Полный текст (301 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
هذا الحديث الصحيح عن أبي هريرة: ((ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاء)) له شفاء بلا شك؛ لكن قد يعلمه بعض الناس، وقد يجهله أكثر الناس، ((علمه من علمه وجهله من جهله)) ولذا لا ييأس من أصيب بأي مرضٍ كان من الشفاء، فإذا توكل على الله -جل وعلا-، وسأله بصدق أن يشفيه من هذا المرض، ورقى نفسه بالرقية الشرعية المعروفة بشروطها شفاه الله وعافاه، والله -جل وعلا- يقول: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ﴾ [(٨٢) سورة الإسراء] (من القرآن) من أهل العلم من يقول: أن (من) هذه بيانية، فالقرآن كله شفاء، ومنهم من يقول: أن (من) هذه تبعيضية، فمن القرآن ما هو أحكام، ومنه ما هو عبر ومواعظ، ومنه ما هو قصص وأخبار، ومنها ما هو شفاء، وهذا القول قال به جمع من أهل العلم فتكون (من) تبعيضية، والقول الآخر أن كله شفاء، علينا أن تستشفي بالقرآن، ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء﴾ [(٤٤) سورة فصلت] فإذا حقق الإنسان الوصف واستشفى بالقرآن معتقداً أن الشفاء بيد الله -جل وعلا-، وأنه لا شافي إلا هو ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [(٨٠) سورة الشعراء] وإن باشر بعض الأسباب العادية التي اضطرد نفعها فلا بأس، ((تداووا عباد الله، ولا تتداووا بحرام)) فلا ييأس المريض بأي مرضٍ كان حتى المرض الخبيث السرطان هذا الحديث يتناوله، ((ما أنزل الله داءً)) نكرة في سياق النفي تعمّ جميع الأدواء وجميع الأمراض، حتى السرطان؛ لكن كونه يخفى على كثيرٍ من الناس هذا شأنه شأن جميع ما من شأنه أن يعلم، جميع ما من شأنه أن يُعلم يكون علمه عند بعض الناس دون بعض، وقد يخفى على كثيرٍ من الناس، وقد يحجب عنه أكثر الناس، ويفتح الله على يد بعض خلقه فتحاً ينفع به الله -جل وعلا- خلقه، ومنه هذا المرض، فعلينا أن نستشفي بالقرآن، وأن نلجأ إلى الله -جل وعلا-، ونصدق اللجأ فهو كاشف الكروب، وهو مزيل الهموم، وإذا باشرنا بعض الأسباب من غير اعتمادٍ عليها، نعلم أن الشفاء بيد الله -جل وعلا-، وهو المسبب، وأن هذه الأدوية والعقاقير هي مجرد أسباب قد تنفع، يترتب عليها آثارها، وقد تتخلف كغيرها من الأسباب، وقد يوفق الطبيب لفحص المرض بدقة، ووصف
стр. 247
العلاج النافع، وقد لا يوفق، يهمّ كغيره، حتى صاحب العلم الشرعي قد يهم في بعض المسائل، ويفتي بخلاف الحق، وقد يقضي بخلاف الحق؛ لأن الكل بشر، والله المستعان، ونعنى بالعلاج النبوي والطب النبوي الذي صح عن النبي ﵊، مثل الحبة السوداء، والعسل والعود الهندي وغيرها، هذه ثبتت آثارها، ثبتت الأخبار بها عن المعصوم ﵊، وكتاب الطب النبوي لابن القيم حافل بمثل هذه الأدوية، وكثير من الأدوية تجريبية ثبت نفعها بالتجربة، والعلاج من المرض يختلف فيه أهل العلم، منهم من يقول: هو أفضل من تركه، ومنهم من يرى أن التسليم لله -جل وعلا- والاعتماد عليه أدخل في التوكل وأقوى فهو أفضل.
وعلى كل حال يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "لا أعلم سالفاً أوجب العلاج" لا أعلم سالفاً يعني أحداً من السلف أوجب العلاج، وعلى هذا لا يلام من رفض أن يذهب إلى الأطباء، ولو غلب على الظن أنه يشفى على يديهم، على كل حال إذا صبر واحتسب، وحديث السبعين الألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عقاب معروف، فيه: ((ولا يسترقون)) لا يطلبون من يرقيهم، ((ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون)) لا يباشرون هذه الأسباب مع أنها شرعية ومباحة، ولا خلاف في جوازها إلا أن من عظم توكله كان أفضل ممن مباشرة هذه الأسباب، اللهم إلا إذا ترتب على هذا التوكل أمور تخدش التوكل يعني شخص لا يراجع الأطباء، ولا يدخل المستشفيات؛ لكن من عاده في البيت يقول: أبشركم أنا لا أروح إلى الأطباء ولا أبي مستشفيات، وأنا ارتباطي بالله وثقتي به، لا يا أخي أنت تروح المستشفيات أسهل من كلامك هذا، إذا كان يشتكي إلى المخلوقين والله المستعان.
الحديث الخامس والستون: عن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الرؤيا الصالحة من الله، والحُلْم من الشيطان، فإذا رأى أحدُكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب، وإذا رأى ما يكره فليتعوَّذ بالله من شرها ومن شر الشيطان، ولْيَتْفُلْ ثلاثاً، ولا يحدث بها أحداً، فإنها لن تضره)) [متفق عليه].
стр. 248
في هذا الحديث الصحيح عن أبي قتادة الحارث بن ربعي يقول ﵊: ((الرؤيا الصالحة من الله)) الرؤيا الصالحة الصادقة من الله -جل وعلا-، وأول من بدئ به النبي ﵊ الرؤيا الصادقة في النوم تأتي مطابقة للواقع، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، والرؤى أو ما يراه النائم إن كان مرتباً منتظماً واضحاً يحث على خير، أو يكف عن شر فهذه رؤية صالحة، أما إذا كانت مختلطة مخيفة، أو لا يدرى ما أولها من آخرها، فهي من تلاعب الشيطان، لا قيمة لها، فالصالحة هذه يطلب تعبيرها، ويرجى تحققها بخلاف الأضغاث مثل هذه علاجها ما جاء في هذا الحديث، ((فليتعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان وليتفل ثلاثاً)) هذا العلاج، وحينئذٍ يكون لا أثر لها، ومع الأسف أنه ظهر الأيام الأخيرة من يعبر كل شيء، يعبر الرؤى ويعبر الأضغاث، واختبر بأمورٍ لم تُر فعبرها، واختبر بأمور ما رآها أحد، اختبره بعض الناس فعبر ما عنده مشكلة، ولا شك أن الاسترسال في مثل هذا غير محمود، لا شك أن المختبر ارتكب محرماً؛ لأنه كذب وادعى رؤيا لم تحصل له، وهذا كذب نسأل الله العافية، والكذب في الرؤيا أمره شديد، كلف أن يعقد بين شعيرتين؛ لكن أيضاً هذا الذي يعبر كل شيء لا يأمن الزلل والخطأ فعلى الإنسان أن يتورع ويتحرى ويتثبت، والله المستعان.
стр. 249
((الرؤيا الصالحة من الله)) مصدرها من الله -جل وعلا- لتثبيت المؤمن وحثه على الازدياد من الخير والكف عن بعض ما يضره، وقد يرى ما فيه بشرى له أو لغيره، وقد يرى ما فيه تحذير له أو لغيره، فينتفع بهذه الرؤيا وينتفع بها غيره، وأما الحلم فهو من الشيطان، مصدره من الشيطان الذي يريد أن يغيض المسلم، فإذا رأى أحدكم ما يحب من الرؤيا الصالحة فلا يحدث به إلا من يحب، لا يعرض هذه الرؤيا إلا على محبٍ مشفقٍ ناصح؛ لأن غيره لا يؤمن في أن يحرف هذه الرؤيا بتأويلها التأويل الخاطئ أو يسعى لعدم تحققها، وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها، ومن شر الشيطان الذي هو مصدرها، (من شرها) يعني من شر أثرها عليه، ومن شر مصدرها، وليتفل، ينفث عن يساره ثلاثاً، ولا يحدث بها أحداً؛ لئلا يفرح العدو ويغتاظ الصديق، وقد تؤول له، والرؤيا إذا أولت يخشى من وقوعها، وحينئذٍ لا تضره، ولا يكون لها أثر، بعض الناس قد يرتب عليها أحكام شرعية، والدين -ولله الحمد- كامل، كمل في حياته ﵊ قبل وفاته ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [(٣) سورة المائدة] وبعض الناس يستدل ببعض الأحاديث التي ثبت فيها أحكام كحديث الأذان مثلاً، حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه لما رأى قال: طاف بي وأنا نائم رجل فقال تقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر ... إلى آخر الأذان، وكذلك عمر رأى هذه الرؤيا، هذه الرؤيا اكتسبت الشرعية من إقرار النبي ﷺ ، وبعض الناس يستدل يتوسع إذا رأى فلان أو فلان سأله عن حكم شرعي، وأثبت به الحكم، وبعضهم يصحح ويضعف من خلال الرؤى، وأسوأ من هذا من يصحح ويضعف بالمكاشفة، كما يحصل لبعض المنحرفين، والدين كامل شامل ليس بحاجة إلى مزيد من أحد.
الحديث السادس والستون: عن علي بن الحسين ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حُسْن إسلام المرء تَرْكُه ما لا يَعنيه)) [رواه مالك وأحمد، ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة، ورواه الترمذي عن علي بن الحسين وعن أبي هريرة].
стр. 250
في هذا الحديث المخرج في الموطأ والمسند والسنن وغيرها من دواوين الإسلام، ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) عن علي بن الحسين قال: قال رسول الله ﷺ هذا عند أهل العلم مرسل؛ لأن علي بن الحسين تابعي، وما يرفعه التابعي إلى النبي ﵊ يسمونه مرسلاً.
مرفوع تابع على المشهورِ ... ومرسل أو قيده بالكبيرِ
والمرسل عند الجمهور ضعيف، احتج به مالك وأبو حنيفة، ورده جماهير العلماء، رده جمهور العلماء للجهل بالساقط، احتمال أن يكون علي بن الحسين رواه عن تابعي آخر، وهذا التابعي الآخر احتمال أن يكون ضعيفاً، هذه حجة من رد المراسيل.
