Полный текст (301 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
على كل حال المؤمن هل يدخل في هذا الوصف؟ ((لا يفرك مؤمن مؤمنة)) الخطاب لمن؟ للمؤمنين، وجد منها خلق لا يحتمله، تساهل في عرض مثلاً، نقول: هذه من الأصل ما دخلت؛ لأن الوصف بالإيمان له شأنه، وكذلك لو وقفت منه على أمرٍ رديء، دياثة ونحوها، مثل هذا لا قرار معه، ولا صبر معه، ((إن كره منها خلقاً رضي منها آخر)) لا بد أن تشتمل على آداب ومحاسن وأمور وأخلاق قد يظهر بعضها بالأيام الأولى، وقد لا تتكشف كثير منها إلا بعد حين.
الحديث الحادي والخمسون: عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكِّلت إليها، وإن أوتيتها عن غير مسألة أُعِنْتَ عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها، فائْتِ الذي هو خير، وكفِّر عن يمينك)) [رواه البخاري ومسلم].
стр. 212
حديث عبد الرحمن بن سمرة قال له النبي ﵊: ((يا عبد الرحمن بن سمرة)) وخطابه ﵊ للواحد من أمته هو خطاب للجميع، فكل واحد منا يتجه له هذا الخطاب، ((يا عبد الرحمن ابن سمرة لا تسأل الإمارة)) وفي حكم الإمارة جميع الوظائف، وكان الأمر في صدر الأمة لا تحتاج الأمة إلا إلى أمير، والأمير وهو القاضي، وهو المنفذ، وهو الحاكم، وهو المفتي، وكل شيء، وكان يسمى عامل، الإمام الأعظم يعين في كل بلد عامل، نعم هم عمال؛ لأن عملهم لمصلحة الأمة، لا لمصالحهم الخاصة، ((يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة)) لماذا؟ لأنها مزلة قدم، وسؤالك للإمارة مع ما تتطلبه من شروط وكمالات تزكية للنفس، يعني إذا سألت ولاية وإلا إمارة وإلا قضاء وإلا وظيفة كأنك تقول لمن تسأله: أنا كفؤ لهذا العمل فهذا تزكية للنفس من جهة، الأمر الثاني: أن في خطر عظيم تدخل على أمرٍ تظنه سهل ثم بعد ذلك تتورط بأمور لا تحسب لها حساب، ولذا لما زار ابن عمر عبد الله بن عامر في مرضه وطلب منه أن يدعو له، وأن يوصيه قال: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقةً من غلول، وكنت على البصرة" يعني ابن عمر ما يشهد عليه بشيء، بشيء بين وواضح، لا، لكن مجرد كونك على البصرة لا بد أن يدخل عليك شيء؛ لأن الإنسان إذا خلي بينه وبين ما تشتهيه نفسه، ويميل إليه طبعه وليس عليه حسيب ولا رقيب ولا شيء لا بد أن يتساهل في بعض الأمور، "وكنت على البصرة" يعني اعد حساباتك، "ولا صدقةً من غلول"، والذي يؤخذ من بيت المال بغير حق غلول، لا تسأل الأمور لأنها مزلة قدم وعليها آثار، ويتضمن الطلب والسؤال أيضاً تزكية النفس، وأنه أهل وكفؤ لهذا العمل، فإنك إن أوتيت عن مسألةٍ وكلت إليها، يعني إذا سألت وكانت ثقتك بنفسك توصلك إلى هذا الحد أن تسأل هذه الولاية وهذه الإمارة وهذه الوظيفة توكل إلى نفسك؛ لأنك جئت من قوة لهذا العمل، وثقة تامة بالنفس، بخلاف إن أوتيتها من غير مسألة، إذا أعطي وولي على عملٍ من غير مسألة فلا شك أنه سوف يعان عليها، لا سيما إذا لم يستشرف لهذا العمل، ولم يوافق على مثل هذا العمل إلا بإلحاح مثل هذا لا شك أن الإعانة والتوفيق يكون حليفه بإذن
стр. 213
الله تعالى، وإن أوتيتها عن غير مسألةٍ أعنت عليها، وأي مسلم يستغني عن إعانة الله -جل وعلا-؟ وعن توفيق الله تعالى؟ الإنسان إذا وكل إلى نفسه وكل إلى ضعف وعجز، أمر مدرك، يدركه كل إنسان من نفسه.
стр. 214
المسألة الثانية مما اشتمل عليها، الحديث اشتمل على مسألتين: مسألة سؤال الإمارة، والثانية: اليمين، ((إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك)) حصل نزاع بينك وبين فلان من الناس وأقسمت أن لا تدخل بيته، أو لا تكلمه، ثم رأيت من المصلحة أنك تكلم فلان وتدخل بيته، فرأيت غيرها خيراً منها فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك، في بعض الروايات تقديم الكفارة: ((كفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير)) أولاً: الكفارة سببها انعقاد اليمين، ووقتها الحنث، والقاعدة: أن العبادة إذا كان لها سبب وجوب ووقت وجوب فإنه لا يجوز تقديمها على السبب اتفاقاً، ويجزئ تأخيرها عن الوقت اتفاقاً، والخلاف بينهما، فمثلاً اليمين أو الكفارة، كفارة اليمين سببها الانعقاد، انعقاد اليمين؛ لكن هل تجب عليه بها لمجرد السبب؟ لا، لا تجب، الاحتمال أنه ما يحنث ولا يجب عليه كفارة، لكن وقت الوجوب وتعين الوجوب إذا حنث في يمينه، فإذا قال: هذا إطعام عشرة مساكين، خمسة عشر صاع كم؟ نصف صاع، كل واحد له نصف صاع، خمسة آصع، يعني خمسة عشر كيلو، خمسة عشر كيلو رز، خذ يا أخي الفقير، أنا احتمال أني أحلف يمين فيما بعد، ثم لا أجد كفارة، نقول: ما يمكن قبل اليمين، قبل انعقاد السبب لا يمكن، حنث وانعقدت يمينه، جاء إلى بيت فيه مساكين وقال: هذا خمسة عشر كيلو كفارة يمين لأني حلفت ولا أدري بعد. . . . . . . . . هذه مسألة خلافية بين أهل العلم، أما قبل انعقاد اليمين لا، ما في خلاف أنها لا تجزئ، وبعد الحنث تجزئ اتفاقاً، وهنا يقول: ((فائت الذي هو خير)) يعني احنث في يمينك ((وكفر عن يمينك)) لكن لو قدم الكفارة قبل الحنث يجوز؛ لأنه في بعض الروايات: ((كفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير)) وأما كفارة الظهار فلا بد أن تكون قبل المسيس، تكون قبل المسيس، دم المتعة والقران سببها الإحرام بالعمرة في أشهر الحج بالنسبة للمتمتع وسببها الجمع بين النسكين بالنسبة للقارن، قبل الإحرام بالعمرة ما تجزئ، ما يجزئ الدم؛ لكن لما أحرم بالعمرة أو أحرم قارن ودخل مكة وطاف طواف العمرة وسعى وتحلل قال: الآن وقت سعة والناس بحاجة إلى لحم أنا أذبح الدم الآن قبل الحج، وقل
стр. 215
مثل هذا في القارن، طاف طواف القدوم، وسعى سعي الحج، وقال: الناس الآن بحاجة إلى لحم ليش أنتظر إلى يوم العيد ويوم العيد الناس ما هم بحاجة؟ فيه الخلاف المذكور؛ لكن جمهور أهل العلم على أنها لا تجزئ إلا في يوم العيد، القاعدة هذه ذكرها ابن رجب في قواعده، وذكر لها أمثلة كثيرة فليرجع إليه.
((إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك)) حلفت: والله ما أدخل بيت فلان مثلاً، فرأيت أنك تدخل لا سيما إذا كان من أهل القرابة، تكفر عن يمينك وأنت مرتاح، حلفت على فلان أن يأكل عندك مثلاً، أو حلفت بعد تقديم الطعام أن يبدأ أو لا تأكل معه إكراماً له يكفر وإلا ما يكفر؟ يعني اليمين التي مقتضاها الإكرام، حديث أبي بكر في الصحيح إيش مضمونه؟ إيش مقتضاه؟ حلفوا أن لا يأكلوا، وحلف أن لا يأكل، فأكلوا ثم أكل، وهل أمروا بكفارة؟ وهل أمر أبو بكر بكفارة، ما في أمر بكفارة، فاستدل بعض أهل العلم على أن اليمين التي يراد منها الإكرام، إكرام الضيف أنها لا يلزمه فيها الكفارة، يجري مجرى اليمين عند بعضهم ما يقصد منه، ما يقصد من اليمين من الحث على فعلٍ أو المنع منه، ولذا لو طلق زوجته إن خرجت أو دخلت أو زارت أهل فلان أو كذا فمقتضى اليمين عند شيخ الإسلام ومن يقول بقوله أنه يكفر كفارة يمين، ولا شيء عليه، المقصود أن الفروع المترتبة على الحديث كثيرة جداً.
((يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة)) من المسائل أحياناً قد يرى الإنسان من نفسه أن هذا العمل متعيّن عليه، متعيّن عليه بحيث لو أسند على غيره ضاع، فهل له أن يسأل؟ هل له أن يسأل؟ نعم، له أن يسأل، بدليل ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ﴾ [(٥٥) سورة يوسف] لماذا؟ لتوافر الشرط المطلوب، فإذا توافرت الشروط المطلوبة لولايةٍ من الولايات، وتعيّن عليه بحيث لا يوجد غيره يقوم مقامه حينئذٍ يسوغ له أن يسأل، ولو سأل بطريق غير مباشر، لا ينبغي أن يسأل سؤال مباشر، إنما لو كان بغير مباشر كان حصل له الإعانة وحصل له المقصود.
стр. 216
الحديث الثاني والخمسون: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعص الله فلا يعصه)) [رواه البخاري].
