← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21803

شرح جوامع الأخبار - عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (301 стр.). Показаны 281–301 · переход к 286.

стр. 281

الحديث الخامس والثمانون: عن عبد الله بن عمر ﵄: " أن رسول الله ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر كبر ثلاثاً، ثم قال: ((سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مُقْرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البِرَّ والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هَوِّن علينا سفرنا هذا، واطوِ عَنَّا بُعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وَعْثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب، في المال والأهل والولد)) وإذا رجع قالهن، وزاد فيهن: ((آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون)) [رواه مسلم].

стр. 282

نعم هذا الحديث في أذكار السفر، ودعاء السفر، يقول: كان إذا استوى، (كان) تدل على الاستمرار، كما هو معروف، كان إذا استوى على بعيره، استوى يعني ركب، وفي روايةٍ: إذا وضع رجله في الغرز خارجاً إلى سفر كبّر ثلاثاً قائلاً: ((الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر)) ثم قال: ((سبحان الذي سخّر لنا هذا)) نزه الله -جل وعلا- عما لا يليق به الذي سخّر له هذه النعمة، الذي سخر له النعمة التي تنقله من بلد إلى بلد، ومن قطر إلى قطر، كلكم يدرك ما في المشي على الأقدام من صعوبة، تصور تمشي آلاف الأميال على قدميك هذه صعوبة شديدة، وقل مثل هذا في الوسائل القديمة، لو كنت تقطع الفيافي والقفار، تقطع القارات على حمار، تصور المشقة اللاحقة بك؟ ومع ذلك تقول: سبحان الذي سخر لنا هذا؛ لأنه أفضل من المشي على الأقدام، تصور أنك على بعير، وأنت في الليل والنهار تهز على هذا البعير، خمسة أشهر، ستة أشهر، يعني شيء؟! في رحلة ابن جبير من سواحل الشام إلى الأندلس ستة أشهر على السفينة، ستة أشهر، والآن في ساعة، أو ساعتين، يعني نِعَم تحتاج إلى شكر، ومع ذلكم لما قارب مشارف الأندلس جاءت عاصفة وردته إلى الشام في ثلاثة أيام، الآن هيئ لنا من الأسباب شيء ما يخطر على الباب، يعني أقل الوسائل الآن السيارة، ومع ذلك بإمكان الإنسان الآن أن ينتقل من بلد إلى آخر ألف كيلو وهو جالس رجل على رجل كأنه في بيته، القهوة والشاهي وكتب إن كان معه يقرأ ويطالع ويصحح ويرد على التلفون، ويسأل ويفتي، ويطمئن على .. يعني شيء ما يخطر .. نِعَم نِعَم لكنها تحتاج إلى شيء، النعم إذا شكرت قرّت؛ لكن هل نلاحظ أن كثير من الناس شكر يقابل هذه النعم؟ كثير من الناس يستعمل هذه النعم فيما لا يرضي الله -جل وعلا- مع الأسف الشديد، فنحن بحاجة إلى استمرار في الذكر والشكر؛ لأن الشكر هو السبب الحقيقي في المحافظة على هذه النعم، وإذا أردنا أن نحافظ على هذه النعم، ومن أعظمها نعمة الأمن علينا أن نشكر، ونسعى في تحقيق الأسباب والوسائل الحقيقية للمحافظة على هذا الأمن، وهذه النعم التي نعيشها، ((سبحان الذي سخّر لنا هذا وما كنا له مقرنين)) ما كنا مطيقين، ما نستطيع أن نصل إلى هذه الأمور، يعني

стр. 283

تواضع لله -جل وعلا-، واعترف بأنك ضعيف، لا تستطيع أن تصل إلى هذه الأمور بجهدك وقدرتك، الإنسان إذا ركب سيارة جديدة رفع أنفه، تكبر على الناس كأنه هو الذي صنعها، الله المستعان، أما تخشى أن تسلب هذه النعمة، أو تكون وبالاً عليك، تكون قبراً لك، ((وإنا إلى ربنا لمنقلبون)) يتذكر المآل إلى الله -جل وعلا-، فإذا تذكر ذلك بعثه هذا إلى العمل على ما يرضي الله -جل وعلا-، ((اللهم إنا نسألك -هنا الدعاء- في سفرنا هذا البر والتقوى)) لأن الأسفار وفيها الانتقال من الروتين على ما يقولوا الناس، وفيه أيضاً الانتقال من بلدٍ إلى آخر، تختلف فيه العادات والتقاليد والأعراف، قد ييسر له أمور لا تتيسر له في بلده، إما مما يرضي الله، أو مما يغضب الله، فالذي يسأل الله -جل وعلا- أن ييسر له ما يعينه على البر والتقوى، ((ومن العمل ما ترضى)) يسر لنا الأعمال التي ترضيك، ومع الأسف أن كثير من شباب المسلمين، وصل الأمر إلى الكهول أحياناً يسافرون الأسفار التي يزاولون فيها المعاصي والمنكرات، هذا خطر عظيم وخلل، نسأل الله السلامة والعافية، ويذكر بعض من يسافر الرحلات الطويلة الدورية يشوف من الناس من هو محافظ في بلده ومجرد ما تقلع الطائرة يتغير وضعه، هل هذا ذاكر لربه شاكر لنعمه؟ نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 284

