← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21796

أصول في التفسير

ابن عثيمين

Полный текст (59 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدمة الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ ﷺ ، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً، أما بعد: فإن من المهم في كل فن أن يتعلم المرء من أصوله ما يكون عونا له على فهمه وتخريجه على تلك الأصول، ليكون علمه مبنياً على أسس قوية ودعائم راسخة ً، وقد قيل: من حٌرِم الأصول حرم الوصول. ومن أجل فنون العلم، بل هو أجلها وأشرفها، علم التفسير الذي هو تبيين معاني كلام الله وقد وضع أهل العلم له أصولاً، كما وضعوا لعلم الحديث أصولاً، ولعلم الفقه أصولاً. وقد كنت كتبت من هذا العلم ما تيسر لطلاب المعاهد العلمية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، فطلب مني بعض الناس أن أفردها في رسالة، ليكون ذلك أيسر وأجمع فأجبته إلى ذلك. وأسأل الله تعالى أن ينفع بها. ويتلخص ذلك فيما يأتي: * القرآن الكريم: ١- متى نزل القرآن على النبي ﷺ ، ومن نزل به عليه من الملائكة؟ ٢- أول ما نزل من القرآن.

стр. 2

٣- نزول القرآن على نوعين: سببي وابتدائي. ٤- القرآن مكي ومدني، وبيان الحكمة من نزوله مفرقاً. وترتيب القرآن. ٥- كتابة القرآن وحفظه في عهد النبي ﷺ . ٦-جمع القرآن في عهد أبي بكر وعثمان ﵄. التفسير: ١-معنى التفسير لغة واصطلاحاً، وبيان حكمه، والغرض منه. ٢- الواجب على المسلم في تفسير القرآن. ٣- المرجع في التفسير إلى ما يأتي: أ-كلام الله تعالى بحيث يفسر القرآن بالقرآن. ب- سنة الرسول ﷺ ؛ لأنه مبلّغ عن الله تعالى، وهو أعلم الناس بمراد الله تعالى في كتاب الله. ج. كلام الصحابة ﵃ لا سيما ذوو العلم منهم والعناية بالتفسير، لأن القرآن نزل بلغتهم وفي عصرهم. د. كلام كبار التابعين الذين اعتنوا بأخذ التفسير عن الصحابة ﵃. هـ. ما تقتضيه الكلمات من المعاني الشرعية أو اللغوية حسب السياق، فإن اختلف الشرعي واللغوي، أخذ بالمعنى الشرعي إلا بدليل يرجح اللغوي. ٤- أنواع الاختلاف الوارد في التفسير المأثور. ٥- ترجمة القرآن: تعريفها - أنواعها - حكم كل نوع. *- خمس تراجم مختصرة للمشهورين بالتفسير ثلاث للصحابة واثنتان للتابعين. * أقسام القرآن من حيث الإحكام والتشابه.

стр. 3

موقف الراسخين في العلم، والزائغين من المتشابه. التشابه: حقيقي ونسبي. الحكمة في تنوع القرآن إلى محكم ومتشابه. *- موهم التعارض من القرآن والجواب عنه وأمثلة من ذلك. الْقَسَم: تعريفه - أداته- فائدته * القصص: تعريفها - الغرض منها - الحكمة من تكرارها واختلافها في الطول والقصر والأسلوب. * الإسرائيليات التي أقحمت في التفسير وموقف العلماء منها. * الضمير: تعريفه - مرجعه - الإظهار في موضع الإضمار وفائدته - الالتفات وفائدته - ضمير الفصل وفائدته.

стр. 4

القرآن الكريم القرآن في اللغة: مصدر قرأ بمعني تلا، أو بمعني جمع، تقول قرأ قرءاً وقرآناً، كما تقول: غفر غَفْراً وغٌفرانا ً، فعلى المعني الأول (تلا) يكون مصدراً بمعني اسم المفعول؛ أي بمعني متلوّ، وعلى المعني الثاني: (جَمَعَ) يكون مصدراً بمعني اسم الفاعل؛ أي بمعني جامع لجمعه الأخبار والأحكام (١) . والقرآن في الشرع: كلام الله تعالى المنزل على رسوله وخاتم أنبيائه محمد ﷺ ، المبدوء بسورة الفاتحة، المختوم بسورة الناس. قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً) (الانسان: ٢٣) وقال: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف: ٢) . وقد حمى الله تعالى هذا القرآن العظيم من التغيير والزيادة والنقص والتبديل، حيث تكفل بحفظه فقال: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩) ولذلك مضت القرون الكثيرة ولم يحاول أحد من أعدائه أن يغير فيه، أو يزيد، أو ينقص، أو يبدل، إلا هتك الله ستره، وفضح أمره. وقد وصفه الله تعالى بأوصاف كثيرة، تدل على عظمته وبركته وتأثيره وشموله، وأنه حاكم على ما قبله من الكتب. قال الله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) (الحجر: ٨٧) . ... (وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) (ق: الآية ١) . وقال تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص: ٢٩) (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الأنعام: ١٥٥)

стр. 5

(إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) (الواقعة: ٧٧) (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) (الإسراء: الآية ٩) . وقال تعالى: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (الحشر: ٢١) (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُون (١٢٥) (التوبة: ١٢٤-١٢٥) (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) (الأنعام: الآية ١٩) (فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً) (الفرقان: ٥٢) . وقال تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل: الآية ٨٩) (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) (المائدة: الآية ٤٨) . والقرآن الكريم مصدر الشريعة الإسلامية التي بعث بها محمد ﷺ إلى كافة الناس، قال الله تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً) (الفرقان: ١) (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيد (٢ٍ) (ابراهيم: ١-٢) . وسنة النبي ﷺ مصدر تشريع أيضاً كما قرره القرآن، قال الله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً) (النساء: ٨٠) (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (الأحزاب: الآية ٣٦) (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر: الآية ٧) (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ

стр. 6

وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌرَحِيمٌ) (آل عمران: ٣١) ١- نزول القرآن نزل القرآن أول ما نزل على الرسول ﷺ في ليلة القدر في رمضان، قال الله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) (القدر: ١) (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) (الدخان: ٣-٤) . (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة: الآية ١٨٥) . وكان عمر النبي ﷺ أول ما نزل عليه أربعين سنة على المشهور عند أهل العلم، وقد روي عن ابن عباس ﵄ وعطاء وسعيد بن المسيِّب وغيرهم. وهذه السِّن هي التي يكون بها بلوغ الرشد وكمال العقل وتمام الإدراك. والذي نزل بالقرآن من عند الله تعالى إلى النبي ﷺ ، جبريل أحد الملائكة المقربين الكرام، قال الله تعالى عن القرآن: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) (الشعراء: ١٩٢- ١٩٥) . وقد كان لجبريل ﵇ من الصفات الحميدة العظيمة، من الكرم والقوة والقرب من الله تعالى والمكانة والاحترام بين الملائكة والأمانة والحسن والطهارة؛ ما جعله أهلاً لأن يكون رسول الله تعالى بوحيه إلى رسله قال الله تعالى: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ " (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِين (٢١ٍ) (التكوير: ١٩- ٢١) . وقال: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) (لنجم: ٥-٧) . وقال: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرَى

