Полный текст (171 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وقال في "الصارم المسلول": ولهذا قال : ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ولم يقل: قد كذبتم في قولكم: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ ، فلم يكذبهم في هذا العذر، بل بين أنهم كفروا بعد إيمانهم بهذا الخوض واللعب آه. وأوضحه في محل آخر. والجصاصا في "أحكامه".
وعلى هذا فلا يبعد أن يقال: إن تكفير المسلم المعلوم إسلامه قد جعله الشرع في الحديث المار كفراً بنفسه، وللشارع ولاية ذلك، لا لتضمنه اعتقاد أن الإسلام كفر، وقال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ والله ولي الأمرو، ووجه الغزالي كما في "إيتار الحق": بأنه لما كان معتقد الإسلام أخيه كانة قوله: إنه كافر قولاً بأن الذي هو عليه كفر، والذي هو عليه دين الإسلام فكأنه قال: إن دين الإسلام كفر، وهذا القول كفر من قائله وإن لم يعتقد ذلك اهـ. فجعله هزلاً بلفظ الكفر، وهذا يصدق على هذا الشقى وأتباعه، فإنهم يكفرون كل الأمة في هذا العصر، فيجب أن يكفروا هو لاا الأمة، فقد حار عليهم، والله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد:
فقد كان هذا لهم لا لهم ... فأولى لهم ثم أولى لهم
قال في "زاد المعاد" من أحكام الفتح: وهذا بخلاف أهل الأهواء والبدع، فإنهم يكفرون ويبدعون لمخالفة أهواءهم وبجهلهم، وهم أولى بذلك ممن كفروه وبدعوه اهـ.
стр. 72
ومسألة التكفير في "التحرير" وشرحه "التقرير" مسألة العقليات إلخ. وفي آخر الشرح. ثم قال السبكي عبارته إلى انتهى. والفصل الثاني في "الحاكم". والباب الثاني أدلة الأحكام إلخ. ومسألة إنكار حكم الإجماع القطعي إلخ. وإنما لهم القطع بالعمومات. أما من الصيغة أو الإجماعات على عدم التفصيل إلخ في كفرهم. كذا قال في "التقرير"، وأوضح الصيغة في "الفواتح". ولو انعقد عليه إجماع فشيء آخر. أجيب بأن فائدته التحول إلى الأحكام القطعية. ومن أقسام الجهل. والهزل. ويتعلق بالتبليغ ما في "المستصفى". و"التقرير".
التأويل في ضروريات الدين لا يقبل، ويكفر المتأول فيها
والكافر: اسم لمن لا إيمان له، فإن أظهر الإيمان فهو: المنافق، وإن طرأ كفره بعد الإيمان فهو: المرتد، وإن قال بإلهين أو أكثر فهو: المشرك، وإن كان متديناً ببعض الأديان والكتب المنسوخة فهو: الكتابي،
стр. 73
وإن قال بقدم الدهر وإسناد الحوادث إليه هو: الدهري، وإن كان لا يثبت البارئ فهو: المعطل، وإن كان مع اعترافه بنيوة النبي ﷺ يبطن عقائد هي كفر بالاتفاق فهو: الزنديق.
وعدم تكفير أهل القبلة موافق لكلام الأشعري والفقهاء، لكن إذا فتشنا عقائد فرقهم الإسلاميين وجدنا فيها ما يوجب الكفر قطعاً، فلا نكفر أهل القبلة ما لم يأت بما يوجب الكفر. وهذا من قيبل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ مع أن الكفر غير مغفور، ومختار جمهور أهل السنة من الفقهاء والمتكلمين عدم إكفار أهل القبلة من المبتدعة المأولة في غير الضرورية، لكون التأويل شبهة كما هو المسطور في أكثر المعتبرات. "كليات أبي البقاء".
وخرق الإجماع القطعي الذي صار من ضروريات الدين كفر، ولا نزاع في إكفار منكر شيء من ضروريات الدين: وإنما النزاع في إكفار منكر القطعي بالتأويل، فقد ذهب إليه كثير من أهل السنة من الفقهاء والمتكلمين، ومختار جمهور أهل السنة منهما عدم إكفار أهل القبلة من المبتدعة المأولة في غير الضرورية، لكون التأويل شبهة، كما في "خزانة الجرجاني"، "والمحيط البرهاني"، و"أحكام الرازي"، و"أصول البزدوى". ورواه الكرخى، والحاكم الشهيد عن الإمام أبي حنيفة، والجرجاني عن الحسن بن زياد، وشارح "المواقف" و"المقاصد"، والآمدى عن الشافعي والأشعري لا مطلقاً. "كلمات أبي البقاء".
هذا كله في البدع غير المكفرة، وأما المكفرة، وفي بعضها ما
стр. 74
لا شك في التكفير به كمنكري العلم بالمعدوم القائلين ما يعلم الأشياء حتى يخلقها، أو بالجزئيات. والمجسمين تجسيماً صريحاً، والقائلين بحلول الإلهية في علي ﵁ أو غيره. "فتح المغيث".
فالمعتمد الذي ترد روايته من أنكر أمراً متواتراً من الشرع، معلوماً من الدين بالضرورة - أي إثباتاً ونفياً - فأما من لم يكن بهذه الصفة، وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه، فلا مانع من قبوله أصلاً. وقال أيضاً: والذي يظهر أن الذي يحكم عليه بالكفر من كان الكفر صريح قوله، وكذا من كان لازم قوله، وعرض عليه فالتزمه، أما من لم يلتزمه وناضل عنه فإنه لا يكون كافراً ولو كان اللازم كفراً، وينبغي حمله على غير القطعي ليوافق كلامه الأول، وسبقه ابن دقيق العيد فقال: الذي تقرر عندنا أنه لا نعتبر المذاهب في الرواية إذ لا نكفر أحداً من أهل القبلة إلا بإنكار قطعي من الشريعة. "فتح المغيث". وكلامه الأول عن الحافظ ابن حجر، ومثله في شرح "التحرير" للمحقق ابن أمير الحاج عن شيخه الحافظ أيضاً. والحاصل في مسألة اللزوم والالتزام أن من لزم من رأيه كفر لم يشعر به، وإذا وقف عليه أنكر اللزوم، وكان في غير الضروريات. وكان اللزوم غير بين، فهو ليس بكافر وإن سلم اللزوم، وقال: إن اللازم ليس بكفر، وكان عند التحقيق كفراً، فهو إذن كافر، وهذا الذي نقله في "الشفاء" عن القاضي أبي بكر الباقلاني، والشيخ أبي الحسن الأشعري، فنقل عن القاضي أنه قال: ومن لم ير أخذهم بمآل قولهم ولا ألزمهم موجب مذهبهم لم ير إكفارهم، قال: لأنهم إذا وقفوا على هذا قالوا: لا نقول ليس بعالم، و
стр. 75
نحن وأنتم ننتفي من القول بالمآل الذي ألزمتموه لنا، ونعتقده نحن وأنتم أنه كفر، بل نقول أن قولنا لا يؤول إليه على ما أصلنا إلخ. ونقل عن الأشعري في من جهل صفة: أنه ليس بكافر. قال: لأنه لم يعتقد ذلك اعتقاداً يقطع بصوابه ويراه ديناً وشرعاً، وإنما يكفر من اعتقد أن مقاله حق اهـ. وهذا الذي تحرر من كلام ابن حزم.
خاتمة
(جاحد المجمع عليه، المعلوم من الدين بالضرورة) : وهو ما يعرفه منه الخواص والعوام من غير قبول للتشكيك، فالتحق بالضروريات كوجوب الصلاة، والصوم، وحرمة الزنا والخمر (كافر قطعاً) لأن جحده يستلزم تكذيب النبي ﷺ فيه، وما أوهمه كلام الآمدي وابن الحاجب من أن فيه خلافاً ليس بمراد لهما. شرح "جمع الجوامع".
أي بل مرادهما أن الخلاف الذي ذكراه إنما هو فيما لم يعلم من الدين بالضرورة من المجمع عليه، وأما ما علم من الدين بالضرورة مما أجمع عليه فلا خلاف في كفر جاحده. "حاشية بناني".
(وكذا) المجمع عليه، (المشهور) بين الناس، (المنصوص) عليه، كحل البيع، جاحده كافر (في الأصح) لما تقدم. وقيل: لا، لجواز أن يخفى عليه (وفي غير المنصوص) من المشهور (تردد) . قيل: يكفر جاحده لشهرته، وقيل: لا، لجواز أن يخفى عليه،
стр. 76
(ولا يكفر جاحد) المجمع عليه (الخفي) بأن لا يعرفه إلا الخواص، كفساد الحج بالجماع قبل لبوقوف. (ولو) كان الخفي (منصوصاً) عليه، كاستحقاق بنت الإبن السدس مع بنت الصلب، فإنه قضي به النبي ﷺ كما رواه البخاري، ولا يكفر جاحد المجمع عليه من غير الدين كوجود بغداد قطعاً. "شرح جمع الجوامع".