((اللهم هوّن علينا سفرنا هذا)) لأن الأصل في السفر المشقّة، وأنه قطعة من العذاب، يحتاج إلى أن ييسره الله -جل وعلا- ويذلله ويهونه، ((واطو عنا بعده)) المسافات البعيدة، يسأل الله -جل وعلا- أن يصل إلى غرضه في أقصر مدة، ((اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل)) الصاحب في السفر هذه هي المعية، فليسال الإنسان أن تتحقق له المعيّة الخاصة بأن يكون مع المحسنين، من المحسنين، ليكن الله معه -جل وعلا-، ((اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل)) يعني كما أنه معك بعلمه وحفظه، هو أيضاً مع أهلك هناك يحفظهم ويرعاهم إذا بذلوا وبذلت أيضاً أسباب الحفظ والرعاية، وأن يكلأك الله -جل وعلا- بحفظه ورعايته، ويكلأ أهلك كذلك، ((اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر)) السفر لا شك أن له باعتباره خروج عن المألوف، تجد الإنسان أشعث أغبر، فيه وعثاء، وفيه أمور قد يخرج فيها الإنسان غير لائق بمرآه ولا منظرة، فيسأل الله -جل وعلا- أن يحفظ عليه توازنه الذي يرضي الله -جل وعلا-، ((وكآبة المنظر)) اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، من شدته وضيقه، وأيضاً كآبة المنظر، كون الإنسان يخرج مخرجاً وظهراً غير لائق، وسوء المنقلب، سوء المرجع، يعني كم من شخص يسافر مبتهج لرحلة ونزهة ثم يعاد به على سيارة الإسعاف مثلاً، هذا إن كان حياً، ويمكث بعد ذلك أيام أحياناً شهور وأحياناً سنين، هذا سوء المنقلب، نسأل الله العافية؛ لكن هذا يهون عند سوء المنقلب المتعلق بالدين؛ لأن بعض الناس يخرج من بلده منظره حسن وعنده أمواله ورايحين نزهة، يرجع فيه ما فيه من علل لتعرض حادث مثلاً له، هذا لا شك أنه سوء منقلب؛ لكن هذا متعلق في أمر الدنيا، أسوأ من هذا إذا انقلب منقلباً سيئاً في أمر دينه، يعني ذهب عفيف رجع فاجر، ذهب محافظ على الصلوات رجع مخل بها، ذهب محب للصالحين ومجالسة الصالحين ... المقصود أنه كم من إنسان خسر خسائر فادحة منها ما يشعر به الإنسان، ومنها ما لا يشعر به، كم من شخص سافر سفر ورجع ممسوخ القلب، نسأل الله السلامة والعافية، فيحتاط الإنسان في دينه، ويحرص أشد الحرص أن لا يسافر إلى الأماكن التي فيها شهوات وشبهات، ويمكّن فيها من الخروج عن

стр. 285

دينه بشبهةٍ أو شهوة، والله المستعان. ((في المال والأهل والولد)) وإذا رجع قالهن، سوء المنقلب إما بنفسه أو في ماله إذا رجع وإذا وماله قد اجتاحته جائحة، أو أهله حصل لهم ما حصل من كارثة، أو تهدم منزل عليهم، أو لص أو صائل أو ما أشبه ذلك، وكذلك الولد، وإذا رجع قالهن، قال ما ذكر، وزاد فيهن: ((آيبون)) يعني: راجعون، ((تائبون)) مقلعون عما كنا عليه من المعاصي، ((عابدون)) لله -جل وعلا-، ((لربنا حامدون)) نحمد الله -جل وعلا- أن يسّر لنا هذا السفر، وسهّل سببه، وأعاننا على قضاء حوائجنا، وردنا إلى أهلينا، والله المستعان. الحديث السادس والثمانون: عن جابر بن عبد الله ﵄: أن النبي ﷺ : ((خذوا عني مناسككم)) [رواه أحمد ومسلم والنسائي]. نعم هذه قطعة من حديث جابر الطويل في صفة حج النبي ﵊، حديث جابر الطويل مخرج في صحيح مسلم وغيره فيه: ((خذوا عني مناسككم)) وهو نظير ما تقدم من قوله ﵊: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) فعلى الإنسان أن يقتدي بالنبي ﵊، وأن يصلي صلاةً مجزئه مسقطة للطلب، فيها أركان، وفيها شروط، توافرت أركانها وشروطها ومستحباتها على ضوء ما فعله النبي ﵊، وعلى ضوء ما نقل عنه ﵊، وكذلك الحج، عليه أن يأتي بالحج المبرور، الموافق لهدي النبي ﵊، مع الأسف كثير من الناس يترخص رخص بحيث لا يبدي إلا على الأركان، ومع ذلك يأمل أن يكون حجه مبروراً، يا أخي اقتدي بالنبي ﵊، واحرص على أن تفعل مثل ما فعله النبي ﵊، على أن لا تحمل نفسك ما لا تطيق؛ لأن الأفعال لا شك أنها متفاوتة منها الأركان التي لا يجوز الإخلال بها بحال، بحيث لو تخلف ركن منها ما صحّت العبادة، الواجبات أيضاً تعمدها يخدش في العبادة، وأما بالنسبة للمستحبات على الإنسان أن يأتي منها بقدر ما يستطيع، بحيث لا يشق على نفسه، وليحرص على تطبيق السنن، وأن يأتي بالعبادة على هدي الناس ﵊ ....

стр. 286

شرح جوامع الأخبار (١٠) شرح حديث: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تعدل .. ) وحديث: (لا حسد إلا في اثنتين .. ) وحديث: (اللهم إني أسألك الهدى .. ) وحديث: (من أحب أن يزحزح عن النار .. ) وحديث: (إن الله يرضى لكم ثلاثاً .. ) وحديث: (خذي من ماله بالمعروف .. ) وحديث: (لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان .. ) وحديث: (كُلْ واشرب .. ) وحديث: (تلك عاجل بشرى المؤمن .. ) وحديث: (رضا الله في رضا الوالدين .. ) وحديث: (ثلاث لا يَغُلُّ .. ) وحديث: (إنما الناس كالإبل المائة .. ) وحديث: (يأتي على الناس زمان القابض على دينه .. ) الشيخ/ عبد الكريم الخضير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. سم. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على محمدٍ وآله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان، وصدق اتباعٍ إلى يوم الدين، أما بعد: فيقول العلامة المؤلف الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي -عليه رحمة الله-، وغفر له، ولنا، ولشيخنا أجمعين. الحديث السابع والثمانون: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن)) [رواه مسلم].

