الثاني: أن ينتقل نفعها المعقود عليه بعوض كالإجارة، فإن شرط القطع عمل به؛ وإلا أو شرط البقاء، فعلى ضربين:
الأول: أن يختار المستأجر القلع؛ فله ذلك ولا يلزمه تسوية الحفر.
الثاني: أن لا يختاره؛ فإن كان مسجداً ونحوه أو بناء وقف على مسجد لم يهدم، وتلزم الأجرة حتى يبيده، وإلا فعلى قسمين:
الأول: أن يكون مالك الأرض تام الملك، فيخير بين ثلاثة أمور:
الأول: تملكه بقيمته.
الثاني: أن يتركه بأجرة المثل.
الثالث: أن يقلعه وعليه نقصه لا مؤونة القلع.
القسم الثاني: أن لا يكون تام الملك كالموقوف عليه، فليس له تملكه إلا بشرط واقف أو رضا يستحق، قال المنقح: أو مع نفع، ولا له قلعه في ظاهر كلامهم؛ قاله في ((الإقناع)) ؛ فعلى هذا: يبقى بأجرة المثل، قاله في ((شرح الإقناع)) .
النوع الثالث: أن ينتقل ملكها إلى من خرجت عنه بفسخ كفسخ مبيع وقد غرس المشتري، فإن اختار القلع، فله، وإلا خير البائع بين الثلاثة السابقة في المؤجر.
الرابع: أن يتنقل الانتفاع بها الذي بلا عوض كالمعارة، فإن شرط القلع، لزم، ولا يلزم المستعير تسويتها بلا شرط. وإن لم يشترط: فإن اختاره مستعير، أجيب ولزمه تسوية الحفر، وإلا لم يجبر إن حصل عليه نقص ولم يضمنه معير، وخير المعير بين أخذ قيمته أو قلعه، ويضمن نقصه فإن أباهما بيعت الأرض معهما إن رضيا أو أحدهما، وإلا تركت حتى يصطلحا بلا أجرة.
الخامس: أن تنتقل عن اليد العادية كالغاصبة إلي مالكها، فيمنع
стр. 37
صاحبها من تملكها. قال المجد: إلا إن نقصت الأرض بالقلع، فليزم الغاصب القلع، وتسوية الأرض، وأجرتها وضمان نقصها، فإن كان البناء والغراس منها، فعليه أجرتهما معها، ولا يملك إزالتهما، فإن فعل، لزمه تسوية الأرض وضمان نقصه ونقصها، وإن طلب المالك إزالة الغرس، أجيب مع غرض صحيح؛ وإلا فلا. وإن كان الغرس من واحد، والأرض من آخر، فكـ:
النوع السادس: أن يحمل السيل غرساً أو نوي إلي أرضه، فيخير مالكها بين أخذه بالقيمة أو قلعه، ويضمن نقصه، وكذا لو غرس مشتر في شقصٍ أخذه شفيع؛ لكن إن اختار رب الغرس أخذه، أجيب، ولو مع ضرر الأرض، كما في ((المنتهى)) ومثل ذلك إذا فعل الورثة ذلك في أرض موصى بها قبل قبول الموصى له.
هذا وقد ذكروا في ((كتاب الصداق)) : أن المرأة إذا بنت في الأرض المصدقة، ثم تنصف فللزوج تملك الزيادة بقيمتها، وأنها لو بذلت له النصف بزيادته، لزمه قبوله، قاله في ((شرح الإقناع)) بحثاً.
وقد سبق في الغصب فيمن غصب خشباً وسمّره الغاصب بمسامير، ثم وهبها لمالك الخشب، لم يلزمه قبولها للمنة، فليحرر الفرق بين البناء والمسامير، ولذلك لو بذلت نصف الأرض مزروعة بنصف زرعها، لم يلزمه القبول؛ قدمه في ((المغني)) و ((الشرح)) ، و ((شرح ابن رزين)) ، وغيرهم، وصححه في ((تصحيح الفروع)) وقال: وقد تقدم نظير هذه المسألة في ((باب الغصب)) .
وأقول: الظاهر أن لا فرق بين تلك المسائل، وأنه لا يلزمه القبول؛ كما هو جادّة المذهب في أن الأعيان لا يلزم قبولها، والله أعلم.
السابع: أن ينتقل استحقاق نفعها كموقوفة، فيتبعها إن كان منها؛
стр. 38
وإلا فعلى قسمين:
الأول: أن لا يشهد صاحبها أنه له فيتبعها.
الثاني: أن يشهد، فإن كان الوقف عليه وحده، فهو له محترماً؛ وإلا مغير محترم.
النوع الثامن: أن تنتقل إلى بائع لفلس مشتر إذا رجع فيها فإن اختار قلعه الغريم أو مع فلس، أجيب، ولزمه النقص، وتسوية الحفر، وإلا فلصاحب الأرض أخذه بقيمته، أو قلعه ويغرم نقصه.
فائدة
إذا انتقلت الأرض وفيها زرع، فعلى ثمانية أنواع:
أحدها: أن ينتقل ملكها، فلا يخلو الزرع من حالين:
إحداهما: أن يكون مما لا يؤخذ إلا مرة كبُرّ، فلناقل إلا بشرط.
الثانية: أن يكون مما يؤخذ مراراً، فيتبع الأرض، لكن الجزة ونحوها الظاهرة عند الانتقال لناقل إلا بشرط، ويلزمه جزها في الحال، وإن لم تكن حينه ظاهرة، تبعت الأرض. وأما البذر: فإن كان مما يبقي، أصله فكالشجرة؛ وإلا فكالزرع.
النوع الثاني: أن ينتقل ملك نفعها كمؤجرة، فلا يخلو من حالتين أيضاً:
إحداهما: أن يكون بقاؤه بتفريط المستأجر؛ فإن أختار قلعه، أجيب، وإلا خير رب الأرض بين تركه بأجرة المثل أو تملكه بالقيمة؛ كما في ((المنتهى)) وغيره. وقيل: كزرع غاصب؛ فيأخذه بالنفقة؛ وعزاه الموضح للأصحاب.
الحالة الثانية: أن لا يكون بتفريط المستأجر؛ كتأخر الزرع لنحو برد ومثله لو أستأجرها لنحو قطن، فبقيت عروقه؛ قاله منصور في ((شرح المنتهى)) ففي هذا النوع يلزم إبقاؤه بأجرة المثل إلى زواله.
стр. 39
قلت: ومن ذلك ما إذا أصاب الزرع برَد بعد اشتداده، فسقط حبّه ونبت في العام القابل، كما جري ذلك في سنة سبع وستين وثلثمائة وألف هـ (سنة ١٣٦٧هـ) فإنه لما كان بين الظهرين في يوم الأربعاء الخامس من جمادى الآخرة، الموافق لخمس وعشرين من برج الحمل من ذلك العام، أنشأ الله سحاباً عظيماً وفيه برد مختلف الأنواع، فسقط على بلدة عنيزة وما حولها، وحصل بسببه من غفران الذنوب بالمصائب التي أصابت الزرع وكثيراً من النخيل ما ليس بقليل، فالحمد لله رب العالمين، نسأله تعالى أن لا يعيده علينا، وأن يمن بالمغفرة وحط الأوزار؛ إنه هو العزيز الغفار. ويفارق ما ذكروه في الحب الساقط من الحصاد؛ فإنه ترك هناك رغبة عنه، بخلافه هنا، والله أعلم.
النوع الثالث: أن ينتقل إباحة نفعها كمعارة رجع مالكها، فلا شيء له سوى أجرة المثل من الرجوع إلي وقت أخذه.
الرابع: إذا حمل السيل بذراً، فنبت في أرضه، وهو كالثالث.
الخامس: أن تزول عنها يد الغاصب، فيخير مالكها بين تملكه بنفقة مثل بذره وعِوض لواحقه، وبين تركه إلى الحصاد بأجرة المثل.
السادس: أن تزول عنها يد المشتري إلى الشفيع، وفيها زرع المشتري، فيبقى له إلى الحصاد مجاناً.
السابع: أن تنتقل إلى بائع لفلس مشتر، فكالسادس.
الثامن: أن ينتقل استحقاق نفعها كموقوفة: فإن كان ما فيها من الزرع يستحقه مشتر لو كانت مبيعة فهو للمنتقل إليه، وإلا فللأول، إلا أن يشترط لكل زمن قدر معين، فللجميع بالحصة.
فائدة
في ناظر الوقف مباحث خمسة
الأول: فيمن هو الناظر؟ إن عينه الواقف عمل به، وإلا فإن كان على
стр. 40
محصور يملك، فالنظر له؛ وإلا فللحاكم.
المبحث الثاني: في الصفات المعتبرة في الناظر:
فإن كان من أهل الوقف: فهو كالمالك لا شرط فيه إلا أنه إذا حجر عليه لسفه، كان النظر لوليه.
وإن كان أجنبياً:
فإن كانت ولايته من واقف، فشروطه ثلاثة: إسلام، وتكليف، وكفاية، لا عدالة؛ لكن يضم إليه أمين.
وإن كانت ولايته من حاكم، أو ناظر التولية، فشروطه أربعة: الثلاثة السابقة، والرابع: العدالة ويعزل لفقدها.
المبحث الثالث: في إقامته غيره مقامه، إن كان نظرُه بأصالة كالحاكم والموقوف عليه؛ فله نصب غيره وعزله، وإن كان بشرط، لم يملكه إلا إذا جعل له.
قلت: والظاهر كوكيل.
المبحث الرابع: في وظيفته؛ فيلزمه ما يعود حفظ الوقف وعمارته وصرفه إلى جهته، وله الاقتراض عليه وإقراضه أميناً لمصلحة.