وكذا في عامة كتب الأصول كـ "الأحكام" للآمدى من المسألة السادسة من الإجماع، ومن "شرائط الراوي"، و"المختصر" لابن الحاجب، و"التحرير"، وشرحه "التقرير"، وشرح "المسلم"، ومثله في الإختيارات العلمية من "فتاوى الحافظ ابن تيمية". وقال في كتاب الإيمان: وهذه الآية تدل على أن إجماع المؤمنين حجة من جهة أن مخالفتهم مستلزمة لمخالفة الرسول، وإن كان ما أجموعا عليه فلابد أن يكون فيه نص عن الرسول ﷺ ، فكل مسألة يقطع فيها بالإجماع وبانتفاع المنازع من المؤمنين فإنها مما بين الله فيه الهدى، ومخالف مثل هذا الإجماع يكفر، كما يكفر مخالف النص المبين، وأما إذا كان يظن الإجماع ولا يقطع به، فهنا قد لا يقطع أيضاً بأنها مما تبين فيه الهدى من جهة الرسول، ومخالف مثل هذا الإجماع قد لا يكفر بل قد يكون ظن الإجماع خطأ، والصواب في خلاف هذا القول، وهذا هو فصل الخطاب فيما يكفر به من مخالفة الإجماع وما لا يكفر اهـ.
(فإن قلت: هل العلم يكونه ﷺ بشراً، أو من العرب شرط في صحة الإيمان وهو من فروض الكفاية) على الأبوين مثلاً فإذا علم أحدهما
стр. 77
ولده المميز سقط طلبه عن الآخر. (أجاب الشيخ ولي الدين) أحمد (ابن) عبد الرحيم (العراقي) الحافظ ابن الحافظ: "أنه شرط في صحة الإيمان، فلو قال شخص: أؤمن برسالة محمد ﷺ إلى جميع الخلق، ولكن لا أدري هل هو من البشر أو من الملائكة، أو من الجن؟ أو لا أدري هو من العرب أو العجم؟ فلا شك في كفره لتكذيبه القرآن) كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ (وجحده ما تلقته قرون الإسلام خلفاً عن سلف، وصار معلوماً بالضرورة عند الخاص والعام، ولا أعلم في ذلك خلافاً، فلو كان غبياً) بمعجمه وموحدة، جاهلاً قليل الفطنة (لا يعرف ذلك وجب تعليمه إياه، فإن جحده) أي المعلوم بالضرورة (بعد ذلك حكمنا بكفره) لأن إنكار كفر، أما إنكار ما ليس ضرورياً فليس كفراً، ولو جحده بعد التعليم على ما اقتضاه شراح "البهجة" لشيخ الإسلام زكريا (انتهى) . "زرقاني".
إن الأمة فهمت من هذا اللفظ أنه أفهم عدم نبي بعده أبداً، وعدم رسول بعده أبداً، وأنه ليس فيه تأويل ولا تخصيص، ومن أوله بتخصيص فكلامه من أنواع الهذيان لا يمنه الحكم بتكفيره، لأنه مكذب لهذا النص الذي أجمعت الأمة على أنه غير مأول ولا مخصوص. "كتاب الاقتصاد" للإمام حجة الإسلام محمد الغزالي ﵀.
وعلى أن البدعة التي تخالف الدليل القطعي الموجب للعلم - أي الاعتقاد والعمل - لا تعتبر شبهة في نفي التكفير عن صاحبها. وفي "الإختيار": وكل بدعة تخالف دليلاً يوجب العلم والعمل به قطعاً فهي كفر، وكل
стр. 78
بدعة لا تخالف ذلك وإنما تخالف دليلاً يوجب العمل ظاهراً فهي بدعة وضلال وليس بكفر. "رسائل ابن عابدين".
والقول الثاني الذي ذكره في "المحيط" هو ما قدمناه عن "شرح الإختيار" و"شرح العقائد" ويمكن التوفيق بينه وبين ما حكاه ابن المنذر بأن المراد الذين كفروا من خالف ببدعته دليلاً قطعياً إلخ. "رسائل ابن عابدين".
وفي النسخة الحاضرة من "البناية" من باب البغاة، وفي "المحيط" في تكفير أهل البدع كلام، فبعض العلماء لا يكفرون أحداً منهم، وبعضهم يكفرون البعض، وهو أن كل بدعة تخالف دليلاً "قطعياً" فهي كفر، وكل بدعة لا تخالف دليلاً قطعياً يوجب العلم، فهو بدعة ضلالة، وعليه اعتمد أهل السنة والجماعة اهـ. وما تكلم عليه في "فتح القدير" - ويريد في غير الضروريات، واقتصر عليه ابن عابدين - فقد تردد فيه المحقق من إمامه "الفتح". نبه على ذلك في "فواتح الرحموت" فليس ما في "المحيط" مما يلفظ ويرمى، كيف؟ وقد ذكر أنه قول أكثر أهل السنة، واستدرك عليه أيضاً ابن عابدن من البغاة، وإذا لم يكن اختلاف في إنكار الضروريات، كما صرح به في "التحرير" وحمل التكفير بإنكار القطعيات الغير الضرورية على ما إذا علم المنكر قطعيتها، أو ذكر له أهل العلم فلج، كما صرح به في "المسايرة" لم يبق هناك بحث. "وفي البدائع" - من أجل كتب أصحابنا -: وإمامة صاحب الهوى والبدعة مكروهة،
стр. 79
نص عليه أبو يوسف في "الأمالي" فقال: أكره أن يكون الإمام صاحب هوى وبدعة، لأن الناس لا يرغبون في الصلاة خلفه هل تجوز الصلاة خلفه؟ قال بعض مشائخنا: إن الصلاة خلف المبتدع لا تجوز، وذكر في "المنتقي" رواية عن أبي جنيفة: أنه كان لا يرى الصلاة خلف المبتدع. والصحيح أنه إن كان هوى يكفره لا تجوز، وإن كان لا يكفره تجوز مع الكرهة اهـ. وهذا "المنتقى" هو الذي نسب إليه في "المسايرة" مسألة عدم إكفار أهل القبلة، ففسر بعض كلامه بعضه، وفصل كذلك في الشهادة، ونص في "الخلاصة" أنه صرح به في "الأصل"، وكذا نقله عنها صاحب "البحر". ويراجع ما ذكره في "الفتح" من حيلة تحليل المطلقة ثلاثاً.
والتأويل في ضروريات الدين لا يدفع الكفر. "علامه عبد الحكيم سيالكوتى" على "الخيالي"، وهو كذلك في "الخيالي":
وجون ابن فرقه مبتدعه أهل قبلة أند در تكفير أنها جرات نبايد نمود تا زمانيكة انكار ضروريات دينية ننمايند، ورد متواترات احكام شرعية نكنند، وقبول ما علم مجيئه من الدين بالضرورة نكنند. "مكتوبات امام وبانى".
وجعل في "الفتوحات" التأويل الفاسد كالكفر، فراجعها من الباب التاسع والثمانين ومائتين.
والقول الموجب للكفر إنكار مجمع عليه، فيه نص، ولا فرق بين أن يصدر عن اعتقاد أو عناد. "كليات أبي البقاء" من لفظ "الكفر".
قال الكمال: والصحيح أن لازم المذهب ليس بمذهب، وإنه لا كفر بمجرد اللزوم غير الالتزام، وقد وقع في "المواقف" ما يقتضي
стр. 80
تقييده بما إذا لم يعلم ذو المذهب اللزوم، وبأن اللازم كفر، فإنه قال: من يلزمه الكفر، ولا يعلم به ليس بكافر إلخ. ومفهومه أن علمه كفر لإلتزامه إياه. والله أعلم انتهى. "يواقيت" للشعراني".
وفي "الكليات": ولزوم الكفر المعلوم كفر، لأن اللزوم إذا كان بيناً فهو في حكم الالتزام لا اللزوم مع عدم العلم به اهـ.
قلت: وليس في عبارة "المواقف" التقييد بأن يعلم أن اللازم كفر، إنما فيه أن يعلم اللزوم فقط. لأن الكفر هو جحد الضروريات من الدين أو تأويلها. ("إيثار الحق على الخلق" للمحقق الشهير الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير اليماني) .