احتج مالك كذا النعمانُ ... به وتابعوهما ودانوا
ورده جماهر النقادِ ... للجهل بالساقط في الإسنادِ
وصاحب التمهيد عنهم نقلا ... ومسلم صدر الكتاب أصلا
المقصود أن الذي استقر عليه القول عند أهل العلم رد المراسيل، وهذا منهم، إلا أنه مروي عند الترمذي من حديث أبي هريرة فهو موصول، وحينئذٍ يكون فيه تعارض الوصل مع الإرسال، والمسألة خلافية بين أهل العلم، هل يقبل يرجح المرسل أو الموصول، أو الأكثر أو الأحفظ، أو ما ترجحه القرائن؟ هذه مسألة لا نطيل في ذكرها، وعلى كل حال معنى الحديث صحيح، معناه صحيح، ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) لأن الاشتغال بما لا يعني أقل الأحوال أن يصرف عن عملٍ مشروع، يعني كون الإنسان يتدخل في أمور لا تعنيه، فلان فعل كذا، وفلان صنع كذا، وفلان بنى بيت بكذا، وطلع من بيته كذا، وش يعني كلامه؟ هي مجرد أخبار؛ لكن إذا تضمن هذا التدخل محض النصيحة لغيره دخل في حديث الدين النصيحة؛ لكن إذا لم يترتب عليه فائدة أقل الأحوال أن ينشغل به عما يعنيه، وهذا لا شك أنه من الفضول.
الحديث السابع والستون: عن أيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: ((ما نَحل والدٌ ولدّه من نحْل أفضل من أدب حسَن)) [رواه الترمذي].
هذا الحديث عند الترمذي.
طالب: عفا الله عنك يقول: ضعيف، أخرجه الترمذي في سننه في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في أدب الولد، وأحمد في المسند.
هو هذا. . . . . . . . . أنه ضعيف.
стр. 251
طالب: يقول هنا يا شيخ قال على الترمذي هذا عندي حديث مرسل.
على كل حال الحديث ضعيف، الحديث ضعيف ولا شك أن تربية الأولاد على الدين الحق، والمنهج الصحيح من خير ما يهدى إليهم، ويقدم إليهم، يعني من حيث المعنى معناه صحيح، ((ما نحل والد ولده من نحلٍ أفضل من أدبٍ حسن)) كونه يربي ولده ويؤدبه على الأدب الشرعي باحترام الكبير، احترام أوامر الله -جل وعلا- وأوامر رسوله ويؤدبه الأدب الشرعي لا شك أن هذا من أولى ما يقدم ويهدى ويعطى للولد، وكل من المسلمين يود أن يكون ولده مؤدباً متخلقاً بالأخلاق الفاضلة، مجتنباً للأخلاق الرذيلة السافلة، كل يتمنى هذا لكن كثير من الناس يتقاعس إذا جاء العمل والتطبيق، قد يحمله الشفقة على ولده إلى أن يترك أدبه حتى يفلت من يديه ويكون وبالاً عليه وعلى مجتمعه وعلى أمته وهذه الشفقة أبداً ليست شرعية، هذه الشفقة التي تحمل على الإهمال ليست شرعية، وليست التربية تربية البدن أو تربية ما يؤمن المستقبل كما يقال، تجد الإنسان يحرص على الدراسة لولده، فإذا تخلف عن الدراسة يوماً أو عن المذاكرة أو عن حل الواجبات أو عن القيام بالوظائف يغضب غضباً شديداً؛ لكن أين هذا الرجل من الاهتمام بصلاة الفجر لولده؟ هل هذا بالله عليكم أدب حسن؟ لا والله، ومثل هذا لن يوفق إذا عني بأمور دنياه، وأهمل أمور دينه، مثل هذا لن يوفق وشواهد الأحوال كثيرة، إلا إذا تداركه الله -جل وعلا- بلطفٍ، ومنّ عليه بتوبةٍ نصوح.
الحديث الثامن والستون: عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكِير، فحامل المسك إما أن يَحْذِيَك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة)) [متفق عليه].
стр. 252
هذا الحديث حديث أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثل الجليس الصالح والجليس السوء)) الناس صنفان إما صالح وإما سيء، الجليس الصالح له مثل، والجليس السيء والسوء له مثل، فمثل الجليس الصالح كحامل المسك، ومثل الجليس السوء كنافخ الكير، وهذا من اللف والنشر المرتب، ولك الخيار، هل تريد أن تجلس عند حامل المسك أو عند نافخ كير؟ لا شك أن كل ذي عقلٍ سوي يفضل حامل المسك، ويبتعد عن نافخ الكير؛ لأنه الجو حار، والشرارة متطاير يحرق الثياب، والرائحة كريهة، والدخان يزكم الأنوف، ومن كل وجه، وأما حامل المسك فخير على خير، أقل الأحوال أن تبتاع منه شيئاً يسرك؛ لأن مما يسر في هذه الدنيا الطيب، وقد حبب إلى النبي ﵊ من الدنيا النساء والطيب، فحامل المسك إما أن يحذيك، إما أن يعطيك هدية، وإما أن تبتاع منه بالمقابل دراهم، وأقل الأحوال أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق الثياب من هذا الشرر المتطاير، وقد يخلص هذا الشرر إلى الجلد فيحرقه، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة، لن تسلم، وهكذا الجلساء، ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [(٢٨) سورة الكهف] هؤلاء هم الجلساء الصالحون، مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، أهل الذكر أهل الفضل أهل الخير أهل الاستقامة الذين أقل أحوالك أن لا تزاول ما يغضب الله في مدة مكثك معهم، هذا أقل الأحوال، وإذا ذكروا الله وذكرت الله معهم، إذا نسيت عن شيءٍ وغفلت عنه ذكروك هؤلاء خير على خير، بخلاف الجليس السيء الذين إن أردت عملاً صالحاً ثبطك، وإذا ذكرت الله -جل وعلا- صرفك، فمثل هذا يبتعد عنه، والإنسان يحرص على ما ينفعه في أمور دينه ودنياه، فالجليس السيء لن يقدم إلا ما يضر في الدين والدينا، والجليس الصالح يقدم لك ما ينفعك، والجليس الصالح والأمر بمجالسته من متطلبات الجنة، والجليس السيء الذي تغفل بسببه عن ذكر الله، وعن طاعة الله، وقد تقع في بعض المحرمات من متطلبات أو من دواعي وأسباب النار، والجنة حفت بالمكاره،
стр. 253
والنار حفت بالشهوات، ولذا تجد بعض الأخيار وهو محسوب على طلاب العلم، تجده يأنس بفلان، يقول: فلان ما شاء الله خفيف، طيب المعشر، لماذا صار طيب المعشر؟ لأنه يقدم لك ما تشتهيه وتحبه، ويؤيدك في كل ما تقول وما تفعل، وإن كان خطأ، هذا خفيف ما شاء الله؛ لكن العاقبة؟ الجنة حفت بالمكاره، تجد بعض الناس نعم صالح وطيب وذكر، وحث على الخير؛ لكن ثقيل على كثيرٍ من النفوس، وهذا يحسه الإنسان من نفسه، نسأل الله العفو والمسامحة، إذا جاك واحد وهو من خيار الناس صارت الجلسة رسمية على الكلام، رسمية يا أخي الواحد ما يقدر يستأنس ولا ينبسط، لا شك أن هذه الأمور تحتاج إلى علاج، هذا خلل، خلل بلا شك، يعني أنت تأنس بمن يضحكك والذي يدلك على الخير تقول: جلسة رسمية، هذا واقع كثير من الناس الله يعفو ويسامح، فلنحرص على من يدلنا على الخير، ويكفنا عن الشر، ويقدم لنا ما ينفعنا في ديننا ودنيانا، أما أهل الهزل وأهل المجون وأهل الفكاهة لا ينفعونا بشيء، ويبقى أن الدين -ولله الحمد- ترك لنا فرصة، يعني ديننا فيه فسحة، النبي ﵊ يمزح لكنه لا يقول إلا حقاً، فإذا تخلل الجلسات الطيبة النافعة المفيدة شيء من المرح والمزح الخفيف هذا لا بأس به، لا يضيق به ديننا -ولله الحمد- والمنة، على ألا نكذب، ولا نقول إلا حق، ولا نتعدى على غيرنا، ولا يدخل في كلامنا شيء مما يستلذ ويطاب من الاستطالة في أعراض الناس، والله المستعان.
الحديث التاسع والستون: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يُلْدَغ المؤمن من جُحْرٍ واحدٍ مرتين)) [متفق عليه].
стр. 254
نعم هذا الحديث تمثيلي، هذا مثال محسوس لأمور معقولة، كل أمر أوقعك في ما لا تحب لا تعد إليه مرة ثانية، أبداً، وكل تصرف أوصلك إلى ما لا يرضي الله -جل وعلا- دعه واتركه، ولذا قال النبي ﵊ لا يلدغ المؤمن من جحرٍ واحد مرتين، نعم أدخل يده في الجحر يريد شيئاً ينفعه فإذا فيه حية، هل يمكن أن يدخل يده مرة ثانية في الجحر نفسه؟ ما يمكن، وهكذا، إذا ذهبت إلى مكان وجدت فيه ما يسوؤك، هذا لا تعد إليه مرة ثانية، وجدت فيه ما يعوقك عن خير الدنيا والآخرة لا ترجع إليه مرة ثانية، فينبغي أن يكون المؤمن كيّساً فطناً حذراً غاية الحذر، ما هو يستدرج مرة ويقع في ورطة ثم يستدرج ثانية بنفس الأسلوب ونفس الطريقة ويوافق ويروح ويقع في هلكة، ويستدرج ثالثة هذا تغفيل، فعلى المسلم أن يكون فطناً لهذه الأمور، ويحرص على ما ينفعه.
الحديث السبعون: عن أبي ذر الغِفاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا أبا ذَرٍّ، لا عقل كالتدبير، ولا وَرَع كالكفّ، ولا حَسَبَ كحُسْن الخلق)) [رواه البيهقي في شعب الإيمان].
