هارون أحد رجاله، كذيه ابن معين، وتركه الجماعة. هذه عبارته.
قال المناوي في ((شرح الجامع الصغير)) : فكان ينبغي للمصنف حذفه، وليته إذ ذكره بيّن حاله.
فائدة
اتفق العلماء على أن كراهة ((عبدي وأمتي)) للتنزيه حتى أهل الظاهر، ويستدل بقوله تعالى: (وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُم) (النور: ٣٢) ، على أن المنهي هو السيد، خشية التطاول، أما غيره، فلا؛ لأنه إنما يقصد التعريف غالباً.
وقد زاد مسلم في حديث النهي: ((ولا يقل: مولاي؛ فإن مولاكم الله)) (١) ، وهذه الزيادة قد بين مسلم الاختلاف فيها على الأعمش فمنهم من ذكرها، ومنهم من حذفها، وقال عياض: حذفها أصح، وقال القرطبي: المشهور حذفها.
أما كلمة الرب: فقد قال الخطابي: إن غير العاقل لا يكره إضافتها إليه؛ كرب الدار ونحوه، وقال ابن بطال: لا يجوز أن يقال لأحد غير الله: رب؛ كما لا يجوز: إله. اهـ.
هذا وقد ورد في الحديث: ((إذا ولدت الأمة ربها)) (٢) ؛ فدل على أن النهي عن الإطلاق.
ويحتمل: إنه للتنزيه، وما ترد، فلبيان الجواز.
وقيل: إن الجواز خاص بالنبي ﷺ .
وقيل: إن النهي عن الإكثار من ذلك، ولعل هذا أقرب الاحتمالات، لقوله: ((لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضئ
стр. 72
ربك)) (١) ؛ لأن الطعام والوضوء يكثر تكررهما.
ولا ريب أنه إذا خشي المحذور من استعمال الكلمتين، قوي النهي والكراهة، وربما وصلت إلى التحريم، وكلما بعد المحذور، بعدت الكراهة، وربما زالت إذا زال، والله أعلم.
فائدة
المذهب: أنه إذا وجد لقطة ولو في فلاة ولو مأيوساً من صاحبها، وجب عليه التعريف سنةً، ثم يملكها، إذا كانت مما تتبعه همة أوساط الناس، ولا تمتنع من صغار السباع.
وقال الشيخ تقي الدين- ﵀: إنه إذا وجد لقطة بطريق غير مأتي، فكركاز؛ واختاره في ((الفائق)) ، وذكره في ((الفروع)) توجيهاً؛ فقال (ص٨٥٦ج٢) : ويتوجه جعل لقطة موضع غير مأتي كركاز. اهـ.
وقال في ((الإقناع)) وشرحه (ص١٨٣ج٤) من طبعة حامد، وص (٤٢٥ج٢) من طبعة مقبل: (وإن كان لا يرجي وجود صاحب اللقطة) ومنه: لو كانت دراهم ليست بصرة ونحوها؛ على ما ذكره ابن عبد الهادي في ((مغني ذوي الأفهام)) ؛ حيث ذكر أنه يملكها ملتقطها بلا تعريف، (لم يجب تعريفها في أحد القولين) نظراً إلى أنه كالعبث، ثم ذكر بعد: أن المذهب وجوب التعريف مطلقاً، كما في ((المنتهى) وغيره.
فتبين: أنه إذا كان صاحب اللقطة غير مرجو الوجود، فإنها تكون كالركاز؛ كما قاله الشيخ تقي الدين، ووجهه في الفروع.
وتكون ملكاً لواجدها من غير تعريف؛ كما في أحد القولين الذي أشار إليه في ((الإقناع)) ، وذكره في ((مغني ذوي الأفهام)) .
стр. 73
وتكون لقطة واجبة التعريف، كلقطة لم يؤيس من وجود صاحبها؛ على ظاهر كلام: ((المنتهى)) وغيره.
والذي يظهر لي - والله أعلم-: أن الأمر ليس كذلك، وأن هذه اللقطة كسائر الأموال التي لا يرجى وجود أصحابها، كالعواري، والودائع، والغصوب، وغيرها، وقد ذكر الأصحاب: أنه يتصدق بها عن صاحبها مضمونة، وأن أحمد نص على جواز بيعها والتصدق بثمنها، أي: إذا لم تكن أثماناً، وأنه لا يجوز لمن هي في يده الأكل منها، وإن كان محتاجاً.
غير أن ابن رجب ذكر في ((القواعد)) (ص١٢٩) ، عن القاضي تخريجاً بجواز أكله إذا كان فقيراً على الروايتين في جواز شراء الوكيل من نفسه، وأفتى به الشيخ تقي الدين في الغاصب إذا تاب.
فعلى هذا: يكون حكم هذه اللقطة حكم تلك الأموال على الخلاف المذكور، وقول القاضي: ليس ببعيد، وربما يستأنس له بحديث المجامع في نهار رمضان؛ على أحد الاحتمالين في الحديث، وهو أن الرسول ﷺ أعطاه كفارة نفسه، وأما على الاحتمال الثاني- وهو سقوطها عنه، لفقره، وهو أقرب- فلا شاهد فيه، ولكن تؤخذ من نصوص أخري. ويفرق بينها وبين مسألة المجامع: أن كفارة المجامع عن نفسه بخلاف ذاك، والله أعلم.
فائدة
قال ابن القيم- ﵀ في ((إعلام الموقعين)) (ص٢١٨ج٣) :
ومن الحيل الباطلة: الحيلة على التخلص من الحنث بالخلع، ثم يفعل المحلوف عليه في حال البينونة، ثم يعود إلى النكاح، وهذه الحيلة باطلة شرعاً، وباطلة على أصول أئمة الأمصار. ثم ذكر وجه البطلان؛ وهذا ما يسميه العلماء- ومنهم أصحابنا- خلع الحيلة. وهو غير صحيح.
стр. 74
وإنما نقلت كلام ابن القيم، لما يشاع عنه من جوازه وصحته؛ فإن هذا غير لائق بمقامه، ﵀.
فائدة
في ((تاريخ الجهمية والمعتزلة)) ؛ نقلاً عن ((مجلة المنار)) في مواضع متعددة بطريقة مختصرة.
انقسام التجهم (ص٧٤٥مج١٦) :
قال الشيخ تقي الدين: ليس الناس في التجهم على درجة واحدة، بل انقسامهم في التجهم يشبه انقسامهم في التشيع، ولذلك يتستر الزنادقة بهاتين البدعتين اللتين هما أعظم أو من أعظم البدع التي حدثت في الإسلام.
فالرافضة القدماء ليسوا جهمية، بل مثبتو صفات، وغالبهم يصرح بلفظ الجسم، كما أن الجهمية ليسوا رافضة، بل كان الاعتزال فاشياً فيهم، والمعتزلة ضد الرافضة، وهم إلى النصب أقرب، ولكن في عهد بني بويه فشا التجهم في الرافضة.
والشيعة ثلاث درجات:
شرها: الغالية الذين يجعلون لعلي شيئاً من الألوهية أو النبوة.
والدرجة الثانية: الرافضة المعروفون، كالإمامية وغيرهم، يعتقدون أن عليا الإمام الحق بعد النبي ﷺ بنص جلي، أو خفي، ولكنه ظلم ويبغضون أبا بكر وعمر ويشتمونهما، وهذا- أعني بغضهما وشتمهما- سيما الرافضة.
الثالثة: المفضلة يفضلون عليا على أبي بكر وعمر، ولكن يتولونهما ويعتقدون عدالتهما وإمامتهما، كالزيدية، وهؤلاء أقرب إلى أهل السنة منهم إلى الرافضة.
стр. 75
وكذلك الجهمية ثلاث درجات:
غالية: ينفون أسماء الله وصفاته، وإن سموه بشيء من أسمائه، قالوا: هو مجاز؛ فهو عندهم ليس بحي ولا عالم.. إلخ، فهم لا يثبتون شيئاً، ولكن يدفعون التشنيع بما يقرون به في العلانية. وقد قال أبو الحسن الأشعري: إن هؤلاء أخذوا عن إخوانهم المتفلسفة الذين زعموا أن للعالم صانعاً لم يزل ليس بعالم ولا قادر..إلخ، غير أن هؤلاء لم يظهروا المعنى فقالوا: إن الله عالم من طريق التسمية من غير أن نثبت له علماً أو قدره.. إلخ. وهذا القول قول القرامطة الباطنية ومن سبقهم من إخوانهم الصابئة والفلاسفة.
الدرجة الثانية: تجهم المعتزلة، يقرون بالأسماء الحسنى في الجملة، ويجعلون كثيراً منها على المجاز، لكنهم ينفون صفاته وهؤلاء هم الجهمية المشهورون.
والثالثة: الصفاتية المثبتون المخالفون للجهمية، لكن فيهم نوع من التجهم، يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة لكن يردّون طائفة من أسمائه وصفاته الخبرية وغير الخبرية، ويتأولونها كما تأول الأولون صفاته كلها. ومنهم من يقر بما جاء في القرآن الكريم دون الحديث، ومنهم يقر بالجميع لكن مع نفي وتعطيل للبعض، وهؤلاء إلى السنة المحضة أقرب إلى الجهمية المحضة؛ بيد أن متأخريهم والوا المعتزلة وقاربوهم أكثر فخالفوا أوليهم. اهـ.