стр. 7

لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل: ١٠٢) وقد بين الله تعالى لنا أوصاف جبريل الذي نزل بالقرآن من عنده وتدل على عظم القرآن وعنايته تعالى فإنه لا يرسل من كان عظيما إلا بالأمور العظيمة. ٢- أول ما نزل من القرآن أول ما نزل من القرآن على وجه الإطلاق قطعا ً الآيات الخمس الأولي من سورة العلق، وهي قوله تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥) (العلق: ١- ٥) . ثم فتر الوحي مدة، ثم نزلت الآيات الخمس الأولى من سورة المدثر، وهي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) (المدثر: ١-٥) . ففي ((الصحيحين)) : صحيح البخاري ومسلم (١) . عن عائشة ﵂ في بدء الوحي قالت: حتى جاءه الحق ٌّ، وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال اقرأ، فقال النبي ﷺ ما أنا بقارئ (يعني لست أعرف القراءة) فذكر الحديث، وفيه ثم قال: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق (١)) إلى قوله: (عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)) (العلق: ١- ٥) . وفيهما (٢) عن جابر ﵁، أن النبي ﷺ قال وهو يحدث عن فترة الوحي: (بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء....) فذكر الحديث، وفيه، فأنزل الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) إلى (وَالرُّجْزَ فَاهْجُر (٥) (المدثر: ١-٥) . وثمت آيات يقال فيها: أول ما نزل، والمراد أول ما نزل باعتبار شيء معين، فتكون أولية مقيدة مثل: حديث جابر ﵁ في ((الصحيحين)) (٣) . إن أبا سلمة بن عبد الرحمن سأله:

стр. 8

أي القرآن أنزل أول؟ قال جابر: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) (المدثر: ١) قال أبو سلمة: أنبئت أنه (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (العلق: ١) فقال جابر: لا أخبرك إلا بما قال رسول الله ﷺ : قال رسول الله ﷺ : (جاورت في حراء فلما قضيت جواري هبطت ... ) فذكر الحديث وفيه: (فأتيت خديجة فقلت: دثروني، وصبوا علي ماء بارداً، وأنزل علي: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) (المدثر: ١) إلى قوله: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) (المدثر: ١-٥)) . فهذه الأولية التي ذكرها جابر ﵁ باعتبار أول ما نزل بعد فترة الوحي، أو أول ما نزل في شأن الرسالة؛ لأن ما نزل من سورة اقرأ ثبتت به نبوة النبي ﷺ ، وما نزل من سورة المدثر ثبتت به الرسالة في قوله (قُمْ فَأَنْذِرْ) (المدثر: ٢) ولهذا قال أهل العلم: إن النبي ﷺ نبئ ب (اقْرَأْ) (العلق: ١) وأرسل ب الْمُدَّثِّرُ) (المدثر: ١) ٣- نزول القرآن ابتدائي وسببي ينقسم نزول القران إلى قسمين: الأول: ابتدائي: وهو ما لم يتقدم نزوله سبب يقتضيه، وهو غالب آيات القران، ومنه قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ) (التوبة: ٧٥) الآيات فإنها نزلت ابتداء في بيان حال بعض المنافقين، وأما ما اشتهر من أنها نزلت في ثعلبة ابن حاطب في قصة طويلة، ذكرها كثير من المفسرين، وروجها كثير من الوعاظ، فضعيف لا صحة له. (١) . القسم الثاني: سببي: وهو ما تقدم نزوله سبب يقتضيه. والسبب:

стр. 9

أ - ... إما سؤال يجيب الله عنه مثل (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) (البقرة: الآية ١٨٩) . ب - أو حادثة وقعت تحتاج إلى بيان وتحذير مثل: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ) (التوبة: الآية ٦٥) الآيتين نزلتا في رجل من المنافقين قال في غزوة تبوك في مجلس: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء، يعني رسول الله ﷺ وأصحابه، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ونزل القرآن فجاء الرجل يعتذر النبي ﷺ فيجيبه (أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) (التوبة: الآية ٦٥) (١) . ج- أو فعل واقع يحتاج إلى معرفة حكمه مثل: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (المجادلة: ١) فوائد معرفة أسباب النزول: معرفة أسباب النزول مهمة جدا، لأنها تؤدي إلى فوائد كثيرة منها: ١- بيان أن القران نزل من الله تعالى، وذلك لأن النبي ﷺ يسأل عن الشيء، فيتوقف عن الجواب أحيانا، حتى ينزل عليه الوحي، أو يخفى الأمر الواقع، فينزل الوحي مبينا له. مثال الأول: قوله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً) (الإسراء: ٨٥) . ففي صحيح البخاري " (٢) عن عبد الله ابن مسعود ﵁: أن رجلا من اليهود قال: يا أبا القاسم ما الروح؟ فسكت، وفي لفظ: فأمسك

стр. 10

النبي ﷺ ، فلم يرد عليهم شيئا، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحي قال (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) (الإسراء: ٨٥) الآية مثال الثاني قوله تعالى (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلّ) (المنافقون: الآية ٨) وفي صحيح البخاري (١) أن زيد ابن أرقم ﵁ سمع عبد الله ابن أبى رأس المنافقين يقول ذلك، يريد أنه الأعز ورسول الله ﷺ وأصحابه الأذل، فأخبر زيد عمه بذلك، فأخبر به النبي ﷺ ، فدعا النبي ﷺ زيدا فأخبره بما سمع ثم أرسل إلى عبد الله ابن أبي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فصدقهم رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تصديق زيد في هذه الآية؛ فاستبان الأمر لرسول الله ﷺ . ٢- بيان عناية الله تعالى برسوله ﷺ في الدفاع عنه مثال ذلك قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً) (الفرقان: ٣٢) وكذلك آيات الإفك؛ فإنها دفاع عن فراش النبي ﷺ وتطهير له عمّا دنسه به الأفاكون. ٣- بيان عناية الله تعالى بعباده في تفريج كرباتهم وإزالة غمومهم. مثال ذلك آية التيمم، ففي " صحيح البخاري " (٢) أنه ضاع عقد لعائشة ﵂، وهي مع النبي ﷺ في بعض أسفاره فأقام النبي ﷺ لطلبه، وأقام الناس على غير ماء، فشكوا ذلك إلى أبي بكر، فذكر الحديث وفيه: فأنزل الله أية التيمم فتيمموا فقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. والحديث في البخاري مطولاً.

