هو بمنزلة المخاط)) ، الحديث، رواه الدارقطني، وقال: لم يرفعه غير إسحاق الأزرق، عن شريك، قال ((صاحب المنتقى)) وهذا لا يضر؛ لأن إسحاق إمام مخرج له في الصحيحين.
ومثال العلة غير القادحة في المتن: ما ذكره ابن القيم في ((الهدي)) في هدي النبي ﷺ في السنن الرواتب (١٦٥ج١) طبعة فقي: أن ابن عمر- ﵁ روي عن النبي ﷺ قوله: ((رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعاً)) ، فأعله أبو الوليد الطيالسي بحديث ابن عمر: ((حفظت عن رسول الله ﷺ عشر ركعات في اليوم والليلة)) (١) ، فلو كان هذا لعده، قال ابن القيم: وليس هذا بعلة أصلاً، فإن ابن عمر أخبر عما حفظه من فعل النبي ﷺ لم يخبر عن غير ذلك؛ فلا تنافي بين الحديثين ألبته.
فائدة
قال في ((القواعد)) (ص٢٣٤) قاعدة (١٠٥) :
وأما الدعوى على المبهم: فلا تصح، ولا تسمع ولا تثبت بها قسامة ولا غيرها، فلو قال: قتل أبي أحد هؤلاء الخمسة، لم يسمع، قال في ((الترغيب)) : ويحتمل أن يسمع للحاجة؛ فإن مثله يقع كثيراً، ويحلف كل واحد منهم، قال: وكذلك يجرى في دعوى الغصب والاتلاف والسرقة، ولا يجري في الإقرار والبيع إذا قال: نسيت، لأنه مقصر. اهـ.
وذكر في ((الاختيارات)) (ص٣٣٠) : أن ظاهر كلام الشيخ صحة الدعوى على المبهم.
فائدة
نقل في ((النكت)) (ص٢٩١ج١) ، عن الشيخ تقي الدين قوله: إذا
стр. 212
بيعت العين المؤجرة أو المرهونة ونحوها مما يتعلق به حق غير البائع وهو عالم بالبيع، فلم يتكلم، فينبغي أن يقال: لا يملك المطالبة بفساد البيع بعد هذا؛ لأن إخباره بالعيب واجب بالسنة بقوله: ولا يحل لمن علم ذلك إلا أن يبينه، فكتمانه تغرير، والغار ضامن.
وكذلك ينبغي أن يقال فيهما إذا رأى عبده يبيع، فلم ينهه.
وفي جميع المواضع، فالمذهب: أن السكوت لا يكون إذناً، فلا يصح التصرف، لكن إذا لم يصح يكون تغريراً، فيكون ضامناً، فإن ترك الواجب عندنا يوجب الضمان كفعل المحرم، كما نقول في مسألة المستضيف ومن أمكنه إنجاء شخص من الهلكة بل هنا أقوى اهـ. كلامه.
فائدة
من ((المنتقى)) في ((باب ما جاء في الأجرة عل القرب)) عن خارجة بن الصلت، عن عمه؛ أنه أتي النبي ﷺ ثم أقبل راجعاً من عنده، فمر على قوم عندهم رجل مجنون موثق بالحديد، فقال أهله: إنا قد حدثنا أن صاحبكم هذا قد جاء بخير، فهل عندك شيء نداويه؟ قال: فرقيته بفاتحة الكتاب ثلاثة أيام كل يوم مرتين، فبرأ، فأعطوني مائتي شاة، فأتيت النبي ﷺ ، فأخبرته، فقال: ((خذها، فلعمري، من أكل برقية باطل، فقد أكلت برقية حق)) ، رواه أحمد، وأبو داود (١) ، قال في ((نيل الأوطار)) : رجاله رجال الصحيح، إلا خارجه المذكور، وقد وثقه ابن حبان. اهـ.
قلت: وفيه دليل على جواز قول الرجل: ((لعمري)) .
فائدة
روى مسلم، عن عطاء، عن جابر، في صلاة النبي ﷺ العيد، وأنه
стр. 213
أتى النساء فوعظهن، فقيل لعطاء: أحقاً على الإمام الآن أن يأتي النساء حين يفرغ فيذكرهن؟ قال: إي لعمرى إن ذلك لحق عليهم، وما لهم لا يفعلون ذلك؟! (١) ذكره مسلم في صلاة العيدين.
ففيه: إفراد النساء بالموعظة، وجواز قول ((لعمري)) على رأي عطاء، ﵀.
فائدة
قال شيخ الإسلام في ((الفتاوى)) (ص١٢مجلد ٣٣) :
فإذا قال لزوجته: أنت طالق اثنتين أو ثلاثاً أو عشراً أو ألفاً، لم يكن قد طلقها إلا مرة واحدة، وذكر نحوه (ص٨٠) في المجلد المذكور.
وفي (ص٨١) : وإذا كان إنما أبيح- يعني: الطلاق- للحاجة، فالحاجة تندفع بواحدة، فما زاد فهو باقٍ على الحظر.
فائدة
من ((فتح الباري)) (ص٣٩٨ج١٠) : أن ابن مندة جمع من أردفهم النبي ﷺ خلفه، فبلغوا ثلاثين.
فائدة
الصفرة والكدرة في دم الحيض:
إن كانت قبل الطهر، فهي حيض، قالت عائشة- ﵂: ((لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء)) (٢) .
وإن كانت بعد الطهر: فليست بشيء، قالت أم عطية- ﵂: ((كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئاً)) ؛ رواه البخاري، ورواه أبو داود،
стр. 214
وزاد: بعد الطهر (١) .
وإن كانت في زمن الحيض، ولم تتصل بدم قبلها ولا بعدها، فظاهر حديث أم عطية السابق: أنها ليست بشيء، وظاهر كلام الأصحاب ﵏ أن الصفرة والكدرة إن كانت من مبتدأه، فهي حيض. قال في ((المنتهى)) وشرحه: والمبتدأة بدم أو صفرة أو كدرة تجلس بمجرد ما تراه، أي: ما ذكر من دم أو صفرة أو كدرة أقله، ثم تغتسل.
وإن كان من معتادة، فهو حيض زمن العادة فقط، قال في المصدر المذكور: وصفرة وكدرة في أيامها حيض تجلسه، لقوله تعالى: (وَيَسْئلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً) (البقرة: ٢٢٢) ، وهو يتناولها، ولقول عائشة: ((لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء)) .
وقال في ((الإنصاف)) عن المبتدأة بصفرة أو كدرة: إنها لا تجلسه وهو ظاهر كلام الإمام أحمد، وصححه المجد في ((شرحه)) وقدمه ابن تميم، والرعاية الكبرى، والفائق، ومجمع البحرين، وابن عبيدان.
وقال في المعتادة: قوله: ((والصفرة والكدرة في أيام الحيض من الحيض)) يعني: في أيام العادة، وهذا هو المذهب، وعليه الأصحاب. وحكى الشيخ تقي الدين وجهاً أن الصفرة والكدرة ليستا بحيض مطلقاً.
ثم قال في الإنصاف:
(فائدة) : لو وجدت الصفرة والكدرة بعد زمن الحيض، وتكررتا، فليستا بحيض؛ على الصحيح من المذهب، واختاره الشيخ تقي الدين وغيره.
وعنه: إن تكرر، فهو حيض؛ اختاره جماعة، منهم القاضي، وابن
стр. 215
عقيل، قلت: وهو الصواب، قال ابن تميم: فعلى رواية: أنه حيض إذا تكرر، لكن لو رأته بعد الطهر وتكرر، لم تلتفت إليه في أصح الوجهين اهـ. من ((الإنصاف)) ملخصاً.
وفي ((الفروع)) : والصفرة زمن العادة حيض، وعنه: وبعدها إن تكرر، اختاره جماعة، وشرط جماعة اتصالها بالعادة اهـ.
وفي ((المغنى)) : وإن طهرت، ثم رأت كدرة أو صفرة، لم يلتفت إليها؛ لخبر أم عطية، وعائشة، فظاهره اشتراط الاتصال.
وفي ((شرح المهذب)) للنووي (ص٤٤٢ج٢) : أما إذا كان الذي رأته صفرة أو كدرة، فقد قال الشافعي في ((مختصر المزني)) : الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، واختلف أصحابنا في ذلك على ستة أوجه:
الصحيح المشهور: أنها في زمن الإمكان- وهو خمسة عشر- حيض، سواء كان من مبتدأة أو معتادة، وافق عادتها أم لا.