وقد أشار المحشي إلى أن كلام الشيخ هذا في ((التسعينية)) انتهى الكلام على الجهمية.
أما الكلام على المعتزلة، فيلخص فيما يلي:
من هم المعتزلة؟ (ص٧٤٩ج١٦) .
стр. 76
هي فرقة إسلامية كبيرة جداً، إذ إنه انتحلها رجال كثيرون؛ فشيعة العراق قاطبة، والأقطار الهندية والشامية، والبلاد الفارسية، والزيدية في اليمن، كل هؤلاء الذين يعدون بالملايين على مذهب المعتزلة.
أما في نجد: فقد انتشر مذهب السلف الأثرية، كما يوجد ذلك في طوائف من الهند وفي جماعات قليلة في العراق والحجاز والشام.
أما السواد الأعظم من البلاد الإسلامية: فعلى المذهب المنسوب إلى الأشعري، أي: الذي تداوله المتأخرون؛ إذ إن مذهب الأشعري بنفسه هو مذهب أحمد بن حنبل؛ كما صرح بذلك في كتابه ((الإبانة)) .
تلقيب المعتزلة بالجهمية (ص٧٥١ مج١٦) :
كان مذهب الجهمية سابقاً بزمن قريب مذهب المعتزلة، غير أنهما اتفقا على أصول كبيرة في مذهبهما، وهي نفي الصفات، والرؤية، وخلق الكلام، فصاروا كأهل المذهب الواحد وإن اختلفوا في بعض الفروع، ومن ثم أطلق أئمة الأثر (الجهمية) على المعتزلة؛ فالإمام أحمد والبخاري في كتابيهما (الرد على الجهمية) ومن بعدهما، يعنون بالجهمية المعتزلة، لأنهم بهذه المسائل أشهر من الجهمية خصوصاً في المتأخرين. وأما المتقدمون: فيعنون بالجهمية الجهمية؛ لأنها الأم السابقة لغيرها من مذاهب التأويل (أي التعطيل) كما سبق عن الشيخ تقي الدين.
قال رشيد: وبما ذكر يزول الاشتباه الذي يراه البعض من ذكر الجهمية في هذه المسائل، مع أنها في عرفهم مضافة إلى المعتزلة وذلك أن تلقيبهم بالجهمية لما وجد من موافقتهم إياهم في هذه المسائل، ومن ثم قال الشيخ تقي الدين: كل معتزلي جهمي، ولا عكس، لكن جهم اشد تعطيلاً، لأنه ينفي الأسماء والصفات.
стр. 77
فائدة
قال ابن مفلح في ((الفروع)) : لم يبعث إليهم (أي الجن) نبي قبل نبينا محمد ﷺ .
قلت: ويشهد له قوله ﷺ : ((وكان النبي ﷺ يبعث إلي قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة)) (١)
فأما قوله تعالى عن الجن: (قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ) (الاحقاف: ٣٠) ، فظاهره: أنهم كانوا يتعبدون بشريعة موسى، وكذا هو ظاهر حال الجن المسخرين لسليمان، أي: أن الظاهر أنهم كانوا يتعبدون بشريعة سليمان، وكان يتعبد بشريعة موسى، هكذا قيل: إنه ظاهر حالهم، وفيه نظر؛ ولكن يكفينا ظاهر الآية.
والجواب: أن الظاهر أنه لم يكلف بالرسالة إليهم، وإن كانوا قد يتعبدون بها، والله أعلم.
فائدة
التعريض: كذب في إفهام السامع، حيث أفهمه خلاف الحقيقة بما أظهره من لفظه، ولذلك اعتذر إبراهيم عن الشفاعة للناس بالكذبات الثلاث التي هي تعريض.
فائدة
روى الإمام أحمد، عن ثوبان: سمعت النبي ﷺ يقول: ((ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون ألفا)) (٢) .
стр. 78
قال ابن كثير في تفسير آل عمران عند قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران: ١١٠) ، إنه حديث صحيح- ولله الحمد والمنة- وذكر أحاديث كثيرة تدل على هذا المعنى، وبعضها يدل على أن مع كل واحد سبعين ألفاً وثلاث حثيات من حثيات الباري، جل وعلا.
وعن ابن مسعود- ﵁ في الصحيحين، أن النبي ﷺ قال: ((أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟!)) فكبرنا؛ ثم قال: ((أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟!)) فكبرنا ثم قال: ((إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة)) (١) .
وروى أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والطبراني؛ أن الجنة عشرون ومائة صف، وأن هذه الأمة ثمانون صفاً منها (٢) ، فلله الحمد.
وروى الإمام أحمد، من حديث ابن عمر: ((مثلكم ومثل اليهود والنصاري كمثل رجل استعمل عمالاً، فقال: من يعمل لي عملاً من صلاة الصبح إلي نصف النهار على قيراط قيراط؟ ألا فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي عملاً من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط؟ ألا فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل من صلاة العصر إلى صلاة غروب الشمس على قيراطين قيراطين فأنتم الذين عملتم، فغضبت اليهود والنصارى، فقالوا: نحن أكثر عملاً، واقل عطاء، قال: هل ظلمتكم من أجركم شيئا؟ قالوا: لا، قال: فإنما هو فضلي أوتيه من اشاء)) (٣) اهـ.
стр. 79
فائدة
عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : ((من أنظر معسراً أو وضع عنه، وقاه الله من فيح جهنم، ألا إن عمل الجنة حزن بربوة ثلاثاُ، ألا إن عمل النار سهل بشهوة، والسعيد من وقي الفتن، وما من جرعة أحب إلى الله تعالى من جرعة غيظ يكتمها عبد، ما كظمها عبد لله إلا ملأ الله جوفه إيماناً)) ؛ انفرد به أحمد (١) ، وإسناده حسن ليس فيه مجروح، ومتنه حسن. اهـ. تفسير ابن كثير.
فائدة
من المنار (مج٣ ص١٦٣) أعجوبتان:
الأولى: امرأة ولدت بنتاً بدنها كبدن الإنسان، لكن رأسها بلا وجه، وعيناها في مكان الناصية من رأسها، وأذناها بحذائهما، وهما كأذني الأرنب، ولها أربع شفاه بعضها فوق بعض.
الثانية: امرأة ولدت بنتا نصفها الأعلى كالبشر، ونصفها الأسفل كالبطيخة.
وفي (مج٢ ص٣٦٩) من المجلة المذكورة كلمة في الحجاب.
وقد جري في بلدنا عنيزة أعجوبة ثالثة: هي ابنة ولدت في شعبان أو في أول رمضان عام ١٣٧٦هـ. وقد كساها الله بثوب لحم على صفة لباس يسمى الشلحة، فكان الشلش في يديها في الذراعين، وفي رجليها في الساقين، وعلى صدرها شيء يشبه الشلش على طوقها؛ فتبارك الله رب العالمين.
стр. 80
فائدة
عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: ((لا تسكنوهن الغرف، ولا تعلموهن الكتابة، وعلموهن الغزل وسورة النور)) وكذلك روى ابن عباس النهي عن تعليم النساء الكتابة مرفوعاً؛ وكلاهما ضعيفان:
أما الأول: ففي إسناده محمد بن إبراهيم الشامي، كذبه الدراقطني، وقال ابن عدي: عامة أحاديثه غير محفوظة، وقال ابن حبان: يضع الحديث.
وأما الثاني: ففي سنده جعفر بن نصر، وهو متهم.
وقد ذكر ابن الجوزي الخبرين في الموضوعات.
ولذلك كان ظاهر كلام الأكثرين والإمام: عدم كراهة تعليمها الكتابة، كما روى أحمد في مسنده، وأبو داود، والنسائي: ((أن النبي ﷺ دخل على الشفاء بنت عبد الله وهي عند حفصة، فقال: ألا تعلمين هذه رقية النملة، كما علمتها الكتابة؟!)) (١) ، وهو حديث صحيح، قال أحمد: هو رخصة في تعليم النساء الكتابة، وقال في ((المنتقى)) : وهو دليل على جواز تعلم النساء الكتابة. اهـ.
والنملة: بثرة تخرج في الجسد باحتراق والتهاب، وتدب إلى موضع آخر كالنملة وهي تعرف عندنا بالحزاة.
وقد نقلت الأحاديث والكلام عليها من الجزء الثالث من ((الآداب الشرعية)) (ص٣٠٩-٣١٠) .
فائدة
أخرج الحاكم من حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ
стр. 81
قال: ((ليس من عمل يقرب من الجنة إلا وقد أمرتكم به، ولا عمل يقرب من النار إلا وقد نهيتكم عنه، فلا يسبطئن أحد منكم رزقه؛ فإن جبريل ألقى في روعي أن أحداً منكم لن يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه، فاتقوا الله - أيها الناس- وأجملوا في الطلب، فإن استبطأ أحد منكم رزقه، فلا يطلبه بمعصية الله، فإن الله لا ينال فضله بمعصيته)) (١) . اهـ.
فائدة
الأنبياء المذكورون في القرآن الكريم هم المذكورون في هذه الأبيات وهم خمسة وعشرون نبياً:
حتم على كل ذي التكليف معرفة بأنبياء على التفصيل قد علموا
في تلك حجتنا منهم ثمانية من بعد عشر ويبقى سبعة وهمو
إدريس هود شعيب صالح وكذا ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا
وعد ذي الكفل منهم، فيه خلاف مشهور بين العلماء، فقيل: رجل صالح، وقيل: نبي، وتوقف ابن جرير في ذلك، والله أعلم.
