً وحسناً من طريق ثلاثين صحابياً.
стр. 7
قلت: وأحاديث ختم النبوة جمعها بعض أصحابي، وهو: المولوى محمد شفيع الديوبندى، فبلغت أزيد من مائة وخمسين، منها نحو ثلاثين من "الصحاح الستة".
وقد يكون من حيث الطبقة، كتواتر "القرآن"، تواتر على البسيطة شرقاً وغرباً، درساً وتلاوة وقراءة، وتلقاه الكافة عن الكافة طبقة عن طبقة، اقرأ وارق إلى حضرة الرسالة، ولا تحتاج إلى إسناد يكون عن فلان عن فلان.
وقد يكون تواتر عمل وتواتر توارث، وقد تجتمع أقسام كما في أشياء من: الوضوء كالسواك من المضمضة، والاستنشاق.
ثم إن التواتر يزعمه بعض الناس قليلاً، وهو في الواقع يفوت الحصر في شريعتنا، ويعجز الإنسان أن يفهرسه، ويذهل الإنسان عن التفاته، فإذا التفت إليه رآه متواتراً، وهذا كالبديهي، كثيراً ما يذهل عنه ويحفظ النظري.
وإذا علمت هذا فنقول: الصلاة فريضة، واعتقاد فرضيتها فرض، وتحصيل علمها فرض، وجحدها كفر، وكذا جهلها، والسواك سنة، وإعتقاد سنيته فرض، وتحصيل علمه سنة، وجحودها كفر، وجهله حرمان، وتركه عتاب أو عقاب.
стр. 8
ثم أثبتنا في الفصول الآتية إجماع أهل الحل والعقد على أن: تأويل الضروريات وإخراجها عن صورة ما تواتر عليه، وكما جاء، وكما فهمه، وجرى عليه أهل التواتر، أنه كفر. وذهبت الحنفية بعد هذا إلى أن إنكار الأمر القطعي وإن لم يبلغ إلى حد الضرورة كفر. صرح به الشيخ ابن الهمام في "المسايرة" وهو متجه من حيث الدليل.
ثم إن الأمر الشرعي الضروري قد يكون التعبير عنه وتفهيمه للناس سهلاًَ، ويشترك لسهولته فيه الخواص والأوساط والعوام، فإذا تواتر مثل ذلك عن صاحب الشرع وكان مكشوف المراد لم تتجاذب الأدلة فيه وجب الإيمان به على حاله بدون تصرف وتعجرف، وذلك كمسألة ختم النبوة، لا إشكال ولا إعضال في فهمها، ويفهمه الكواف بجملة: "إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبي". أو بجملة: "ذهبت النبوة وبقيت المبشرات". يكفي في فهم هذه المسألة وحقيقتها هذه الحروف. ثم إذا تواتر عن صاحب الشرع، واستفاض عنه نحو مائة وخمسين مرة وأزيد، وأصر عليه وبلغه على رؤوس المناير والمنابر، ولم يشر مرة إلى الدهر إلى أنه متأول، وفهمت عنه الأمة المشاهدون والغائبون طبقة بعد طبقة، واشتهر عند العامة أن لا نبوة بعد ختم الأنبياء، وإنما ينزل عيسى ﵇ من السماء حكماً مقسطاً، وتكون جرت شؤون وملاحم، ودارت دوائر بين المسلمين والنصارى، فيقوم المهدي ﵇ لإصلاح المسلمين، وينزل عيسى ﵇ لإصلاح النصارى، وقتل اليهود، ويكون الدين كله لله.
стр. 9
وتواتر نزوله ﵇، كما صرح به علماء النقل، كالحافظ ابن كثير في "تفسيره"، والحافظ ابن حجر في "فتحه" و"تلخيصه".
ثم جاء ملحد وحرف تلك النصوص - كما فعلته الزنادقة - وقال بأن الله سماه: ابن مريم، وإن المراد "باليهود": علماء الإسلام الذين لا يؤمنون بذلك الملحد، لأنهم جمدوا على الظاهرية وحرموا الروحانية.
ولم يدر الملحد أن الزنادقة الذين مضوا، وبادوا، كانوا أبلغ منه في تلك الروحانية، إن كانت الزندقة روحانية.
وهذا أستاذه وأبوه الروحاني: "الباب" ثم "البهاء" و"قرة العين" هلكوا عن قريب، وادعوا ما ادعى، وأتباعهم الأشقياء أكثر من أتباعه، فأين له بهاء كالبهاء؟ وأين له ثبات في الحروب؟ ومكافحة بالصدر لبنادق الرصاص؟ وإخباره بالنجاو منها، ثم وقوع الأمر كذلك؟ وأين له منطق كمنطق قرة العين؟
لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر
стр. 10
وإنما بضاعته تلقف كلمات من الصوفية الكرام "كالتجلي" و"البروز" وتحريف مرادهم، وسرقة القباء واتخاذه قميصاً، وإتباع الفلسفة الجديدة وما فتشه أهل "أوربا" وجعله وحياً يوحى إليه شيطانه، وقد مهم له ذلك قبله أمثاله، منهم: الحكيم محمد حسن الأمروهى، صاحب "غاية البرهان في تأويل القرآن" على أنهم كانوا أحسن حالاً منه، فإنهم لم يتنبأوا، فإذ كان الأمر هكذا أكفرناه بالإجماع، وجعلنا الهاوية أمه.
ويعجبني قول المتنبئ:
لقد ضل قوم بأصنامهم ... وأما بزق رياح فلا
وقد قال قائل: إن الأحوط فيه:
وكان امرأ من جند إبليس فارتقى
به الحال حتى صار إبليس من جنده
هذا وقد بلغني كلام بعضهم: أن مالكاً الإمام ﵀ قائل بموت عيسى ﵇، وهذا من سوء الفهم، فقد صرح مالك رحمة الله الله أيضاً في: العتبية" بنزوله، كما انعقد الإجماع عليه. ذكره الأبى في "شرح صحيح مسلم".
وأما إن كان أمراً يعسر فهمه وتفهيمه كمسألة القدر، وعذاب القبر، والإستواء على العرش، والنزول إلى سماء الدنيا، وغير ذلك من المتشابهات والأمور الإلهية، ثم تواتر واستفاض، فإن جحد من بلغه ذلك الأمر أصل ما جاء أكفرناه بلا خطر، ولإن بحث في الكيفية، وأثبت وجهاً، وزل فيه، ونفى آخر عذرناه، وينبغي أن يراجع ما ذكره ابن رشيد
стр. 11
الحفيد في رسالته "فصل المقال والكشف عن مناهج الأدلة"، فإنه عبر عما ذكرناه بعبارة منطقية. قال عز شأنه:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ . الآية سورة الأنعام.
ثم إن بعد ما هلك ذلك الملحد انشق العصابين أذنابه في من يخلفه فاتخذ من تفاريقه ساجور، ففارق بعضهم جيله، وأظهر أنه لم يكن نبياً، ولم يدع، ولم تبق في الإسلام، لكنه مهدي وعيسى المحمدي (والعياذ بالله) وأراد بذلك استمالى الخلق وتلفتهم إليه، ولا ينجو من الكفر إلا من أكفر ذلك الملحد بلا تلعثم وتردد، لوجوه:
الأول: إن ذلك الملحد، ادعاءه النبوة بل الرسالة، نعم وتشريعاً أكثر من نباح العواء في كلامه، فإنكاره مكابرة فاضحة لا يلتفت إليها، ولا يكفر من لم يكفره.