الثاني: إن رأته في أيام العادة فهو حيض؛ وإلا فلا، فإذا رأته مبتدأة أو معتادة في غير أيام العادة، فليس بحيض.
الثالث: إن تقدمه دم قوى اسود أو أحمر ولو بعض يوم، فهو حيض، وإلا لم يكن حيضاً بانفراده.
الرابع: إن تقدمه دم قوى يوماً وليلة فهو حيض، وإن تقدمه دون ذلك، فليس بحيض.
الخامس: إن تقدمه دم قوى ولحقه دم قوى، فهو حيض؛ وإلا فلا.
السادس: إن تقدمه دم قوى يوماً وليلة، ولحقه دم قوى يوماً وليلة، فهو حيض؛ وإلا فلا. اهـ. ملخصاً.
وقد نقل بعد ذلك، عن أبي ثور: أنه إن تقدمها دم فهي حيض؛ وإلا فلا، قال: واختاره ابن المنذر.
стр. 216
وفي ((المحلى)) (ص١٦٩ج٢) : وقال أبو ثور وبعض اصحابنا: الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض ليستا حيضاً، وفي أيام الحيض قبل الدم ليستا حيضاً، وأما بعد الدم متصلاً به فهما حيض.
وأما رأيه هو، فيقول (ص١٦٢) من الجزء المذكور: الحيض هو الدم الأسود الخاثر الكريه الرائحة خاصة، فإذا رأت أحمر، أو كغسالة اللحم، أو صفرة أو كدرة، أو جفوفاً، فقد طهرت.
وفي (ص١٦٥) : أن الحمرة والصفرة والكدرة عرق وليست حيضاً. اهـ.
فائدة
قال في ((الآداب الكبرى)) (ص٢٦٩ج٢) :
فتصافح المرأة المرأة، والرجل الرجل، والعجوز والبرزة غير الشابة، فإنه يحرم مصافحتها للرجل، ذكره في ((الفصول)) و ((الرعاية)) .
وقال ابن منصور لأبي عبد الله: تكره مصافحة النساء؟ قال: أكرهه، فال إسحاق بن راهويه: كما قال.
وقال محمد بن عبد الله بن مهران: إن أبا عبد الله سئل عن الرجل يصافح المرأة؟ قال: لا، وشدد فيه جداً، قلت: فيصافحها بثوبه، قال: لا، قال رجل: فإن كان ذا محرمٍ، قال: لا، قلت: ابنته، قال: إذا كانت ابنته فلا بأس.
فهاتان روايتان في تحريم المصافحة وكراهتها للنساء، والتحريم اختيار الشيخ تقي الدين، وعلل بأن الملامسة أبلغ من النظر، ويتوجه تفصيل بين المحرم وغيره، فأما الوالد: فيجوز.
وفي ((صحيح البخاري)) : أن أبا بكر دخل على أهله، فإذا عائشة ابنته مضطجعة قد أصابتها حمى، فقبل خدها، وقال: كيف أنت يا
стр. 217
بنية (١) ، ورواه أحمد، ومسلم.
إلى أن قال: وتباح المعانقة، وتقبيل اليد والرأس تديناً وإكراماً واحتراماً مع أمن الشهوة، وظاهر هذا: عدم إباحته لأمر الدنيا، واختاره بعض الشافعية، والكراهة أولى، وذكر عن أحمد: إن كان على طريق الدنيا، فلا، إلا رجلاً يخاف سيفه أو سوطه، وقال مهنا: رأيت أبا عبد الله كثيراً يقبل وجهه ورأسه وخده، ولا يقول شيئاً، ولا يمتنع من ذلك، ولا يكرهه.
إلى أن قال: وقال الشيخ تقي الدين: تقبيل اليد لم يكونوا يعتادونه إلا قليلاً، ورخص فيه أكثر العلماء؛ كأحمد وغيره على وجه الدين، وكرهه آخرون؛ كمالك وغيره، وقال سليمان بن حرب: هي السجدة الصغرى، وتناول أبو عبيدة يد عمر ليقبلها فقبضها، فتناول رجله، فقال: ((ما رضيت منك بتلك، فكيف بهذه؟!)) .
وقال علي- ﵁: قبلة الوالد عبادة، وقبلة الولد رحمه، وقبلة المرأة شهوة، وقبلة الرجل أخاه دين..
إلى أن قال: وقال إسحاق بن إبراهيم: إن أبا عبد الله احتج في المعانقة بحديث أبي ذر أن النبي- ﵊ عانقه. وقال الشعبي: كان أصحاب محمد ﷺ إذا التقوا صافحوا، فإذا قدموا من السفر، عانق بعضهم بعضاً. إسناد جيد.
وقال الشيخ وجيه الدين أبو المعالي في ((شرح الهداية)) : تستحب زيارة القادم، ومعانقته، والسلام عليه، قال: وإكرام العلماء واشراف القوم بالقيام سنة مستحبة، كذا قال، وجزم في كتاب ((الهدي)) : بتحريم
стр. 218
السجود والانحناء والقيام على الرأس، وهو جالس. اهـ.
إلى أن قال: ويكره تقبيل الفم؛ لأنه قل أن يقع كرامة.
وروي الترمذي وحسنه عن أنس، قال: ((قال رجل: يا رسول الله، الرجل منا يلقاه أخوه أو صديقه، أينحني له؟ قال: لا، قال: فليتزمه ويقبله؟ قال: لا، فيأخذ بيده ويصافحه؟ قال، نعم)) (١) ؛ ورواه أحمد وابن ماجه..
إلى أن قال: وعن عائشة- ﵂ قالت: ((قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله ﷺ في بيتي، فأتاه فقرع الباب، فقام النبي ﷺ إليه يجر ثوبه، فاعتنقه وقبله)) ؛ رواه الترمذي، وحسنه (٢) .
وفي (ص٢٧٩) في تقبيل المحارم من النساء في الجبهة والرأس، قال ابن منصور لأبي عبد الله: يقبل الرجل ذات محرم منه؟ قال: إذا قدم من سفر، ولم يخف على نفسه وذكر حديث خالد بن الوليد. قال إسحاق بن راهويه: كما قال. وقد فعل النبي ﷺ حين قدم من الغزو، فقبل فاطمة ... إلخ (٣) ؛ ولكن لا يفعله على الفم أبداً، الجبهة والرأس.
وسئل الإمام أحمد عن الرجل يقبل أخته؟ قال: قد قبل خالد بن الوليد أخته.
فتلخص من هذا أمران:
أحدهما: في المصافحة، مصافحة المرأة للمرأة، ومصافحة الرجل
стр. 219
للرجل، فهذه جائزة.
أما مصافحة الرجل للمرأة: فإن كانت عجوزاً، فلا بأس، وإن كانت شابة، فحرام هذا مقتضى كلام ((الفصول)) و ((الرعاية)) .
ومقتضى كلام أحمد: الكراهة أو التحريم مطلقاً، ولو من وراء حائل إلا للوالد.
ومقتضى كلام الشيخ تقي الدين: أن يكون كالنظر؛ وعليه: فيتوجه التوجيه الذي ذكره المصنف، وهو التفريق بين المحرم وغيره، وهذا إذا لم يخف على نفسه، وإلا حرم في المحرم وغيره.
الأمر الثاني: التقبيل والمعانقة، فإن كان له سبب، كقدوم من سفر، فهو مشروع، كما فعل النبي ﷺ في زيد بن حارثة، وكما حكاه الشعبي عن أصحاب رسول الله ﷺ .
ومن الأسباب أن يفعل ذلك إكراماً وإجلالاً لمن يستحق.
ولا يقبل الرجل المرأة على الفم أبداً وإن كانت ذات محرم، وأما في الجبهة والرأس، فجائز بشرط أن لا يخاف على نفسه، وأن تكون من محارمه، وأن يكون لسبب، كقدوم من سفر.
فائدة
ذكر الأصحاب ﵏ أن وصل المرأة شعرها بغير الشعر لا بأس به، وفيه نظر، لأن ظاهر قوله ﷺ : ((لعن الله الواصلة والمستوصلة)) (١) ، العموم، فتخصيصه لا دليل عليه.
ويؤيد العموم: ما رواه مسلم في ((صحيحه)) (ص١٦٧ج٦) في ((كتاب اللباس والزينة)) باب تحريم فعل الواصلة؛ عن جابر - رضي الله
стр. 220
عنه- قال: ((زجر النبي ﷺ أن تصل المرأة بشعرها شيئاً)) (١) . وفي ((الترغيب والترهيب)) (ص١٢٢ج٣) - وعزاه للبخاري ومسلم- أن معاوية قال ذات يوم: ((إنكم قد أحدثتم زي سوء، وإن نبي الله ﷺ نهى عن الزور)) (٢) ، قال قتادة: يعني ما يكثر به النساء اشعارهن من الخرق.