فائدة
مسألة ١٦٩ في رجل طلب منه رجل ابنته لنفسه، فقال: ما أزوجك بنتي حتى تزوج بنتك لأخي، فهل يصح هذا التزويج؟
الجواب: وفيه: وإذا تشارطا أنه لا يزوجه ابنته حتى يزوجه أخته، كان هذا نكاحاً فاسداً ولو سمي مع ذلك صداق آخر، هذا هو المأثور عن رسول الله ﷺ . اهـ. من ((الفتاوي)) (ص٩٧) مجموعة رقم (١) التي فيها الاختيارات.
فائدة
قال في ((الإقناع)) : ((وإن وجد الغرور من المرأة والولي، فالرجوع
стр. 82
بالمهر على الولي، ومنها ومن الوكيل، فبينهما نصفين:
قال الشيخ منصور- ﵀ في ((حاشيته)) : قاله الموفق؛ ولعله لأن فعل الوكيل كفعل الموكل، فقد صدر الغرور منهما؛ فيكون الغرم بينهما نصفين بخلاف الولي، فليس فعله فعل مولاه، وظاهر كلام ((الإنصاف)) : عدم الفرق بينهما، ولهذا قال: فيكون في كل من الولي والوكيل قولان اهـ. وهو ظاهر كلام الشيخ التقي في ((المسودة)) قال: يقدم فيه مباشر الفعل على الآذن فيه، قال: وقد ذكر الجد أيضاً في غرور الأمة: إن كان الغرور من وكيل السيد، رجع عليه، وإن كان منها، تعلق بها وإن كان منهما، رجع على كل واحد منهما بالنصف. اهـ. حاشية ((الإقناع)) .
وأقول: إن ظاهر كلام ((الإنصاف)) والشيخ التقي هو قياس المذهب، ولو كان الغرور من الجميع- الزوجة، والولي- فقياس قول الموفق ومن تابعه أنه بين الولي والوكيل نصفين، وقياس قول الآخرين أنه على الوكيل فقط؛ والله أعلم.
فائدة
قال الأصحاب- ﵏: إذا أقر السفيه بحد ونحوه، قبل إقراره في الحال، لكن إن أقر بقصاص، فعفي عنه إلى المال، لم يؤخذ إلا بعد فك الحجر عليه.
وأما إن أقر بمال، فإنه لا يؤخذ به إلا بعد فكه، ويقبل إقراره حال الحجر عليه.
وبهذا عرف أن المحجور عليه لحظّه إن كان لعدم تكليفه، لم يصح إقراره مطلقاً، وإن كان لسفه، صح مطلقا، لكن إن كان بما يئول إلى المال، لم يؤاخذ به إلا بعد فك الحجر عنه، وإلا أخذ به في الحال.
стр. 83
وبهذا عرف ما في إطلاقهم في ((كتاب الإقرار)) من عدم صحة إقرار المحجور عليه لسفه بالمال. وإن كان المراد لا يؤاخذ به، والله أعلم.
فائدة
عموم كلامهم في وجوب سترة تمنع مشارفة الأسفل: يقتضي أنه لا فرق بين كون المشارف سابقا على جاره أم لا، وقد صرح بذلك في النظم حيث قال:
ومن داره تعلو على الجار يلزمن بنا يستر الأدنى لباغي تقصد
ويلزم أيضاً سد طاق علا ولو تقدم ودعوى لا أرى لا تقلد
وقد سئل سعيد بن حجي عن بناء مشرف سابق طلب الجار سترة.
فأجاب: أنه لم يقف على تفرقة للعلماء بين البناء المتقدم والحادث، والله أعلم.
ولا يشترط أن يكون المشرف ملاصقاً، لعموم كلامهم.
وقد ذكر في ((سبل السلام)) في ((باب قتال الجاني، وقتل المرتد)) : أن ابن عبد الحكم في ((فتوح مصر)) أخرج عن يزيد بن أبي حبيب، قال: أول من بنى غرفة بمصر خارجة بن حذافة، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فكتب إلى عمرو بن العاص: سلام عليكم، أما بعد: فإنه بلغني أن خارجة بن حذافة بنى غرفة، ولقد أراد أن يطلع على عورات جيرانه، فإذا أتاك كتابي هذا، فاهدمها- إن شاء الله- والسلام.
فائدة
قيل لبعض السلف: إن اليهود والنصارى يقولون: لا نوسوس، قال: صدقوا وما يصنع الشيطان بقلب خراب؟!
قال الشيخ تقي الدين- ﵀ في ((الفتاوي)) (ج٢ص٢١) :
والوسواس يعرض لكل من توجه إلى الله بذكر أو غيره لابد له من
стр. 84
ذلك؛ فينبغي للعبد أن يثبت ويصبر ويلازم ما هو فيه من الذكر والصلاة ولا يضجر؛ فإنه بملازمة ذلك ينصرف كيد الشيطان عنه، (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً) (النساء: ٧٦) ، وكلما أراد العبد توجهاً إلى الله تعالى بقلبه، جاءه من الوسواس أمور أخرى، فإن الشيطان بمنزلة قاطع الطريق، كلما أراد العبد أن يسير إلى الله، قطع الطريق عليه.
وقال في ((كتاب الإيمان)) (ص١٤٧) في الطبعة الهندية: وكثيراً ما يعرض للمؤمن شعبة من شعب النفاق، ثم يتوب الله عليه، وقد يرد على قلبه بعض ما يوجب النفاق ويدفعه الله عنه، والمؤمن يبتلى بوساوس الشيطان، وبوساوس الكفر التي يضيق بها صدره.
إلى أن قال: ولابد لعامة الخلق من هذه الوساوس؛ فمن الناس: من يجيبها فيصير كافراً، أو منافقاً، ومن الناس: من قد غمر قلبه الشهوات والذنوب فلا يحس بها إلا إذا طلب الدين، ولهذا يعرض للمصلين من الوساوس ما لا يعرض لغيرهم، لأن الشيطان يكثر تعرّضه للعبد إذا أراد أن ينيب إلى ربه، ويتصل به، ويتقرب إليه، ويعرض للخاصة أهل العلم والدين أكثر مما يعرض للعامة، ويوجد عند طلاب العلم والعبادة من الوساوس والشبهات ما ليس عند غيرهم؛ لأنه لم يسلك شرع الله ومنهاجه، بل هو مقبل على هواه في غفلة عن ذكر ربه؛ وهذا هو مطلوب الشيطان، بخلاف المتوجهين إلى ربهم بالعلم والعبادة؛ فإنه عدوهم يطلب صدهم عن الله. اهـ. كلامه ملخصاً- ﵀ ونسأل الله تعالى أن يعيذنا من عدونا عدو الإنس والجن؛ إنه سميع عليم.
فائدة
قال الأصحاب ﵏: - إن مؤنة الرد في الإقالة على البائع، وأما في الفسخ لعيب فعلى المشتري، وفرقوا بينهما: بأن الإقالة فسخ
стр. 85
باختيار البائع، فكانت عليه، بخلاف الفسخ لعيب، فإنه قهر على البائع.
ومقتضى هذا التعليل: أن الفسخ بالنجش والتدليس ونحوهما على المشتري مؤنة النقل، وأن شرط الخيار إن كان للبائع أو لهما ففسخ البائع فعلى البائع، وإن كان للمشتري فعليه.
ويحتمل أن تكون على البائع مطلقاً؛ لأن الشرط- وإن كان للمشتري- فإن البائع قد رضي به وبلازمه الذي هو الفسخ، فيكون هو الذي سلط المشتري عليه، والله أعلم.
فائدة
عن جرير بن عبد الله البجلي- ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ ، فلما برزنا من المدينة، إذا راكب يوضع نحونا، فقال النبي ﷺ : ((كأن هذا الراكب إياكم يريد)) فانتهى إلينا الرجل فسلم، فرددنا عليه، فقال النبي ﷺ : من أين أقبلت؟ قال: من أهلي وولدي وعشيرتي؟ قال: فأين تريد؟ قال: أريد رسول الله ﷺ ، قال: فقد أصبته، قال: يا رسول الله علمني ما الإيمان؟ قال: ((أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت)) قال: قد أقررت، قال: ثم إن بعيره دخلت يده في شبكة جرذان، فهوى بعيره، وهوى الرجل، فوقع على هامته، فمات، فقال رسول الله ﷺ على بالرجل، فوثب إليه عمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، فأقعداه، فقالا: يا رسول الله، قبض الرجل، قال: فأعرض عنهما رسول الله ﷺ ، ثم قال لهما رسول الله ﷺ : أما رأيتما إعراضي عن الرجل؛ فإني رأيت ملكين يدسان في فيه من ثمار الجنة، فعلمت أنه مات جائعاً ثم قال رسول الله ﷺ : هذا من الذين قال الله فيهم: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) (الأنعام: ٨٢) ، ثم قال: دونكم أخاكم، فاحتملناه إلى الماء، فغسلناه وحنطناه
стр. 86
وكفناه وحملناه إلى القبر، فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس على شفير القبر، فقال: ألحدوا ولا تشقوا؛ فإن اللحد لنا، والشق لغيرنا،)) ، رواه أحمد بن حنبل، عن إسحاق بن يوسف: حدثنا أبو جناب، عن زاذان، عن جرير (١) .