стр. 11

٤- فهم الآية على الوجه الصحيح. مثال ذلك قوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) (البقرة: الآية ١٥٨) أي يسعى بينهما، فإن ظاهر قوله: (فَلا جُنَاحَ عَلَيْه) ِ (البقرة: الآية ١٥٨) أن غاية أمر السعي بينهما، أن يكون من قسم المباح، وفي صحيح البخاري " (١) عن عاصم بن سليمان قال: سألت أنس بن مالك ﵁ عن الصفا والمروة، قال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما كان الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ (البقرة: الآية ١٥٨) إلى قوله: (أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) (البقرة: الآية ١٥٨) وبهذا عرف أن نفي الجناح ليس المراد به بيان أصل حكم السعي، وإنما المراد نفي تحرجهم بإمساكهم عنه، حيث كانوا يرون أنهما من أمر الجاهلية، أما أصل حكم السعي فقد تبين بقوله: (مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) (البقرة: الآية ١٥٨) عموم اللفظ وخصوص السبب: إذا نزلت الآية لسبب خاص، ولفظها عام كان حكمها شاملا لسببها، ولكل ما يتناوله لفظها، لأن القران نزل تشريعا عاما لجميع الأمة فكانت العبرة بعموم لفظه لا بخصوص سببه. مثال ذلك: آيات اللعان، وهي قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ) إلى قوله (إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (النور: ٦- الآية ٩) ففي صحيح البخاري " (٢) من حديث ابن عباس ﵄: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء فقال النبي ﷺ : البينة أو حد في ظهرك، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق فلينزلن الله ما يبرء ظهري من الحد، فنزل جبريل،

стр. 12

وأنزل عليه: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ) (النور: الآية٦) فقرأ حتى بلغ (إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (النور: الآية٩) فهذه الآيات نزلت بسبب قذف هلال بن أمية لامرأته، لكن حكمها شامل له ولغيره، بدليل ما رواه البخاري من حديث سهل بن سعد ﵁، أن عويمر العجلاني جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، رجل وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع؟ فقال النبي ﷺ : قد أنزل الله القرآن فيك وفي صاحبتك. فأمرهما رسول الله ﷺ بالملاعنه بما سمى الله في كتابه، فلاعنها. الحديث (١) . فجعل البني ﷺ حكم هذه الآيات شاملا لهلال بن أمية وغيره. المكي والمدني نزل القران على النبي ﷺ مفرقا في خلال ثلاث وعشرين سنة، قضي رسول الله ﷺ أكثرها بمكة، قال الله تعالى (وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً) (الإسراء: ١٠٦) ولذلك قسم العلماء رحمهم الله تعالى القرآن إلى قسمين: مكي ومدني: فالمكي: ما نزل على النبي ﷺ قبل هجرته إلى المدينة. والمدني: ما نزل على النبي ﷺ بعد هجرته إلى المدينة. وعلى هذا فقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً) (المائدة: الآية ٣) من القسم المدني وإن كانت قد نزلت على النبي ﷺ في حجة الوداع بعرفة، ففي صحيح البخاري (٢) عن عمر ﵁ أنه قال: قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ ، نزلت وهو قائم بعرفة يوم جمعة.

стр. 13

ويتميز القسم المكي عن المدني من حيث الأسلوب والموضوع: أ- أما من حيث الأسلوب فهو: ١- الغالب في المكي قوة الأسلوب، وشدة الخطاب، لأن غالب المخاطبين معرضون مستكبرون، ولا يليق بهم إلا ذلك، أقرأ سورتي المدثر، والقمر. أما المدني: فالغالب في أسلوبه البين، وسهولة الخطاب، لأن غالب المخاطبين مقبلون منقادون، أقرا سورة المائدة. ٢- الغالب في المكي قصر الآيات، وقوة المحاجة، لأن غالب المخاطبين معاندون مشاقون، فخوطبوا بما تقتضيه حالهم، أقرا سورة الطور. أما المدني: فالغالب فيه طول الآيات، وذكر الأحكام، مرسلة بدون محاجة، لأن حالهم تقتضي ذلك، أقرأ آية الدين في سورة البقرة. ب- وأما من حيث الموضوع فهو: ١- الغالب في المكي تقرير التوحيد والعقيدة السليمة، خصوصا ما يتعلق بتوحيد الألوهية والإيمان بالبعث، لأن غالب المخاطبين ينكرون ذلك. أما المدني: فالغالب فيه تفصيل العبادات والمعاملات، لأن المخاطبين قد تقرر في نفوسهم التوحيد والعقيدة السليمة، فهم في حاجة لتفصيل العبادات والمعاملات. ٢- الإفاضة في ذكر الجهاد وأحكامه والمنافقين وأحوالهم في القسم المدني لاقتضاء الحال، ذلك حيث شرع الجهاد، وظهر النفاق بخلاف القسم المكي. فوائد معرفة المدني والمكي: معرفة المكي والمدني نوع من أنواع علوم القرآن المهمة، وذلك لأن فيها فوائد

стр. 14

منها: ١- ظهور بلاغة القران في أعلى مراتبها، حيث يخاطب كل قوم بما تقتضيه حالهم من قوة وشدة، أو لين وسهولة. ٢- ظهور حكمة التشريع في أسمى غاياته حيث يتدرج شيئا فشيئا بحسب الأهم على ما تقتضيه حال المخاطبين واستعدادهم للقبول والتنفيذ. ٣- تربية الدعاة إلى الله تعالى، وتوجيههم إلى أن يتبعوا ما سلكه القران في الأسلوب والموضوع، من حيث المخاطبين، بحيث يبدأ بالأهم فالأهم، وتستعمل الشدة في موضعها والسهولة في موضعها. ٤- تمييز الناسخ من المنسوخ فيما لو وردت آيتان مكية ومدنية، يتحقق فيهما شروط النسخ، فإن المدنية ناسخة للمكية، لتأخر المدنية عنها. الحكمة من نزول القرآن الكريم من تقسيم القرآن إلى مكي ومدني، يتبين أنه نزل على النبي ﷺ مفرقا. ولنزوله على هذا الوجه حكم كثيرة منها: ١- تثبيت قلب النبي ﷺ ، لقوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً (يعني كذلك نزلناه مفرقاً) كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً (٣٢) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ (ليصدوا الناس عن سبيل الله) إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (٣٣) (الفرقان: ٣٢-٣٣) ٢- أن يسهل على الناس حفظه وفهمه والعمل به، حيث يقرأ عليهم شيئا فشيئا، لقوله تعالى: (وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً) (الإسراء: ١٠٦)

стр. 15

٣- تنشيط الهمم لقبول ما نزل من القران وتنفيذه، حيث يتشوق الناس بلهف وشوق إلى نزول الآية، لا سيما عند اشتداد الحاجة إليها كما في آيات الإفك واللعان. ٤- التدرج في التشريع حتى يصل إلى درجة الكمال، كما في آيات الخمر الذي نشأ الناس عليه وألفوه، وكان من الصعب عليهم أن يجابهوا بالمنع منه منعا باتا، فنزل في شأنه أولا قوله تعالى: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) (البقرة: الآية ٢١٩) فكان في هذه الآية تهيئة للنفوس لقبول تحريمه حيث إن العقل يقتضي أن لا يمارس شيئا إثمه أكبر من نفعه. ثم نزل ثانيا قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) (النساء: الآية ٤٣) فكان في هذه الآية تمرين على تركه في بعض الأوقات وهي أوقات الصلوات، ثم نزل ثالثا قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائدة: ٩٠) (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) (المائدة: ٩١) (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) (المائدة: ٩٢) فكان في هذه الآيات المنع من الخمر منها باتا في جميع الأوقات، بعد أن هيئت النفوس، ثم مرنت على المنع منه في بعض الأوقات. ترتيب القران: ترتيب القرآن: تلاوته تاليا بعضه بعضا حسبما هو مكتوب في المصاحف ومحفوظ في الصدور.