والقول بتحريم الوصل مطلقاً إحدى الروايتين عن أحمد، قال في ((الآداب الشرعية)) (ص٣٥٥ج٣) : ولا بأس بالقرامل، وعنه: هي كالوصل بالشعر، قال المروذي: سألت أبا عبد الله عن المرأة تصل رأسها بقرامل فكرهه، وقال له أيضاً: فالمرأة الكبيرة تصل رأسها بقرامل؟ فلم يرخص لها. اهـ. والقرامل: ما تصل به المرأة شعرها من صوف وغيره؛ كالضفائر.
فائدة
كان كثير من الناس يضمخون جنائزهم بالزعفران، وقد كره ذلك الفقهاء، ﵏.
وفي (ص٣٠٤ج١٠) من ((فتح الباري)) الطبعة السلفية: قوله: ((ولأبي داود من حديث عمار، رفعه: ((لا تحضر الملائكة جنازة كافر ولا مضمخ بالزعفران)) :
ثم إني راجعت الحديث في أبي داود في الباب الثامن من كتاب الترجل (ص٣٩٨ج٢) ، وفي مختصر السنن (ص٩١ج٦) ، وفي مسند أحمد (ص٣٢٠ج٤) ، فوجدته بلفظ: ((إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر بخير، ولا المتضمخ بالزعفران، ولا الجنب)) ، وليس في لفظ أحمد: ((بخير)) (٣) .
стр. 221
وفي رواية لأبي داود: ((ثلاثة لا تقربهم الملائكة: جيفة الكافر، والمتضمخ بالخلوق، والجنب إلا أن يتوضأ)) (١) .
والحديث الأول فيه عطاء الخراساني، فيه كلام. والحديث الثاني منقطع.
وعلى كل حال: فليس في ذلك ما يدل على أن التضمخ بالخلوق يختص بالميت، بل هو عام؛ بل ظاهره يدل على أن المراد به الحي.
فائدة
حديث عائشة، أن النبي ﷺ قال لأسماء بنت أبي بكر: ((إن المرأة إذا بلغت المحيض، لم يصلح أن يري منها إلا هذا وهذا، وأشار إلي وجهه وكفيه)) (٢) : ضعيف من وجوه ثلاثة:
الأول: أنه منقطع؛ لأن راويه عن عائشة- وهو خالد بن دريك- لم يدركها؛ قاله أبو داود (ص ٣٨٣ج٢) تحت عنوان ((باب فيما تبدي المرأة من زينتها)) .
الثاني: أن في إسناده سعيد بن بشير الأزدي؛ ضعفه الإمام أحمد، وابن معين، وابن المديني، والنسائي.
الثالث: أنه إن كان قبل نزول آية الحجاب، فلا دليل فيه على جواز كشف الوجه واليدين، وإن كان بعد الحجاب، فهو بعيد جداً، لأن أسماء ولدت قبل الهجرة بسبع وعشرين سنة، فيكون لها عند نزول آية الحجاب نحو ثلاث وثلاثين سنة، ويبعد من مثلها أن تأتي إلى رسول الله ﷺ بثياب رقاق فيعرض عنها.
فالحديث إذن ضعيف سنداً ومتناً؛ فلا يحتج به، وتترك الأحاديث
стр. 222
الصحيحة من أجله.
فائدة
روى الإمام أحمد من حديث ابن مسعود- ﵁ أن النبي ﷺ كان في الركعتين الأوليين كأنه على الرضف، قلت: حتى يقول (ص٤١٠ج١) وسنده: حدثني أبي، ثنا عفان، وبهز قالا: ثنا شعبة، قال: سعد بن إبراهيم أخبرني قال: سمعت أبا عبيدة يحدث عن أبيه، عن النبي ﷺ .
ورواه (ص٣٨٦) ، وسنده: حدثنى أبي، ثنا يحيي بن سعيد، عن شعبة، قال: حدثني سعد بن إبراهيم، عن أبي عبيدة، عن أبيه.
ورواه النسائي في ((باب تخفيف التشهد الأول)) (ص١٤٩ج١) ، قال: أخبرنا الهيثم عن أيوب الطالقاني، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، قال: حدثني أبي، عن أبي عبيدة، عن أبيه.
ورواه أبو داود في ((باب تخفيف القعود)) (ص٢٢٨ج١) ، عن حفص بن عمر، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي عبيدة، عن أبيه.
ورواه الترمذي في ((باب ما جاء في مقدار القعود في الركعتين الأوليين)) (ص١٦٠ج٢) ، من شرح ابن العربي، وقال: حديث حسن.
قال ابن العربي: وإنما حسنه ولم يصححه؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه.
شعبة: إمام حافظ، وسعد بن إبراهيم، قال أحمد: لم يكن به بأس.
فائدة
كانت ولادة النبي ﷺ عام الفيل، على رأي جمهور العلماء، وقيل: بعده بعشر سنين، وقيل: بثلاث وعشرين، وقيل: بثلاثين، نقله موسى بن عقبة، عن الزهري، واختاره، وقيل: بأربعين.
وكانت في ربيع الأول، على رأي جمهور العلماء، وقيل: في رمضان
стр. 223
ليلة اثنتي عشرة منه، وعلى رأي الجمهور: كانت في الثاني من الشهر؛ قاله ابن عبد البر، وقيل: في الثامن؛ حكاه الحميدي عن ابن حزم، ونقل ابن عبد البر، عن أصحاب التاريخ: أنهم صححوه، وقطع به الحافظ الكبير الخوارزمي، ورجحه أبو الخطاب بن دحية، وقيل: في العاشر، وقيل: في الثاني عشر، وهو المشهور عن الجمهور، وقيل: في السابع عشر، وقيل: لثمان بقين منه؛ نقل هذا كله ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (ص٢٦٠ج٢) .
ورأيت حاشية على الكامل لابن الأثير (ص٢٧٠ج١) : أن المرحوم محمود باشا الفلكي حقق بأدلة علمية أنها كانت ليلة التاسع من شهر ربيع الأول، ونقله عنه مرتضياً له محمد الخضري في ((تاريخ الأمم الإسلامية)) (ص٦٢ج١) ، وأن هذا اليوم يوافق العشرين من شهر إبريل سنة ٥٧١م، وكذلك في ((نور اليقين)) (ص٨)
وذكر في ((معالم الهجرة)) (ص ٥٨) أنها كانت في صباح اليوم الثاني عشر، أو التاسع؛ على ما حققه المرحوم العلامة الجليل محمود باشا الفلكي.
وفي ((مختصر السيرة)) للشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (ص٨) : أنها كانت لثمان خلون من ربيع الأول، وقيل: لعشر، وقيل: لاثنتي عشرة.
وفي ((ألفية العراقي)) في السيرة النبوية (ص١٥) : قدم أنه ولد لليلتين خلتا من ربيع الأول، وقيل: لاثنتي عشرة، قال المناوي في شرحها: الأصح عند الجمهور الأول، وذكر الأقوال السابقة عن ابن كثير.
فائدة
من كتاب ((ما يقال عن الإسلام)) لعباس محمود العقاد (ص٢٦٧) :
стр. 224
ولهذا كان من الخطأ أن نقرر أن القرآن الكريم يؤيد النظرية السديميّة في نشأة المنظومة الشمسية، أو نشأة الكواكب عموماً، من دخان المجرة المشهودة، أو دخان المجرات الأخري التي لا تري بالعين، ولا بالمناظير، فقد تعاقبت النظريات منذ أيام العالم الطبيعي (بوفون) إلى اليوم، عن نشأة المنظومة الشمسية، ولم يزل ينقض بعضها بعضاً حتى الساعة.
فائدة
كانت مدة أخذ القرامطة الحجر الأسود ثنتين وعشرين سنة إلا أياماً، وذلك من ذي الحجة سنة ٣١٧هـ إلى ذي القعدة سنة ٣٣٩هـ؛ ذكره في ((الكامل)) و ((البداية والنهاية)) .
أخذه في الكامل (ص٢٠٣، ٢٠٤ج٦) وفي ((البداية)) (ص١٦٠، ١٦١ج١١) .
