Полный текст (403 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم
إنَّ الحمدَ للَّه، نحمدُهُ ونَسْتعينُه ونَسْتغفرُه، ونَعوذُ باللَّه مِن شُرور أَنْفُسنا ومن سيِّئات أعمالِنا، مَن يَهْده اللَّهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فَلا هادِيَ له، وأَشْهَد أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ لَه، وأَشْهَد أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه، أرسلَه اللَّهُ بالهُدَى ودِين الحَقِّ؛ فبلَّغَ الرِّسالةَ، وأدَّى الأمانةَ، ونَصَح الأمَّةَ، وجاهَد في اللَّه حَقَّ جِهادِه، حتَّى أتاهُ التقينُ، فصَلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليهِ وعلَى آلِه وأصحابِه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّين، أَمَّا بَعْدُ:
فمِنَ الدُّروسِ العِلميَّة المُسجَّلَة صَوتيًّا، والَّتِي كانَ يَعقِدُها صاحِبُ الفَضِيلةِ شَيخُنا العلَّامةُ الوالِدُ محمَّدُ بنُ صالحٍ العُثَيْمِين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في جامِعِهِ بمَدِينَةِ عُنَيْزَةَ صَباحَ كُلِّ يومٍ أَثْناءَ الإِجازاتِ الصَّيْفيَّة، حَلقاتٌ فِي تَفْسير القُرآن الكَرِيم كانَت بِدايتُها مِن سُورة النُّور وما بَعدَها، حتَّى بلَغ قَولَه تَعالَى في سُورة الزُّخرف: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥) ﴾.
وقَدِ اعتَمدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالَى في تَفْسيرِه لتِلْكَ السُّور كِتابًا بَيْن يَدَي الطُّلاب هُو (تَفْسير الجَلالَيْنِ) للعلَّامة جَلال الدِّين محمَّد بنِ أَحْمدَ بنِ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ المَحَلِّيِّ، المُتوفَّى سَنَةَ (٨٦٤ هـ) (١) ، والعلَّامة جَلال الدِّين عبدِ الرَّحمن بنُ أَبِي بَكْر بنِ محمَّد الحواشي
(١) انظر ترجمته في: الضوء اللامع (٧/ ٣٩)، حُسن المحاضرة (١/ ٤٤٣).стр. 2
ابنِ سابِق الدِّين الخُضَيْرِيِّ السُّيُوطِيِّ، المُتوفَّى سنة (٩١١ هـ) (١) . تغمَّدهما اللَّه بواسِع رَحمته ورِضوانه، وأَسْكنهما فَسِيحَ جنَّاتِه، وجَزاهُما عَنِ الإِسْلام والمُسلِمِينَ خَيرَ الجَزاءِ.
وسَعْيًا -بإِذْنِ اللَّهِ تَعالَى- لِتَعْمِيمِ النَّفْع بتِلْكَ الجُهُود المُبارَكة فِي هَذا المَيْدَان العَظِيم باشَر القِسْمُ العِلْمِيُّ بِمُؤسَّسةِ الشَّيخِ مُحمَّد بنِ صالِحٍ العُثَيْمِين الخَيْريَّةِ واجِباتِه فِي شَرَفِ الإِعْدادِ والتَّجْهِيز للطِّباعةِ والنَّشْر لِاِخْراجِ ذَلِكَ التُّراث العِلمِي؛ إنفاذًا للقَواعِدِ والضَّوابِط والتَّوْجِيهاتِ الَّتِي قَرَّرها فَضيلةُ الشَّيخِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالَى في هَذا الشَّأْنِ.
نَسْأل اللَّهَ تعالَى أنْ يَجْعلَ هَذا العَمَلَ خالصًا لِوجهِه الكَريمِ؛ نافِعًا لعِبادِه، وأنْ يَجزِيَ فَضِيلةَ شيخِنا عَنِ الإسلامِ والمسلمِينَ خَيْرَ الجَزَاء، ويُضَاعِفَ لهُ المثُوبَةَ والأَجْرَ، ويُعْلِيَ دَرَجَتَهُ في المَهْدِيِّينَ، إِنَّه سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبٌ.
وَصَلَّى اللَّهُ وسلَّم وبارَك علَى عبدِه ورَسولِه، خاتَمِ النَّبِيِّينَ، وإِمامِ المُتَّقِينَ، وسيِّدِ الأوَّلينَ والآخِرينَ، نبيِّنَا محمَّدٍ، وعلَى آلِه وأَصْحابِه والتَّابعينَ لهُمْ بإِحْسانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّين.
القِسْمُ العِلْمِيُّ فِي مُؤَسَّسَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِين الخَيرَّيةِ
٢٠ جُمَادَى الآخِرَة ١٤٣٦ هـ
* * * الحواشي
(١) انظر ترجمته في: الأعلام للزركلي (٣/ ٣٠١).стр. 3
(الآيات ١ - ٣)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ١ - ٣].