стр. 16

وهو ثلاثة أنواع: النوع الأول: ترتيب الكلمات بحيث تكون كل كلمة في موضعها من الآية، وهذا ثابت بالنص والإجماع، ولا نعلم مخالفا في وجوبه وتحريم مخالفته، فلا يجوز أن يقرأ: لله الحمد رب العالمين بدلا من (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الفاتحة: ٢) النوع الثاني: ترتيب الآيات بحيث تكون كل آية في موضعها من السورة، وهذا ثابت بالنص والإجماع، وهو واجب على القول الراجح، وتحرم مخالفته ولا يجوز أن يقرأ: مالك يوم الدين الرحمن الرحيم بدلا من: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (الفاتحة: ٣) (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) (الفاتحة: ٤) ففي صحيح البخاري (١) أن عبد الله بن الزبير قال لعثمان بن عفان ﵃ في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) (البقرة: الآية ٢٤٠) قد نسخها الآية الأخرى يعني قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) (البقرة: الآية ٢٣٤) وهذه قبلها في التلاوة قال: فلم تكتبها؟ فقال عثمان ﵁: يا ابن أخي لا أغير شيئا منه من مكانه. وروي الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي ٠من حديث عثمان ﵁: أن النبي ﷺ كان ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء، دعا بعض من كان يكتب، فيقول، ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا (٢) النوع الثالث: ترتيب السور بحيث تكون كل سورة في موضعها من المصحف، وهذا ثابت بالاجتهاد فلا يكون واجبا وفي " صحيح مسلم " (٣) عن حذيفة بن اليمان ﵁: أنه

стр. 17

صلّى مع النبي ﷺ ذات ليلة، فقرأ النبي ﷺ البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، وروى البخاري (١) تعليقا عن الأحنف: أنه قرأ في الأولى بالكهف، وفي الثانية بيوسف أو يونس، وذكر أن صلى مع عمر بن الخطاب الصبح بهما. قال شيخ الإسلام ابن تيميه: " تجور قراءة هذه قبل هذه، وكذا في الكتابة. ولهذا تنوعت مصاحف الصحابة ﵃ في كتابتها، لكن لما اتفقوا على المصحف في زمن عثمان ﵁، صار هذا مما سنة الخلفاء الراشدون، وقد دل الحديث على أن لهم سنة يجب أتباعها " أهـ. كتابة القرآن وجمعه لكتابة القرآن وجمعه ثلاث مراحل: المرحلة الأولى: في عهد النبي ﷺ ، وكان الاعتماد في هذه المرحلة على الحفظ أكثر من الاعتماد على الكتابة، لقوة الذاكرة وسرعة الحفظ وقلة الكاتبين ووسائل الكتابة، ولذلك لم يجمع في مصحف بل كان من سمع آية حفظها، أو كتبها فيما تيسر له من عسب النخل، ورقاع الجلود، ولخاف الحجارة، وكسر الأكتاف وكان القراء عددا كبيرا. ففي " صحيح البخاري " (٢) عن أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ بعث سبعين رجلا يقال لهم: القراء، فعرض لهم حيان من بني سليم رعل وذكوان عند بئر

стр. 18

معونة فقتلوهم، وفي الصحابة غيرهم كثير كالخلفاء الأربعة، وعبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبي الدرداء ﵃. المرحلة الثانية: في عهد أبي بكر ﵁ في السنة الثانية عشرة من الهجرة. وسببه أنه قتل في وقعة اليمامة عدد كبير من القراء منهم، سالم مولى أبي حذيفة، أحد من أمر النبي ﷺ بأخذ القرآن منهم. فأمر أبو بكر ﵁ بجمعه لئلا يضيع، ففي صحيح البخاري" (١) أن عمر بن الخطاب أشار على أبي بكر ﵄ بجمع القرآن بعد وقعة اليمامة، فتوقف تورعا، فلم يزل عمر يراجعه حتى شرح الله صدر أبي بكر لذلك، فأرسل إلى زيد بن ثابت فأتاه، وعنده عمر فقال له أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه، قال: فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر ﵄. رواه البخاري مطولا. وقد وافق المسلمون أبا بكر على ذلك وعدوه من حسناته، حتى قال على ﵁: أعظم الناس في المصاحف أجرا أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر هو أول من جمع كتاب الله. المرحلة الثالثة: في عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ في السنة الخامسة والعشرين، وسببه اختلاف الناس في القراءة بحسب اختلاف الصحف التي في أيدي

стр. 19

الصحابة ﵃ فخيفت الفتنة، فأمر عثمان ﵁ أن تجمع هذه الصحف في مصحف واحد؛ لئلا يختلف الناس، فيتنازعوا في كتاب الله تعالى ويتفرقوا. ففي " صحيح البخاري " (١) أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان من فتح أرمينية وأذربيجان، وقد أفزعه اختلافهم في القراءة، فقال: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، ففعلت، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف. وكان زيد بن ثابت أنصاريا والثلاثة قرشيين - وقال عثمان للرهط الثلاثة القرشيين: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش؛ فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. وقد فعل عثمان ﵁ هذا بعد أن استشار الصحابة ﵃، لما روي أبن أبي داود (٢) عن على ﵁ أنه قال: والله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملاء منا، قال: أرى أن نجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة ولا اختلاف، قلنا، فنعم ما رأيت. وقال مصعب بن سعد (٣) : أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف فأعجبهم ذلك، أو قال: لم ينكر ذلك منهم أحد، وهو من حسنان أمير المؤمنين عثمان ﵁ التي وافقه المسلمون عليها، وكانت مكملة لجمع خليفة رسول الله ﷺ أبي بكر ﵁. والفرق بين جمعه وجمع أبي بكر ﵄ أن الغرض من جمعه في عهد أبي بكر الله عنه تقييد القرآن كله مجموعا في

стр. 20

مصحف، حتى لا يضيع منه شئ دون أن يحمل الناس على الاجتماع على مصحف واحد؛ وذلك أنه لم يظهر أثر لاختلاف قراءاتهم يدعو إلى حملهم على الاجتماع على مصحف واحد. وأما الغرض من جمعه في عهد عثمان ﵁ فهو تقييد القرآن كله مجموعا في مصحف واحد، يحمل الناس على الاجتماع عليه لظهور الأثر المخيف باختلاف القراءات. وقد ظهرت نتائج هذا الجمع حيث حصلت به المصلحة العظمى للمسلمين من اجتماع الأمة، واتفاق الكلمة، وحلول الألفة، واندفعت به مفسدة كبرى من تفرق الأمة، واختلاف الكلمة، وفشو البغضاء، والعداوة. وقد بقي على ما كان عليه حتى الآن متفقا عليه بين المسلمين متواترا بينهم، يتلقاه الصغير عن الكبير، لم تعبث به أيدي المفسدين، ولم تطمسه أهواء الزائغين. فلله الحمد لله رب السماوات ورب الأرض رب العالمين.