стр. 217
((من نذر أن يطيع الله)) يتعبد لله -جل وعلا- بطاعةٍ يحبها لزمه الوفاء، إلا إذا عجز، والطاعات إما أن تكون واجبات أو مستحبات، وهي مطلوبة بأصل الشارع، وتتأكد إذا قارنها عهد أو ميثاق أو نذر، عهد أو ميثاق أو نذر، يعني فرق بين أن يقول الإنسان في نفسه: إذا جاء الراتب أتصدق بمائة ريال، في نفسه، وبين أن يتحدث في المجالس أنه إذا جاء الراتب يتصدق بمائة ريال، وبين أن يقرن ذلك بالعهد والميثاق، إن كان في مجرد نفسه فهو مخير، ينظر في المصلحة، إذا تحدث في المجالس وحفظ عنه الناس ذلك فالوفاء متأكد، إذا قرن ذلك بالعهد والميثاق فالأمر أشد، لا بد من الوفاء، فإن لم يفِ؟ ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ [(٧٥ - ٧٧) سورة التوبة] فمن نذر أن يتصدق بمبلغ كذا يلزمه الوفاء، والوفاء بالنذر واجب، لا سيما إذا كان فيه طاعة، ومثله لو نذر شيئاً مباحاً ويستطيع الوفاء به؛ لكن الكلام في لزوم الوفاء بنذر الطاعة، من نذر أن يطيع الله فليطعه، بخلاف من نذر أن يعصي، إذا نذر أن يعصي لا يجوز له الوفاء بهذا النذر بحال؛ لأن المعصية في الأصل ممنوعة شرعاً، والذي ينذر المعصية آثم، نذر أن يصوم صوم داود، وسواء كان هذا النذر مقرون بسبب أو غير مقرون بسبب، إن شفاه الله يصوم صوم داود، إن ردّ الله غائبه، إن شفى الله مريضه يصوم صيام داود، أو يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، أو يصوم الاثنين والخميس أو غير ذلك من الأيام التي يستحب صيامها، هذا يلزمه الوفاء إلا إذا عجز يكفر؛ لكن إذا نذر صياماً مستمراً، والصيام له بدل بالنسبة للعاجز وهو الإطعام، هل نقول: له كفر كفارة يمين لعجزك عن النذر كله، تخرج من العهدة، أو نقول: الصيام له بدل فإذا عجزت تطعم عن كل يوم مسكين إلى الأبد، كما أنك نذرت أن تصوم إلى الأبد تطعم عن كل يوم إلى الأبد، فيكون مثل ما وجب بأصل
стр. 218
الشرع، أو يكفر كفارة واحدة وينتهي الإشكال، يكفر كفارة يمين ويخرج من عهدة النذر، كفارة يمين واحدة وإلا عن كل يوم مسكين؟ نعرف أن من أفطر في الصيام الواجب يطعم عن كل يوم مسكين، وهذا صيام واجب، أوجبه على نفسه، فهل نقول: أن ما أوجبه على نفسه مثلما وجب في أصل الشرع، فإذا عجز عن صوم يوم أطعم، إذا نشط استطاع ما يطعم، ويستمر هذا الحكم مثل ما أوجبه الشارع، أو نقول: ثبت العجز في حقه فيكفر كفارة يمين عن النذر كله، والمسألة لا تسلم من خلاف، أيهما أقوى؟ هو نذر أن يصوم صوم داود بقية عمره، فأوجب هذا على نفسه، والصيام له بدل، كفارة صيام يعني كل يوم كفارة؟ يعني لو نذر صوم يوم واحد، وعجز عن صوم هذا اليوم مثلما ما لو نذر أن يصوم بقية عمره صيام داود؟ فيها فرق؟ أولاً: لا شك أن هناك فرق كبير بين صيام أوجبه الإنسان على نفسه، وصيام هو في الحقيقة ركن من أركان الإسلام، لا بد من التفريق بين هذا وهذا، الأمر الثاني: أن النذر يقرر أهل العلم أنه باب غريب من أبواب العلم، باب من غرائب أبواب الدين، الأصل أن الوسائل لها أحكام الغايات والمقاصد، فإذا كانت الغاية واجبة كالوفاء بالنذر فوسيلته الأصل أن تكون واجبة؛ لكن هنا الوسيلة ممنوعة، مكروهة، جاء النهي عن النذر، وذم النذر وأنه لا يأتي بخير، ويستخرج به من البخيل، والغاية واجبة، وهنا الوسيلة ليس لها حكم الغاية، ولذا قرر أهل العلم أنه باب غريب من أبواب العلم، بخلاف أبواب الدين الأخرى فوسائلها لها أحكام الغايات.
((من نذر أن يعصي الله فلا يعصه)) نذر أن يقطع رحمه، يعق والديه، نذر أن يعتدي على جاره، يسرق كذا، لا يجوز له أن يعصي، فلا يتعارض ما أوجبه على نفسه ما حرمه الله ورسوله، ما يتعارض هذا، وإلا كان هذا معاندة ومشاقة لله -جل وعلا-.
الحديث الثالث والخمسون: عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وهم يَدٌ على من سواهم، ولا يقتل ذو عَهْدٍ في عهده)) [رواه أبو داود والنسائي. ورواه ابن ماجه عن ابن عباس].
стр. 219
يقول -رحمه الله تعالى-: عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((المسلمون تتكافأ دماؤهم)) المسلمون من اتصف بهذا الوصف فهو كغيره ممن اتصف به، المسلم مثله، ((تتكافأ دماؤهم)) فإذا قتل المسلم مسلماً قيد به، بخلاف ما لو قتل المسلم كافراً كما في قوله: ((لا يقتل مسلم بكافر)) ومثله أيضاً: الحر بالرقيق، كما هو مقرر عند أهل العلم، ((المسلمون تتكافأ دماؤهم)) فالكفاءة إنما تكون بالإسلام، بغض النظر عن الأصل والحسب والنسب واللون، إذا وجد هذا الوصف فهو كفؤ لأخيه المسلم، ولا فضل لعربي على عجمي، ولا لأسود على أبيض ولا لكذا إلا بالتقوى، هنا يتفاضل الناس، فإذا تحقق الشرط وهو الإسلام تكافأت الذمة، فيقتل المسلم بالمسلم، فالكفاءة لا يطلب لها غير الإسلام، الكفاءة لا يطلب لها غير الإسلام، وقل مثل هذا في الكفاءة في النكاح، مسلم كفؤ للمسلمة، قد ترجم الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-: باب الأكفاء في الدين، فالكفاءة في الدين، والأنساب والألوان والبلدان لا قيمة لها إذا تحقق الشرط، باب الأكفاء في الدين وأورد حديث ضباعة بنت الزبير حين قال لها النبي ﵊: ((حجي واشترطي، فإن لك على ربك ما استثنيت)) وكانت تحت المقداد، المقداد مولى، وهي ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، ابنة عم النبي ﵊، فدل على أن الكفاءة في الدين فقط، من غير نظرٍ إلى أمور أخرى ((المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم)) يعني أن المسلم إذا أعطى العهد والميثاق لأحد لزم جميع الأمة الوفاء بالعهد والميثاق، ولو كان أدناهم وأقلهم شأناً، ((ويرد عليهم أقصاهم)) يعني في هذا العهد والميثاق، أو استجابة الطلب من أقصى بلاد المسلمين إلى أقصاها، بحيث إذا استنصر المسلم في أقصى بلاد المسلمين على المسلم في أقصاها أن يرد هذا الطلب، يرده بالرفض وإلا بالقبول؟ ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [(٧٢) سورة الأنفال] ((ويرد عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم)) كل هذه المعاني تدل على أن المسلمين يد واحدة، فلا أصول ولا أعراض، ولا تربة، ولا بلاد، ولا شيء، ولا حدود تفرق بين
стр. 220
المسلمين، هذا الأصل، أنهم كلهم يد على من سواهم ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ﴾ [(٧٢) سورة الأنفال] إيش معنى هذا الكلام؟ أن المسلم إذا ظلم يجب نصره، يجب على المسلمين نصره، ويقول ابن العربي: "ولو لم يبق في المسلمين عين تطرف" هذه مبالغة؛ لكن يجب نصر المظلوم من المسلمين وجاء الأمر به: ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)) فإذا كان ظالماً تكفه عن الظلم، وهو نصر له، وإذا كان مظلوماً تسعى جاهداً برفع الظلم عنه لكن الأمور والأحوال والظروف لها ما يحتف بها، إذا كنت عاجز عن نصره فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها؛ لكن يبقى إذا كنت قادر على نصره تعين عليك نصره.
стр. 221
((وهم يد على من سواهم)) ((ألا لا يقتل مسلم بكافر)) لا يقتل مسلم بكافر، مسلم قتل كافراً لا يقاد به، وإن كان كما في الحديث ((ويسعى بذمتهم أدناهم)) لا يقتل مسلم بكافر، ((ولا ذو عهدٍ في عهده)) يعني لا يخفر ذو عهدٍ في عهده؛ لأن الجملة السابقة ((لا يقتل مسلم بكافر)) قد يفهم منها بعض الجهال من المسلمين أن في هذا إتاحة لقتل الكافر، وترخيص وإباحة، لا، يعني لو حصل أن مسلماً قتل كافراً لأمورٍ حصلت بينهما لا يقاد به؛ لكن يبقى أنه لا يجوز بحال أن يخفر ذو عهدٍ في عهده؛ لأن هذه الجملة الأولى قد يفهم منها بعض الجهال أن للمسلم أن يقتله، لا، ليس له ذلك، ولا يجوز بحالٍ أن يخفر ذو عهدٍ في عهده، بل لا بد من الوفاء بالعهود والعقود، لا بد من الوفاء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [(١) سورة المائدة] و ((من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة)) ((من آذى ذمياً فقد آذاني)) إلى آخر ذلك من النصوص الثابتة الصحيحة الصريحة التي تحرم قتل النفس إلا بحقها، النفس بالنفس، الثيب الزاني، المرتد، الحربي، كل هؤلاء يستحقون القتل، أيضاً ليس للأفراد تنفيذ الحقوق أبداً، شخص ثبت عليه أنه ما يصلي، الجمهور على أنه يقتل إما مرتد عند من يكفره بترك الصلاة، أو حد عند الآخرين؛ لكن هل لإنسان أنه يقتل شخص لأنه ما يصلي؟ أو رأى ثيباً زاني له أن يرجمه؟ نقول: لا، ليس له ذلك؛ لأن هذا من حقوق ولي الأمر، وذلك افتيات عليه، والحدود إليه، ولذا جاء في الحديث الصحيح: الرجل يجد عند امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه؟ قال: نعم، وإلا لو ترك هذا المجال ما بقي أحد، ما بقي أمن، كل اثنين يصير بينهما مشاحة ومشاحنة يستدرجه ويدخله في بيته فيقتله، يقول: وجده عند امرأته، فهذه الأمور ليست للأفراد، ليست لأفراد الناس، ولو ثبت عنده ما يوجب قتله، نعم عليك أن ترفع بشأنه إلى ولي الأمر ليطبق الحد، وتطهر المجتمعات من المفسدين والمجرمين؛ لكن هذه الأمور منوطة بولي الأمر، والله المستعان.