* * *
الحمدُ للَّهِ ربِّ العَالمَينَ، وصلَّى اللَّهُ وسلَّمَ عَلَى نبيِّنَا مُحَمَّدٍ، وعَلَى آلِهِ وأصحَابِهِ ومَنْ تَبِعَهُم بإحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. وبَعد:
قَالَ المُفَسِّرُ (١) ﵀: [﴿طسم﴾ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ بِذَلِكَ، ﴿تِلْكَ﴾ أَيْ هَذِهِ الآيَاتُ، ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ الْإِضَافَةُ بِمَعْنَى مِنْ، ﴿المُبِينِ﴾ المُظْهِرُ الحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ، ﴿نَتْلُو﴾ نَقُصُّ، ﴿عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ﴾ خَبَرِ، ﴿مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾ الصِّدْقُ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لِأَجْلِهِمْ؛ لِأَنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ].
الحِكمة من القَصَص فِي الآيَاتِ واضحةٌ، فهو يُتلَى عَلَى النَّاسِ لكي يُؤمِنوا، فَإِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ فِي الْأَصْلِ فهو لتَثْبِيت إيمانِهم وزيادَتِه.
من فوائد الآيات الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: بيان عِظَم القُرْآن وعُلُوُّهِ، وذلك عَنْ طَرِيقِ الْإِشَارَةِ إِلَيْهِ بالبُعد ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾. الحواشي
(١) المقصود بـ (المفسر) هنا: محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم جلال الدين المحلي، المتوفى سنة (٨٦٤ هـ) ﵀، ترجمته في: الضوء اللامع (٧/ ٣٩)، حسن المحاضرة (١/ ٤٤٣).стр. 4
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: هَذَا الْقُرْآنُ مكتوبٌ؛ لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿الْكِتابِ﴾، ونحن نعلم أنَّ كتابةَ القُرْآن مُتَحَقِّقَةٌ فِي ثَلَاثَةِ أماكنَ:
١ - فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
٢ - فِي صُحُفِ الملائكة.
٣ - فِي المَصَاحِفِ الَّتِي بَيْنَ أيدينا.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مُظهِر مُبَيِّن للأُمُور؛ لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿الْمُبِينِ﴾، فهو مُظهِر ومُبَيِّن للأُمُور.
وحَذْفُ مُتَعَلَّق ﴿الْمُبِينِ﴾ يُستفاد مِنْهُ عُمُومُ إِبَانَةِ الْقُرْآنِ لِكُلِّ شَيْءٍ.
وحذفُ المتعَلَّق هَذَا مِنَ القَواعِدِ التَفْسِيريَّة، فإنَّ حَذْفَ المتعَلَّقِ يُفيد العُلُوَّ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨] حيثُ لَمْ يَقُلْ: (فأغناك)؛ لِأَنَّ اللَّهَ أغناهُ، وأغنى به، وَقَالَ تعالى أَيْضًا: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]، فاللَّه هداه وهدَى به.
فقوله: ﴿الْمُبِينِ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُبَيِّنٌ لِكُلِّ شَيْءٍ، ويدل لذلك قَوْلُهُ ﵎: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩].
ولذلك فإنَّ أيَّ مُشكلة تَعْرِضُ لَنَا فِي دِينِنَا نَجِدُ حَلَّها فِي الْقُرْآنِ، والقُرْآن يُرشدنا إلى الأخذ بالسُّنة، قَالَ تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧].
إذن: الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ يَحِلَّان كُلَّ مَا يَعْرِضُ لَنَا مِنْ مُشْكِلَاتٍ فِي أُمُورِ دِيننا، أو دُنيانا، ولكن المشكلة هي القُصور فِي فَهْمِ النَّص لَدَى بَعْضِ النَّاسِ، ويرجع الْأَمْرُ إِلَى سببين: إمَّا هَوًى مُتَّبَع، وإمَّا جَهْلٌ.
стр. 5
فهناك مِنَ النَّاسِ مَنْ يريد اتباعَ الهوى، وَلَا يُرِيدُ اتِّبَاعَ الحْقِّ، فيذهب إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَّهُ يَجِدْ مَا يُبَرِّرُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ.
فمثلًا هُنَاكَ مَنْ يُبَرِّر للاشتِراكِيَّة، ويبحث فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عما يؤيد رأيَه هذا، فَإِنْ وَجَدَ مَا يُخَالِفُ رأيَه ترَكَه وتجاوَزَه إِلَى غَيْرِهِ، فهذا الرَّجُلُ لَمْ يَقْصِدِ الحقَّ.
وكذلك بعضُ الذين يُشَرِّعُون القوانين، أو الأُمُورَ الفِقهية، أَوْ مَا شابَهَ، لَا يَرْجِعُونَ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِلَّا مِنْ أَجْلِ تبريرِ مواقِفِهم، فإذا رأوا ما يُخالِفُها أَغْمَضُوا أَعْيُنَهم، وإن رأوا مَا يُشِيرُ إليها -ولَوْ لإبطالها- فَتَحُوا أعيُنَهم.