стр. 287

نعم هذا الحديث العظيم الذي فيه أن سورة الإخلاص على قصرها تعدل ثلث القرآن، ولا شك أن هذا من فضل الله -جل وعلا-، ورحمته بعباده، ثلث القرآن كم تستغرق من الوقت؟ لو قرأ الواحد قل هو الله أحد عشر مرات، أو أكثر، أو مائة، ما تأخذ وقت، ومع ذلكم قراءتها مرة واحدة تعدل ثلث القرآن، والتمس أهل العلم لهذا التعديل وجه، فرأوا من ذلكم شيخ الإسلام ابن تيمية، وله مصنف في هذه المسألة، جواب أهل العلم والإيمان فيما جاء عن النبي ﵊ بأن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن، مصنف نفيس، وله أيضاً تفسير سورة الإخلاص؛ لكن التعديل يرى جمع من أهل العلم أن القرآن مشتمل على أحكام، ومشتمل على قصص، ومشتمل على عقائد تتعلق بالله -جل وعلا-، وهذا هو أعظمها، وهو الذي اشتملت عليه هذه الآية، فما يتعلق بتوحيد الله -جل وعلا-، وإثبات ما يجب إثباته له، وإفراده بالوحدانية فهو الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، هذه تضمنته هذه السورة، وتضمن قسم آخر من القرآن الأحكام الشرعية الظاهرة والباطنة، وقسم ثالث اشتمل على القصص والأخبار التي ذكرت للعظة والاعتبار ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [(١١١) سورة يوسف] ما كان حديثاً يفترى، ما هو مجرد قصص وتسلية، لا، للعبرة والاعتبار، قد مضى القوم كما قال عمر ﵁: مضى القوم ولم يرد به سوانا، فعلينا أن نعتبر بما قصه الله -جل وعلا- في كتابه، وعلينا أن نعمل بما جاء في الكتاب من الأوامر والنواهي، وعلينا أن نعتقد ما تضمنه هذا الكتاب العظيم من عقائد فيما يتعلق بالله -جل وعلا- بأسمائه وصفاته وتنزيهه ومماثلة المخلوقين له. الحديث الثامن والثمانون: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها، ويعلمها)) [متفق عليه].

стр. 288

((لا حسد إلا في اثنتين)) جاءت النصوص الشرعية في الكتاب والسنة في ذم الحسد، وجاء ما يدل على أنه يأكل الحسنات، وأنه داء من أدواء القلب، ويحتاج إلى علاج، وأن القلب السليم المنجي النافع بريء من الحسد، وهنا النبي ﵊ أثبت الحسد في مسألتين: ((لا حسد إلا في اثنتين)) الحسد إن كان الحاسد يتمنى زوال النعمة عن المحسود، فهذا هو المذموم، وإن كان الحاسد لا يتمنى زوال النعمة عن المحسود، بل يتمنى لنفسه نظير هذه النعمة فهذه هي الغبطة المحمودة الواردة في هذا الحديث، ((لا حسد)) يعني لا غبطة بأن يتمنى الإنسان أن يكون له مثل ما لفلان، ((لا حسد إلا في اثنتين، رجل آتاه الله مالاً فسلطته على هلكته في الحق)) يعني يدور مع الحق حيثما دار من غير إسرافٍ ولا تقتير، يعطي فلاناً ويعطي فلاناً المحتاج، ويعطي .. ينفقه في سبيل الله، والنبي ﵊ كما في الحديث: ((ما يسرني أن لي مثل أحدٍ ذهباً تأتي عليّ ثالثة وعندي منه دينار، إلا ديناراً أرصده لدين، أقول به هكذا وهكذا وهكذا)) عن يمينه وشماله ويساره وأمامه ومن خلفه، هذه فائدة المال، أما المال يكنز ويدخر في البيوت ويراقب زاد وإلا نقص، هذا وبال على صاحبه، ما فائدة المال الذي إذا زاد شيئاً يسيراً احتاج صاحبه إلى علاج، إذا نقص شيئاً يسيراً احتاج إلى علاج، يراقب الشاشات زاد الضغط يحتاج إلى حبة هذه للضغط، نزل يحتاج إلى حبة سكر، هذا مال؟ هذا وبال على صاحبه، عذاب في الدنيا قبل الآخرة؛ لكن وجود المال الصالح عند الرجل الصالح ينفقه على المحتاجين، ينفع به نفسه، يقدمه لآخرته نعم، هذا المغبون، ((فسلطه الله على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها)) الحكمة إذا اقترنت مع القرآن، فالمراد بها السنة، وإذا تفردت شملت ما جاء في الكتاب والسنة، يعني رجلاً آتاه الله علماً شرعياً، مستمداً من كتاب الله وسنة نبيه ﵊ استفاد من هذا العلم في نفسه، وأفاد غيره، علمه الناس، وقضى بينهم، فقد تعلم، ثم عمل، ثم علّم، وبهذا استحق أن يكون ربانياً إذا كان مخلصاً لله -جل وعلا-، هذا الذي يستحق أن يحسد، هذا الذي يستحق أن يغبط،