المبحث الخامس: في حكم غراسه وبنائه:
فإن كانا من مال الوقف، فللوقف؛ وإلا فنوعان:
الأول: أن يكون الوقف عليه وحده؛ فهو له محترماً.
الثاني: أن لا ينفرد بالوقف، فله غير محترم، ويطالب بإزالته، قال في ((الفروع)) : ويتوجه فيمن غرس أو بنى إن شهد أنه له، وإلا فللوقف.
فائدة
المثليّ: كل مكيل أو موزون يصح السلم فيه، وليس ذا صناعة مباحة، ويضمن بمثله، إلا في صور:
стр. 41
الأولى: إذا تعذر؛ فيضمن بالقيمة حين تعذر.
الثانية: الماء في المفازة يضمن بقيمته هناك.
الثالثة: لبن الصيد المحرم لحق الله؛ كصيد الحرم والإحرام.
الرابعة: إذا اختلفا في قيمة المبيع التالف، ثم تفاسخا بعد التحالف.
الخامسة: ما ذكره في ((شرح المنتهي)) من أنه إذا قبض رأس مال سلم فاسد، رد ما قبضه إن كان، وإلا فقيمته، لكن نظر فيه منصور.
السادسة: لبن المصراة، لكن لا يضمن بالقيمة أيضاً، فإذا ردها، رد صاعاً من تمر.
السابعة: إذا سرق تمراً ونحوه، فعليه قيمته مرتين.
الثامنة: إذا قلع الأعور عين الصحيح المماثلة لعينه الصحيحة، فعليه الدية، ولا قصاص، لكن هذه مماثلة لغوية لا ينطبق عليها الحد السابق.
فائدة
في لحوق النسب
إن كان الزوج لم يبلغ عشر سنين، لم يلحقه مطلقاً، وإلا لحقه، إلا في ست صور:
إحداهما: أن تأتي به لدون ستة اشهر منذ أمكن اجتماعه بها، ويعيش.
الثانية: أن تأتي به لأكثر من أربع سنين منذ بانت منه.
الثالثة: أن تأتي به لنصف سنة منذ انقضت عدتها بالقروء بإقرارها.
الرابعة: أن تأتي به كذلك منذ انقضت عدتها بوضع آخر قبله.
الخامسة: أن يعلم عدم اجتماعها به.
السادسة: أن يكون مقطوع الأنثيين فقط، أو مع ذكره.
فائدة
في موجب القتل
وهو أحد خمسة أشياء:
стр. 42
أحدها: الدية فقط؛ وذلك فيما إذا قتل عمداً من لا يقاد به؛ كولده.
الثاني: الكفارة فقط: وذلك في ثلاث صور:
الأولى: إذا قتل في دار حرب من يظنه حربياً.
الثانية: إذا قتل بصف كفار من يظنه حربياً لكن إن وقف باختياره في صفهم، فهدر.
الثالثة: أن يرمي كفاراً يجب رميهم تترسوا بمسلم فيصيبه.
الثالث: الدية والكفارة، وهو قتل الخطأ وشبه العمد.
الرابع: أحد أمرين، إما القود، وإما الدية، ولا كفارة، وهو العمد العدوان محضاً.
الخامس: وهو من تمام الأقساط فقط؛ لأنه لا يوجب شيئاً، وهو القتل المباح؛ كقتل الحربي، وقتل العادل الباغي، وعكسه.
فائدة
كل سفر لو قصيراً، فلابد فيه من محرم للأنثى، إلا في أربعة مواضع:
الأول: إذا مات محرمها في الطريق، وقد بعدت عن البلد.
الثاني: إذا لزمتها الهجرة.
الثالث: إذا زنت وأريد تغريبها ولا محرم.
الرابع: إذا لزم الحاكم إحضارها بعد تحرير الدعوى عليها، وهي في غير بلده.
فائدة
من أدعى عليه عينا بيده ولم يقر، فإن ادعاها لنفسه، فهو الخصم؛ وإلا فعلى أربعة أقسام:
الأول: أن يقر بها لحاضر مكلف؛ فيلزمه اليمين أنها للمقر له، فإن نكل، لزمه بدلها، ثم إن صدّقه مقر، فهو له بيمينه، وإلا فلمدع.
стр. 43
الثاني: أن يقر بها لغائب أو غير مكلف، فإن كان له بينة، سمعت؛ وإلا حلف أنه لا يلزمه تسليم العين، فإن نكل، لزمه لمدّع بدلها.
الثالث: أن يقر بها لمجهول، فيقال له: عرِّفْه؛ وإلا قضي عليك بالنكول.
الرابع: أن يقول: لا هي له، ولا أعلم صاحبها، فهي لمدع بلا يمين، ومتى أقام المدعي في هذه الأقسام بينة، أخذها بلا يمين.
فائدة
إذا تداعيا عيناً في يد غيرهما، فلا تخلو من خمسة أحوال:
إحداها: أن يدعيها هو ولا بينة؛ فهي له بيمينه، يخلف لكل واحد منهما يميناً، فإن نكل، أخذاها وبدلها، واقترعا لأيهما يكون البدل.
الثانية: أن لا يدعيها، وهو أربعة أقسام:
الأول: أن يقر بها لأحدهما بعينه، فهي له بيمنه، وعلى المقر الحلف فإن نكل، لزمه بدلها.
الثاني: أن يقر بها لأحدهما لا بعينه، فهي له بقرعة مع يمينه، ويحلف المقر إن كذّباه أنه لا يعلم عينه، فإن نكل، غُرّم للمقروع بدل العين.
الثالث: أن يقر بها لهما؛ فعليه لكل واحد يمين بالنسبة إلي النصف المقر به لصاحبه، وعلى كل منهما يمين لصاحبه على النصف المحكوم له به، فإن نكل المقر،، غرم بدلها ويقتسمانه.
الرابع: أن لا يقر بها لهما، فإن أقر بها لغيرهما، فهي الفائدة السابقة، وإلا أقرع، فمن قرع، فهي له بيمنه.
الثالثة: أن يكون لأحدهما بينة، فهي له.
الرابعة: أن يكون لكل منهما بينة، فيتعارضان ويكونان كالعدم، لكن لو أقر بها لأحدهما قبل إقامة بينتهما، فالمُقَر له كداخل.
стр. 44
الحالة الخامسة: أن يكون لكل من المدعيين ومن هي بيده بينة، فهي لصاحب اليد؛ لسقوط بينتهما بالتعارض.
فائدة
إذا ادعي شيئاً، فله صور:
إحداها: أن يكون للمدعي بينة كاملة في المجلس؛ فليس له إلا إقامتها أو يمين خصمه.
الثانية: أن تكون غائبة عنه، فله تحليفه وإقامتها بعد.
الثالثة: إذا حلف المنكر، وأقام المدعي شاهداً، وحلف معه، استحق؛ خلافاً لما بحثه ((مرعي)) .
الرابعة: إذا أقام شاهداً وأعلمه القاضي أن له الحلف معه، ويستحق، وقال: لا أحلف؛ لكن يحلف خصمي، فحلف له- انقطعت الخصومة؛ فليس له الحلف مع شاهده، فإن اقام معه آخر، حكم له بالمال، ويحمل كلام ((مرعي)) على ذلك.
الخامسة: إذا كان الشاهد في المجلس، ولم يشهد: فالظاهر أن له إقامته والحلف معه بعد حلف المنكر، لقولهم: فأقام شاهداً، وذلك هو تلفظه بالشهادة لا حضوره مع سكوته. اهـ. ملخصاً من ((مجموع المنقور)) مع بعض تصرف غير مخل.
فائدة
فروع في النكاح
الأول: الجمع بين المرأة وبنتها، المذهب: أنه يبطل نكاح الأم، ويصح نكاح البنت، وقيل: يبطل نكاح البنت أيضاً. وذكر في ((المغني)) في سياق كلام لابن المنذر ما نصه: ((ولا يجوز الجمع بين المرأة وأمها في العقد؛ لما ذكرناه، ولأن الأم إلى بنتها أقرب من الأختين، فإذا لم يجمع
стр. 45
بين الأختين، فالمرأة وابنتها أولي)) ثم ذكر في ((المغني)) بعد ذلك بنحو عشر صفحات ما نصه: ((وإن تزوج امرأة وابنتها، فسد فيهما؛ لأن الجمع بينهما محرم؛ فلم يصح فيهما؛ كالأختين)) . اهـ. وقد ذكر ذلك في (ص٥٨٤/ج٦) من الطبعة المفردة عن ((الشرح الكبير)) والعبارة الأولى (ص٥٧٤) .
وأقول: إن هذا هو الظاهر؛ لأن فساد النكاح ناشيء - كما ذكر- من الجمع لا من الصهر حتى نعلل صحة نكاح الأم بأنه يصح وروده على نكاح البنت.
الفرع الثاني: هل الرضاع يدخل في تحريم الصهر والجمع أو لا؟:
جمهور الأمة على دخوله، وهو المذهب، واختار الشيخ تقي الدين عدم دخوله.
الفرع الثالث: هل وطء الشبهة يؤثر في تحريم المصاهرة أو لا؟:
جمهور العلماء على تأثيره وحكاه ابن المنذر إجماعاً، ولكن ذكر صاحب ((الفروع)) فيه وجهين. وأما الوطء المحرم: ففي ثبوت المصاهرة به نزاع مشهور، فقد رجّح جمع من المحققين عدم تأثيره، وهو أظهر، والله أعلم.
فائدة
إذا أقر بنسب معين، لحقه بشروط:
الأول: إمكان صدقه، فلو أقر ابن عشر سنين بأبوة ابن خمس عشرة سنة، لم يقبل؛ كعكسه.