وهؤُلاءِ لهم غَرَضٌ فِي صُدُورِهِمْ في تَصَفُّحِهِم للقرآن والسُّنة، كَمَا قَالَ شَيْخُ الإِسْلام ابن تَيمِيَّة ﵀ فِي (العقيدة الواسطية)، وَهِيَ كَلِمَةٌ عظيمة المعنى، قال (١) : "وَمَنْ تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ طَالِبًا لِلْهُدَى مِنْهُ؛ تَبَيَّنَ لَهُ طَرِيقُ الْحَقِّ".
كلمةٌ عظيمةٌ، فِيهَا أَمْرَانِ: تَدبُّر، وطَلَبُ الهدى. فـ (تَدَبَّرَ): الفعل، و (طالبًا للهُدى): النية الصَّالحِة، (تَبَيَّن له طَرِيقُ الْحَقِّ) جَوَاب الشَّرْطِ.
فالشيخ ﵀ جزَم به؛ لأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْقُرْآنِ لَا شَكَّ فِي هَذَا.
إذن: القُرْآنُ مُبَيِّنٌ لكُلِّ الأُمُور؛ إِمَّا مِنَ الْقُرْآنِ نَفْسِهِ، أَوْ مِمَّا يُرْشِدُ إِلَيْهِ، أي السُّنَّة النَّبَوِيَّةُ.
أحيانًا تَعْتَرِضُنا مَسائِلُ، ونَبْحَثُ عَنْهَا فِي كُتُبِ الفُقهاء؛ فُقَهاء الحنابلة، وفُقَهاء الشَّافعية، وغيرهم، فما نجدُها، فَنَرْجعُ إِلَى الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، فنجدُها واضحةً جَلِيَّةً. الحواشي
(١) العقيدة الواسطية اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة، لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٧٤).стр. 6
وَالرُّجُوعُ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لفيد الإِنْسَان -حقيقةً- فائدتين عظيمتين:
الأُولى: الطُّمأنينة والاستقرار؛ لِأَنَّ اتِّبَاعَ كَلَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ -وَإِنْ كَانَ الْإِنْسَانَ قَدْ يطمئِن إليه بَعْضَ الشَّيْءِ- مَا تَكُونُ الطُّمأنينة إليه كطُمأنِينَتِه إِلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
الثَّانية: أنَّه يَسْتَطِيعُ أَنْ يُقْنِعَ غيره، ويُطَمْئِنَ غيره.
فمثلًا إِذَا قُلْتَ لِإِنْسَانٍ مَا: هَذَا حَرَامٌ. يَقُولُ لَك: مَا الدَّلِيلُ عَلَى الحُرمة؟ فإِذا قلتَ: له حَرَّمَهُ اللَّهُ، أَوْ حَرَّمَهُ رسولُه. اطمأنَّ لِقَوْلِك، أَمَّا إِذَا قُلْتَ لَهُ: هناك كِتَابٌ مَا قَدْ حَرَّمَهُ. قَالَ لَك مستنكرًا: أيُّ كتابٍ هذا؟ هَلْ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟
إذن: الرُّجُوعُ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يَبُثُّ الطُّمأنينة فِي قُلُوبِ المخاطَبين ويُقْنِعُهم.
ولذلك أنا أَمْيلُ إِلَى الرُّجُوعِ دائمًا إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَا يَعْنِي كلامي هذا طَرْحَ كَلَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لا، فكلامُ أَهْلِ الْعِلْمِ مفاتيحُ لهذه الخزائن، فَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ لَا يَهْتَدِي بالكتاب والسُّنة إِلَّا إِذَا دَخَلَ مِنْ حَيْثُ دَخَلَ هؤُلاءِ العلماءُ.
وهناك فَرْقٌ بَيْنَ مَنْ يَقُولُ: اتَّبعِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، واقْتَدِ بكلامِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَبَيْنَ مَنْ يَقُولُ: اتَّبعِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، واطْرَحْ كَلَامَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فهو لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَهَذَا خَطَأٌ كبيرٌ.
واعْلَمْ أَنَّ الْحَقَّ دائمًا بَيْنَ طَرَفَيْنِ مُتَطَرِّفَيْنِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: فِي الآيَةِ دَلِيلٌ أَيْضًا عَلَى أَنَّ القَصَص يُسَمَّى تِلاوَةً، يُقال: قَصَّ الإِنْسَانُ القِصَّة، إذا تَلاها علينا؛ وَذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تعالى: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ﴾.
стр. 7
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بيانُ أهمية قِصَّةِ مُوسَى مَعَ فِرعونَ، ولهذا تَكَفَّلَ اللَّهُ تعالى بِتِلَاوَتِها عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لأهميتِها، وبيان فوائِدها.
وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تجمعوا الْقصَّةَ مِنْ جَمِيعِ أطرافها فِي الْقُرْآنِ، واستخرجوا مَا فِيهَا مَنْ فَوَائِدَ، فهذه الْقِصَّةُ مِنْ أَهَمِّ القَصَص الَّتِي وَرَدَتْ فِي الْقُرْآنِ الكريم، وَقَدْ تَكَرَّرَتْ فِي مَوَاضِعَ مُخْتلِفَةٍ بأساليبَ مختلفةٍ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ هُوَ الحَقُّ، فَجَمِيعُ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنْ هَذِهِ القَصَص هُوَ حَقٌّ، وَقَدْ سَبَقَ أَنْ قُلنا: إِنَّ الحَقَّ إِذَا وُصِفَ بِهِ الخَبَرُ، فَهُوَ بمعنى الصِّدق، وإذا وُصِفَ بِهِ الحُكْمُ، فهو بمعنى العَدْل.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّ هَذِهِ القَصَص سببٌ لحدوث الإِيمَان، وكذلك سبب لزيادته أيضًا، أي سبب لِمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ حَتَّى يُؤْمِنَ، ولمن آمَنَ حتَّى يزدادَ إيمانُه؛ ثباتًا وكَمِّيَّةً.
وَالدَّليلُ عَلَى أَنَّهُ يَنتفِعُ بِهَا غيرُ المؤمن قَوْلُهُ تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]، فكلُّ إنسان عنده لُبٌّ -أَيْ عقل- فَلَا بُدَّ لَهُ أَنْ يُعْتبر ويَنتفع.
* * *
стр. 8
الآية (٤)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤].
* * *
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا﴾ تَعَظَّمَ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أَرْضِ مِصْرَ ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ فِرَقًا فِي خِدْمَتِهِ ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ هُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ المَوْلُودِينَ ﴿وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ يَسْتَبْقِيهِنَّ أَحْيَاءً لِقَوْلِ بَعْضِ الْكَهَنَة لَهُ: إِنَّ مَوْلُودًا يُولَدُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يَكُونُ سَبَبَ زَوَالِ مُلْكِكَ ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ بِالْقَتْلِ وَغَيْره].
﴿وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾: قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [يَسْتَبْقِيهِنَّ أحياء] لأنَّهُن فِي الْأَصْلِ أحياء، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إِحْيَاءِ الموتى إِلَّا اللَّهُ.
وجملتا (يُذَبِّحُ) و (يَسْتَحْيِي) حَالٌ مِنْ فَاعِلِ (عَلَا) و (جَعَلَ).
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: بَيَانُ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ مِنَ العُلُوِّ والجبَرُوت، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ مَنْ عَلَا فِي الْأَرْضِ، وطلب العُلُوَّ عَلَى الْخَلْقِ؛ فهو شبيه بفِرْعَون ووارثُه، وبئس الرَّجُلُ مَنْ كَانَ فِرْعَوْنُ إمامَه.
стр. 9
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ تفريق الأُمة سببٌ لفَشَلِها وذُلِّها، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾، ومنها نعلم أَنَّ الْحِكْمَةَ الإنجليزية المشهورة (فَرِّقْ تَسُدْ) أصلُها فِرْعَوني؛ لأن فِرْعَون هُوَ أَوَّلُ مَنْ جَعَلَ أَهْلَ الْأَرْضِ شيعًا؛ حَتَّى يَسُودَ عليهم.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، مَعَ أَنَّهُمْ فِي الْأَصْلِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ.
فيتفرع عَلَى هَذِهِ الْفَائِدَةِ: أَنَّ مَنْ سَكَنَ أرضًا، وأقام فيها، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهَا فِي الْأَصْلِ، نُسب إليها، وَصَارَ مِنْ أَهْلِهَا.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بيانُ شِدَّة استضعاف فِرْعَون لِبَنِي إِسْرَائِيلَ؛ حَيْثُ كَانَ ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾.
وَقَدْ قِيلَ فِي سَبَبِ فِعْلِهِ هَذَا: إِنَّهُ أُخبر بأنه سيُولَد مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ولا، يَكُونُ هَلَاكُهُ عَلَى يَدِهِ.
وَقِيلَ: لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الطَّرِيقُ لإذلال الأُمَّة؛ لِأَنَّهُ إِذَا ذَهَبَ الرجال، وبقيت النساء صِرن إماءً للمُسْتَعْبِد، وهُنَّ بلا شك مَا عِنْدَهُنَّ قَيِّمٌ عليهن، ولا مُدافِعٌ عنهن.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ الْعُلُوَّ فِي الْأَرْضِ، والعُتُوَّ عَلَى الْخَلْقِ، والسَّعْيَ بينهم بالتفريق يُعَدُّ مِنَ الإفساد، وَذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
ويتضح مِنَ الآيَةِ أَنَّهُ مَنْ كَانَ عَلَى نقيض ذَلِكَ مِنَ التواضع للحَقِّ والخَلْقِ، جَمَعَ شَمْلَى الأُمة، وقَصَرَ عدوانه عنها، يَكُونُ مِنَ المُصْلِحِينَ، وَكَمَا قِيلَ: وبِضِدِّها تتميز الأَشْياء.
* * *
стр. 10
الآيتان (٥، ٦)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥ - ٦].