ورده في الكامل (ص٣٣٥) ، وفي ((البداية)) (ص٢٢٣) من الجزأين المذكورين قال في ((الكامل)) : إن الذي رده هم القرامطة أنفسهم، وأنهم لما أرادوا رده، حملوه إلي الكوفة، وعلقوه بجامعها حتى رآه الناس، ثم حملوه إلى مكة، ونحوه في ((البداية والنهاية)) إلا أنه زاد أنهم علقوه على الأسطوانة السابعة من جامع الكوفة.
وهذا وقد قال القرامطة كما في ((الكامل)) و ((البداية)) هنا: إنهم أخذوه بأمر فلا يردونه إلا بأمر، وأن بحكم الأمير التركي دفع لهم خمسين ألف دينار على أن يردوه إلى موضعه، فلم يفعلوا.
وفي ((الكامل)) (ص٢٠٤) : أن المهدي أبا محمد عبيد الله بأفريقية كتب إلى أبي طاهر القرمطي الذي أخذه يوبخه ويلومه، ويتبرأ منه إن لم يرده هو والكسوة وما أخذ من أموال الناس، فرد الحجر، وما أمكنه من
стр. 225
أموال الناس.
فائدة
قال في ((الفتح)) (ص٣٠٧ج١٠) : وإن قلنا: النهي عنها- أي: عن المياثر الحمر- من أجل التشبه بالأعاجم، فهو لمصلحة دينية، لكن كان ذلك شعارهم حينئذ، وهم كفار، ثم لما لم يصر الآن يختص بشعارهم، زال ذلك المعنى، فتزول الكراهة.
وفي ((الفتح)) أيضاً (ص٢٧٢ج١٠) : أن مالكاً سئل عن لبس البرانس؟ فقال: لا بأس به، قيل: فإنه من لبوس النصارى؟ قال: كان يلبس هاهنا.
فائدة
قال في ((الفتح)) (ص٢٣٠ج٢) : والسكتة التي بين الفاتحة والسورة ثبت فيها حديث سمرة عند أبي داود وغيره.
فائدة
صفات الأذان والإقامة عند العلماء
قال الإمام أحمد: الأذان: خمس عشرة جملة، أربع تكبيرات في أوله، وشهادة الوحدانية لله تعالى والرسالة لمحمد ﷺ ، مثنى مثنى، بدون ترجيع، وحيعلة الصلاة مرتين، وحيعلة الفلاح مرتين، وتكبيرتان، ولا إله إلا الله مرة واحدة.
والإقامة: إحدى عشر جملة؛ تكبيرتان، وشهادة الوحدانية لله، والرسالة لرسوله مرة مره، وحيعلة الصلاة والفلاح مرة مرة، وقد قامت الصلاة مرتين، وتكبيرتان، ولا إله إلا الله.
ومذهب الشافعي: كمذهب أحمد، لكن يرجع الشهادتين في الأذان خاصة بأن يأتي بها خافضاً صوته جميعاً، ثم يعيدها رافعاً صوته، وليس كما نقل عنه: يخفض شهادة التوحيد أولاً، ثم يأتي بها رافعاً صوته، ثم
стр. 226
يأتي بشهادة الرسالة كذلك.
وعلى هذا: يكون الأذان تسع عشرة جملة.
ومذهب مالك: كمذهب الشافعي في الأذان، إلا أن التكبير في أوله مرتان فقط، فيكون الأذان سبع عشرة جملة.
أما الإقامة: فهي وتر في جميع جملها، ما عدا التكبير فمثنى، فتكون عشر جمل، الله أكبر مرتين، والشهادتان، والحيعلتان وقد قامت الصلاة مرة مرة، والله أكبر مرتين، ولا إله إلا الله.
ومذهب أبي حنيفة: كمذهب أحمد في الأذان، فيكون خمس عشرة جملة غير مرجع.
وأما الإقامة فيه: كالأذان عنده بزيادة: قد قامت الصلاة مرتين، فتكون سبع عشرة جملة.
وذكر في ((شرح المهذب)) (ص١٠٠ج٣) أقوالاً للشافعية في الإقامة:
منها: أن يكون تسع جمل بإفراد كل جملها، ما عدا التكبير في أولها فمرتين.
ومنها: أن تكون ثماني جمل بإفراد جميع جملها.
قلت: وحديث أنس: ((أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلا الإقامة)) (١) يدل على أن الأذان مثنى مثنى في تكبيره وتشهده وحيعلته، ما عدا التوحيد في آخره، فهو مرة لبقطع، على وتر، وأن الإقامة مرة مرة ما عدا ((قد قامت الصلاة)) .
ويؤيده: ما ذكره في ((شرح المهذب)) (ص١٠٢ج٣) عن ابن عمر- ﵄ قال: ((إنما كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين مرتين،
стр. 227
والإقامة مرة مرة، غير أنه يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة)) ؛ رواه أبو داود، والنسائي، بإسناد صحيح (١) ، فإن كان أحد من أهل العلم قال بذلك، فهو أقرب الأقوال إلى الصواب؛ وإلا فلا يمكن الخروج عما أجمعت عليه الأمة والله أعلم.
فائدة
في (ص١٥٤ج٢٤) من ((الفتاوى)) جمع ابن القاسم، قال: وإن كان البيهقي روى هذا، فهذا مما أنكر عليه، ورآه أهل العلم لا يستوفي الآثار التي لمخالفيه كما يستوفي الآثار التي له، وأنه يحتج بآثار لو أحتج بها مخالفوه، لأظهر ضعفها، وقدح فيها.
وإنما أوقعه في هذا مع علمه ودينه: ما أوقع أمثاله ممن يريد أن يجعل آثار النبي ﷺ موافقة لقول واحد من العلماء دون آخر، فمن سلك هذا السبيل، دحضت حججه، وظهر عليه نوع من التعصب بغير الحق، كما يفعل ذلك من يجمع الآثار، ويتأولها في كثير من المواضع بتأويلات يبين فسادها؛ لتوافق القول الذي ينصره، كما يفعله صاحب ((شرح الآثار)) أبو جعفر، مع أنه يروي من الآثار أكثر مما يروي البيهقي؛ لكن البيهقي ينقي الآثار، ويميز بين صحيحها وسقيمها أكثر من الطحاوي.
فائدة
أكثر بعض الناس التساؤل عن الجمع بين الأمر بالتيامن وإعجابه النبي ﷺ وبين ما ثبت من كون النبي ﷺ يعطى فيشرب، ثم يعطيه من على يمينه، فإن هذا يقتضي أن يبدأ بالأفضل دون الأيمن.
وكنا نجيب على ذلك: بأن للنبي ﷺ من التوقير والإكرام ما لا يساويه
стр. 228
غيره من ذوى الفضل، فلاختصاصه بذلك اختص الحكم به في البداءة.
وأيضاً: فإن الله يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) (الحجرات: ١) ، فلا يمكن لأحد أن يتقدم بالأخذ قبل رسول الله ﷺ ، لا سيما أصحابه الذين هم اشد الناس توقيراً واحتراما له.
وأيضاً: فإنه يحتمل أن من جاء بالشراب إنما أراد به النبي ﷺ أصالة دون غيره، ولكن لكرم النبي ﷺ كان يعطى من معه.
وأيضاً: فإنه يحتمل أن يكون الذي طلبه أولاً هو النبي ﷺ فيقدم، لأنه هو طالبه.
ومن أجل هذه الوجوه: صار فعله وأخذه الشراب لا يعارض ما أمر به من البداءة بالأيمن؛ لأن القاعدة الأصولية أن فعل الرسول ﷺ لا يعارض قوله لما يلابس الفعل من الاحتمالات.
ثم وجدت في ((صحيح البخاري)) ما يدل بصراحة على أن النبي ﷺ كان قد طلب الشراب، ففي (ص٢٠١ج٥) المطبعة السلفية من ((الفتح)) عن أنس- ﵁ قال: ((أتانا رسول الله ﷺ في دارنا هذه، فاستسقي، فحلبنا له شاة لنا، ثم شُبْته من ماء بئرنا هذه، فأعطيته، وأبو بكر عن يساره، وعمر تجاهه، وأعرابي عن يمينه، فلما فرغ، قال عمر: هذا أبو بكر، فأعطى الأعرابي فضلةً، ثم قال: الأيمنون الأيمنون؛ ألا فيمنوا، قال أنس: فهي سنة، فهي سنة، ثلاث مرات)) (١) .
وفي حديث سهل بن سعد، ((أتي النبي ﷺ بشراب، فشرب منه..)) الحديث في ((صحيح البخاري)) (٢) ، هو ظاهر في أن المقصود به رسول
стр. 229
الله ﷺ ، والله أعلم.
