← Акыда

Акыда · id 21788

إكفار الملحدين في ضروريات الدين

الكشميري

Полный текст (171 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الخوارج، ثم تقسيم منه إلى من كفر منهم وإلى من لم يكفر، من عنده ومن كلام الغزالي أيضاً في "الوسيط" فإن لم يكن الحافظ اختار تكفير الخوارج فقد أجاب عن ادلة عدم التكفير. والحق أن من أنكر متواتراً كفر، ومن لافلا، والحق أيضاً أن حديث المروق يدل على أن المارقة أقرب إلى الكفر من الإيمان، ومن أصرح ما وجدت فيه ما عند ابن ماجه عن أبي أمامة ﵁: "قد كان هؤلاء مسلمين فصاروا كفاراً" قلت: يا أبا أمامة هذا شيء تقوله؟ قال: بل سمعته من رسول الله ﷺ قال الحافظ محمد بن إبراهيم اليماني في "إيثار الحق": اسناده حسن أهـ. وحسنه الترمذي مختصراً، وبعضهم كالطحطاوي في الإمامة فسر الخوارج بمن خرج عن عقيدة السنة، وكذا ابن عابدين هناك، وروى النسائي عن أبي برزة قال: "أتى رسول الله ﷺ بمال فقسمه" الحديث، ثم قال "يخرج في أخر الزمان قوم - كان هذا منهم - يقرؤون القرآن آهـ لا يزالون يخرجون حتى يخرج أخرهم مع المسيح الدجال". وصرح في "الصارم" في السنة الرابعة عشر بكفرهم، وأجاب هناك عن كل ما يرد ومن الحديث الخامس عشر، وشواهد حديث أبي برزة في "الكنز" و"المستدرك".

стр. 37

السادس: إن قتال الخوارج أولى من قتال المشركين، وذلك من كلام ابن هبيرة، وأقول: كذلك إكفار المتأولين والملحدين أهم من إكفار المعاندين، فإن التأويل يتخذ ديناً كما اتخذه أتباع ذلك الدجال بخلاف التعمد، هذا وقد بوب البخاري قبل هذا على إنكار بعض الضروريات، وأنه ارتداد فقال: (باب قتل من أبي قبول الفرائض وما نسبوا إلى الردة) . وأخرج فيه حديث قتال أبي بكر مع من فرق الصلاة والزكاة، فجعلهم مرتدين، مع أنهم كانوا متاولين، فظهر أن التأويل في ضروريات الدين لا يدفع الكفر، وغاية ما يوسع فيه هو الإنذار والاستتابة، فإن تاب وإلا قتل كفراً، وليس ذلك إكراهاً مذموماً بل هو إكراه على الحق الذي وضحت حقيته، فهو عين العدل وعين الصواب. قال القاضي أبو بكر ابن العربي في "أحكام القرآن" في قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ الآية. المسألة الثانية قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ﴾ عموم في نفي إكراه الباطل، فأما الإكراه بالحق فإنه من الدين، وهل يقتل الكافر إلا على الدين. قال ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله"، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ اهـ. وأعاده في "الممتحنة". وقال في "الصحيح" عن النبي ﷺ : "عجب ربكم من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل اهـ". والحق أن الإكراه على الحق الذي كان وضوحه بديهياً ليس بإكراه، واختاره في "روح المعاني" أيضاً.

стр. 38

وهذه أكثر الشكوك التي تغشي الناظرين في هذه المسألة، وقد أحاطها وأماطها الحافظ وحكها وفكها، فأبى المستروحون إلا استرسالهم مع ما يركبه الخيال ويجلبه من حديث نفس وأمنية، والله الهادي ومن يضلله فلا هادي له، يريد الكافرون ليطفؤه ويأبى الله إلا أن يتمه. النقل عن الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة الدين كأبي يوسف ومحمد والبخاري ﵀ عليهم أجمعين وهو ما ذكره الطحاوي قال: حدثنا سليمان بن شعيب عن أبيه عن أبي يوسف في نوادر ذكرها عنه، أدخلها في أماليه عليهم، قال: قال أبو حنيفة: "أقتلوا الزنديق سراً فإن توبته لا تعرف". "أحكام القرآن" لأبي بكر الرازي و"عمدة القاري". قال أبو مصعب عن مالك في المسلم إذا تولى عمل السحر: قتل ولا يستتاب، لأن المسلم إذا ارتد باطناً لم تعرف توبته بإظهاره الإسلام. "أحكام القرآن" لأبي بكر الرازي. ونحوه في "المؤطأ" من القضاء في من ارتد عن الإسلام. وقولهم في ترك قبول توبة الزنديق: يوجب أن لا يستتاب الإسماعيلية وسائر الملحدين الذين قد علم منهم اعتقاد الكفر، كسائر الزنادقة، وأن يقتلوا مع إظهارهم التوبة. "أحكام القرآن" وأبسط من ذلك في "الأحكام" رواية ودراية.

стр. 39

وقد روى هشام بن عبيد الله الرازي عن محمد بن الحسن: أن من صلى خلف المعتزلي يعيد صلاته. وروى هشام أيضاً عن يحيى بن أكثم عن أبي يوسف: أنه سئل عن المعتزلة فقال: هم الزنادقة، وقد أشار الشافعي في كتاب القياس إلى رجوعه عن قبول شهادة المعتزلة وأهل الأهواء. وبه قال مالك وفقهاء المدينة، فكيف يصح من أئمة الإسلام إكرام القدرية بالنزول لهم بكفرهم. "الفرق بين الفرق". وكذلك في "كتاب العلو" للذهبي وفي "الأم" للشافعي ﵀ مما تجوز به شهادة أهل الأهواء: ولا أرد شهادة أحد بشيء من التأويل كان له وجه يحتمله اهـ. وفي "اليواقيت" قال المخزومي ﵀: أراد الإمام الشافعي ﵀ بأهل الأهواء أصحاب التأويل المحتمل اهـ. وروى هشام بن عبيد الله الرازي عن محمد بن الحسن أنه قال: من صلى خلف من يقول بخلق القرآن أنه يعيد الصلاة. "الفرق بين الفرق". قلت: فهذا قول محمد ﵀ في الإعادة، وقد روى محمد ﵀ عدم جواز الصلاة خلف أهل الأهواء عن أبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف ﵀، كما في إمامة "فتح القدير". وتبرأ منهم المتأخرون من الصحابة، كعبد الله بن عمر، وجابر ابن عبد الله، وأبي هريرة، وابن عباس، وأنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى، وعقبة بن عامر الجهني، وأقرانهم؛ وأوصوا أخلافهم بأن لا يسلموا على القدرية، ولا يصلوا على جنائزهم، ولا يعودوا مرضاهم. "الفرق بين الفرق" و"عقيدة السفاريني".

стр. 40

وبسط الأحاديث المرفوعة فيه عن جماعة من الصحابة ﵃، وفي "السير الكبير" من لفظ محمد ﵀: ومن أنكر شيئاً من شرائع الإسلام فقد أبطل قول: لا إله إلا الله اهـ. قال: سمعت سفيان الثوري يقول: قال لي حماد بن أبي سليمان: أبلغ أبا فلان المشرك فإني بريء من دينه، وكان يقول: القرآن مخلوق. وقال الثوري: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر. وقال على ابن عبد الله (ابن المديني) : القرآن كلام الله، من قال أنه مخلوق فهو كافر، لا يصلى خلفه. قال أبو عبد الله البخاري: نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس فما رأيت أضل في كفرهم منهم، وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم، وقال زهير السختياني: سمعت سلام بن أبي مطيع يقول: الجهمية كفار. قال أبو عبد الله: ما أبالي صليت خلف الجهمي والرافضي أم صليت خلف اليهود والنصارى، ولا يسلم عليهم، ولا يعادون ولا يناكحون، ولا يشهدون، ولا تؤكل ذبائحهم. "خلق أفعال العباد" للبخاري ملتقطاً. ونقل العبارة الأولى في كتاب "الأسماء والصفات" والثانية كذلك، ونقل العبارة الثانية في "فتاوى الحافظ ابن تيمية" فجعلها نقل البخاري عن أبي عبيد هو الإمام القاسم بن سلام. وقال ابن أبي حاتم الحافظ ثنا أحمد بن محمد بن مسلم ثنا على ابن الحسن الكراعي قال: قال أبو يوسف: ناظرت أبا حنيفة ستة أشهر