* * *
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، وَإِبْدَالِ الثَّانِيَةِ يَاءً: يُقْتَدَى بِهِمْ فِي الْخَيْرِ ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ مُلْكَ فِرْعَوْنَ، ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أَرْضِ مِصْرَ وَالشَّامِ ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾ وِفي قِرَاءَةٍ: "وَيَرَى" بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالرَّاءِ وَرَفْعِ الْأَسْمَاءِ الثَّلاثَةِ ﴿مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ يَخَافُونَ مِنَ المَولود الَّذِي يَذْهَبُ مُلْكُهُمْ عَلَى يَدَيْهِ].
الإرادةُ الْوَارِدَةُ فِي الْآيَةِ هنا هِيَ إِرَادَةٌ كونِيَّة، وهي المشيئة، ويتعلق بها الحُكم القَدَرِيُّ، فالإرادة الكَوْنِيَّة مُرادِفَةٌ للمَشِيئَة، وتَتَعَلَّق بالأُمُور الكَوْنِيَّة.
أمَّا الإرادةُ الشرعيةُ فمُرادِفَةٌ للمَحَبَّة، وهي تتعلق بالأُمُور الشرعية، فمثلًا: اللَّهُ يُرِيدُ مِنَّا أَنْ نُصَلِّيَ فِي جَمَاعَةٍ، فهذه إرادةٌ شرعيةٌ.
وَهَلِ ﴿الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ هُنَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فقط، أَمْ مِنْ عُموم أَهْلِ مِصْرَ الذين استضعفهم فِرْعَون؟ المرادُ هنا كل الذين استضعَفَهم فِرْعَونُ.
стр. 11
فَقَدْ كَانُوا مُضطهَدين، ولذلك أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَمُنُّ عَلَيْهِمْ بالهداية والإِيمَان والإمامة، وكذلك بميراثهم لفِرْعَونَ وجُنُودِه.
وَهَذَا كُلُّهُ فِي المُسْتَقْبَلِ؛ لأنَّهُ أتى بالفعل المضارع (نُرِيدُ) الَّذِي يَدُلُّ عَلَى المُسْتَقْبَلِ، أي: نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عليهم مستقبلًا.
قَوْلُه تعالى: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ أي: أَئِمَّةً فِي الْخَيْرِ، والإمامُ هُوَ كُلُّ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي الْخَيْر، أَوْ فِي الشَّرِّ، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: ٤١]، وَلَكِنَّ المُرَادَ هُنَا: أَئِمَّةٌ فِي الْخَيْرِ.
قَولُهُ تعالى: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ أي: يَرِثُون فِرْعَونَ وجُنوده، قَالَ تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩].
من فوائد الآيتين الكريمتين:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: إثباتُ إِرَادَةِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَنُرِيد﴾، ووجهُ إثباتِ الإرادةِ هنا، مع أنَّها فِعْلٌ، وليس اسمًا، هُوَ أَنَّ الْفِعْلَ يَدُلُّ عَلَى الحدَث وزَمَانِه.
فقولُه: ﴿وَنُرِيدُ﴾ مُشْتَقٌّ مِنَ الْإِرَادَةِ، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ نقول: إِنَّ يَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِ الإرادة للَّه .
المعتزلة لم يُثبتوا الإرادة للَّهِ ، بل نَفَوْهَا، فِي الْوَقْتِ الَّذِي أثبَتَها الأشاعرةُ له ، واستدلوا بكون الليل ليلًا، والنهار نهارًا، والحَرِّ حَرًّا، والبَرْدُ بَرْدًا أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْإِرَادَةِ؛ إِذْ لَا يَقَعُ هَذَا التَّخْصِيصُ إلَّا بإرادةٍ.
ولكنهم يستدلون عَلَى إِثْبَاتِ الصفات عامَّةً بالعَقْلِ، فَمَا وَافَقَ عُقُولَهُم قَبِلُوه، وَمَا خَالَفَهَا أَوَّلُوه وصَرَفُوه حتَّى يُوافِقَ العقل.
стр. 12
وقد تبين لَنَا قَبْلَ ذَلِكَ فَسَادُ هَذَا المنهجِ، فَهُوَ مُخَالِفٌ للقرآن الكريم، يَقُولُ اللَّهُ : ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [المؤمنون: ٧١].
قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ ﵀: "كُلَّمَا جَاءَنَا رَجُلٌ أَجْدَلُ مِنْ رَجُلٍ أَرَادَنَا أَنْ نَرُدَّ مَا جَاءَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " (١) .
نعم، هَذَا أَمْرٌ لَا يَسْتَقِيمُ؛ فإثبات صِفَاتِ اللَّهِ بالطُّرق العقلية، وَنَفْيُ مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ؛ هُوَ فِي الحقِيقَةِ عُدوانٌ، وطريقٌ فاسِدٌ.
ويمكننا أَنْ نَرُدَّ عليهم بأنَّنا نستطيع أَنْ نُثْبِتَ ما نَفَوْهُ بطريق العقل، كما أثبتوا هم ما أثبتوا بطريق العقل، بل بصورةٍ أَفْلَحَ وأَبْلَغَ.