الثاني: أن لا يدفع به نسباً معروفاً بأن يكون المُقَر به مجهول النسب، فإن كان معلوم النسب، لم يقبل.
الثالث: أن لا ينازعه أحد، وإلا فيطلب المرجح.
стр. 46
الرابع: أن يصدقه المقر به إن كان حيا مكلفاً، وإلا لم يعتبر تصديقه، فلو أنكر بعد بلوغه، لم يسمع إنكاره.
الخامس: أن يصح الإقرار من المقر بأن يكون أبا وابناً، فأما غيرهما فلا يصح من ذوي نسب معروف، إلا إذا أقر جميع الورثة المكلفين بمن يصح إقرار مورثهم به، وكذا إن صدّق باقيهم بعد تكليفه، أو مات قبل أن يكلف، وإن لم يتفقوا، ثبت من مقر فقط.
فائدة
قول الأصحاب ﵏ في ((الحَجر)) : إذا أنبت شعراً خشناً حول قُبُله، حكم ببلوغه)) ، عمومه يشمل حتى الإنبات بعلاج، لكن ذكروا في ((كتاب الإقرار)) أن من أنبت وقد تصرف بما يتوقف على الرشد؛ فادعي أن إنباته بعلاج، لم يقبل، وحكم ببلوغه، لأن الأصل عدم ما يدعيه، فمقتضاه أنه إذا ثبت إنباته بعلاج، لم يحكم ببلوغه؛ فلا ينفذ تصرفه.
وبهذا يتبين أن عموم كلامهم في ((الحجر)) مخصوص بما ذكروا في ((كتاب الإقرار)) وأنه إذا أنبت بعلاج، لم يحكم ببلوغه، وأظن أني رأيت في كلام الشيخ تقي الدين التصريح بذلك، وهو مقتضى النصوص، لأنه إذا كان بعلاج، لم يكن في أوانه، والله أعلم.
ثم رأيت في كلام ابن كثير على قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ) (النساء: ٦) ما هو دليل على ذلك؛ فإنه حكى في حصول البلوغ بالإنبات ثلاثة أقوال: ثالثها: يحصل في صبيان أهل الذمة؛ لأنهم لا يحتمل تعجيلهم للبلوغ بالعلاج، دون صبيان المسلمين؛ لأنه يحتمل أنهم أنبتوا بمعالجة؛ فهذا التعليل ظاهر، والله أعلم.
стр. 47
فائدة
العقوبات قسمان
الأول: أن تكون بزوال محبوب؛ كما في قوله ﷺ : ((من أقتنى كلباً إلا كلب ماشية أو حرث أو صيد، انتقص كل يوم من أجره قيراطان (١)) ) ، فعلى هذا يكون اقتناء الكلب لغير هذا الأغراض الثلاثة محرماً، ودليله فوات هذا المقدار من الأجر.
القسم الثاني: يكون بحصول مكروه، وهو أكثر من الأول؛ على أن فوات المحبوب مستلزم لحصول المكروه، لكنه دلالة التزام لا مطابقة.
فائدة
قولهم: ((هلم جرا)) هو بالتنوين، قال في ((نهاية السول، شرح منهاج الأصول)) (ص٧٠١ج٣) : وقوله: ((جرا)) منون؛ قال صاحب ((المطالع)) : قال ابن الأنباري: معنى قولهم: ((هلم جرا)) سيروا وتمهلوا في سيركم، مأخوذ من الجر، وهو ترك النعم في سيرها، ثم استعمل فيما حصل الدوام عليه من الأعمال، قال ابن الأنباري: فانتصب جرا على المصدر، أي: جروا جرا، أو على الحال أو التمييز.
إذا علمت هذا، علمت أن معنى ((هلم جرا)) في مثل هذا: أنه استدعى الصور، فانجرت إليه جراً، فعبر به مجازاً عن ورود أمثال للأول. اهـ.
فائدة
نفي القبول هل هو نفي للصحة أو لا؟
اختلف في ذلك لاختلاف الأدلة، والصواب أن يقال: إن الدليل النافي للقبول على أربعة أقسام:
стр. 48
الأول: أن يكون لانتفاء أمر وجودي؛ مثل: ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)) (١) ، ومثل: ((لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل)) (٢) ، ونحو ذلك؛ فالنفي للقبول هنا نفي للصحة قطعاً؛ لأنه علق قبوله على أمر مطلوب، ولم يحصل فتعين بطلان المنفي.
الثاني: أن يكون لمعنى يقتضي مناقضة المنفي؛ مثل قوله ﷺ : ((لا يقبل الله صدقة من غلولٍ)) (٣) ؛ فإن في الغلول معنى ينافي معنى الصدقة؛ إذ المقصود من الصدقة الإحسان، وصرفها من الغلول إساءة كبرى. وهذا أيضاً كالأول، وقد يقال: إنه منه؛ فإن الصدقة تبرع، ولا يصح إلا من مالك، والغال ليس بمالك؛ فنفي قبول الصدقة لانتفاء الملك، وهو أمر وجودي.
القسم الثالث: أن يكون لغير ذلك؛ مثل قوله ﷺ : ((من شرب الخمر، لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً)) (٤) ؛ فنفي القبول هنا يراد به - والله أعلم- أن في هذا شراً كبيراً يقابل ثواب الصلاة هذه المدة، ولا يقتضي البطلان، ومثل هذا قوله ﷺ ((من أتي عرافاً فسأله، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة)) ؛ رواه مسلم (٥) .
القسم الرابع: أن يكون الأمر مترددا بين تلك الأقسام، فإن كان أكثر
стр. 49
شبهاً بأحدها، ألحق به، ولذلك تجد العلماء مختلفين في هذا القسم.
فمن ذلك: ما ورد في العبد الآبق، والمرأة الساخط عليها زوجها، وإمام القوم المكروه بينهم: أن صلاتهم لا تجاوز آذانهم (١) :
فمن قال: إن في هؤلاء معني يناقض المنفي، قال: لا تصح، وهو المذهب في الآبق، لكنهم خصوه بالنفل، لأن الفرض سيوقعه عند سيده، ولا حق له في ذمته، وأما إحرامه، فخرّج ابن عقيل بطلانه أيضاً، لكن قال الشيخ تقي الدين: إن بطلان صلاته أقوى، لأنه غاصب للزمان والمكان، بل قال الشيخ: إن بطلان فرضه قوي- أيضاً- كما جاء الحديث مرفوعاً بنفي قبول صلاته. اهـ.
وأما الناشز: فلم يحكموا فيها حكم العبد الآبق، ولعل الفرق بينهما: أن زمن العبد مملوك لسيده من جميع الوجوه بخلاف الزوجة، فإن الزوج لا يملك منها إلا زمنا يتمكن به من الاستمتاع ضرورة ملكه للاستمتاع وما يلحق به؛ ولذلك صحت إجارته العبد بخلاف الزوجة.
وأما من أم قوماً يكرهونه: فلأن من مقصود الجماعة حصول الائتلاف، والإمامة من ضرورة الجماعة، فإذا بطل مقصود الجماعة، بطل ما كان من ضرورتها؛ لبطلانها ببطلان مقصودها، فإذا بطلت إمامته بطلت صلاته، ولذلك نقل في ((النكت)) عن بعض الأصحاب: فساد صلاته إذا تعمد، ثم قال بعد ذلك: وكأن الأخبار لضعفها لا تنهض للتحريم، وإن كانت تقتضيه؛ فيستدل بها على الكراهة، كما يستدل بخبر ضعيف ظاهره يقتضي أمراً على ندبيّة ذلك الأمر، ولا يقال: لعل هناك صارفاً عن مقتضى الدليل ولم يُذكر، لأنه خلاف الظاهر. اهـ.
стр. 50
فائدة
توقيت المواقيت للإحرام هو من معجزات النبي ﷺ ، ثم إن اختلافها في البعد من الأمور التي يجب تلقيها عن الشارع، سواء علم حكمته أم لا، ولكن يظهر - والله أعلم-: أن أسباب بعد مهلّ المدينة إنما هو لأجل تقارب مشاعر الحرمين، وأنه لا يكاد يخرج من حد حرم المدينة حتى يدخل في الإحرام الذي هو من تعظيم حرم مكة، والله أعلم.
فائدة
قول الأصحاب- ﵏ في المحرمة: تغطي جانباً من وجهها؛ لأنه لا يمكنها تغطية جميع الرأس إلا بجزء من الوجه، فستر الرأس كذلك أولى، وعللوا بأنه لا يختص ستره بالإحرام، بل هو عام بخلاف كشف الوجه، فإنه خاص.
وكلامهم هذا يدل على أن مراعاة الحكم العام مقدم على ما كان مختصاً بحالة دون أخرى.
ومثل ذلك: النصان إذا كانا عامين وتعارضا؛ فيقدم ما كان عمومه محكما على ما كان فيه تخصيص، كما قرره شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀.
فائدة
التخيير في الشرع نوعان
أحدهما: من خير فيما يفعله لغيره بوكالة مطلقة أو ولاية، فالتخيير هنا راجع للمصلحة، فعليه أن يختار ما هو أصلح.
الثاني: المتصرف لنفسه، وهو نوعان:
الأول: أن يؤمر بنظر ما هو الأصلح بحسب اجتهاده، وذلك كما يؤمر المجتهد بطلب أقوى الآراء.
стр. 51
الثاني: أن يباح له ما شاء، كما يخير المحرم بين الأنساك الثلاثة، ونحو ذلك. اهـ. ملخصاً من ((مختصر الفتاوى)) طبع محمد حامد (ص٦٢٢) .