وما قولك فيمن لم يكفر مسليمة وذهب يأول ادعاءه وسجعانه؟ وما قولك فيمن لم يكفر من يعبد الصنم، وتأول بأنه لا يعبده بل يخر لوجهه كلما رآه؟ وهذا أيضاً مكابرة لا يلتفت إليها، كيف! لو رآه يسجد للصنم ألف مرة أفيخرج له الإنسان وجهاً؟ ومثل هذه المهملات لا يصغى إليها.
والثالث: إن تاب مرة واحدة قبلت توبته، فإن تكرر ذلك منه لم تقبل.
стр. 12
والحاصل أن التأويل لكلامه ليس تأويلاً بل هو كذب له لا يغير حكماً
الثاني: إنه قد تواتر، وانعقد الإجماع على نزول عيسى بنة مريم ﵇، فتأويل هذه وتحريفه كفر أيضاً. وقد قال في "روح المعاني" - وهو من محققي المتأخرين -: إن من لم يقل بنزوله فقد أكفره العلماء، وهو على القاعدة في إنكار ما تواتر في الشرع. وقد رأيت كلام ذلك الملحد المتنبئ في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ، وكلام أتباعه فقتل كيف قدر، بذلوا جهدهم في تأويله وتحريفه ولم يستولهم شيء، فيجب أن يكفروا.
الثالث: إنهم منحوا رتبة مثل عيسى ﵇ من الرسل أولي العزم لمثل هذا الأخر الزنيم فيجب أن يكفروا. راجع "فتح الباري" من (باب ما يستحب للعالم إذا سئل: أي الناس أعلم) . وغاية من يحتاط لهم أن يستتيبهم، فإن تابوا وإلا فهم كافرون، وليس في الشريعة الإسلامية إلا هذا القدر، كما قد اثبتناه بالإجماع في ما بعد في الفصول، وعرض التوبة أيضاً إنما يكون من حاكم الإسلام عند إبرام الأمر والفصل:
فإما لهذا وإما لذا
وأما الآن فلم يبق لهم إلا الكفر، فليجعلوه شعاراً أو دثاراً حتى يحلهم دار البوار.
стр. 13
والشارع ﷺ لم يعذز قط في تأويل باطل. فقال - في أمر عبد الله بن حذاقة أمير السرية من تحته بدخول النار -: "لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، إنما الطاعة في المعروف". وقال - في المشجوج رأسه حيث أمروه بالغسل فمات - "قتلوه قاتلهم الله". وكيف غضب في تطويل معاذ ﵁ صلاته بالقوم؟ وفي واقعة أخرى مثلها، لعلها لأبي بن كعب، وفي قتل خالد من قال: "صبأنا صبأنا" ولم يحسنوا أن يقولوا: "أسلمنا"، وفي قتل أسامة من قال: "لا إله إلا الله" فزعمها درأ لنفسه، وفي واقعة من أعتق عبيده عند الاحتضار ولم يكن له غيرهم. وغير ذلك من الوقائع. كالسؤال عن ضالة الإبل، مما كان التأويل فيها في غير محله، وعلى تعبير الفقهاء في فصل غير مجتهد فيه، بخلاف نحو ترك الصلاة عند الذهاب إلى بني قريظة، ومن صلى بالتيمم ثم وجد الماء في الوقت فتوضأ وأعاده ومن لم يعد فلم يعنف أحداً فيه، لأن التأويل فيه لم يكن قطعي البطلان، ولكم أسوة حسنة في رسول الله ﷺ ، والله الهادي، ومن يضلل الله فما له من هاد.
تفسير الزندقة والإلحاد والباطنية وحكمها ثلاثتها واحد وهو الكفر
قال: التفتازاني في "مقاصد الطالبين في أصول الدين": الكافر إن أظهر الإيمان خص باسم "المنافق"، وإن كفر بعد الإسلام "فبالمرتد"، وإن قال بتعدد الآلهة "فبالمشرك"، وإن تدين ببعض الأديان "فبالكتابي" وإن أسند الحوادث إلى الزمان واعتقد قدمه
стр. 14
"فالبدهري"، وإن نفى الصانع فبالمعطل، وإن أبطن عقائد هي كفر بالإتفاق "فبالزنذيق".
وقال في شرحه: قد ظهر أن: "الكافر" اسم لمن لا إيمان له: فإن أظهر الإيمان خص باسم المنافق، وإن طرأ كفره بعد الإسلام خص باسم المرتد، لرجوعه عن الإسلام، وإن قال بإلهين أو أكثر. خص باسم المشرك، لإثباته الشريك في الألوهية، وإن كان متديناً ببعض الديان والكتب المنسوخة، خص باسم الكتابي، كاليهودي والنصراني، وإن كان يقول بقدم الدهر وإسناد الحوادث إليه، خص باسم الدهري، وإن كان لا يثبت الباري تعالى خص باسم المعطل، وإن كان مع اعترافه بنبوة النبي ﷺ وإظهاره شعائر الإسلام يبطن عقائد هي كفر بالإتفاق، خص باسم الزنيدق، وهو في الأصل منسوب إلى: الزند، اسم كتاب أظهر مزدك أيام قباد: وزعم أنه تأويل كتاب المجوس الذي جاء به زرادشت. الذي يزعمون أنه نبيهم.
قوله: "المعروف" اهـ. فإن الزنديق يموه يكفره، ويروج عقيدته الفاسدة، ويخرجها في الصورة الصحيحة، وهذا معنى إبطان الكفر، فلا ينافي إظهاره الدعوى إلى الضلال، وكونه معروفاً بالإضلال اهـ. ابن كمال.
وقيل: لا يقبل إسلامه إن ارتد إلى كفر خفي، كزنادقة، وباطنية، فالمراد بابطان بعض عقائد الكفر ليس هو الكتمان من الناس، بل
стр. 15
المراد: أن يعتقد بعض ما يخالف عقائد الإسلام مع ادعائه إياه وحكم المجموع من حيث المجموع الكفر لا غير.
وفي المسند عن ابن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيكون في هذه الأمة مسخ، ألا وذلك في المكذبين بالقدر والزنديقية". قال في "الخصائص" سنده صحيح.
وفي "منتخب كنز العمال" مرفوعاً ما يفسرها.
стр. 16
ما المراد بأهل القبلة الذين لا يكفرون ؟
قال التفتازاني في المقاصد: المبحث السابع في حكم مخالف الحق من أهل القبلة. ليس بكافر ما لم يخالف ما هو من ضروريات الدين، كحدوث العالم، وحشر الأجساد. وقيل: كافر. وقال الأستاذ: نكفر من أكفرنا، ومن لا فلا. وقال قدماء المعتزلة: نكفر المجبرة، والقائلين بقدم الصفات، وخلق الأعمال، وجهلائهم: نكفر من قال بزيادة الصفات، وبجواز الرؤية وبالخروج من النار، وبكون الشرور والقبائح بخلقه وإرادته.
لنا: إن النبي ﷺ ومن بعده لم يكونوا يفتشون من العقائد، وينبهون على ما هو الحق. فإن قيل: فكذا في الأصول المتفق عليها. قلنا: لاشتهارها وظهور أدلتها على ما يليق بأصحاب الجمل، قد يقال: ترك البيان إنما كان أكتفاء بالتصديق الإجمالي، إذ التفصيل إنما يجب عند ملاحظة التفاصيل، وإلا فكم من مؤمن لا يعرف معنى القديم والحادث، هذا وإكفار الفرق بعضها بعضاً مشهور.