أيضاً: على أنه يرد عليهم أن الاستحلال بالتأويل قد يكون أشد من التعمد مع الاعتراف بالتحريم، وذلك حيث يكون المستحل بالتأويل معلوم التحريم بالضرورة، كترك الصلاة، فإن من تركها متأولاً كفرناه بالإجماع، وإن كان عامداً معترفاً، ففيه الخلاف، فكان التأويل ههنا أشد تحريماً.
أيضاً: وتارةً لما لا يمكن تأويله إلا بتعسف شابه تأويل القرامطة، وربما استلزم بعض التأويل مخالفة الضرورة الدينية، وهم لا يعلمون ولا يؤمن الكفر في هذا المقام في معلوم الله تعالى، وأحكام الآخرة وإن لم نعلمه نحن.
стр. 81
أيضاً: وكذلك انعقد إجماعهم على أن مخالفة السمع الضروري كفر، وخروج عن الإسلام.
وأيضاً: وثبت أن الإسلام متبع لا مخترع، ولذلك كفر من أنكر شيئاً من أركانه، لأنها معلومة ضرورة، فأولى وأحرى أن لا يجئ الشرع بالباطل منطوقاً متكرراً من غير تنبيه على ذلك، لا سيما إذا كان ذلك الذي سموه باطلاً هو المعروف في جميع آيات كتاب الله وجميع كتب الله، ولم يأت ما يناقضه في كتاب الله حتى ينبه على وجوه التأويل والجمع.
أيضاً: وأفحش ذلك وأشهره مذهب القرامطة الباطنية في تأويل الأسماء الحسنى كلها، ونقيها عن الله على سبيل التنزية له عنها، وتحقيق التوحيد بذلك، ودعوى أن إطلاقها عليه يقتضي التشبيه، وقد غلوا في ذلك وبالغوا، حتى قالوا: إنه لا يقال أنه موجود ولا معدوم، بل قالوا أنه لا يعبر عنه بالحروف، وقد جعلوا تأويلها أن المراد بها كلها إمام الزمان عندهم، وهو عندهم المسمى الله، والمراد بلا إله إلا الله، وقد تواتر هذا عندهم، وأنا ممن وقف عليه فيما لا يحصى من كتبهم التي في أيديهم وخزائنهم ومعاقلهم التي دخلت عليهم عنوةًَ أو فتحت بعد طول محاصرة، وأخذ بعضها عليهم من بعض الطرقات، وقد هربوا به ووجد بعضها في مواضع خفية قد أخفوه فيها، فكما أن كل مسلم يعلم أن هذا كفر صريح، وإنه ليس من التأويل المسمى بحذف المضاف المذكور في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ أي أهل القرية، و
стр. 82
وأهل العير، وإنما علم هذا كل مسلم تطول صحبته لأهل الإسلام، وسماع أخبارهم، والباطني الناشئ بين الباطنية لا يعلم مثل هذا، فكذلك المحدث الذي قد طالت مطالعته للآثار قد يعلم في تأويل بعض المتكلمين، مثل هذا العلم، وإن كان المتكلم لبعده عن أخبار الرسول ﷺ وأحواله وأحوال السلف قد بعد عن علم المحدث، كما بعد الباطني عن علم المسلم، فالمتكلم يرى أن التأويل ممكن بالنظر إلى وضع علماء الأدب في شروط المجاز، وذلك صحيح، ولكن مه المحدث من العلم الضروري بأن السلف ما تأولوا ذلك مثل ما مع المتكلم من العلم الضروري بأن السلف ما تأولوا الأسماء الحسنى بإمام الزمان، وإن كان مجاز الحذف الذي تأولت به الباطنية صحيحاً في اللغة عند الجميع، لكن له. وضع مخصوص، وهو وضعوه في غير موضعه.
أيضاً: وأما التفسير، فما كان من المعلومات بالضرورة من أركان الإسلام وأسماء الله تعالى منعنا من تفسيره، لأنه جلى صحيح المعنى، وإنما يفسره من يريد تحريفه، كالباطنية الملاحدة، وما لم يكن معلوماً ودخلته الدقة والغموض، فإن دخله بعد ذلك الخطر وخوف الإثم في الخطأ، فما يتعلق بالعقائد تركنا العبارات المبتدعة وسلكنا طريق الوقف والاحتياط، إذ لا عمل يوجب معرفة معناه المعين، وإن لم يدخل فيه الخطر عملنا فيه بالظن المعتبر المجمع على وجوب العمل به أو جوازه والله الهادي.
أيضاً: وثانيهما إجماع الأمة على تكفير من خالف الدين المعلوم
стр. 83
بالضرورة، والحكم بردته إن كان قد دخل فيه قبل خروجه منه، ولو كان الدين مستنبطاً بالنظر لم يكن جاحده كافراً، فثبت أن رسول الله ﷺ قد جاء بالدين القيم تاماً كاملاً، وإنه ليس لأحد أن يستدرك عليه ويكمل له دينه من بعده.
أيضاً: واعلم أن أصل الكفر هو التكذيب المتعمد لشيء من كتب الله تعالى المعلومة، أو لأحد من رسله ﵇، أو لشيء مما جاءوا به، إذا كان ذلك الأمر المكذب به معلوماً بالضرورة من الدين، ولا خلاف أن هذا القدر كفر، ومن صدر عنه فهو كافر إذا كان مكلفاً مختاراً غير مختل العقل ولا مكره، وكذلك لا خلاف في كفر من جحد ذلك المعلوم بالضرورة الجميع، وتستر بالتأويل فيما لا يمكن تأويله كالملاحدة.
وعبارات لهذا المحقق في كتابه "القواصم والعواصم" ألتقطتها، وهي هذه:
مسألة التكفير من أواخر الجزء الأول: "الفصل الثالث الإشارة إلى حجة من كفر هؤلاء وما يرد عليها". ولعله تحت الوهم الخامس عشر، وقد ذكر من كتاب "الأسماء والصفات" للبيهقي عن الخطابي فيه شيئاً نافعاً يفسر ما في "معالم السنن" له.
وعن "الأسماء والصفات" معنى محواسم عزيز ﵇ من ديوان الأنبياء، وإن كان نبياً حين إلخ. في مسألة القدر.
وفي أوائل الجزء الثالث: "الدليل الثاني وهو المعتمد أن كثرة هذه
стр. 84
النصوص وترداد تلاوتها بين السلف من غير سماع تأويل لها، ولا تحذير جاهل من اعتقاد ظاهرها، ولا تنبيه على ذلك حتى انقضى عصر النبوة والصحابة يقضي بالضرورة العادية أنها غير متأولة، وإلى هذا الوجه أشار في قوله تعالى: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ويا لها من حجة قاطعة للمبتدعة لمن تأملها في هذا الموضع، وفي الكلام في الصفات وفي ذلك! لأنه لا يجوز في العادة أن يمضي الدهر الطويل على إظهار ما رجح المعتزلة، وله تأويل حسن فلا يذكر تأويله أليته، وسواء كان ذكره واجباً أو مباحاً".
وقد ذكر الرازي بحثاًَ طويلاً في اللغات من كتاب "المحصول" في المنع من إفادة السمع القطع بسبب ما يعرض من الألفاظ المفردة، ثم تراكيبها من الاحتمالات التي وردت بها اللغة، مثل الاشتراك، والمجاز، والحذف، ونحوها، وذكر أنه لا دليل على عدمها إلا عدم الوجدان بعد الطلب، وإنه دليل ظني، وذكر كثيرة الاختلاف في المحذوف في بسم الله الرحمن الرحيم، ثم أجاب ما محصوله: أن المعول عليه في مواضع القطع في الكتاب والسنة هو القرائن التي يضطر إلى قصد المتكلم مع تواتر معاني الألفاظ في المواضع اللفظية القطعية. وكلامه هذا يدل على معنى ما ذكرت في معاني آيات المشيئة، ولولا ذلك لتمكنت الملاحدة وأعداء الإسلام من التشويش على المسلمين أجمعين في كثير من عقائدهم السمعية القطعية، ويؤيد هذا قول بعض المعتزلة المحققين أن كل قطعي سمعي فهو ضروري، وله وجه وجيه ليس هذا موضع ذكره.
وفي أواسط هذا الجزء:
"الوجه الثاني: وهو المعتمد أن التكفير سمعي قطعي عند المعتزلة،
стр. 85
والصحيح أن كل قطعي من الشرع فهو ضروري".