стр. 222
الحديث الرابع والخمسون: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: ((من تطبَّب ولم يُعلم منه طِبٌّ فهو ضامن)) [رواه أبو داود والنسائي].
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، لنخرج قليلاً عن المتون إلى هذا الإسناد وهذه السلسلة التي روي بواسطتها أحاديث كثيرة صحيفة كبيرة تروى بهذه السلسلة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والخلاف فيها مشهور بين أهل العلم، منهم من يصحح، ومنهم من يضعف، ومنهم من يتوسط، مسألة خلافية بين أهل العلم، وسبب الخلاف عود الضمير في قوله: "عن جده" عندنا عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن عمرو بن شعيب هذا الراوي الأول، عن أبيه من؟ شعيب، يختلف في عود الضمير إلى شعيب؟ لا، عن جده؟ جده من؟ محمد وإلا عبد الله بن عمرو؟ يعني إذا قلنا: عن أبيه عن أبي عمروٍ وهو شعيب عن جده عن جد عمرو يكون محمد، محمد تابعي إذاً الخبر مرسل، وإذا قلنا: عن أبيه عن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جده جد الأب؛ لأن الضمير يعود إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور الأب، جد الأب من هو؟ عبد الله بن عمرو بن العاص، وجاء التصريح به في مواضع، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو، ويبقى النظر في سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو، والمسألة خلافية، ولوجود هذا الخلاف مع الاختلاف في الضمير ضعف بعض أهل العلم ما روي بهذه السلسلة، ومنهم من صحح؛ لأن الجد يصرح به وعند هؤلاء ثبت سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو وانتفى الإشكال؛ لكن بوجود مثل هذا الخلاف حكم جمع من الحفاظ على أن ما روي بهذه السلسلة لا يصل إلى درجة أعلى الصحيح، ولا ينزل عن درجة القبول فهو حسن شريطة أن يصح السند إلى عمرو.
стр. 223
هناك سلسلة نظير هذه السلسلة وهي بهز بن حكيم عن أبيه عن حكيم، بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، هل في خلاف في عود الضمائر؟ بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة، بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، يعني الخلاف في عود الضمير هنا يرد هناك؟ لا يرد، لماذا؟ لأنهم بثلاثة، بهز وحكيم ومعاوية، حيدة هذا ما هو راوي؛ لأنه قبل الإسلام، إذاً ما في خلاف ما في عود الضمير، بهز عن حكيم عن معاوية، ما في خلاف في عود الضمائر؛ لكن الخلاف في بهز نفسه هل يصل إلى درجة الاحتجاج أو لا يصل؟ مسألة خلافية، وحكموا أيضاً عليها كما حكموا هنا على هذه السلسلة بالحسن، ويبقى المفاضلة بين السلسلتين أيهما أقوى فيما لو حصل تعارض بين حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مع حديث من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، المسألة أيضاً فيها خلاف بين أهل العلم؛ لأن هذه السلسلة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده صحح لها البخاري في غير الصحيح، سأل الترمذي عن حديث لعمرو بن شعيب عن أبيه قال: صحيح، بل قال: أصح ما في الباب، وخرج لبهز بن حكيم عن أبيه عن جده تعليقاً، فمنهم من يقول: أن هذه السلسلة أقوى؛ لأن البخاري صحح لها، ومنهم من يقول: بهز بن حكيم أقوى؛ لأن البخاري خرج، وإن كان معلقاً، ولم يخرج بهذه السلسلة، المقصود أن هذه المسألة معروفة في علوم الحديث، وأكثر الإخوان يعرفها لكن من باب التذكير.
стр. 224
أن رسول الله ﷺ قال: ((من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن)) من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن، زاول الطب وهو جاهل، جاء شخص في يده جرح وقال هذا المتطبب: هذا تخشى منه السراية، لا بد نبتر اليد يضمن، فعلى هذا الطبيب المشهود له بالخبرة والمعرفة إذا اجتهد وأخطأ، عالج مريض ومات، يضمن وإلا ما يضمن؟ لا ما يضمن، لكن إذا لم يعرف بطب عالج مريض ومات يضمن وإلا ما يضمن؟ يضمن، فهو ضامن، سواء كان في النفس أو في الطرف، يضمن، وقل مثل هذا في جميع العلوم، لو جاء مهندس وادعى خبير بالهندسة، وسوى مخطط للعمارة وطاحت العمارة، ثم تبين أنه ليس بمهندس هذا دعي، يضمن وإلا ما يضمن؟ يضمن؛ لكن لو شهد له بالخبرة والمعرفة وأخطأ ما يضمن البناية بالجص الآجر، وهذا معروف الجص الذي هو الآجر كيفية البناء به وخلطه يؤخذ بالتدريج شيء يسير ثم شيء يسير لأنه يموت بسرعة، ييبس بسرعة هائلة، فادعى شخص أنه معلم بناء فتعامل مع الجص الآجر هذا مثل الطين، وضعه في حوض وصب عليه الماء، وأخذ يخلط برجليه ثم بعد ذلك يبس عليه الجص وعجز عن الحركة، هذا يضمن القيمة وإلا ما يضمن؟ يضمن؛ لأنه جاهل أفسده على صاحبه، والآن في مجتمعات المسلمين على كافة المستويات من يخالف هذا الحديث بدءً ممن يدعي العلم ويضمن الناس كفارات، ويضمنهم عقوبات وجزاءات وهو ليس من أهل العلم، هذا يضمن هذا، جاء شخص لجاهل وقال: ارتكبت كذا، قال: اذبح شاة، ليش شاة يا أخي ما سويت شيء؟ يضمن؛ لأنه ليس عنده من العلم ما يدل على مثل هذه الفتوى؛ لكن لو اجتهد عالم ومشهود له بالعلم والخبرة وأخطأ وقال: اذبح شاة ما يضمن، كما هو معروف، تدخل ورشة سيارات السيارة فيها أمر يسير جداً ما تحتمل شيئاً يقوم يفك المكينة ويخرب يضمن لك، هذا ما يفهم، اذكر مرة احنا في طريق من بلد إلى بلد السيارة صار فيها رجة، وأدخلناها ورشة، أول ما بدأ قال: المكينة ومحرك المكينة قلت: لا، لا، عرفت أن ما عنده سالفة قلت: لا، لا تعمل، المكينة ما وراها رجة، إما صفاية وإلا شيء يمكن، ثم نطلع لثاني ادعى عمل ثاني، وندخل ورشة ثالثة قال: شوف الكفر ألين من هذا غير وبس، غيرنا الكفر وما شاء الله، كل مهنة لها
стр. 225
أطباؤها، لكن بعض الناس يفسد، يدخل بغير معرفة ولا ورع، ثم بعد ذلك يفسد لا بد أن يضمن، ((من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن)) فإذا تسبب في تلف في النفس أو في الطرف يضمن بلا شك، وقل مثل هذا في جميع الصنائع، بدءً من ادعاء العلم -وما أكثر من يدعي- ونزولاً إلى حوائج الناس، وما يحتاجونه في أبدانهم.
الحديث الخامس والخمسون: وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((ادْرَءُوا الحُدودَ عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة)) [رواه الترمذي مرفوعاً وموقوفاً].