وقال في شرحه في "باب الكفر والإيمان": ومعناه أن الذي اتفقوا على ما هو من ضروريات الإسلام، كحدوث العالم، وحشر الأجساد، وما يشبه ذلك، واختلفوا في أصول سواها كمسألة الصفات، وخلق الأعمال، وعموم الإرادة، وقدم الكلام، وجواز الرؤية، ونحو ذلك مما لا نزاع فيه، أن الحق فيها واحد، هل يكفر المخالف للحق بذلك الاعتقاد وبالقول به أم لا، وإلا فلا نزاع في كفر أهل القبلة المواظب طول العمر على الطاعات باعتقاد قدم العالم ونفي العلم بالجزيئات ونحو ذلك،
стр. 17
وكذا بصدور شيء من موجبات الكفر عنه، وأما الذي ذكرنا فذهب الشيخ الأشعري وأكثر الأصحاب إلى أنه ليس بكافر، وبه يشعر ما قال الشافعي رحمه الله تعالى عليه: "لا أرد شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية، لاستحلالهم الكذب". وفي "المنتقى" عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى تعالى عليه: "أنه لم يكفر أحداً من أهل القبلة". وعليه أكثر الفقهاء. ومن اصحابنا من قال بكفر المخالفين.
أعلم أن المراد بأهل القبلة: الذين اتفقوا على ما هو من ضروريات الدين. كحدوث العالم، وحشر الأجساد، وعلم الله تعالى بالكليات والجزيئات، وما أشبه ذلك من المسائل المهات، فمن واظب طول عمره على الطاعات والعبادات مع اعتقاد قد العالم ونفي الحشر أو نفي علمه سبحانه بالحزئيات لا يكون من أهل القبلة، وإن المراد بعدم تكفير أحد من أهل القبلة عند أهل السنة: أنه لا يكفر ما لم يوجد شيء من إمارات الكفر وعلاماته، ولم يصدر عنه شيء من موجباته.
إن غلا فيه - أي في هواه - حتى وجب إكفاره به لا يعتبر خلافه ووفاقه أيضاً، لعدم دخوله في مسمى الأمة المشهود لها بالعصمة وإن صلى إلى القبلة واعتقد نفسه مسلماً، لأن الأمة ليست عبارة عن المصلين إلى القبلة، بل عن المؤمنين، وهو كافر وإن كان لا يدري أنه كافر.
стр. 18
ونحوه في "اكشف شرح البردوى" من الإجماع، و"الإحكام" للآمدى من المسألة السادسة منه.
لا خلاف في كفر المخالف في ضروريات الإسلام وإن كان من أهل القبلة المواظب طول عمره على الطاعات. كما في "شرح التحرير". "رد المختار" من الإمامة ومن جحود الوتر.
أيضاً ثم قال (أي صاحب "البحر") : والحاصل أن المذهب عدم تكفير أحد من المخالفين فيما ليس من الأصول المعلومة من الدين ضرورة. إلخ. فافهم.
أهل القبلة في إصطلاح المتكلمين من يصدق بضروريات الدين أي الأمور التي علم في الشرع واشتهر، فمن أنكر شيئاً من الضروريات كحدوث العالم وحشر الأجساد، وعلم الله سبحانه بالجزيئات، وفرضية الصلاة والصوم لم يكن من أهل القبلة، ولو كان مجاهداً بالطاعات، وكذلك من باشر شيئاً من إمارات التكذيب كسجود الصنم والإهانة بأمر شرعي والاستهزاء عليه، فليس من أهل القبلة، ومعنى: "عدم تكفير أهل القبلة أن لا يكفر بارتكاب المعاصي، ولا بانكار الأمور الخفية غير المشهورة. هذا ما حققه المحققون فاحفظه.
стр. 19
وفي "جوهر التوحيد":
ومن لمعلوم ضرورى جحد ... من ديننا يقتل كفراً ليس حد
وشرحه شارحه وذكر أن هذا مجمع عليه، وذكر أن الماتريدية يكفرون بعد هذا بإنكار القطعي وإن لم يكن ضرورياً.
قلت: توارده الأصوليون من أصحابنا في إنكار ما أجمع عليه الصحابة، إذ جعلوه كالكتاب في الرتبة.
وقال الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى في "إقامة الدليل": وإجماعهم حجة قاطعة يجب اتباعها، بل هي أوكد الحجج، وهي مقدمة على غيرها، وليس هذا موضع تقرير ذلك، فإن هذا الأصل مقرر في موضعه، وليس فيه بين الفقهاء بل ولا بين سائر المؤمنين الذين هم المؤمنون خلاف، وإنما خالف فيه بعض أهل البدع المكفرين ببدعتهم أو المفسقين بها، بل من كان يضم إلى بدعته من الكبائر ما بعضه يوجب الفسوق اهـ.
لكن يحتمل أن يكون ما أجمع عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين من الضروري عندهم، وقد أشار إليه في "روح المعاني" تحت قوله: "إن الذين كفرول سواء عليهم الآية". ومثله في "شرح التحرير" للمحقق ابن أمير الحاج تلميذ المحقق ابن الهمام وتلميذ الحافظ ابن حجر، ذكره في تقسيم الخطأ وبسطه، ونحوه في "التلويح" للتفازاني من حكم الإجماع. وعبارة المحقق ابن أمير الحاج في "شرح التحرير"، هكذا:
стр. 20
"والمراد بالمبتدع: الذي لم يكفر ببدعته، وقد يعبر عنه بالمذنب من أهل القبلة، كما أشار إليه المصنف سابقاً بقوله: "وللنهي عن تكفير أهل القبلة" هو الموافق على ما هو من ضروريات الإسلام، كحدوث العالم، وحشر الأجساد من غير أن يصدر عنه شيء من موجبات الكفر قطعاً من اعتقاد راجع إلى وجود إله غير الله تعالى، أو إلى حلوله في بعض أشخاص الناس، أو إنكار نبوة محمد ﷺ أو ذمه أو استخفافه، ونحو ذلك المخالف في أصول سواها مما لا نزاع أن الحق فيه واحد، كمسألة الصفات، وخلق الأعمال، وعموم الإرادة وقدم الكلام، ولعل إلى هذا أشار المصنف رحمه الله تعالى ماضياً بقوله: إذ تمسكه بالقرآن أو الحديث أو العقل، إذ لا خلاف في تكفير المخالف في ضروريات الإسلام من حدوث العالم، وحشر الأجساد، ونفي العلم بالجزيئات، وإن كان من أهل القبلة المواظب كول العمر على الطاعات، وكذا المتلبس بشيء من موجبات الكفر ينبغي أن يكون كافراً بلا خلاف، وحينئذ ينبغي تكفير الخطابية لما قدمناه عنهم في فصل شرائط الراوي، وقد ظهر من هذا أن عدم تكفير أهل القبلة بذنب ليس على عمومه إلا أن يحمل الذنب على ما ليس بكفر فيخرج المكفر به كما أشار إليه السبكي ". اهـ.