стр. 255
وهذا أيضاً حديث أبي ذر جندب بن جنادة حديث فيه كلام لأهل العلم والمرجح ضعفه أيضاً، ((لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حسب كحسن الخلق)) يعني جمل أشبه ما تكون بالحكم؛ لأنه ضعيف مرفوعاً إلى النبي ﵊، لا عقل كالتدبير، التدبير التخطيط، الآن ما هو على مستوى الدول يقولون: التخطيط أساس التنمية، الإنسان إذا كان موظفاً ومرتبه مناسب متوسط قل: أسرة متوسطة راتبهم خمسة آلاف، إذا رتبت ودبرت هذا الراتب، وقسمت على أيام الشهر في يوم كذا، ميزانية، مثل ميزانية الدولة تجده يستمر إلى آخر الشهر بدون حرج؛ لكن بعض الناس يطلع راتبه اليوم ما تغاب شمس اليوم ما عنده من شيء، ويستمر طول الشهر في حكم الفقراء المعدمين، هل هذا من العقل؟ لا عقل كالتدبير هذه حكمة، فعلى الإنسان أن يوازن أموره، يوضب أموره، يقسم أموره، ويحتاط لنفسه، ويجعل لنوائبه ولضيوفه شيئاً يدخره، ولا يقصر على نفسه ولا يبخل ولا يشح، ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ [(٩) سورة الحشر] فالناس إما إفراط وإما تفريط، بعض الناس وهذه حاصلة واقعة توفي شخص مدرس، درس أربعين سنة من يوم كذا تاريخ كذا إلى وفاته فوجدت رواتبه من أول شهر، راتب كل شهر مربوط بحبل، كل شهر إلى وفاته، بدون نقص ولا هللة في علب كبيرة مكتوب على كل شهر شهره ويدفن في البيت، يوم توفي والله ما نقص شيء أبد، هل هذا تدبير؟ يعيش يتكفف الناس ويسألهم ولا أسرة، ولا تزوج وعايش في بيت حالته حالة، لا كهرب ولا ماء، ما في عنده شيء، والرواتب كل راتب بحبل مكتوب شهر كذا وفي العلبة، ولما توفي وجدوه، يرثه إخوانه وجدوا الرواتب كلها موجودة، ووجدوا عنده هناك عادات إذا تزوج في الأسرة بنت مثلاً يهدى إلى عمها مشلح، بشت، عباءة، ووجدوا هذه البشوت بشناط مركومة أكلتها الأرضة، بعدد بنات الأخوة، هل هذا يقبله عقل؟ بل هل هذا يتصوره عقل؟ وبالمقابل الثاني: الذي ما تغاب الشمس وعنده من راتبه ريال، ولذلك لا بد من التدبير، لا بد من التنظيم، ولا أفضل من التوجيه الإلهي ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ [(٢٩) سورة الإسراء]
стр. 256
ملوم كل يلومك، زملاء اثنين على طرفي نقيض، واحد مبذر وواحد شحيح، المبذر صحيح أنه يستأنس إذا طلع الراتب الأيام اللي حوله، والثاني: صاكٍ على نفسه هذا الشحيح يقول لزميله: والله أنا غابطك مستأنس ومبسوط لا جيت تتسلف تقترض والله أني أرحمك، صحيح هذا واقع كثير من الناس، إما كذا وإما كذا، لكن قلة من الناس الذين لديهم العقل المدبر، تجد أمورهم ماشية، يعني إلى آخر الشهر ما عليه نقص، قد لا يوفر شيء ما يخالف؛ لكن ما يروح يسأل الناس.
((لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف)) لا ورع كالكف، رأيت هذه المادة تدري تأخذها تتركها، هذا جاءك في مسير فيه اسمك، وفيه دارهم مصروفة لك، شاك فيها هل أنت بالفعل عملت مقابل هذا المصروف أو لم تعمل؟ الورع أنك تترك، تكف عن هذا، ولا تؤول نفسك، وتقول: جاء من غير طلب ولا استشراف ولا شيء، هذا غير؛ لأن هذا الذي يأتي في مسير باسمك في مقابل عمل هو مشروط بهذا العمل، لا تقول: جاءني من غير طلب ولا استشراف، لا، هذا يختلف تماماً؛ لأنه مقرون بهذا العمل، فإن كنت قمت بهذا العمل تستحق وإلا فلا، وحينئذٍ الورع الكف.
((ولا حسب كحسن الخلق)) هذا الحسب، هذا الذي يمكن أن يمدح به الشخص، لا يمدح بأنه ابن فلان أو من القبيلة الفلانية أو العلانية وهو ناقص، إنما يمدح بحسن خلقه، وحسن تعامله مع الناس، احترامه للكبار، رحمته للصغار، إنزال الناس منازلهم، تعاملهم مع الناس على قدر عقولهم ومستوياتهم، هذا لا شك أنه هو الذي يمدح به الشخص.
الحديث الحادي والسبعون: عن أبي هريرة ﵁ قال: "جاء رجل، فقال: يا رسول الله، أوصني. فقال: ((لا تغضب)) ثم ردَّدَ مراراً، فقال: ((لا تغضب)) [رواه البخاري].
стр. 257
الغضب خلق ذميم يحمل صاحبه على التصرفات التي إذا عاد إلى رشده ندم عليها، وكم من شخص ملكه الغضب فتصرف تصرفاً أوقعه في حرجٍ طيل حياته، تكلم على شخص بكلمة، اعتدى على آخر بضرب، طلق زوجته، أفسد ماله بسبب الغضب، هذه النصيحة الغالية من النبي ﵊: ((لا تغضب)) ثم ردده مراراً أوصني فقال: ((لا تغضب)) أوصني يا رسول الله، كأنه ما اقتنع بهذه الوصية، يعني لا تغضب وش غيرها؟ فقال: ((لا تغضب)) [رواه البخاري] لأن الإنسان إذا غضب لا شك أنه يفقد التوازن، ويتصرف تصرف يلام عليه، وقد يتصرف تصرفاً يودي بحياته، فما وجد القتل المقتضي للقصاص إلا بسبب الغضب، ما تجد أحد يقتل آخر وهو يضحك، ما يمكن؛ لكن في حال الغضب وحضور الشيطان يحصل القتل، وقل مثل هذا في الاعتداء بالضرب وغيره، فالغضب خلق ذميم، وصفة قبيحة تجر على صاحبها، أو تجر صاحبها إلى ما لا تحمد عقباه؛ لكن قد يقول قائل: أنا جبلت على هذا ونلاحظ من الناس من هو سريع الغضب؛ لكن عليه أن يكظم، والخلق بالتخلق، والصبر بالتصبر، فإذا جاهد نفسه على هذا أعانه الله -جل وعلا-، والغرائز كلها منها: ما هو جبلي مفطور عليه الشخص لا يستطيع أن يتنصل منه وهو قسم منها كبير مكتسب بالتخلق والتطبع، والله -جل وعلا- يعين الشخص إذا لجأ إليه بصدق.
الحديث الثاني والسبعون: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرةٍ من كبر)) فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً فقال: ((إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغمط الناس)) [رواه مسلم].
стр. 258
وهذا أيضاً خلق ذميم، مشين، وهو الكبر نسأل الله العافية، حذر منه النبي ﵊ أشد التحذير، ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرةٍ من كبر)) وهذا من نصوص الوعيد، لا شك أن هذا وعيد شديد بالنسبة لمن داخل قلبه شيء من الكبر، ولا شك أن الكبر قد يصل بالشخص إلى أن يرد الحق، ويبطر الحق عناداً ومحادةً، وحينئذٍ يكون الحديث على بابه، لا يدخل الجنة مثل هذا، ومن الكبر ما هو دون ذلك يخالط قلب الإنسان ويحتقر الناس؛ لكنه لا يصل إلى حدٍ يبطر الحق فيرده بالكلية، هذا أمره أقل مما سبق، وشأنه عظيم أيضاً؛ لأن احتقار الناس يتضمن العجب والغرور، الإعجاب بالنفس، وهذه خصلة ذميمة، وأثره على دين العبد بالغ وكبير.
والعجب فاحذره إن العجب مجترفٌ ... أعمال صاحبه في سيله العرمِ
стр. 259
العجب شأنه كبير، ومن لازم العجب بالنفس احتقار الناس، ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرةٍ من كبر)) نسأل الله السلامة والعافية، وعموماً الناس كلهم قاطبة يمقتون المتكبر، ولا يطيقون رؤيته، ولا مجالسته، فقال رجل: "إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة" لا شك أن مثل هذا قد يحمل بعض النفوس الدنيئة على الكبر، لبس ثوب حسن وإلا لبس بشت جديد وإلا ركب سيارة فارهة يحتقر الناس، هذا نوع من الكبر؛ لكن قد يلبس ثوباً حسناً ونعلاً حسنة، وبشتاً جميلاً، وسيارة فارهة، وقصراً منيفاً، ومع ذلك لا يتكبر على الناس، ولا يغمط الناس حقوقهم، هذا نعمة المال الصالح للرجل الصالح، ((إن الله جميل يحب الجمال)) فالإخبار عن الله -جل وعلا- بأنه جميل، وبأنه طيب، وبأنه وتر، هل من مقتضى ذلك أن تثبت هذه أسماء لله -جل وعلا-؟ يقال: الطيب؟ الوتر؟ الجميل؟ يعني من الأسماء الحسنى أو نقول: هذه إخبار، ودائرة الإخبار أوسع من أن يثبت فيها وصفاً فضلاً عن كونه يثبت فيها اسم، المسألة من أهل العلم من أثبت هذه الأسماء؛ لأن النبي ﵊ أضافها إلى الله -جل وعلا-، وأثبت من أسمائه الطيب، ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)) فأثبتوه من أسمائه؛ لكن الذي يظهر أنها أخبار عن الله -جل وعلا-، ودائرة الإخبار أوسع، ((الكبر بطر الحق، وغمط الناس)) احتقار الناس، ويلزم من احتقارهم التعدي عليهم بأخذ أموالهم، والاستطالة في أعراضهم وغير ذلك.
الحديث الثالث والسبعون: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنّعه الله بما آتاه)) [رواه مسلم].