стр. 226
نعم أيضاً يشهد له حديث: ((ادرءوا الحدود بالشبهات)) وله طرق؛ لكن لا يسلم من مقال لأهل العلم، وكذلك الحديث الذي معنا لا يسلم أيضاً، لكن كثير من أهل العلم يعمل بهذا، والسبب أن الخطأ في العفو هذا أمر مقرر يعني؛ لأن الله -جل وعلا- حث على العفو، ﴿وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [(٢٣٧) سورة البقرة] ورحمة الله -جل وعلا- سبقت غضبه؛ لكن يبقى أن الحدود لا يجوز تعطيلها بحال، وإنما شرعت لتنفذ، شرعت لتترتب عليها آثارها، تطهير المجتمعات، لا يفهم من مثل هذا الحديث -نعم إذا وقع إنسان في هفوة وإلا زلة وأمكن أن يدرء له، والنبي ﵊ لقن ماعز وصرف عنه مراراً، وقالت الغامدية: "أتريد أن ترددني كما فعلت بماعز؟ " المقصود أن مثل هذا إذا كانت الجرائم قليلة وخفيفة نعم الناس على الاستقامة والالتزام وحصل هفوات يسيرة نعم هذا منهج شرعي؛ لكن إذا كثر الخبث فلا بد من أطر الناس على الحق، ولا بد من تنفيذ شرع الله عليهم، ولا بد من تطهير مجتمعات المسلمين من هذه القاذورات، وإلا وجد الآن من ينادي بالستر المطلق، خلاص، هذا عاصي استر عليه، من ستر مسلماً ستره الله، يا أخي هذه توطئة إلى الإباحية، وتعطيل لحدود الله، نعم من حصلت منه هفوة وزلة هذا الأصل من ستر مسلماً ستره الله؛ لكن يصل الأمر إلى أن تعطل الحدود؟ ومجرد الشفاعة في الحد حرام، وغضب النبي ﵊ على أسامة: ((أتشفع في حدٍ من حدود الله؟ )) ويسعى بعض الناس بتعطيل الحدود بهذه الطريقة، لا شك أن الدعوة إلى الستر المطلق إيش معنى هذا؟ يا أخي أتركه لا تقبض عليه، اقبض عليه ثم استر عليه إيش الفائدة؟ هذه دعوة إلى الإباحية، توطئة إلى الإباحية، وعلينا أن نتوسط في أمورنا، شخص حصلت منه هفوة وإلا زلة وإلا شيء من ستر مسلماً ستره الله، أما أصحاب الجرائم وأرباب السوابق هؤلاء لا بد أن يؤطروا على الحق، لا بد من تطهير المجتمعات منهم، وإذا كان بعض أهل العلم يرى مضاعفة العقوبات حتى تطهر المجتمعات، ولذا جاء في حديث قتل الشارب في الرابعة: ((إذا شرب في الرابعة فاقتلوه)) الجمهور على أن هذا الخبر منسوخ، ونعرف أن عمر ﵁ كان الحد أربعين
стр. 227
فزاده إلى ثمانين؛ لأن الناس زادوا في الشرب ولم يردعهم الحد الأول زاد، مسألة القتل قتل الشارب في المرة الرابعة، الجمهور من أهل العلم على أنه منسوخ، ولذا يقول الترمذي: ليس في كتابي مما أجمع أهل العلم على ترك العمل به إلا حديثين، هذا الحديث حديث معاوية في قتل الشارب، وحديث ابن عباس في الجمع بالمدينة من غير سفرٍ ولا مطرٍ أو من غير خوفٍ ولا مطر، يقول: ما عدا ذلك جمع أحاديث اتفق الأئمة على عدم العمل بها، وهذا الاتفاق في كثيرٍ منها منقوض، نأتي إلى حديث معاوية في قتل المدمن، في قتل الشارب، مراراً ما ردعه الحد، منهم من تبنى هذا الحكم، قال: يقتل في الرابعة إيش المانع؟ ونصره ابن حزم، وانتصر له، وانتصر لهذا القول السيوطي والشيخ أحمد شاكر، وألف فيه رسالة؛ لكن رأي شيخ الإسلام وابن القيم أنه يقتل تعزيراً، يعني قتله في الرابعة ليس بحد؛ لكن للإمام إذا رأى أن الناس لا يرتدعون بإقامة الحد أن يقتل تعزيراً حتى يكف الناس عن هذه الجريمة، عن أم الخبائث، والإمام له أن يعزر بما شاء، حتى قال بعض أهل العلم له إلى القتل في التعزير، ما يمكن أن يكف أهل الجرائم والمعصية إلا بأطرهم عن الحق، وهذا من أوجب الواجبات على ولي الأمر حفظ الأمن، إقامة الصلاة، إقامة الحج، إقامة الجهاد، إقامة الشعائر، تطهير المجتمعات من الفساد والمفسدين، هذه من واجبات ولي الأمر، وكلها بالدليل، المقصود أن مثل هذا لا يفهم منه تعطيل الحدود. ((ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم)) بلا شك أنه إذا كان الأمر محتمل هذا وهذا أنه يرجح العفو، والستر هو الأصل، فإن كان له مخرج فخلو سبيله، وقد أعرض النبي ﵊ عن ماعز مراراً، حتى رأى أنه لا مندوحة من إقامة الحد، ((فإن الإمام أن يخطئ في العفو .. )) الآن على قتل شارب الخمر المدمن صدرت فتوى بقتل المروج، مروج المخدرات التي ضررها في البلدان لا يقدر قدره إلا من سمع بعض الأخبار، ما هو كل الأخبار، وما تفعله بأصحابها وأربابها من متعاطيها وأهليهم وذويهم الذين يعانون منهم شيء لا يخطر على البال، ولذا صدرت الفتوى بقتل المروج، ((ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم وإن كان له مخرج فخلوا
стр. 228
سبيله فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة)) وهذه المسألة إذا كانت تحتمل الخطأ، أما إذا كانت لا تحتمل الخطأ يعني وجدت مقدماتها كلها الشرعية فلتوجد نتائجها، يعني هذا الإمام وصله ما يوجب الحد، الإمام بين أمرين، والاحتمال قائم أن تطبيقه لهذا الحد خطأ، يخطئ في ترك العقوبة أفضل أن يخطئ في تنفيذ العقوبة؛ لكن إذا كان لا يتطرق الخطأ إلى الوسيلة التي بواسطتها عرف، لا يجوز له أن يعفو بحال، ولا يجوز لأحدٍ أن يشفع عنده، ليس معنى هذا يخطئ في العفو، يخطئ في العقوبة، أنه ثبتت عنده الجريمة ثم يعفو يقول: لأن أخطئ .... ؟ لا، لا، إذا ثبتت لا بد من تنفيذها، وإذا بلغت الحدود السلطان فإن عفا فلا عفا الله عنه كما في الخبر، ولا يجوز لأحدٍ أن يشفع عنده ليعطل الحد، لكن المسألة إذا احتملت الخطأ، إذا كان احتمال الخطأ وارداً، فليكن خطؤه في العفو أفضل من خطئه وخير له من أن يخطئ في العقوبة، والله المستعان، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 229
شرح جوامع الأخبار (٨)
شرح حديث: لا طاعة في معصية .. ) وحديث: (إذا حكم الحاكم فاجتهد .. ) وحديث: (لو يُعطى الناسُ بدَعْواهم .. ) وحديث: (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة .. ) وحديث: (ما أنهر الدم .. ) وحديث: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء .. ) وحديث: ("حرّم رسول الله ﷺ يوم خيبر الحمر الإنسية .. ) وحديث: (لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء .. ) وحديث: (الرؤيا الصالحة من الله .. ) وحديث: (من حُسْن إسلام المرء .. ) وحديث: (ما نَحل والدٌ ولدّه .. ) وحديث: (مثل الجليس الصالح .. ) وحديث: (لا يُلْدَغ المؤمن .. ) وحديث: (يا أبا ذَرٍّ، لا عقل كالتدبير .. ) وحديث: (لا تغضب .. ) وحديث: (قد أفلح من أسلم .. ) وحديث: (إذا قمت في صلاتك فصل صلاة مودِّع .. )
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
طالب: الحمد لله حمداً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، النبي المصطفى، والرسول المجتبى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
قال الإمام العلامة عبد الرحمن السعدي -رحمه الله تعالى- في كتابه جوامع الأخبار:
الحديث السادس والخمسون: عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا طاعة في معصية، إنما الطاعة في المعروف)) [متفق عليه].
стр. 230
((لا طاعة في معصية)) أمرتَ بطاعة من يتصور منه الأمر بالمعصية من المخلوقين، أمرت بطاعة ولي الأمر، الإمام ومن دونه ممن ولاه الله أمرك، أمرت بطاعة الوالدين، المدير أمرك بشيء، المدير ولاه ولي الأمر أمرك، فله الأمر والنهي عليك لكن في حدود المباح، أما إذا أمرك بمعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، أمرك أبوك بمعصية، أمرك أن تقطع رحمك، تقول: لا، يعني بالأسلوب المناسب تتخلص من هذه المعصية، أمرك ولي الأمر بمعصية تقول: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، أمرتك أمك أن تسافر بها ومعها امرأة لا محرم لها، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فعلى الإنسان أن يتنبه لمثل هذه الأمور، نعم إذا تعارض عندك أمر ونهي، أنت مأمور بطاعة هذا؛ لكن أيضاً منهي عن المعصية، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، أحياناً تتعارض الأوامر والنواهي، ويحصل الحرج الكبير من الابن إذا كانت الأم في غير عصمة الأب، فتجد الأب يأمر والأم تنهى، قد يكون عاد لحاجة أو لعناد أو شيء، ماذا يصنع؟ الأب يأمر والأم تقول: لا، لا تفعل، يقول: افعل، وهي تقول: لا تفعل، من المطاع منهما؟ قال رجل لمالك: "أمرني أبي فنهتني أمي" فكان الجواب: "أطع أباك، ولا تعصِ أمك" هذا جواب وإلا ما هو جواب؟ فيه جواب، يعني في مثل هذه المضائق على الإنسان أن يسدد ويقارب، ويسعى في إرضاء الطرفين، وعلى كل حال الأم أولى لأنها أعظم حق، ويبقى أن الأب إذا كانت الأم في عصمته فحقه على الأم وحقه على الابن أيضاً، يترجح جانب الأب إذا كانت الأم في عصمته؛ لأن له عليها الأمر، أما إذا كانت هناك مفاصلة ومشاحنة فلا بد من التسديد والمقاربة وطاعة الطرفين بالمقدور عليه، إنما الطاعة بالمعروف، أمرك من تجب طاعته بما يشق عليك، أو أمرك بما لا تستطيع، قال لك مدير المدرسة: احمل هذه الحصاة، ما تقدر، أو قال لك ولي الأمر: اصعد هذا الجبل، أو افعل كذا، شيء لا تطيقه، أو انزل في هذا البئر وأنت لا تحسن، فالطاعة بالمعروف، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، إنما الطاعة بالمعروف، أمرك أبوك أو أمك أن تطلق زوجتك، أمرك أبوك أن تطلق زوجتك، عمر بن الخطاب ﵁ أمر عبد الله أن يفارق زوجته، وقال له النبي
стр. 231
- ﷺ : ((أطع أباك)) لكن هل من الطاعة بالمعروف أن كل من تزوج مسكين قال له أبوه: طلق هذه المرأة؟ جالس يكد سنين طويلة حتى حصل على المهر وتزوج والخاتمة طلق زوجتك؟ الطاعة بالمعروف، لكن يبقى أنه لا بد أن يكون الرد بطريقةٍ مقبولة ترضي الأب، أكرهك أبوك على شرب أو أكل شيء لا تطيقه؟ بعض الناس لا يطيق شرب اللبن، لو شربه تقيأ، يقول له: إلا تشرب اللبن، الطاعة بالمعروف، المقصود أن مثل هذه الأمور تقدر بقدرها، ومثل هذا الحديث يحل كثيرٍ من الإشكالات في التعامل مع المخلوقين، أولاً: نجعل رضا الله -جل وعلا- فوق رضا الجميع، ثم بعد ذلك نتعامل من المخلوقين في هذا الإطار بحيث يرضي الله -جل وعلا- من حيث التعامل مع الجميع.
الحديث السابع والخمسون: عن عبد الله بن عمرو وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : ((إذا حكم الحاكم فاجتهد وأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد)) [متفق عليه].