ثم ذكر عن السبكي ما لا يضرنا، فإنه فيما إذا تكلم بالشهادتين بعد ما كان تفوه بكلمة الكفر، جعله كمسلم ارتد ثم أسلم، ومع هذا نظر
стр. 21
فيه ابن أمير الحاج بانه لابد أن يتبرأ عما كان تفوه به، وهو في كلام السبكي أيضاً، فلا خلاف بينهما إذن.
وقال المحقق محمد بن إبراهيم الوزير في "إيثار الحق": الفرع الثاني أن يسير الاختلاف لا يوجب التعادي بين المؤمنين، وهو ما وقع في غير المعلومات القطعية من الدين التي دل الدليل على تكفير من خالف فيها" ا. هـ.
وقال في: "مثل كفر الزنادقة والملاحدة" - إلى أن قال -: "وتلعبوا بجميع آيات كتاب الله في تأويلها جميعاً بالبواطن التي لم يدل على شيء منها دلالة ولا إمارة. ولا لها في عصر السلف الصالح إشارة، وكذلك من بلغ مبلغهم من غيرهم في تعفية آثار الشريعة، ورد العلوم الضرورية التي نقلتها الأمة خلفها عن سلفها" ا. هـ.
وقال في:
"فاعلم أن الإجماعات نوعان: أحدهما تعلم صحته بالضرورة من الدين بحيث يكفر مخالفه، فهذا إجماع صحيح، ولكنه مستعني عنه بالعلم الضروري من الدين" أ. هـ.
واعلم أن أصل هذه المسألة - أي مسألة عدم تكفير أهل القبلة - مأخوذة مما رواه أبو داود رحمه الله تعالى في الجهاد: عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال: لا إله إلا الله، ولا تكفره بذنب، ولا تخرجه من الإسلام بعمل" الحديث.
والمراد بالذنب فيه على عرف الشريعة غير الكفر، وكذلك هذه الجملة
стр. 22
في عبارة الأئمة كالإمام الأعظم رحمه الله تعالى وغيره، كالإمام الشافعي ﵀ عليه، كما نقله في "اليواقيت" مقيدة بالذنب,
فجاء الناظرون أو الجاهلون أو المحدون فوضعوها في غير موضعها، وأصل هذه الأحاديث في إطاعة الأمير، والنهي عن الخروج ما صلوا. كما عند "مسلم" وغيره، وهو مقيد عنده وعند آخرين بقوله ﷺ : "إلا أن تروا كفراً بواحا عندكم من الله فيه برهان" وهو المراد بما عند البخاري وغيره عن أنس: "من شهد أن لا إله إلا الله، واستقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا فهو المسلم، له ما للمسلم، وعليه ما على المسلم".
قلت: وفي قوله ﷺ : "إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان" دلالة على أن تلك الرؤية إلى الرائين، فلينظروا فيما بينهم وبين الله، ولا يجب عليهم تعجيزه بحيث يحصر لسانه ولا ينطلق بتأويل، بل إنما يجب أن يكون عندهم من الله فيه برهان لا غير. ووقع عند "الطبراني" فيه كما في "الفتح" كفراً صراحاً، بصاد مهملة مضمومة ثم راء، فدل على أن التأويل في الصريح لا يقبل،
стр. 23
وقال في "الفتح" "قوله عندكم من الله فيه برهان أي نص آية أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل ا. هـ"
فدل أنه بحوز التكفير بناءً على خبر واحد وإن لم يكن متواتراً، وكيف لا! وهم يكفرون بما عدده الفقهاء من موجبات الكفر، أفلا يكفرون بما في حديث صحيح لم يقم على تأويله دليل ودل أيضاً أن أهل القبلة يجوز تكفيرهم وإن لم يخرجوا عن القبلة، وأنه قد يلزم الكفر بلا التزام وبدون أن يريد تبديل الملة، وإلا لم يحتج الرائي إلى برهان، فهم - كما في حديث آخر عند البخاري - من جلدتنا ويتكلموت بألسنتنا، وهم دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. قال القابسي - كما في "الفتح"-: معناه أنهم في الظاهر على ملتنا وفي الباطن مخالفون، وحمله الحافظ رحمه الله تعالى على الخوارج، وقال في ترجمة الدجال: وأما الذي يدعيه فإنه يخرج أولاً فيدعي الإيمان والصلاح ثم يدعي النبوة ثم يدعي الإلهية ا. هـ.
وقال في حديث ثلاثين دجالاً، وتوجيه زيادة العدد في بعض الروايات ما لفظه:
"ويحتمل أن يكون الذين يدعون النبوة منهم ما ذكر من الثلاثين ونحوها، وإن من زاد على العدد المذكور يكون كذاباً فقط لكن يدعو إلى الضلالة، كغلاة الرافضة، والباطنية، وأهل الوحدة، والحلولية، وسائر الفرق الدعاة إلى ما يعلم بالضرورة أنه خلاف ما جاء به محمد رسول الله ﷺ ا. هـ".
فجعلهم من قبيل الدجال وكفرة بإنكار الضروريات بل بمخالفتهما فقط، ثم رأيت في "منحة الخالق على البحر الرائق" لابن عابدين رحمه الله تعالى (١) стр. 24
"وحرر العلامة نوح آفندي أن مراد الإمام بما نقل عنه ما ذكره في "الفقه الأكبر" من عدم التكفير بالذنب الذي هو مذهب أهل السنة والجماعة فتأمل ا. هـ".
قلت: ومسألة عدم إكفار أهل القبلة إنما عزوها "للمنتفي" كما في "شرح المقاصد"، و"المسايرة"، وعبارة "المنتفي" نقلها في "شرح التحرير"، وسياقها عن أبي حنيفة: "ولا نكفر أهل القبلة بذنب ا. هـ". فقيد بالذنب، وهي في رد المعتزلة والخوارج لا غير، إذ صورة العبارة تعريض بمن يكفر اهل القبلة بغير ما يوجب الكفر وهو الذنب، وأما كلمات الكفر، فإن لم يكفر بها فليقل: إنها ليست بكلمات كفر، وهو سفسطة.
ثم رأيت في"كتاب الإيمان" للحافظ ابن تيمية ﵀ صرح به قال: ونحن إذا قلنا: أهل السنة متفقون على أنه لا يكفر بالذنب، فإنما تريد بها المعاصي كالزنا والشراب أ. هـ. وأوضحه القونوى في "شرح العقيجة الطحاوية".
ولهذا امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول بأنا لا نكفر أحداً بذنب، بل يقال: إنا لا نكفرهم بكل ذنب كما يفعله الخوارج. ثم قال القونوى: وفي قوله: "بذنب" غشارة إلى تكفيره بفساد اعتقاده كفساد اعتقاد المجسمة والمشبهة ونحوهم، لأن ذلك لا يسمى ذنباً،
стр. 25
والكلام في الذنب. "شرح فقه أكبر" - من بحث الإيمان - ونحوه كلام الطحاوي في "المعتصر" - من تفسير الفرقان - ومن آخر "الاقتصاد" للغزالي.
عبارات من فتح الباري بشرح صحيح البخاري
فيها فكوك لشكوك المستروحين ونجوم من الحافظ
شهاب الدين ابن حجر لرجوم الهالكين
وقد اختلف الصحابة فيهم بعد الغلبة عليهم: هل تغنم أموالهم، وتسبى ذراريهم كالكفار، أو لا كالبغاة؟ فرأى أبو بكر الأول وعمل به، وناظره عمر ﵁ في ذلك، كما سيأتي بيانه في "كتاب الأحكام" إن شاء الله تعالى. وذهب إلى الثاني ووافقه غيره في خلافته على ذلك، واستقر الإجماع عليه في حق من جحد شيئاً من الفرائض بشبهة فيطالب بالرجوع، فإن نصب القتال قوتل وأقيمت عليه الحجة، فإن رجع وإلا عومل معاملة الكافر حينئذ، ويقال أن صبغ من المالكية استقر على القول الأول فعد من ندرة المخالف.