فظُهور صِفة الرَّحْمة فِي المَخْلُوقَاتِ أَبْلَغُ مِنْ ظُهُورِ صفة الإرادة، وَكَذَلِكَ الْإِحْسَانُ إِلَى الْخَلْقِ بالرِّزق، والإمداد، والإعداد، وَفِي جَمِيعِ مَا يَتَمَتَّعُون به، وَهَذَا ثَابِت لِكُلِّ إِنْسَانِ.
أمَّا كونُ البَرْدِ بَرْدًا، والحَرِّ حَرًّا، فَهَذَا لَيْسَ دليلًا قويًّا عَلَى الْإِرَادَةِ، فَدَلالةُ مَا سَبَقَ عَلَى الْإِرَادَةِ أَقْوَى مِنْ دَلَالَةِ النِّعَم عَلَى الرَّحْمة بلا شك.
أَيْضًا إِذَا نَظَرْنَا لِنَصْرِ اللَّه للطائعين، وفُقْدَانِه للعاصِين، فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى الحبِّ والكُره، فَلَوْلَا أَنَّهُ يُحِبُّ هَؤُلَاءِ مَا نَصَرَهُم، وَلَوْلَا أَنَّهُ يُبْغِضُ هَؤُلَاءِ مَا نَصَرَهُم، وهذا معروفٌ، حَتَّى إِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا صَارَ يُبغض أَحَدًا مَا فما نَصَرَهُ، وَلَا أَحِبَّهُ.
إذن: نَصْرُ هؤلاءِ، وإذلالُ هؤُلاءِ دَلَّ عَلَى إِثْبَاتِ المَحَبَّة والبُغض، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ ينكرون، ويقولون: الْعَقْلُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. الحواشي
(١) الإبانة الكبرى، لابن بطة (٢/ ٥٠٧، رقم ٥٨٢).стр. 13
فَالحْمْدُ للَّهِ الَّذِي جَعَلَ الحقَّ واضحًا، فَمَا مِنْ شَيْءٍ يزعُم هَؤُلَاءِ أَنَّ العقل يُنكره، أَوْ لَا يُثْبِتُهُ، إلَّا وجدنا أَنَّ الْعَقْلَ يُثبته كما أثبته الشرعُ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تمام قُدْرَةِ اللَّهِ ؛ وذلك عندما جعل هؤُلاءِ المستضعفين أئمةً، ووارثين لهؤُلاءِ الطُّغاة، وذلك بإرادةٍ مِنَ اللَّهِ وَحْدَهُ، وليس بِقُدْرَتِهم، فالمسلمون -مثلًا- وَرِثُوا ديار الفُرس والرُّوم بفعلهم وجهادهم، وإرادة اللَّه.
ولكنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَرِثُوا فِرْعَونَ بلا قتالٍ، وَلَا فِعْلٍ منهم، بَلْ كَانَ ذَلِكَ بإرادة اللَّه المَحْضَة فقط، وَهَذَا مِنْ قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾، فاللَّهُ يُيَسِّر لِعِبَادِه مِنَ النَّصْرِ ما لم يَكُنْ فِي مَقْدُورِهم، وَلَا فِي حسابهم.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ مَنِ استُضِعف لِقِيَامِه بالحقِّ فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ العاقبةُ له؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾، وَإِنْ كَانَتْ فِي سِيَاقِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فغيرُهم دَاخِل فِي الْعُمُومِ اللفظي، إِذَا قُلْنَا ﴿عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ فِي أَيِّ مكانٍ وزمانٍ، أو العُموم المعنوي، وذلك بقياس غَيْرِهِمْ عَلَيْهِم؛ لأن دَلالات العُموم إمَّا لَفْظِيَّة، أو مَعْنَوِيَّة، فالقياسُ الصحيحُ دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى المَقِيس دلالة معنوية، فحينئدٍ نقول: ﴿عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ إذَا جعلناهم هم بَنِي إِسْرَائِيلَ فقط، فالمستضعفون بقيامهم بِالْحَقِّ مِنْ غَيْرِهِمْ مثلُهم؛ لِأَنَّ اللَّهَ تعالى يَقُوُل: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح: ٢٣].
فسُنَّةُ اللَّهِ للخَلق واحدة؛ لِأَنَّهُ ليس بَيْنه وَبَيْنَ أَحَدٍ نَسَب، أو حَسَبٌ حتَّى يُرَاعِيَهُ، يَقُولُ تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
قد يَقُوُل قَائِلٌ: هناك أُناسٌ استُضْعِفوا بالحَقِّ، وقُتِلوا، أو طُرِدوا، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فأين الْعَاقِبَةُ الَّتِي تزعمون؟
стр. 14
فنقول: إِنَّ العاقبةَ لَا تَكُونُ للشَّخص الجسدِيِّ فقط، بل للشَّخصِ المعنوي، فمَقَالتُه هَذِهِ لَابُدَّ أَنْ تُنصَر.