وبعد أوراق كثيرة من هذا المبحث قال:
"الوجه السادس: أن السمع قد دل على قدرة الله تعالى على هداية الخلق أجمعين دلالة ضرورية، أو قطعية يتعذر تأويلها لوجهين: أحدهما ما تقدم من المنع تأويل آيات المشيئة وأمثالها مما شاع مع الخاصة والعامة في عصر النبوة والصحابة، وانقضى ذلك العصر الذي هو عصر الهدى المجمع عليه، والبيان لمهمات الدين ولم يذكر لها تأويل ألبتة، ولا حذر من اعتقاد ظاهره، فإن العادة تقضي بذلك وإن لم يكن واجباً لما مر تقريره".
ولعل الوجه الوجيه الذي ذكره هو ما في أواخر الجزء الأول حيث قال: "وأعلم أن القطع لابد أن يكون من جهة ثبوت النص الشرعي في نفسه ومن جهة وضوح معناه، فأما ثبوته فلا طريق إليه إلا التواتر الضروري، كما تقدم، وأما وضوح معناه، فهل يمكن أن يكون قطعياً، ولا يكون ضرورياً في كلام كثير من الأصوليين ما يقتضي تجويز ذلك، وفي كلام بعضهم ما يمنع ذلك وهو القوى عندي، لأن القطع على معنى النص من قبيل النقل عن أهل اللغة، إنهم يعنون باللفظ المعين معناه المعين دون غيره، وهذه طريقة النقل لا النظر، وما كان طريقه النقل لا النظر لم يدخله القطع الاستدلالي، وإنما يكون من قبيل المتواترات وهي ضرورية".
وفي أواخر الجزء الثاني:
"إن تعليل فاعلية الرب يوقف على نصوص القرآن المعلومة المعنى مع القرائن اللفظية على عدم تأويلها، بل ذلك معلوم من
стр. 86
ضرورة الدين وإجماع المسلمين، ومن تلك القرائن المفيدة للعلم استمرار تلاوتها من غير تنبيه على قبح الظاهر".
وقد أورد الرازي هذا السؤال في باب اللغات في "محصولة" مهذباً مطولاً، وأجاب عنه بما معناه: أن العلم بالمقاصد يكون مع القرائن ضرورياً، فإنا نعلم مراد الله سبحانه بالمساوات والأرض ضرورة لا لكون لفظ السماء موضوعاً لمسماه لدخول الاشتراك والمجاز والاضمار في الأوضاع اللغوية.
وفي أواسط الجزء الآخر:
"وذلك جلى لمن يعرف شروط القطع، وهو في النقليات التواتر الضروري في النقل، والتجلي الضروري في المعنى".
وأما القطع بتحريم تأويلها بل بأنها على ظاهرها، فذلك لتواتر اشتهارها في زمن رسول الله ﷺ والصحابة، والعلم بتقريرهم لها على ظاهرها، والعادة الضرورية تمنع من عدم ذكر التأويل الحق من جميعهم في جميع تلك الأعصار لو كان هناك تأويل كما مربيانه.
وفي أواسط الجزء الثالث من نصوص الإيمان بالقدر:
"والثاني دعوى العلم الضروري لمن بحث عن أحوال السلف أنهم كانوا لا يتأولون شيئاً من ذلك".
وفي أوائل الجزء الأول:
"على أن في القطعيات ما يختلف العلماء هل هي قطعي كما في القياس الجلي والتأثيم به والتفسيق والتكفير، على أن ابن الحاجب وغيره من المحققين منعوا من وجود القطعي الشرعي غير الضروري، وحكموا بأنه
стр. 87
لا واسطة بين الظن والضرورة في فهم المعاني، كما إنه لا واسطة بينهما في تواتر الألفاظ بالإتفاق".
وفي موضع آخر:
"والظاهر من علماء الأصول أنهم لا يثبتون القطعيات إلا في الأدلة العلمية المفيدة لليقين".
وفي أواخره:
"وقد ذكر غير وحد من المحققين أن الأدلة القطعية متى كانت شرعية لم تكن إلا ضرورية".
قلت: وقد قال في "الإتحاف" عن ابن البياضي الحنفي عن الماتريدية: "والدليل النقلي يفيد اليقين عند توارد الأدلة على معنى واحد بطرق متعددة وقرائن منضمة، واختاره صاحب "الأبكار والمقاصد" وكثير من المتقدمين" اهـ. أي منهم. وراجع "التوضيح". ويريد ابن الحاجب بالضروري ما ينقدح في النفس حدساً واضطراراً، لا ما يشترك في معرفته الخواص والعوام، كما أريد به ذلك في تعريف ضروريات الدين، ولا يريد أيضاً أن الدليل اللفظي لا يفيد القطعي، فإنه اختلاف آخر بين آخرين. قال:
"القول الثالث مذهب الأكثرين من الأئمة وجماهير علماء الأمة وهو التفصيل، والقول بأن التأويل في القطعيات لا يمنع الكفر".
ومن بحث التكفير: "إن الكفر هو تكذيب النبي ﷺ إما بالتصريح، أو بما يستلزمه استلزاماً ضرورياً لا استدلالياً".
стр. 88
والعلم الضروري يقتضي في كل ما شاع مثل هذا في أعصارهم، ولم يذكر أحد منهم له تأويلاً أنه على ظاهره.
فتأمل هذه القاعدة التي ذكرتها لك فيما استفاض على عهد رسول الله ﷺ استفاضة متواترة ولم يذكر له ألبتة تأويل وإجماع الصحابة على وصف الله تعالى بأنه متكلم، وله كلام من غير اشعار بتأويل، فجهروا بتكفير من قال ذلك إما لاعتقادهم أنه مكذب لهذه الآيات أو إن كلامه يؤول إلى التكذيب.
امتنع من وصف القرآن بالحدوث من لم يصفه بالقدم، كأحمد بن جنبل، والجمهور على ما نقله الذهبي عنهم، وعن أحمد في ترجمة أحمد من النبلاء، وكذا نقل هناك عن قدماء أهل السنة أنهم لم يصفوا القرآن بأنه قديم، كما لم يصفوه بأنه مخلوق، واختار ذلك لنفسه.
لما تقدم من اشتراط القطع في التكفير عند المعتزلة والشيعة وطوائف من الأمة، وهو كذلك في حق من أراد القطع بالكفر، فإن قيل له أنه ينزل عن هذه المرتبة إلى مرتبة الظن الراجح إلى السمع الواضح، والعمل بالظن لا يمتنع إلا بقاطه إلخ.
ولم يرد القرآن بأنه كله متشابه، وإنما ورد بأن منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، فأين الآيات المحكمات الواردات بهذا التعطيل من الجهات حتلا يرد إليها سائر آيات كتاب الله تعالى، وأحاديث رسول الله ﷺ ، والعقول السليمة تحيل خلو الكتب السماوية والأحاديث النبوية من النطق بالصواب، الذي يرد إليه كثير من متشابهات الكتاب، وإلى استحالة ذلك أشار في قوله تعالى: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ويالها من آية قاطعة للمبطلين لمن تأملها في كل موضع.
стр. 89
لو كان هو المقصود لوجد الصواب، ولو مرة واحدة، حتى يرد المتشابه إليه كما وعد به التنزيل.
وفي أواسط الجزء الثالث من قسم ما يدل على وجوب الإيمان بالقدر بعد الحديث الثاني والسبعين:
"قلت: والضابط في التكفير أن من رد ما يعلم ضرورة من الدين فهو كافر، وفي هذا إجمال، والتحقيق أن من علمنا ضرورة أنه رد ما يعلم ضرورة من الدين، وعلمنا بالضرورة أنه يعلمه ضرورة، فلا شك في كفره، وأما من ظننا أنه يجهل من الدين ما نعلمه نحن ضرورة، فهذا موضع كثير فيه الاختلاف، والأولى عدم التكفير، وقد مر تحقيق ذلك في آخر مسألة الصفات".
أقول: ومن دافع أمراً ضرورياً من الدين ولم يقله، وقد بلغ ذلك فهو كافر، كما أشار إليه البخاري في "صحيحه:، وإن كان عدد المبلغ لم يبلغ حد التواتر، ولم يكن جحود غير المتواتر كفراً، لكن ذلك المدافع يعامل معاملة الكفار، وكذلك كان العمل عليه في عهد النبوة في إقامة الحجة، وإن تعلل بأنه تردد فيه لخبر الواحد فأمر ينظر فيه، وإلا فتقسيم الكفر إلى كفر عناد وجهل يفوض ذلك إلى الآخرة، كما أن نشأ على الكفر نحكم بكفره، وإن كان جهلاً جحوداً، فكذا ههنا فاعلمه.