قلت: أراد بقوله: "وإلا عومل معاملة الكافر" القتل كفراً، لأنه قال الحافظ قبله: "والذين تمسكوا بأصل الإسلام، ومنعوا الزكاة بالشبهة التي ذكروها لم يحكم عليهم بالكفر قبل إقامة الحجة ا. هـ" وكذا نقله عن القرطبي فيما يأتي في من استسر منهم ببدعة. وأراد بالشبهة التأويل، ففيه أن المأول يستتاب، فإن تاب وإلا حكم عليه بالكفر. فهذا غايته.
стр. 26
واستدل به - أي بحديث أبي سعيد في مروق الخوارج من الدين كمروق السهم من الرمية - لمن قال بتكفير الخوارج، وهو مقتضى صنيع البخاري، حيث قرنهم بالملحدين وأفرد عنهم المتأولين بترجمة, وبذلك صرح القاضي أبو بكر ابن العربي في "شرح الترمذي" فقال. الصحيح أنهم كفار، لقوله ﷺ : "يمرقون من الإسلام"، ولقوله: "لأقتلنهم قتل عاد"، وفي لفظ: "ثمود" وكل منهما إنما هلك بالكفر، ولقوله: "هم شر الخلق" ولا يوصف بذلك إلا الكفار، ولقوله "إنهم أبغض الخلق إلى الله تعالى"، ولحكمهم على كل من خالف معتقدهم بالكفر والتخليد في النار، فكانوا هم أحق بالاسم منهم.
وممن جنح إلى ذلك من أئمة المتأخرين الشيخ تقي الدين السبكي فقال في "فتاواه": احتج من كفر الخوارج وغلاة الروافض بتكفيرهم أعلام الصحابة، لتضمنه تكذيب النبي ﷺ في شهادته لهم بالجنة. قال: وهو عندي احتجاج صحيح. قال: واحتج من لم يكفرهم بأن الحكم بتكفيرهم يستدعى تقدم علمهم بالشهادة المذكورة علماً قطعياً وفيه نظر، لأنا نعلم تزكية من كفروه علماً قطعياًَ إلى حين موته، وذلك كاف في اعتقادنا تكفير من كفرهم، ويؤيده حديث: "من قال لأخيه كافر فقد باء به أحدهما" وفي لفظ "مسلم": "من رمى مسلماً بالكفر - أو قال -: عدو الله إلا حار عليه".
قال: وهؤلاء قد تحقق منهم أنهم يرمون جماعة بالكفر ممن حصل عندنا القطع بإيمانهم، فيجب أن يحكم بكفرهم مقتضى خبر الشارع، وهو نحو ما قالوه في من سجد للصنم ونحوه ممن لا تصريح بالجحود فيه بعد أن فسروا الكفر بالجحود، فإن احتجوا بقيام الإجماع على تكفير فاعل ذلك، قلنا: وهذه الأخبار الواردة في حق هؤلاء تقتضي كفرهم ولو لم يعتقدوا تزكية من
стр. 27
كفروه علماً قطعياً، ولا ينجيهم اعتقاد الإسلام إجمالاً، والعمل بالواجبات عن الحكم بكفرهم كما لا ينجى الساجد للصنم ذلك.
قلت: وممن جنح إلى بعض هذا البحث الطبري في "تهذيبه"، فقال بعد أن سرد أحاديث الباب:
فيه الرد على قول من قال: لا يخرج أحد من الإسلام من أهل القبلة بعد استحاقه حكمه إلا بقصد الخروج منه عالماً. فإنه مبطل لقوله في الحديث: "يقولون الحق، ويقرؤون القرآن ويمرقون من الإسلام، ولا يتعلقون منه بشيء" ومن المعلوم أنهم لم يرتكبوا استحلال دماء المسلمين وأموالهم إلا بخطأ منهم فيما تأولوه من آي القرآن على غير المراد منه.
ثم أخرج بسند صحيح عن ابن عباس: "ذكر عنده الخوارج وما يلقون عند قراءة القرآن فقال: يؤمنون بمحكمة ويهلكون عند متشابهه" ويؤيد القول المذكور الأمر بقتلهم مع ما تقدم من حديث ابن مسعود: "لا يحل قتل امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، وفيه التارك لدينه، المفارق للجماعة".
قال القرطبي في "المفهم": يؤيد القول بتكفيرهم التمثيل المذكور في حديث أبي سعيد.
فإن ظاهر مقصوده أنهم خرجوا من الإسلام ولم يتعلقوا منه بشيء كما خرج السهم من الرمية لسرعته وقوة رامية بحيث لم يتعلق من الرمية بشيء، وقد أشر إلى ذلك بقوله: "سبق الفرث والدم". قال صاحب "الشفاء" فيه: وكذا القطع بكفر كل من قال قولاً يتوصل به إلى تضليل الأمة أو تكفير الصحابة، وحكاه صاحب " الروضة " في كتاب الردة عنه وأقره.
стр. 28
وذهب أكثر أهل الأصول من أهل السنة إلى أن الخوارج فساق، وإن حكم الإسلام يجرى عليهم لتلفظهم بالشهادتين ومواظبتهم على أركان الإسلام، وإنما نسقوا بتكفيرهم المسلمين مستندين إلى تأويل فاسد، وجرهم ذلك إلى استباحة دماء مخالفيهم وأموالهم، والشهادة عليهم بالكفر والشرك. وقال الخطابي: أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج مع ضلالتهم فرقه من فرق المسلمين، وأجازوا مناكحتهم، وأكل ذبائحهم، وأنهم لا يكفرون ماداموا متمسكين بأصل الإسلام. وقال عياض: كادت هذه المسألة تكون أشد اشكالاً عند المتكلمين من غيرها حتى سأل الفقيه عبد الحق الإمام أبا المعالي فاعتذر بأن إدخال كافر في الملة وإخراج مسلم عنها عظيم في الدين. قال: وقد توقف قبله القاضي أبو بكر الباقلاني، وقال: لم يصرح القوم بالكفر وإنما قالوا أقوالاًَ تؤدي إلى الكفر، وقال الغزالي في كتاب "التفرقة بين الإيمان والزندقة": الذي ينبغي الاحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيلاً، فإن استباحة دماء المصلين المقرين بالتوحيد خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم لمسلم واحد.
ومما احتج به من لم يكفرهم قوله في ثالث أحاديث الباب بعد وصفهم بالمروق من الدين كمروق السهم فينظر الرامي إلى سهمه إلى أن قال: "فيتمارى في الفوقة هل علق بها شيء؟ قال ابن بطال: ذهب جمهور العلماء إلى أن الخوارج غير خارجين عن جملة المسلمين، لقوله: "يتمارى في الفوقة" لأن التماري من الشك، وإذا وقع الشك في ذلك لم يقطع عليهم بالخروج من الإسلام، لأن من ثبت له عقد الإسلام بيقين لم يخرج منه إلا بيقين. قال: وقد سئل علي ﵁ عن أهل النهر-أي النهروان- هل كفروا؟ فقال: من الكفر فروا.