فائدة
إذا أبدل نصاب سائمة بمثله، فعلى أربعة أقسام:
الأول: أن يبدل نصاباً لتجارة بنصاب لتجارة، فيبنى.
الثاني: أن يبدل نصاباً لقنية بنصاب لقنية، فيبنى، إلا أن يبدل ما تجب الزكاة في عينه بما تجب في غيره، كخمس وعشرين بعيراً بخمس في ظاهر كلامهم.
الثالث: أن يبدل نصاباً لقنيةٍ بنصاب لتجارة، كأن يشتري نصابا للتجارة بمثله للقنية، فيبني، كما صرح به في ((الفروع)) و ((التنقيح)) و ((الإقناع)) و ((شرح الزاد)) ، وعللوه بقوله: ((لأن السّوم سبب للزكاة، قدم عليه زكاة التجارة لقوتها، فبزوال المعارض يثبت حكم السوم لظهوره)) . ا. هـ.
وهذا التعليل كما ترى لا يتلاءم مع الصورة المذكورة، وإنما يتلاءم مع صورة:
القسم الرابع: أن يبدل نصاباً لتجارة بنصاب لقنية، وهي صورة ((المنتهى)) لكن عارضه الشيخ منصور بكلام ((الفروع)) ، و ((التنقيح)) ، وبقول ((المنتهى)) بعد: و ((من ملك نصاب سائمة لتجارة نصف حول، ثم قطع نية التجارة، استأنفه)) ، قال: فهنا أولى. اهـ.
وهذه الصورة - أعني صورة القسم الرابع- هي التي صورها في ((الكافي)) ، وعللها بما عللوا به الصورة في القسم الثالث.
والظاهر: أن الصورة منقلبة على صاحب ((الفروع)) وتبعه من بعده،
стр. 52
وعلى تقدير الاتقلاب: يكون كلام ((المنتهى)) في المسألة الأخيرة على الوجه الثاني في المسألة التي في القسم الرابع؛ فإن فيها وجهين: الانقطاع، والبناء، والله أعلم.
فائدة
إذا اختلفت نيته في النصاب، فلا يخلو من حالين:
إحداهما: أن يكون للتجارة ونواها لغيرها، فتؤثر نيته، ثم إن نواه على حالة تجب فيها الزكاة، استأنف حولاً، وإلا فلا زكاة، ولكن في ((المنتهى)) : ((أنه إذا نوى بعبيد التجارة أو ثيابها شيئاً محرماً، انقطع بمجرد نيته)) فمفهومه: إن لم يكن محرماً، فلابد من تحقق ذلك بالفعل، كالسائمة إذا نواها لعمل محرم، انقطع بنيته، وإن كان لعمل مباح، لم ينقطع إلا بالفعل.
الحالة الثانية: أن يكون لغير التجارة، فنيته على صور:
الأولى: أن ينوي به التجارة، فلا يكون لها إلا حليّ اللبس.
الثانية: أن يكون حلياً معدا للكراء أو النفقة، ثم ينوي إعارته أو لبسه، فلا تكون نيته مؤثرة حتى يعيره أو يلبسه.
الثالثة: عكس ذلك؛ ففيه الزكاة بمجرد النية.
الرابعة: أن يكون له سائمة للدَّر والنسل، فينويها لقطع الطريق أو نحوه من الأفعال المحرمة، فينقطع الحول ولا زكاة، كذا قالوا: وفيه نظر.
الخامسة: إن نواها لعمل مباح، فلا ينقطع إلا بمباشرة.
السادسة: عكس ذلك، فتؤثر نيته، وتكون للسوم بمجردها.
السابعة: له سائمة للدر والنسل، فنواها للتجارة، فلا عبرة بنيته.
الثامنة: عكسها، ففيها الزكاة للسوم، ويبتدئ الحول.
التاسعة: عنده عروض للقنية، فنواها للتجارة، فلا أثر لها.
стр. 53
العاشرة: عكسها، فظاهر كلام ((المنتهى)) في ((باب زكاة السائمة)) أنه إن نواها لمحرم انقطع، وإلا فلا قبل مباشرة العمل، وصرح في ((باب زكاة العروض)) أنها تصير لها بمجرد النية، وهو الموافق للقياس.
فائدة
النية في إخراج الزكاة على أربعة أقسام
الأول: أن تكون شرطاً من المالك فقط؛ وذلك فيما إذا فرقها مالكها المكلف بنفسه.
الثاني: أن تكون شرطاً من غيره فقط؛ وذلك فيما إذا كان المالك غير مكلف، فينوي إخراجها وليه في ماله.
الثالث: أن تكون شرطاً من المالك ومن غيره، وذلك فيما إذا وكل في إخراجها وبعد الزمن؛ فتشترط من الوكيل أيضاً عند دفعها للفقير.
الرابع: أن لا تشترط النية أصلاً؛ وذلك في ثلاث صور:
الأولى: إذا تعذر وصولٌ إلى المالك بحبس أو غيره، فأخذها الإمام أو الساعي، وتجزئ ظاهراً وباطنا.
الثانية: إذا امتنع المالك من أدائها، فأخذها الإمام أو الساعي قهراً؛ فتجزئ ظاهراً لا باطناً.
الثالثة: إذا غيب ماله، فأخذها الإمام أو الساعي بعدالعثور عليه، وتجزئ ظاهراً لا باطناً.
فائدة
قول النبي ﷺ : ((ألحقوا الفرائض بأهلها)) (١) يدل على عدة أصول من أصول الفرائض:
стр. 54
أولاً: أن أصحاب الفروض مقدمون على العصبات.
ثانياً: وجوب استيعاب أصحاب الفروض بإلحاقهم فروضهم ولو أدى إلى النقص والتعويل إذا كان كلهم وراثين، فيكون فيه دليل للعول، ودليل بعمومه على سقوط الإخوة الأشقاء في الحمارية.
ومنها: أنه كما يدل على العول، فيدل بفحواه ومعناه على الرد إذا تعذر وجود العصبات، وبقي بعد الفروض بقية على نسبة فروضهم؛ كما هو رواية اختارها الشيخ؛ كما يعول لهم فينقصون، فيرد عليهم ويزدادون.
ومنها: يؤخذ حد العاصب، وأنهم جميع ذكور القرابة من أصول، وفروع، وفروع أصول كما هو معروف.
فأما الإخوة من الأم: فأصحاب فروض.
وأما الزوج: فمن غير القرابة.
(وأما المعتق: فليس بقريب أيضاً.
وأما الأخوات لغير أم مع البنات، أو مع إخوتهن، أو إناث الفروع مع ذكوره: فغير عصبة بالنفس) .
ومنها: أنه يؤخذ أيضاً حكم العاصب، وأنه هو الذي إذا استكملت الفروض التركة، ومن لازم ذلك ذلك استبداده بالمال إذا انفرد، فكلها تؤخذ من منطوق ومفهوم قوله: ((فما بقي: فلأولى رجل ذكر)) (١) .
ومنها: يؤخذ ترتيب التعصيب بقوله: ((أولى)) ، والأولوية هنا القرب، فأقربهم الفروع الذكور، ثم الأصول الذكور، ثم فروع الأصول الذكور: الأقرب فالأقرب؛ فلا يشذ عن هذا الحديث من العصبات في
стр. 55
النسب شيء حدا وحكماً وترتيباً.
ويؤخذ من هذا نوعان من أنواع الحجب:
حجب استغراق الفروض للعصبات.
وحجب الأقرب من العصبات منزلة وجهة للأبعد. اهـ. من خط كتبه شيخنا عبد
الرحمن بن سعدي في ٥/٤/١٣٧٢هـ، سوى ما بين القوسين فمني.
فائدة
اعلم أن قسمة التركات هي ثمرة علم الفرائض، ومعرفة كيفيتها من باب ما لا يتم الواجب إلا به، وقد أحببنا إيراد شيء مما من الله به، فنقول مستعينين بالله: لمعرفة قسم التركة طرق:
الأول: طريق النسبة، وهو أسهل الوجوه وأعمها نفعاً، وذلك بأن تنسب ما لكل وارث من المسألة إليها، وتعطيه من التركة بمثل تلك النسبة، ففي زوج وأبوين وبنتين، والتركة عشرون: للزوج ثلاثة من خمسة عشر، وهي خمس المسألة؛ فيأخذ بمثل نسبته من التركة أربعة، ولكل واحد من الأبوين اثنان من خمسة عشر، وهما ثلثا خمس المسألة، فلكل واحدٍ ثلثا خمس التركة، ثلاثة دراهم إلا ثلثا، وللبنتين ثمانية من خمسة عشر، وهي ثلث وخمس المسألة، فلهما من التركة كذلك أحد عشر إلا ثلثا.
الطريق الثاني: أن تضرب السهام في التركة، وتقسم الحاصل على المسألة أو ما صحت منه.
ففي المثال: للزوج ثلاثة في عشرين بستين، وإذا قسمتها على المسألة خمسة عشر خرج أربعة، فهي نصيبه، ولكل واحد من الأبوين اثنان في عشرين بأربعين، وبعد قسمتها على الخمسة عشر يخرج نصيب
стр. 56
كل واحد من التركة ثلاثة إلا ثلثا. وإذا ضربت سهام البنتين في التركة بلغ مائة وستين، وبقسمتها على المسألة يتبين أن نصيبهما من التركة أحد عشر إلا ثلثا.
وكيفية وضعها في الشباك: أن تضع من اليمين أولاً أسماء الورثة، يليه ما صحت المسألة منه، ثم التركة، وتضع ما لكل واحد من المسألة أو التركة بإزائه:
فإن كان في نصيب أحد من التركة كسر؛ كما في المثال، جعلت المسألة أضلاعاً، بأن تحولها إلى العدد أو الأعداد التي إذا ضربت أحدها في الآخر، خرجت المسألة.