وفي الحديث: دليل على أن الإيمان يطلق على الأعمال الظاهرة التي هي الإسلام. اللهم توفنا على الإيمان؛ وأحينا على سنة المصطفى من بني الإنسان، يا كريم يا رحمن، يا حي يا قيوم.
فائدة
الرد على أهل الفروض بقدر فروضهم: هو مذهب أحمد، وأبي حنيفة- رحمهما الله- لكن يستثنى من ذلك الزوجان، فلا يرد عليهما؛ قال في ((المغني)) باتفاق من أهل العلم، وحكي الإجماع أيضاً في ((العذب الفائض)) ، وقال: حكاه العلامة سبط المارديني في ((شرح الكفاية)) وفي ((شرح كشف الغوامض)) أيضاً، وممن حكاه العلامة الشيخ على بن الجمال، الأنصاري في ((شرح فرائض المنهاج)) ويروى عن عثمان ﵁ أنه رد على زوج، قال ((في المغني)) : ولعله كان عصبة أو ذا رحم، أو أعطاه من بيت المال، لا على سبيل الميراث. اهـ. بمعناه.
وأقول: إن شيخنا عبد الرحمن الناصر السعدي- ﵀ كان يرى الرد عليهما؛ قال في ((الإرشاد)) (ص١٦٩) : على القول الصحيح، والرد عليهم مروي عن عثمان، وبه قال شيخ الإسلام. اهـ. ولعله اعتمد في النقل عن الشيخ على ما جاء في ((الاختيارات)) (ص١٩٧) . وفي ((مختصر الفتاوي)) (ص٤٢٠) وفي ((الفتاوي)) (ج٤) ، مجموعة رقم ١ س٤٨: في
стр. 87
زوج وبنت وأم أخت من أم: أن الفريضة تقسم على أحد عشر سهماً؛ للبنت ٦، للزوج٣، وللأم ٢، ولا شيء للأخت لأم.
قال في ((مختصر الفتاوي)) : وظاهر هذا أنه: يرد على الزوج، وفيه نظر. وصدق في تنظيرة، ولاسيما والشيخ- ﵀ عزاها إلى مذهب أبي حنيفة، مع أن المعروف في مذهبيهما: أن لا رد على الزوجين.
والذي يظهر - والله أعلم: - أن الشيخ- ﵀ حصل منه سهو حال قسمتها.
ويدل لذلك - أيضاً-: أن الشيخ نفسه- ﵀ أجاب في (ص٥٠) من ((الفتاوي)) (ج٤) ، مجموعة رقم ١، في رجل مات عن زوجة، وأخت شقيقة، وثلاث بنات أخ شقيق، فقال: للزوجة الربع، وللأخت لأبوين النصف، ولا شيء لبنات الأخ. والربع الثاني: إن كان هناك عصبة، فهو للعصبة؛ وإلا فهو مردود على الأخت، على أحد قولي العلماء، وعلى الآخر: هو لبيت المال.
وكذلك أجاب في (ص٥٢) من الجزء نفسه في امرأة ماتت عن زوج وابن أخت: بأن للزوج النصف، وأما ابن الأخت: ففي أحد الأقوال: له الباقي، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وأحمد في المشهور عنه، وطائفة من أصحاب الشافعي، وفي القول الثاني: الباقي لبيت المال، ثم ذكر أن اصل هذا الخلاف تنازع الناس في ميراث ذوي الأرحام، فقسمة هاتين المسألتين على هذه الصفة دليل على أنه لا يرد على الزوجين.
ويدل على ذلك-أيضاً- الإجماع الذي حكاه غير واحد، كما سبق.
ويدل عليه: أن ناقلي الخلاف في المذهب كصاحب، ((الإنصاف)) وغيره: لم يذكروا خلافاً عن الشيخ في ذلك، مع عظم اعتبار خلافه عندهم وعند غيرهم، ولو كان له قول في المسألة، لنقلوه عنه.
стр. 88
ولهذا يظهر لي: أنه رد على الزوجين؛ لأن أصل الرد مأخذه أن ذوي الأرحام بعضهم أولى ببعض، والزوج ليس منهم، والله أعلم.
فائدة
روى الطبراني من طريق ابن لهيعة، عن الحارث بن مالك الأنصاري؛ أنه مر برسول الله ﷺ فقال: كيف أصبحت يا حارث؟ فقال: أصبحت مؤمنا حقاً، قال: انظر ما تقول؛ فإن لكل شيء حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا؛ فأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري، وإني أنظر إلى عرش ربي بارزاً، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها، فقال النبي ﷺ : يا حارث، عرفت فالزم ثلاثاً. اهـ. ابن كثير عند قوله تعالى في سورة الأنفال: (أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّا) (الأنفال: ٤) .
فائدة
قال في ((الإقناع)) وشرحه في فصل ((تعتبر عدالة البينة ظاهراً، وباطناً في آخر الفصل (ص٢٠٨ج٤) ، قال: وذلك-يعني: الترجمة وما عطف عليها- شهادة يعتبر فيها لفظ الشهادة، قال: وتجب المشافهة؛ فلا تكفي بالرقعة مع الرسول؛ كالشهادة؛ وكذلك في ((المنتهي)) وشرحه (ص٢٨٠) من الجزء المذكور.
وهذا صريح في أن أداء الشهادة بالكتابة غير معتبر ممن يتمكن من أدائها مشافهة. وأما من لا يتمكن: فظاهر كلامهم في باب الشهادة على الشهادة أيضاً: أنه لابد من إرسال من يشهد على شهادته، لكن الظاهر أنه متي تعذر، اكتفي بخطه إذا كان معروفاً، والله أعلم.
(وانظر الفائدة الآتية) .
стр. 89
فائدة
قال في ((الإقناع)) (ص٢٠٧ج٤) ، من طبعه مقبل، على كلامه في التزكية: ولا يكفي فيها رقعة المزكي؛ لأن الخط لا يعتمد في الشهادة، أي: بل تجب المشافهة.
فائدة
حديث: ((إن ثواب عبادة الصبي لوالديه أو أحدهما)) ضعيف، وذكره ابن الجوزي في ((الموضوعات)) ، قاله في ((الفروع)) في كتاب الصلاة (ج١ص٢٠٠) اهـ.
فائدة
إذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فإن المدخول بها يقع ثلاثاً، إلا أن ينوي بهذا التكرار توكيداً يصح أو إفهاماً، وعلى هذا: فلو نوي توكيد الأولى بالثالثة، لم يصح للفصل، وأما غير المدخول بها: فتبين بالأولي، ولا يلزمه ما بعدها.
وإذا قال: أنت طالق، وطالق، وطالق، فإنها تطلق ثلاثاً، ولو غير مدخول بها.
وإذا قال: أنت طالق، طالق، طالق، تطلق واحدة، ما لم ينو أكثر، وعموم كلامهم: مدخولاً بها كانت أو لا.
فائدة
المذهب فيما إذا وقف على أولاده وذريته وعقبة ونسله: عدم دخول أولاد البنات فيهم.
وكذلك إذا قال: على أولاد أولادي، فإنهم لا يدخلون أيضاً، وذكروا أنه إذا قال الهاشمي: على أولادي. أولادي الهاشميين، لم يدخل
стр. 90
من أولاد بنته من ليس هاشيماً.
وأما الهاشمي: ففي دخوله وجهان؛ بناهما القاضي على الخلاف في أصل المسألة، وهي هل يدخل ولد البنات في الوقف على الأولاد؟ وفيها روايتان، والدخول: هو مذهب الشافعي، ونصره في ((الشرح)) وجمهور الأصحاب - وهو المذهب -: على عدم الدخول.
وعلى ضوء هذه الأحكام: فإذا وقف على ذريته وذريتهم، فإن المذهب أن أولاد البنات لا يدخلون؛ إذ لا فرق بين أولادي وأولادهم، وبين ذريتي وذريتهم، قال في ((الإنصاف)) (ص٨١ج٧) : وكذا الحكم والخلاف والمذهب فيما إذا وقف على عقبه أو ذريته. اهـ.
هذا هو تقرير المذهب.
ولكن الذي يظهر: أنه إذا قال: على ذريتي وذريتهم، فإن أولاد البنات أولاد أبنائهن يدخلون، أما أولاد أولادهن: فإنهم لا يدخلون إلا أن يكونوا من أولاد الأبناء، وذلك أن الذرية إنما هي للأولاد وأولاد الأبناء، فإذا قال: وذريتهم، شمل أولاد البنات وأولاد أبنائهن، والله أعلم. (وانظر الفائدة الآتية) .
فائدة
إذا قال: وقف على اولادي، فالمشهور من المذهب: أنه لأولاد الموجودين حال الوقف حتى الحمل منهم.
وأما الحادث بعد ذلك: فلا يدخل، وعنه: يدخل، واختاره في ((الإقناع)) ، ويدخل في
ذلك أولاد البنين مطلقاً الموجودون حال الوقف والمتجددون بعد، ومحل دخول أولاد البنين: ما لم يقل: ولدي لصلبي، أو أولادي الذين يلونني، فإن قال ذلك، لم يدخل ولد البنين، قال: في ((شرح المنتهى)) : بلا خلاف.
стр. 91
ويكون الاستحقاق هنا مرتباً بين الأولاد وأولادهم، إلا أن يكونوا قبيلة كأولاد النضر،
أو يأتي بما يقتضي التشريك، كأولادي وأولادهم؛ فيستحقونه جميعاً من غير ترتيب، وقيل: يستحقونه جميعاً من غير ترتيب مطلقاً.