стр. 232
عن عبد الله بن عمرو وأبي هريرة ﵃، هذا الأصل، عن عبد الله بن عمرو وأبي هريرة ﵃، هذا الأصل، قالا: فالترضي عن الثلاثة، عن عبد الله وعن أبيه عمرو بن العاص ولهذا إذا جاء صحابي بن صحابي تقول: عنهما، وهنا صحابي بن صحابي ومعهم أبو هريرة إذاً ﵃ والقول مسند إلى الاثنين فقط، عبد الله بن عمرو وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ : ((إذا حكم الحاكم فاجتهد وأصاب فله أجران)) فاجتهد، وهذا وصف مؤثر، يعني الحاكم الذي هو بالفعل من أهل الاجتهاد، إذا اجتهد الحاكم، إذا حكم الحاكم، القاضي مثلاً، توافرت فيه شروط القضاء فاجتهد أجر الاجتهاد ثابت، فإن أصاب أضيف إلى ذلك أجر الإصابة، وإن أخطأ يكفيه الأجر الواحد، وهو أجر الاجتهاد، وعلى هذا لا يجوز الاجتهاد لغير أهله، لو يقدم شخص على أمرٍ لا يحسنه يقول: أجل أجتهد، عندك ما يؤهلك للاجتهاد تقول: أجتهد؟ مثل هذا لو أصاب فقد أخطأ، ولذا القضاة ثلاثة: منهم من يعرف الحق ويحكم به، ومنهم من يعرف الحكم بغيره، ومنهم من لا يعرف الحق أصلاً، والمصيب منهم واحد، وأما البقية ولو أصابوا الحق، تجيب لي قاضي جاهل ما يعرف، يعني افترض أنه عيّن قاضي جاهل ما يعرف شيء واجتهد وليس من أهل الاجتهاد، ووافق حكمه الحكم الشرعي مثل هذا يأثم، ويأثم من مكّنه من العمل بهذا المجال، وهو يعرف أنه ليس بأهل، ومسألة الاجتهاد مسألة متفاوتة، كل علم له اجتهاده، يعني إذا اجتهد الحاكم الإمام الأعظم في تعيين فلان، في القضاء مثلاً، اجتهد وهو ليس من أهل الاجتهاد مثلاً اخطأ في تعيينه، حتى يقول له من يعرف حقيقة الأمر: أن هذا أهل، ثم إذا عين هذا الشخص إن كان بالفعل أهلاً فاجتهد له الموعود به له أجران وأصاب، إذا لم يصب له أجر واحد، هذا إذا كان من أهل الاجتهاد، لو حكم بغير حكم الله، قصد أن يحكم في هذه المسألة بغير حكم الله، عرضت عليه المسألة قضية وذهب إلى القانون الفرنسي أو كذا أو كذا فتش فتش، قال: وجدنا الحل وحكم بهذا، ثم تبين أن هذا الحكم موافق لحكم الله، هذا أخطأ ولو أصاب، وآثم ولو وافق حكم الله -جل وعلا-؛ لأنه ما قصد أن يحكم بحكم الله ﴿فَلاَ
стр. 233
وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [(٦٥) سورة النساء] وحكم الله هو ما نص عليه في كتابه أو سنة نبيه ﵊ أو استنبط منهما، أو قيس عليهما، أو فرع من القواعد الشرعية، ويبقى أن الحاكم الأصل فيه أنه من أهل الاجتهاد، وأن يترك له الاجتهاد، لا يحجر عليه، يعني إذا ولي حاكم أهل كفؤ من أهل الاجتهاد لا يجوز الحجر عليه ولا إلزامه برأي ولا قول؛ لأن المسألة مفترضة في حاكم مجتهد، في حاكم تبرأ الذمة بتعيينه للقضاء، فلا يجوز إلزامه بشيءٍ غير لازم، وهذه المسألة قل مثلها في جميع العلوم، شخص لديه أهلية النظر في النصوص والأدلة، ويستطيع أن يصل إلى القول الراجح بدليله بنفسه لا يجوز له أن يقلد، ومثله إذا كانت لديه أهلية للترجيح والتصحيح في العلوم الأخرى، في تصحيح الأحاديث وتضعيفها، هذا لا يقلد رأيه الرجال، وهذا أمر مضطرد.
الحديث الثامن والخمسون: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو يُعطى الناسُ بدَعْواهم لادَّعى رجالٌ دماءَ قوم وأموالهم؛ ولكن اليمين على المدعى عليه)) [رواه مسلم]. وفي لفظٍ عند البيهقي: ((البينة على المدعي، واليمين على من أنكر)).
стр. 234
هذا أصل عظيم من أصول القضاء، ((لو يُعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء قوم وأموالهم)) نعم لو جاءك شخص يدعي على فلان أنه فقأ عينه، وبالفعل عينه مفقوءة، تتعاطف معه وتصدر حكم على فلان؟ انتظر، شوف الدعوة، اسمع، احتمال أن يكون الثاني مفقوء العينين، ((فلو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء قوم وأموالهم)) ولذلك كثير من الناس مستعد لإقامة الدعاوى، سهل عنده إقامة الدعوة؛ لكن هل عنده بينات؟ وما أشغل القضاة إلا هؤلاء الذين يدعون وليست لديهم البينات الكافية، وبعض الناس نسأل الله السلامة والعافية لعدم وجود الورع عنده يقدم على هذا ويقول: والله إن حصل شيء وإلا ما هو خسران، وحينئذٍ لا بد من التعامل مع هؤلاء بما يليق بهم، إذا تكررت من شخص أنه يدعي ما ليس له وليست لديه بينه يوقف عنده حده، لا يشغل الناس ويؤذيهم، لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء قوم وأموالهم، يأتي من يخفى عليه الحكم، ويلتبس عليه الأمر مثل هذا يتقاضى مع خصمه، وحينئذٍ يعامله القاضي بما يليق به، يطلب منه البينة، فالبينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه، اليمين في الغالب تكون في جانب الأقوى، الأصل عدم الثبوت، ثبوت المدعى به الأصل عدمه، فجانب المدعى عليه أقوى من المدعي، والمدعي عند أهل العلم من إذا ترك تُرك، والمدعى عليه من إذا ترك لم يُترك، يتبع، فإذا ادعى زيد على عمرو قال له القاضي: ألك بينة؟ إذا قال: نعم، قيل له: أحضرها، وهل هذه البينة مما يقوم بها إقامة مثل هذا الحد؟ شهود مرضيين عدول، وإلا ترد، وإذا قال: هي أمر يطلب التزكية، على الطريقة المعروفة عند أهل العلم المتبعة المعمول بها، طيب هذه البينة غير موجودة مثلاً، أو لا تقوم بها الحجة يرجع القاضي على المدعى عليه فيقول: احلف، اليمين على المدعى عليه، فإذا حلف برئ، إذا قامت البينة الملزمة المقبولة يحكم بالحق، ولا يطلب يمين من المدعى عليه؛ لأن البينة كافية، فلا يطلب يمين من المدعى عليه، يطلب يمين من المدعى عليه إذا لم توجد بينة، ليبرأ من العهدة، طلب بينة ما وجد بينة عند المدعي، طلب يمين من المدعى عليه قال: الدنيا كلها ما تسوى اليمين، فضلاً عن كوني أحلف على هذا المبلغ
стр. 235
اليسير، إن كان عنده شيء يجيه، أنا ما عندي شيء، احلف، قال: الدنيا كلها ما تسوى يميني، مانا بحالف، يحكم عليه وإلا ما يحكم عليه؟ رفض، نكل عن اليمين، من أهل العلم من يقف عند هذا الحد، البينة على المدعي واليمين على من أنكر، المدعي ما عنده بينة، توجهت اليمين إلى المنكر ورفض، نكل عن اليمين، من أهل العلم من يقف عند هذا، ويلزمه للمدعى عليه، ومنهم من يرد اليمين إلى المدعي، رد اليمين على المدعي، والله المدعى عليه نكل، لما نكل صار المدعي أقوى منه، واليمين في جانب الأقوى؛ لكن ما يمكن أن يحكم بحق بدون بينة أو يمين، فيرد اليمين على المدعي مع أن الإمام مالك -رحمه الله تعالى- يقول: " لا أعلم قائلاً برد اليمين" مع أن قضاة عصره ابن شبرمة وابن أبي ليلى وغيرهما يقولون برد اليمين، ولا بد من مرجح لكفة أحد الطرفين، هذا ما عنده بينه، وهذا رفض اليمين إيش تسوي؟ موقف القاضي إيش؟ ماذا يصنع؟ لأن هذا مطالب بالبينة ما عنده بينة، هذا مطالب بيمين ورفض، لا بد من مرجح، والأصل في البينة ما يبين الحق ويظهره، ولذا يتجاوز بعضهم في البينات، ويتوسع فيها، وبعضهم يحكم بالقرائن ويجعلها من البينات، والمسألة معروفة عند القضاة وغيرهم ممن يدرس هذا العلم، على كل حال القول برد اليمين لا شك أنه مرجح، فإذا حلف المدعي بعد نكول المدعى عليه حكم له وإلا فلا.
الحديث التاسع والخمسون: عن عائشة ﵂ مرفوعاً: ((لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا مجلود حدّاً، ولا ذي غمر على أخيه، ولا ظنين في ولاء ولا قرابة، ولا القانع من أهل البيت)) [رواه الترمذي].