فأضلاع مسألتنا هذه: ثلاثة، وخمسة، فتضع الأكبر منها مما يلي التركة، والأصغر بالطرف من جهة اليسار، فإذا تمت الأضلاع، فاضرب سهم كل واحد من المسألة في التركة، ثم اقسم الحاصل على الضلع الأصغر، فإن لم يبق كسر، جعلت ما تحته إما صفراً أو بياضاً، وإلا وضعت الكسر تحته.
وأما الصحيح: فتقسمه على الضلع الآخر الذي يليه، وتفعل فيه فعلك في هذا إلى أن يصل العدد إلي التركة، فتضعه تحتها، ويكون نصيب الوارث.
واعلم: أن كل ضلع بالنسبة لما فوقه كواحد منه؛ ففي المثال نقول: للزوج من المسألة ثلاثة مضروبة في التركة عشرين يبلغ ستين، وبقَسْمها على الضلع الأصغر يخرج عشرون، فاقسم العشرين على الضلع الأكبر خمسة يخرج أربعة، وهو عدد صحيح، تضعه تحت التركة، وإذا ضربت نصيب كل واحد من الأبوين في التركة، خرج له أربعون؛ فتقسمها على الضلع الأصغر فيخرج ثلاثة عشر صحيحة وواحد كسر؛ فتضعه تحت
стр. 57
الضلع؛ ثم تقسم الثلاثة عشر الصحيحة على الضلع الأصغر، يخرج اثنان صحيحان، فتضعهما تحت التركة وثلاثة منكسرة تضعها تحت الضلع، وإذا أعدت نظرك إلى سهام البنتين - وهي ثمانية- فضربتها في التركة، بلغت مائة وستين، فاقسمها على الضلع الأصغر يخرج ثلاثة وخمسون وواحد كسر، فضع الكسر تحت المقسوم عليه، ثم اقسم الصحيح على الضلع الأكبر يخرج عشرة صحيحة تضعها تحت التركة، وثلاثة كسر تضعها تحت الضلع.
وكيفية اختبار صحتها: أن تجمع كل عدد تحت الضلعين، وتقسم الحاصل على الضلع، ثم تضم الحاصل من القسمة إلى ما قبله، فتضم الحاصل في الضلع الأصغر إلى الحاصل في الضلع الأكبر، ثم الحاصل من الجميع إلى التركة، فإن قابل التركة فالقسم صحيح؛ وإلا فلا.
فائدة
وهاك جدول شباك يسهل علينا ذلك، فتجد في هذا الجدول أنا جمعنا ما تحت الضلع الأصغر، ثم قسمناه عليه فخرج اثنان، فضممناهما إلي ما تحت الضلع الأكبر، ثم قسمنا المجموع عليه فخرج اثنان ضممناهما إلى ما تحت التركة؛ فخرجت التركة؛ وهذا العمل ليس مختصا بهذه الطريق فقط، بل سترى أمامك ماله عرى وثيقة فيه.
ت ١٥ ٢٠ ٥ ٣
ج ٣ ٤ ٠ ٠
بنت ٤ ٥ ١ ٢
بنت ٤ ٥ ١ ٢
أم ٢ ٢ ٣ ١
أب ٢ ٢ ٣ ١
١٥ ٢٠ ٢ ٢
стр. 58
الطريق الثالث: أن تقسم التركة على المسألة، ثم تضرب الخارج في سهم كل وارث.
ففي المثال: يحصل من قسم التركة على المسألة واحد وثلث، للزوج ثلاثة مضروبة في واحد وثلث تبلغ أربعة، ولكل واحد من الأبوين اثنان مضروبان في واحد وثلث، يبلغ الحاصل لكل واحد ثلاثة إلا ثلثاً، ولكل واحدة من البنات أربعة في واحد وثلث، الحاصل خمسة وثلث لكل واحدة.
وإن كان بين المسألة والتركة موافقة، ردَدت كلا منهما إلى وَفقها، وجعلته كالأصل، فنقول في المثال: إن بين المسألة والتركة موافقة بالخمس، فتقسم خمس التركة، وهو أربعة، على خمس المسألة (ثلاثة) يخرج واحد وثلث.
ومثل ذلك (أعني: رد كل منها إلي وفقه إن كان) يتأتى في الطريق الثاني، فتضرب سهام الزوج ثلاثة في وفق التركة أربعة، يبلغ اثني عشر، فاقسمه على وفق المسألة ثلاثة يخرج أربعة،،،، وهكذا.
الطريق الرابع: أن تقسم المسألة على التركة، ثم سهام كل وارث على الخارج.
стр. 59
ففي المثال: إذا قسمت المسألة على التركه، ولا يمكن قسمها هنا، لكن ننسبها فتكون ثلاثة أرباعها، فنقول: للزوج ثلاثة مقسومة على ثلاثة أرباع، فما هو العدد الذي تكون الثلاثة ثلاثة أرباعه؟ هو الأربعة إذن فله أربعة، ولكل واحد من الأبوين اثنان مقسومة على ثلاثة أرباع، وإذا تأملت عدداً تكون الاثنان ثلاثة أرباعه، وجدته ثلاثة إلا ثلثا؛ كذلك لكل واحد من التركة هذا المقدار، ولكل واحدة من البنتين أربعة، فانظر عدداً تكون الأربعة ثلاثة أرباعه تجده خمسة وثلثا؛ فهو نصيب كل واحد.
الطريق الخامس: أن تقسم المسألة على نصيب كل وارث، ثم التركة على الخارج.
ففي المثال: اقسم خمسة عشر على نصيب الزوج منها ثلاثة يخرج خمسة، وإذا قسمت التركة على هذا الخارج، صار حاصل القسمة أربعة، فهو نصيبه. أما نصيب كل واحد من الأبوين: فيخرج من قسم المسألة على نصيب كل واحد سبعة ونصف، وإذا قسمت التركة عليها، خرج ثلاثة إلا ثلثاً.
وكيفية ذلك أن نقول: خمسة عشر على اثنين بسبعة ونصف؛ فإذا قسمت العشرين عليها حصل لكل واحد ثلاثة إلا ثلثا، ولكل واحدة من
стр. 60
البنتين أربعة، يخرج بقسم المسألة عليها أربعة إلا ربعاً، وإذا قسمت التركة على هذا العدد، خرج خمسة وثلث.
الطريق السادس: طريق القيراط:
وذلك بأن تقسم مصح المسألة على مخرج القيراط، وهو أربعة وعشرون في اصطلاح المصريين ومن وافقهم، أو عشرون في اصطلاح أهل العراق. والمشهور الأول، والعمل على كل صحيح؛ فإن هذا مجرد اصطلاح لا يخل بالمقصود.
فعلى الأول: نقسم المسألة إلي أربعة وعشرين سهماً، ونعرف ما له، وعلى الثاني: نجعلها عشرين سهماً ثم لا يخلو: إما أن يكون ما صحت منه أقل أو لا؛ فههنا حالتان:
الحالة الأولى: أن يكون أقل كما في المثال؛ فإن نسبة الخمسة عشر إلي مخرج القيراط نصف وثمن، وبسطها خمسة من ثمانية تحفظه معك، ثم من له شيء من المسألة يضرب في مخرج الكسر، وهو هنا ثمانية؛ لأن مخرجها النصف والثمن، ثم يقسم على بسط الكسر.
فللزوج ثلاثة في ثمانية بأربعة وعشرين، وإذا قسمتها على البسط خرج خمسة إلا خمساً من مخرج القيراط، وللأم اثنان في ثمانية بستة عشر، فاقسمها على الخمسة يخرج ثلاثة وخمس، وهذا هو سهمها من مخرج القيراط.
وتعمل في نصيب الأب عملك في نصيب الأم. ولكل واحدة من البنتين أربعة مضروبة في ثمانية باثنين وثلاثين، وإذا قسمت هذا الحاصل على الخمسة، بلغ الحاصل بالقسمة خرج ستة وخمسا سهم من مخرج القيراط؛ والأحسن في هذا المثال: أن نمشي على رأي العراقيين في مخرج القيراط؛ ليكون موافقاً للتركة، فيكون نسبة المسألة إلى مخرج القيراط نصفاً وربعا، ومخرجهما أربعة، وبسطهما ثلاثة، فتضرب سهام كل وارث في المخرج، ثم تقسمه على البسط، يخرج له أربعة،،، وهكذا بقية الورثة.
الحالة الثانية: أن يكون ما صحت منه المسألة أكثر من مخرج القيراط أربعة وعشرين، ثم لا يخلو من أمرين:
الأول: أن يفنيه بلا كسر، فإن كان الحاصل بالقسمة عدداً ناطقاً، أي: يتحصل من ضرب أحد عددين في الآخر، حللناه إلى أضلاعه، فإما أن تكون اثنين؛ كما في زوج وثلاث بنات وأربعة أعمام، فمسألتهم: من اثني عشر، وتصح من مائة وأربعة وأربعين، فاقسمها على مخرج القيراط، يصبح الحاصل ستة، وهي عدد ذو أضلاع، وضلعاه اثنان وثلاثة تضعهما وضع الأضلاع السابقة في المثال الأول، ثم أعط كل وارث نصيبه من القيراط، كما أعطيته من التركة في المثال السابق، وهاك صورتها في الشباك.