أما ولد البنات: فلا يدخلون إلا بنص أو قرينة، مثل أن يقول: على أولادي فلان
وفلان فلانة ثم أولادهم، أو من مات عن ولد فنصيبه لولده، أو يفضل أولاد البنين، ونحو ذلك؛ هذا هو تقرير المذهب.
وقيل: إن أولاد البنات يدخلون. وعن الإمام أحمد: أن أولاد البنين لا يدخلون، وعنه: يدخل الموجود منهم حال الوقف.
وقال في ((القواعد)) : على القول باستحقاقهم، هل يستحقونه مرتباً أو مع آبائهم؟ على قولين، وعلى القول بالترتيب، هل هو ترتيب بطن على بطن؛ فلا شيء للأسفل مع وجود واحد من الأعلى؟ أو ترتيب فرد على فرد؛ فيستحق كل ولد نصيب والده؟ على قولين.
٢-إذا قال: على ولد ولدي، لم يدخل ولد البنات أيضاً، قال في الفائق: اختاره القاضي وابن عقيل والشيخان، قال في ((الإنصاف)) : يعني بهما المصنف، والشيخ تقي الدين، وهو ظاهر ما قدمه الحارثي.
وأما أولاد البنين: فيدخلون بلا نزاع.
وأما أولاد أولاد البنين: فعلى الخلاف فيما إذا قال: على أولادي، فهل يدخل أولاد البنين؟
٣-إذا قال: على أولادي وأولادهم، اشترك الجميع من غير ترتيب إلا بنص؛ مثل أن
يقول: الأعلى فالأعلى، أو الأقرب فالأقرب، أو قرينة؛ مثل أن يرتب أولاً، ثم يأتي بالواو؛ كعلى أولادي، ثم أولادهم، ثم على أنسالهم وأعقابهم، فيستحقه أهل العقب مرتباً؛ لأن الواو لمطلق الجمع؛ فهي كما لا تقتضي الترتيب لا تنافيه أيضاً، فإذا وجدت قرينة الترتيب،
стр. 92
عمل بها. ويدخل في ذلك أولاد البطن الثاني والثالث،،، وهلم جرا، إلا على القول، بأن أولاد البنين لا يدخلون في الأولاد؛ كما تقدم وهذا القول يقتضي أن لا يدخل إلا المذكورون فقط.
٤-إذا قال: على أولادي ثم أولادهم، استحق أولاد الأبناء مرتباً بعد آبائهم ترتيب بطن
على بطن، فلا يستحق أحد من البطن الثاني مع وجود واحد من البطن الأول؛ هذا هو المشهور من المذاهب.
واختار الشيخ تقي الدين، أنه ترتيب فرد على فرد؛ فيستحق كل ابن نصيب أبيه بعد موته.
٥- إذا قال: على عقبه أو ذريته أو نسله، شمل أولاده وأولاد أبنائه فقط، ولا يدخل
ولد البنات إلا بنص، أو قرينة؛ على المشهور من المذهب، وعلى القول الثاني: يدخلون.
وهل استحقاق الطبقة الثانية مشروط بموت الأولى، أو يشترك الجميع؟
الظاهر: أن مقتضى كلامهم في الوقف على الأولاد: أنه على الترتيب؛ فلا شيء
للطبقة الثانية مع الأولى؛ وأفتى به الشيخ حسن بن حسين بن على من آل الشيخ، وأما الشيخ أبو بطين: فأفتى بأن القريب والبعيد من الذرية يتناولهم الوقف، ذكرهم وأنثاهم سواء.
قلت: وهو ظاهر كلامه في ((المغني)) ؛ حيث قال: إذا وقف على قوم وأولادهم
وعقبهم ونسلهم، كان الوقف على القوم وأولادهم ومن حدث من نسلهم على سبيل الاشتراط إن لم تقترن به قرينة تقتضي ترتيباً..إلى أن قال: ويشارك الآخر الأول وإن كان من البطن العاشر.
وفي ((شرح زاد المستقنع)) على قوله: (في جمع) قال: بأن يقف على أولاده
وأولاد أولاده ونسله وعقبه. اهـ.
стр. 93
٦- إذا وقف على قرابته، فهو للذكر والأنثى من أولاده، وأولاد أبيه- وهم إخوانه-
وأولاد جده- وهم أعمامه- وأولاد جد أبيه- وهم أعمام أبيه، وإن نزلوا- ويستوي في ذلك الذكر والأنثى، والقريب والبعيد، والغني والفقير، كما نص عليه شارح ((الزاد)) وشارح ((عمدة الطالب)) ؛ وكذا ((شرح المنتهى)) ومثل القرابة أهل بيته وقومه ونسباؤه وأهله وآله.
٧- العترة والعشيرة والقبيلة: هم القرابة الأدنون.
فائدة
الدماء التي تصيب المرأة على المذهب خمسة
دم فاسد: وهو الذي لا يصح أن يكون حيضاً بحال من الأحوال، كدم الحامل الذي لا يصلح نفاساً، ومن دون التسع أو فوق الخمسين، والدم الذي لم يبلغ أقل الحيض، وهذا لا يترتب عليه أحكام الحيض؛ بل تكون في صلاتها كمن به سلس بول، ولزوجها وطؤها فيه ولو بلا خوف العنت، إلا المبتدأة؛ فهي في حكم الحائض حتى ينجلي أمرها، لكنهم ذكروا في دم الحامل: أنه يستحب اغتسالها عند انقطاعه، ولم يذكروا مثل ذلك في غيرها من الدماء الفاسدة، وتعليلهم يقتضي أن لا فرق.
الثاني: دم الاستحاضة، وهو ما جاوز أكثر الحيض ممن يصلح كون دمها حيضاً.
الثالث: دم الحيض، وهو ما كان في سن الحيض، وصلح أن يكون حيضاً بأن لم يجاوز أكثره، ولم ينقص عن أقله.
الرابع: المشكوك فيه، وهو ما زاد على أقل الحيض من المبتدأة، وما ألحِق به، ودم النفاس العائد في مدته بعد الطهر، فهذا تصوم فيه وتصلي ولا توطأ، وتقضي الواجب فيما بعد إلا فيما إذا أيست المبتدأة قبل تكراره.
стр. 94
الخامس: دم النفاس.
فائدة
استشكل حديث عائشة في قصة بريرة من وجهين:
الأول: كيف أمرها النبي ﷺ أن تشترط الولاء لهم مع أن الشرط باطل؟
والثاني: كيف أمرها بذلك مع أنه يعلم أنه لا وفاء لهذا الشرط؟ أليس في هذا تغرير لهم؟
والجواب عن الإشكال الأول من وجهين:
الأول: أن اللام بمعنى ((على)) أي: اشترطي عليهم الولاء؛ فإن اللام تأتي بمعنى ((على)) ؛ كقوله: (أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ) (الرعد: ٢٥) ، و (وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) (الاسراء: ٧) ؛ وهذا فيه نظر من وجهين:
الأول: من حيث المعنى؛ فإنه لا يمكن أن يأمرها باشتراط الولاء عليهم، مع أنهم كانوا قد أبوا ذلك؛ فإن هذا تكرار بلا فائدة.
وأيضاً: فالولاء عليهم، سواء شرطته أم لا.
وأيضاً: لو كان هذا هو المعنى، لكان الشرط صحيحاً لا يستدعي أن يقوم النبي ﷺ خطيباً مبيناً فساده.
الوجه الثاني: هو في رد هذا الجواب من حيث اللفظ وما يتعلق بمعنى الحرف: فإن اللام تفيد الاستحقاق والاختصاص، و ((على)) تفيد الاستعلاء، فهي إما خبر، وإما دعاء عليهم بحصول اللعنة، ولا ترادف بين المعنيين معنى اللام، ومعنى على.
والوجه الثاني من الجواب عن الإشكال الأول: أن اللام هي على بابها للاستحقاق والاختصاص؛ ويدل عليه السياق، والقصة وقيام النبي ﷺ خطيباً ببيان بطلان الشرط، لكن لم يأمرها به مع فساده لإقرار الشرط
стр. 95
وإثباته، ولكن لبيان بطلانه بكل حال حتى ولو شرط؛ فيكون الأمر به غير مقصود لا للإزام به، ونظير هذا: أمره المسيء في صلاته أن يكررها مع فسادها، وتحريم الإتيان بها للمصلحة والاختبار.
وأما الجواب عن الإشكال الثاني فمن وجهين:
الأول: أنهم كانوا عالمين بهذا الحكم، ونهى النبي ﷺ عن كون الولاء لغير من أعتق؛ فهم داخلون على بصيرة معتدون.
الثاني: أن النبي ﷺ بادر بالإخبار بأن الولاء للمعتق، وأن هذا الشرط غير صحيح قبل أن يقبل أهل بريرة العقد؛ فلم يحصل البيع منهم إلا بعد أن علموا أن هذا الشرط لا يوفى به.
فائدة
العطية هي: التبرع بالمال في مرض الموت المخوف.
والوصية: التبرع به بعد الموت، أو الإذن بالتصرف بعده.