стр. 236
الأصل في الشاهد أن يكون مرضياً كما قال الله -جل وعلا-: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء﴾ [(٢٨٢) سورة البقرة] فلا بد أن يكون مرضياً، والرضا إنما يكون بالعدالة، العدالة، وهل تكفي العدالة الظاهرة أو لا بد من العدالة الباطنة التي يحتاج فيها إلى أقوال المزكين؟ مسألة خلافية؛ لكن الحكم بالظاهر هو الأصل، إلا إذا قدح فيمن ظاهره العدالة تطلب تزكيته، فكل ما خرج عن هذا القيد لا يقبل لأنه غير مرضي، فلا تجوز شهادة خائن ولا خائنة؛ لأنه مقدوح في عدالته، ولا مجلود بحد؛ لأنه فاسق بارتكابه الحد، هذا إذا لم يتب، طيب قد يقول قائل: المجلود بحد، والحدود كفارات، هل نحتاج مع هذا الحد إلى توبة؟ لو نظرنا في آية القذف: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [(٥) سورة النور] يعني طلبت التوبة مع الجلد، (إلا الذين تابوا) وهذا الاستثناء المتعقب لثلاث جمل، الخلاف الطويل بين أهل العلم هل يرجع إلى جميع الجمل، أو إلى الأخيرة فقط؟ أو إلى ... كلام طويل لو نفصل هذا ما كفى، (ولا تقبلوا لهم شهادةً أبداً، إلا الذين تابوا) فدل على أن من تاب بعد إقامة الحد عليه تقبل شهادته، ((ولا ذي غمر على أخيه)) يعني ذي حقد وغل على أخيه، ((ولا ظنين في ولاء ولا قرابة)) يعني متهم في شهادته لقرابته أو في مواليه؛ لأنه يحيف معهم، ويميل إليهم ((ولا القانع من أهل البيت)) الخادم في أهل البيت يخدمهم بأجرةٍ أو بمأكله ومشربه، مثل هذا في الغالب متهم، يميل إليهم؛ لكن إذا قلنا: أنها لا تجوز شهادتهم لمن ذكر لا شك أنها تجوز شهادتهم عليهم، فإذا قلنا: أن الأصول والفروع لا تجوز شهادتهم، لا تجوز شهادة الابن لأبيه والأب لابنه؛ لكن لو شهد على أبيه، أو شهد على ابنه، أو شهد ذي الغمر لأخيه، يعني مسألة عكسية، المنفي في هذا الحديث يجوز عكسه، الظنين المتهم في الولاء والقرابة لا تجوز شهادته له؛ لكن تجوز شهادته عليه، كما تجوز شهادة الأب على ابنه، والابن على أبيه لانتفاء التهمة، والتهمة سبب قوي في القبول والرد.
стр. 237
الحديث الستون: عن رافع بن خديج ﵁ قال: قلت: يا رسول الله: "إنَّا لاَقُوا العدوَّ غداً، وليس معنا مُدَى أفنذبح بالقصب؟ قال: ((ما أنهر الدم، وذُكر اسم الله عليه فكُلْ، ليس السنَّ والظَّفْرَ، وسأحدثك عنه: أما السنُّ فعظمٌ، وأما الظفر فمدَى الحبشة)) وأصبنا نهب إبل وغنم فنَدَّ منها بعير، فرماه رجل بسهم فحبسه، فقال رسول الله ﷺ : ((إن لهذه أوَابِدَ كأوابد الوحش، فإذا غلبكم منها شيء فافعلوا به هكذا)) [متفق عليه].
стр. 238
المأكول من الحيوان لا يخلو إما أن يكون يحتاج إلى تذكية أو لا؛ لأن الله -جل وعلا- حرم الميتة ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ﴾ [(٣) سورة المائدة] استثني من الميتة ما يعيش في البحر، الحل ميتته، بحيث لا يعيش في سواه في البر، وأحل من الدم الكبد والطحال، وحل أيضاً من الميتة الجراد، ما عدا ذلك يحتاج إلى تذكية، "إنا لاقوا العدو غداً وليس معنا مدى" ليس معنا سكاكين، ما معهم سكاكين، ماذا يصنعون؟ أفنذبح بالقصب؟ القصب نوع من أغصان الشجر إذا قسم نصفين صار له حد كالسكين، فلم يجب النبي ﵊ بنعم، ليأتي بقاعدةٍ عامة تشمل القصب وتشمل الزجاج، وتشمل الحصى، وتشمل كل ما أنهر الدم، يعني أخرج الدم المسفوح، وذكر اسم الله عليه فكل، أجابه إجابة شاملة من النبي ﵊، لأنه لو قال: نعم، احتاج الناس إلى بيان أحكام كثيرة جداً، فأتى بالقاعدة التي ينطوي تحتها القصب وغير القصب ((ما أنهر الدم)) أخرجه بقوة كالنهر ((وذكر اسم الله عليه فكل)) لا بد من أن ينهر الدم، بقطع الحلقوم والمري وأحد الودجين على الخلاف في ذلك كما هو معروف، ما أنهر الدم بقطع ما ذكر شريطة أن يذكر اسم الله عليه ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ [(١٢١) سورة الأنعام] والتسمية شرط لحل الذبيحة ويختلفون فيمن تركها ناسياً، والأدلة تدل على أن التحريم شامل للعامد والناسي، ليس السنّ والظفر، استثناء، ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه)) يشمل السن لأنه ينهر الدم، إذا قطعت الحلقوم والمري وأحد الوجدين بسنك أنهر الدم أو بظفرك لا سيما إذا كان من الطيور الصغيرة الظفر يكفيه؛ لكن لا يجوز، استثناء النبي ﵊ فقال: ((ليس السن والظفر، وسأحدثك عنه)) يعني أذكر لك العلة، اذكر لك السبب، ((أما السن فعظم)) والعظام لا يجوز تلويثها بالنجاسة، فعظم ليشمل السن وغير السن من العظام؛ لكن المستعمل من العظام في مثل هذا السن، فنص عليه لأنه يستعمل، وعدي بالعلة إلى غيره من العظام، ولذا لا يجوز الاستنجاء بالعظم، والذبح بالعظم تنجيس له كالاستنجاء، ((وأما الظفر فمدى الحبشة)) وقد أمرنا بعدم
стр. 239
التشبه، فنهينا عن التشبه بالكفار، "فمدى الحبشة، وأصبنا نهب إبلٍ وغنم، فند منها بعير" أي شرد بعير، الأصل أن البعير من الأشياء المقدور عليها، والأشياء المقدور عليها تذكى إما بالذبح أو بالنحر كالبعير؛ لكن إذا شرد توحش المقدور عليه، توحش الأهلي يعامل معاملة الوحش، معاملة الصيد، ولو تأهل الوحش عندك غزال مثلاً في قفص في حوش لا بد من تذكية، عندك طائر مما يصاد يكفي فيه أن ينهر الدم من أي جزء من أجزائه قبضت عليه لا بد من تذكيته فكل مقدور عليه لا بد من التذكية، الذي لا يقدر عليه يكفي فيه ما الرمي "فرماه رجل بسهمٍ فحبسه" فقال الرسول ﷺ : ((إن لهذه أوابد)) يعني هذه الحيوانات لها أوابد تنفر لها نفرة ولها وحشة ((كأوابد الوحش، فإذا غلبكم منها شيء فافعلوا به هكذا)) أحياناً ينفر خروف فيشبه الغزال ما يستطاع ولا بالسيارة ولا .... ، يالله بالرمي، وأحياناً ينفر تيس وإلا جمل والناس يحتاجونه، فإذا فعل به هكذا فجرح من أي جزء من بدنه حل، كالصيد، على أن يكون الذي يغلب على الظن أنه مات بهذا السبب؛ لكن لو شرد البعير ووقع في بئر ورميته، تجزم أنه مات بسبب رميك وإلا بسبب الماء غرقاً؟ حينئذٍ لا يكون لك أن تأكل، لا بد أن يغلب على ظنك أنه مات بسبب رميك.
الحديث الواحد والستون: عن شدّاد بن أوْس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحْسِنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحدّ أحدكم شفرته، ولْيُرِحْ ذبيحته)) [رواه مسلم].
стр. 240
الإحسان مطلوب، الإحسان في التعامل مطلوب، مع الخالق وهو أعظم خصال الدين بعد الإسلام الإيمان الإحسان، وأن تعبد الله -جل وعلا- بالمراقبة، وأعلاها أن تتصور أنك ترى الله، فإن لم يصل مستواك إلى هذا الحد فلا أقل من أن تتصور أن الله يراك، تعبده بالمراقبة وهذه مرتبة الإحسان، منزلة الإحسان، وشأنها في الدين عظيم؛ لأنها تكف عن المحرمات، تحث على فعل الواجبات والمستحبات؛ لأن من تصور أنه يرى الله أو أن الله يراه لن يقدم على معصية، وهو يتصور أن الله -جل وعلا- يشاهده؛ لأنه لا يزاول معصية بحضور من يهابه من المخلوقين فضلاً عن الخالق؛ لكن ما وقع الناس فيما وقعوا فيه إلا بعد أن غفلوا عن اطلاع الله عليهم، أيضاً إحسان إلى النفس، إحسان إلى الغير من المخلوقين، ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء)) على كل شيء كتب الإحسان، بل كتبه فيما يتصور فيه أعظم الضرر وهو القتل وإزهاق الروح، في أعظم من هذا؟ من الضرر ما يتصور؛ لكن مع هذا الضرر تحسن في هذا الضرر، ((فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة)) إذا قتلتم من يستحق القتل فأحسنوا القتلة، بلا تعذيب، بلا تمثيل، هذا ليس من عمل المسلمين، وقد جاء النهي عن المثلة بخلاف المماثلة ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [(١٢٦) سورة النحل] المماثلة غير المثلة، يعني كونه يفعل بالقاتل نظير ما فعل، رض رأس الجارية بحجر يرض رأسه بحجر، قتلوا الراعي وسملوا عينه فُعل بهم ما فعلوا، ((وإذا ذبحتم)) ما يراد ذبحه للأكل ((فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته)) لئلا يتأذى المقتول والمذبوح، يحده تكون ماضية بسرعة، لا تكون كالة بحيث تؤذي المذبوح ((وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته)) هذا من عدل الإسلام، ومن محاسن الدين حتى في هذه الحالة أمرنا بالإحسان فما دونها من باب أولى، لا يجوز أن تسيء لأحدٍ بحالٍ من الأحوال، ((والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه)) فالإحسان مطلوب مع كل أحد حتى مع الحيوان، ((في كل كبد رطبة فيها أجر)) إذا تصور الإنسان أنه دخل الجنة بإزالة غصن من الطريق؛ لأنه أحسن على الناس، ((إماطة الأذى عن الطريق صدقة)) المرأة البغي التي سقت الكلب دخلت الجنة شكر الله لها
стр. 241
فغفر لها، فلنحرص أشد الحرص على الإحسان للآخرين فضلاً عن كوننا نكف أذانا عنهم، والله المستعان.
الحديث الثاني والستون: عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "حرّم رسول الله ﷺ يوم خيبر الحمر الإنسية، ولُحومَ البغال، وكلَّ ذي ناب من السباع، وكلَّ ذي مخلب من الطير" [رواه الترمذي].