ت ١٤٤ ٢٤ ٣ ٢
ج ٣٦ ٦
بنت ٣٢ ٥ ١
بنت ٣٢ ٥ ١
بنت ٣٢ ٥ ١
عم ٣ ١ ١
عم ٣ ١ ١
عم ٣ ١ ١
عم ٣ ١ ١
١٤٤ ٢٤ ٣ ٢
стр. 61
وإما أن تكون الأضلاع أكثر، فتضعها جميعها أيضاً، ففي أربع زوجات، وثلاث جدات، وخمسة أبناء، نقسم المسألة من أربعة وعشرين، وسهام كل فريق منكسر عليهم، ورؤوسهم مباينة أيضاً، فنضرب الرؤوس بعضها ببعض، وما حصل فجزء السهم نضربه في أصل المسألة، فتصح من أربعين وأربعمائة وألف، وإذا قسمناه على مخرج القيراط، حصل ستون، وأضلاعها اثنان وخمسة وستة، وبيان ذلك: أننا إذا ضربنا بعض هذا العدد في بعض، حصلت الستون التي هي حاصل قسمة مصح المسألة على مخرج القيراط، فنقول: اثنان في خمسة تبلغ عشرة؛ فإذا ضربناها في ستة، صار الحاصل ستين، وصورة القسم في هذه الصورة: كما سبق في الصورة التي قبلها نقسم ما لكل وارث على تلك الأضلاع كما سبق. وهاك صورة هذه في الشباك.
ت ١٤٤٠ ٢٤ ٦ ٥ ٢
جد ٤٥ ٤ ٢ ١
جد ٤٥ ٤ ٢ ١
جد ٤٨ ٤ ٢ ١
جد ٨ ٤ ٢ ١
ده ٨٠ ١ ٢
ده ٨٠ ١ ٢
ابن ٢٠٤ ٣ ٢ ٢
ابن ٢٠٤ ٣ ٢ ٢
ابن ٢٠٤ ٣ ٢ ٢
ابن ٢٠٤ ٣ ٢ ٢
ابن ٢٠٤ ٣ ٢ ٢
١٤٤٠ ٢٤ ٦ ٤ ٢
وإن كان الحاصل بقسمة ما صحت منه المسألة عدداً صامتاً بمعنى أنه لا يتحصل من ضرب أحد عددين في آخر، وضعته كله كضلع واحد، فلو كان الورثة زوجة وجدة وسبعة أبناء، كانت مسألتهم من أربعة وعشرين، وتصح من مائة وثمانية وستين، لضربنا المسألة في رؤوس الأبناء السبعة،
стр. 62
وإذا قسمت هذا الحاصل من الضرب على مخرج القيراط (أربعة وعشرين) ، صار الحاصل بالقسمة سبعة، وهي عدد صامت لا يتحصل من ضرب أحد عددين في الآخر ولذلك لم يكن هناك أضلاع نوزعها على جداول تختص بها، ولكننا نضع هذا العدد موضع ضلع، ونقسم عليه سهم كل وارث؛ كما سبق لك في غير مثال، وهاك صورة لهذا المثال في شباك.
الأمر الثاني أن يفنيه ويبقى؛ فطريق ذلك أن تنسب المنكسر، وهو ما يبقى بعد المنقسم صحيحاً إلى مخرج القيراط (أربعة وعشرين) ؛ فأي جزء كان له تضرب مصح المسألة في مخرجه، ثم تقسم الحاصل على مخرج القيراط، وتفعل في الخارج كما سبق لك في الأمثلة، ثم تضرب سهام كل وارث فيما ضربت فيه مصح المسألة، وتقسم الحاصل على أضلاع القراريط؛ كما ترى في هذا المثال:
زوجة وبنتين وأبوين، فمسألتهم من أربعة وعشرين وتعول بثمنها إلي سبعة وعشرين، فإذا قسمنا سبعة وعشرين على مخرج القيراط، صار الحاصل بالقسمة واحداً، وبقي المنكسر ثلاثة، وهي ثمن مخرج القيراط أربعة وعشرين، ومخرج الثمن ثمانية؛ فنضرب مصح المسألة فيه يبلغ ستة عشر ومائتين، وإذا قسمتها على مخرج القيراط، خرج تسعة وضلعاها ثلاثة وثلاثة، فنقسم نصيب كل وارث عليها؛ كما سبق.
ت ٢٧ ٢١٦ ٢٤ ٣ ٣
جد ٣ ٢٤ ٢ ٢
بنت ٨ ٦٤ ٧ ١
بنت ٨ ٦٤ ٧ ١
أم ٤ ٣٢ ٣ ١ ٢
أب ٤ ٣٢ ٣ ١ ٢
٢٧ ٢١٦ ٢٤ ٢ ٢
стр. 63
إلا أننا نضربه أولاً في مخرج الثمن، فللزوجة من أصل المسألة ثلاثة مضروبة في مخرج الثمن بأربعة وعشرين، وإذا قسمتها على الضلع الأصغر خرج ثمانية بالقسمة، فاقسمها على الضلع الثاني، يخرج اثنان صحيحان، فتضعهما تحت القيراط، واثنان كسراً تضعهما تحت الضلع، وهكذا كل وارث، كما نراه في الشباك.
فائدة
في بيان معرفة نصيب كل واحد مما صحت منه المسألة
وبيان ذلك: أن تضرب نصيبه من قبل التصحيح في رؤوس غيره إن كانت مباينة له، أو وفقها إن كانت موافقة، أو ماله وحده فقط إن كان منقسماً، فإن كان بينه وبين رؤوس غيره مداخلة، ضربته في أقل جزء يتفقان فيه.
مثال ذلك: أربع زوجات، وثلاث جدات، وأربع بنات، وعمان.
أصل المسألة من أربعة وعشرين، وتصح من ثمانية وثمانين ومائتين:
للزوجات: ثلاثة مضروبة في رؤوس الجدات ثلاثة بتسعة، وهي نصيب كل واحدة، ولا تضرب في رؤوس الأعمام لمداخلتها لهما، ولا في رؤوس البنات للمماثلة.
وللجدات: أربعة مضروبة في رؤوس الزوجات أو البنات للمماثلة، دون الأعمام للمداخلة بستة عشر، وهي نصيب كل واحدة وتضرب وفق رؤوس البنات في رؤوس الجدات، تبلغ اثني عشر، وإذا ضربتها في رؤوس الزوجات، بلغت ثمانية وأربعين، وهي نصيب كل واحد منهن.
أما سهام العمين: فهي واحد مضروب في رؤوس الجدات، ثم في وفق سهام الزوجات أو البنات، يبلغ ستة، وهي نصيب كل واحد منهما.
стр. 64
فائدة
قال عبد الله ابن الإمام أحمد- رحمهما الله-: حدثني أبي، ثنا إبراهيم ابن أبي العباس، قال: ثنا بقية، قال: حدثني عثمان بن زفر الجهني، قال: حدثني أبو الأشد السلمي، عن أبيه، عن جده، قال: كنت سابع سبعة مع رسول الله ﷺ ، قال: فامرنا نجمع لكل واحد منا درهماً، فاشرينا أضحية بسبعة الدراهم، فقلنا: يا رسول الله، لقد أغلنا بها، فقال النبي ﷺ : ((إن أفضل الضحايا أغلاها وأسمنها)) (١) ، فأمر رسول الله ﷺ فأخذ رجل برجل، ورجل برجل، ورجل بيد، ورجل بيد، ورجل بقرن، ورجل بقرن، وذبحها السابع، وكبرنا عليها جميعاً.
وهذا الحديث من أحاديث المسند، وقد أخرجه الحاكم وسكت عنه، وقال الذهبي: عثمان- يعني ابن زفر- ثقة. اهـ. وقد أورده الهيثمي، وقال: رواه أحمد، وأبو الأشد لم أجد من وثقه ولا جرحه، وكذلك أبوه وجده، وقيل: إن جده عمرو بن عبسة. اهـ. قلت: وقيل: أبو المعلى.
وقد ذكره صاحب ((ترتيب المسند)) (ص٨٥ج١٣) رقم (٧٨) ، وقال الظاهر: أن هذه الأضحية كانت من البقر؛ لأن الكبش لا يجزئ عن سبعة، والبعير لا قرون له، والبقرة هي التي تجزئ عن سبعة، وله قرون؛ فتعين أن تكون من البقر، والله أعلم. اهـ. وهذا بناء على رأي القائلين بذلك، وهو المعتمد عند الشافعية؛ فقد قال النووي: في ((شرح المهذب)) (ص٣٩٧ج٨) : فرع: تجزئ الشاة عن واحد، ولا تجزئ عن أكثر من واحد، لكن إن ضحى بها واحد من أهل البيت تأدى الشعار في حق جميعهم، وتكون التضحية في حقهم سنة كفاية. وقال في ((المنهاج))
стр. 65
وشرحه: والشاة عن واحد، فلو اشترك اثنان في شاة، لم تجزئ، والأحاديث كذلك، كحديث: ((اللهم، هذا عن محمد وآل محمد)) (١) : محمولة على أن المراد التشريك في الثواب لا في الأضحية. اهـ.
وهذا المحمل استدل عليه بعضهم بقوله: ((وأمة محمد)) ؛ لأنهم لم يكونوا حاضرين هناك مشتركين، ولكنه جعل لهم الثواب، كما يصح أن تجعل ثواب ركعتين مثلا لعدد كثير، ولو اشتركوا في تأدية الركعتين كل واحد يؤدي جزءاً، لم يصح.
أما كلام أصحابنا: فظاهره أنه تجزئ عنه وعن أهل بيته وعياله؛ بدليل ما نقلوه عن صاحب ((الرعاية)) مقابلاً لكلامهم؛ حيث قال- بعد حكاية القول بالإجزاء وعدمه: - وقيل: في الثواب لا في الإجزاء (٢) .