قلت: وهذا إن ثبت عن علي حمل على أنه لم يكن اطلع على
стр. 29
معتقدهم الذي أوجب تكفيرهم عند من كفرهم، وفي احتجابه بقوله: "بتمارى في الفوق" نظر، فإن في بعض طرق الحديث المذكور كما تقدمت الإشارة إليه، وكما سيأتي: "لم يعلق منه بشيء" وفي بعضها: "سبق الفرق والدم" وطريق الجمع بينهما أنه تردد: هل في الفوق شيء أولا؟ ثم تحقق أنه لم يعلق بالسهم ولا بشيء منه من الرمي شيء، ويمكن ان يحمل الاختلاف فيه على اختلاف أشخاص منهم، ويكون في قوله: "يتمارى" إشارة إلى أن بعضهم يبقى معه من الإسلام شيء. قال القرطبي في "المفهم": والقول بتكفيرهم أظهر في الحديث، قال فعلى القول بتكفيرهم يقاتلون ويقتلون، وتسبى أموالهم، وهو قول طائفة من أهل الحديث في أموال الخوارج، وعلى القول بعدم تكفيرهم يسلك بهم مسلك أهل البغي إذا شقوا العصا ونصبوا الحرب، فأما من استسرمنهم ببدعة، فإذا ظهر عليه هل يقتل بعد الاستتابة أولا يقتل بل يجتهد في رد بدعته؟ اختلف فيه بحسب الاختلاف في تكفيرهم، قال: وباب التكفير باب خطر، ولا نعدل بالسلامة شيئاً.
قال: وفي الحديث علم من أعلام النبوة حيث أخبر بما وقع قبل أن يقع، وذلك أن الخوارج لما حكموا بكفر من خالفهم استباحوا دمائهم وتركوا أهل الذمة فقالوا: نفى لهم بعهدهم، وتركوا قتال المشركين، واشتغلوا بقتال المسلمين، وهذا كله من آثار غباوة الجهال الذين لم تنشرح صدورهم بنور العلم، ولم يتمسكوا بحبل وثيق من العلم، وكفى أن رأسهم رد على رسول الله ﷺ أمره، نسبه إلى الجور. - نسأل الله السلامة -.
قال ابن هبرة: وفي الحديث أن قتال الخوارج أولى من قتال المشركين، والحكمة نية أن في قتالهم مسقط رأس مال الإسلام، وفي قتال أهل الشرك
стр. 30
طلب الربح، وحفظ رأس المال أولى، وفيه الزجر عن الأخذ بظواهر جميع الآيات القابلة للتاويل التي يفضي القول بظاهرها إلى مخالفة إجماع السلف.
وفيه التخدير من الغلو في الديانة والتنطع في العبادة بالحمل على النفس فيما لم يأذن فيه الشرع، وقد وصف الشارع الشريعة بأنها سهلة سمحة، وإنما ندب إلى السدة على الكفار وإلى الرأفة بالمؤمنين، فعكس ذلك الخوارج كما تقدم بيانه.
وفيه جواز قتال من خرج عن طاعة الإمام العادل، ومن نصب الحرب فقاتل على اعتقاد فاسد، ومن خرج يقطع الطريق، ويخيف السبيل، ويسعى في الأرض بالفساد. وأما من خرج عن طاعة إمام جائر أراد الغلبة على ماله أو نفسه أو أهله فهو معذور، لا يحل قتاله، وله أن يدفع عن نفسه وماله وأهله بقدر طاقته، وسيأتي بيان ذلك في كتاب الفتن.
وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن عبد الله بن الحارث عن رجل من بني نضر عن علي، وذكر الخوارج فقال: إن خالفوا إماماً عادلاً فقاتلوهم، وإن خالفوا إماماً جائراً فلا تقاتلوهم، فإن لهم مقالاً.
قلت: وعلى ذلك يحمل ما وقع للحسين بن على ﵁، ثم لأهل المدينة في الحرة، ثم لعبد الله بن الزبير، ثم للقراء الذين خرجوا على الحجاب في قصة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث. والله أعلم.
وفيه: أن من المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يقصد الخروج منه، ومن غير أن يختار ديناً على دين الإسلام. وإن الخوارج شر الفرق المبتدعة من الأمة المحمدية، ومن اليهود والنصارى.
قلت: والأخير مبني على القول بتكفيرهم مطلقاً، وفيه منقبة عظيمة
стр. 31
لعمر ﵁ لشدته في الدين، وفيه أنه لا يكتفي في التعديل بظاهر الحال ولو بلغ المشهود بتعديله الغاية في العبادة والتقشف والورع حتى يختبر باطن حاله.
(أيضا) : وفيه: منع قتال من قال: لا إله إلا الله، ولو لم يزد عليها، وهو كذلك ولكن هل يصير بمجرد ذلك مسلماً؟ الراجح: لا، بل يجب الكف عن قتله حتى يختبر، فإن شهد بالرسالة والتزم أحكام الإسلام حكم بإسلامه؛ وإلى ذلك الإشارة بالاستثناء بقوله: إلا بحق الإسلام. قال البغوي: الكافر إذا كان وثنياً أو ثنوياً، لا يقر بالوحدانية فإذا قال: لا إله إلا الله حكم بإسلامه، ثم يجبر على قبول جميع أحكام الإسلام ويبرأ من كل دين خالف دين الإسلام، وأما من كان مقراً بالوحدانية منكراً للنبوة فإنه لا يحكم بإسلامه حتى يقول: محمد رسول الله، فإن كان يعتقد أن الرسالة المحمدية إلى العرب خاصة فلابد أن يقول إلى جميع الخلق، فإن كان كفر بجحود واجب أو استباحة محرم فيحتاج أن يرجع عما اعتقده، ومقتضى قوله يجبر أنه إذا لم يلتزم تجري عليه أحكام المرتد، وبه صرح القفال آهـ.
(أيضاً) : وقال الغزالي في "الوسيط" - تبعاً لغيره -: في حكم الخوارج وجهان، أحدهما: أنه كحكم أهل الردة، والثاني: أنه كحكم أهل البغي، ورجح الرافعي الأول، وليس الذي قاله مطرداً في كل خارجي، فإنه على قسمين: أحدهما من تقدم ذكره، والثاني: من خرج في طلب الملك لا للدعاء إلى معتقده، وهم على قسمين أيضاً: قسم خرجوا غضباً للدين من أجل جور الولاة، وترك عملهم بالسنة النبوية، فهؤلاء أهل حق، ومنهم: الحسين بن علي ﵁، وأهل المدينة في الحرة، والقراء الذين خرجوا على
стр. 32
الحجاج، وقسم خرجوا لطلب الملك فقط، سواء كانت فيهم شبهة أم لا، وهم البغاة، وسيأتي بيان حكمهم في كتاب الفتن، وبالله التوفيق.