стр. 21

التفسير التفسير لغة: من الفسر، وهو: الكشف عن المغطى. وفي الاصطلاح. بيان معاني القرآن الكريم. وتعلم التفسير واجب لقوله تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص: ٢٩) ولقوله تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد: ٢٤) وجه الدلالة من الآية الأولى أن الله تعالى بين أن الحكمة من إنزال هذا القرآن المبارك؛ أن يتدبر الناس آياته، ويتعظوا بما فيها. والتدبر هو التأمل في الألفاظ للوصول إلى معانيها، فإذا لم يكن ذلك، فاتت الحكمة من إنزال القرآن، وصار مجرد ألفاظ لا تأثير لها. ولأنه لا يمكن الاتعاظ بما في القرآن بدون فهم معانيه. ووجه الدلالة من الآية الثانية أن الله تعالى وبخ أولئك الذين لا يتدبرون القرآن، وأشار إلى أن ذلك من الإقفال على قلوبهم، وعدم وصول الخير إليها. وكان سلف الأمة على تلك الطريقة الواجبة، يتعلمون القرآن ألفاظه ومعانيه؛ لأنهم بذلك يتمكنون من العمل بالقرآن على مراد الله به فإن العمل بما لا يعرف معناه غير ممكن. وقال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذي كانوا يقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات، لم

стр. 22

يجاوزوها، حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا. قال شيخ الإسلام ابن تيميه: والعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابا في فن من العلم كالطب والحساب، ولا يستشرحوه فكيف بكلام الله تعالى الذي هو عصمتهم، وبه نجاتهم وسعادتهم وقيام دينهم ودنياهم. ويجب على أهل العلم أن يبينوه للناس عن طريق الكتابة أو المشافهة لقوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ) (آل عمران: الآية ١٨٧) وتبيين الكتاب للناس شامل لتبيين ألفاظه ومعانيه، فيكون تفسير القرآن، مما أخذ الله العهد على أهل العلم ببيانه. والغرض من تعلم التفسير هو الوصول إلى الغايات الحميدة والثمرات الجليلة، وهي التصديق بأخباره والانتفاع بها وتطبيق أحكامه على الوجه الذي أراده الله؛ ليعبد الله بها على بصيره. الواجب على المسلم في تفسير القرآن الواجب على المسلم في تفسير القرآن أن يشعر نفسه حين يفسر القرآن بأنه مترجم عن الله تعالى، شاهد عليه بما أراد من كلامه فيكون معظما لهذه الشهادة خائفا من أن يقول على الله بلا علم، فيقع فيما حرم الله، فيخزى بذلك يوم القيامة، قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف: ٣٣)

стр. 23

وقال تعالى: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ) (الزمر: ٦٠) المرجع في تفسير القرآن يرجع في تفسير القرآن إلى ما يأتي: أ- كلام الله تعالى: فيفسر القرآن بالقرآن، لأن الله تعالى هو الذي أنزله، وهو أعلم بما أراد به. ولذلك أمثلة منها: ١-قوله تعالى: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (يونس: ٦٢) فقد فسر أولياء الله بقوله في الآية التي تليها: (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) (يونس: ٦٣) ٢- قوله تعالى: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ) (الطارق: ٢) فقد فسر الطارق بقوله في الآية الثانية: (النَّجْمُ الثَّاقِبُ) (الطارق: ٣) . ٣- قوله تعالى: (وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا) (النازعات: ٣٠) فقد فسر دحاها بقوله في الآيتين بعدها: (أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا) (النازعات: ٣١) (وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا) (النازعات: ٣٢) . ب - كلام رسول الله ﷺ ، فيفسر القرآن بالسنة، لأن رسول الله ﷺ مبلغ عن الله تعالى، فهو أعلم الناس بمراد الله تعالى كلامه. ولذلك أمثلة منها: ١- قوله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) (يونس: الآية ٢٦) ففسر النبي ﷺ الزيادة بالنظر إلى وجه الله تعالى، فيما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم صريحا

стр. 24

من حديث أبي موسى (١) وأبي بن كعب (٢) . ورواه جرير من حديث كعب بن عجرة (٣) في " صحيح مسلم " (٤) عن صهيب بن سنان عن النبي ﷺ في حديث قال فيه: " فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم "، ثم تلا هذه الآية (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) (يونس: ٢٦) ٢- قوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) (لأنفال: الآية ٦٠) فقد فسر النبي ﷺ القوة بالرمي. رواه مسلم (٥) ، وغيره من حديث عقبة بن عامر ﵁. ج- كلام الصحابة ﵃ لا سيما ذوو العلم منهم والعناية بالتفسير، لأن القرآن نزل بلغتهم وفي عصرهم، ولأنهم بعد الأنبياء أصدق الناس في طلب الحق، وأسلمهم من الأهواء، وأطهرهم من المخالفة التي تحول بين المرء وبين التوفيق للصواب. ولذلك أمثلة كثيرة جدا منها: ١- قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) (النساء: الآية ٤٣) فقد صح عن ابن عباس ﵄: أنه فسر الملامسة بالجماع (٦) . د- كلام التابعين الذين اعتنوا بأخذ التفسير عن الصحابة ﵃، لأن التابعين خير الناس بعد الصحابة، وأسلم من الأهواء ممن بعدهم. ولم تكن اللغة العربية تغيرت كثيرا في عصرهم، فكانوا أقرب إلى الصواب في فهم القرآن ممن بعدهم.