ويدل عليه - أيضاً -: قول ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) - وقد ذكر حديث أحمد هذا (ص ٥٠٢ج٣) -: نزل هؤلاء النفر منزلة أهل البيت الواحد في إجزاء الشاة عنهم؛ لأنهم كانوا رفقة واحدة. اهـ.
هذا؛ وقد ذكر في ((المحلّي)) (ص٣٨١ج٧) مسألة (٩٨٤) ؛ أنها تجزئ الأضحية الواحدة، أي شيء كانت، عن الجماعة من أهل البيت وغيرهم، وجائز أن يشتركوا فيها، ورد على القائلين بتخصيص الإبل والبقر بسبعة، والشاة بواحد، ونقل عن مالك: أن الرأس الواحد من الإبل أو البقر أو الغنم يجزئ عن واحد وعن أهل البيت وإن كثر عددهم وكانوا
стр. 66
أكثر من سبعة إذا أشركهم فيها تطوعاً، ولا تجزئ إذا اشتروها بينهم بالشركة ولا عن أجنبيين فصاعداً. اهـ.
فإذن: تبين أن في هذه المسألة أربعة أقوال:
المنع من الاشتراك مطلقاً؛ وهو رأي مالك.
والجواز مطلقاً؛ وهو رأي ابن حزم.
وجواز الاشتراك في البدنة والبقرة سبعة فقط مطلقاً، وجواز الاشتراك في الشاة
في أهل البيت والرفقة ونحوهم؛ وهذا هو ظاهر المذهب.
الرابع: مذهب الشافعية، وهو جوازه في البقر والإبل مطلقاً لسبعة فقط، ومنعه في الشاة إلا في الثواب، ويجيبون عن حديث أبي الأشد: بحمله على البقر؛ كما سبق.
وهذا المذهب قوي عندي جداً؛ ويؤيده أن النبي ﷺ لم يشرك أكثر من واحدة في جميع الأحاديث الواردة إلا في الإبل أو البقر، اللهم إلا في هذا الحديث، إن أخذنا بظاهره، مع أن حمله على البقر- كما حمله عليه صاحب ((الفتح الرباني)) - قريب محتمل بل ظاهر؛ إذ لو كانت معزاً أو شاة ذات قرون، ما احتاج أن يمسكها الستة، اللهم إلا أن يقال: إن إمساكهم إياها ليحصل اشتراك الجميع في ذبحها، والله أعلم. والأول أقرب؛ ليوافق غيره، ولو كانت مجزئة عن أكثر من واحد، لاشتهر اشتهاراً كبيراً للحاجة إليه، وانتشار فقر كثير من الصحابة، فإنهم في حاجة إلى أن يحصل لهم أضحية بثمن قليل.
قلت: وقد نقل في ((نيل الأوطار)) في باب السن الذي يجزئ في الأضحية..إلخ ما نصه: ((وأما الشاة: فلا تجزئ إلا عن واحد بالاتفاق)) . اهـ. (ص٢٠٣ ج٥) .
فإن قيل: ((قد ورد في أحاديث لا ريب في صحتها: أن الشاة تجزئ
стр. 67
عن الرجل وأهل بيته)) :
قيل: نعم، قد ورد ذلك، ولكن لفظها مختلف؛ فمنه: ما يقتضي أن الرجل تكون منه الضحية، ولكنه يجعلها عنه وعن أهل بيته، ومنه: ما يقتضي انهم يشتركون، والمسألة لم تتضح عندي غاية الاتضاح (١) .
وكان شيخنا عبد الرحمن بن سعدي يجيز الاشتراك لا سيما في الوصايا التي يخشي من تأخيرها تلفها، فعنده: لا بأس بجمع الوصايا إذا كانت كل واحدة لا تفي بأضحية كاملة، ويشتري فيها أضحية تكون للجميع.
فإن قيل: ((إن في هذا خلافاً لنص الموصي)) .
قلنا: لكنا نفهم غرض الموصى، وهو حصول الأجر له كل عام، وهذا حاصل إذا عملنا هذا العمل، غير حاصل إذا تربصنا بكل وصية حتى تتم على حدتها؛ هذا من جهة.
ومن جهة أخرى: فالتربص فيها عرضة لتلفها، كما هو مأخذ شيخنا، ولا ريب في رضى الموصى بهذا التصرف في هذه الحال، وهذا يشبه إبدال الوقف بخير منه؛ على رأي الشيخ تقي الدين، بل إن هذا يمكن أن ينزل على قاعدة المذهب؛ لأن هذا تعطيل للوصية في ذلك العام، فلا بأس بصرفها في بعض ما نص عليه الموصي؛ كالوقف المتعطل نفعه، والله أعلم.
واعلم أن هذا فيما إذا اختلف الموصون، أما إذا كان الموصي واحدا أوصى بثلاث أضاحي مثلاً، فلم يحتمل الريع، فإن كان نص على أنه إن ضاق الريع، جمعت في أضحية واحدة، فالأمر ظاهر، وإن لم ينص على ذلك،
стр. 68
فالظاهر: جواز جمعها في أضحية واحدة، ويشرك جميع من لهم حق في الأضاحي الثلاث، لأن هذا من باب التشريك في الثواب، والله أعلم.
فائدة
قال في ((لسان العرب)) (ص٢٥١ج١) : وجرب الرجل تجربة: إذا اختبره، والتجربة من المصادر المجموعة؛ قال النابغة:
إلى اليوم قد جربن كل التجارب
وقال الأعشي:
قد جربوه فما زادت تجاربهم أبا قدامة إلا المجد والفنعا
أي: الخير والكرم، فإنه مصدر مجموع معمل في المفعول به وهو غريب. اهـ. وإنما استغربه؛ لأن من شروط إعمال المصدر عند الجمهور: أن يكون مفرداً؛ ولذلك حكموا على بيت الأعشى بالشذوذ، وخالف في ذلك جماعة منهم ابن عصفور، والناظم.
هذا وقد شكل صاحب ((اللسان)) : ((التجارب)) بكسر الراء، وكذلك الصبان على الأشموني (ص٢١٤ج٢) فقد صرح بأنها بكسر الراء؛ وبذلك يعرف خطأ من قرؤوه بضم الراء.
فائدة
روى عبد الرزاق، عن ابن عيينه، عن عمرو بن دينار موصولاً، قال: رأيت ابن عمر ينحر بدنه بمنى وهي باركة معقولة، ورجل يمسك بحبل في رأسها، وابن عمر يطعن. وقد ذكر البخاري نحو هذا تعليقاً في باب من ذبح ضحية غيره (ص١٩ج١) من ((الفتح)) ، الطبعة الأخيرة (١) .
стр. 69
فائدة
قال الشيخ تقي الدين في ((رسالة الفرقان)) (ص٣٢) من المجموعة الكبرى ما معناه:
إذا قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، ففيه نزاع، والمرجع التفصيل:
فإن كان قصده: أنت طالق بهذا اللفظ، وقع، لأنه كقوله: بمشيئة الله.
وإن كان قصده تعليقه بمشيئة توجد بعد، لم يقع إلا إذا طلقها مرة ثانية، إذ إنا لا نعلم مشيئة الله حتى يقع.
كما ذكر (ص٣٨) من هذه الرسالة: تفاضل الإيمان، وأنه من وجهين.
فائدة
الفرق بين العلة والسبب
أن العلة: هي الوصف الظاهر المنضبط الذي جعل مناطاً لحكم يناسبه، أما إن كان يفضي إليه، ولا تظهر المناسبة له، فهو السبب.
فبينهما عموم وخصوص مطلق؛ إذ كل علة سبب، ولا عكس.
فائدة
في ((الفتح)) في شرح حديث ابن عباس: ((تحشرون حفاة عراة غرلاً)) (١) :
قال أبو هلال العسكري: لا تلتقي اللام مع الراء في كلمة، إلا في أربع:
أرل: اسم جبل، وورل: اسم حيوان معروف، وحرل: ضرب من الحجارة، والغرلة.
واستدرك عليه كلمتان: هرل: ولد الزوجة، وبرل: الديك الذي
стр. 70
يستدير بعنقه، والستة حوشية سوى الغرلة.
وقوله: ((لا تلتقي)) أي: لا يصير بعضها إلى جنب بعض، وليس المعنى: أنهما لا يجتمعان؛ فإن هذا كثير كما في رجل، ورجلٍ، وغيرهما.
فائدة
اللازم ثلاثة أقسام
لازم في الذهن والخارج؛ كلزوم الزوجية للأربعة:
ولازم في الذهن فقط؛ كلزوم البصر للعمى؛ لأن معنى العمى- بدلالة المطابقة -: سلب البصر، ولا يعقل المركب الإضافي إلا بعد تعقل جزأيه.
وهذان اللازمان تعتبر بهما دلالة الالتزام بالإجماع.
القسم الثالث: لازم في الخارج فقط؛ كلزوم السواد للفظة الغراب، وهذا اللزوم لا يعتبر في فن المنطق، وإنما يعتبر في الأصول والبلاغة أهـ. ما أملاه الشنقيطي.
ولما سألته عن مثال له تضمن وليس له لازم ذهني، قال: إنه قد مثل بعضهم له بالإنسان، وفسره بأنه يدل على الحيوانية أو الناطقية بالتضمن، وليس له لازم ذهني، والله أعلم.
فائدة
كره العلماء مداومة غير اللسان العربي لغير حاجة، وفي حديث ابن عمر: ((من أحسن أن يتكلم بالعربية، فلا يتكلف الفارسية ... إلخ)) ؛ رواه الحاكم في: ((المستدرك)) ، وقال: صحيح (١) ، وتعقبه الذهبي بأن عمرو بن
стр. 71
هارون أحد رجاله، كذيه ابن معين، وتركه الجماعة. هذه عبارته.