والوصية والعطية تشتركان في أشياء، وتفترقان في أشياء:
تشتركان في: أن كل واحدة منهما من الثلث فأقل لغير وارث، وفي نقصان ثوابهما عن التبرع في حال الصحة، والوصية أنقص، وفي اعتبار قبول المبذول له، وإن كان وقته مختلقاً؟ لأن العطية تعتبر حين وجودها، والوصية بعد الموت، وفي توقف ما زاد على الثلث، أو كان لوارث على إجازة الورثة بعد الموت.
ويفترقان في أشياء، منها:
الأول: اشتراط التنجيز في العطية دون الوصية؛ فتصح معلقة.
الثاني: اشتراط الرشد في العطية دون الوصية؛ فتصح من السفيه والصغير.
الثالث: اشتراط صحة بيع المتبرع به في العطية، وأن يكون موجوداً
стр. 96
معلوماً مقدوراً على تسليمه، بخلاف الوصية فتصح بالمعدوم والمجهول والمعجوز عن تسليمه؛ كالآبق.
الرابع: أن الوصية إذا شرعت، اختصت بمعين من المال، وهو الخمس؛ بخلاف العطية
الخامس: أن العطية تصح لعبد غيره، وأما الوصية فلا تصح؛ (إلا إذا قلنا: إنه يملك بالتمليك، والقول، بأنه يملك بالتمليك خلاف المذهب) ، وفي ((الإقناع)) : لا فرق بينهما فيصحان لعبد غيره، ولم يحك الحارثي والشارح في ذلك خلافاً، قال في ((شرح الإقناع)) : وأي فرق بينهما؟.
السادس: أن الوصية تصح للحمل، بخلاف الهبة.
السابع: أنها تصح هبة المدبر دون الوصية به؛ لعدم إمكان ملك الموصى له بعد الموت.
الثامن: أن العطية يبدأ فيها بالأول فالأول إن وقعت متعاقبة؛ بخلاف الوصية فيسوى بين المتقدم والمتأخر فيها.
التاسع: جواز الرجوع في الوصية دون العطية إذا قبضت.
العاشر: أنه يعتبر قبول العطية عند وجودها، والوصية بعد الموت.
الحادي عشر: ثبوت الملك في العطية حال وجودها إذا تمت الشروط؛ بخلاف الوصية فبعد الموت.
الثاني عشر: أن الوصية أعم من العطية؛ فإنها تكون في الأموال والحقوق؛ بخلاف العطية فخاصة بالمال.
فائدة
قول السفاريني في ((عقيدته)) عند ذكر الاستواء: ((قد تعالى أن يحد))
الحد: لفظ مجمل يراد به تارة معنى صحيح، وأخرى معنى باطل.
стр. 97
ومن ثم قال الإمام أحمد: ((وهو على العرش بلا حد)) ، ومرة أخرى قيل له ما يذكر عن ابن المبارك: أنه قيل له: كيف نعرف ربنا ؟ فقال: بأنه على عرشه بائن من خلقه بحد، قال: قد بلغني ذلك عنه، وأعجبه وقال: هكذا هو عندنا.
وذلك أن الحد تارة يراد به: أن الله محدود يدرك العقل حده، وتحيط به المخلوقات؛ فهذا باطل.
وتارة يراد به: أنه بائن من خلقه غير حال فيهم، فهذا صحيح؛ ولذلك رد الإمام عثمان بن سعيد الدرامي على بشر المريسي في نفيه الحد، وقال: إنه لا معنى لنفيك، إلا أن الله لا شيء، لأنه ما من شيء يقع عليه اسم الشيء إلا وله حد وغاية وصفه، لكن الباري جل وعلا لا يعلم كيفية صفته إلا هو، قال: فنحن نؤمن بالحد، ونكل علمه إلى الله تعالى. اهـ.
وبذلك تعرف أن نفي الحد وإثباته على وجه الإطلاق لا ينبغي؛ على أن السلامة هي أن يقال: إن الحد لا يضاف إلى الله إطلاقاً، لا على سبيل وجه النفي، ولا على سيبل وجه الإثبات، لكن معناه يستفصل فيه، ويثبت الحق منه، ويبطل الباطل، والله أعلم.
فائدة
في كتاب ((العقل والنقل)) (ص٦٠ج٢) مفرد، نقلاً عن أبي حامد: وكان عبد الله بن سعيد بن كلاب يقول: هي حكاية عن الأمر، فخالفه أبو الحسن الأشعري، بأن الحكاية تحتاج أن تكون مثل المحكي، ولكن هو عبارة عن الأمر القائم بالنفس.
فائدة
إذا مات في عدة المعتدة منه:
فإن كانت رجعية: انتقلت إلى عدة الوفاة؛ لأن الرجعية زوجة.
стр. 98
وإن كانت بائناً: فإن كان قد أبانها في الصحة، فلا تنتقل إلي عدة الوفاة، وإنما تكمل عدة الطلاق، وإن أبانها في مرض موته: فإن لم ترث منه لكونه غير متّهم بقصد حرمانها بأن سألته الطلاق ونحوه، لم تنتقل؛ بل تتم عدة الطلاق، وإن ورثت منه بكونه متهماً بقصد حرمانها، فإنها تعتد الأطول من عدة الوفاة والطلاق، لكن تبتدئ عدة الوفاة منذ مات؛ كما صرح به في ((شرح الإقناع)) ، فيما إذا طلق إحداهما بائناً، مبهمة أو معينة، ثم نسيها.
ولأن عدة الوفاة إنما تبتدئ من الموت لا قبل ذلك.
ولأن تعليلهم عدم انتقال المبانة بالصحة بكونها غير زوجة ولا في حكم الزوجة لعدم التوارث: يدل على أنه إذا ثبت الإرث، فإنها في حكم الزوجة، والزوجة تستأنف عدة الوفاة، والله أعلم.
فائدة
استشكل كون الوصية مقدمة على الورثة، بأنه كيف يكون ذلك مع أن الثلثين لابد من ثبوتهما للورثة؟
والجواب: أنه ليس معنى تقديم الوصية حرمان الورثة إطلاقاً، بل المراد: أنه لو فرضنا أنه أوصي بالثلث، وقد خلف الميت أختين من أم وأختين شقيقتين ونحو ذلك مما يكون للورثة فيه فروض تستغرق التركة، فإننا نقسم التركة في مثل هذا المثال على تسعة: للموصى له ثلاثة، ويبقى ستة، اثنان منها للأختين من الأم، وأربعة للأختين الشقيقتين، فيعطى الثلث من غير مزاحم، ويكون النقص على الورثة.
ولو قلنا بعد التقديم، لجعلنا أسهم التركة ثمانية: للموصى له اثنان، ولأختين لأم اثنان، وللشقيقتين أربعة.
стр. 99
فائدة
حديث عمران بن حصين: ((كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض)) (١) .
وقد روي الترمذي بإسناد صححه في موضع، وحسنه في آخر، والبيهقي، وأحمد وابن ماجه، ومحمد بن الصباح، من حديث أبي رزين العقيلي؛ أنه قال: يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: كان الله في عماء ما فوقه هواء، وما تحته هواء، ثم خلق العرش، ثم استوى عليه)) (٢) ؛ هذا لفظ البيهقي.
العماء: هو السحاب الكثيف المطبق.
قال ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (ص٨ج١) ما ملخصه: واختلف في أيها خلق أولاً:
فقال قائلون: خلق الله القلم قبل هذه الأشياء كلها، وهو اختيار ابن جرير، وابن الجوزي، وغيرهما، قال ابن جرير: وبعد القلم السحاب الرقيق.
واحتجوا بحديث عبادة بن الصامت مرفوعاً: ((إن أول ما خلق الله القلم)) رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي (٣) .
والذي عليه الجمهور: أن العرش قبل؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص، مرفوعاً: ((إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على
стр. 100
الماء)) (١) ، وحملوا ((إن أول ما خلق الله القلم)) أي: من هذا العالم.
قال ابن جرير: وقال آخرون: بل خلق الله الماء قبل العرش.
ثم حكى عن محمد بن إسحاق: أن أول ما خلق الله النور والظلمة، ثم ميز بينهما.
ثم قال: وقد قيل: إن الذي خلق ربنا بعد القلم: الكرسي، ثم العرش، ثم الهواء والظلمة، ثم الماء، فوضع عرشه على الماء، والله أعلم.
فائدة
ذكر الأصحاب ﵏ أنه لو أراد قضاء الدين عن المدين، لم يجبر المدين ولا الغريم على القبول، ذكروه في ((النفقات)) في فصل: ((وإن أعسر بنفقة الزوجة)) وفي السلم أيضاً، لكن عدم إجبار المدين، لم يذكروه فيهما.
قلت: وقد ذكر الشيخ- رحمه الله تعالى- ما يدل على وقوع خلاف في إجبار الغريم على قبول الوفاء من غير المدين، ذكره في ((كتاب الصداق)) من ((الاختيارات)) .
قلت: لكن قال في ((الإقناع)) وشرحه، في ((باب الحجر)) في الحكم الثالث مما يتعلق بالحجر عليه: ((ولا يملك غير المدين وفاء دينه مع امتناعه؛ وكذا لو بذله غير المدين، وامتنع ربه من أخذه منه)) اهـ. (ص٢١٩ج٢) من طبعة مقبل.
وقال في ((الإنصاف)) في ((باب السلم)) : ((لو أراد قضاء دين عن غيره، فلم يقبله ربه، أو أعسر بنفقة زوجته فبذلها أجنبي- لم يجبرا، وفيه
стр. 101
احتمال كتوكيله وكتمليكه للزوج والمديون)) اهـ.