стр. 25

قال شيخ الإسلام ابن تيميه (١) : إذا أجمعوا - يعني التابعين - على الشيء فلا يرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن، أو ألسنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك. وقال أيضا: من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك، كان مخطئا في ذلك، بل مبتدعا، وإن كان مجتهدا مغفورا له خطؤة، ثم قال: فمن خالف قولهم وفسر القرآن بخلاف تفسيرهم، فقد أخطأ في الدليل والمدلول جميعا. هـ - ما تقتضيه الكلمات من المعاني الشرعية أو اللغوية حسب السياق لقوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) (النساء: الآية ١٠٥) وقوله: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الزخرف: ٣) وقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) (ابراهيم: الآية ٤) . فإن اختلف المعنى الشرعي واللغوي، أخذ بما يقتضيه الشرعي، لأن القرآن نزل لبيان الشرع، لا لبيان اللغة إلا أن يكون هناك دليل يترجح به المعنى اللغوي فيؤخذ به. مثال ما اختلف فيه المعنيان، وقدم الشرعي: قوله تعالى في المنافقين: (وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً) (التوبة: الآية ٨٤) فالصلاة في اللغة الدعاء، وفي الشرع هنا الوقوف على الميت للدعاء له بصفة مخصوصة فيقدم المعنى الشرعي، لأنه المقصود للمتكلم المعهود للمخاطب، وأما منع الدعاء لهم على وجه الإطلاق فمن دليل آخر.

стр. 26

ومثال ما اختلف فيه المعنيان، وقدم فيه اللغوي بالدليل: قوله تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) (التوبة: الآية ١٠٣) فالمراد بالصلاة هنا الدعاء، وبدليل ما رواه مسلم (١) عن عبد الله بن أبي أوفي، قال: كان النبي ﷺ إذا أتى بصدقة قوم، صلى عليهم، فأتاه أبي بصدقته فقال: " اللهم صل على آل أبي أوفي ". وأمثلة ما اتفق فيه المعنيان الشرعي واللغوي كثيرة: كالسماء والأرض والصدق والكذب والحجر والإنسان.

стр. 27

الاختلاف الوارد في التفسير المأثور الاختلاف الوارد في التفسير المأثور على ثلاثة أقسام: الأول: اختلاف في اللفظ دون المعنى، فهذا لا تأثير له في معنى الآية، مثاله قوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) (الإسراء: ٢٣) قال ابن عباس: قضي: أمر، وقال مجاهد: وصي، وقال الربيع بن انس: أوجب، وهذه التفسيرات معناها واحد، او متقارب فلا تأثير لهذا الاختلاف في معنى الآية. الثاني: اختلاف في اللفظ والمعنى، والآية تحتمل المعنيين لعدم التضاد بينهما، فتحمل الآية عليهما، وتفسر بهما، ويكون الجمع بين هذا الاختلاف أن كل واحد من القولين ذكر على وجه التمثيل، لما تعنيه الآية أو التنويع، مثاله قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ) (الأعراف: ١٧٥) (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ (الأعراف: ١٧٦) قال ابن مسعود: هو رجل من بني إسرائيل، وعن ابن عباس أنه: رجل من أهل اليمن، وقيل: رجل من أهل البلقاء. والجمع بين هذه الأقوال: أن تحمل الآية عليها كلها، لأنها تحتملها من غير تضاد، ويكون كل قول ذكر على وجه التمثيل. ومثال آخر قوله تعالى (وَكَأْساً دِهَاقاً) (النبأ: ٣٤) قال ابن عباس: دهاقاً مملوءة، وقال مجاهد: متتابعة، وقال عكرمة: صافية. ولا منافاة بين هذه الأقوال، والآية تحتملها فتحمل عليها جميعاً ويكون كل قول لنوع من المعنى. القسم الثالث: اختلاف اللفظ والمعنى، والآية لا تحتمل المعنيين معا للتضاد بينهما، فتحمل

стр. 28

الآية على الأرجح منهما بدلاله السياق أو غيره. مثال ذلك: قوله تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (البقرة: ١٧٣) قال ابن عباس: غير باغ في الميتة ولا عاد من أكله، وقيل: غير خارج على الإمام ولا عاص بسفره والأرجح الأول لأنه لا دليل في الآية على الثاني، ولأن المقصود بحل ما ذكر دفع الضرورة، وهي واقعة في حال الخروج على الإمام، وفي حال السفر المحرم وغير ذلك. ومثال آخر قوله تعالى: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) (البقرة: الآية ٢٣٧) قال على بن أبي طالب ﵁ في الذي بيده عقدة النكاح: هو الزوج، وقال ابن عباس: هو الولي، والراجح الأول لدلالة المعنى عليه، ولأنه قد روي فيه حديث عن النبي ﷺ .

стр. 29

ترجمه القرآن الترجمة لغة: تطلق على معانٍ ترجع إلى البيان والإيضاح. وفي الاصطلاح: التعبير عن الكلام بلغة أخرى. وترجمة القران: التعبير عن معناه بلغة أخرى والترجمة نوعان: أحدهما: ترجمة حرفية، وذلك بأن يوضع ترجمة كل كلمة بازائها. الثاني: ترجمة معنوية، أو تفسيرية، وذلك بأن يعبر عن معنى الكلام بلغة أخرى من غير مراعاة المفردات والترتيب. مثال ذلك: قوله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الزخرف: ٣) فالترجمة الحرفية: أن يترجم كلمات هذه الآية كلمةً كلمة فيترجم (إنا) ثم (جعلناه) ثم (قرآنا) ثم (عربيا) وهكذا. والترجمة المعنوية: أن يترجم معنى الآية كلها بقطع النظر عن معنى كل كلمة وترتيبها، وهي قريبة من معنى التفسير الإجمالي. حكم ترجمة القرآن: الترجمة الحرفية بالنسبة للقرآن الكريم مستحيلة عند كثير من أهل العلم، وذلك لأنه يشترط في هذا النوع من الترجمة شروط لا يمكن تحققها معها وهي: أ- وجود مفردات في اللغة المترجم إليها بازاء حروف اللغة المترجم منها. ب- وجود أدوات للمعاني في اللغة المترجم إليها مساوية أو مشابهة للأدوات في اللغة المترجم منها.

стр. 30

ج- تماثل اللغتين المترجم منها وإليها في ترتيب الكلمات حين تركيبها في الجمل والصفات والإضافات وقال بعض العلماء: إن الترجمة الحرفية يمكن تحققها في بعض آية، أو نحوها، ولكنها وإن أمكن تحققها في نحو ذلك - محرمة لأنها لا يمكن أن تؤدي المعنى بكماله، ولا أن تؤثر في النفوس تأثير القرآن العربي المبين، ولا ضرورة تدعو إليها؛ للاستغناء عنها بالترجمة المعنوية. وعلى هذا فالترجمة الحرفية إن أمكنت حسا في بعض الكلمات فهي ممنوعة شرعا، اللهم إلا أن يترجم كلمة خاصة بلغة من يخاطبه ليفهمها، من غير أن يترجم التركيب كله فلا بأس. وأما الترجمة المعنوية للقرآن فهي جائزة في الأصل لأنه لا محذور فيها، وقد تجب حين تكون وسيلة إلى إبلاغ القرآن والإسلام لغير الناطقين باللغة العربية، لأن إبلاغ ذلك واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. لكن يشترط لجواز ذلك شروط: الأول: أن لا تجعل بديلا عن القرآن بحيث يستغني بها عنه، وعلى هذا فلا بد أن يكتب القرآن باللغة العربية وإلى جانبه هذه الترجمة، لتكون كالتفسير له. الثاني: أن يكون المترجم عالما بمدلولات الألفاظ في اللغتين المترجم منها وإليها، وما تقتضيه حسب السياق. الثالث: أن يكون عالما بمعاني الألفاظ الشرعية في القرآن. ولا تقبل الترجمة للقرآن الكريم إلا من مأمون عليها، بحيث يكون مسلما مستقيما في دينه.