فإن من يقبل بعض متواترات الشريعة فهو في حقنا وبالإعتبار إلينا كمن لم يدخل في الإسلام، وإن لم يكن ذلك عن عناد، وصار كمن دعاه نبي واحد إلى الإيمان فلم يدخل فيه، وبقى على كفره الأصلي
стр. 90
لا عن عناد منه.
(فالكفر بعدم الإيمان بمتواترات الشرع وخلوه عنه جهلاً كان أو جحوداً وعناداً، وقد ذكر في "الإتحاف": إن التكذيب لأمر البعثة وبلوغ الدعوة قبيح عقلاً، فهو داخل تحته لا تحت القبح الشرعي، وهو حسن جداً، وشيء مفيد في "المسايرة" من الحسن والقبح العقليين من دفع إفحام الأنبياء لو لم يكونا، وشيء منه في الأصل العاشر من الركن الأول.
وقال ابن القيم: المجاز والتأويل لا يدخل في المنصوص، وإنما يدخل في الظاهر المحتمل له، وههنا نكتة ينبغي التفطن لها، وهي أن كون اللفظ نصاً يعرف بشيئين، أحدهما: عدم احتماله لغير معناه وضعاً، كالعشرة، والثاني: ما اطرد استعماله على طريقة واحدة في جميع موارده فإنه نص في معناه، لا يقبل تأويلاً ولا مجازاً، وإن قدر تطرق ذلك إلي بعض أفراده، وصار هذا بمنزلة الخبر المتواتر لا يتطرق إحتمال الكذب إليه، وإن تطرق إلى كل واحد من أفراده بمفرده. وهذه عصمة نافعة تدلك على خطأ كثير من التأويلات في السمعيات التي اطرد استعمالها في ظاهرها وتأويلها، والحالة هذه غلط، فإن التأويل إنما يكون لظاهر قد ورد شاذاً مخالفاً لغيره من السمعيات، فيحتاج إلى
стр. 91
تأويله ليوافقها، فأما إذا اطردت كلها على وتيرة واحدة صارت بمنزلة النص وأقوى، وتأويلها ممتنع، فتأمل هذا. "بدائع الفوائد".
وهذا يجري في نحو لفظ "التوفي" في عيسى ﵇ أنه الإستيفاء لا الإمانة، فإن كل ما ورد في حاله في القرآن والحديث اطرد في حياته.
قال حبيب بن الربيع: لأن ادعاءه التأويل في لفظ صراح لا يقبل - "شرح شفاء" - في من قال: فعل الله برسول الله كذا وكذا. وقال: أردت به العقرب - والعياذ بالله - وأقره الحافظ ابن تيمية بعينه في "الصارم المسلول".
فعلم أن التأويل كما لا يقبل في ضروريات الدين كذلك لا يقبل في ما يظهر أنه احتيال في كلام الناس، وتمحل غير واقعي، وقد كان الأئمة ﵏ يعتبرون إرادة التأويل وقصده، فجاء المتسللون فاعتبروا إيجاده، ففي "جامع الفصولين"، وعن مالك ﵀ أنه سئل عن من أراد أن يضرب أحداً؟ فقيل له: ألا تخاف الله تعالى؟ فقال: لا، قال: لا يكفر، إذ يمكنه أن يقول: التقوى فيما أفعله له، ولو قيل له ذلك في معصيته، فقال: لا أخافه يكفر، إذ لا يمكنه ذلك التأزيل اهـ. ونحوه في "الخانية" في قصة شداد بن حكيم مع زوجته، وذكرها في "طبقات الحنفية" من شداد عن محمد ﵀ أيضاً، وهو أولى بالاعتبار مما ذكره من اعتبار مجرد الامكان، فإنه لا حجر
стр. 92
فيه، وقالوا في الإكراه على كلمة الكفر: إن خطر بباله التورية ولم يور كفر، فاعتبروا القصد وإرادة التأويل في حقه، وإلا فالتمحل لا يعجز عنه أحد، ففي "الميزان" بإسناد قوي: فو الله إن المؤمن ليجادل بالقرآن فيغلب، وإن المنافق ليجادل بالقرآن فيغلب، ألا ذكره من ترجمة الحكم بن نافع.
ولذا قال ابن حجر بعد سياق كلام المصنف: وما ذكره ظاهر موافق لقواعد مذهبنا، إذ المدار في الحكم بالكفر على الظواهر، ولا نظر للمقصود، والنيات، ولا نظر لقرائن حاله، نعم يعذر مدعي الجهل إن اعتذر لقرب عهده بالإسلام أو بعده عن العلماء، كما يعلم من كلام "الروضة" انتهى. "خفاجي" شرح "شفاء". أي فيما أتى بالسب لقلة مراقبة، وضبط للسانه، وتهور في كلامه، ولم يقصد السب.
فإن قيل: كيف تأولت أمر الطائفة التي منعت الزكاة على الوجه الذي ذهبت إليه، وجعلتهم أهل بغي؟ وهل إذا أنكرت طائفة من المسلمين في زماننا فرض الزكاة، وامتنعوا من أدائها، يكون حكمهم حكم أهل البغي؟
قلنا: لا فإن من أنكر فرض الزكاة في هذه الأزمان كان كافراً بإجماع المسلمين، والفرق بين هؤلاء وأولئك أنهم إنما عذروا لأسباب وأمور لا يحدث مثلها في هذا الزمان.
منها: قرب العهد بزمان الشريعة الذي كان يقع فيه تبديل الأحكام بالنسخ.
стр. 93
ومنها: أن القوم كانوا جهالاً بأمور الدين، وكان عهدهم بالإسلام قريباً، فدخلتهم الشبهة، فعذورا، فأما اليوم فقد شاع دين الإسلام، واستفاض في المسلمين علم وجوب الزكاة، حتى عرفها الخاص والعام، واشترك فيه العالم والجاهل، فلا يعذر أحد بتأويل يتأوله في إنكارها، وكذلك ألمر في كل من أنكر شيئاً مما أجمعت الأمة عليه من أمور الدين، إذا كان علمه منتشراً، كالصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، والاغتسال من الجنابة، وتحريم الزنا والخمر، ونكاح ذوات المحارم ونحوها من الأحكام إلا أن يكون رجلاً حديث عهد بالإسلام، ولا يعرف حدوده، فإنه إذا أنكر منها شيئاً جهلاً به لم يكفر، وكان سبيله سبيل أولئك القوم في بقاء اسم الدين عليه، فأما ما كان الإجماع فيه معلوماً من طريق اسم الخاصة، كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وإن القاتل عمداًَ لا يرث، وإن للجدة السدس، وما أشبه ذلك من الأحكام، فإن من أنكرها لا يكفر بل بعذر فيها لعدم استفاضة علمها في العامة. "نووى شرح المسلم" عن الخطابي وهناك عبارة أخرى للخطابي مرت عن "اليواقيت".
قلت: هذا ظاهر في أن التأويل في ضروريات الدين لا يدفع القتل، بل لا يدفع الكفر أيضاً إذا استتيب فلم يتب، وأما الإشكال الذي ذكره من أنهم جحدوا الزكاة فهم أهل ردة، وقد تردد في قتالهم عمر ﵁ فلعل الوجه فيه أنهم منعوا الزكاة، وأرادوا نصب الرؤساء في إحياهم، لم يطيعوا لأبي بكر ﵁ فكانوا أهل بغي بهذا القدر، وهذا هو الذي جعل
стр. 94
عمر ﵁ غرضهم، ثم إنهم كانوا يأولون أيضاً في منع الزكاة تأويلات تبرعاً، وجعلهم أبو بكر ﵁ مرتدين بهذا والله أعلم. فكان اختلاف الشيخين في غرض مانعي الزكاة، وفي ما دعاهم إلى المنع جعل عمر السبب الأصلي بغيهم، ومنعهم الزكاة له، وجعله أبو بكر الردة، فالخلاف في تحقيق الواقعة والكشف عنها، ولو تحقق عند عمر ﵁ أنهم أنكروا الزكاة رأساً لكفرهم هو أيضاً، ولم يتردد أصلاً، ثم رأيت الإمام الحافظ جمال الدين الزيلعي رحمه الله تعالى صرح في "تخريج الهداية" من الجزية بمثله. وينبغي أن يراجع ما في "منهاج السنة" أيضاً وما في "الكنز" من قتاله ﵁ مع أهل الردة، ففيه أن عمر ﵁ جعلهم مرتدين، ولكن لم ير للمسلين قوة عليهم. وفي "الرياض" للمحب الطبري عن عمر ﵁ لما قبض رسول الله ﷺ وارتدت العرب، وقالوا: لا نؤدي زكاة، فقال أبو بكر ﵁: "لو منعوني عقالاً لجاهدتهمك عليه، فقلت: يا خليفة رسول الله ﷺ تألف الناس وارافق بهم. فقال: لي إجبار في الجاهلية، وخوار في الإسلام، أنه قد انقطع الوحي، وتم الدين، أو ينقص وأنا حي". أخرجه النسائي.