فائدة
أفعال العباد:
اعلم أن الناس في أفعال العباد على ثلاثة أقسام:
طرفين، ووسط:
فأما الطرفان: فهما الجبرية، والقدرية النفاة.
فالجبرية: زعموا أن العبد مجبور على فعله، مقهور لا تأثير له فيه ألبته، حتى بالغ غلاتهم بأن فعل العبد هو عين فعل الله ولا ينسب إلى العبد إلا على سبيل المجاز، وأن الله يلوم العبد ويعاقبه على مالا صنع له فيه، ولا إرادة، ولا اختيار، بل هو مضطر إليه، لا فرق بينه وبين حركة المرتعش.
واستدل هؤلاء بأنه قد تقرر عقلاً وشرعاً، بأن الله خالق كل وملكيه ومدبره، لا يشذ عن هذا الأصل العظيم شيء، لا كلي ولا جزئي، لا من أفعال العباد ولا غيرها؛ كما قال تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) (الزمر: ٦٢) (الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ) (الحشر: ٢٤) (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (الصافات: ٩٦) ، وغير ذلك من نصوص الكتاب والسنة الدالة على عموم خلق الله.
وبأن العباد في ملكه، وكيف يكون في ملكه ما لا يريد؟!
وهذه الطائفة نبغت مقابلة للطائفة الثانية القدرية التي هي:
الطرف الثاني قالوا: إن العبد قادر على أفعاله، مخترع لها على وجه الاستقلال، ولا تعلق لقدرة الله بها أصلاً.
قال ابن القيم في (٠ شفاء العليل)) (ص٥١) : ((وكلهم متفقون على أن الله غير فاعل لأفعال العباد، واختلفوا: هل يوصف بأنه مخترعها،
стр. 102
ومبدعها، وأنه قادر عليها، وخالق لها؟
فجمهورهم: نفوا ذلك، ومن يقرب منهم إلى السنة: أثبت كونها مقدروة لله، وأن الله قادر على أعيانها، وأن العباد أحدثوها بإقدار الله لهم على إحداثها، وليس معنى قدرة الله عليها عندهم: أنه قادر على فعلها، هذا عندهم عين المحال، بل قدرته عليها إقدارهم على إحداثها)) , اهـ. كلامه.
وهؤلاء استدلوا بالأدلة الدالة على أن العمل مضاف إليه، والأصل في الإضافة أنها للحقيقة، ومن المعلوم امتناع معمول واحد من عاملين، على وجه الاستقلال من كل منهما.
ولأننا نجد الفرق ضرورة بين الحركة الاختيارية، والحركة الاضطرارية؛ كالارتعاش.
وبأنه لو اعتدى شخص على بدن أو مال أو عرض، ثم احتج بالقدر، وأن ذلك بغير اختيار منه، لرده جميع العقلاء.
لكن هؤلاء ألغوا جميع النصوص الدالة على أن خلق الله عام، والتزموا أن يكون في ملكه ما لا يريد، وغلوا في النصوص والأدلة الدالة على أن فعل العبد يضاف إليه، حيث زعموا أنه لا تعلق لإرادة الله وخلقه فيما يفعله العبد من الطاعات وغيرها، وجفوا عن النصوص الدالة على عموم خلق الله.
وأولئك غلوا في النصوص الدالة على عموم خلق الله لكل شيء، وجفوا عن النصوص الدالة على أن للعبد فعلاً يضاف إليه ويقع باختياره.
ودين الله تعالى بين الغالي فيه والجافي عنه؛ ولذلك كان أسعد الناس به هم أهل السنة والجماعة القائلون: بأن الله تعالى رب كل شيء ومليكه وخالقه، لا يشذ عن هذا الأصل العظيم شيء، وقد دل عليه الكتاب
стр. 103
والسنة وإجماع الأمة قبل ظهور مجوسها القدرية النفاة، وهم مع ذلك يقولون: إن العباد فاعلون لأفعالهم حقيقة، تضاف إليهم، ويجازون عليها بالعدل والإحسان، وهذا لا ينافي أن يكون الله خالقاً لأفعالهم، فإن أفعال العباد تضاف إلي الله خلقاً وتكويناً، وتضاف إليهم فعلاً ومباشرة، وفرق بين مخلوق الله، وبين فعله، فأفعالهم مخلوقة بائنه عنه، لا تنسب إليه على أنها فعله، وهي فعل العباد الموصوفين بها حقيقة، فهي من صفاتهم العائد حكمها إليهم، والعقلاء كلهم يعلمون أن فعل الفاعل ناشئ عن قدرته وإرادته الجازمة، لا يتخلف عنها ألبته، ولا يمكن وجوده مع عدمه أو عدم إحداهما، والله تعالى هو الذي خلق الآدمي بما فيه من قدرة وإرادة، وخالق السبب التام خالق للمسبب، فالرب جعل إرادة العبد وقدرته سبباً لإيجاد فعله، بمنزلة إحراق النار لما وقع فيها مما يقبل الاحتراق؛ فإن إحراق النار يضاف إليها على وجه المباشرة، ويضاف إلى من أوقدها على أنه هو فاعل السبب.
قال ابن القيم: ﵀ في ((شفاء العليل)) (ص١٣٠) ، بعد أن أطال ﵀ في الكلام على الكسب والجبر: ((فالطوائف كلها متفقة على الكسب، ومختلفون في حقيقته:
فالقدرية قالوا: هو إحداث العبد لفعله بقدرته ومشيئته استقلالاً، وليس للرب فيه صنع ولا هو خالق فعله، ولا مكونه، ولا مريداً له.
وقال الجبرية: اقتران الفعل بالقدرة الحادثة، من غير أن يكون لها فيه أثر.
ثم ذكر أن الأشعري في عامة كتبه، فسر الكسب بأن يكون الفعل بقدرة محدثة، فمن وقع الفعل منه بقدرة محدثة فهو مكتسب، ومن وقع منه بقدرة قديمة فهو فاعل خالق.
стр. 104
وقال بعض المعتزلة: من يفعل بغير آلةٍ ولا جارحة فهو خالق، ومن يحتاج في فعله إلى الآلات والجوارح فهو مكتسب.
ثم قال: ونحن نقول: هي أفعال للعباد حقيقة، ومفعولة للرب، فالفعل عندنا غير المفعول، وهو إجماع من أهل السنة، فالعبد فعلها حقيقة، والله خالقه وخالق ما فعل به من القدرة والإرادة، وخالق فاعليته.
وسر المسالة أن العبد فاعل منفعل باعتبارين.
ثم قال (ص١٣١) قلت: هاهنا ألفاظ، وهي فاعل، وعامل، ومكتسب، وكاسب، وصانع، ومحدث، وجاعل، ومؤثر، ومنشيء، وموجد، وخالق، وبارئ، ومصور، وقادر، ومريد، وهذه الألفاظ ثلاثة أقسام:
قسم: لم يطلق إلا على الرب؛ كالبارى، والبديع، والمبدع.
وقسم: لا يطلق إلا على العبد، كالكاسب، والمكتسب.
وقسم: وقع إطلاقه على العبد والرب؛ كاسم صانع، وفاعل، وعامل، ومنشيء، ومريد، وقادر.
وأما الخالق المصور: فإن استعملا مقيدين أطلقا على العبد، كما يقال لمن قدر في نفسه شيئاً: إنه خلقه.
وبهذا الاعتبار صح إطلاق خالق على العبد في قوله تعالى: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) (المؤمنون: ١٤) .
قلت: ووجه ذلك: أن الخالقين جمع مفضل عليهم بالإضافة اسم التفضيل، ومن المعلوم: أنه لا ثم سوى خالق أو مخلوق، فإذا كان الخالق أحسن الخالقين، كان المفضل عليهم مخلوقين، وسماهم الله هنا خالقين، فدل على صحة إطلاق الخالق على المخلوق.
قلت: ومن ذلك قوله تعالى: (وَتَخْلُقُونَ إِفْكا) (العنكبوت: ١٧) ،
стр. 105
وقوله: ﷺ في الحديث القدسي: ((إن الله قال: ((ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي)) (١) ، وقوله في الحديث الآخر: ((يقال للمصورين: أحيوا ما خلقتم)) (٢) .
هذا وقد ذكر ابن القيم- ﵀ في الكتاب المذكور (ص١٢١-١٢٢) عن الإسفرائيني: ((أن إطلاق لفظ ((الخلق)) لا يجوز إلا على الله وحده)) . اهـ. فتأمل ما في قوله إطلاق لفظ الخلق؛ فإنه يوافق كلامه هنا، والله أعلم.
فائدة
مراتب القضاء والقدر أربع: من ((شفاء العليل)) (ص٢٩) ما ملخصه:
((الأولى: علم الله تعالى بالأشياء قبل كونها.
الثانية: كتابته لها قبل كونها.
الثالثة: مشيئته لها.
الرابعة: خلقه لها)) اهـ.
فأما المرتبة الأولى: فقد اتفقت عليها جميع الرسل من أولهم إلي خاتمهم، وهذه المرتبة كان ينكرها طائفتان:
الأولى: من ينفي علمه بالجزئيات، وهم الفلاسفة.
الثانية: غلاة القدرية الذين قالوا: إن الله لا يعلم أعمال العباد حتى يعملوها، ولم يكتبها أو يقدرها؛ فضلا عن أن يخلقها.