стр. 31

المشتهرون بالتفسير من الصحابة اشتهر بالتفسير جماعة من الصحابة، ذكر السيوطي منهم: الخلفاء الأربعة أبا بكر وعمر وعثمان وعليا ﵃، إلا أن الرواية عن الثلاثة الأولين لم تكن كثيرة، لانشغالهم بالخلافة، وقلة الحاجة إلى النقل في ذلك لكثرة العالمين بالتفسير. ومن المشتهرين بالتفسير من الصحابة أيضا: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس، فلنترجم لحياة على بن أبي طالب مع هذين ﵃. ١- على بن أبي طالب: هو ابن عم الرسول ﷺ ، وزوج فاطمة ﵁ وعنها، وأول من آمن به من قرابته، اشتهر بهذا الاسم. وكنيته أبو الحسن، وأبو تراب. ولد قبل بعثة النبي ﷺ بعشر سنين، وتربي في حجر النبي ﷺ ، وشهد معه المشاهد كلها، وكان صاحب اللواء في معظمها، ولم يتخلف إلا في غزوة تبوك، خلفه النبي ﷺ في أهله، وقال له: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي " (١) ، نقل له من المناقب والفضائل ما لم ينقل لغيره، وهلك به طائفتان: النواصب الذين نصبوا له العداوة، وحاولوا إخفاء مناقبه، والروافض الذي بالغوا فيما زعموه من حبه، وأحدثوا له من المناقب التي وضعوها ما هو في غنى عنه، بل هو عند التأمل من المثالب. اشتهر ﵁ بالشجاعة والذكاء مع العلم والزكاء حتى كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ليتعوذ من معضلة ليس لها أبو حسن، ومن أمثلة النحويين: قضية ولا

стр. 32

أبا حسن لها، وروى عن علي أنه كان يقول: سلوني سلوني وسلوني عن كتاب الله تعالى، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أنزلت بليل أو نهار، وقال ابن عباس ﵄: إذا جاءنا الثبت عن علي لم نعدل به، وروي عنه أنه قال: ما أخذت من تفسير القرآن فعن علي بن أبي طالب. كان أحد أهل الشورى الذي رشحهم عمر ﵁ لتعيين الخليفة، فعرضها عليه عبد الرحمن بن عوف فأبى إلا بشروط لم يقبل بعضها، ثم بايع عثمان فبايعه علي والناس، ثم بويع بالخلافة بعد عثمان حتى قتل شهيدا في الكوفة ليلة السابع عشر من رمضان، سنة أربعين من الهجرة ﵁. ٢- عبد الله بن مسعود: هو عبد الله بن مسعود بن غافل الهزلي، وأمه أم عبد كان ينسب إليها أحيانا (١) ، وكان من السابقين الأولين في الإسلام، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرا، وما بعدها من المشاهد. تلقى من النبي ﷺ بضعا وسبعين سورة من القرآن، وقال له النبي ﷺ في أول الإسلام: " إنك لغلام معلم " (٢) ، وقال: " من أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد " (٣) ، وفي " صحيح البخاري " (٤) أن ابن مسعود ﵁ قال: لقد علم أصحاب رسول الله ﷺ أني من أعلمهم بكتاب الله، وقال: والله الذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا ,أنا أعلم فيمن أنزلت، ولو أعلم أحدا أعلم منى بكتاب الله

стр. 33

تبلغه الإبل لركبت إليه، وكان ممن خدم النبي ﷺ فكان صاحب نعليه وطهوره ووساده حتى قال أبو موسى الأشعري: قدمت أنا وأخي من اليمن فمكثنا حينا ما نرى عبد الله بن مسعود رجل من أهل بيت النبي ﷺ لما نرى من دخوله ودخول أمه على النبي ﷺ (١) ، ومن أجل ملازمته النبي ﷺ تأثر به وبهديه، حتى قال فيه حذيفة: ما أعرف أحدا أقرب هديا وسمتا ودلا بالنبي ﷺ من ابن أم عبد (٢) . بعثه عمر بن الخطاب إلى الكوفة، ليعلمهم أمور دينهم، وبعث عمارا أميراً وقال: إنهما من النجباء من أصحاب محمد ﷺ ، فأقتدوا بهما، ثم أمره عثمان على الكوفة، ثم عزله، وأمره بالرجوع إلى المدينة، فتوفي فيها سنة اثنتين وثلاثين، ودفن بالبقيع وهو ابن بضع وسبعين سنة. ٣- عبد الله بن عباس: هو ابن عم الرسول الله ﷺ ولد قبل الهجرة بثلاث سنين لازم النبي ﷺ لأنه ابن عمه، وخالته ميمونة تحت النبي ﷺ ، وضمّه النبي ﷺ إلى صدره وقال: اللهم علمه الحكمة، وفي رواية: الكتاب (٣) ، وقال له حين وضع له وضوءه: اللهم فقه في الدين (٤) ، فكان بهذا الدعاء المبارك حبر الأمة في نشر التفسير والفقه، حيث وفقه الله تعالى للحرص على العلم والجد في طلبه والصبر على تلقيه وبذله،

стр. 34

فنال بذلك مكانا عاليا حتى كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يدعوه إلى مجالسه ويأخذ بقوله، فقال المهاجرون: ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس؟ ! فقال لهم: ذاكم فتى الكهول له لسان سؤول وقلب عقول، ثم دعاهم ذات يوم فأدخله معهم ليريهم منه ما رآه، فقال عمر: ما تقولون في قول الله تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) (النصر: ١) حتى ختم السورة، فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا فتح علينا، وسكت بعضهم، فقال عمر لابن عباس: أكذلك تقول؟ قال: لا، قال: فما تقول؟ قال: هو أجل رسول الله ﷺ ، أعلمه الله له إذا جاء نصر الله، والفتح فتح مكة، فذلك علامة أجلك فسبح بحمد ربك، واستغفره إنه كان توابا، قال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم، وقال ابن مسعود ﵁: لنعم ترجمان القرآن ابن عباس، لو أدرك أسناننا ما عاشره منا أحد، أي ما كان نظيرا له، هذا مع أن ابن عباس عاش بعده ستا وثلاثين سنة، فما ظنك بما اكتسب بعده من العلم. وقال ابن عمر لسائل سأله عن آية: انطلق إلى ابن عباس فاسأله فإنه اعلم من بقي بما أنزل على محمد ﷺ ، وقال عطاء: ما رأيت قط أكرم من مجلس ابن عباس فقها وأعظم خشية، إن أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر عنده، يصدرهم كلهم من واد واسع.