стр. 95
بهذا اللفظ اهـ ففيه عذر التأليف. تكلم ابن حزم أيضاً في "ملله" عليه وعدد النيسابوري في "تفسيره" فرقهم، وفي "عمدة القارئ" بعد ما ذكر رواية مرفوعة في قتل مانع الزكاة عن "الإكليل" عن حكيم ابن عباد بن حذيف أحد رواتها، (ما أرى أبا بكر إلا أنه لم يقاتلهم متأولاً إنما قاتلهم بالنص اهـ) . وقال: إلا بحق الإسلام من قتل النفس المحرمة، وترك الصلاة، ومنع الزكاة بتأويل باطل ونحو ذلك اهـ. وحرره أبو بكر الرازي في "أحكام القرآن" أيضاً، ورواية أخرى في "الكنز" أيضاً وذكرها في "الفتح" وعن عمر ﵁ نفسه ما في "الكنز" هذا والله أعلم بالصواب. والله ليوم وليلة لأبي بكر ﵁، خير من عمر عمر ﵁ ومن آل عمر ﵁ (فذكر ليلة الغار إلى أن قال) : وأما اليوم فذكر قتاله لمن ارتد. "الصلات والبشر في الصلاة على خير البشر" لصاحب "القاموس" من النسخة المكتوبة.
ومن إجماعيات الصحابة ﵃ -
ما عند الطحاوي في "معاني الآثار" وبعض طرقه الأخر في "فتح الباري" نم حد الخمر عن علي ﵁ قال: شرب نفر من أهل الشام الخمر،
стр. 96
وعليهم يؤمئذ يزيد بن أبي سفيان، وقالوا هي حلال، وتأولوا ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية. فكتب فيهم إلى عمر ﵁ فكتب عمر ﵁ أن ألعث بهم إلى قبلي أن يفسدوا من قبلك، فلما قدموا على عمر ﵁ استشار فيهم الناس، فقالوا: يا أمير المؤمنين! ترى أنهم قد كذبوا على الله، وشرعوا في دينهم ما لم يأذن به الله، فاضرب أعناقهم، وعلي ﵁ ساكت، فقال: ما تقول يا أبا الحسن فيهم؟ قال: ارى أن تستتيبهم، فإن تابوا ضربتهم ثمانين ثمانين لشربهم الخمر، وإن لم يتوبوا ضربت أعناقهم، قد كذبوا على الله وشرعوا في دينهم ما لم يأذن به الله، فاستتابهم فتابوا، فضربهم ثمانين ثمانين، "طحاوي" و"فتح الباري" و"كنز العمال",
قال في "الصارم المسلوم": حتى أجمع رأي عمر وأهل الشورى أن يستتاب هو وأصحابه، فإن أقروا بالتحريم جلدوا، وإن لم يقروا به كفروا.
مع أن هذه الآية كانت نزلت في من شربها، ولكن قبل التحريم، فكانت شبهتهم لهذا، ومع ذلك لم تعتبر، وقد ذكره في "تحرير الأصول" مى تقسيم الجهل، وذكره أبو بكر الرازي في "أحكام القرآن" محرراً.
وعن أنس: أن النبي ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء وعبد الله بن رواحة بين يديه:
стр. 97
خلوا بني الكفار عن سبيله ... قد أنزل الرحمان في تنزيله
بأن خير القتل في سبيله ... نحن قتلناكم على تأزيله
كما قتلناكم على تنزيله
أخرجه أبو يعلى من طريقه (أي من طريق عبد الرزاق) "فتح الباري".
قال: نحن ضربناكم على تأويله، أي حتى تدعنوا إلى ذلك التأويل ويجوز أن يكون التقدير: نحن ضربناكم على تأويل ما فهمنا منه، حتى تدخلوا فيما دخلنا فيه قال: وصحيح الرواية:
نحن ضربناكم على تأويله ... كما ضربناكم على تنزيله
يشير بكل منهما إلى ما مضى، قال: وقد صححه ابن حبان من الوجهين، قال: مع أن الوجه الأول على شرطهما إلخ. قبلت: فهذا في حكم النص والإجماع أنه يقاتل ويضرب على قبول تأويل القرآن، أي ما آل إليه أمره في المصداق عند السلف، كما يقاتل ويضرب على قبول تنزيله، وهذا المراد بالتأويل، هو عرف السلف، صرح به الحافظ ابن تيمية في تصانيفه، والخفاجي في "شرح الشفاء". وراجع "أحكام القرآن" للحصاص.
стр. 98
وهو عرف القرآن العزيز، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ وقول يوسف ﵇: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ﴾ لا يريدون بالتأويل الصرف عن الظاهر، والغرض أن من ترك تأزيل السلف وهو التفسير في عرف المتأخرين استحق ما يستحقه من ترك التنزيل بلا فرق. وفي "بدائع الحنفية": أنه ﷺ كان قال لعلي ﵁: إنك تقاتل على التأويل كما تقاتل على التنزيل، ولعله ﷺ أراد به قتال الخوارج، وقد بوب عليه في "مختصر الآثار" للطحاوي، فقال: باب قتال علي ﵁ أهل الأهواء، وذكر هذا الحديث، وقد أخرجه النسائي في خصائص علي ﵁، والحاكم في "المستدرك"، وقال: صحيح على
стр. 99
شرط الشيخين ولم يخرجاه. وأقره الذهبي في "تلخيصه" ولفظه عندهم: أن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، فاستشرف لها القوم، وفيهم أبو بكر وعمر ﵄. قال أبو بكر ﵁: أنا هو؟ قال لا، قال عمر ﵁: أنا هو؟ قال لا، ولكن خاصف النعل يعني علياً ﵁ الحديث. وهو يدل على المساوات في الحكم في إنكارهما، وأخرجه أحمد في "مسنده".
فتمثل به عمار في الصفين بنحو تمثل، أو زعم أنهم المرادون به، ثم تبين له أن ليس المراد به أهل صفين، كما تدل عليه أقواله فيهم في "منهاج السنة"، بل المراد الخوارج.
وفي "مختصر مشكل الآثار": ومما حقق الوعد ما كان من قتال علي ﵁ على الخوارج، وقتله إياهم، ووجودهم على الصفة التي وصفهم عليها النبي ﷺ ، وهذا من الخصائص التي اختص الخلفاء بها، فاختص أبو بكر ﵁ أهل الردة، وعمر ﵁ بقتال العجم، حتى فتح الله على يديه وأظهر به الدبن، وعلي بن أبي طالب ﵁ بقتال الخوارج المقاتلين على تأويل القرآن، وعثمان بن عفان بجمع القرآن على حرف واحد، فقامت به الحجة، وأبان به أن من خالف حرفاً منه كان كافراً، وأعاذنا به أن نكون كأهل الكتابين قبلنا الذين اختلفوا في كتابهم حتى تهيأ منهم تبديله فرضوان الله على خلفاء رسوله، جزاهم الله عنا أفضل
стр. 100
ما جتزى به أحداً من خلفاء أنبيائه على طاعنهم إياه، ونحمد الله على ما عرفنا به من أماكنهم، وفضائلهم، وخصائصهم، ولم يجعل في قلوبنا غلاً لأحد منهم، ولا لمن سواهم من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، إنه أرحم الراحمين. فقط.
قلت: لذي النورين ﵁ قتال كثير مع العجم وجهاد معهم، ثم بعده محو أسباب الاختلاف، فرضى بالشهادة، ولم يرض بالاختلاف.
ومما يدل على القتال في التأويل كما يقاتل على التنزيل وشهرته بين الصحابة ما في "الصارم المسلول" من الحديث الخامس عشر، ومما يدل على أنهم كانوا يرون قتل من علموا أنه من أولئك الخوارج وإن كان منفرداً حديث صبيغ بن عسل، وهو مشهور، قال أبو عثمان النهدي: سأل رجل من بني يربوع، أو من بني تميم، عمر بن الخطاب ﵁ عن الذاريات، والمرسلات، والنازعات، أو عن بعضهن؟ فقال عمر: ضع عن رأسك فإذا له وفرة، فقال عمر: أما والله لو رأيتك محلوقاً لضربت الذي فيه عيناك! قال: ثم كتب إلى أهل البصرة، أو قال: إلينا: أن لا تجالسوه، قال: فلو جاء ونحن ماءة نفر تفرقنا. رواه الأموي وغيره بإسناد صحيح، فهذا عمر يحلف بين المهاجرين والأنصار، أنه لو رأى العلامة التي وصف بها النبي ﷺ الخوارج لضرب عنقه، مع أنه هو الذي نهاه النبي ﷺ عن قتل ذي الخويصرة، فعلم أنه فهم من قول النبي ﷺ : أينما لقيتموهم فاقتلوهم، القتل مطلقاً، وإن العفو عن ذلك كان في حال الضعف والاستيلاف اهـ.