стр. 260
((قد أفلح من أسلم)) الفلاح هذه الكلمة المفردة لا يوجد غيرها يقوم مقامها ويعبر عنها بكلمةٍ واحدة أبداً؛ لأن الفلاح هو الجامع لخيري الدنيا والآخرة، الأمر الذي يجمع بين خيري الدنيا والآخرة هو الفلاح، كما أنه لا يوجد لكلمةٍ النصيحة بديل تقوم مقامها بكلمةٍ واحدة، كما قرر ذلك أهل العلم، هذا الفلاح هو الجمع بين خيري الدنيا والآخرة ((قد أفلح من أسلم)) والإسلام رأس الأمر؛ لأنه مهما بلغ من أمور الدنيا وحرم الإسلام هذا لن يفلح، ((قد أفلح من أسلم)) يعني انقاد لله -جل وعلا- ظاهراً وباطناً، ودان بالدين الذي لا يرضى الله -جل وعلا- سواه، وهو الإسلام، ((ورزق كفافاً)) يفلح من أسلم بحيث يكون مآله إلى مقر المفلحين ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [(١) سورة المؤمنون] ومقرهم الجنة، فإذا أسلم صار مقره الجنة، ((ورزق كفافاً)) يعني في الدنيا، كفافاً من غير زيادة ولا نقصان، لا يزيد في أموال تشغله، ولا ينقص رزقه عن قدر الحاجة، بحيث يحتاج إلى ما في أيدي الناس، إذا رزق الكفاف الذي يكفي، وبعض الناس عنده من الأموال ما يكفيه، ويكفي نسله إلى قيام الساعة، عنده ملايين، ومع ذلكم يلهث وراءها، وراء الدنيا يبحث عن أخرى، كثير من الناس أموالهم أرقام لا حقيقة لها، لا حقيقة لها أرقام إيش بيستفيد من القدر الزائد عن حاجته؟ إلا إذا سلط هذا المال على هلكته كما سيأتي، أما إذا كان القصد ما يقيم أوده، ويعينه على تحقيق الهدف وهو العبودية، ما زاد على ذلك وبال على صاحبه إلا ما سيأتي أن يقول به: هكذا وهكذا يصرفه.
стр. 261
((وقنعه الله بما آتاه)) رجل يكفيه في الشهر خمسة آلاف، ودخله خمسة آلاف بحيث إذا انتهى الشهر انتهى من غير زيادة ولا نقصان، ثم الشهر الثاني كذلك، والثالث كذلك؛ لكن إن كان يكفيه من غير زيادة ولا نقصان بحيث لا يحتاج إلى الناس؛ لكن الإشكال إذا كان يتبع نفسه أموال الآخرين، هذا عنده مليون، هذا عنده مليونين، وهذا عنده عشرة، وفلان عنده كذا، إذا لم يقنع بما آتاه الله -جل وعلا- هذا فقير؛ لأن الغنى غنا القلب، إذا أودع هذا القلب الغنى وأحس بهذه النعمة يرتاح، وإلا ثم ماذا؟ لو كان من أغنى الناس ويتلهف، أعطي وادي من ذهب ويريد ثاني وثالث؟ وبعدين؟ هذا يستمر فقيراً؛ لأنه يسعى وراء هذه الدنيا ويلهث كلهث الفقير إذاً ما الفرق؟ لا فرق؛ لكن إذا قنع بما آتاه الله هنا يكمل الغنى؛ لأن الغنى غنى القلب.
الحديث الرابع والسبعون: عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: " جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، عِظْني وأوجز، فقال: ((إذا قمت في صلاتك فصل صلاة مودِّع، ولا تَكَلم بكلام تعذر منه غداً، واجمع اليأس مما في أيدي الناس)) [رواه أحمد].
هذا يطلب موعظة مختصرة من النبي ﵊ فقال: ((إذا قمت في صلاتك فصل صلاة مودع)) صل صلاة مودع، والمودع يقبل على صلاته، لا شك أنه إذا عرف أن هذه الصلاة هي آخر ما يمثل بين يدي ربه -جل وعلا- لا شك أنه سوف يتقنها ويحسنها؛ لأن الأعمال بالخواتيم، فإذا صلى صلاة مودع واستحضر أنه لن يعود إلى الصلاة مرةً أخرى لا شك أن ذلك يبعثه على إحسانها وإتقانها، ((ولا تتكلم بكلامٍ تعتذر منه غداً)) يعني حاسب نفسك، وتأكد من سلامة الكلام الذي تنطق به، بحيث لا تتكلم بكلامٍ لا تحسب له حساب، ثم تضطر غداً إلى أن تعتذر منه، وهذا معروف أنه في الكلام الباطل هو الذي يعتذر منه، وأما الكلام الحق فلا عذر منه، وقل مثل هذا فيما يكتب.
فلا تكتب بكفك غير شيءٍ ... يسرك في القيامة أن تراه
стр. 262
لا تتكلم بكلامٍ إلا أن تحب أن تراه في صحفك، ما تتكلم بكلام ثم إذا دعيت ونوقشت في الحساب قلت: هذا الكلام زلت لسان، هذا كذا ما ينفع، فحاسب نفسك قبل أن تحاسب، ((وأجمع اليأس مما في أيدي الناس)) علق قلبك بربك، وثق به، ولا تلتف إلى ما في أيدي الناس، نعم قد تقول: أن الله -جل وعلا- ما ينزل دراهم وإلا ينزل قوت، ما في شيء مما في أيدي الناس، هؤلاء الناس آلات، والرزق بيد الله -جل وعلا-، هو الذي يصرف القلوب لتعطيك ما تعطيك، أو تكون سبباً في رزقك بالتعامل معها، فالله -جل وعلا- هو المعطي، نعم هؤلاء أسباب، هذا سبب أوصل الله -جل وعلا- إليك هذا المال، وهذا الطعام، وهذا الكساء، وهذا الغداء بسبب هذا الرجل، وكثير من المحتاجين إذا دخل على تاجر فلم يعطه شيئاً لامه، الله -جل وعلا- هو المعطي، الجأ إلى ربك بصدق وسوف يغنيك عن فلان وفلان.
الحديث الخامس والسبعون: عن مصعب بن سعد أن النبي ﷺ قال: ((هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟ )) [رواه البخاري].
стр. 263
هذا الحديث: ((هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟ )) هذا الحديث الصحيح يدل على أن الرزق والنصر الذي يتصوره الأغنياء الأقوياء أنهم هم السبب المؤثر فيه، الحديث على عكس ما يتصورون، وكم من شخص ابتلي بالفقر مدة طويلة فرزق مولوداً معوقاً فانصب الرزق بسببه، تجده طيلة عمره قوي البنية، شديد البأس، يضرب في الأسواق، يحضر الأسواق مع أول الناس ولا ينصرف إلا آخرهم، ومع ذلك يعيش فقيراً، ثم بعد ذلك يرزق بمعتوه أو أبله أو مقعد أو مشلول ثم يرزق، ((هل ترزقون إلا بضعفائكم؟ )) فكثير من الناس الآن يعاني من كونه يعول أسرة ضعفاء فيهم كثرة، ويضيق بهم ذرعاً، عنده أسر، وعنده كذا وكذا، ويحتاجون إلى أموال، يا أخي ما تدري وش وضعك لولا هذه الأسرة، يمكن أن الله -جل وعلا- ما ساق لك هذه الأرزاق إلا بسببهم، وكثير من الناس يضيق ذرعاً إذا ولد له ولد مشوه، وكثير من الناس والنساء على وجه الخصوص في حال الحمل تسأل عن الإجهاض إذا تبين لدى الأطباء أن الولد مشوه أو معوق أو ناقص الخلقة، لا يجوز بحال الاعتداء عليه، هو مصيبة من المصائب عليك الصبر والاحتساب، وأن تبذل كل ما تستطيع في إنقاذ حياته كغيره من الأسوياء، وأجرك عند الله -جل وعلا- عظيم، وقد ترزق بسببه، وأيضاً هؤلاء الضعفاء الذين ينظر إليهم الناس نظرة ازدراء، وأن وجودهم في المجتمع وبال، يمكن النصر يكون بسببهم؛ لأن التاجر والقوي، قوي البنية كثيراً ما يصابون بالإعجاب، وينسبون بعض النتائج إلى قوتهم، إلى حولهم وطولهم، لا، لا، ما تدري، لو يصدقون هذا الحديث ((هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟ )) نعم الضعيف قريب من الله -جل وعلا-؛ لأنه لا يعتد بقوة، ولا يأوي إلى مال ولا شيء، إنما علاقته وارتباطه بربه، ومثل هذا في الغالب يكون قلبه سليماً بخلاف من دخله غرور القوة والغنى، والغنى في الغالب أنه يطغي صاحبه، وكذلك القوة، ولذا يسأل الإنسان ربه صحة لكن لا تلهيه عن شكر الله -جل وعلا-، وعن عبادته، ويسأله غنى لكن لا يطغيه عن معرفة قدر نفسه، والله المستعان، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 264
شرح جوامع الأخبار (٩)
شرح حديث: (يضحك الله إلى رجلين .. ) وحديث: (لا يتمنين أحدكم الموت .. ) وحديث: (إن الدنيا حلوة خضرة .. ) وحديث: (الإيمان بضع وسبعون .. ) وحديث: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه .. ) وحديث: (دعوني ما تركتكم .. ) وحديث: (من لا يرحم الناس لا يرحمه الله .. ) وحديث: (من أحبَّ أن يُبسط له في رزقه .. ) وحديث: (المرء مع من أحب .. ) وحديث ابن عمر: "كان ﷺ إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر كبر ثلاثاً، ثم قال: ((سبحان الذي سخر لنا هذا .. )
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي -عليه رحمة الله تعالى- في كتابه جوامع الأخبار:
الحديث السادس والسبعون: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم فيستشهد)) [متفق عليه].
стр. 265
هذا الحديث حديث أبي هريرة ﵁ يقول رسول الله ﷺ : ((يضحك الله إلى رجلين)) وفي هذا إثبات صفة الضحك لله -جل وعلا-، على ما يليق بجلاله وعظمته، ((إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل)) ينال الشهادة على يد هذا الرجل الذي قتله ظلماً وعدواناً، ثم يتوب الله -جل وعلا- على هذا القاتل، يوفق هذا القاتل إلى التوبة النصوح بشروطها، والتوبة تهدم ما كان قبلها، قد يكون هذا القاتل كافر ثم يسلم، الإسلام يجب ما قبله، أو يكون عاصياً باغياً يقتل أخاه المسلم بغير جناية، ثم يمنّ عليه الرب -جل وعلا- بالتوبة النصوح التي تهدم ذلك الذنب العظيم، فيسلم إن كان كافراً، أو يتوب إن كان باغياً، فيقاتل في سبيل الله فيقتل فيستشهد، وكل من الشهيد الأول والشهيد الثاني في الجنة، ولا شك أن أمرهما عجب، يجتمع اثنان في الجنة أحدهما قتل الآخر، مع ما جاء من نصوص الكتاب والسنة القطعية من تعظيم شأن القتل، وهذا القاتل والمقتول كلاهما في الجنة، بالمقابل جاء: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار)) هنا القاتل والمقتول في الجنة، وهناك القاتل والمقتول في النار، لأنه هنا قتل المقتول ظلماً فهو شهيد، تاب هذا القاتل فقتل مثل أخيه ظلماً فنال الشهادة، أما في الحديث الآخر، ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار)) إذا تقاتلا على الباطل، وفي الفتن الذي لا يدرى ما وجهها، لا شك أن مثل هذا القاتل ارتكب أمراً عظيماً وجرماً خطيراً فهو في النار، والمقتول؟ قالوا: هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: ((كان حريصاً على قتل صاحبه)) فبنيته دخل النار، وهذا من أحاديث الوعيد، يدخلون النار إذا كانوا مسلمين ثم ينقون ويعذبون ومآلهم -إن شاء الله تعالى- إلى الجنة، على كل حال القتل شأنه عظيم، وخطره جسيم، والإقدام عليه دلالة على رقة في الدين، أو خلل في العقيدة، والله المستعان.