стр. 35

وقال أبو وائل: خطبنا ابن عباس وهو على الموسم (أي وال على موسم الحج من عثمان ﵁ فافتتح سورة النور نجعل يقرأ ويفسر، فجعلت أقول ما رأيت، ولا سمعت كلام رجل مثله، ولو سمعته فارس والروم والترك لأسلمت، ولاه عثمان على موسم الحج سنة ٣٥ وولاه علي على البصرة فلما قتل مضى إلى الحجاز، فأقام في مكة، ثم خرج منها إلى الطائف فمات فيها سنة ثمان وستين عن إحدى وسبعين سنة.

стр. 36

المشتهرون بالتفسير من التابعين اشتهر بالتفسير من التابعين كثيرون فمنهم: أ- أهل مكة وهم أتباع ابن عباس كمجاهد وعكرمة وعطاء بن أبي رباح. ب- أهل المدينة وهم اتباع أبي بن كعب، كزيد بن أسلم وأبي العالية ومحمد بن كعب القرظي. ج- أهل الكوفة وهم أتباع ابن مسعود، كقتادة وعلقمة، والشعبي. فلنترجم لحياة اثنين من هؤلاء: مجاهد وقتادة. ١- مجاهد: هو مجاهد بن جبر المكي مولى السائب بن أبى السائب المخزومي ولد سنة إحدى وعشرين من الهجرة، وأخذ تفسير القرآن عن ابن عباس ﵄، روى ابن إسحاق عنه أنه قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية وأسأله عنها، وكان سفيان الثوري يقول: إذا جاءت التفسير عن مجاهد فحسبك به، واعتمد تفسيره الشافعي والبخاري وكان كثيرا ما ينقل عنه في " صحيحه" وقال الذهبي في آخر ترجمته: أجمعت الأمة على إمامة مجاهد والاحتجاج به، توفي في مكة وهو ساجد سنة أربع ومائة، عن ثلاث وثمانين سنة.

стр. 37

٢- قتادة: هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري ولد أكمة أي أعمي سنة إحدى وستين، وجد في طلب العلم، وكان له حافظة قوية حتى قال في نفسه: ما قلت لمحدث قط أعد لي، وما سمعت أذناي شيئا قط إلا وعاه قلبي، وذكره الإمام أحمد فأطنب في ذكره فجعل ينشر من علمه وفقهه ومعرفته بالاختلاف والتفسير ووصفه بالحفظ والفقه، وقال: قلما تجد من يتقدمه أما المثل فلعل، وقال: هو أحفظ أهل البصرة، لم يسمع شيئا إلا حفظه، وتوفي في واسط سنة سبع عشرة ومائة، عن ستة وخمسين سنة.

стр. 38

القرآن محكم ومتشابه يتنوع القرآن الكريم باعتبار الإحكام والتشابه إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول: الإحكام العام الذي وصف به القرآن كله، مثل قوله تعالى: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) (هود: الآية ١) وقوله (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ) (يونس: ١) وقوله (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) (الزخرف: ٤) . ومعنى هذا الإحكام الإتقان والجودة في ألفاظه ومعانيه فهو في غاية الفصاحة والبلاغة، أخباره كلها صدق نافعة، ليس فيها كذب، ولا تناقض، ولا لغو لا خير فيه، وأحكامه كلها عدل، وحكمه ليس فيها جور ولا تعارض ولا حكم سفيه. النوع الثاني: التشابه العام الذي وصف به القرآن كله، مثل قوله تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) (الزمر: ٢٣) ومعنى هذا التشابه، أن القرآن كله يشبه بعضه بعضا في الكمال والجودة والغايات الحميدة (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) (النساء: الآية ٨٢) النوع الثالث: الإحكام الخاص ببعضه، والتشابه الخاص ببعضه، مثل قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) (آل عمران: ٧) . ومعنى هذا الإحكام أن يكون معنى الآية واضحا جليا، لا خفاء فيه، مثل قوله

стр. 39

تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) (الحجرات: ١٣) ، وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: ٢١) وقوله: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) (البقرة: الآية ٢٧٥) وقوله (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) (المائدة: الآية ٣) وأمثال ذلك كثيرة. ومعنى هذا التشابه: أن يكون معنى الآية مشتبها خفيا بحيث يتوهم منه الواهم ما لا يليق بالله تعالى، أو كتابه أو رسوله، ويفهم منه العالم الراسخ في العلم خلاف ذلك. مثاله: فيما يتعلق بالله تعالى، أن يتوهم واهم من قوله تعالى: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) (المائدة: الآية ٦٤) أن لله يدين مماثلتين لأيدي المخلوقين. ومثاله فيما يتعلق بكتاب الله تعالى، أن يتوهم واهم تناقض القرآن وتكذيب بعضه بعضا حين يقول: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) (النساء: الآية ٧٩) ويقول في موضع آخر: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) (النساء: الآية ٧٨) ومثاله فيما يتعلق برسول الله، أن يتوهم واهم من قوله تعالى (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) (يونس: ٩٤) ظاهره أن النبي ﷺ كان شاكا فيما أنزل إليه.

стр. 40

موقف الراسخين في العلم والزائغين من المتشابه إن موقف الراسخين في العلم من المتشابه وموقف الزائغين منه بينه الله تعالى فقال في الزائغين: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) (آل عمران: الآية ٧) وقال في الراسخين في العلم: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) (آل عمران: الآية ٧) فالزائغون يتخذون من هذه الآيات المشتبهات وسيلة للطعن في كتاب الله، وفتنة الناس عنه، وتأويله لغير ما أراد الله تعالى به، فيَضِلُون، ويُضِلُون وأما الراسخون في العلم يؤمنون بأن ما جاء في كتاب الله تعالى فهو حق وليس فيه اختلاف ولا تناقض لأنه من عند الله (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) (النساء: الآية٨٢) وما جاء مشتبهاً ردوه إلى المحكم ليكون الجميع محكماً. ويقولون في المثال الأول: إن لله تعالى يدين حقيقيتين على ما يليق بجلاله وعظمته، لا تماثلان أيدي المخلوقين، كما أن له ذات لا تماثل ذوات المخلوقين، لأن الله تعالى يقول: (ليس كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: الآية ١١) . ويقولون في المثال الثاني: إن الحسنة والسيئة كلتاهما بتقدير الله ، لكن الحسنة سببها التفضل من الله تعالى على عباده، أما السيئة فسببها فعل العبد كما قال تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) (الشورى: ٣٠) فإضافة السيئة إلى العبد من إضافة الشيء إلى سببه، لا من إضافته إلى مُقَدِّرِهِ، أما إضافة الحسنة والسيئة إلى الله تعالى فمن باب إضافة الشيء إلى مُقَدِّرِهِ، وبهذا يزول ما يوهم الاختلاف بين الآيتين لإنفكاك الجهة.
следующие страницы →