стр. 41

فاتفق رأينا على أن من قال: القرآن مخلوق فهو كافر. قال أحمد بن القاسم بن عطية: سمعت أبا سليمان الجوزجاني يقول: سمعت محمد ابن الحسن يقول: والله لا أصلي خلف من يقول: القرآن مخلوق؛ ولا استفتي إلا أمرت بالإعادة. "كتاب العلو". وأرادوا بخلق القرآن كونه منفصلاً عن الله لا قائماً به ولا صفة له، فلا ينافي حدوث الكلام اللفظي، أعني جزئياته، صرح بهذه العناية الحافظ ابن تيمية في عدة من تصانيفه. قلت: وفي "المسايرة": إن أبا حنيفة ﵀ قال لجهم. أخرج عني يا كافر. وفي "الرسالة التسعينية" للحافظ ابن تيمية باسناد عن محمد قال: قال أبو حنيفة ﵀: لعن الله عمرو بن عبيد. ثم حمل في "المسايرة" قوله لجهم على التأويل، وهذا غير ظاهر، كيف وقد ورد الوعيد الشديد في إكفار المسلم. فحاشا جناب الإمام ﵀ عن ذلك لو لم يكن عنده كافراً. قال سمعت سليمان يقول سمعت الحارث بن ادريس يقول: سمعت محمد ابن الحسن الفقيه يقول: من قال: القرآن مخلوق فلا تصل خلفه. وقرأت في كتاب أبي عبد الله محمد بن يوسف ابن إبراهيم الدقاق روايته عن القاسم بن أبي صالح الهمذاني عن محمد بن أبي أيوب الرازي قال: سمعت محمد بن سابق يقول: "سألت أبا يوسف فقلت: أكان أبو حنيفة يقول: القرآن مخلوق؟ فقال: معاذ الله، ولا أنا أقوله. فقلت: أكان يرى رأي جهم؟ فقال: معاذ الله، ولا أنا أقوله". رواته ثقات.

стр. 42

وأتباني أبو عبد الله الحافظ إجازة قال أنا أبو سعيد أحمد بن يعقوب الثقفي قال ثنا عبد الله بن أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي قال سمعت أبي يقول سمعت أبا يوسف القاضي يقول: كلمت أبا حنيفة سنة جرداء في أن القرآن مخلوق أم لا؟ فاتفق رأيه ورأيي على أن من قال: القرآن مخلوف فهو كافر. قال أبو عبد الله: رواة هذا كلهم ثقات. "كتاب الأسماء والصفات" للبيهقي. وحكى ابن المنذر عن الشافعي ﵀: لا يستتاب القدري، وأكثر أقوال السلف تكفيرهم، وممن قال به: الليث، وابن عيينة، وابن لهيعة، روى عنهم ذلك فيمن قال بخلق القرآن. وقال ابن المبارك: والأودى، ووكيع، وحفص بن غياث، وأبو اسحاق الفزاري، وهشيم، وعلى بن عاصم في آخرين، وهو من قول أكثر المحدثين والفقهاء والمتكلمين فيهم وفي الخوارج والقدرية، وأهل الأهواء المضلة، وأصحاب البدع المتأولين، وهو قول أحمد بن حنبل. "شفاء". وأطال الأستاذ أبو منصور البغدادي صاحب "الفرق بين الفرق" في تكفير الغلاة من أهل الأهواء في كتابه "الأسماء والصفات" كما في "شرح الإحياء". ومعلوم أن البدعة والهوى إنما تكون بشبهة، ففيه أن التأويل لم يدفع الكفر. وقد قال في "ايثار الحق": فإن السنة ما اشتهر عن السلف،

стр. 43

وصح بطريق النصوصية، ولولا هذا لكانت البدع كلها من السنن، لأنه ما من بدعة إلا ولأهلها شبه من العمومات والمحتملات والاستخراجات اهـ. وقال فيه: وأما التفسير فما كان من المعلومات بالضرورة من أركان للإسلام وأسماء الله تعالى منعنا من تفسيره، لأنه جلى صحيح المعنى، وإنما يفسره من يريد تحريفه كالباطنية الملاحدة اهـ. وقال أيضاً: ولذلك تجد هذا الجنس متمسك أكثر أهل الضلالات، ولا تجد صاحب باطل إلا وتجد في العمومات ما يساعده حتى منكري الضروريات، كغلاة الاتحادية اهـ. وقد قال ذاك المحقق محمد ابن إبراهيم الوزير اليماني في كتابه "إيثار الحق". ومذهب السلف الصالح في ذلك - أي في عدم تكفير من لم يكن غالباً من أهل الأهواء - هو المختار مع أمرين: أحدهما: القطع بقبح البدعة والإنكار لها، والإنكار على أهلها. ثانيهما: عدم الإنكار على من كفر كثيراً منهم، فإنا لا نقطع بعدم كفر بعضهم ممن فحشت بدعته، بل نقف في ذلك ونكل علمه والحكم فيه إلى الله سبحانه اهـ. وقال في "الصارم المساول" من الحديث الخامس عشر: وأوجب ذلك لهم عقائد فاسدة ترتب عليها أفعال منكرة، كفرهم بها كثير من الأمة وتوقف فيها آخرون اهـ.

стр. 44

النقل فيه عن المحدثين والفقهاء والمتكلمين وكبار المحققين وجم غفير من المصنفين قلت: هؤلاء القوم هم الخوارج الذين خرجوا في زمن علي ﵁ حتى استأصلهم. قوله ﷺ : لا يجاوز حناجرهم، معناه: لا تقبل ولا ترفع الأعمال الصالحة. قوله ﷺ : يمرقون من الدين، أي يخرجون، وهذا حكم بكفرهم وإباحة لدمائهم، وقد روى أصرح من ذلك في المتفق عليه، ولفظه: فأين لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم. قوله ﷺ : من "الرمية"، هي الصيد الذي تقصده فترميه. قوله: تنظر إلى آخره، معناه: مرمراً سريعاً لم يعلق به شيء من القرث والدم، فكذلك دخول هؤلاء في الإسلام ثم خروجهم منه لم يتمسكوا منه بشيء. قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: ولو أن قوماً أظهروا رأي الخوارج وتجنبوا الجماعات وأكفروهم لم يحل بذلك قتالهم، بلغنا أن علياً ﵁ سمع رجلاً يقول: لا حكم إلا لله في ناحية المسجد، فقال علي ﵁: كلمة حق أريد بها باطل، لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفى ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نبدأكم بقتال. وقال أهل الحديث من الحنابلة: يجوز قتلهم. أقول: الظاهر عندي دراية ورواية قول أهل الحديث. أما رواية فقوله ﷺ : "فأين لقيتموهم فاقتلوهم"، وأما قول علي ﵁ فمعناه أن الإنكار على الإمام والطعن فيه لا يوجب قتلاً حتى ينزع يده من الطاعة،

стр. 45

فيكون باغياً أو قاطع الطريق، وإذا أنكروا ضرورياً من ضروريات الدين يقتل لذلك لا للإنكار على الإمام. بيان ذلك أن المفتي إذا سئل عن بعض أفعال زبد حكم بالجواز، وإذا سئل عن بعضها الآخر حكم بالفسق، ثم إذا سئل عن بعضها الآخر حكم بالكفر، فههنا لم يظهر هذا الرجل عنده إلا الإنكار في مسألة التحكيم حسب ما أظهر، ولو أنه أظهر إنكار الشفاعة يوم القيامة أو إنكار الحوض الكوثر وما يجري مجرى ذلك من الثابت بالدين بالضرورة لحكم بالكفر، وأما حديث: "أولئك الذين نهاني الله عنهم، ففي المنافقين دون الزنادقة. بيان ذلك أن المخالف للدين الحق إن لم يعترف به ولم يذعن له، لا ظاهراً ولا باطناً فهو كافر، وإن اعترف بلسانه وقلبه على الكفر فهو المنافق، وإن اعترف به ظاهراً لكنه يفسر بعض ما ثبت من الدين ضرورة بخلاف ما فسره الصحابة والتابعون وأجمعت عليه الأمة فهو الزنديق، كما إذا اعترف بأن القرآن حق، وما فيه من ذكر الجنة والنار حق، لكن المراد بالجنة: الابتهاج الذي يحصل بسبب الملكات المحمودة، والمراد بالنار: هي الندامة التي تحصل بسبب الملكات المذمومة، وليس في الخارج جنة ولا نار فهو زنديق. وقوله ﷺ : "أولئك الذين نهانى الله عنهم" في المنافقين دون الزنادقة. وأما دراية فلأن الشرع كما نصب القتل جزاء للإرتداد ليكون مزجرة للمرتدين وذباً عن الملة التي ارتضاها فكذلك نصب القتل في هذا الحديث وأمثاله جزاء للزنديق ليكون مزجرة للزنادقة وذباً عن تأويل فاسد في الدين لا يصح القول به. ثم التأويل تأويلان: تأويل لا يخالف قاطعاً من الكتاب والسنة واتفاق الأمة، وتأويل يصادم ما ثبت بالقاطع، فذلك الزندقة، فكل من أنكر