стр. 266
الحديث السابع والسبعون: عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلاً، فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي)) [متفق عليه].
حديث أنس -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يتمنين أحدكم الموت لضرٍ أصابه)) لضرٍ نزل به، هم، مرض، فقر، ديون، مشاكل، لا يجوز للمسلم أن يتمنى الموت، لماذا؟ لأنه يقطع الحياة التي يتعبّد فيها المسلم لله -جل وعلا-، فيكسب فيها حسنات علّك أن تخلّف، تؤخر أيام فيها الصيام، وفيها الصلاة، وفيها الذكر، فأنت تسعى لانقطاع الخير، الأمر الثاني: أن فيه اعتراض على القدر، اعتراض ظاهر على القدر، فلا شك أن مثل هذا لا يجوز، ولذا جاء النهي عن تمني الموت بسبب الضر، يقول: ((فإن كان لا بد فاعلاً)) يعني جاءه أمر لا يكاد يطيقه، والنفوس لا شك أنها قد ينزل عليها أمور لا تطيقه إلا بإعانة الله وتثبيته، ((فإن كان لا بد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي)) العلم عند الله -جل وعلا-، ((اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي)) فيكل الأمر إلى الله -جل وعلا-؛ لأنه ما يدريه أن يتمنى الموت، ويكون مآله إلى النار، نسأل الله العافية؛ لكن إذا قال مثل هذا، إذا كان مآله إلى النار ما استجيب دعاؤه؛ لأن الحياة ليست خيراً له، شر له، وحينئذٍ لا يجاب دعواه، فيكل الأمر إلى الخالق، إذا كان خوفه من فتنة عارمة، وخشية أن يفتن عن دينه، لا مانع، لا بأس أن يتمنى الموت، وجاء في حديث آخر الزمان أن الإنسان يمر على القبر فيقول لصاحبه: ليتني مكانك، وأيضاً مريم قالت: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ [(٢٣) سورة مريم] هذه فتنة، امرأة تحمل من غير زوج تخشى على نفسها، فتمنت، ويوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [(١٠١) سورة يوسف] ولا شك أن مثل هذا كل يتمنى أن يموت حال كونه مسلماً، وليس هذا تمني للموت، إنما فيه تمني الموت على الإسلام.
стр. 267
((اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي)) هل في هذا شبه من قول: اللهم اغفر لي إن شئت؟ لأن في مثنوية هنا: ((اللهم أحيني)) هذا دعاء ((ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي)) لهذا الطلب فيه تردد؛ لأنه لا يدري ما الخير؟ هل هو في الحياة أو في الموت؟ فوكل ذلك الاختيار إلى الله -جل وعلا-، أما قول: ((اللهم اغفر لي)) المغفرة خير محظ، فلا يجوز أن يقترن بالمشيئة، بقي أنه إذا كان الدعاء بلفظ الخبر لا بلفظ الأمر فإنه يجوز اقترانه بالمشيئة، كما جاء في قوله ﵊: ((طهور إن شاء الله)) ((ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله)) إذا كان الدعاء بلفظ الخبر يجوز اقترانه بالمشيئة، وإذا كان بلفظ الأمر فلا، والله أعلم.
الحديث الثامن والسبعون: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون؟ فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)) [رواه مسلم].
стр. 268
نعم هذا الحديث الصحيح لأبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الدنيا حلوة خضرة)) حلوة في مذاقها، خضرة في مرآها، فأطيب ما يذاق، وأفضل ما يذاق الحلو، وأفضل الألوان الخضرة، فهذه الدنيا تتشكل للناس وتستهويهم وتغرّهم بزخرفها فتبدو كأنها حلوة خضرة، وإلا مثل هذا لا ينطلي على من عرف حقيقة الدنيا، وأنها ملعونة؛ لكنها تبدو للناس بهذا الشكل، حلوة خضرة، فعلى الإنسان أن يحذر منها، وأن لا ينجرف إلى ما أودع فيها؛ لكن الله -جل وعلا- مستخلفكم فيها، جعلكم خلائف يخلف بعضكم بعضاً، وطلب منكم عمارتها لتتمكنوا من عبادة ربكم، ((مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون)) يختبرك ماذا أنتم عاملون على ظهر هذه الدنيا؟ هل أنتم عاملون بما يرضي الله -جل وعلا-؟ أو بما يغضبه؟ ((فاتقوا الدنيا)) احذروها؛ لأنها تظهر لكم بمظاهر تستهويكم؛ لكن اعرفوا حقيقتها، وأنها دار ممر وعبور، وليست دار مقر، كرجلٍ استظل بظل دوحة، مثل هذا يطيل الأمل؟ لا، "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل" من تصور نفسه غريب أو عابر سبيل هذا لن يركن إلى الدنيا، فمثل هذا يتقي الدنيا، ويقبل على ما هو بصدده، وما خلق من أجله، وهو العبودية لله -جل وعلا-.
((واتقوا النساء)) لا شك أن النساء فتنة، وإذا خرجت المرأة استشرفها الشيطان، وتبعتها الأنظار، فعلى المرأة أن لا تكون سبباً في إضلال الناس وإغوائهم، عليها إذا خرجت أن يكون خروجها لحاجة، وإلا فالأصل هو القرار في البيت، كما قال -جل وعلا-: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [(٣٣) سورة الأحزاب] لكن إذا خرجت المرأة لا تكون سبباً في إضلال المرأة وإغوائهم وفتنتهم، تخرج تفلة غير متطيبة ولا .. لئلا تفتن الناس، وبالمقابل على الرجل أن يغض بصره ويصرفه عن النساء.
((فاتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)) أول فتنتهم كانت في النساء، ثم بعد ذلك استدرجوا في المعاصي بعد هذه الفتنة، وزاولوا غيرها من الفتن إلى أن خرجوا من دينهم، والله المستعان.
стр. 269
الحديث التاسع والسبعون: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الإيمان بضع وسبعون -أو بضع وستون- شُعبة، أعلاها: قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)) [متفق عليه].
هذا حديث الشعب، حديث مشهور عند أهل العلم مخرج في الصحيحين وغيرهما، الإيمان سبق تعريفه: بأنه قول باللسان، واعتقاد بالقلب بالجنان، وعمل بالأركان، وشعبه تدل على صحة هذا التعريف؛ لأن منها ما هو قول باللسان، ومنها ما هو عقد بالقلب، ومنها ما هو عمل بالأركان، بضع وسبعون أو بضع وستون على الشك، والبضع ما بين الثلاث إلى التسع، شعبة خصلة أعلاها، أعلى هذه الشعب وهذه الخصال: قول لا إله إلا الله، التي هي كلمة الإخلاص، وكلمة التوحيد، ولا يصح الإسلام ولا الدخول في الإسلام إلا بها، ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)) ولا إله تنفي جميع ما يعبد من دون الله، وإلا الله تثبت أنه هو المعبود الحق، أنه لا معبود بحقٍ سواه، أعظمها لا إله إلا الله، وأدناها أقلها إماطة الأذى عن الطريق، تزيل الأذى عن طريق الناس، هذه شعبة من شعب الإيمان، فلا يترفع الإنسان إذا وجد ما يؤذي الناس في طريقهم، يقول: هذا والله في بلدية تشيله، كثير من الناس يمر عند الأشياء المؤذية زجاج مكسر أو شيء من هذا يؤذي الناس في طريقهم ولا يمد يده ويرفعه ويقول: في بلده؟ يا أخي هذه من شعب الإيمان إماطة الأذى عن الطريق، والذي أزال الغصن عن طريق الناس دخل الجنة، فلا تحرم نفسك، وهذه من شعب الإيمان.
стр. 270
((والحياء شعبة من الإيمان)) وهو انكسار يعتري القلب، وأولى وأعظم من يستحيا منه الله -جل وعلا-، ((استحيوا من الله حق الحياء)) ويستحيا أيضاً من عباده الصالحين، والمراد بالحياء الحياء الذي يبعث على العمل الصالح، ويزجر عن العمل السيء، أما الخجل الذي يمنع من مزاولة الأعمال الصالحة كالأمر والنهي والدعوة والتعليم، مثل هذا ليس بحياء، الحياء لا يأتي إلى بخير، وهذا جاءك بشر، فليس من الحياء الشرعي وإن تعارف الناس على تسميته حياء، وهو في الحقيقة خجل، مثل هذا ليس هو المقصود هنا، اجتهد العلماء في عد هذه الشعب، مما ورد في الكتاب والسنة مما أطلق عليه اسم الإيمان، فأوصلوه إلى هذه العدة وابن حبان له طريقة في استخراج الشعب، وابن حجر أيضاً له طريقة، وكل له طريقة؛ لأنه جاء الحديث هكذا مجملاً: أعلاها وأدناها، ومن أمثلته الحياء، وبقية الشعب ما عدت، وللبيهقي كتاب اسمه شعب الإيمان.
الحديث الثمانون: عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه تَرْجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تِلقَاءَ وجهه، فاتقوا النار ولو بِشِقِّ تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة)) [متفق عليه].