المرتبة الثانية: مرتبة الكتابة، وهي أن الله كتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة.
وهذه المرتبة هي مرتبة التقدير، والتقادير خمسة أنواع:
стр. 106
النوع الأول: التقدير العام، وهو المكتوب في اللوح المحفوظ الذي كان قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء؛ قال شيخ الإسلام- ﵀: ((علم الله تعالى السابق ثابت لا يتغير، وأما الصحف التي بأيدي الملائكة: فيلحقها المحو والإثبات، وأما اللوح المحفوظ: فهل يلحقه ذلك؟ على قولين)) .
النوع الثاني: تقدير أرزاق العباد وآجالهم وأعمالهم قبل أن يخلقهم.
النوع الثالث: تقدير ما ذكر على الجنين في بطن أمه.
قال ابن القيم- ﵀ في ((شفاء العليل)) (ص٢٢) : (فاجتمعت هذه الأحاديث والآثار على تقدير رزق العبد وأجله، وشقاوته وسعادته، وهو في بطن أمه، واختلفت في وقت هذا:
ففي حديث ابن مسعود أنه بعد مائة وعشرين يوماً من حصول النطفة في الرحم (١) ، وحديث أنس غير موقت (٢) ، وحديث حذيفة بن اسيد: وقت فيه التقدير بأربعين يوماً، وفي لفظ: بأربعين ليلة، وفي لفظ: باثنتين وأربعين ليلة، وفي لفظ: بثلاث وأربعين ليلة، وهو حديث تفرد به مسلم (٣) .
ثم قال في وجه الجمع بينهما: إن هناك تقديرين:
أحدهما: سابق لنفخ الروح، وهو المتعلق بشأن النطفة إذا بدأت بالتخليق، وهو العلق.
والثاني: حين نفخ الروح، وهو المتعلق بشأنها حين تتعلق بالجسد.
أي: فصار التقدير معلقاً بمبدأ الجسد، ومبدأ الروح.
стр. 107
النوع الرابع: التقدير السنوي، وهو ما يكون ليلة القدر.
النوع الخامس: التقدير اليومي.
فالتقديرات خمسة: يومي، وحولي، وعمري عند تعلق النفس بالبدن، وعند تخليقه، وتقدير قبل وجود ابن آدم بعد خلق السموات والأرض، وتقدير قبل خلق السموات والأرض، وكل هذه تفاصيل للتقدير السابق.
المرتبة الثالثة: مرتبة المشيئة، وهي عموم مشيئة الله تعالى.
وقد نفى المشيئة إطلاقاً طوائف من الفلاسفة وأتباعهم، ونفاها القدرية المعتزلة بالنسبة إلى أفعال العباد فقط.
المرتبة الرابعة: مرتبة الخلق، وهي عموم خلق الله لكل ما سواه، وقد سبق الكلام عليها.
فائدة
مدار المسائل التي يتعلق بها الاحتياط على ثلاث قواعد
الأولى: اختلاط المباح بالمحظور حساً، وهي قسمان:
الأول: أن يكون المحظور محرماً لعينه؛ كالدم، فهذا إذا ظهر اثر المحرم بالمباح، حرم تناول الحلال؛ لأنه يتعذر الوصول إليه إلا بمناولة الحرام، فلم يجز تناوله.
الثاني: أن يكون محرماً لكسبه لا لعينه، كالمغصوب، فهذا لا يحرم عليه الحلال إذا أخرج منه مقدار الحرام، فمتى أخرج مقدار الحرام، حل له الباقي بلا كراهة، سواء كان عين الحرام أو نظيره، هذا هو الصحيح في هذا النوع.
القاعدة الثانية: اشتباه المباح بالمحظور، فإن كان للمحظور بدل، انتقل إليه؛ وإلا فإن دعت الضرورة إليه، اجتهد.
стр. 108
مثال ذلك: إذا اشتبه طهور بنجس، فلا يجتهد فيهما للطهارة لوجود البدل، ويجتهد للشرب للضرورة.
القاعدة الثالثة: الشك في المباح والمحظور، وليس في الشريعة شيء مشكوك فيه ألبته، وإنما يعرض الشك للمكلف بسبب تعارض الأمارتين فصاعداً عنده؛ ولذلك قد يزول هذا الشك إلى يقين أو ظن.
والشك نوعان:
أحدهما: ما سببه تعارض الأدلة والأمارات، كقولهم في سؤر البغل: مشكوك فيه؛ فنتوضأ به ونتيمم.
قلت: ومن ذلك ما ذكره الأصحاب من المسائل التي فيها الجمع بين الوضوء والتيمم، والدماء المشكوك فيها.
النوع الثاني: الشك العارض بسبب اشتباه أسباب الحكم عليه، وخفائها لنسيانه أو ذهوله، أو لعدم معرفته بسبب يقطع الشك، فهذا واقع كثيراً، والضابط فيه: أنه إن كان للمشكوك فيه حال قبل الشك، استصحبها المكلف، وبنى عليها حتى يتقين الانتقال عنها.
فائدة
الرضا بالقضاء الذي هو وصف الله وفعله: واجب مطلقاً؛ لأنه من تمام الرضا بالله رباً.
وأما القضاء الذي هو المقضي: فالرضا به مختلف:
فإن كان المقضي دينياً، وجب الرضا به مطلقاً.
وإن كان كونياً: فإما أن يكون نعماً أو نقماً، أو طاعات أو معاصي:
فالنعم: يجب الرضا بها؛ لأنه من تمام شكرها، وشكرها واجب.
وأما النقم؛ كالفقر، والمرض، ونحوهما: فالرضا بها مستحب عند الجمهور، وقيل بوجوبه.
стр. 109
وأما الطاعات: فالرضا بها طاعة واجبة إن كانت الطاعة واجبة؛ ومستحبة إن كانت مستحبة.
وأما المعاصي: فالرضا بها معصية، والمكروهات: الرضا بها مكروه، والمباحات: مباح، والله أعلم.
فائدة
استشكل قول الأصحاب- ﵏ في المجتهدين في القبلة إذا اختلفا جهة، حيث قالوا: لا يصح اقتداء أحدهما بالآخر.
ووجهة: أن اختلافهما في الاجتهاد إلى القبلة كاختلافهما في الاجتهاد في الأحكام الشرعية، وقد نصوا على أن هذا غير مانع من الاقتداء؛ فله أن يصلي خلف آكل لحم إبل لا يرى الوضوء منه، وإن كان هو ممن يرى نقض الوضوء به.
وهذا التفريق في الحكم بين المسألتين قد يكون خفيا في بادئ الأمر؛ ولذلك قال الموفق- ﵀: إن قياس المذهب صحة الاقتداء.
ولكن عند التأمل تجد الصواب عدم صحة إقتداء أحدهما بالآخر؛ وذلك لأن الجميع متفقون على اشتراط القبلة في هذه المسألة، لكن أحدهما يقول: هذه هي، والثاني يخالفه، وكل واحد منهما يعتقد أن الثاني إلى غير القبلة؛ فصلاة الآخر عنده باطلة، فكيف يصح اقتداء أحدهما بالآخر؟!:
فإنه إن كان الصواب مع المأموم فصلاة الإمام باطلة؛ فيكون مقتدياً بمن يرى أنه لم يستقبل القبلة.
وإن كان الصواب مع الإمام، فصلاة المأموم باطلة! فكيف ينوي الإمامة بمن صلاته باطلة؟!.
стр. 110
ونظير ذلك: إذا سمعا صوتاً من أحدهما لا بعينه، فإن صلاة كل واحد بالنسبة إليه صحيحة، ولا يصح أن يقتدي أحدهما بالآخر، وقد خالف الموفق في هذا، وقال: إنه لا سواء بينهما، بل بينهما فرق، وهو أن من بان هو المحدث في الأخيرة، لزمه الإعادة، ومن بان أنه هو المخطئ للقبلة، فلا إعادة عليه، فصلاته صحيحة بكل حال، بخلاف مسألة الحدث.
ولكن هذا الفرق غير مؤثر هنا؛ فإن ذلك إنما يؤثر بالنسبة إلى صلاة الواحد بنفسه، أما بالنسبة إلى الجماعة بينهما، فلا فرق؛ فإن كل واحد منهما يعتقد أن الآخر مخطئ أو محدث يقيناً، ولا فرق بينهما، والله أعلم.
فائدة
حاصل القول في ثبوت الولاء على الأولاد، أن يقال: إما أن تكون الزوجة حرة، أو أمة، أو عتيقة:
-فإن كانت حرة: فالأولاد أحرار لا ولاء لأحد عليهم.
وإن كانت أمة: فأولادها أرقاء تبعاً لها إلا بشرط أو غرور.
وإن كانت عتيقة، نظرت إلى الزوج: فإما أن يكون حرا، أو رقيقاً، أو عتيقاً:
فإن كان حراً: فالأولاد أحرار، ولا ولاء لأحد عليهم.
وإن كان رقيقاً: فالأولاد أحرار، وولاؤهم لسيد الأم، إلا أن يعتق الزوج بعد ذلك؛ فينجر الولاء إلي معتقه.
وإن كان عتيقاً: فالأولاد أحرار، وولاؤهم لسيد الزوج، والله أعلم.
فائدة
إذا قال وكيل الزوج في القبول: قبلت النكاح، ولم يقل: لموكلي فلان، أو لفلان بن
فلان- لم يصح النكاح على المشهور من المذهب.