(أيضاً) : وقال ابن دقيق العيد: قد يؤخذ من قوله: "المفارق للجماعة" أن المراد: المخالف لأهل الإجماع، فيكون متمسكاً لمن يقول: مخالف الإجماع كافر، وقد نسب ذلك إلى بعض الناس، وليس ذلك بالبين، فإن المسائل الإجماعية تارة يصحبها التواتر بالنقل عن صاحب الشرع، كوجوب الصلاة مثلاً، وتارة لا يصحبها التواتر، فالأول يكفر جاحده لمخالفة التواتر لا لمخالفة الإجماع، والثاني لا يكفر به. قال شيخنا في "شرح الترمذي": الصحيح في تكفير منكر الإجماع تقييده بإنكار ما يعلم وجوبه من الدين بالضرورة، كالصلاة الخمس، ومنهم من عبر بإنكار ما علم وجوبه بالتواتر، ومنه القول بحديث العالم. وقد حكى عياض رحمة الله وغيره الإجماع على تكفير من يقول بقدم العالم. وقال ابن دقيق العيد: وقع هنا من يدعي الحذق في المعقولات ويميل إلى الفلسفة فظن أن المخالف في حدوث العالم لا يكفر، لأنه من قبيل مخالفة الإجماع، وتمسك بقولنا أن منكر الإجماع لا يكفر على الإطلاق حتى يثبت النقل بذلك متواتراً عن صاحب الشرع. قال: وهو تمسك ساقط، إما عن عمي في البصيرة، أو تعام، لأن حدوث العالم من قبيل ما اجتمع فيه الإجماع والتواتر بالنقل.
وقد قال الحافظ ﵀ في آخر بحثه: "ومخالف الإجماع داخل في مفارق الجماعة" أهـ.
стр. 33
تنبيه من الراقم على ما استفيد
من كلام الحافظ رحمه الله تعالى
الأول: إن أمير المؤمنين في الحديث الإمام البخاري ﵀ مائل إلى إكفار الخوارج - أي بعض من استحق منهم ذلك، وقد صرح به في كتابه "خلق أفعال العباد" - في فرق، ويوجب قتلهم بعد الأعذار إليهم والاستتابة، ولا يجب بل لا يمكن إلجاءهم واضطرارهم إلى الحق، أي لا يتصور من البشر إيجاد اليقين وإلقاءه في قلوبهم بحيث لا يبقى بعده إلا عناد ومكابرة، كما يزعمه الزاعمون ممن لم ينظر في الكتب وأقوال الأئمة، وبنى خياله على الحرية الدائرة في هذا العصر، ومجرد تحسين وتقبيح عقلي، ومثل هذا هو الذي ذكره علماء المذاهب الأربعة في باب المرتد حيث قالوا: يستتاب ويكشف شبهته، أي يذكر عنده ما يكشف الشبهة، لا أنه يستطيع أحد أن ييقنه بذلك ويلجئه إليه؟ فإذا لم يرجع قتل كفراً. قال الشيخ ابن الهمام في "المسايرة" في إنكار القطعي الغير الضروري: إلا أن يذكر له أهل العلم ذلك فيلج أهـ.
ويؤخذ ذلك مما نقله الحموي في "الجمع والفرق" عن محمد ﵀ وعن أبي يوسف ﵀ في "البحر" في تعليم الجاهلة، ومما في "الهندية" عن "اليتيمة" في ما يتعلق بالصلاة.
وهاك نص تراجم البخاري:
قال: "باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم وقوله
стр. 34
تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ ثم بوب على وجه العذر في ترك قتلهم حيث ترك فقال: "باب ترك قتال الخوارج للتألف، ولئلا ينفر الناس عنه".
ثم بوب على التأويل وقال: "باب ما جاء في المتأولين" وأراد به تأويلاً لا يكون كتأويل الخوارج، إذ بوب عليهم قبل ذلك، وذلك التأويل كما في "الفتح" ما كان سائغاً في كلام العرب، وكان له وجه في العلم أهـ.
وقال تلميذه شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في "تحفة الباري": ولا خلاف أن المتأول معذور بتأويله إن كان تأويله سائغاً أهـ. لا مطلق التأويل فإنه لا يدفع القتل بل لا يدفع الكفر أيضاً.
الثاني: إن إنكار القطعي كفر، ولا يشترط أن يعلم ذلك المنكر قطعيته ثم ينكر فيكون بذلك كافراً على ما يتوهمه الخائلون، بل يشترط قطعيته في الواقع، فإذا جحد شخص ذلك القطعي استتيب، فإن تاب وإلا قتل على الكفر، وليس وراء الاستتابة مذهب كما قال القائل: وليس وراء الله للمرء مذهب
وذلك من كلام الشيخ تقى الدين السبكي في عبارة الحافظ ﵀.
الثالث: الرد على من قال: لا يخرج أحد من أهل الإسلام من أهل القبلة بعد استحقاقه حكمخ إلا بقصد الخروج منه عالماً، وذلك من
стр. 35
كلام الطبري في عبارته، ومن كلام القرطبي أيضاً في آخر العبارة. وقال ابن تمية في "الصارم المسلول": والغرض هنا أنه كما إن الردة تتجرد عن السب فكذلك قد تتجرد عن قصد تبديل الدين وإرادة التكذيب بالرسالة، كما تجرد كفر إبليس عن قصد التكذيب بالربوبية، وإن كان عدم هذا القصد لا ينفعه كما لا ينفع من قال الكفر، إن لا يقصد أن يكفر أهـ.
قال: وهذا الرجل لم يظهر مجرد تغير الاعتقاد حتى يعود معصوماً بعوده، إليه وليس هذا القول من لوازم تغير الاعتقاد حتى يكون حكمه كحكمه.
قال: ومن جهة كونه قد يظن أو يقال أن الاعتقاد قد يكون سالماً معه فيصدر عمن لا يريد الانتقال من دين إلى دين، ويكون فساده أعظم من فساد الانتقال، إذ الانتقال قد علم أنه كفر فنزع عنه ما نزع عن الكفر، وهذا قد يظن أنه ليس بكفر إلا إذا صدر استحلالاً، بل هو معصية، وهو من أعظم أنواع الكفر أهـ.
قلت: المراد بالمروق هو الخروج من حيث لا يدري، وهو مؤدي هذا اللفظ وحقه، ومن قال ذلك لعله يقول: أن أهل الملل غير الإسلام لا يهلكون أيضاً متى لم يكونوا معاندين، وقد نسب ذلك إلى بعض، وقد قال القاضي أبو بكر الباقلاني - كما في "الشفاء" -: إن هذا القول كفر، ومعلوم أن دليل ذلك القائل لو كان صحيحاً كان عاماً يشمل أهل الإسلام وغيرهم ممن لم يكابر.
الرابع والخامس: جواب الحافظ عن أدلة من لم يكفر
стр. 36
الخوارج، ثم تقسيم منه إلى من كفر منهم وإلى من لم يكفر، من عنده ومن كلام الغزالي أيضاً في "الوسيط" فإن لم يكن الحافظ اختار تكفير الخوارج فقد أجاب عن ادلة عدم التكفير. والحق أن من أنكر متواتراً كفر، ومن لافلا، والحق أيضاً أن حديث المروق يدل على أن المارقة أقرب إلى الكفر من الإيمان، ومن أصرح ما وجدت فيه ما عند ابن ماجه عن أبي أمامة ﵁: "قد كان هؤلاء مسلمين فصاروا كفاراً" قلت: يا أبا أمامة هذا شيء تقوله؟ قال: بل سمعته من رسول الله ﷺ قال الحافظ محمد بن إبراهيم اليماني في "إيثار الحق": اسناده حسن أهـ. وحسنه الترمذي مختصراً، وبعضهم كالطحطاوي في الإمامة فسر الخوارج بمن خرج عن عقيدة السنة، وكذا ابن عابدين هناك، وروى النسائي عن أبي برزة قال: "أتى رسول الله ﷺ بمال فقسمه" الحديث، ثم قال "يخرج في أخر الزمان قوم - كان هذا منهم - يقرؤون القرآن آهـ لا يزالون يخرجون حتى يخرج أخرهم مع المسيح الدجال". وصرح في "الصارم" في السنة الرابعة عشر بكفرهم، وأجاب هناك عن كل ما يرد ومن الحديث الخامس عشر، وشواهد حديث أبي برزة في "الكنز" و"المستدرك".