عن جابر -رضي الله تعالى عنهما- قال: حرم رسول الله ﷺ يوم خيبر سنة سبع من الهجرة لحوم الحمر الإنسية، الحمر إما أن تكون إنسية أو تكون وحشية، الوحشية حلال، الإنسية كانت حلال ثم حرمت، والنبي ﵊ يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، وبحث مثل هذه المسألة يطول جداً؛ لأنها إما أن يكون أصلها طيب واستمر الطيب رغم تحريمها، أو تكون كانت خبيثة كان أصلها طيب ومنعت للحاجة، أو أصلها خبيث وأبيحت قبل الحاجة، أو أنها كانت طيبة، ثم انقلبت خبيثة، المقصود أن هذه المسألة تحتاج إلى زمنٍ طويل؛ لأن النبي ﵊ يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، الحمر كانت حلال ثم صارت حرام، ما وضعها قبل التحريم؟ وما وضعها بعد التحريم؟ الخمرة سلبت المنافع لما حرمت، فهل نقول: أنها انقلبت بذاتها إلى خبيث وصارت رجس كما جاء في بعض الأحاديث؟ لا شك أن الله -جل وعلا- قدرته نافذة على أن يكون الأصل في الشيء الطيب ثم ينقلب إلى خبيث أو العكس.
стр. 242
"حرَّم يوم خيبر لحوم الحمر الإنسية ولحوم البغال" البغال ليست حمير ولا خيل، إنما هي متولدة بينهما، هذه أيضاً حكمها حكم الحمر الإنسية تغليباً للحظر، وجاء النص على تحريمها بخلاف الخيل، فقد ذبحوا على عهد النبي ﵊ فرساً فأكلوه، فالخيل يؤكل، كونه امتنّ بركوبه ولم يمتن بأكله مما يستدل به بعض من يرى تحريم لحوم الخيل، أن الله -جل وعلا- امتن بركوب الخيل، ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ [(٨) سورة النحل] فامتن بركوبها ولو كانت مأكولة لامتن بأكلها، نقول: ذبحوا فرساً على عهد النبي ﵊ فأكلوه، والامتنان في الركوب قد يكون أهم من الامتنان بالأكل، في آخر صفحة من سورة يس ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ* وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [(٧١ - ٧٢) سورة يس] ذكر الركوب قبل الأكل، ليس في هذا دليل على تحريم لحوم الخيل، وتعرفون يا إخوان المسائل تحتاج إلى تشقيق وتفريع؛ لكن الوقت ما يمكن.
"وكل ذي نابٍ من السباع" كل شيء له ناب يحرم بهذا الدليل، هذه قاعدة عامة تنظر، هذا السبع انظر إن كان له ناب اتركه وإلا فكله، يستثنى من هذا ما يقال عن الضبع أن له ناب، وهو حلال لأن الصحابة أفتوا بأنه يفدى، له جزاء إذا صاده المحرم، فدل على أنه حلال، "وكل ذي مخلبٍ من الطير" أيضاً الطيور إذا صيدت ينظر فيها هل لها مخلب إن لها مخلب تترك وإلا فتؤكل، وأهل العلم يختلفون في الأصل، الأصل في الأطعمة هل هي الحل أو الحرمة؟ ما الأصل في الأطعمة هل هي الحل أو الحرمة؟ كل على مذهبه، منهم من يقول: الحلال ما أحله الله، ومنهم من يقول: الحرام ما حرمه الله، وكل على مذهبه، وفائدة الخلاف إذا وجدت شيئاً في البر، إما نبات هل تقدم على أكله من غير دليل أو تأكل منه حتى يرد دليل منع؟ دويبة مثلاً وجدتها في البر تأكلها وإلا تتركها؟ إن كان الأصل عندك الحل فكل، إذا كان الأصل عندك الحظر لا تأكل إلا بدليل، وكل على أصله في هذا.
стр. 243
الحديث الثالث والستون: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال)) [رواه البخاري].
стр. 244
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال)) وذلك أن الله -جل وعلا- خلق الخلق من بني آدم وجعلهم صنفين، صنف ذكور وصنف إناث، وجعل لكل صنفٍ ما يناسبه، ما يناسب تركيبه من الأعمال والحركات واللبس وغير ذلك مما يتميز به كل صنفٍ عن الآخر، فمن تشبه بالصنف الآخر فيما هو من خصائصه دخل في هذا الوعيد الشديد، وهو اللعن، ويراد به الطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى، فإذا تشبه الرجل بالمرأة فيما هو من خصائصها، أو تشبهت المرأة بالرجل فيما هو من خصائصه وما يوافق طبعه وتركيبه دخل في هذا الوعيد الشديد؛ لكن هناك أمور مشتركة بين الرجال والنساء، في المآكل والمشارب والمساكن الأمر المشترك لا يدخل في هذا؛ لكن ما يختص بالنساء لا يجوز بحال للرجل أن يتشبه بالمرأة، وما يختص به الرجال لا يجوز للمرأة أن تتشبه بالرجال وهكذا، من ذلكم ما يتعلق بالمنطق والمشية والهيئة واللباس وما أشبه ذلك، وذلكم أن المرأة خلقت من ضلع، والرجل أكمل منها في كثيرٍ من الأوصاف هي بحاجة إلى أن تكمل هذا النقص في الزينة ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [(١٨) سورة الزخرف] هذا الأصل في المرأة؛ لكن الرجل لأن الله كمله بالخصال وبالمزايا والسجايا التي فاق بها المرأة من غير ظلمٍ للمرأة؛ لأن الله -جل وعلا- جعل فيها من الخصائص ما يناسب فطرتها، وما يناسب ما وكل لها من أعمال، لم يجعل لها من القوة قوة البدن بحيث تزاول من الأعمال ما يزاوله الرجال، ولم يجعل في الرجل من الضعف في الخلق والخُلق ما يجعله يزاول أعمال النساء، فإذا زاولت المرأة أعمال الرجال خرجت عن الفطرة التي فطرت عليها، وإذا هبط الرجل إلى المستوى الذي جبل عليه النساء فزاول أعمال النساء أيضاً تشبه بالنساء، قد يقول قائل: إن تشبه النساء بالرجال من باب تحصيل الكمال، فماذا يقال عن تشبه بعض الرجال بالنساء؟
وليس عجيباً أن النساء ترجلت ... ولكن تأنيث الرجال عجيب
стр. 245
يعني يوجد مع الأسف الشديد بل في أوساط المسلمين من إذا رأيته لا تجد أدنى فرق بينه وبين المرأة، حتى أنه وجد في بعض المجتمعات الإسلامية من يستعمل بعض الهرمونات التي تبرز الثدي، وهو ذكر خلقه الله ذكراً، كمله وشرفه، وقد كمل من الرجال كثير لكن وجد مثل هؤلاء مع الأسف الشديد.
وعلى كل حال إذا تشبهت المرأة بما يختص به الرجال دخلت في اللعن، وإذا تشبه الرجل بما تختص به النساء دخل في هذا الوعيد، فلنكن على حذر، وإذا كان التشبه تشبه الرجل بالمرأة من المسلمين والمرأة المسلمة بالرجل من الرجال يدخل في هذا اللعن وهو حرام بل كبيرة من كبائر الذنوب فكيف بالتشبه بأعداء المسلمين؟! بأعداء الله وأعداء دينه من الكفار، ومع الأسف أننا نجد بعض المسلمين من يحاكي الكفار في جميع تصرفاته، بل يوجد في بعض المجتمعات الإسلامية بعض البلدان إذا دخلتها لا تفرق بينها وبين بلاد الكفار، وهذا من استحكام الغربة التي نعيشها، والله المستعان، ((لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضبٍ لدخلتموه)) فلنحذر من هذا أشد الحذر، يوجد في نساء المسلمين من يتشبه بالكافرات والفاجرات، وقصور الأفراح تعجّ بمثل هذه الصنوف المؤذية القذرة من التشبه، نسأل الله السلامة والعافية، وكل هذا شعور بالنقص، وإلا فلو اعتزّ المسلم بدينه ذكراً كان أو أنثى لكان في غنية عن مثل هذه التصرفات التي تحطّ من قيمته في الدنيا قبل الآخرة، وأما في الآخرة فله هذا الوعيد، والله المستعان.
الحديث الرابع والستون: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما أنزل الله دَاءً إلا أنزل له شفاءً)) [رواه البخاري].