стр. 46

رؤية الله تعالى يوم القيامة، أو أنكر عذاب القبر، وسوال المنكر والنكير، أو أنكر الصراط والحساب سواء. قال: لا أثق بهؤلاء الرواة، أو قال: أثق بهم لكن الحديث مأول، ثم ذكر تأويلاً فاسداً لم يسمع من قبله فهو الزنديق. وكذلك من قال في الشيخين أبي بكر وعمر ﵄ مثلاً: ليس من أهل الجنة مع تواتر الحديث في بشارتهما، أو قال: إن النبي ﷺ خاتم النبوة ولكن معنى هذا الكلام أنه لا يجوز أن يسمي بعده أحد بالنبي، وأما معنى النبوة وهو كون الإنسان مبعوثاً من الله تعالى إلى الخلق، مفترض الطاعة، معصوماً من الذنوب ومن البقاء على الخطأ في ما يرى فهو موجود في الأئمة بعده، فذلك الزنديق، وقد اتفق جماهير المتأخرين من الحنفية والشافعية على قتل من يجري هذا المجرى، والله تعالى أعلم بالصواب "مسوى على المؤطأ" للشيخ الأجل ولي الله بن عبد الرحيم الدهلوي. واستفيد منه تفسير الزندقة وحكمها، وأن التأويل في الضروريات لا يدفع الكفر، وما ذكره في عدم تكفير علي ﵁ إياهم، بسطه في "الصارم المسلول" من السنة الرابعة عشر والحديث الخامس عشر، وهو أصوب مما ذكره في "منهاج السنة" فقال في "الصارم". وبالجملة فالكلمات في هذا الباب ثلاثة أقسام: إحداهن ما هو كفر مثل قوله: "إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله" اهـ. فإذا كان أول الخوارج كافراً بهذه الكلمة فكذا أصحابه وأذنابه بعده،

стр. 47

وأما كلمة "إن نساءك ينشدنك الله العدل" فإنما أريد به طلب التسوية لا النسبة إلى الجور والعياذ بالله. كما يستفاد من "الشفاء" متن فصل: فإن قلت فلم لم يقتل النبي ﷺ ". إلخ من "شرح القارئ". وأعلم أن لفظ حديث: "ما يباح به دم المسلم" عند البخاري من باب قول الله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ من الديات عن أكثر رواة نسخة تالبخاري: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة". قال في "الفتح": قوله: "والمفارق لدينه التارك للجماعة" كذا في رواية أبي ذرعن الكشميهني. وللباقين: "والمارق من الدين" لكن عند النسقي والسرخسى والمستملي: و"المارق لدينه" اهـ. "والمارق من الدين" جعل الحافظ مصداقة الأولى هو المرتد، ونقل فيه شواهد من الأحاديث، وهذا العنوان أي المروق من الدين والإسلام هو الوارد في الخوارج في الأحاديث المشهورة، فكان حكمهم كذلك. وفي "فتاوى الحافظ ابن تيمية": فإن الأمة متفقون على ذم الخوارج

стр. 48

وتضليلهم، وإنما تنازعوا في تكفيرهم على قولين مشهورين في مذهب مالك وأحمد رحمهما الله تعالى، وفي مذهب الشافعي رحمه الله تعالى أيضاً نزاع في كفرهم، ولذا كان فيهم وجهان في مذهب أحمد وغيره على الطريقة الأولى، أحدهما: أنهم بغاة، والثاني: أنهم كفار كالمرتدين يجوز قتلهم ابتداءً، وقتل أسيرهم وأتباع مدبرهم، ومن قدر عليه منهم استتيب كالمرتد، فإن تاب وإلا قتل، كما إن مذهبه في مانعي الزكاة إذا قاتلوا الإمام عليها، هل يكفرون مع الإقرار بوجوبها على روايتين. وقال فيه: والصواب أن هؤلاء ليسوا من البغاة المتأولين، فإن هؤلاء ليس لهم تأويل سائغ أصلاً، وإنما هم جنس الخوارج المارقين ومانعي الزكاة، وأهل الطائف والحرمية ونحوهم ممن قوتلوا على ما خرجوا عنه من شرائع الإسلام، وهذا موضع اشتبه على كثير من الناس من الفقهاء، فإن المصنفين في قتال أهل البغي جعلوا قتال مانعي الزكاة وقتال الخوارج، وقتال علي ﵁ لأهل البصرة، وقتاله لمعاوية وأتباعه من قتال أهل البغي، وذلك كله مأمور به، وفرعوا مسائل ذلك تفريع من يرى ذلك بين الناس، وقد غلطوا، بل الصواب ما عليه أئمة الحديث والسنة وأهل المدينة النبوية، كالأوزاعي ﵀، والثوري ﵀، ومالك ﵀، وأحمد بن حنبل ﵀ وغيرهم أنه يفرق بين هذا وهذا. وقال أيضاً: وفيهم من الردة عن شرائع الإسلام بقدر ما ارتد عنه

стр. 49

من شرائع الإسلام، وإذا كان السلف قد سموا مانعي الزكاة مرتدين مع كونهم يصومون ويصلون، ولم يكونوا يقاتلون جماعة المسلمين. وقال أيضاً: والطريقة الثانية اهـ. والسؤال في هؤلاء التتار الذين يقدمون إلى الشام مرة بعد مرة، وقد تلكموا بالشهادتين، وانتسبوا إلى الإسلام، ولم يبقوا على الكفر الذي كانوا عليه في أول الأمر اهـ. وقال أيضاً: كما يقال مثل ذلك في الخوارج المارقين فقد اختلف السلف والأئمة في كفرهم على قولين مشهورين. وقال في وصف الباطنية من "ملوك مصر": ثم قدحوا في المسيح ونسبوه إلى يوسف النجار، وجعلوه ضعيف الرأي، حيث تمكن عدوه منه حتى صلبه، فيوافقون اليهود في القدح في المسيح، لكن هم شر من اليهود، فإنهم يقدحون في الأنبياء. وقال أيضاً: فإن المسلم الصلي إذا ارتد عن بعض شرائعه كان أسوء حالاً ممن لم يدخل بعد في تلك الشرائع، مثل مانعي الزكاة وأمثالهم ممن قاتلهم الصديق ﵁. وفي "نور العين" عن "التمهيد": أهل الأهواء إذا ظهرت بدعتهم بحيث توجب الكفر فإنه يباح قتلهم جميعاً إذل لم يرجعوا، أو لم يتوبوا، وإذا تابوا وأسلموا تقبل توبتهم جميعاً إلا الإباحية، والغالية، والشيعة من الروافض، والقرامطة، والزنادقة من الفلاسفة، لا تقبل توبتهم بحال من الأحوال، ويقتل بعد التوبة وقبلها، لأنهم لم يعتقدوا

стр. 50

بالصانع تعالى حتى يتوبوا ويرجعوا إليه. وقال بعضهم: إن تاب قبل الأخذ والإظهار تقبل توبته، وإلا فلا، وهو قياس قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وهو حسن جداً "رد المختار". وفي "الفتح": والمنافق الذي يبطن الكفر ويظهر الإيمان كالزنديق الذي لا يتدين بدين، وكذا من علم أنه ينكر في الباطن بعض الضروريات كحرمة الخمر، ويظهر اعتقاد حرمته وتمامه فيه. "در مختار". وعن ابن عمر وعلي ﵄: لا تقبل توبة من تكررت ردته كالزنديق، وهو قول مالك، وأحمد والليث. وعن أبي يوسف: لو فعل ذلك مراراً يقتل غيلة، وفسره بأن ينتظر، فإذا أظهر كلمة الكفر قتل قبل أن يستتاب، لأنه ظهر منه الاستخفاف. "رد المحتار". وظاهر كلامه: تخصيص الكفر بجحد الضروري فقط، مع أن الشرط عندنا ثبوته على وجه القطع، وإن لم يكن ضرورياً، بل قد يكون بما يكون استخفافاً من قول أو فعل كما مر، ولذا ذكر في "المسايرة" أن ما ينفى الاستسلام، أو يوجب التكذيب فهو كفر، فما ينفى الاستسلام كل ما قدمناه عن الحنيفة، أي مما يدل على الاستخفاف، وما ذكر قبله من قتل نبي إذا الاستخفاف فيه أظهر، وما يوجب التكذيب جحد كل ما ثبت عن النبي ﷺ ادعاؤه ضرورة، وأما ما لم يبلغ حد الضرورة كاستحقاق بنت الإبن السدس مع البنت بإجماع المسلمين، فظاهر كلام الحنفية إلا كفار بجحده، فإنهم لم يشترطوا