стр. 289

أما شخص تعلم علماً مهما حصل بواسطته من وظائف الدنيا؛ لكنه لا يعمل به، ولا يعلمه، هذا وبال عليه، والله المستعان. الحديث التاسع والثمانون: عن عبد الله بن مسعود ﵁: " أن النبي ﷺ كان يدعو، فيقول: ((اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى)) [رواه مسلم]. هذا الحديث عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ كان يدعو بهذا الدعاء الجامع لخيري الدنيا والآخرة، الهدى والتقى، يسأل الله -جل وعلا- الهدى، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم، والتقى أن ييسر له فعل الأوامر، ويكفه عن فعل ما حرمه عليه، هذا بالنسبة لأمور الدين، وأن يرزقه العفاف، والعفاف في الكفاف كما تقدم، يعفه عما في أيدي الناس، والغنى يغنيه عما في أيديهم، فلا يحتاج إلى أن يتكفف الناس، وينزل بهم حوائجه، إنما يرتبط بربه -جل وعلا-، الذي أغناه عنهم. الحديث التسعون: عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه)) [رواه مسلم].

стр. 290

حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة)) فمن زحزح عن النار، وأدخل الجنة فقد فاز، الذي يسمع هذا الكلام في كتاب الله -جل وعلا- تتوق نفسه إلى هذه الزحزحة، وإدخال الجنة، تتوق نفسه إلى هذا الفوز؛ لكن بالأماني؟ يتمنى فقط؟ ((من أحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر)) لا بد من الإيمان بالله -جل وعلا-، وإلا إذا كان غير مؤمن بالله -جل وعلا-، الجنة عليه حرام، مصيره إلى النار، نسأل الله العافية، خالداً مخلد؛ لأن الإيمان إذا أفرد دخل فيه الإسلام؛ لأنه لا يقول قائل: قد لا يتصف بالإيمان، ويتصف بالإسلام، ومآله إلى الجنة، نقول: الإيمان إذا أفرد دخل فيه الإسلام، فمن ليس بمسلم، وليس بمؤمن هذا من أهل النار، فإذا أراد أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة يأتي بالشرط الأول وهو الإيمان، لا بد أن يكون متلبساً بهذا الوصف الذي هو الإيمان بالله واليوم الآخر، ((وليأت إلى الناس)) هذا بالنسبة لمعاملة الخالق الإيمان، ومعاملة المخلوق يكون محسناً في تعامله مع ربه، ومع خلقه بأن يأتي للناس الشيء الذي يحب إن يؤتى إليه، أي تصرف تتصرفه مع أخيك المسلم لا بد أن تعرضه على نفسك، وتفكر فيه لو أن هذا التصرف صدر منه إليّ، هل أقبل هذا التصرف وإلا لا؟ إن كنت تقبله لا بأس، إن كنت لا تقبله توقف، إذا كنت تمزح مع صاحبك، وتثقل عليه بالمزح، هل أنت ترضى مثل هذا المزح لنفسك؟ يعني لو صدر منه تتحمل؟ إذا كنت تتحمل فالمسألة مرفوعة، الكلفة مرفوعة بينك وبين صاحبك، امزح معه، إذا كنت لا تتحمل مثل هذه التصرفات فلا تتصرف فيها مع إخوانك، ((وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه))، والله أعلم. الحديث الحادي والتسعون: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويكره لكم ثلاثاً: فيرضى لكم أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً، ولا تفرقوا، ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)) [رواه مسلم].

стр. 291

نعم، هذا الحديث يقول فيه الرسول ﵊: ((إن الله يرضى لكم ثلاثاً)) يعني ثلاثاً من الخصال، ويكره ثلاثاً، والكراهية أعم من أن تكون كراهية اصطلاحية أو شرعية؛ لأن فيها محرمات، نعم قد تصل هذه الأوصاف المكروهة أو الخصال المكروهة إلى حد الكراهة الاصطلاحية، وقد ترقى إلى حد التحريم، فالكراهة بعمومها تتناول الأمرين، وتشمل الأمرين، إن الله يرضى ويكره، فيه إثبات صفة الرضا والكراهية لله -جل وعلا-، على ما يليق بالله -جل وعلا- بجلاله وعظمته من غير مشابهةٍ للمخلوق، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [(١١) سورة الشورى] إن الله يرضى لكم ثلاثاً، يعني من الخصال ويكره لكم ثلاثاً منها: ((فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً)) تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً ومقتضاه كلمة التوحيد، وهذا هو حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ((وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً)) لا بد من الاعتصام بحبل الله -جل وعلا-، بالكتاب والسنة، كما جاء عن نبيه ﵊ على هديه، وكتب السنة فيها كتاب اسمه كتاب الاعتصام في الكتاب والسنة، الاعتصام بالكتاب والسنة يتأكد لا سيما في مثل هذه الأيام إدامة النظر في مثل هذه الأبواب، فالاعتصام ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ [(١٠٣) سورة آل عمران] وقد جاء الأمر بذلك في الكتاب والسنة، اعتصموا بالدين، اجتمعوا على الدين الحق، ولا تتفرقوا، تختلفوا، تنازعوا، تفرق بكم السبل فتفشلوا، ولا شك أن القوة في الاعتصام والاجتماع، والضعف لا شك أنه في التفرق، ((ويكره لكم قيل وقال)) الكلام قيل وقال، قيل كذا وقيل كذا، الأخبار قالت كذا، القنوات قالت كذا، الصحف قالت كذا، وكلها إشاعات، لا تستند إلى حقائق، إشاعات ممرضة مقلقة، تبعث على اليأس، وعلى الخمول، قيل وقال، يعني ظهر هذا الإعجاز النبوي في هذه العصور، في أجلى صوره، الناس مجالسهم كلها قيل وقال، وهذا مكروه عند الله -جل وعلا-، فعلى الإنسان أن يحفظ نفسه من هذه الأمور، وهذه التصرفات، ((يكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال)) فعلى الإنسان أن يحفظ لسانه، ويحفظ سمعه، ويحفظ بصره، يحفظ