فائدة
في ((الفتح)) (ص١٩٣ج١) : وقد قلنا غير مرة: إن الاحتمالات العقلية لا مدخل لها في الأمور النقلية، ولو استرسل فيها مسترسل، لقال: يحتمل أن يكون (وذكر مثالاً) ، ثم قال: فيخرج بذلك إلى ما ليس بمرضي. أهـ.
فائدة
وفي ((الفتح)) (ص٥١١ج٢) : أن الدمياطي أفاد أن ابتداء دعاء النبي ﷺ على قريش بالقحط كان بمكة قبل الهجرة حين طرحوا على ظهره سلا الجزور، وقد دعا عليهم، أيضاً- بعد الهجرة، كما في حديث أبي هريرة المذكور في الباب الثاني من صلاة الاستسقاء (ص٤٩٢) من المجلد المذكور.
قال: ولا يلزم من ذلك اتحاد هذه القصص؛ إذ لا مانع أن يدعو عليهم بذلك مراراً، والله أعلم. اهـ بتصرف.
وقد أقر ابن جرير- ﵀ كلام الدمياطي؛ أن ابتداء دعاء النبي ﷺ على قريش بالقحط كان حين طرحوا سلا الجزور على ظهره، والذي رأيته في ((البخاري)) : أنه لم يدع عليهم بذلك، بل قال: ((اللهم عليك بقريش ثلاثاً)) ثم سمى سبعة أشخاص قتل أكثرهم في بدر، وألقوا في القليب.
وعليه: فالظاهر أن الدعاء عليهم بالقحط بعد الهجرة؛ كما هو صريح حديث أبي هريرة أو ظاهره.
стр. 230
ثم تبين لي: أن أصل الدعاء بالقحط كان قبل الهجرة، لكن ليس بعدد سنين كسنى يوسف، ولم يكن سببه وضع السلال على ظهره؛ بل إبطاء قريش عن الإسلام، والله أعلم.
فائدة
في ((الآداب الشرعية)) (ص١٠٣-١٠٤ج٣) :
روى أبو بكر بن أبي شيبة، بإسناده، عن عائشة ﵄ أنها كانت لا تري بأساً أن تعوذ بالماء، ثم يصب على المريض.
وفي (ص ٤٧٧ج٢) من الكتاب المذكور: قال صالح (يعني: ابن أحمد بن حنبل، رحمهما الله تعالى) : ربما اعتللت، فيأخذ أبي قدحاً فيه ماء، فيقرأ عليه، ويقول لي: اشرب منه، واغسل وجهك ويديك..وذكر نصوصاً أخرى.
قلت: وفي ((سنن أبي داود)) (ص٤٧٧ج٢) الطبعة الأولى، شركة مصطفي الحلبي: أن النبي ﷺ دخل على ثابت بن قيس وهو مريض، فقال: ((اكشف الباس، رب الناس، عن ثابت بن قيس بن شماس، ثم أخذ تراباً من بطحان، فجعله في قدح، ثم نفث عليه بماء، وصبه عليه)) (١) .
فائدة
قال ابن حجر في ((فتح البارى)) (ص٢٠٣ج٩) :
والذي وضح لنا بالأدلة القوية أن من خصائص النبي ﷺ جواز الخلوة بالأجنبية، والنظر إليها، وهو الجواب الصحيح عن قصة أم حرام بنت ملحان في دخوله عليها ونومه عندها وتفليتها رأسه، ولم يكن بينهما محرمية ولا زوجية. اهـ.
стр. 231
فائدة
سئلتُ عن رجل تزوج امرأة، ثم تبين أن زوجة جده أرضعتها بعد موت جده بعشرين سنة، لأنها حضنت هذه الزوجة، فدرت عليها بعد أن انقطع لبنها.
فتوقفت فيها، ثم نظرت في كلام أهل العلم في ذلك، فوجدت أصرح كلام فيها كلام الشافعية، حيث قال في ((شرح منهاج الطالبين)) : ولا تنقطع نسبة اللبن عن زوج مات أو طلق وله لبن، طالت المدة، أو انقطع وعاد؛ لأنه لم يحدث ما يحال عليه، وقيل: إن عاد بعد أربع سنين، لا ينسب إليه؛ كما لو أتت بولد بعدها. اهـ. حاشية قليوبي وعميرة (ص٥٦ج٤) .
وقال في ((المهذب)) (ص٩٦ج١٧) ، نشر مكتبة الإرشاد، إذا ثار لها لبن على ولد من زوج، فطلقها، وتزوجت بآخر، فاللبن للأول، فإن أرضعت طفلاً، كان للأول، زاد اللبن أم لم يزد، انقطع ثم عاد أو لم ينقطع؛ لأنه لم يوجد سبب يوجب حدوث اللبن غير الأول. اهـ.
وهذا فيما إذا لم تحمل من الثاني، فإن حملت منه، فقد ذكر حكمه.
وفي ((إعانة الطالبين)) (ص٢٨٨ج٣) : ولا تنقطع نسبة اللبن عن صاحبه وإن طالت المدة جداً أو انقطع ثم عاد، إلا بولادة من آخر، فاللبن قبلها للأول، واللبن بعدها للآخر. اهـ.
أما كلام الحنابلة: ففيه إيماء إلى مثل ما قاله الشافعية، قال في ((الإقناع)) وشرحه (ص٢٩٦ج٣) : وإذا تزوج امرأة لها لبن من زوج قبله، فحملت منه ولم تلد ولم يزد لبنها، أو لم تحمل، فهو للأول..إلى أن قال: وإن انقطع لبن الأول، ثم ثاب بحملها من الثاني، فهو لهما، لأن اللبن كان للأول، فلما عاد بحدوث الحمل، فالظاهر: أن لبن الأول ثاب بسبب الحمل من الثاني؛ فكانا مضافاً إليهما، كما لو لم ينقطع اهـ.
стр. 232
أما المالكية: فكلامهم يدل على أن اللين يكون لمن نسب إليه حتى ينقطع، قال في ((جواهر الإكليل)) (ص٤٠٠ج١) : وقدر الطفل ولداً لصاحبه، أي: اللبن، سواء كان زوجاً أو سيدا، من حين وطئه صاحبة اللبن الذي أنزل فيه، لا من عقده ولا وطئه بلا إنزال ويستمر تقدير الوالدية لصاحبه، لانقطاعه (يعني: إلى انقطاعه) ، ولو كان الانقطاع بعد سنين من غير تحديد بعدد مخصوص، كما في ((المدونة)) ولو طلقها أو مات عنها، وتمادى بها اللبن أكثر من خمس سنين. اهـ.
فتبين بذلك أن هذه المسألة ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن اللبن ينسب إلى من ثاب منه، ولو انقطع ثم عاد، سواء تزوجت بعد الأول أم لا، وهذا مذهب الشافعي، ما لم تلد من الثاني، فيكون اللبن منسوباً إليه.
وعلى هذا: فنكاح هذه المرأة باطل، لأن اللبن الذي ارتضعته ينسب إلى جد زوجها، فتكون عمة له أو خالة.
القول الثاني: أنه إن عاد قبل أربع سنين من البينونة، نسب إليه، وإن عاد بعدها، لم ينسب إليه، وهذا أحد القولين في مذهب الشافعية.
القول الثالث: أن اللبن ينسب إلي من ثاب منه إلي انقطاعه، فإذا انقطع، ثم عاد، لم ينسب إليه وهذا ظاهر مذهب مالك. وعلى هذين القولين فنكاح هذه المرأة صحيح لأن للبن الذي ارتضعته لا ينسب إلى جد زوجها، فلا يكون بينها وبينه محرمية، لأنها بنت امرأة جده حيث ثبتت الأمومة هنا دون الأبوة.
والراجح عندي من هذه الأقوال: أن اللبن ما دام مستمرا لم ينقطع، أو انقطع لسبب ثم عاد بزواله، فهو منسوب لمن ثاب منه، سواء بقيت عنده أو بانت منه، إلا أن تلد من زوج بعده، فاللبن للثاني.
стр. 233
وأما إذا انقطع لغير سبب ثم عاد:
فإن كانت باقية مع من ثاب منه، فاللبن منسوب إليه، لأن الفراش باق له، والنسب لاحق له، فكذلك اللبن.
وإن كانت قد بانت منه، لم ينسب اللبن إليه، فلا تثبت أبوته لمن ارتضعه، لكن إن عاد عند الزوج الثاني، فالظاهر: أنه ينسب إليه، فيكون أباً لمن ارتضعه؛ لأن الفراش له، والنسب لاحق له، فكذلك اللبن، وهذا الظاهر متعين ما لم يمنع منه إجماع.