стр. 101
وقد أثبت أن القتل هناك للكفر لا للحرب، فراجعه فإنه لابد من ملاحظة هذا الشطر، مع ما ذكره في "منهاج السنة"، فلكل مقام مقال، وقد كثر في تصانيفه هذا الصنيع؛ فيتكلم في كتاب على المسألة شطراً من الكلام، وفي كتاب آخر على شطره الآخر. وقد ذكر في "المنهاج" أيضاً فصلاً في كفر الروافض، وختمه بقوله: فإذا كانوا يدعون أن أهل اليمامة مظلومون، قتلوا بغير حق، وكانوا منكرين لقتال أولئك متأولين لهم: كان هذا مما يحقق أن هؤلاء الخلف تبع لأزلئك السلف، وإن الصديق ﵁ وأتباعه يقاتلون المرتدين في كل زمان اهـ.
وفيه تصريح بأن من تأول لأهل اليمامة فهو كافر، وإن من لم يكفر كافراً مقطوعاً بكفره فهو كذلك، وذكر فيه: أن قتال الخوارج لم يكن كقتال البغاة، بل نوع آخر فوقه، وشيئاً في الروافض فيه.
وإذا كان قول رأس الخوارج أن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله كفراً مجمعاً عليه ينسحب هذا الحكم على ضئضئه وأذنابه، وقد أثبت الحافظ في "الفتح" أمره ﷺ بعد ذلك بقتل رأسهم القائل أن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، فاستووا كفراً وقتلاً. وموجب كفرهم وسببه كما في "الصارم".
стр. 102
وما كان ديدنهم هو وضع القرآن في غير موضعه: فعند "مسلم" قال: إنه سيخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون الكتاب لياً رطباً اهـ. لياً - بالياء - أشار القاضي إلى أنه رواية أكثر شيوخهم، يلوون ألسنتهم به - أي يحرفون معانيه وتأويله - ذكره النووي، وقال البخاري: وكان ابن عمر ﵁ يراهم شرار خلق الله، وقال: إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار، فجعلوها على الكؤمنين اهـ. وهو الوضع في غير موضعه، والتأويل في غير محله، وكانوا يقولون كلمة حق أريد بها باطل. وعند "مسلم": يقولون الحق بألسنتهم لا يجاوز هذا منهم، وأشار إلى حلقه اهـ. في "الكنز" عن حذيفة أن رسول الله ﷺ ذكر: أن في أمته قوماً يقرأون القرآن، ينثرونه نثر الدقل، يتأولونه على غير تأويله اهـ. ابن جرير وأبو يعلى كما في "الإتقاق" من النوع الثمانين. وابن كثير.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
فخرج من هذه الأحاديث بهذا الوجه وجه من كفرهم من أهل الحديث، كما مر عن "المسوى"، وقد نسبه السندي على "سنن النسائي" إليهم،
стр. 103
وهو قول فحل، وكذا نبسه في "فتح القدير" إليهم، وخرج عدم الفرق بين الجحود والتأويل في القطعيات، والله أعلم، وخرج أن الكفر قد يلزم من حيث لا يدري (مع ما يحقر أحدكم صلاته وصيامه مع صلاتهم وصيامهم، وأعماله مع ما أعمالهم، وليست قراءته إلى قراءتهم شيئاً، فخذ هذه الجمل النبوية أصلاً في مسألة التكفير، فهي كأحرف القرآن كلها، شاف كاف، وإنما اختلف العبارات في أهل الأهواء. إما لإختلاف حالاتهم غلواً وعدم غلو، وإما لإختلاف أصحابه التصانيف فمنهم من بلى بأهل الأهواء، واختبر حالهم، ورأى ضررهم على الدين، فشدد النكير عليهم بحيث لا تبقى ولا تذر. ومنهم من لم يبتل بهم، ولم يسبر غورهم، فهو يحذر عن التكفير مشياً على الأصل، وهو المراد بقولهم: لا يكفر أهل القبلة - أي الأصل فيهم ذلك لا بناءًَ على خصوص الحال - وقد احتطنا في هذه المقالة ما رأيناه احتياطاً، فإن له مقاماً، فقد يحتاط الرجل نظر الجانب، وهو خارج منه من جانب آخر، فيقع في عدم الاحتياط من حيث لا يدري، فإنما أعلنا ههنا ما ندين الله به، واحتطنا ما رأيناه حقه، والله على ما نقول وكيل، وله الحمد على كل حال، وقد قال رسول الله ﷺ كما رواه البيهقي في "المدخل" -: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين"، وهو كلام خرج من مشكاة النبوة، ومصابيح السنة، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وأما ما يتعلق من هذا الجنس بأصول العقائد المهمة، فيجب تكفير من غير الظاهر بغير برهان قاطع، كالذي ينكر حشر الأجساد، وينكر العقوبات الحسية في الآخرة، بظنون وأوهام، واستبعادات من غير برهان
стр. 104
قاطع، فيجب تكفيره قطعاً. "فيصل التفرقة" للإمام الغزالي.
وكل ما لم يحتمل التأويل في نفسه، وتواتر نقله، ولم يتصور أن يقوم برهان على خلافه فمخالفته تكذيب محض. "فيصل التفرقه".
ولابد من التنبيه على قاعدة أخرى، وهو ان المخالف قد يخالف نصاً متواتراً ويزعم أنه مأول، ولكن ذكر تأويلاً لا انقداح له أصلاً في اللسان، لا على بعد ولا على قرب، فذلك كفر، وصاحبه مكذب، وإن كان يزعم أنه مأول. "فيصل التفرقة".
قطرة من بحرة من كتاب "الصارم المسلوم على شاتم الرسول" للحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى، في أن الحاق نقص وشين لحضرة الأنبياء ﵈ كفر، بل كل الكفر، واستوعب في كتابه هذه السألة، وأوعب من الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، وأن النبي ﷺ له أن يعفو عن سابه، وله أن يقتل، وفي وقع كلاً الأمرين، وأما الأمة فيجب عليهم قتله، وفي الاستتابة وعدمها، وقبول التوبة وعدمه في أحكام الدنيا اختلاف".
وروى حرب في مسائله عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد قال: أتى عمر ﵁ برجل سب النبي ﷺ فقتله، ثم قان عمر ﵁: من سب الله تعالى أو سب أحداً من الأنبياء فاقتلوه. قال ليث: وحدثني مجاهد عن ابن عباس قال: أيما مسلم سب الله أو سب أحداً من الأنبياء فقد كذب رسول الله ﷺ ،
стр. 105
وهي ردة يستتاب. فإن رجع وإلا قتل، وأيما معاهد عائد فسب الله أو أحداً من الأنبياء أو جهر به. فقد نقض العهد، فاقتلوه.
قلت: وأخرجه باللفظ الأول في "الكنز" عن "أمالي أبي الحسن بن رملة الأصبهاني"، وقال: سنده صحيح.
وحمل اللفظ الثاني على من كذب بنبوة شخص من الأنبياء وسبه، بناءً على أنه ليس بني، ألا ترى إلى قوله: فقد كذب برسول الله إلخ. ولعل المراد: من سب أحداً من الأنبياء، بناء على أنه ليس نبينا المبعوث إلينا.
الدليل السادس: أقاويل الصحابة، فإنها نصوص في تعيين قتله، مثل قول عمر ﵁: من سب الله، أو سب أحداً من الأنبياء فاقتلوه، فأمر بقتله عيناً: ومثل قول ابن عباس ﵁: أيما معاهد عائد فسب الله، أو سب أحداً من الأنبياء، أو جهر به فقد نقض العهد، فاقتلوه، فأمر بقتل المعاهد إذا سب عيناً، ومثل قول أبي بكر الصديق ﵁ - فيما كتب به إلى المهاجر في المرأة التي سبت النبي ﷺ : لولا ما قد سبقتني فيها لأمرتك بقتلها، لأن حد الأنبياء لا يشبه الحدود، فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد ومعاهد فهو محارب غادر. - وهذا في "زاد المعاد" من أحكام فتح مكة ومن قضاياه ﷺ .