стр. 51

سوى القطع في الثبوت، ويجب حمله على ما إذا علم المنكر ثبوته قطعاً، لأن مناط التكفير وهو التكذيب أو الاستخفاف، عند ذلك يكون، أما إذا لم يعلم فلا، إلا أن يذكر له أهل العلم ذلك فيلج. "رد المحتار". تنبيه: في "البحر" والأصل أن من اعتقد الحرام حلالاً فإن كان حراماً لغيره، كمال الغير لا يكفر، وإن كان لعينه فإن كان دليله قطعياً كفر، وإلا فلا. وقيل: التقصيل في العالم، أما الجاهل فلا يفرق بين الحرام لعينه ولغيره، وإنما الفرق في حقه أن ما كان قطعياً كفر به، وإلا فلا فيكفر إذا قال: الخمر ليس بحرام، وتمامه فيه "رد المحتار". ومن "زكاة الغنم": أن الإعتماد على القطعية وإن كان حراماً لغيره، ونبذة منه في مسألة الصلاة بجون طهارة، ولكن صرح في كتاب "المسايرة" بالاتفاق على تكفير المخالف فيما كان من أصول الدين وضرورياته، كالقول بقدم العالم، ونفي حشر الأجساد، ونفي العلم بالجزئيات، وإن الخلاف في غيره، كنفي كبادئ الصفات، ونفي عموم الإرادة، والقول بخلق القرآن إلخ. وكذا قال في "شرح منية المصلي": إن ساب الشيخين ومنكر خلافتهما ممن بناه على شبهة له لا يكفر، بخلاف من ادعى أن عليا إله، وإن جبريل غلط، لأن ذلك ليس عن شبهة، واستفراغ وسع في الاجتهاد، بل محض هوى اهـ. وتمامه فيه. قلت: وكذا يكفر قاذف عائشة، ومنكر صحبة أبيها، لأن

стр. 52

ذلك تكذيب صريح القرآن، كما مر في الباب السابق. "رد المحتار". قلت: والأكثر على تكفير منكر خلافة الشيخين، وفي "الدر المنتقى" عن "الوهبانية" وشرحها: وصحح تكفير نكير خلافة أل.... عتيق وفي الفاروق ذاك الأظهر بل في "الخلاصة" و"الصواعق": أنه صرح به محمد بن الحسن رحمه الله تعالى في "الأصل"، وكذا صححه في "الظهيرية" - كما في "الهندية" - فما في "رد المحتار" تساهل، وقد صححه في "خزانة المفتيين" أيضاً - كما في "الأنقروية" - وكذا نقله في "الفتاوى العزيزية" عن "البرهان"، وعن "الفتاوى البديعية"، وعن كتب أخر، وعن بعض الشافعية والحنابلة، وعبارة "البرهان": "وعلماءنا والشافعي جعلوها أي الإمامة من فاسق ومبتدع لم يكفر أي لم يحكم بكفره بسبب بدعة مكروهة لا فاسدة كما قال مالك اهـ". فيجوز الاقتداء بأهل الأهواء عندنا إلا الجهمية، والقدرية، والروافض الغالية، والقائلين بخلق القرآن، والخطابية، والمشبهة. والحاصل أن من كان من أهل قبلتنا ولم يغل حتى لم يحكم بكفره تصح تالصلاة خلفه، وتكره، ولا يجوز خلف منكر الشفاعة، والرؤية، وعذاب القبر، والكرام الكاتبين، لأنه كافر لتواتر هذه الأمور من الشارع ﵇. ومن قال: لا يرى لعظمته وجلاله، فهو مبتدع، ولا خلف منكر المسح على الخفين اهـ. ولا خلف منكر خلافة أبي بكر ﵁ أو عمر ﵁ أو عثمان ﵁ لأنه كافر، وتصح خلف من يفضل

стр. 53

علياً ﵁ لأنه مبتدع، وروى محمد ﵀ تعال عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى أن الصلاة خلف أهل الأهواء لا تجوز اهـ. واختار في أواخر "التحفة الإثنى عشرية" تكفير الخوارج ممن يكفر علياً ﵁ والعياذ بالله - ذكره في المقدمة السادسة من باب التوالي والتبرى، لكنه ذكر فرقاً بين الارتداد والكفر، وهذا لم يشتهر في كتب الفقه في حق من ينتحل الإسلام، وكأنه أراد بالارتداد تبديل الملة بقصده، بخلاف الكفر، ولا يظهر في الأحكام فرق من كلامه إلا أن يكون من وجوب القتل وجوازه، وأكثر كلامه في "فتاواه" على تكفير الخوارج، ومن يشبههم، وما ذكره في "فتاواه" ليس مرضياً عنده، كما صرح به فيها. وذكر فيها عدم الفرق بين لزوم الكفر والتزامه في القطعيات، وفي الكيد الحادي والتسعين من مكائدهم من "التحفة" والعقيدة السادسة باب الإمامة تحت قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ الآية. وشيئاً في آخر المقدمة الخامسة من باب التولي والتبرئ. وكذلك قال ابن القاسم في من تنبأ وزعم أنه يوحى إليه، وقال سحنون، وقال ابن القاسم في من تنبأ: أنه كالمرتد، سواء كان دعا إلى ذلك - اي إلى متابعة نبوته - سراً كان أو جهراً كمسيلمة - لعنه الله -. وقال اصبغ بن الفرج: هو - أي من زعن أنه نبي يوحى إليه - كالمرتد في أحكامه، لأنه قد كفر بكتاب الله

стр. 54

لأنه كذبه ﷺ في قوله: إنه خاتم النبيين، ولا نبي بعده، مع الفرية على الله - بكسر الفاء أي الكذب عليه بقوله: إن الله أوحى إلى وأرسلني - وقال أشهب في حق يهودي زعم أنه نبي، وزعم أنه أرسل من الله إلى الناس ليبلغهم من الله، أو قال: وزعم أن بعد نبيكم نبي سيأتي من الله بشريعة، فقال: إنه يستتاب كالمرتد، إن كان معلناً بذلك - أي مظهراً له - لا إذا أخفاه، فإن تاب ورجع عما قاله، وإلا قتل إن لم يتب، وذلك اي قتله لأنه مكذب للنبي ﷺ في قوله - الذي نقله عنه الثقات-: لا نبي بعدي، أي لا ينبأ أحد بعد نبوتي، مفترٍ على الله في دعواه الرسالة والنبوة. "خفاجى" شرح "شفاء". وقال أحمد بن أبس سليمان صاحب سحنون الذي تقدمت ترجمته: من قال أن النبي ﷺ كان لونه أسود قتل، لكذبه على رسول الله ﷺ ، ولون السواد يزرى، ففيه تحقير وإهانة له أيضاً، إذ لم يكن النبي ﷺ أسود، وإنما كان أزهر اللون مورداً، كما تقدم في حديث حليته الطويل. وقال بعض المتأخرين: كلامه يوهم أن مجرد الكذب عليه في صفة من صفاته كفر يوجب القتل، وليس كذلك، بل لابد من ضميمة ما يشعر بنقص في ذلك، كما في مسألتنا هذا، لأن الأسود لون مفضول اهـ. وقد علمت أن لا فرق، لأن إثبات صفة له ﷺ غير صفة لا تكون إلا مشعرة بنقص، لأن صفاته لا يتصور أكمل منها، بل كل ما أثبت له غيرها كان نقصاً بالنسبة لها، فالاعتراض حينئذٍِ ليس في محله. "خفاجي شرح شفاء".

стр. 55

صفاته تعالى في الأزل غير محدثة، ولا مخلوقة، فمن قال أنها مخلوقة أو محدثة، أو وقف فيها، أوشك فيها، فهو كافر بالله تعالى. "فقه أكبر". من قال بأن كلام الله مخلوق فهو كافر بالله العظيم. "كتاب الوصية". قال فخر الإسلام: قد صح عن أبي يوسف أنه قال: ناظرت أبا حنيفة في مسألة خلق القرآن، فاتفق رأيي ورأيه على أن من قال بخلق القرآن فهو كافر، وصح هذا القول أيضاً عن محمد رحمهم الله تعالى. "شرح فقه أكبر". أيما رجل مسلم سب رسول الله ﷺ ، أو كذبه، أو عابه، أو تنقصه، فقد كفر بالله تعالى، وبانت منه امرأته. "كتاب الخراج". أجمع المسلمون على أن شاتمه ﷺ كافر، ومن ذك في في عذابه وكفره كفر. "شفاء"، وغيره. الكافر بسب نبي من الأنبياء لا تقل توبته مطلقاً، ومن شك في عذابه وكفره كفر. "مجمع الأنهر" و"در مختار" و"بزازية" و"الدرر" و"الخيرية". قلت: في قبول التوبة في أحكام الدنيا اختلاف، وتقبل فيما بينه وبين الله تعالى، وينبغي أن تراجع عبارة "المحيط" من "خلاصة الفتاوي" لأصحابنا، فإني لم أرها إلاله من عدم قبول التوبة فيما بينه وبين الله تعالى، ولعله من غلط الناسخ. في "المواقف": لا يكفر أهل القبلة إلا فيما فيه إنكار ما علم مجيئه