стр. 292

جوارحه؛ لأن هذا القيل سُمع، ثم تٌكلم به، وقد يكون رٌؤي، وقد يكون القائل كافر، وقد يكون بغي من خلال هذه القنوات، كم من مصيبة، وكم من مشكلة أورثتها هذه القنوات، والإشاعات التي لا تستند إلى أصل لا تفيد العلم، ما تفيده شيئاً، إنما ضررها محقق، ونفعها مظنون إن وجد، ((وكثرة السؤال، وإضاعة المال)) لا شك أن الشرع عظم من شأن المال، وحفظ الأموال من حفظ الضرورات التي جاءت الشرائع بها، فلا يجوز للإنسان أن يضيع ماله فيما لا ينفع، بل عليه أن يحفظ ماله عن السفهاء ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ﴾ [(٥) سورة النساء] وهذا في المباحات، يجب حفظه وتبليغه في المباحات فضلاً عن المحرمات، فإضاعة المال حرام، وإذا كانت في أمورٍ محرمة زاد الأمر تحريماً. الحديث الثاني والتسعون: عن عائشة ﵂ قالت: " دخلت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان على رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله: إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بنيَّ، إلا ما أخذته من ماله بغير علمه، فهل عليَّ في ذلك من جناح؟ فقال رسول الله ﷺ : ((خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك)) [متفق عليه].

стр. 293

النفقة على الزوجة وعلى الأولاد وعلى الأقارب واجبة في حق الزوج، الوالد، الولد إن كان قادراً وأبواه عاجزان عليه نفقتهم، تجب عليه النفقة، ويأثم بالبخل بها، وعدم أدائها إلى مستحقها، كما أنه يأثم أيضاً بالتقصير فيها، لا بد أن يؤدي ما أوجب الله عليه، هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان صخر بن حرب جاءت إلى النبي ﵊ وشكت عليه، شكت زوجها، وذكرت أنه رجل شحيح، ولا شك أنه يكره هذه الكلمة؛ لكن الحاجة داعية إليها، في حال الاستفتاء، وفي حال القضاء، وفي حال المشورة وغيرها، لا مانع أن يذكر الإنسان بما يكره إذا لم يقصد بذلك عيبه وتنقصه، إنما هو تصوير للواقع؛ لأن الفتوى لا بد أن تكون بعد فهم السؤال، لو قالت: إن أبا سفيان لا يعطيني من النفقة ما يكفيني إذا كان، لاحتمل أن يكون أحياناً دون أحيان؛ لكن ما دام رجل شحيح صارت هذه عادته المضطردة، فتتغير الفتوى تبعاً لذلك، "لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني" ونفقتهم واجبة عليه، "إلا ما أخذته من ماله بغير علمه، فهل عليّ في ذلك من جناح؟ فقال رسول الله ﷺ : ((خذي من ماله بالمعروف)) " لا تجوز الزيادة على ما يكفي أبداً؛ لأن الزيادة من مال الزوج أو من مال الوالد أكثر من الحاجة، حاجة النفقة، هذه خيانة واختلاس، ((خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك)) ومثل هذه الأمور في أبواب النفقات وغيرها متروكة إلى العرف؛ لأنه ما تحدد بمبلغ معين قد يكون في وقتٍ من الأوقات قليل جداً، أو لا يكون شيء النسبة إلى ما يستحق، وأحياناً يكون كثيراً، إن مثل هذه الأمور متروك تحديدها إلى العرف، مسألة عند أهل العلم مسألة الظفر هذه مسألة معروفة عند أهل العلم، لك مال عن شخصٍ من الأشخاص فجحد هذا المال قال: أنا ما عندي شيء، لا شيء لك عندي، فظفرت بشيءٍ من ماله، أقرضت زميلك مائة ريال، قلت له قال: أبد ما عندي لك شيء، ظفرت من ماله كتاب يسوى له مائة، قلت: جت فرصة آخذه، يجوز وإلا ما يجوز؟ من غيره علمه، وليس عندك ما تثبت به حقك لإقامة الدعوى المسألة خلافية، من أهل العلم أخذاً من هذا الحديث يقول: يأخذ، على أن لا يتعدى ولا يزيد على ما له عنده، عليه أن يأخذ

стр. 294

بقدر ما عليه، وحينئذٍ أخذ، حصل وظفر بحقه كما هنا، ومنهم من يقول: أبداً ليس له ذلك البتة، استدلالاً بحديث: ((أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك)) لكن هذا الحديث يدل على أنه إذا كان السبب ظاهراً، إذا كان السبب ظاهر، مثل النفقة، السبب ظاهر بحيث لا تنسب إلى خيانة إذا أخذ جاز لك ذلك، وإلا فلا، وهذا هو القول الوسط في هذه المسألة. الحديث الثالث والتسعون: عن أبي بكرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان)) [متفق عليه]. نعم هذا الحديث حديث أبي بكرة النفيع بن الحارث ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يحكم أحدكم بين اثنين وهو غضبان)) الغضب لا شك أنه يحول بين المرء وبين التصور الصحيح، يغطي العقل، أو شيئاً من العقل؛ لأنه يتفاوت من شخص إلى آخر؛ لأنه لا يمكن من النظر الصحيح في القضية، فلا يجوز للإنسان أن يقضي بين اثنين وهو غضبان؛ لأنه لا يتمكن من النظر في الصحيح في القضية، وقل مثل هذا في الإفتاء مثلاً، والتدريس إذا كان غضبان قد يتكلم بكلام غير مناسب، وإذا كان السبب التشويش على الذهن وعدم الاستيعاب، مثله أيضاً الجوع الشديد، الحر الشديد، البرد الشديد، وغير ذلك من المؤثرات؛ لكن إذا قضى بين اثنين وهو غضبان، وصار حكمه وقضاؤه صحيحاً مثل هذا ينفذ حكمه، وليس بباطل؛ لكنه ارتكب محرماً. الحديث الرابع والتسعون: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : ((كُلْ واشرب، والبَسْ وتصدق، من غير سَرَف ولا مَخيلة)) [رواه أحمد وأبو داود، وعلقه البخاري]. علقه البخاري بهذا الإسناد وإلا عن عبد الله بن عمرو؟ إيش يقول؟ طالب:. . . . . . . . . قال في تبويبه: باب قول الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [(٣٢) سورة الأعراف] وقال النبي ﷺ . بدون إسناد، يحذف الإسناد؛ لأن هذا الإسناد ليس على شرطه.