فائدة
إذا تزوجت المرضع زوجاً آخر، فأرضعت عنده بلبنها طفلاً، فلا يخلو من خمس حالات:
الأولى: أن لا تحمل من الثاني: فاللبن للأول بكل حال.
الثانية: أن تلد من الثاني، فاللبن له بكل حال، قاله في ((الكافي)) ، وهو الصواب، والمذهب - كما في ((الإقناع)) و ((المنتهى)) -: يكون للأول والثاني، إلا أن يزيد اللبن، فيكون للثاني.
الثالثة: أن تحمل من الثاني، فيزيد اللبن بالحمل، فاللبن لهما؛ هذا ما في ((الكافي)) وهو الصواب، والمذهب - كما في ((المنتهى)) و ((الإقناع)) -: يكون للأول إلا أن تكون الزيادة في أوانها، فاللبن لهما.
الرابعة: أن تحمل من الثاني، ولا يزيد اللبن، فاللبن للأول.
وهذه الأحوال كلها فيما إذا كان اللبن مستمراً لم ينقطع، فأما إن انقطع ثم عاد بالحمل، فهي الحال الخامسة، وفيها ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه للثاني، وهو الصواب.
والثاني: أنه للأول.
والثالث: إن عاد في أوانه، فلهما، وإن كان قبل أوانه، فللأول.
стр. 234
(انظر الفائدة السابقة) .
فائدة
في ((الصحيحين)) عن عائشة- ﵂ في قصة حيضها وهي معتمرة في حجة الوداع؛ فقال النبي ﷺ ((افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري)) (١) ، فتوهم بعض الناس أنه أباح لها أن تسعى بين الصفا والمروة، وهى لم تطف، وهذا وهم باطل لوجوه:
أحدها: أن في ((الموطأ)) من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عنها؛ أن النبي ﷺ قال: ((غير أن لا تطوفي بالبيت ولا بين الصفا والمروة حتى تطهري)) (٢) (ص٣٧٧ج٢) ش الزرقاني.
الثاني: أن في ((الصحيحين)) عنها، قالت: ((فقدمت مكة وأنا حائض ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فقال: انقضي رأسك وامتشطي وأهلى بالحج ودعي العمرة)) ؛ (البخاري ص٤١٥ج ٣فتح، ومسلم ص٨٧٠) .
الثالث: أن في ((صحيح مسلم)) عن جابر (ص٨٨١) ؛ أن النبي ﷺ قال لها: ((إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي، ثم أهلي بالحج)) ؛ ففعلت ووقفت المواقف حتى إذا طهرت، طافت بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال: ((قد حللت من حجك وعمرتك جميعاً)) .
فهذه نصوص ظاهرة في أنها لم تسع بين الصفا والمروة، إلا بعد أن طهرت.
فائدة
اختلف العلماء- ﵏ في المتمتع هل يلزمه سعيان، أو يكفيه
стр. 235
سعى واحد؟
والصواب: أنه يلزمه سعيان، لما رواه البخاري (ص٤٣٣ج٣ فتح) ، عن ابن عباس- ﵄-أنه سئل عن متعة الحج؟ فذكر الحديث وفيه: ثم أمرنا (يعني رسول الله ﷺ عشية التروية أن نهل بالحج، فإذا فرغنا من المناسك، جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وقد تم حجنا وعلينا الهدي.
ولما رواه أيضاً (ص٤١٥) ، من الجزء المذكور، عن عائشة- ﵂ قالت: خرجنا مع النبي ﷺ في حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال النبي ﷺ : ((من كان معه هدي، فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً)) فذكرت الحديث، وفيه: قالت: فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من مني، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافاً واحدا.
فائدة
قال الشيخ تقي الدين (ص١٨٠ج١٢) من ((مجموع الفتاوى)) :
وأما التكفير، فالصواب: أنه من اجتهد من أمة محمد ﷺ ، وقصد الحق، فأخطأ- لم يكفر، بل يغفر له خطؤه، ومن تبين له ما جاء به الرسول، فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، واتبع غير سبيل المؤمنين - فهو كافر، ومن اتبع هواه، وقصر في طلب الحق، وتكلم بلا علم-فهو عاص مذنب، ثم قد يكون فاسقاً، وقد تكون له حسنات ترجح على سيئاته، فالتكفير يختلف بحسب اختلاف حال الشخص، فليس كل مبتدع ولا مخطئ ولا جاهل ولا ضال يكون كافراً، بل ولا فاسقاً بل ولا عاصياً اهـ.
стр. 236
فائدة
قال الشيخ تقي الدين (ص٣٠٧ج١١) من ((مجموع الفتاوى)) :
والمقصود هنا أن الجن مع الإنس على أحوال:
من كان يأمر الجن بما أمر الله به ورسوله، ويأمر الإنس بذلك، فهو من افضل أولياء الله.
من كان يستعمل الجن في أمور مباحة له، فهو كمن استعمل الإنس في ذلك.
(ج) من كان يستعملهم فيما نهي الله عنه ورسوله؛ كالشرك، وقتل المعصوم، والعدوان
عليه بما دون القتل: فإن استعان بهم على الكفر، فهو كافر، وعلى المعاصى، فهو عاص: إما فاسق، وإما مذنب غير فاسق. اهـ. ملخصاً.
وقال (ص٦٢ج١٩) من ((المجموع)) : وأما سؤال الجن، وسؤال من يسألهم، فإن
كان على وجه التصديق لهم في كل ما يخبرون به، والتعظيم للمسئول: فهو حرام، وإن كان ليمتحن حاله، ويختبر باطن أمره، وعنده ما يميز به صدقه من كذبه: فهذا جائز، وذكر أدلة ذلك، ثم قال: وكذلك إذا كان يسمع ما يقولونه، ويخبرون به عن الجن، كما يسمع المسلمون ما يقول الكفار والفجار، ليعرفوا ما عندهم فيعتبروا به، وكما يسمع خبر الفاسق ويتبين ويتثبت، فلا يجزم بصدقه ولا كذبه إلا ببينة.
ثم ذكر أنه روي عن أبي موسى الأشعري، أنه أبطأ عليه خبر عمر، وكان هناك امرأة لها قرين من الجن، فسأله عنه؟ فأخبره: أنه ترك عمر يسم إبل الصدقة، وفي خبر آخر: أن عمر أرسل جيشاً، فقدم شخص إلي المدينة، فأخبر أنهم انتصروا على عدوهم، وشاع الخبر، فسأل عمر عن ذلك، فذكر له، فقال: هذا أبو الهيثم بريد المسلمين من الجن، وسيأتي
стр. 237
بريد الإنس بعد ذلك، فجاء بعد ذلك بعدة أيام اهـ.
وقال في ((كتاب النبوات)) (ص٢٦٠) : والجن الذين يطيعون الإنس، وتستخدمهم الإنس ثلاثة أصناف:
أعلاها: أن يأمرهم بما أمر الله به ورسله ... وذكر كلاماً.
ثم قال: ومن الناس من يستخدم من يستخدمه من الإنس في أمور مباحة، كذلك فيهم من يستخدم الجن في أمور مباحة، لكن هؤلاء لا يخدمهم الإنس والجن إلا بعوض، مثل أن يخدموهم كما يخدمونهم، أو يعينوهم على بعض مقاصد، وإلا فليس أحد من الإنس والجن يفعل شيئاً إلا لغرض، والإنس والجن إذا خدموا الرجل الصالح في بعض أغراضه المباحة: فإما أن يكونوا مخلصين يطلبون الأجر من الله، وإلا طلبوه منه: إما دعاؤه لهم، وإما نفعه لهم بجاهه، أو غير ذلك.
القسم الثالث: أن يستخدم الجن في أمور محظورة، أو بأسباب محظورة، وذكر أن هذا من السحر، وذكر كلاماً كثيراً.
ثم قال (ص٢٧) : والجن المؤمنون قد يعينون المؤمنين بشيء من الخوارق، كما يعين الإنس المؤمنون للمؤمنين بما يمكنهم من الإعانة. اهـ.
فائدة
قال شيخ الإسلام في ((كتاب النبوات)) (ص١٧٢-١٧٣) ، مفرقاً بين النبي والرسول: أن النبي ﷺ ينبئه الله وهو ينبئ بما أنبأ الله به، فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه، فهو رسول. وأما إذا كان إنما كان يعمل بالشريعة قبله، ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة، فهو نبي وليس برسول.
فائدة
في ((صحيح البخاري)) ، باب غزوة الفتح في رمضان، عن ابن عباس-
стр. 238
رضي الله عنهما- أن النبي ﷺ أفطر حين بلغ الكديد، فلم يزل مفطراً حتى انسلخ الشهر)) (١) .