стр. 56

بالضرورة، أو أجمع عليه كاستحلال المحرمات اهـ. ولا يخفى أن المراد بقول علمائنا: "لا يجوز تكفير أهل القبلة بذنب" ليس مجرد التوجه إلى القبلة، فإن الغلاة من الروافض الذين يدعون أن جبريل ﵇ غلط في الوحي، فإن الله تعالى أرسله إلى علي ﵁، وبعضهم قالوا: إنه إله، وإن صلوا إلى القبلة ليسوا بمؤمنين، وهذا هو المراد بقوله ﷺ : "من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم اهـ" مختصراً. "شرح فقه أكبر". ادعت الروافض أيضاً أن علياً ﵁ نبي - إلى قوله ﵁: لعنهم الله، وملائكته، وسائر خلقه إلى يوم الدين، وقلع وأباد خضرائهم، ولا جعل منهم في الرض دياراً، فإنهم بالغوا في غلوهم، ومردوا على الكفر، وتركوا الإسلام، وفارقوا الإيمان، وجحدوا الإله، والرسل، والتنزيل، فنعوذ بالله ممن ذهب إلى هذه المقالة. "غنية الطالبين" أو كذب رسولاً أو نبياً أو نقصه بأي منقص، كأن صغر اسمه مريداً تحقيره، أو جوز نبوة أحد بعد وجود نبينا ﷺ ، وعيسى ﵊ نبي قبل فلا يرد. "تحفه شرح منهاج". فساد مذهبهم غني عن البيان بشهادة العيان، كيف؟ وهو يؤدى إلى تجويز نبي مع نبينا ﷺ أو بعده، وذلك يستلزم تكذيب القرآن، إذ قد نص على أنه خاتم النبيين، وآخر المرسلين. وفي السنة: "أنا العاقب لا نبي بعدي"، وأجمعت الأمة على إبقاء هذا الكلام على ظاهرة، وهذا إحدى المسائل المشهورة التي كفرنا بها الفلاسفة - لعنهم الله تعالى - "شرح الفرائد" للعلامة العارف بالله عبد الغني النابلسي.

стр. 57

وفي العقائد العضدية": لا نكفر أحداً من أهل القبلة، إلا بما فيه نفي الصانع المختار، أو بما فيه: شرك، وإنكار ما علم من الدين بالضرورة أو إنكار مجمع عليه قطعاً، أو استحلال محرم، وأما غير ذلك فالقائل به مبتدع، وليس بكافر اهـ. قالت الروافض: إن العالم لا يكون خالياً من النبي قط، وهذا كفر، لأن الله تعالى قال: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ، ومن ادعى النبوة في زماننا فإنه يصير كافراً، ومن طلب منه المعجزات فإنه يصير كافراً، لأنه شك في النص، ويجب الاعتقاد بأنه ما كان لأحد شركة في النبوة لمحمد ﷺ ، بخلاف ما قالت الروافض أن علياً ﵁ كان شريكاً لمحمد ﷺ في النبوة، وهذا منهم كفر. "تمهيد أبي الشكور السالمي". وقد قتل عبد الملك بن مروان الحارث المتنبئ وصلبه، وفعل ذلك غير زاحد من الخلفاء والملوك بأشياههم، وأجمع علماء وقتهم على صواب فعلهم، والمخالف في ذلك من كفرهم كافر. "شفاء". وكذلك نقله في "البحر المحيط" من الأحزاب من الإجماع العملي. وكذلك يقطع بتكفير من كذب أو أنكر قاعدة من قواعد الشريعة، وما عرف يقيناً بالنقل المتواتر من فعل رسول ﷺ ، ووقع الإجماع المتصل عليه، كما أنكر وجوب الصلوات الخمس، أو عدد ركعاتها وسجداتها، ويقول: إنما أوجب الله علينا في كتابه الصلاة على الجملة، وكونها خمساً، وعلى هذه الصفات والشروط لا أعمله إذ لم يرد به في القرآن نص جلي، والخبر عن الرسول ﷺ به خبر واحد. "شفاء". وكذلك نكفر من ادعى نبوة أحد مع نبينا ﷺ أي في زمنه -

стр. 58

كمسيلمة الكذاب، والأسود العنسى، أو ادعى نبوة أحد بعده، فإنه خاتم النبيين بنص القرآن والحديث، فهذا تكذيب لله ورسوله ﷺ كالعيسوية إلخ. أو من ادعى النبوة لنفسه بعد نبينا ﷺ كالمختار بن أبي عبيد الثقفي، وغيره. قال ابن حجر: ويظهر كفر كل من طلب منه معجزة، لأنه يطلبه منه مجوزاً لصدقه مع استحالته المعلومة من الدين بالضرورة. نعم إن أراد بذلك تسفيه وبيان كذبه، فلا كفر به انتهى - أو جوز اكتسابها، والبلوغ بصفاء القلب إلى مرتبتها كالفلاسفة وغلاة المتصوفة، وكذلك من ادعى منهم أنه يوحي إليه وإن لم يدع النبوة، فهؤلاء المذكورون كلهم كفار، محكوم بكفرهم، لأنهم مكذبون للنبي ﷺ لادعائهم خلاف ما قاله، لأنه ﷺ أخبر أنه خاتم النبيين، كما أعلمه الله به فيما أوحاه إليه، وأخبر أيضاً أنه لا نبي بعده، وأخبر عن الله، أنه خاتم النبيين، وأنه أرسل كافة للناس، وأجمعت الأمة - أي أمته ﷺ على أن هذا الكلام المذكور من الآية والحديث، وأنه أرسل لجميع الناس على ظاهره من نفي النبوة بعده وعموم الرسالة، وإن مفهومه - أي مدلوله - الذي فهم منه المراد منه دون تأويل ولا تخصيص لبعض أفراده، فلا شك عند من يعتد به من الأمة في كفر هؤلاء الطوائف كلها الذاهبين لما يخالف إجماع المسلمين قطعاً - أي جزماً من غير تردد فيه - إجماعاً - أي منع ونازع فيما جاء صريحاً في "القرآن" - كبعض الباطنية الذين يدعون

стр. 59

لها معان أخر غير ظاهرها، أو خص حديثاً عاماً منطوقه مجمعاً على نقله عن ثقات الرواة مقطوعاً به في دلالته على صريحه، مجمعاً من العلماء والفقهاء على حمله على ظاهره من غير تأويل ولا تخصيص ولا نسخ فإنه تلاعب مؤد للفساد، كتكفير الخوارج بإبطال الرجم للزاني والزانية المحصنين، فإنه مجمع عليه، صار معلوماً من الدين بالضرورة. ولهذا أي للقول بكفر من خالف ظاهر النصوص والمجمع عليه نكفر من لم يكفر من دان بغير ملة الإسلام من الملل أو وقف فيهم، أي توقف وتردد في تكفيرهم، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم، وإن أظهر الإسلام واعتقده واعتقد إبطال كل مذهب سواه، فهو - أي من لم يكفر وما بعده - كافر، بإظهار ما أظهر من خلاف ذلك - أي ما يخالف الإسلام، لأنه طعن في الدين، وتكذيب لما ورد عنه من خلافه - وكذلك - اي كتكفير هؤلاء - يقطع ويجزم بتكفير كل من قال قولاً صدر عنه يتوسل به إلى تضليل الأمة - أي كونها في الضلال عن الدين والصراط المستيقم. ويؤدي إلى تكفير جميع الصحابة، كقول الطائفة الكميلية من الرافضة بتكفير جميع الأمة بعد موت النبي ﷺ ، إذ لم تقدم علياً، وكفرت علياً إذ لم يتقدم ولم يطلب حقه في التقديم، فهؤلاء قد كفروا من وجوه: لأنهم بما قالوه أبطالوا الشريعة بأسرها، وكذلك - أي كما كفرنا هؤلاء - نكفر بكل فعل فعله شخص مسلم، أجمع المسلمون علة أنه - أي ذلك الفعل - لا يصدر إلا من كافر حقيقةً، لأنه من جنس أفعالهم، وإن كان صاحبه - أي من صدر منه - مسلماً مصرحاً بالإسلام مع فعله ذلك الفعل. "شرح شفاء" للخفاجي ملتقطاً ملخصاً. ومثله في

стр. 60

"شرح الملا على القارئ" سواء. وقال في "البحر الرائق" وغيره: من حسن كلام أهل الهوى، أو قال: معنوي، أو كلام له معنى صحيح، إن كان ذلك كفراً من القائل كفر المحسن. قال ابن حجر في "الاعلام" في (فصل الكفر المتفق عليه) مما نقله عن كتب الحنفية: "من تلفظ بلفظ الكفر يكفر، فكل من استحسنه، أو رضى به يكفر، إلا إذا صرح بإرادة موجب الكفر فلا ينفعه التأويل". "رد المحتار" عن "البحر" عن "البزارية". ومثله في "جامع الفصولين". وفي "الهندية": إذا كان في المسألة وجوه توجب الكفر، ووجه واحد يمنع، فعلى المفتي أن يميل إلى ذلك الوجه، إلا إذا صرح بإرادة توجب الكفر، فلا ينفعه التأويل حينئذ. ثم إن كان نية القائل الوجه الذي يمنه التكفير فهو مسلم، وإن كانت نيته الوجه الذي يوجب التكفير لا ينفعه فتوى المفتي اهـ. ناقلاً عن "المحيط" وغيره. ومثله في حاشية "الأشباه" للحموى عن "العمادية"، وفي "الدر" عن "الدرر" وغيرها. والحاصل أن من تكلم بكلمة الكفر هازلاً أو لاعباً كفر عند الكل ولا اعتبار باعتقاده، كما صرح به في "الخانية" و"رد المحتار"