стр. 295

حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : ((كل واشرب)) هذا أمر معلوم أن كل إنسان لا بد أن يأكل، ولا بد أن يشرب، ولا بد أن يلبس، وعليه أن يتصدق؛ لكن مع ذلكم لا بد أن يتوسط في أموره كلها من غير سرفٍ ولا مخيلة، عليه أن يأكل ويشرب ﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ﴾ [(٣١) سورة الأعراف] ولذا قال: ((من غير سرف)) من غير مجاوزة للحد، من غير تبذير، فإن المبذرين كانوا إخوان الشياطين، ((ولا مخيلة)) لا تختال في ذلك على الناس، ولا تتكبر عليهم، ولا تغتر بمدحهم ولا ثنائهم، إنما عليك أن تلاحظ خالقك وما يرضيه، أما أن تأكل وتشرب من أجل أن يقال، ومن أجل أن، تلبس ومن أجل أن يقال، كل هذا لا قيمة له، عليك أن تتوسط في أمورك كلها، في أكلك، في شربك، في لبسك، في صدقتك، يأتيك الرجل يطلب، محتاج مبلغ يسير تعطيه أضعاف أضعاف مضاعفة لهذا المبلغ، القدر الزائد اصرفه لآخر، لا تسرف في مثل هذا، ((ولا مخيلة)) لأن بعض الناس وجد، نسأل الله العافية من بعض التجار أنه إذا كان بين زملائه وأقرانه يأتيه الفقير يعطيه المبالغ الكبيرة، وإذا كان بمفرده قد لا يعطيه شيئاً، أو يعطيه شيء يسير، هذا أمر خطير، بل تعدى الأمر عند بعضهم أن يصرف للفقير شيك، اصرفوا لأمر فلان مبلغ مائة ألف، ينصرف المسكين، ويدخل هذا يكلم على التلفون يحجز المبلغ، نسأل الله السلامة والعافية، يصل الأمر إلى هذا الحد عند بعض الناس؟ واحد بين الزملاء جاءه سائل، فأحضر له كيساً كبيراً مملوء بالدراهم مربوط، وقال: استلم، يوم طلع الفقير هذا وإذا هن ريالات، الحاضرين يظنونها مليون، وهي ثلاثة آلاف من فئة ريال، مثل هذه الأمور يخشى على الإنسان من أن ينتكس، من أن يسلب هذه النعمة، من أن يتكفف الناس بدلاً من أن يكون محسناً إليهم، نسأل الله العافية والسلامة. الحديث الخامس والتسعون: عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قيل: يا رسول الله، أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده -أو يحبه- الناس عليه؟ قال: ((تلك عاجل بشرى المؤمن)) [رواه مسلم].

стр. 296

نعم، يعني بالمقابل بدلاً من أن يسعى أن يحمده الناس على ذلك، ويعمل من أجل الناس إذا مدحه الناس وحمدوه من غير سببٍ منه، هو يفعل الخير لله -جل وعلا-، يعمل الخير، "أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير" مخلصاً في ذلك لله -جل وعلا- ثم بعد ذلك الناس يمدحونه، ترتب على ذلك مدح الناس وحمدهم، قال: إذا لم له سبب من ذلك، ولا أثر له في نفسه، لا شك أن هذه عاجل بشرى المؤمن؛ لأن الناس إذا اتفق ألسنتهم على مدح شخص، هم شهود الله في أرضه، شهداء الله في أرضه، لما أثنوا على الجنازة خيراً قال ﵊: ((وجبت، وجبت، وجبت)) يعني وجبت له الجنة، هذا إذا لم يكن بتعرضٍ منه؛ لأن بعض الناس يحب المدح والثناء، ولا شك أن هذا قادح، أما إذا حصل المدح والثناء من غير تعرضٍ ومن غير محبة، ومن غير تأثير عليه، فلا شك أن هذه عاجل بشرى المؤمن، يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى- في الفوائد: "إذا حدثتك نفسك بالإخلاص، فاعمد إلى حب المدح والثناء فاذبحه بسكين علمك أنه لا أحد ينفع مدحه ولا يضر ذمه إلا الله -جل وعلا-" كما قال الأعرابي للنبي ﵊: "أعطني يا محمد فإن مدحي زين وذمي شين" قال: ((ذاك الله )) مو بأنت، فالإنسان يكون على بينةٍ من هذا، والقلوب بيد الله -جل وعلا-، يعني شخص ما نفعك بشيءٍ طول عمرك، أو ما تعدى نفعه إلى كثيرٍ من الناس؛ لكن بينه وبين ربه معاملة خفية، تجد جنازته مشهودة، تذهل كيف حضر الناس؟ من أجل إيش؟ الناس شهداء الله في أرضه، والله -جل وعلا- هو الذي يصرف ألسنة الناس، وأفعال الناس، الناس ما يساقون بالعصي، جاء شخص إلى يزيد بن عبد الملك فقال له: إن أباك أعطاني أرضاً في المحل الفلاني -عبد الملك- فجاء عمر بن عبد العزيز ﵀ فأخذها، قال: عجب، الذي أعطاك ما قلت: ﵀، والذي أخذها تقول: ﵀؟ قال: يا أخي ما هو أنا الذي أقول، الناس كلهم تقوله؟ نعم يا أخي الإنسان ما يستطيع أن يقدم لنفسه شيء؛ لكن عليه أن يقدم ما يرضي الله -جل وعلا-، والله -جل وعلا- هو الذي يجعل الناس يحبونه ويمدحونه؛ لكن لا، الحذر من أن يكون لهذا المدح أو الأثر أثر، أن يكون له أثر، أو استشراف، أو