فائدة
ذكر شيخ الإسلام ابن تيميه: أنه لا يقبل الرجوع عن الإقرار في ((مجموع الفتاوى)) (ص٣١-٣٢ج١٦) ، قال: وقد قيل في ماعز: إنه رجع عن الإقرار، وهذا هو أحد القولين فيه في مذهب أحمد، وهو ضعيف، والأول أجود.
وهؤلاء يقولون: سقط الحد؛ لكونه رجع عن الإقرار، ويقولون: رجوعه عن الإقرار مقبول، وهو ضعيف، بل فرق بين من أقر تائباً، ومن أقر غير تائب، فإسقاط العقوبة بالتوبة كما دلت عليه النصوص أولى من إسقاطها بالرجوع عن الإقرار، والإقرار شهادة منه على نفسه، ولو قبل الرجوع، لما قام حد بإقرار، فإذا لم نقبل التوبة بعد الإقرار مع أنه قد يكون صادقاً، فالرجوع الذي هو فيه كاذب أولى. اهـ.
فائدة
قال في ((مختصر الصواعق)) ، أثناء كلامه على حديث النزول (ص٣٨١) مطبعة الإمام:
الحادي عشر: أن الخبر وقع عن نفس ذات الله تعالى، لا عن غيره؛ فإنه قال: ((إن الله ينزل إلى السماء الدنيا)) فهذا خبر عن معنى لا عن لفظ، والمخبر عنه هو مسمى هذا الاسم العظيم، فإن الخبر يكون عن اللفظ تارة، وهو قليل، ويكون عن مسماه ومعناه، وهو الأكثر، فإذا قلت: ((زيد عندك، وعمرو قائم)) فإنما أخبرت عن الذات لا عن الاسم.
стр. 239
فقوله تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) (الزمر: من الآية٦٢) هو خبر عن ذات الرب تعالى، فلا يحتاج المخبر أن يقول: خالق كل شيء بذاته، وقوله (اللَّهُ رَبُّكُمْ) قد علم أن الخبر عن ذاته نفسها، وقوله: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) (الأنعام: ١٢٤) ، وكذلك جميع ما أخبر الله به عن نفسه إنما هو خبر عن ذاته، لا يجوز أن يخص من ذلك إخبار واحد ألبته.
فالسامع قد أحاط علماً بأن الخبر إنما هو عن ذات المخبر عنه، ويعلم المتكلم بذلك، لم يحتج أن يقول: إنه بذاته فعل وخلق واستوى، فإن الخبر عن مسمى اسمه وذاته، هذا حقيقة الكلام، ولا ينصرف إلى غير ذلك، إلا بقرينة ظاهرة تزيل اللبس، وتعين المراد، فلا حاجة بنا أن نقول: استوى على العرش بذاته، وينزل إلي السماء بذاته، كما لا يحتاج أن نقول: خلق بذاته، وقدر بذاته، وسمع وتكلم بذاته، وإنما قال الأئمة ذلك إبطالاً لقول المعطلة اهـ,
وقوله: فإن الخبر يكون عن اللفظ تارة، مثاله: قول المعربين في: ((زيد قائم: زيد: مبتدأ، وقائم: خبره.
فائدة
آخر قرن الصحابة: سنة (١١٠-١٢٠هـ) .
وآخرون قرن التابعين: سنة (١٨٠هـ) .
وآخر قرن تابعي التابعين: سنة ٢٢٠هـ. وانظر ((فتح الباري)) (ص٦ج٧) .
فائدة
((من الصواعق المرسلة)) (٢/٥٧٩) لابن القيم.
ولا خلاف بين الأئمة أنه إذا صح الحديث عن رسول الله ﷺ ، لم يكن عدم العلم بالقائل به مسوغاً لمخالفته؛ فإنه دليل موجب للاتباع، وعدم العلم بالمخالف لا يصلح أن يكون معارضاً، فلا يجوز ترك الدليل له.
стр. 240
وإذا تأملت هذا الموضع، وجدت كثيراً من أعيان العلماء قد صاروا إلى أقوالٍ متمسكهم فيها عدم العلم بالمخالف، مع قيام الأدلة الظاهرة على خلاف تلك الأقوال، وعذرهم ﵃: أنهم لم يكن لأحد منهم أن يبتدئ قولاً لم يعلم به قائلاً، مع علمه أن الناس قد قالوا خلافه، فيتركب من هذا العلم وعدم ذلك العلم الإمساك عن اتباع ذلك الدليل، وها هنا انقسم العلماء إلى ثلاثة أقسام:
فقسم: أخذوا بما بلغهم من أقوال أهل العلم وقالوا: لا يجوز أن نخالفهم، ونقول قولاً لم نسبق إليه؛ وهؤلاء معذورون قبل وصول الخلاف إليهم.
وقسم: توقفوا وعلقوا القول فقالوا: إن كان في المسألة إجماع، فهو أحق ما اتبع، وإلا فالقول فيها كيت وكيت، وهو موجب الدليل، ولو علم هؤلاء قائلاً به، لصرحوا بموافقته، فإذا علم به قائل، فالذي ينبغي ولا يجوزه غيره: أن يضاف ذلك القول إليهم، لأنهم إنما تركوه لظنهم أنه يضاف لا قائل به، وأنه لو كان قائل، لصاروا إليه، فإذا ظهر به قائل، لم يجز أن يضاف إليهم غيره إلا على الوجه المذكور، وهذه الطريقة أسلم.
وقسم ثالث: اتبعوا موجب الدليل، وصاروا إليه، ولم يقدموا عليه قول من ليس قوله حجة، ثم انقسم هؤلاء إلى قسمين:
فطائفة: علمت أنه يستحيل أن تجمع الأمة على خلاف هذا الدليل، وعلمت أنه لابد أن يكون في الأمة من يقول بموجبه وإن لم يبلغهم قوله، فما كل ما قاله كل واحد من أهل العلم وصل إلى كل واحد من المجتهدين، وهذا لا يدعيه عاقل، ولا يدعى في أحد..
وطائفة قالوا: يجوز أن لا يتقدم به قائل، ولكن لا يلزم انعقاد الإجماع على خلافه؛ إذا لعل تلك النازلة تكون قد نزلت، فأفتى فيها بعض
стр. 241
العلماء أو كثير منهم أو أكثرهم بذلك القول، ولم يستفت فيها الباقون، ولم تبلغهم، فحفظ فيها قول طائفة من أهل العلم، ولم يحفظ لغيرهم فيها قول، والذين حفظ قولهم فيها ليسوا كل الأمة فتحرم مخالفتهم..
ومما يوضح ذلك: أن كل من ترك موجب الدليل لظن الإجماع، فإنه قد تبين لغيره أنه لا إجماع في تلك المسألة، والخلاف فيها قائم، ونحن نذكر طرفاً من ذلك يسيراً يستدل به العالم على ما وراءه:
فمن ذلك: قول مالك- ﵀: لا أعلم أحداً أجاز شهادة العبد، وروى أحمد عن أنس: لا أعلم أحداً رد شهادة العبد.
ومن ذلك قول مالك: لا أعلم أحداً أوجب الصلاة على النبي ﷺ مع أن وجوبها محفوظ عن أبي جعفر الباقر.
وقال الشافعي: أجمعوا على أن المعتق بعضه لا يرث، وقد صح توريثه عن علي، وابن مسعود ﵄.
وقال سفيان الثوري: فيمن طلق المدخول بها، ثم راجعها، ثم طلقها: تستأنف العدة، قال: أجمع الفقهاء على هذا؛ فقد حكى الإجماع، مع أن النزاع موجود في ذلك قبله وبعده.
وحكى الليث بن سعد الإجماع على أن المسافر لا يقصر الصلاة في أقل من يومين، والنزاع في ذلك أشهر من أن يذكر.
وقال الشافعي: ودل إجماعهم على أن من حلق في الإحرام عمداً أو خطأ، أو قتل صيداً عمداً أو خطأ، في الكفارة سواء، ومعلوم ثبوت النزاع في ذلك قديماً وحديثاً.
ونقل ابن المنذر: إجماع من يحفظ عنه من أهل العلم: أنه إذا قال لزوجته: أنت طالق ثلاثاً إن دخلت الدار، ثم طلقها ثلاثاً قبل أن تدخل، فتزوجت، ثم عادت للأول، فدخلت الدار: أنه لا يقع عليها الطلاق،
стр. 242
والنزاع في هذه المسألة معروف.