стр. 61

عن "البحر": رجل كفر بلسانه طائعاً وقلبه على الإيمان يكون كافراً ولا يكون عند الله مؤمناً. كذا في "فتاوى قاضيخان". و"هندية" و"جامع الفصولين". ووقع في "الخلاصة" ههنا غلط من الناسخ فاحذره. وعزا في "العمادية" المسألة "للمحيط" أيضاً. وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ . وينكرون كونها بنزول الملك من السماء، وكثيراً مما علم بالضرورة مجئ الأنبياء به، كحشر الأجساد، والجنة، والنار. والحاصل أنهم وإن أثبتوا الرسل لكن لا على الوجه الذي يثبته أهل الإسلام إلخ. فصار إثباتهم بمنزلة العدم إلخ. "رد المحتار". ويكفر إذ شك في صدق النبي ﷺ ، أوسبه، أو نقصه، أو حقره، ويكفر بنسبه الأنبياء إلى الفواحش، كالعزم على الزنا، ونحوه في يوسف ﵇، لأنه استخفاف، ولو قال: لم يعصموت حال النبوة وقبلها كفر، لأن رد النصوص. "الأشباه والنظائر". وفيها من فن الجمع والفرق، وفي آخر "اليتيمة" ظن لجهلة أن ما فعله من المحظورات حلاله له، فإن كان مما يعلم من دين النبي ﷺ ضرورة كفر، وإلا فى اهـ. قال في "فتح الباري" من حديث: "من أوصى بأن يحرق إذا مات" وقال: فو الله لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً". ما لفظه. - ورده ابن الجوزي وقال: جحده صفة القدرة كفر اتفاقاً اهـ. -

стр. 62

وقال من باب الخوف من الله ، عن العارف لبن أبي جمرة: وأما ما أوصى به فلعله كان جائزاً في شرعهم ذلك لتصحيح التوبة، فقد ثبت في شرع بني إسرائيل قتلهم أنفسهم لصحة التوبة اهـ. قلت: والمراد بقوله: "لئن قدر الله علي" لئن وافاني وأنا جميع وأدركني قبل التوبة، وذلك بأن أراد وقضاه علي، لا التردد في نفس القدرة، فقد ذم الله تعالى شأنه، ونعى على اليهود في قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إلى قوله ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . ففي بعض الروايات: إنها نزلت في ذلك، ولعل الإشراك على هذا هو إحصاء قدرة الله بمكيال عقولهم السقيمة، وقياسها بما في أذهانهم وخيالهم. وما عند البخاري في رجل كان وقع على جارية امرأته فأخذ حمزة بن عمرو الأسلمي من الرجل كفلاء. حتى قدم على عمر، وكان عمر ﵁ قد جلده مائة جلدة فصدقهم وعذرهم بالجهالة اهـ. فالذي ظهر أن المراد به اعتباره شبهة الفعل المعتبرة في ذلك الباب لا غير، وفي المسألة حديث عند أبي داؤد والطحاوي وغيرهما، فهذا هو الوجه. وكون أحد حديث عهد بالإسلام عذر عند فقهائنا أيضاً. وفي "بغية المرتاد" للحافظ ابن تيمية: وإن الأمكنة والأزمنة التي تفتر فيها النبوة لا يكون حكم من خفيت عليه آثار النبوة حتى أنكر ما جاءت به خطأ كما يكون حكمه في الأمكنة والأزمنة التي ظهرت فيها آثاره النبوة اهـ. ويريد ﵀ بإقامة الحجة في تصانيفه في مسألة التكفير: التبليغ لا غير، كأخبار معاذ، ودعوة علي ﵁ ليهود خيبر، وقد بوب عليه

стр. 63

البخاري في أخبار الآحاد، ومن الأنعام: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ الآية. إذا لم يعرف أن محمداً ﷺ آخر الأنبياء فليس بمسلم لأنه من الضرويات "أشباه والنظائر". يعني والجهل بالضروريات في باب المكفرات لا يكون عذراً، بخلاف غيرها فإنه يكون عذراً على المفتي به كما تقدم والله أعلم اهـ "شرح حموى" - وتبه في المسألة على فوائد نفيسة، منها تجهيل من زعم أن تكفير الفقهاء إنما هو للتغليظ والتهديد، لا فيما بينه وبين الله، فقد نقل رده عن "البزازية" وهي من المعتبرات، نقلوا وصفها عن المولى أبي السعود مفتي الديار الرومية وصاحب التصانيف الكثيرة، منها "التفسير". قال: وفي "البزازية" ويحكى عن بعض من لا سلف له أنه كان يقول ما ذكر في الفتاوى أنه يكفر بكذا وكذا، فذلك للتخويف والتهويل لا لحقيقة الكفر، وهذا باطل، والحق أن ما صح عن المجتهدين فهو على حقيقته، وأما ما ثبت عن غيرهم فلا يفق به في مسألة التكفير اهـ. وكذلك في "البحر"، ونقل عبارة "البزازي" في "اليواقيت" أيضاً وفي "منحة الخالق" بتمامها. وفي "اليواقت" أيضاً عن الحطابي ﵀: فإن اتفق في زمان وجود مجتهد تكاملت فيه شروط الاجتهاد كالأئمة الأربعة، وبأن له دليل قاطع أن الخطأ في التأويل موجب الكفر كفرناهم بقوله إلخ. وأول الأنبياء آدم ﵇، وآخرهم محمد ﷺ ، أما نبوة آدم

стр. 64

فبالكتاب الدال على أنه قد أمر ونهى، مع القطع بأنه لم يكن في زمنه نبي آخر، فهو بالوحي لا غير، وكذا بالسنة والإجماع، فإنكار نبوته على ما نقل عن البعض يكون كفراً "شرح عقائد نسفي". وكذا في "المواهب" من النوع الأول من المقصد السادس، وكذلك في "البحر". وعند الحاكم من إتيان حارثة بن شراحيل في طلب ابنه زيد ﵄: أسألكم أن تشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني خاتم أنبياءه ورسله، وأرسله معكم. الحديث. وفي "روح المعاني" تحت قوله تعالى: ﴿أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ وفي رواية أخرى عنه - أي عن قتادة - أنه أخذ الله تعالى ميثاقهم بتصديق بعضهم بعضاً، والإعلان بأن محمداً ﷺ رسول الله، وإعلان رسول الله ﷺ أن لا نبي بعده اهـ. ثم أعلم أنه يؤخذ من مسألة العيسوي أن من كان كفره بإنكار أمر ضروري كحرمة الخمر مثلاً أنه لابد من تبرؤه مما كان يعتقده، لأنه كان يقر بالشهادتين معه، فلابد من تبرؤه منه، كما صرح به الشافعية وهو ظاهر. "رد المحتار" من الارتداد. قلت: وفي "جامع الفصولين": ثم لو أتى بكلمة الشهادة على وجه العادة لم ينفعه ما لم يرجع عما قال، إذ لا يرتفع بها كفره اهـ. وأما من قال: إن الله هو فلان لإنسان بعينه، أو أن الله يحل في جسم من أجسام خلقه، أو أن بعد محمد ﷺ نبياً غير عيسى ابن مريم، فإنه لا يختلف اثنان في تكفيره لصحة قيام الحجة بكل هذا

стр. 65

على كل أحد. "كتاب الفصل" لإبن حزم. هذا مع سماعهم قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ . وقول رسول الله ﷺ : "لا نبي بعدي" فكيف يستجيز مسلم أن يثبت بعده ﵇ نبياً في الأرض؟ حاشا ما استثناه رسول الله ﷺ في الآثار المسندة الثابتة في نزول عيسى بن مريم ﵇ في أخر الزمان. وصح الإجماع على أن كل جحد شيئاً صح عندنا بالاجماع أن رسول الله ﷺ أتى به فقد كفر، وصح بالنص أن كل من استهزأ بالله تعالى أو يملك من الملائكة، أو بنبي من الأنبياء ﵈، أو بآية من القرآن، أو بفريضة من فرائض الدين، فهي كلها آيات الله تعالى بعد بلوغ الحجة إليه، فهو كافر. ومن قال نبي بعد النبي ﵊، أو جحد شيئاً صح عنده بأن النبي ﷺ صاله فهو كافر. كتاب "الفصل" لابن حزم. أجمع عوام أهل العلم على أن من سب النبي ﷺ يقتل إلخ. وحكى الطبري مثله - أي مثل القول بأنه ردة - عن أبي حنيفة وأصحابه فيمن تنقصه ﷺ أو برئ منه أو كذبه إلخ. قال محمد بن سحنون: أجمع العلماء على أن شاتم النبي ﷺ المستنقص له كافر، ومن شك في كفره وعذابه