стр. 297

يحب أن يمدحه الناس، في الحديث: ((ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم فأفسد لهما على العبد المؤمن من حب الشرف والمال)) حب رئاسة، يحب مال، وده يصير رئيس، يصير مدير، على شان إيش؟ والله المستعان. الحديث السادس والتسعون: عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين)) [أخرجه الترمذي، وصححه ابن حبان والحاكم]. هذا حديث من أدلة البر الكثيرة، بر الوالدين والإحسان إليهما، فكل ما يكون سبباً في رضا الوالدين فهو مرضٍ لله -جل وعلا-، وكل ما يكون مسخطاً للوالدين فهو مسخط لله -جل وعلا-، شريطة أن يكون الوالدان أهل خير وفضل واستقامة، أما إذا كانوا أهل فساد، يأمرون الولد، ويرضيهم ما يسخط الله -جل وعلا-، فلا رضي البتة، لا رضى لهما، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛ لكن المسألة في والدين مسلمين محبين للخير، يبغضان عن الشر وأهله، لا يأمران بمعصية، فمثل هؤلاء رضا الله في رضاهم، فلا بد من إرضائهم، ولا يجوز إسخاطهما البتة؛ لكن إذا أمرا بمعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. الحديث السابع والتسعون: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاث لا يَغُلُّ عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة المسلمين؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم)) [رواه الترمذي والشافعي وغيرهما]. كذا عندكم؟ التخريج وش يقول؟ طالب: هنا يا شيخ يقول: أخرجه الترمذي. أنا عندي رواه مسلم. طالب: عندي رواه الترمذي يا شيخ هنا. طالب: يقول: وقد ورد في بعض نسخ الكتاب أن المؤلف عزاه إلى صحيح مسلم، وليس بصواب، والصحيح ما أثبته، والله أعلم. يعني أثبته من نسخة وإلا تصحيح منه؟ طالب: تصحيح تخريج يمكن.

стр. 298

ما ينفع تخريج يتصرف في الكتاب، يبقى كما هو (رواه مسلم) ويعلق يقول: الصواب كذا، هذا الأصل، لا يتصرف في كتب الناس، يبقى كما هو، يقول: رواه مسلم، ولم أجده في صحيح مسلم، والصواب كذا، على كل حال الحديث لا إشكال فيه، صحيح، ((ثلاث لا يغل)) يعني لا يبقى في قلب مؤمن غل معها، إذا اجتمعت في قلب مؤمن فإنه لن ينطوي على غل، ((لا يغل عليهن قلب مسلم)) يعني معهن قلب مسلم، ((إخلاص العمل لله)) إخلاص العمل هذا شرط في صحة كل عبادة، هذا بالنسبة لما يتعلق بمعاملة الخالق، وأيضاً ((مناصحة ولاة الأمور)) وقد سبق هذا الأمر في الدين النصيحة لأئمة المسلمين ((مناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة المسلمين)) لأن الشذوذ على المسلمين خطر، والذئب إنما يأكل من الغنم القاصية، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم، لا يجوز للإنسان أن يشذ عن عموم المسلمين، لا برأيه، ولا بفعله، ولا بنفسه، إلا في أوقات الفتن التي يخشى على نفسه منها، فيوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع فيها شعف الجبال، فإذا توافرت هذه الأمور: الإخلاص، والمناصحة، ولزوم الجماعة، فإن قلب هذا المسلم الذي توافرت لديه لا ينطوي على غل، فلنحرص على ما ذكر. الحديث الثامن والتسعون: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنما الناس كالإبل المائة، لا تكاد تجد فيها راحلة)) [متفق عليه].

стр. 299

هذا الحديث يبين أن الناس عددهم كثير، كما أن الإبل عدد كثير، وصاحب الإبل تجد عنده مائة رأس من الإبل، ويريد أن يرتحل واحدةً منها لا يكاد يجد واحدة، وما كل الإبل، ما كل الجمال، ما كل النوق تصلح لأن تركب، الراحلة أحياناً تكون واحدة في الذود، في القطيع، في المجموعة، فالناس مثله، تبحث عن شخص يصلح لهذا المنصب تتعب، ومن ولاه أمر المسلمين يجد مشقّة حينما يفقد شخص كفؤ في مكانٍ مناسب يضع مكانه آخر؛ لكن مع ذلك عليه أن يسدد ويقارب، وأن يمحظ النصح للأمة، وأن يختار لهذا العمل أفضل الناس، وأولى من يقوم به، لماذا؟ لأنه إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة، نعم كثير من الأعمال قد يصعب أن تجد من تتوافر فيه الشروط، انزل درجة، لأنه لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، فالناس كما أخبر النبي ﵊: ((كالإبل المائة)) يعني تبحث في مجموعة، بلد كامل تريد أمير عليهم قد لا تجد، تجيب لهم أمير من غيرهم، تجد قاضي من هذا البلد، قد لا تجده، تأتي من بلدٍ آخر، هذا لا تتوافر في الشروط، هذا ما يصلح، هذا اختل فيه شرط هذا كذا؛ لكن عليه أن يسعى جاهداً في اختيار الأصلح، لمن يصلح لأمور الناس، ويصلح شؤون الناس، ويسير أمور الناس، ويقيم حدود الله -جل وعلا- في الناس، فإذا تعدينا مثل هذا، وعيّن غير الأكفأ فقد وسد الأمر إلى غير أهله، وهذا لا يجوز بحال؛ لكن إذا لم نجد من تتوافر فيه الشروط ننزل في الشروط، اتقوا الله ما استطعتم. الحديث التاسع والتسعون: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يأتي على الناس زمان القابض على دينه كالقابض على الجمر)) [رواه الترمذي].