стр. 271
((ما منكم من أحدٍ)) أحد نكرة في سياق النفي ودخلت عليها (من) للتأكيد، لتأكيد هذا العموم ((إلا سيكلمه ربه)) ما منكم الخطاب لمن؟ لكل من يتأتى منه المخاطبة من المسلمين، ومن أهل العلم من يقول: من المخلوقين، من المسلمين وغيرهم؛ لكن الخطاب لا شك أنه للمسلمين، ((ما منكم من أحدٍ)) لمن ينتفع بالخطاب ((إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان)) يناقش الناس، يناقش الخلائق كلهم، منذ أول مخلوق إلى آخر مخلوق، يعني إذا كنت في مدرسة فيها ثلاثمائة طالب هل يتولى الامتحان شخص واحد أو لجان؟ لجان الامتحانات؛ لكن تصور الخلائق، تصور الخلائق منذ بدء الخليقة من آدم إلى قيام الساعة، كل واحد بنفسه يكلمَّ ويناقش! قدرة مذهلة؛ لكن الذي يخلق العباد ويرزق هؤلاء العباد بكلمة من غير أدنى لغوب ولا مشقة يناقشهم بدون مشقة، وبدون واسطة، وإلا المناقشة لو كل واحد، تشوفون أنتم المقابلات الشخصية تجد المقابلة فيها خمسة طلاب تحتاج إلى يوم يومين ثلاثة، مقابلات شخصية وأسئلة ومناقشات، عن ثلاثة أسئلة أربعة خمسة لكن يناقش في جميع ما فعله طيلة حياته، فعلت كذا، فعلت يوم كذا، في يوم كذا فعلت كذا، صنعت كذا، الناس كلهم القدرة الإلهية فوق ما يتخيله الإنسان، فالذي يرزق الناس في ساعة يناقشهم في ساعة، إيش المانع؟ ((ما منكم من أحدٍ إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان)) ترجمان: هو الذي يبلغ من لغة إلى لغة، ينقل الكلام من لغة إلى لغة، وقد يطلق على من يوصل الكلام ولو بنفس اللغة، ولذا يقول نصر بن عمران أبو جمرة، نصر بن عمران الضبعي كنت أترجم بين يدي ابن عباس، ابن عباس بالعربية ويكلم عرب، إيش معنى يترجم؟ يعني ينقل كلامه لمن بعد عنه، هذا ترجمان، فما يحتاج الله -جل وعلا- ليس بحاجة إلى ترجمان ليبلغ الناس كلامه، كل واحد بمفرده يقرر على جميع فعله، منذ أن كلف إلى أن مات.
стр. 272
((فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم)) الآن جاء وقت الذروة، يعني قبل قدوم الامتحان بالشهر يبدأ الألم يعتصر القلوب، وكل يوم يزيد الألم، ويزيد الاستعداد، تبدأ الاختبارات والناس على أعصابهم، تنتهي الاختبارات تجي ساعة الصفر، يعني النتيجة، وأحلك الظروف إذا قيل: الآن تعلق النتائج، ما فيه إلا جوابك، ((ينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم)) ما في إلا الحسنات التي هو قدمها، ((وينظر أشأم منه ما ينظر فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار)) ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [(٧١) سورة مريم] الورود مقطوع به؛ لكن الصدر منها من ينجو منها ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ [(٧٢) سورة مريم] هل اتصفت بهذا الوصف المنجي؟ اتقيت الله -جل وعلا-؟ ((فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار)) اجعلوا بينكم وبين النار وقاية، قدموا ما تستطيعون في زمن المهلة، ((فاتقوا النار ولو بشق تمرة)) وهذا فيه حث على الصدقة بأدنى شيء، ولو قل، لا تحتقر، لا تقول: هذا أعطيه الفقير يرده، إذا رده هذا الفقير أعطيه آخر، ((لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرس شاة)) يعني ولو الكراك تتصدق به على جارتها ما يدريك، ((فاتقوا النار ولو بشق تمرة)) فمن لم يجد ما عنده ما يتصدق به فبكلمة طيبة، كلمة طيبة استقبل بها أخاك، استقبل أخاك بكلمةٍ طيبة، بوجهٍ طلق، ببشر وسرور، أدخل على أخيك السرور، وواقع بعض طلاب العلم هدانا الله وإياهم الاستقبال عندهم فيه خلل، ولا شك أن هذا خلل في التحصيل العلمي قبل التصور، وإلا هذا أخوك ما تختلف معه في شيء، يعني هل تتصور أنك أنت وزميلك لا تجد زميلك تتطابق معه في وجهات النظر مائة في المائة مستحيل؟ الصحابة خيار الخلق بينهم خلاف، فإذا وجد خلاف بين المسلم وأخيه وطالب العلم على وجه الخصوص والعالم مع زميله يوجد نفرة وفرقة ويرضى الشيطان بمثل هذا التحريش، وينفخ مثل هذه الأمور فتتضاعف وتزيد، والأمة عموماً ليست بحاجة إلى مزيد من الفرقة والتناحر والتشاحن، هي بحاجة إلى الألفة والتآلف، والمقصود أن الناس بحاجة إلى تعارف وتآلف وتآخي، فمن لم يجد بكلمةٍ طيبة، والنصوص صحيحة
стр. 273
صريحة في هذا، نعم يبقى أن المسلمين من فيه شر على المسلمين، وضرر محظ عليهم مثل هذا لا مانع أن يحذر منه بقدر الحاجة، أما بعض الأمور المبنية على الظنون والشكوك والأوهام هذه لا يرتب عليها نتائج، والله المستعان.
الحديث الحادي والثمانون: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((دعوني ما تركتكم؛ فإنما أهلك من كان قبلكم كثرةُ سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم)) [متفق عليه].
стр. 274
نعم، هذا الحديث يقول فيه ﵊: ((دعوني ما تركتكم)) لأن الله -جل وعلا- ترك بعض الأمور التي تشق على الناس من التكاليف من غير نسيان ولا غفلة، تركها رحمة بعباده، فإذا تُركوا عن حكم مسألةٍ من المسائل لا ينقب عنها، ويبحث عنها، فيحرم الحلال بسبب هذا السؤال، وجاء في الخبر: ((أشد الناس جرماً من سأل على شيء فحرم بسببه)) ((ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم)) بنو إسرائيل لما أمروا بذبح البقرة، لو قالوا: سمعنا وأطعنا، وذبحوا أول بقرة قابلتهم أجزأت عنهم، ودلت على سرعة امتثال؛ لكن ما هي؟ ما لونها؟ ﴿إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [(٧٠) سورة البقرة] وأسئلة إلى أن ضيّق عليهم الأمر، ضيق عليهم الأمر، واشتد عليهم الطلب، ولم يجدوا هذه البقرة إلا بعد شق الأنفس بأغلى الأثمان؛ لكن من طبعهم التعنّت، ولذا تجدون في الامتثال، الامتثال بين شخص وشخص، يعني بون شاسع، يعني من أمر بذبح ابنه فتلّه للجبين، مباشرة، ابنه، وهذا فرق، وأمة بكاملها تؤمر بذبح بقرة ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [(٧١) سورة البقرة] بنو إسرائيل أمة متعنّتة، متغطرسة، أصحاب أسئلة، وأصحاب حرج وعنت وضيق، فلا ينبغي للمسلم أن يشابههم في هذا، المسلم يستمع الحق ويعمل، فيستمع ما ينهى عنه فيكفّ، ((فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم)) يقول ﵊: ((فإذا نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه)) نعم المناهي وما ينهى عنه ليس فيه مثنوية، خلاص نهيت كفّ، ((وإذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم)) لأنه لا يتصور عدم الاستطاعة في المحظور، لا يتصور؛ لأن المحظور الأصل فيه عدمه، والعدم لا يستحيل في حق أحد، بينما الإيجاد، إيجاد الفعل قد يعجز عنه أو عن بعضه كثير من الناس، ولذا جاء: ((فإذا نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم)) ولذا يقرر أهل العلم أن ارتكاب المحظور أعظم من ترك المأمور، أخذاً من هذا الحديث: ((إذا نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه)) بدون تردد، إذا أمرتكم بأمرٍ فانظروا هل تستطيعون أو لا تستطيعون؟ لأنه بالإمكان أن يقال: فإذا
стр. 275
نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوا منه ما استطعتم؛ لأن الإنسان قد يضعف أمام بعض المنهيات، تحمله نفسه على ارتكاب بعض المحرمات؛ لكن هذا ما فيه خيار، ارتكب، ارتكب حرام، ما يقول: والله غالبتني نفسي وعجزت اصبر، ما في، اجتنبوه، بينما المأمور أتوا منه ما استطعتم، وهذا يدل على أن شأن المنهي أعظم من شأن المأمور به، وهذا مأخوذ من هذا الحديث، وعليه جلّ أهل العلم، ولذا يقررون أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، تبعاً لهذا، شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- يرى العكس، أن ترك المأمور أعظم من ارتكاب المحظور، بدليل أن معصية آدم ارتكاب محظور، ومعصية إبليس ترك مأمور، ومعصية إبليس أعظم من معصية آدم؛ لكن لعل الصواب لا هذا ولا هذا؛ لأن المأمورات متفاوتة، والمحظورات متفاوتة، فإذا تعارض مأمور ومحظور ننظر في حجم هذا المحظور، وحجم هذا المأمور، يعني ننظر في هذا المأمور، هل هو من عظائم الأمور؟ وننظر في المحظور هل هو من الموبقات أو دونها؟ المثال يوضح: أنت مأمور بأداء الصلاة مع الجماعة في المسجد، مأمور بأداء الصلاة في المسجد، في طريقك إلى المسجد شباب مكلفون جالسين في الشارع تقول لهم: صلوا، يقولوا: محنا مصلين، هذا منكر لا تستطيع إزالته، هل نقول: أنت ترتكب المحظور لأنك تمر مع منكر لا تستطيع إزالته، إذاً اجلس في بيتك ولا تصلي مع الجماعة؟ لا، نقول: ارتكب هذا المحظور؛ لأنك لا تستطيع وافعل المأمور؛ لكن لو كان في طريقك إلى المسجد بغي ومعها ظالم يلزم كل من مر مع هذا الطريق أن يقع على هذه البغية، نقول: افعل المأمور ولو ترتب عليه ارتكاب محظور؛ لأنك مأمور بأداء الصلاة مع الجماعة؟ لا، لا، نقول: صلي في بيتك؛ لأن المحظور أعظم من هذا المأمور، بخلاف المحظور الأول أقل من المأمور، فهذه الأمور تتفاوت ينظر إلى كل مسألةٍ بعينها، والمفاضلة هنا تقع.
الحديث الثاني والثمانون: عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من لا يرحم الناس لا يرحمه الله)) [متفق عليه].