стр. 246
هذا الحديث الصحيح عن أبي هريرة: ((ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاء)) له شفاء بلا شك؛ لكن قد يعلمه بعض الناس، وقد يجهله أكثر الناس، ((علمه من علمه وجهله من جهله)) ولذا لا ييأس من أصيب بأي مرضٍ كان من الشفاء، فإذا توكل على الله -جل وعلا-، وسأله بصدق أن يشفيه من هذا المرض، ورقى نفسه بالرقية الشرعية المعروفة بشروطها شفاه الله وعافاه، والله -جل وعلا- يقول: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ﴾ [(٨٢) سورة الإسراء] (من القرآن) من أهل العلم من يقول: أن (من) هذه بيانية، فالقرآن كله شفاء، ومنهم من يقول: أن (من) هذه تبعيضية، فمن القرآن ما هو أحكام، ومنه ما هو عبر ومواعظ، ومنه ما هو قصص وأخبار، ومنها ما هو شفاء، وهذا القول قال به جمع من أهل العلم فتكون (من) تبعيضية، والقول الآخر أن كله شفاء، علينا أن تستشفي بالقرآن، ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء﴾ [(٤٤) سورة فصلت] فإذا حقق الإنسان الوصف واستشفى بالقرآن معتقداً أن الشفاء بيد الله -جل وعلا-، وأنه لا شافي إلا هو ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [(٨٠) سورة الشعراء] وإن باشر بعض الأسباب العادية التي اضطرد نفعها فلا بأس، ((تداووا عباد الله، ولا تتداووا بحرام)) فلا ييأس المريض بأي مرضٍ كان حتى المرض الخبيث السرطان هذا الحديث يتناوله، ((ما أنزل الله داءً)) نكرة في سياق النفي تعمّ جميع الأدواء وجميع الأمراض، حتى السرطان؛ لكن كونه يخفى على كثيرٍ من الناس هذا شأنه شأن جميع ما من شأنه أن يعلم، جميع ما من شأنه أن يُعلم يكون علمه عند بعض الناس دون بعض، وقد يخفى على كثيرٍ من الناس، وقد يحجب عنه أكثر الناس، ويفتح الله على يد بعض خلقه فتحاً ينفع به الله -جل وعلا- خلقه، ومنه هذا المرض، فعلينا أن نستشفي بالقرآن، وأن نلجأ إلى الله -جل وعلا-، ونصدق اللجأ فهو كاشف الكروب، وهو مزيل الهموم، وإذا باشرنا بعض الأسباب من غير اعتمادٍ عليها، نعلم أن الشفاء بيد الله -جل وعلا-، وهو المسبب، وأن هذه الأدوية والعقاقير هي مجرد أسباب قد تنفع، يترتب عليها آثارها، وقد تتخلف كغيرها من الأسباب، وقد يوفق الطبيب لفحص المرض بدقة، ووصف
стр. 247
العلاج النافع، وقد لا يوفق، يهمّ كغيره، حتى صاحب العلم الشرعي قد يهم في بعض المسائل، ويفتي بخلاف الحق، وقد يقضي بخلاف الحق؛ لأن الكل بشر، والله المستعان، ونعنى بالعلاج النبوي والطب النبوي الذي صح عن النبي ﵊، مثل الحبة السوداء، والعسل والعود الهندي وغيرها، هذه ثبتت آثارها، ثبتت الأخبار بها عن المعصوم ﵊، وكتاب الطب النبوي لابن القيم حافل بمثل هذه الأدوية، وكثير من الأدوية تجريبية ثبت نفعها بالتجربة، والعلاج من المرض يختلف فيه أهل العلم، منهم من يقول: هو أفضل من تركه، ومنهم من يرى أن التسليم لله -جل وعلا- والاعتماد عليه أدخل في التوكل وأقوى فهو أفضل.
وعلى كل حال يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "لا أعلم سالفاً أوجب العلاج" لا أعلم سالفاً يعني أحداً من السلف أوجب العلاج، وعلى هذا لا يلام من رفض أن يذهب إلى الأطباء، ولو غلب على الظن أنه يشفى على يديهم، على كل حال إذا صبر واحتسب، وحديث السبعين الألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عقاب معروف، فيه: ((ولا يسترقون)) لا يطلبون من يرقيهم، ((ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون)) لا يباشرون هذه الأسباب مع أنها شرعية ومباحة، ولا خلاف في جوازها إلا أن من عظم توكله كان أفضل ممن مباشرة هذه الأسباب، اللهم إلا إذا ترتب على هذا التوكل أمور تخدش التوكل يعني شخص لا يراجع الأطباء، ولا يدخل المستشفيات؛ لكن من عاده في البيت يقول: أبشركم أنا لا أروح إلى الأطباء ولا أبي مستشفيات، وأنا ارتباطي بالله وثقتي به، لا يا أخي أنت تروح المستشفيات أسهل من كلامك هذا، إذا كان يشتكي إلى المخلوقين والله المستعان.
الحديث الخامس والستون: عن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الرؤيا الصالحة من الله، والحُلْم من الشيطان، فإذا رأى أحدُكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب، وإذا رأى ما يكره فليتعوَّذ بالله من شرها ومن شر الشيطان، ولْيَتْفُلْ ثلاثاً، ولا يحدث بها أحداً، فإنها لن تضره)) [متفق عليه].
стр. 248
في هذا الحديث الصحيح عن أبي قتادة الحارث بن ربعي يقول ﵊: ((الرؤيا الصالحة من الله)) الرؤيا الصالحة الصادقة من الله -جل وعلا-، وأول من بدئ به النبي ﵊ الرؤيا الصادقة في النوم تأتي مطابقة للواقع، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، والرؤى أو ما يراه النائم إن كان مرتباً منتظماً واضحاً يحث على خير، أو يكف عن شر فهذه رؤية صالحة، أما إذا كانت مختلطة مخيفة، أو لا يدرى ما أولها من آخرها، فهي من تلاعب الشيطان، لا قيمة لها، فالصالحة هذه يطلب تعبيرها، ويرجى تحققها بخلاف الأضغاث مثل هذه علاجها ما جاء في هذا الحديث، ((فليتعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان وليتفل ثلاثاً)) هذا العلاج، وحينئذٍ يكون لا أثر لها، ومع الأسف أنه ظهر الأيام الأخيرة من يعبر كل شيء، يعبر الرؤى ويعبر الأضغاث، واختبر بأمورٍ لم تُر فعبرها، واختبر بأمور ما رآها أحد، اختبره بعض الناس فعبر ما عنده مشكلة، ولا شك أن الاسترسال في مثل هذا غير محمود، لا شك أن المختبر ارتكب محرماً؛ لأنه كذب وادعى رؤيا لم تحصل له، وهذا كذب نسأل الله العافية، والكذب في الرؤيا أمره شديد، كلف أن يعقد بين شعيرتين؛ لكن أيضاً هذا الذي يعبر كل شيء لا يأمن الزلل والخطأ فعلى الإنسان أن يتورع ويتحرى ويتثبت، والله المستعان.
стр. 249
((الرؤيا الصالحة من الله)) مصدرها من الله -جل وعلا- لتثبيت المؤمن وحثه على الازدياد من الخير والكف عن بعض ما يضره، وقد يرى ما فيه بشرى له أو لغيره، وقد يرى ما فيه تحذير له أو لغيره، فينتفع بهذه الرؤيا وينتفع بها غيره، وأما الحلم فهو من الشيطان، مصدره من الشيطان الذي يريد أن يغيض المسلم، فإذا رأى أحدكم ما يحب من الرؤيا الصالحة فلا يحدث به إلا من يحب، لا يعرض هذه الرؤيا إلا على محبٍ مشفقٍ ناصح؛ لأن غيره لا يؤمن في أن يحرف هذه الرؤيا بتأويلها التأويل الخاطئ أو يسعى لعدم تحققها، وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها، ومن شر الشيطان الذي هو مصدرها، (من شرها) يعني من شر أثرها عليه، ومن شر مصدرها، وليتفل، ينفث عن يساره ثلاثاً، ولا يحدث بها أحداً؛ لئلا يفرح العدو ويغتاظ الصديق، وقد تؤول له، والرؤيا إذا أولت يخشى من وقوعها، وحينئذٍ لا تضره، ولا يكون لها أثر، بعض الناس قد يرتب عليها أحكام شرعية، والدين -ولله الحمد- كامل، كمل في حياته ﵊ قبل وفاته ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [(٣) سورة المائدة] وبعض الناس يستدل ببعض الأحاديث التي ثبت فيها أحكام كحديث الأذان مثلاً، حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه لما رأى قال: طاف بي وأنا نائم رجل فقال تقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر ... إلى آخر الأذان، وكذلك عمر رأى هذه الرؤيا، هذه الرؤيا اكتسبت الشرعية من إقرار النبي ﷺ ، وبعض الناس يستدل يتوسع إذا رأى فلان أو فلان سأله عن حكم شرعي، وأثبت به الحكم، وبعضهم يصحح ويضعف من خلال الرؤى، وأسوأ من هذا من يصحح ويضعف بالمكاشفة، كما يحصل لبعض المنحرفين، والدين كامل شامل ليس بحاجة إلى مزيد من أحد.
الحديث السادس والستون: عن علي بن الحسين ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حُسْن إسلام المرء تَرْكُه ما لا يَعنيه)) [رواه مالك وأحمد، ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة، ورواه الترمذي عن علي بن الحسين وعن أبي هريرة].
стр. 250
في هذا الحديث المخرج في الموطأ والمسند والسنن وغيرها من دواوين الإسلام، ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) عن علي بن الحسين قال: قال رسول الله ﷺ هذا عند أهل العلم مرسل؛ لأن علي بن الحسين تابعي، وما يرفعه التابعي إلى النبي ﵊ يسمونه مرسلاً.
مرفوع تابع على المشهورِ ... ومرسل أو قيده بالكبيرِ
والمرسل عند الجمهور ضعيف، احتج به مالك وأبو حنيفة، ورده جماهير العلماء، رده جمهور العلماء للجهل بالساقط، احتمال أن يكون علي بن الحسين رواه عن تابعي آخر، وهذا التابعي الآخر احتمال أن يكون ضعيفاً، هذه حجة من رد المراسيل.
احتج مالك كذا النعمانُ ... به وتابعوهما ودانوا
ورده جماهر النقادِ ... للجهل بالساقط في الإسنادِ
وصاحب التمهيد عنهم نقلا ... ومسلم صدر الكتاب أصلا
المقصود أن الذي استقر عليه القول عند أهل العلم رد المراسيل، وهذا منهم، إلا أنه مروي عند الترمذي من حديث أبي هريرة فهو موصول، وحينئذٍ يكون فيه تعارض الوصل مع الإرسال، والمسألة خلافية بين أهل العلم، هل يقبل يرجح المرسل أو الموصول، أو الأكثر أو الأحفظ، أو ما ترجحه القرائن؟ هذه مسألة لا نطيل في ذكرها، وعلى كل حال معنى الحديث صحيح، معناه صحيح، ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) لأن الاشتغال بما لا يعني أقل الأحوال أن يصرف عن عملٍ مشروع، يعني كون الإنسان يتدخل في أمور لا تعنيه، فلان فعل كذا، وفلان صنع كذا، وفلان بنى بيت بكذا، وطلع من بيته كذا، وش يعني كلامه؟ هي مجرد أخبار؛ لكن إذا تضمن هذا التدخل محض النصيحة لغيره دخل في حديث الدين النصيحة؛ لكن إذا لم يترتب عليه فائدة أقل الأحوال أن ينشغل به عما يعنيه، وهذا لا شك أنه من الفضول.
الحديث السابع والستون: عن أيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: ((ما نَحل والدٌ ولدّه من نحْل أفضل من أدب حسَن)) [رواه الترمذي].
هذا الحديث عند الترمذي.
طالب: عفا الله عنك يقول: ضعيف، أخرجه الترمذي في سننه في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في أدب الولد، وأحمد في المسند.
هو هذا. . . . . . . . . أنه ضعيف.
следующие страницы →