وانظروا الآنَ إِلَى مَنْ سَبَقَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، كَمْ مِنْ عَالمٍ أُوذِيَ فِي الحَقِّ، سواء قُتِل أَمْ لَا، تجدوا مقالاتِه ما زالت باقِيَةً، ومُنْتَشِرَةً أَكْثَرَ مِنْ غَيرِهِ، وهذا واضحٌ لمِنْ تَأَمَّلَهُ.
إذن: النصرُ لقائل الْحَقِّ فِي حَيَاتِهِ، أَوْ لمقالته بَعْدَ وَفَاتِهِ، والإِنْسَان المجاهد للَّهِ هُوَ لَا يُرِيدُ أَنْ يَثْأَرَ لنفسه، بل هَمُّه أَنْ يَبْقَى هَذَا الحَقُّ الَّذِي قَامَ بِهِ، لَا يَهُمُّهُ بقاؤه هُوَ، أَوْ مَمَاتُهُ إِذَا كَانَ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ، أَمَّا مَنْ يَدْعُو إِلَى نَفْسِهِ -وَنَسْألُ اللَّهَ أَنْ يُعِيذَنا مِنْ ذَلِكَ جَمِيعًا- نَجِدُه يَقُولُ إِذَا أُوذِيَ، أَوْ أَصَابَهُ ضَرَرٌ: أَنَا مَا انتصرتُ.
وَلَكِنْ مَنْ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ لَا يَشْغَلُهُ إِلَّا أَنْ تنتصر الدعوة، ولهذا فإنه يُقاتِل مِنْ أَجْلِهَا. لا بُدَّ مِنْ نَصْرِ الحَقِّ بأسبابه، فإذا أَعْيَتْكَ الأُمور جاء النَّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بلا سبب.
لكنك مأمورٌ بِسُلُوكِ طريقٍ مُعَيَّنٍ حَتَّى تُنْصَرَ، وَقَدْ لَا تَنَالُ النصرَ بسبب مخالفتك لهذا الطَّرِيقِ، وتقصيرك فيه، فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ حَسُنت نِيَّتُه حَسُنَ فِعْلُه ونُصِر.
فالأمر هنا يختلف، ومَسائِل هَذَا الْبَابِ مِن أَدَقِّ المَسائِل، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عنها كثيرًا.
فَلَا يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ كالكُرة فِي يَدِ غَيْرِهِ، يُقَلِّبُه كَيْفَ يَشَاءُ، أو تذهب به ريحٌ عاصفةٌ بعيدًا جدًّا، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَّزِنًا، لا مُتُهَوِّرًا، فإذا تهَوَّرَ، ثم خالفه النصر، فالبلاء مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ.
стр. 15
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: بيانُ فضائلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، ومَناقِبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ لقوله: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾.
وهنا قد يُشْكِلُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنَّ اللَّهَ تعالى يَقُولُ ذَلِكَ، وفي آيات كثيرة يَذُمُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ بَيَّنَ السَّبَبَ فِي جَعْلِ هؤُلاءِ أئمةً، فَقَالَ تعالى فِي سُورة السَّجْدَةِ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]، فحينما كانوا مُتَّصِفِينَ بهذين الوصفين: الصَّبْر واليَقِين، كانوا أئمةً، وَقَدْ أَخَذَ شيخُ الْإِسْلَامِ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ جملةً، فقال (١) : "بالصَّبْر واليقِين تُنال الْإِمَامَةُ فِي الدِّينِ".
لَكِنْ لمَّا تخلَّف الصَّبْرُ، وتَخَلَّف اليَقِينُ منهم، صاروا ﴿قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، وجاءت الآيَاتُ فِي ذَمِّهم، فالآياتُ لا يُكذِّب بَعْضُهَا بَعْضًا، ولكن هناك أشياءُ تُوجِب تَخَلُّفَ أحكام بعض الآياتِ لِتَخَلُّفِ السبب.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّ المُسْلِمِينَ إِذَا اسْتَوْلَوْا على بلاد الكُفَّار مَلكُوها، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾، يَمْلِكُ مَا وَرِثَ، فَهُمُ الَّذِينَ يجعلهم اللَّهُ الْوَارِثين، وَلِهَذَا قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: إِنَّ الأراضي تُملك.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن الأراضي لَيْسَتْ مِنَ الْغَنَائِمِ المحضة، فَاللَّهُ تعالى يَقُولُ: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾، مَعَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ يقول: "أُحِلَّتْ لِيَ المَغَانِمُ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي" (٢) . الحواشي
(١) قاعدة في الصَّبْر، لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٩٤).(٢) أخرجه البخاري: كتاب التيمم، باب رقم(٣٣٥) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، رقم(٥٢١) .стр. 16
انظروا هذا التَّقرير هُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تعالى وَرَّث بَنِي إِسْرَائِيلَ أَرْضَ بَنِي فِرْعَونَ وأموالَهم، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٧ - ٥٩].