стр. 276
نعم لا شك أن الجزاء من جنس العمل، فمن لا يرحم الناس لا يرحمه الله، ومفهومه أن من يرحم الناس يرحمه الله، كما جاء في الحديث المسلسل بالأولية: ((الراحمون يرحمهم الرحمن)) فمن جبل على العطف على الناس ورحمتهم يبشر برحمة الله -جل وعلا-، من جبل على العفو والتسامح يبشر من الله -جل وعلا- بالعفو والتسامح، من جبل على التشديد على الناس والتضييق عليهم، الجزاء من جنس العمل، والإنسان لا يلوم إلا نفسه، فعلى هذا من ولاه أمر الناس، ولاه أمر أسرة عليه أن يرحمهم ويلطف بهم، ويرفق بهم ليرحم يوم القيامة، عنده جيران يلاطفهم ويمازحهم ويرحمهم ويحنو عليهم ويعطف على ضعيفهم، ويحترم كبيرهم، ويبشر، وأن الجزاء من جنس العمل، بخلاف ما إذا كان فظاً غليظاً على الناس، شتاماً صخاباً هذا يحتاج جزاؤه مثل عمله، لا يرفق به ولا يرحم، حديث المسلسل بالأولية إلى يومنا هذا يقول: حدثني فلان، وهو أول حديث سمعته منه، قال: حدثني فلان وهو أول حديث سمعته منه، قال: حدثني فلان وهو أول حديث .. إلى من؟ إلى سفيان بن عيينة، متسلسل إلى يومنا هذا، هذا حديث يسمى المسلسل في الأولية، وهو قول كل راو من رواته: وهو أول حديث سمعته منه، والذي عنده إجازة لا بد أن يكون مرّ عليه يكون أول حديث سمعه، طلاب الحديث عندهم إجازات، الحديث: ((الراحمون يرحمهم الرحمن)) ((ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)) هل الإنسان غني عن رحمة الله عليه -جل وعلا-؟ ليس بغني، إنما هو بأمسّ الحاجة إلى الرحمة، فإذا كان محتاجاً إلى الرحمة يرحم الناس.
الحديث الثالث والثمانون: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أحبَّ أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثَره، فليَصِلْ رحمه)) [متفق عليه].
стр. 277
هذا الحديث العظيم يقول فيه الرسول ﵊: ((من أحب أن يبسط له في رزقه)) وفي روايةٍ في الصحيح: ((من سره أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه)) لأن عندنا بر وصلة وآداب، وكثيراً ما تجمع في كتب السنة هكذا، كتاب البر والصلة والآداب، والبر للأبوين والصلة للأقارب والأرحام، والآداب مع سائر الناس، وجاء في بر الوالدين ما جاء في نصوص الكتاب والسنة، واقتران حقهما بحق الله -جل وعلا-، وهنا ما يدل على أيضاً شأن الصلة، صلة الرحم، والرحمة لا تنزل على قومٍ فيهم قاطع رحم، ولا مشاحن، دعوهما حتى يصطلحا، وهنا من سره أن يبسط، يزاد في رزقه، وينسأ يؤخر في أثره في عمره، يطال في عمره، يزاد في عمره فليصل رحمه.
стр. 278
قد يقول قائل: إن الرزق محدد مكتوب ما يزيد ولا ينقص، والأجل؟ ﴿فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [(٣٤) سورة الأعراف] والملك يكتب، يكتب الرزق والأجل وشقي أم سعيد، يكتبهم في بطن أمه، فكيف هنا يدل على أن الرزق يزاد؟ بدل من أن يكون رزقه المكتوب في عمره كله كذا ألف يزيد إيش المانع؟ وبدلاً من أن يكون عمره ستين سنة يصير سبعين إذا وصل رحمه، هذا مفاد الحديث، ولذا من أهل العلم من يرى أن الزيادة حسية، في البابين، حسية، وهذا المكتوب وهذه الزيادة لا شك أن فيها نوع معارضة في الظاهر لما ثبت في اللوح المحفوظ، إذا كانت الزيادة حقيقية، عمره ستين سنة زيدوه عشر، بسبب الصلة، فأين ذلك من قوله -جل وعلا-: ﴿فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [(٣٤) سورة الأعراف] أما بالنسبة للآية فهي إذا جاء الأجل، والحديث فيما إذا لم يحضر الأجل، هذه الزيادة عند من يقول: أنها زيادة حسية حقيقية، يقول: ما المانع أن ما في أيدي الملائكة، وما يطلع عليه الملائكة في اللوح المحفوظ يمكن أن يتغير، أما ما في علم الله -جل وعلا- فإنه لا يتغير؛ لأن الله كتب له من الأصل علم -جل وعلا- أنه يصل رحمه، ويكون عمره سبعين، وأبدى لملائكته ستين إن وصل سبعين، فيصل، فالمتغير ما في علم الملائكة، أما ما في علم الله -جل وعلا- فإنه لا يتغير؛ لأنه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون؟ لا تخفى عليه خافية، من أهل العلم من يرى أن الزيادة معنوية وليست حقيقية؛ لأن الآجال محددة، مقدرة لا تزيد ولا تنقص؛ لكنها معنوية، كم من شخص عاش أربعين خمسين سنة أنجز في هذه السنين ما ينجزه غيره في مائة سنة أو أكثر؟ نعم كم؟ يعني إذا وجدنا الأئمة الكبار إذا قسنا مؤلفاتهم بأعمارهم وجدنا شيء ما يخطر على بال، لو قسناه بأنفسنا، يعني لو قسمت المؤلفات ابن الجوزي مثلاً على عمره باليوم وجد له من المؤلفات في كل يوم تسع كراريس، كثيرة جداً؟ النووي مات عن خمس وأربعين سنة، وش ترك من التراث؟ من العلم النافع؟ شيخ الإسلام ولد سنة واحد وستين وستمائة، يعني تسع وثلاثين وثمان وعشرين كم؟ سبعة وستين
стр. 279
سنة؛ لكن شوف المؤلفات، شوف البركة في الوقت؟ تأليف، وتعليم، وجهاد، وسجون وأمور عظائم، يكتب الفتوى في جلسة، وهو ما تورغ على ضرب مستوفز، يكتب فتوى في مائتين وثلاثين صفحة يقول: أن صاحبها مستوفز يريدها وإلا الشيخ بيبسط بعد، مائتين وثلاثين صفحة، رسالة ماجستير يمكث فيها الطالب سنتين على الأقل، نقض التأسيس لشيخ الإسلام ابن تيمية أنا أجزم بأن شيخ الإسلام ما أخذ عليه شهر يكتبه، أجزم جزماً أن الشيخ ما أخذ عليه شهر؛ لأن الشيخ ﵀ ما. . . . . . . . . في الكتاب، وحقق هذا الكتاب، والتأليف الذي هو تأسيس أشد من التحقيق، يحقق هذا الكتاب بأربعين سنة، كيف أربعين سنة؟ ثمان رسائل دكتوراه، كل واحد خمس سنين، يعني المسألة شوف البركات كيف؟ يذكر عن بعض أهل العلم أنه يقرأ كذا في اليوم، وبعضهم يقرأ مجلد، يعني ابن حجر قرأ المعجم الصغير للطبراني في ساعات، مجلد، وقرأ مسلم في أربعة أيام، وقرأ كذا .. وين هذه الأعمال؟ فضلاً عن الأئمة الذين حفظوا سبعمائة ألف حديث، ستمائة ألف حديث، وخمسمائة .. وين؟ الواحد من طلاب العلم في عصرنا إذا حفظ الأربعين لو ما تقول: الحافظ يعني يمكن يصير في نفسه شيء، صحيح، هنا تكمل البركات، علم وعمل وتدريس، النووي اثنا عشر درس في اليوم، والواحد منا إذا حضر درس نصفه غفلة، وإلا يجي ينام، وإلا يتغافل، ونياتنا الله أعلم بها كأنه جاء برأس أكبر عدو للمسلمين، إذا حضر هذا الدرس، مشكلة رؤية العمل عائق عن العمل، فلا شك أن البركة لا نهاية لها، إذا رضي بارك، فلنسعى للأسباب التي بسببها نحصل على هذه البركات، ومن أعظم ذلك صلة الرحم.
الحديث الرابع والثمانون: عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((المرء مع من أحب)) [متفق عليه].
стр. 280
هذا الحديث حديث عظيم، ينبغي للمسلم أن يفرح به أشد الفرح، كما فرح به الصحابة؛ لكن ليست المسألة دعوى ولا أماني ((المرء مع من أحب)) كلنا يدعي أنه يحب الرسول ﵊، ونحب أبا بكر، ونحب عمر، ونحب الأنبياء، ونحب العلماء العاملين المخلصين المحققين كلنا ندعى هذا؟ لكن الكلام ما الذي يصدق هذه الدعوى؟ الذي يخالف أمر الرسول ﵊ يحب الرسول؟ ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [(٣١) سورة آل عمران] هذه الدعوى المصدقة في العمل، فالذي يعصي الله -جل وعلا-، ويعصي أوامر الرسول ﵊ كاذب في دعواه.
تعصي الإله وأنت تزعم حبه ... هذا لعمري في القياس شنيعُ
لو كان حبك صادقاً لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيعُ
الرسول يأمرك بالأمر، وينهاك عن النهي، ولا يحرك فيك ساكن، وتقول: أحب الرسول ﵊؟ كثير من المسلمين في أقطار الأرض مخالفون مضادون للنبي ﵊ ولأقواله ولأفعاله، وإذا جاء يوم المولد زعموا أنهم يحبون الرسول ﵊، ويرمون من لا يزاول هذه الأمور البدعية بعدم محبة النبي ﵊، ويزعمون أنهم هم الذين يحبون النبي ﵊؟ هذا الكلام ليس بصحيح، إنما من يحب أحد لا بد أن يتبعه، يعني على مستوى الأفراد، الآن لو شخص يحب آخر أو يحب امرأة أعجب بها وأحبها تأمره بأدنى شيء فلا يطيعها هذا حب؟ هذا ليس بحب، كاذب في حبه؛ لكن مع ذلك المرء مع من أحب، فلتكن محبته لله ورسوله والصحابة والأتباع بإحسان والأنبياء مخلصاً صادقاً في محبته ليتحقق له هذا الوعد.