ونقل ابن المنذر أيضاً إجماع من يحفظ عنه أهل العلم: أنه إذا قال لامرأته: أنت طالق إن شئت، فقالت: قد شئت إن شاء فلان، أن هذا رد منها، ولا تطلق إن شاء فلان، مع أن لأصحاب الشافعي فيها وجهين.
ونقل أيضاً إجماع من يحفظ عنه من أهل العلم: أنه إذا قال: أنت طالق ثلاثاً إلا اثنتين، تطلق واحدة، والخلاف في هذا مشهور، فإن مذهب أحمد أنها تطلق ثلاثاً، وقال أبو بكر بن عبد العزيز: لا يصح الاستثناء في الطلاق.
ونقل ابن عبد البر الإجماع على أن الاعتكاف يلزم بالشروع، والخلاف في ذلك أشهر شيء.
قلت: ونقل ابن عبد البر، وأبوعبيد الإجماع على أنه لا يقضى من الزكاة دين على ميت، ونقل ابن المنذر، عن أبي ثور: جوازه، واختاره شيخنا، وذكره إحدى الروايتين عن أحمد، قاله في ((الفروع)) .
ونقل صالح بن أحمد، عن أبيه: أنه لا اختلاف أن لا يرث المسلم الكافر، والخلاف في ذلك مشهور عن الصحابة والتابعين.
وكذا قال ابن القيم، ولعل المراد الكافر المرتد.
ونقل ابن عبد البر الإجماع على أنه لا يقبل في رؤية هلال شوال إلا شهادة رجلين عدلين، والخلاف في ذلك مشهور، وقد حكى ابن المنذر، عن أبي ثور وطائفة من أهل الحديث: القول بقبول الواحد في الصوم والفطر.
وذكر ابن القيم ﵀ ما ذكره بعض العلماء من أن الحالف بالطلاق والعتق يقع طلاقه وعتقه، وأن المتكلم بالطلاق الثلاث مرة واحدة يقع به الثلاث، وأن الطلاق في الحيض يقع مع أن الخلاف في ذلك
стр. 243
ثابت.
قلت: ومن ذلك نقل الإجماع على أن الأب يزوج ابنته البكر الصغيرة ولو كانت لا يؤطأ مثلها. وقد حكي ابن حزم عن ابن شبرمة، أنه لا يزوجها حتى تبلغ وتأذن.
فائدة
في ((فتح الباري)) (١٣/٢١٩) ورد في عدة أخبار النبي ﷺ حرس في بدر، وأحد، والخندق، وفي رجوعه من خيبر، وفي وادي القرى، وعمرة القضية، وحنين، قال: وتتبع بعضهم أسماء من حرس النبي ﷺ ، فجمع منهم: سعد بن معاذ، ومحمد بن مسلم، والزبير، وأبو أيوب، وذكوان بن عبد القيس، والأدرع السلمي، وابن الأدرع واسمه محجن، ويقال: سلمة، وعباد بن بشر، والعباس، وأبو ريحانة؛ فهؤلاء عشرة رجال، وسبع وقائع.
فائدة
عن عوف بن مالك بن الطفيل؛ أن عائشة- ﵂ حدثت أن عبد الله بن الزبير ﵁ قال- في بيع أو عطاء أعطته عائشة-: والله لتنتهين عائشة، أو لأحجرن عليها، فهجرته لذلك، فلما طال الهجر، استشفع إليها ابن الزبير، فلم تقبل، لأنها نذرت الهجر، فكلم المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وقال لهما: أنشدكما الله لما أدخلتماني على عائشة، فإنها لا يحل لها أن تنذر قطيعتي، فأقبلا حتى استئذنا على عائشة وسلما، فقالت: ادخلوا، قالوا: كلنا؟ قالت: نعم ادخلوا كلكم، ولا تعلم أن معهما ابن الزبير، فلما دخلوا دخل ابن الزبير الحجاب، فاعتنق عائشة، وطفق يناشدها ويبكي، وطفق المسور وعبد الرحمن يناشدانها إلا كلمته وقبلت منه، ويقولان: النبي ﷺ نهى
стр. 244
عما عملت من الهجرة، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فلما أكثروا طفقت تذكرهما وتبكي وتقول: إني نذرت والنذر شديد، فلم يزالا بها حتى كلمت ابن الزبير، وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة، وكانت تذكر نذرها بعد ذلك فتبكي حتى تبل دموعها خمارها، رواه البخاري في ((الأدب)) من ((صحيحه)) (١) .
في هذا الحديث فوائد:
منها: أن الحجاب الذي كان لأمهات المؤمنين ليس الحجاب الذي كان لغيرهن، فإن ظاهر هذا الحديث يقتضي أن هذا الحجاب كان يحجبها حتى جسدها عن العيون، بدليل: ((دخل ابن الزبير الحجاب)) ، وهو ظاهر. (انظر الفائدة الآتية) .
فائدة
في ((صحيح البخاري)) عن عروة بن الزبير، قال: كان عبد الله بن الزبير أحب البشر إلى عائشة بعد النبي ﷺ ، وأبي بكر، وكان أبر الناس بها، وكانت لا تمسك شيئاً مما جاءها من رزق الله تصدقت، فقال ابن الزبير: ينبغي أن يؤخذ على يديها، فقالت: أيؤخذ على يدي؟ ! على نذر إن كلمته، فاستشفع إليها برجال من قريش وأخوال رسول الله ﷺ خاصة، فامتنعت، فقال له الزهريون أخوال رسول الله ﷺ منهم عبد الرحمن بن السود بن عبد يغوث، والمسور بن مخرمة-: إذا استأذنا فاقتحم ففعل، فأرسل إليها بعشر رقاب، فأعتقتهم، ثم لم تزل تعتقهم حتى بلغت أربعين، فقالت: وددت أني جعلت حين حلفت عملاً أعمله فأفرغ منه. ذكره البخاري في ((مناقب قريش)) (٢) وفيه: دليل على إجراء النذر مجري
стр. 245
اليمين. (وانظر تمام القصة في الفائدة السابقة) .
فائدة
العدالة الظاهرة يكتفى بها على المذهب في مواضع:
الأول: فيما إذا أخبره بنجاسة الماء.
الثاني: في الأذان.
الثالث: في ولاية المال.
الرابع: في ولاية النكاح.
الخامس: في شهادة النكاح.
وأما في الدلالة على الماء، وفي التنبيه على زيادة أو نقص في الصلاة: فإن ظاهر كلامهم: لا تكفي العدالة ظاهراً، وفيه نظر؛ فإن ذلك خبر ديني، فيكون كالأذان، أو الإخبار بنجاسة الماء ونحوه، وقد صرحوا باشتراط العدالة باطناً في الإخبار بدخول رمضان.
السادس: في الموصى إليه.
السابع: في ناظر الوقف؛ حيث اشترطت في ظاهر قولهم، فإنهم قاسوها على ولاية مال الصبي.
فائدة
من المشهود لهم بالجنة: العشرة، وهم: أبو بكر، وعمر وعثمان، وعلى، وسعد أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وابو عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، ومنهم: عبد الله بن مسعود، وعكاشة بن محصن، وثابت بن قيس، وأبو سفيان بن الحارث، كما في ((الهدي)) (ص٣٨٩ج٢) ، وعبد الله بن سلام، وسعد بن معاذ، وبلال، وأم سليم امرأة أبي طلحة، وأصيرم أو الأصرم عمرو بن ثابت بن عبد الأشهل الأنصاري، من شهداء أحد، وزوجات النبي ﷺ ،
стр. 246
وعمير بن الحمام؛ كما في قصة بدر، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب؛ ذكره ابن القيم في ((غزوة الفتح)) .
فائدة
قوله:
(حرف أبوها أخوها من مهجنةٍ وعمها خالها قوداء شمليل)
صورة ذلك: جمل أورق أضرب ابنته، فنتجت بكراً أزرق، ثم أضربها مرة ثانية، فنتجت بكراً أملح.
ثم أن الأملح أضرب أمه بنت الأورق، فأتت ببكرة سوداء؛ فهذه السوداء أبوها هو أخوها من أمها، وهو الأملح، وعمها خالها هو الأزرق، لأنه أخو أمها من أبيها، فهو خال، وأخو أبيها من أمه وأبيه، فهو عم، وهو - أيضا- من جهة أخرى: أخوها من أمها؛ فهو خال عم خال، والله أعلم.
انتهى
((المنتقى من فرائد الفوائد))
بقلم كاتبه:
محمد بن صالح العثيمين
والحمد لله رب العالمين.