стр. 66

كفر إلخ. "شرح شفاء قاضي عياض". لملا على القاري ﵀. من سب الله تعالى وملائكته أو أنبيائه قتل. "شرح شفاء". وحكم من سب سائر أنبياء الله تعالى وملائكته، واستخف بهم، أو كذبهم فيما أتوابه، أو أنكرهم وجحدهم حكم نبينا ﷺ إلخ. "شرح شفاء". وفي "المحيط": من أنكر الأخبار المتواترة في الشريعة كفر، مثل حرمة ليس الحرير على الرجال، ثم أعلم أنه أراد بالمتواتر ههنا التواتر المعنوي لا اللفظي إلخ. "شرح فقه أكبر" ونحوه في "الهندية" عن الظهيرية. وتوارده الأصوليون في باب السنة، ونقلوا عن الإمام أنه قال: أخاف الكفر على من لم ير المسح على الخفين. فصار منكر المتواتر ومخالفه كافراً. "أصول بزدوى" و"الكشف". مأخوذ من "الفتح" حيث قال: وأما المعتزلة فمقتضى الوجه حل مناكحتهم، لأن الحق عدم تكفير أهل القبلة وإن وقع إلزاماً في المباحث، بخلاف من خالف القواطع المعلومة بالضرورة من الدين، مثل القائل بقدم العالم، ونفى العلم بالجزئيات على ما صرح به المحققون. وأقول: وكذا القول بالإيجاب بالذات ونفي الاختيار. رد "المحتار" من المحرمات.

стр. 67

وهذا الحديث وإن كان خبر واحد إلا أن خبر الواحد يعمل به في الحكم بالتكفير، وإن كان جحده لا كفر به؛ إذ لا يكفر جاحد الظني بل القطعي. "الصواعق" لابن حجر المكي عن الشيخ تقي الدين السبكي. يريد به نحو حديث أبي سعيد عند ابن حبان كما في "الترغيب والترهيب" للمنذري: قال قال رسول الله ﷺ : "ما أكفر رجل رجلاً إلا باء أحدهما بها، إن كان كافراً وإلا كفر بتكفيره". وفي رواية: "فقد وجب الكفر على أحدهما" وعليه بنى الشوكاني ﵀ تكفير الروافض كما في "رياض المرتاض". ووجه الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في "شرح العمدة" من اللعان قول من قال بمضمون هذا الحديث، وحمله على ظاهره، وهو قول جماعة من العلماء الأعلام، كما ذكره ابن حجر المكي في "الإعلام بقواطع الإسلام" وكذا في "جامع الفصولين". وقال في "مختصر مشكل الآثار": معنى الكافر ههنا أن الذي هو عليه الكفر، فإذا كان الذي هو عليه إيماناً كان جعله كافراً جعل الإيمان كفراً، فكان بذلك كافراً، لأن من كفر بالإيمان فقد كفر بالله : ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ الآية. وذكره البيهقي في "الأسماء والصفات" عن الخطابي، وما في "شرح الكنز" عن "الزيلعي" من النكاح من قوله: ثم المخبر إن كان هو الولي آه، يريد بالعقوبة عقوبة الدنيا، واختصره في "فتح القدير" فراجع، وذكره من متن

стр. 68

"الكنز" في شتى القضاء، والرمز من أول الكراهية. تنبيه من الراقم يريدون أن الحديث إذا كان خبر واحد يصلح مأخذاً ومبني لمسألة التكفير في حق المفتي، وأما الرجل المكفر اسم مفعول، فإنما يكفر في نفسه بإنكار القطعي لا بإنكار الظني، وذلك في حقه، وأما المفتي فيكفي في حقه ظنه بأن فلاناً أنكر قطعياً، ولا يجب له القطع، ونظيره أن خبر الواحد يعمل به في مسائل الرجم، ولا يثبت في الحكم إلا بشهادة أربعة ذكور، فهكذا ههنا، والحاصل أن الموجب لكفر الرجل في نفسه هو إنكار قطعي، وأما الموجه والمنبه للمفتي في مسألة تكفيره قد سكون حديثاً آحادياً فينبهه على أن إنكار أمر كذا كفر، ثم لا يكون ذلك الأمر في الواقع إلا قطعياً، ومثاله أن عد رجل عالم، وفهرس المتواترات والقطعيات، وذهل وغفل عن بعضها فلم يدخله في ذلك الفهرس، فجاء واحد آخر ونبهه على قطعيات أخر، فأدخل بقول ذلك الواحد تلك في الفرس؛ فقد تنبه بقول واحد للقطعي، فهكذا الأمر ههنا لم يكفر الرجل في نفسه إلا بإنكار القطعي، لكن المفتي قد يأخذ مسألة التكفير من خبر واحد فافهمه. وما يوهمه كلام شارح "الفقه الأكبر" أن بين الفقهاء والمتكلمين اختلافاً في مسألة التكفير، فالفقهاء قد يكفرون بإنكار الأمر الظني بخلاف المتكلمين فليس خلافاً في المسألة، وإنما هو اختلاف فن وموضوع،

стр. 69

فموضوع الفقهاء فعل المكلف، وكثير من مسائلهم ظني، وموضوع المتكلمين القطع، فمن ههنا انقسم نظر الفريقين، وإلا فيجوز بناء التكفير على الظن بلا خطر، لأن الظن في طريق العلم بالحكم لا في الأمر الموجب لكفر المكفر. وأيضاً التكفير بمضمون خبر الواحد لا بإنكار ثبوته، وقد تختلف الأحكام في نحو الثبوت والدلالة، فالشافعية مثلاً راعوا في أخذ الفرض وترك الواجب من التقسيم حال المضمون فيثبتون الفرض بخبر الواحد، والحنفية راعوا هناك حال الثبوت. هكذا ينبغي أن يفهم هذا المقام. هذا والله ولي التوفيق. تنبيه آخر اتفقوا في بعض الأفعال على أنها كفر، مع أنه يمكن فيها أن لا ينسلخ من التصديق، لأنها أفعال الجوارح لا القلب، وذلك كالهزل يلفظ كفر، وإن لم يعتقده، وكالسجود لصنم، وكقتل نبي، والاستخفاف به، وبالمصحف، والكعبة، واختلفوا في وجه الكفر بها بعد الاتفاق على التكفير، فقيل: إن الشارع لم يعتبر ذلك التصديق حكماً، وإن كان موجوداً حقيقة. حكاه الحافظ ابن تيمية في "كتاب الإيمان" من لفظ الأشعري، وقيل: إن ما كان دليل الاستخفاف يكفر به، وإن لم يقصد الاستخفاف، ذكره في "رد المحتار"، وقيل زيد على التصديق المجرد أشياء في الإيمان المعتبر شرعاً، وقيل التصديق المعتبر لا تجامع هذه الأفعال. ذكره العلامة قاسم في حاشية "المسايرة"، والحافظ ابن تيمية ﵀. وبالجملة يكفر ببعض الأفعال أيضاً انفاقاً، وإن لم ينسلخ من التصديق اللغوي القلبي.

стр. 70

وقال القاضي أبو بكر الباقلاني كما في "الشفاء" و"المسايرة": فإن عصى بقول أو فعل نص الله تعالى ورسوله، أو أجمع المسلمون أنه لا يوجد إلا من كافر، أو يقوم دليل على ذلك فقد كفر اهـ. وقال أبو البقاء في "كلياته": والكفر قد يحثل بالقول تارة وبالفعل أخرى، والقول الموجب للكفر إنكار مجمع عليه فيه نص، ولا فرق بين أن يصدر عن اعتقاد، أو عناد، أو استهزاء، والفعل الموجب للكفر هو الذي يصدر عن تعمد، ويكون الاستهزاء صريحاً بالدين، كالسجود للصنم اهـ. قال القونوى: ولو تلفظ بكلمة الكفر طائعاً غير معتقد له يكفر، لأنه راض بمباشرته وإن لم يرض بحكمه، ولا يعذر بالجهل، وهذا عند عامة العلماء، خلافاً للبعض، قال: ولو أنكر أحد خلافة الشيخين يكفر إلخ "شرح فقه أكبر". وفيه أيضاً: ثم أعلم أنه إذا تكلم بكلمة الكفر، عالماً بمبناها ولا يعتقد معناها، لكن صدرت عنه من غير إكراه بل مع طواعية في تأديته، فإنه يحكم عليه بالكفر بناءً على القول المختار عند بعضهم، من أن الإيمان هو مجموع التصديق والإقرار، فبإجرائها يتبدل الإقرار بالإنكار وهذا في "شرح الشفاء" أيضاً. أقول: والأظهر الأول، إلا إذا كان من قبيل ما يعلم من الدين بالضرورة، فإنه حينئذ يكفر ولا يعذر بالجهل. "شرح فقه أكبر" من الأواخر.