قال المناوي في ((شرح الجامع الصغير)) : فكان ينبغي للمصنف حذفه، وليته إذ ذكره بيّن حاله.
فائدة
اتفق العلماء على أن كراهة ((عبدي وأمتي)) للتنزيه حتى أهل الظاهر، ويستدل بقوله تعالى: (وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُم) (النور: ٣٢) ، على أن المنهي هو السيد، خشية التطاول، أما غيره، فلا؛ لأنه إنما يقصد التعريف غالباً.
وقد زاد مسلم في حديث النهي: ((ولا يقل: مولاي؛ فإن مولاكم الله)) (١) ، وهذه الزيادة قد بين مسلم الاختلاف فيها على الأعمش فمنهم من ذكرها، ومنهم من حذفها، وقال عياض: حذفها أصح، وقال القرطبي: المشهور حذفها.
أما كلمة الرب: فقد قال الخطابي: إن غير العاقل لا يكره إضافتها إليه؛ كرب الدار ونحوه، وقال ابن بطال: لا يجوز أن يقال لأحد غير الله: رب؛ كما لا يجوز: إله. اهـ.
هذا وقد ورد في الحديث: ((إذا ولدت الأمة ربها)) (٢) ؛ فدل على أن النهي عن الإطلاق.
ويحتمل: إنه للتنزيه، وما ترد، فلبيان الجواز.
وقيل: إن الجواز خاص بالنبي ﷺ .
وقيل: إن النهي عن الإكثار من ذلك، ولعل هذا أقرب الاحتمالات، لقوله: ((لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضئ
стр. 72
ربك)) (١) ؛ لأن الطعام والوضوء يكثر تكررهما.
ولا ريب أنه إذا خشي المحذور من استعمال الكلمتين، قوي النهي والكراهة، وربما وصلت إلى التحريم، وكلما بعد المحذور، بعدت الكراهة، وربما زالت إذا زال، والله أعلم.
فائدة
المذهب: أنه إذا وجد لقطة ولو في فلاة ولو مأيوساً من صاحبها، وجب عليه التعريف سنةً، ثم يملكها، إذا كانت مما تتبعه همة أوساط الناس، ولا تمتنع من صغار السباع.
وقال الشيخ تقي الدين- ﵀: إنه إذا وجد لقطة بطريق غير مأتي، فكركاز؛ واختاره في ((الفائق)) ، وذكره في ((الفروع)) توجيهاً؛ فقال (ص٨٥٦ج٢) : ويتوجه جعل لقطة موضع غير مأتي كركاز. اهـ.
وقال في ((الإقناع)) وشرحه (ص١٨٣ج٤) من طبعة حامد، وص (٤٢٥ج٢) من طبعة مقبل: (وإن كان لا يرجي وجود صاحب اللقطة) ومنه: لو كانت دراهم ليست بصرة ونحوها؛ على ما ذكره ابن عبد الهادي في ((مغني ذوي الأفهام)) ؛ حيث ذكر أنه يملكها ملتقطها بلا تعريف، (لم يجب تعريفها في أحد القولين) نظراً إلى أنه كالعبث، ثم ذكر بعد: أن المذهب وجوب التعريف مطلقاً، كما في ((المنتهى) وغيره.
فتبين: أنه إذا كان صاحب اللقطة غير مرجو الوجود، فإنها تكون كالركاز؛ كما قاله الشيخ تقي الدين، ووجهه في الفروع.
وتكون ملكاً لواجدها من غير تعريف؛ كما في أحد القولين الذي أشار إليه في ((الإقناع)) ، وذكره في ((مغني ذوي الأفهام)) .
стр. 73
وتكون لقطة واجبة التعريف، كلقطة لم يؤيس من وجود صاحبها؛ على ظاهر كلام: ((المنتهى)) وغيره.
والذي يظهر لي - والله أعلم-: أن الأمر ليس كذلك، وأن هذه اللقطة كسائر الأموال التي لا يرجى وجود أصحابها، كالعواري، والودائع، والغصوب، وغيرها، وقد ذكر الأصحاب: أنه يتصدق بها عن صاحبها مضمونة، وأن أحمد نص على جواز بيعها والتصدق بثمنها، أي: إذا لم تكن أثماناً، وأنه لا يجوز لمن هي في يده الأكل منها، وإن كان محتاجاً.
غير أن ابن رجب ذكر في ((القواعد)) (ص١٢٩) ، عن القاضي تخريجاً بجواز أكله إذا كان فقيراً على الروايتين في جواز شراء الوكيل من نفسه، وأفتى به الشيخ تقي الدين في الغاصب إذا تاب.
فعلى هذا: يكون حكم هذه اللقطة حكم تلك الأموال على الخلاف المذكور، وقول القاضي: ليس ببعيد، وربما يستأنس له بحديث المجامع في نهار رمضان؛ على أحد الاحتمالين في الحديث، وهو أن الرسول ﷺ أعطاه كفارة نفسه، وأما على الاحتمال الثاني- وهو سقوطها عنه، لفقره، وهو أقرب- فلا شاهد فيه، ولكن تؤخذ من نصوص أخري. ويفرق بينها وبين مسألة المجامع: أن كفارة المجامع عن نفسه بخلاف ذاك، والله أعلم.
فائدة
قال ابن القيم- ﵀ في ((إعلام الموقعين)) (ص٢١٨ج٣) :
ومن الحيل الباطلة: الحيلة على التخلص من الحنث بالخلع، ثم يفعل المحلوف عليه في حال البينونة، ثم يعود إلى النكاح، وهذه الحيلة باطلة شرعاً، وباطلة على أصول أئمة الأمصار. ثم ذكر وجه البطلان؛ وهذا ما يسميه العلماء- ومنهم أصحابنا- خلع الحيلة. وهو غير صحيح.
стр. 74
وإنما نقلت كلام ابن القيم، لما يشاع عنه من جوازه وصحته؛ فإن هذا غير لائق بمقامه، ﵀.
فائدة
في ((تاريخ الجهمية والمعتزلة)) ؛ نقلاً عن ((مجلة المنار)) في مواضع متعددة بطريقة مختصرة.
انقسام التجهم (ص٧٤٥مج١٦) :
قال الشيخ تقي الدين: ليس الناس في التجهم على درجة واحدة، بل انقسامهم في التجهم يشبه انقسامهم في التشيع، ولذلك يتستر الزنادقة بهاتين البدعتين اللتين هما أعظم أو من أعظم البدع التي حدثت في الإسلام.
فالرافضة القدماء ليسوا جهمية، بل مثبتو صفات، وغالبهم يصرح بلفظ الجسم، كما أن الجهمية ليسوا رافضة، بل كان الاعتزال فاشياً فيهم، والمعتزلة ضد الرافضة، وهم إلى النصب أقرب، ولكن في عهد بني بويه فشا التجهم في الرافضة.
والشيعة ثلاث درجات:
شرها: الغالية الذين يجعلون لعلي شيئاً من الألوهية أو النبوة.
والدرجة الثانية: الرافضة المعروفون، كالإمامية وغيرهم، يعتقدون أن عليا الإمام الحق بعد النبي ﷺ بنص جلي، أو خفي، ولكنه ظلم ويبغضون أبا بكر وعمر ويشتمونهما، وهذا- أعني بغضهما وشتمهما- سيما الرافضة.
الثالثة: المفضلة يفضلون عليا على أبي بكر وعمر، ولكن يتولونهما ويعتقدون عدالتهما وإمامتهما، كالزيدية، وهؤلاء أقرب إلى أهل السنة منهم إلى الرافضة.
стр. 75
وكذلك الجهمية ثلاث درجات:
غالية: ينفون أسماء الله وصفاته، وإن سموه بشيء من أسمائه، قالوا: هو مجاز؛ فهو عندهم ليس بحي ولا عالم.. إلخ، فهم لا يثبتون شيئاً، ولكن يدفعون التشنيع بما يقرون به في العلانية. وقد قال أبو الحسن الأشعري: إن هؤلاء أخذوا عن إخوانهم المتفلسفة الذين زعموا أن للعالم صانعاً لم يزل ليس بعالم ولا قادر..إلخ، غير أن هؤلاء لم يظهروا المعنى فقالوا: إن الله عالم من طريق التسمية من غير أن نثبت له علماً أو قدره.. إلخ. وهذا القول قول القرامطة الباطنية ومن سبقهم من إخوانهم الصابئة والفلاسفة.
الدرجة الثانية: تجهم المعتزلة، يقرون بالأسماء الحسنى في الجملة، ويجعلون كثيراً منها على المجاز، لكنهم ينفون صفاته وهؤلاء هم الجهمية المشهورون.
والثالثة: الصفاتية المثبتون المخالفون للجهمية، لكن فيهم نوع من التجهم، يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة لكن يردّون طائفة من أسمائه وصفاته الخبرية وغير الخبرية، ويتأولونها كما تأول الأولون صفاته كلها. ومنهم من يقر بما جاء في القرآن الكريم دون الحديث، ومنهم يقر بالجميع لكن مع نفي وتعطيل للبعض، وهؤلاء إلى السنة المحضة أقرب إلى الجهمية المحضة؛ بيد أن متأخريهم والوا المعتزلة وقاربوهم أكثر فخالفوا أوليهم. اهـ.
وقد أشار المحشي إلى أن كلام الشيخ هذا في ((التسعينية)) انتهى الكلام على الجهمية.
أما الكلام على المعتزلة، فيلخص فيما يلي:
من هم المعتزلة؟ (ص٧٤٩ج١٦) .