فعلم أن سب الرسل والطعن فيهم ينبوع جميع أنواع الكفر، وجماع
стр. 106
جميع الضلالات، وكل كفر منه، كما إن تصديق الرسل أصل جميع شعب الإيمان، وجماع مجموع أسباب الهدى.
قد يعمد الساب فينقل السب عن غيره ويتخذه دغلاً ودريةً لإظهاره وإشاعته، فيتم له هذا الغرض، وهو من كفر خفى يظهر من نفثات صدره وفلتات لسانه، ومن مرض مزمن في قلبه أفسد بطنه وباطنه، وورى ريته وجوفه.
ولهذا نظائر في الحديث إذا تتبعت، مثل الحديث المعروف عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: "إن أخاه أتى النبي ﷺ فقال: جيراني على ماذا أخذوا؟ فأعرض عنه النبي ﷺ ، فقال: إن الناس يزعمون أنك تنهى عن الغي وتستخلي به، فقال: لئن كنت أفعل ذلك إنه لعلي وما هو عليهم، خلوا له جيرانه". رواه "أبو داؤد" بإسناد صحيح. فهذا وإن كان قد حكى هذا القذف عن غيره فإنما قصد به انقاصه وإيذاءه بذلك، ولم يحكه على وجه الرد على من قاله، وهذا من أنواع السب.
قلت: وهذا لفظ "المسند"، وفي لفظ آخر له: "إنك تنهى عن الشر وتستخلي به" وكذلك في "كنز العمال" عن عب.
وقال أصحابنا: التعريض بسب الله وسب رسول الله ﷺ ردة، وهو موجب للقتل كالتصريح. "الصارم".
وقد قرره وحرره، ومثل للتعريض بأمثله، ونقل الاتفاق على
стр. 107
الإكفار، وقال أيضاً: وقد تقدم نص الإمام أحمد على أن من ذكر شيئاً يعرض بذكر الرب سبحانه فإنه يقتل، سواء كان مسلماً أو كافراً، وكذلك أصحابنا قالوا: من ذكر الله، أو كتابه، أو دينه، أو رسوله ﷺ بسوء فجعلوا الحكم فيه واحداً إلخ. وهو في التعريض، وذكر عبارة الإمام أحمد في مواضع. وإذا ثبت أن كل سب تصريحاً أو تعريضاً موجب للقتل إلخ.
وقال في "فتح الباري": فإن عرض فقال الخطابي: لا أعلم خلافاً في وجوب قتله إذا كان مسلماً اهـ.
وقال ابن عتاب: نص الكتاب والسنة موجبان أن من قصد النبي ﷺ بأذى أو نقص معرضاً أو مصرحاً وإن قل فقتله واجب. "شفاء".
وإن اتهم هذا الحاكي فيما حكاه بأنه اختلقه، ونسبه إلى غيره، أو كانت تلك عادة له، بأن يكثر من ذكره ويزعم أنه حاك له، أو ظهر حال نقله استحسانه لذلك، وإنه لا محذور فيه، أو كان مولعاً بمثله والاستخفاف له، أي عده هنياً عنده لا محذور فيه، أو التحفظ، اي حفظه كثيراً. لمثله أو طلبه، ورواية أشعار هجوه ﷺ وسبه فحكم هذا الحاكي حكم الساب نفسه، يؤاخذ بقوله، ولا تنفعه نسبته، فيبادر بقتله،
стр. 108
ويعجل إلى الهاوية أمه. "شفاء مع شرح الخفاجي" ملتقطاً.
فصل: الوجه السادس أن يقول القائل ذلك حاكياً عن غيره، وآثراً عن من سواه، فهذا ينظر في صورة حكايته وقرينة مقالته، ويختلف الحكم باختلاف ذلك. "شفاء".
وقد ذكر بعض من ألف في الإجماع إجماع المسلمين على تحريم رواية ما هجى به النبي ﷺ ، وكتابته وقراءته، وتركه متى وجد دون محر. "شفاء".
وقد قال أبو عبيد القاسم بن سلام: من حفظ شطر بيت مما هجى به النبي ﷺ فهو كفر. "شفاء". وذكر أنه كنى في كتبه عن اسم المهجو بوزن اسمه.
قلت: وهذا الملحد إذا أتى على ذكر عيسى ﵇ استشاط. غيظاً، ولم يملك نفسه، فيسترسل في مثاليه بالهمز واللمز، ويبسطه كل البسط. وبلفته كل اللفت، ثم يتستر بكلمة خفية، ربما لا ترى، فيقول على قول النصارى مثلاً، وفي أثناء كلامه قوله: والحق أن عيسى لم يصدر منه معجزة، وإنما كان عنده عمل السيميا، ويقول عارضه سوء قسمته، إذ كان هناك حوض يستسقى منه الناس، يعني فهذا يقدح في معجزاته، فجعله بقوله والحق تحقيقاً عنده، ومع هذا يقول أتباعه أنه على طريق الإلزام، والعلماء لما سلكوا هذا الطريق جعلوا الدعوى أن كتبهم محرفة، إذ يوجد فيها ما يخالف عصمة الأنبياء، وهذا الملحد جعل الدعوى خيبة عيسى، وعدم نجحه - والعياذ بالله - وجعل يشيعه ويبذل مهجته فيه، و
стр. 109
سرى ذلك في أتباعه الملاعنين، فهم يصنفون في هجاء عيسى ﵇ ويشيعونه في أهل الإسلام، دع النصارى، وغرضهم بذلك أن لا يبقى للناس اشتياق إلى عيسى بن مريم ﵇، فيسلموا ذلك الشقي الهاذي المهذار، خذله الله تعالى. وقد ذكر العلماء أن التهور في عرض الأنبياء وإن لم يقصد السب كفر، وليس من شأن المؤمن، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
ومما قلت فيه
ألا يا عباد الله قوموا وقوموا ... خطوباً ألمت ما لهن يدان
وقد كان ينقض الهدى ومناره ... وزحزح خير ما لذاك تدان
يسب رسول من أولى العزم فيكم.... تكاد السماء والأرض تنفطران
وطهره من أهل كفر وليه ... وأبقى لنار بعض كفر أماني
وحارب قوم ربهم ونبيه ... فقوموا لنصر الله إذ هو دان
وقد عيل صبري في انتهاك حدوده ... فهل ثم داع أو مجيب أذاني
وإذ عز جئت مستنصراً بكم ... فهل ثم غوث يالقوم يداني
لعمري لقد نبهت من كان نائماً ... وأسمعت من كانت له أذنان
стр. 110
وناديت قوماً في فريضة ربهم ... فهل من نصير لي من أهل زمان
دعوا كل أمرٍِ واستقيموا لما دهى ... وقد عاد فرض العين عند عيان
فشائي شأن الأنبياء مكفر ... ومن شك قل هذا لأول ثان
وليس مداراً فيه تبديل ملة ... وتحبط أعمال البذى مجاني
أفي ذكره عيسى يطيش لسانه ... ولا يبصر المرمى من الخيمان
وأكفر منه من تنبأ كاذباً ... وكان انتهت ما أمكنت بمكان
ومن ذب عنه أو تأول قوله ... بكفر قطعاً ليس فيه توان
كأني بكم قد قلتموا لم كفره؟ ... فهاكم نقولاً جليت لمعان
فما قولكم فيمن حبا مثل ذلكم ... مسيلمة الكذاب أهل هوان
فقال له التأويل أو قال لم يكن ... نبياً هو المهدي ليس بجان
وهل ثم فرق يستطيع مكابر ... وحيث ادعى فليأتنا ببيان
زكان على إحداثه وجه كفره ... تنبأه مشهور كل أوان
كذا في أحاديث النبي وبعده ... تواتر فيما دانه الثقلان
فإن لم يكن أو قد وجوه لكفره ... فأسيرها دعواه تلك كماني
وأول إجماع تحقق عندنا ... لفيه بإكفر وسبى عواني
وكان مقراً بالنبوة معلناً ... لخير الورى في قوله وأذان
وما قولكم في العيسوية أولوا ... رسولاً لأميين خير كيان
وهل ثم ما لا فيه تأويل ملحد ... ومن حجر التأويل رمى لسان
وهل في ضروريات دين تأول ... بتحريفها إلا ككفر علان
ومن لم يكفر منكريها فإنه.... له الإنكار يستويان
وما الدين إلا بيعة معنوية ... وما هو كالأنساب في السريان
следующие страницы →