стр. 281
الحديث الخامس والثمانون: عن عبد الله بن عمر ﵄: " أن رسول الله ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر كبر ثلاثاً، ثم قال: ((سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مُقْرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البِرَّ والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هَوِّن علينا سفرنا هذا، واطوِ عَنَّا بُعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وَعْثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب، في المال والأهل والولد)) وإذا رجع قالهن، وزاد فيهن: ((آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون)) [رواه مسلم].
стр. 282
نعم هذا الحديث في أذكار السفر، ودعاء السفر، يقول: كان إذا استوى، (كان) تدل على الاستمرار، كما هو معروف، كان إذا استوى على بعيره، استوى يعني ركب، وفي روايةٍ: إذا وضع رجله في الغرز خارجاً إلى سفر كبّر ثلاثاً قائلاً: ((الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر)) ثم قال: ((سبحان الذي سخّر لنا هذا)) نزه الله -جل وعلا- عما لا يليق به الذي سخّر له هذه النعمة، الذي سخر له النعمة التي تنقله من بلد إلى بلد، ومن قطر إلى قطر، كلكم يدرك ما في المشي على الأقدام من صعوبة، تصور تمشي آلاف الأميال على قدميك هذه صعوبة شديدة، وقل مثل هذا في الوسائل القديمة، لو كنت تقطع الفيافي والقفار، تقطع القارات على حمار، تصور المشقة اللاحقة بك؟ ومع ذلك تقول: سبحان الذي سخر لنا هذا؛ لأنه أفضل من المشي على الأقدام، تصور أنك على بعير، وأنت في الليل والنهار تهز على هذا البعير، خمسة أشهر، ستة أشهر، يعني شيء؟! في رحلة ابن جبير من سواحل الشام إلى الأندلس ستة أشهر على السفينة، ستة أشهر، والآن في ساعة، أو ساعتين، يعني نِعَم تحتاج إلى شكر، ومع ذلكم لما قارب مشارف الأندلس جاءت عاصفة وردته إلى الشام في ثلاثة أيام، الآن هيئ لنا من الأسباب شيء ما يخطر على الباب، يعني أقل الوسائل الآن السيارة، ومع ذلك بإمكان الإنسان الآن أن ينتقل من بلد إلى آخر ألف كيلو وهو جالس رجل على رجل كأنه في بيته، القهوة والشاهي وكتب إن كان معه يقرأ ويطالع ويصحح ويرد على التلفون، ويسأل ويفتي، ويطمئن على .. يعني شيء ما يخطر .. نِعَم نِعَم لكنها تحتاج إلى شيء، النعم إذا شكرت قرّت؛ لكن هل نلاحظ أن كثير من الناس شكر يقابل هذه النعم؟ كثير من الناس يستعمل هذه النعم فيما لا يرضي الله -جل وعلا- مع الأسف الشديد، فنحن بحاجة إلى استمرار في الذكر والشكر؛ لأن الشكر هو السبب الحقيقي في المحافظة على هذه النعم، وإذا أردنا أن نحافظ على هذه النعم، ومن أعظمها نعمة الأمن علينا أن نشكر، ونسعى في تحقيق الأسباب والوسائل الحقيقية للمحافظة على هذا الأمن، وهذه النعم التي نعيشها، ((سبحان الذي سخّر لنا هذا وما كنا له مقرنين)) ما كنا مطيقين، ما نستطيع أن نصل إلى هذه الأمور، يعني
стр. 283
تواضع لله -جل وعلا-، واعترف بأنك ضعيف، لا تستطيع أن تصل إلى هذه الأمور بجهدك وقدرتك، الإنسان إذا ركب سيارة جديدة رفع أنفه، تكبر على الناس كأنه هو الذي صنعها، الله المستعان، أما تخشى أن تسلب هذه النعمة، أو تكون وبالاً عليك، تكون قبراً لك، ((وإنا إلى ربنا لمنقلبون)) يتذكر المآل إلى الله -جل وعلا-، فإذا تذكر ذلك بعثه هذا إلى العمل على ما يرضي الله -جل وعلا-، ((اللهم إنا نسألك -هنا الدعاء- في سفرنا هذا البر والتقوى)) لأن الأسفار وفيها الانتقال من الروتين على ما يقولوا الناس، وفيه أيضاً الانتقال من بلدٍ إلى آخر، تختلف فيه العادات والتقاليد والأعراف، قد ييسر له أمور لا تتيسر له في بلده، إما مما يرضي الله، أو مما يغضب الله، فالذي يسأل الله -جل وعلا- أن ييسر له ما يعينه على البر والتقوى، ((ومن العمل ما ترضى)) يسر لنا الأعمال التي ترضيك، ومع الأسف أن كثير من شباب المسلمين، وصل الأمر إلى الكهول أحياناً يسافرون الأسفار التي يزاولون فيها المعاصي والمنكرات، هذا خطر عظيم وخلل، نسأل الله السلامة والعافية، ويذكر بعض من يسافر الرحلات الطويلة الدورية يشوف من الناس من هو محافظ في بلده ومجرد ما تقلع الطائرة يتغير وضعه، هل هذا ذاكر لربه شاكر لنعمه؟ نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 284
((اللهم هوّن علينا سفرنا هذا)) لأن الأصل في السفر المشقّة، وأنه قطعة من العذاب، يحتاج إلى أن ييسره الله -جل وعلا- ويذلله ويهونه، ((واطو عنا بعده)) المسافات البعيدة، يسأل الله -جل وعلا- أن يصل إلى غرضه في أقصر مدة، ((اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل)) الصاحب في السفر هذه هي المعية، فليسال الإنسان أن تتحقق له المعيّة الخاصة بأن يكون مع المحسنين، من المحسنين، ليكن الله معه -جل وعلا-، ((اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل)) يعني كما أنه معك بعلمه وحفظه، هو أيضاً مع أهلك هناك يحفظهم ويرعاهم إذا بذلوا وبذلت أيضاً أسباب الحفظ والرعاية، وأن يكلأك الله -جل وعلا- بحفظه ورعايته، ويكلأ أهلك كذلك، ((اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر)) السفر لا شك أن له باعتباره خروج عن المألوف، تجد الإنسان أشعث أغبر، فيه وعثاء، وفيه أمور قد يخرج فيها الإنسان غير لائق بمرآه ولا منظرة، فيسأل الله -جل وعلا- أن يحفظ عليه توازنه الذي يرضي الله -جل وعلا-، ((وكآبة المنظر)) اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، من شدته وضيقه، وأيضاً كآبة المنظر، كون الإنسان يخرج مخرجاً وظهراً غير لائق، وسوء المنقلب، سوء المرجع، يعني كم من شخص يسافر مبتهج لرحلة ونزهة ثم يعاد به على سيارة الإسعاف مثلاً، هذا إن كان حياً، ويمكث بعد ذلك أيام أحياناً شهور وأحياناً سنين، هذا سوء المنقلب، نسأل الله العافية؛ لكن هذا يهون عند سوء المنقلب المتعلق بالدين؛ لأن بعض الناس يخرج من بلده منظره حسن وعنده أمواله ورايحين نزهة، يرجع فيه ما فيه من علل لتعرض حادث مثلاً له، هذا لا شك أنه سوء منقلب؛ لكن هذا متعلق في أمر الدنيا، أسوأ من هذا إذا انقلب منقلباً سيئاً في أمر دينه، يعني ذهب عفيف رجع فاجر، ذهب محافظ على الصلوات رجع مخل بها، ذهب محب للصالحين ومجالسة الصالحين ... المقصود أنه كم من إنسان خسر خسائر فادحة منها ما يشعر به الإنسان، ومنها ما لا يشعر به، كم من شخص سافر سفر ورجع ممسوخ القلب، نسأل الله السلامة والعافية، فيحتاط الإنسان في دينه، ويحرص أشد الحرص أن لا يسافر إلى الأماكن التي فيها شهوات وشبهات، ويمكّن فيها من الخروج عن
стр. 285
دينه بشبهةٍ أو شهوة، والله المستعان.
((في المال والأهل والولد)) وإذا رجع قالهن، سوء المنقلب إما بنفسه أو في ماله إذا رجع وإذا وماله قد اجتاحته جائحة، أو أهله حصل لهم ما حصل من كارثة، أو تهدم منزل عليهم، أو لص أو صائل أو ما أشبه ذلك، وكذلك الولد، وإذا رجع قالهن، قال ما ذكر، وزاد فيهن: ((آيبون)) يعني: راجعون، ((تائبون)) مقلعون عما كنا عليه من المعاصي، ((عابدون)) لله -جل وعلا-، ((لربنا حامدون)) نحمد الله -جل وعلا- أن يسّر لنا هذا السفر، وسهّل سببه، وأعاننا على قضاء حوائجنا، وردنا إلى أهلينا، والله المستعان.
الحديث السادس والثمانون: عن جابر بن عبد الله ﵄: أن النبي ﷺ : ((خذوا عني مناسككم)) [رواه أحمد ومسلم والنسائي].
نعم هذه قطعة من حديث جابر الطويل في صفة حج النبي ﵊، حديث جابر الطويل مخرج في صحيح مسلم وغيره فيه: ((خذوا عني مناسككم)) وهو نظير ما تقدم من قوله ﵊: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) فعلى الإنسان أن يقتدي بالنبي ﵊، وأن يصلي صلاةً مجزئه مسقطة للطلب، فيها أركان، وفيها شروط، توافرت أركانها وشروطها ومستحباتها على ضوء ما فعله النبي ﵊، وعلى ضوء ما نقل عنه ﵊، وكذلك الحج، عليه أن يأتي بالحج المبرور، الموافق لهدي النبي ﵊، مع الأسف كثير من الناس يترخص رخص بحيث لا يبدي إلا على الأركان، ومع ذلك يأمل أن يكون حجه مبروراً، يا أخي اقتدي بالنبي ﵊، واحرص على أن تفعل مثل ما فعله النبي ﵊، على أن لا تحمل نفسك ما لا تطيق؛ لأن الأفعال لا شك أنها متفاوتة منها الأركان التي لا يجوز الإخلال بها بحال، بحيث لو تخلف ركن منها ما صحّت العبادة، الواجبات أيضاً تعمدها يخدش في العبادة، وأما بالنسبة للمستحبات على الإنسان أن يأتي منها بقدر ما يستطيع، بحيث لا يشق على نفسه، وليحرص على تطبيق السنن، وأن يأتي بالعبادة على هدي الناس ﵊ ....
следующие страницы →