стр. 37
السادس: إن قتال الخوارج أولى من قتال المشركين، وذلك من كلام ابن هبيرة، وأقول: كذلك إكفار المتأولين والملحدين أهم من إكفار المعاندين، فإن التأويل يتخذ ديناً كما اتخذه أتباع ذلك الدجال بخلاف التعمد، هذا وقد بوب البخاري قبل هذا على إنكار بعض الضروريات، وأنه ارتداد فقال: (باب قتل من أبي قبول الفرائض وما نسبوا إلى الردة) .
وأخرج فيه حديث قتال أبي بكر مع من فرق الصلاة والزكاة، فجعلهم مرتدين، مع أنهم كانوا متاولين، فظهر أن التأويل في ضروريات الدين لا يدفع الكفر، وغاية ما يوسع فيه هو الإنذار والاستتابة، فإن تاب وإلا قتل كفراً، وليس ذلك إكراهاً مذموماً بل هو إكراه على الحق الذي وضحت حقيته، فهو عين العدل وعين الصواب. قال القاضي أبو بكر ابن العربي في "أحكام القرآن" في قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ الآية. المسألة الثانية قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ﴾ عموم في نفي إكراه الباطل، فأما الإكراه بالحق فإنه من الدين، وهل يقتل الكافر إلا على الدين. قال ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله"، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ اهـ. وأعاده في "الممتحنة". وقال في "الصحيح" عن النبي ﷺ : "عجب ربكم من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل اهـ". والحق أن الإكراه على الحق الذي كان وضوحه بديهياً ليس بإكراه، واختاره في "روح المعاني" أيضاً.
стр. 38
وهذه أكثر الشكوك التي تغشي الناظرين في هذه المسألة، وقد أحاطها وأماطها الحافظ وحكها وفكها، فأبى المستروحون إلا استرسالهم مع ما يركبه الخيال ويجلبه من حديث نفس وأمنية، والله الهادي ومن يضلله فلا هادي له، يريد الكافرون ليطفؤه ويأبى الله إلا أن يتمه.
النقل عن الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة الدين
كأبي يوسف ومحمد والبخاري ﵀ عليهم أجمعين
وهو ما ذكره الطحاوي قال: حدثنا سليمان بن شعيب عن أبيه عن أبي يوسف في نوادر ذكرها عنه، أدخلها في أماليه عليهم، قال: قال أبو حنيفة: "أقتلوا الزنديق سراً فإن توبته لا تعرف". "أحكام القرآن" لأبي بكر الرازي و"عمدة القاري".
قال أبو مصعب عن مالك في المسلم إذا تولى عمل السحر: قتل ولا يستتاب، لأن المسلم إذا ارتد باطناً لم تعرف توبته بإظهاره الإسلام. "أحكام القرآن" لأبي بكر الرازي. ونحوه في "المؤطأ" من القضاء في من ارتد عن الإسلام.
وقولهم في ترك قبول توبة الزنديق: يوجب أن لا يستتاب الإسماعيلية وسائر الملحدين الذين قد علم منهم اعتقاد الكفر، كسائر الزنادقة، وأن يقتلوا مع إظهارهم التوبة. "أحكام القرآن"
وأبسط من ذلك في "الأحكام" رواية ودراية.
стр. 39
وقد روى هشام بن عبيد الله الرازي عن محمد بن الحسن: أن من صلى خلف المعتزلي يعيد صلاته. وروى هشام أيضاً عن يحيى بن أكثم عن أبي يوسف: أنه سئل عن المعتزلة فقال: هم الزنادقة، وقد أشار الشافعي في كتاب القياس إلى رجوعه عن قبول شهادة المعتزلة وأهل الأهواء. وبه قال مالك وفقهاء المدينة، فكيف يصح من أئمة الإسلام إكرام القدرية بالنزول لهم بكفرهم. "الفرق بين الفرق".
وكذلك في "كتاب العلو" للذهبي وفي "الأم" للشافعي ﵀ مما تجوز به شهادة أهل الأهواء: ولا أرد شهادة أحد بشيء من التأويل كان له وجه يحتمله اهـ. وفي "اليواقيت" قال المخزومي ﵀: أراد الإمام الشافعي ﵀ بأهل الأهواء أصحاب التأويل المحتمل اهـ.
وروى هشام بن عبيد الله الرازي عن محمد بن الحسن أنه قال: من صلى خلف من يقول بخلق القرآن أنه يعيد الصلاة. "الفرق بين الفرق".
قلت: فهذا قول محمد ﵀ في الإعادة، وقد روى محمد ﵀ عدم جواز الصلاة خلف أهل الأهواء عن أبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف ﵀، كما في إمامة "فتح القدير".
وتبرأ منهم المتأخرون من الصحابة، كعبد الله بن عمر، وجابر ابن عبد الله، وأبي هريرة، وابن عباس، وأنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى، وعقبة بن عامر الجهني، وأقرانهم؛ وأوصوا أخلافهم بأن لا يسلموا على القدرية، ولا يصلوا على جنائزهم، ولا يعودوا مرضاهم. "الفرق بين الفرق" و"عقيدة السفاريني".
стр. 40
وبسط الأحاديث المرفوعة فيه عن جماعة من الصحابة ﵃، وفي "السير الكبير" من لفظ محمد ﵀: ومن أنكر شيئاً من شرائع الإسلام فقد أبطل قول: لا إله إلا الله اهـ.
قال: سمعت سفيان الثوري يقول: قال لي حماد بن أبي سليمان: أبلغ أبا فلان المشرك فإني بريء من دينه، وكان يقول: القرآن مخلوق. وقال الثوري: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر. وقال على ابن عبد الله (ابن المديني) : القرآن كلام الله، من قال أنه مخلوق فهو كافر، لا يصلى خلفه.
قال أبو عبد الله البخاري: نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس فما رأيت أضل في كفرهم منهم، وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم، وقال زهير السختياني: سمعت سلام بن أبي مطيع يقول: الجهمية كفار.
قال أبو عبد الله: ما أبالي صليت خلف الجهمي والرافضي أم صليت خلف اليهود والنصارى، ولا يسلم عليهم، ولا يعادون ولا يناكحون، ولا يشهدون، ولا تؤكل ذبائحهم. "خلق أفعال العباد" للبخاري ملتقطاً.
ونقل العبارة الأولى في كتاب "الأسماء والصفات" والثانية كذلك، ونقل العبارة الثانية في "فتاوى الحافظ ابن تيمية" فجعلها نقل البخاري عن أبي عبيد هو الإمام القاسم بن سلام.
وقال ابن أبي حاتم الحافظ ثنا أحمد بن محمد بن مسلم ثنا على ابن الحسن الكراعي قال: قال أبو يوسف: ناظرت أبا حنيفة ستة أشهر
следующие страницы →