стр. 71

وقال في "الصارم المسلول": ولهذا قال : ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ولم يقل: قد كذبتم في قولكم: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ ، فلم يكذبهم في هذا العذر، بل بين أنهم كفروا بعد إيمانهم بهذا الخوض واللعب آه. وأوضحه في محل آخر. والجصاصا في "أحكامه". وعلى هذا فلا يبعد أن يقال: إن تكفير المسلم المعلوم إسلامه قد جعله الشرع في الحديث المار كفراً بنفسه، وللشارع ولاية ذلك، لا لتضمنه اعتقاد أن الإسلام كفر، وقال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ والله ولي الأمرو، ووجه الغزالي كما في "إيتار الحق": بأنه لما كان معتقد الإسلام أخيه كانة قوله: إنه كافر قولاً بأن الذي هو عليه كفر، والذي هو عليه دين الإسلام فكأنه قال: إن دين الإسلام كفر، وهذا القول كفر من قائله وإن لم يعتقد ذلك اهـ. فجعله هزلاً بلفظ الكفر، وهذا يصدق على هذا الشقى وأتباعه، فإنهم يكفرون كل الأمة في هذا العصر، فيجب أن يكفروا هو لاا الأمة، فقد حار عليهم، والله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد: فقد كان هذا لهم لا لهم ... فأولى لهم ثم أولى لهم قال في "زاد المعاد" من أحكام الفتح: وهذا بخلاف أهل الأهواء والبدع، فإنهم يكفرون ويبدعون لمخالفة أهواءهم وبجهلهم، وهم أولى بذلك ممن كفروه وبدعوه اهـ.

стр. 72

ومسألة التكفير في "التحرير" وشرحه "التقرير" مسألة العقليات إلخ. وفي آخر الشرح. ثم قال السبكي عبارته إلى انتهى. والفصل الثاني في "الحاكم". والباب الثاني أدلة الأحكام إلخ. ومسألة إنكار حكم الإجماع القطعي إلخ. وإنما لهم القطع بالعمومات. أما من الصيغة أو الإجماعات على عدم التفصيل إلخ في كفرهم. كذا قال في "التقرير"، وأوضح الصيغة في "الفواتح". ولو انعقد عليه إجماع فشيء آخر. أجيب بأن فائدته التحول إلى الأحكام القطعية. ومن أقسام الجهل. والهزل. ويتعلق بالتبليغ ما في "المستصفى". و"التقرير". التأويل في ضروريات الدين لا يقبل، ويكفر المتأول فيها والكافر: اسم لمن لا إيمان له، فإن أظهر الإيمان فهو: المنافق، وإن طرأ كفره بعد الإيمان فهو: المرتد، وإن قال بإلهين أو أكثر فهو: المشرك، وإن كان متديناً ببعض الأديان والكتب المنسوخة فهو: الكتابي،

стр. 73

وإن قال بقدم الدهر وإسناد الحوادث إليه هو: الدهري، وإن كان لا يثبت البارئ فهو: المعطل، وإن كان مع اعترافه بنيوة النبي ﷺ يبطن عقائد هي كفر بالاتفاق فهو: الزنديق. وعدم تكفير أهل القبلة موافق لكلام الأشعري والفقهاء، لكن إذا فتشنا عقائد فرقهم الإسلاميين وجدنا فيها ما يوجب الكفر قطعاً، فلا نكفر أهل القبلة ما لم يأت بما يوجب الكفر. وهذا من قيبل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ مع أن الكفر غير مغفور، ومختار جمهور أهل السنة من الفقهاء والمتكلمين عدم إكفار أهل القبلة من المبتدعة المأولة في غير الضرورية، لكون التأويل شبهة كما هو المسطور في أكثر المعتبرات. "كليات أبي البقاء". وخرق الإجماع القطعي الذي صار من ضروريات الدين كفر، ولا نزاع في إكفار منكر شيء من ضروريات الدين: وإنما النزاع في إكفار منكر القطعي بالتأويل، فقد ذهب إليه كثير من أهل السنة من الفقهاء والمتكلمين، ومختار جمهور أهل السنة منهما عدم إكفار أهل القبلة من المبتدعة المأولة في غير الضرورية، لكون التأويل شبهة، كما في "خزانة الجرجاني"، "والمحيط البرهاني"، و"أحكام الرازي"، و"أصول البزدوى". ورواه الكرخى، والحاكم الشهيد عن الإمام أبي حنيفة، والجرجاني عن الحسن بن زياد، وشارح "المواقف" و"المقاصد"، والآمدى عن الشافعي والأشعري لا مطلقاً. "كلمات أبي البقاء". هذا كله في البدع غير المكفرة، وأما المكفرة، وفي بعضها ما

стр. 74

لا شك في التكفير به كمنكري العلم بالمعدوم القائلين ما يعلم الأشياء حتى يخلقها، أو بالجزئيات. والمجسمين تجسيماً صريحاً، والقائلين بحلول الإلهية في علي ﵁ أو غيره. "فتح المغيث". فالمعتمد الذي ترد روايته من أنكر أمراً متواتراً من الشرع، معلوماً من الدين بالضرورة - أي إثباتاً ونفياً - فأما من لم يكن بهذه الصفة، وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه، فلا مانع من قبوله أصلاً. وقال أيضاً: والذي يظهر أن الذي يحكم عليه بالكفر من كان الكفر صريح قوله، وكذا من كان لازم قوله، وعرض عليه فالتزمه، أما من لم يلتزمه وناضل عنه فإنه لا يكون كافراً ولو كان اللازم كفراً، وينبغي حمله على غير القطعي ليوافق كلامه الأول، وسبقه ابن دقيق العيد فقال: الذي تقرر عندنا أنه لا نعتبر المذاهب في الرواية إذ لا نكفر أحداً من أهل القبلة إلا بإنكار قطعي من الشريعة. "فتح المغيث". وكلامه الأول عن الحافظ ابن حجر، ومثله في شرح "التحرير" للمحقق ابن أمير الحاج عن شيخه الحافظ أيضاً. والحاصل في مسألة اللزوم والالتزام أن من لزم من رأيه كفر لم يشعر به، وإذا وقف عليه أنكر اللزوم، وكان في غير الضروريات. وكان اللزوم غير بين، فهو ليس بكافر وإن سلم اللزوم، وقال: إن اللازم ليس بكفر، وكان عند التحقيق كفراً، فهو إذن كافر، وهذا الذي نقله في "الشفاء" عن القاضي أبي بكر الباقلاني، والشيخ أبي الحسن الأشعري، فنقل عن القاضي أنه قال: ومن لم ير أخذهم بمآل قولهم ولا ألزمهم موجب مذهبهم لم ير إكفارهم، قال: لأنهم إذا وقفوا على هذا قالوا: لا نقول ليس بعالم، و

стр. 75

نحن وأنتم ننتفي من القول بالمآل الذي ألزمتموه لنا، ونعتقده نحن وأنتم أنه كفر، بل نقول أن قولنا لا يؤول إليه على ما أصلنا إلخ. ونقل عن الأشعري في من جهل صفة: أنه ليس بكافر. قال: لأنه لم يعتقد ذلك اعتقاداً يقطع بصوابه ويراه ديناً وشرعاً، وإنما يكفر من اعتقد أن مقاله حق اهـ. وهذا الذي تحرر من كلام ابن حزم. خاتمة (جاحد المجمع عليه، المعلوم من الدين بالضرورة) : وهو ما يعرفه منه الخواص والعوام من غير قبول للتشكيك، فالتحق بالضروريات كوجوب الصلاة، والصوم، وحرمة الزنا والخمر (كافر قطعاً) لأن جحده يستلزم تكذيب النبي ﷺ فيه، وما أوهمه كلام الآمدي وابن الحاجب من أن فيه خلافاً ليس بمراد لهما. شرح "جمع الجوامع". أي بل مرادهما أن الخلاف الذي ذكراه إنما هو فيما لم يعلم من الدين بالضرورة من المجمع عليه، وأما ما علم من الدين بالضرورة مما أجمع عليه فلا خلاف في كفر جاحده. "حاشية بناني". (وكذا) المجمع عليه، (المشهور) بين الناس، (المنصوص) عليه، كحل البيع، جاحده كافر (في الأصح) لما تقدم. وقيل: لا، لجواز أن يخفى عليه (وفي غير المنصوص) من المشهور (تردد) . قيل: يكفر جاحده لشهرته، وقيل: لا، لجواز أن يخفى عليه،
следующие страницы →