стр. 300

الحديث الأخير حديث أنس -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((يأتي على الناس زمان القابض على دينه كالقابض على الجمر)) يعني الشخص المستقيم على دين الله -جل وعلا- في بعض الأوقات، وفي بعض الأماكن لا سيما في آخر الزمان حينما تكثر الفتن، لا شك أن الملتزم المتمسك بدينه وضعه شديد، وحياته مقلقة، تجده في نزاع، وفي صراع مع أهله، مع جيرانه، مع نفسه الأمارة، مع .. كالقابض على الجمر، فهو مع قبضه على الجمر يصارع ويعاني بس متى يفلت يده من هذا الجمر؟ على مشقة، وعلى شدةٍ شديدة، فعلى الإنسان أن يسعى جاهداً أن يحافظ على دينه، وأن لا يتنازل عن شيءٍ من دينه مهما كلفه الأمر حتى يلقى الله -جل وعلا-، أما من يتنازلون عن .. نسأل الله السلامة والعافية عن دين، عن عرض، في مقابل عرض الدنيا، وأخبر النبي ﵊ عن فتن تكون في آخر الزمان، يصبح الرجل مؤمن ويمسي كافر، يمسي مؤمن ويصبح كافر، كل هذا من المغريات والملهيات والضغوط الشديدة، الضغوط النفسية، الضغوط الأسرية، الضغوط الاجتماعية، تجد من ... ، لا يجد من يعينه على الثبات، فليحرص الإنسان على أن يعتصم بكتاب الله -جل وعلا-، وأن يكون ديدنه النظر في كتاب الله، وأن يقرأ القرآن على الوجه المأمور به، وهذا هو المعين، وهو المثبت بإذن الله -جل وعلا-، والمخرج فيه من جميع الفتن. وهذا أخ من الإخوان يطلب كلمة توجيهية للطلاب عوضاً عن إجابة الأسئلة، وتوديعاً للطلاب، وهم على أهبة السفر إلى أقطارهم البعيدة، حاجتهم الماسة إلى وصيةٍ عن طلب العلم، وتعليم الناس، ودعوتهم، وتحمل مسؤولية ما تعلموا، فقد جاءت عدة أوراق تطلب ذلك.

стр. 301

هذا يطلب كلمة توجيهية للطلاب، لا شك أن الطلاب سمعوا ما سمعوا من الحث على تعلم العلم، مخلصين في ذلك لله -جل وعلا-، حريصين على التطبيق، تطبيق ما تعلموا؛ لأنه لا فائدة من العلم بدون عمل أبداً، علم بدون عمل لا قيمة له، فعلينا أن نسعى جاهدين بأخذ العلم من مصادره، من الكتاب والسنة، وما يعين على فهم الكتاب والسنة، من أهله المعروفين بالعلم والعمل والتحقيق، على الجادة المعروفة عند أهل العلم، على الترتيب المرتب عند أهله، على .. ، مع الرفق واللين والحرص على نفع الناس بقدر الإمكان، يسعى المسلم جاهداً في نفع الخلق، وخير الناس أنفعهم للناس، ولا شك أن هذا النفع المتعدي لا يقدر قدره، ومن دل إلى هدى كان له مثل أجر فاعله، من دل على هدى فله مثل أجر فاعله، فبعض الناس يلقي كلمة في المسجد بين عوام، يظن أنها في خمس دقائق، أو ثلاث دقائق، تخرج من قلب ينتفع بها شخص واحد، ما تتصور كيف تنفع هذا الشخص؟ وكيف يكون أثرها في حياة هذا الشخص؟ فكيف إذا انتفع بها أكثر من واحد؟ فكيف إذا تكرر هذا الفعل من هذا الفاعل أكثر من مرة؟ فعلينا أن لا نحتقر أنفسنا، أولاً: نتحصن بالعلم النافع، بالعقيدة الصحيحة الصافية، نحقق التوحيد من شوائب الشرك والبدع والمعاصي، ثم بعد ذلك ندعو إلى الله على بصيرة، نتعلم أحكام العبادات، لنعبد الله على ما يريد، نتعلم أحكام المعاملات؛ لكي نتعامل مع الناس على مقتضى الشرع، ونوجه الناس؛ لتكون معاملاتهم صحيحة سليمة، وغير ذلك من أبواب الدين، والمعنى في أبواب الدين المهجورة، كأبواب الدعوات مثلاً، أبواب الدعوات، لا تجد درس في دروس أهل العلم يدرس كتاب الدعوات، لا تكاد تجد درس يدرس كتاب الرقاق، لا تجد من يدرس الفتن إلا القليل النادر، الناس في أمس الحاجة إلى هذه الأمور، وكلها من أبواب الدين، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.