فلو ادَّعى أحدُهم أَنَّ اللَّهَ أخرجَ آلَ فِرْعَوْنَ مِنْ أَرْضِهِمْ، وجعلها مَغْنَمًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ بقوله: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، وهذا مُعارِضٌ لحديث الرَّسُول، فكيف نُجيب عنه؟
نقول: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يأخذوها بَعْدَ قِتَالٍ، فالغنيمةُ معروفة، إنما أُخِذَتْ عَنْ طَرِيقِ قتال الأعداء، ولكن هَؤُلَاءِ مَا وَرِثُوها بالقتال، بل بِقُوَّةِ اللَّهِ الَّتِي لَيْسَ لَهُمْ إِلَيْهَا سَبِيل، فالأراضي والمساكن والكُنوز الَّتِي أَخَذَهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لَا تُعَدُّ مِنَ الْغَنَائِمِ، بَلْ هِيَ مِن وَهْب اللَّهِ لَهُمْ بلا قتال.
وَعَلَى هَذَا فَلَا تَعَارُضَ بين الآيةِ وَبَيْنَ قولِ الرَّسُولِ ﷺ : "أُحِلَّتْ لِيَ المَغَانِمُ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلي".
وَلَكِن هَذَا لَا يَنْفِي أَنَّ الغنائم كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي المَاضِي، لَكِنَّ اللَّهَ لَمْ يُحِلَّهَا للمقاتلين، بَلْ كَانَت تَنْزِلُ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ تحرقها، وَإِنْ كَانَ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْغُلُولِ فَلَا تنزل النار.
والحِكْمَة مِن إحراق الغنائم هي قطعُ التَّعَلُّقِ بِهَا نهائيًّا؛ لِأَنَّهَا لَوْ بَقِيَتْ لتَدَاوَلَها النَّاسُ بالبَيْع والشِّراء والانْتِفاع، وصار مِلكًا لهم.
وَمِنَ المَعْرُوفِ أَنَّ اللَّهَ يَمُدُّ الأُمة بأشياءَ تستعين بِهَا فِي حَيَاتِهَا؛ فهو يَمُدُّ الإِنْسَان عامَّة بأشياءَ مُعَيَّنة لِأَجْلِ أَنْ يَصِلَ إِلَى الفَضِيلَة.
стр. 17
فالنَّبي ﷺ يستغفر ربه، مَعَ أَنَّ اللَّهَ قد غَفَرَ له ما تقدَّم مِن ذَنْبِه، وما تأخر، ونحن مأمورون بأن نُصَلِّيَ عليه، واللَّهُ تعالى يَقُولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فلا يلزم مِن الوُصول إلى الكمال ألَّا يسعى الإِنْسَانُ بأسبابِه.
ولو قال قائلٌ: كيف تَحِلُّ لنا الغنائم ونحنُ أفضلُ الأُمَمِ؟ لماذا لا يُوكَلُ الْأَمْرُ إِلَى مَناقِبنا وفضائلنا؟
فنقول له: هذا مِن نِعْمَة اللَّه علينا، لا لأن نَصِلَ إلى درجة الكمال، ولكنه أَحَلَّ هَذِهِ المَغَانِم حتَّى نستعين بها.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: تمكينُ الْإِنْسَانِ فِي الْأَرْضِ مِنْ نِعْمَةِ اللَّه عليه؛ لقوله: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٦]، لأن هَذَا مِن جُملة ما أنعم به على بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ أَنْ مَكَّنَهُم فِي الْأَرْضِ، فكونُ الإِنْسَان يُمَكَّن له فِي الْأَرْضِ، سواء كان هذا التمكين عَنْ طَرِيقِ سُلطة السُّلطان، أَوْ عَنْ طَرِيقِ سُلطة القُرْآن.
والتَّمكين فِي الْأَرْضِ ليس معناه أن الإِنْسَان يَحكم النَاس؛ ليكون سلطانًا عليهم، لا، بل قد يكون التَّمكين للإنسان فِي الْأَرْضِ بتمكين قوله؛ حتَّى يكون له سُلطان على المُؤمِنينَ.
ولنأخُذْ شيخ الإِسْلام ابن تَيمِيَّة مثلًا، فَقَدْ مَكَّنَ اللَّهُ لَهُ فِي الْأَرْضِ أعظمَ مِن تمكين الوُلاة أنفسهم، فتمكينُ الوُلاة قد انقضى بِمَوْتِهِم، أما ابن تَيمِيَّة ﵀ فَقَدْ مَكَّن اللَّه له بأنْ جَعَلَ قولَهُ مُعْتبرًا بَيْنَ النَّاس، وما زالت أقوالُه باقيةً حتَّى الآن.
فقَوْلُ مَن قام بالحقِّ لَهُ سُلْطَانٌ وقُوة، وهذا أيضًا جاء به الحديث، بأن اللَّهَ تعالى كما أخبر رسول اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا
стр. 18
فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهَ أَهْلُ السَّمَاءِ، قَالَ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ" (١) .
أي: يَكُونُ لَهُ قَبُولٌ فِي الْأَرْضِ، ولقوله نَفَاذٌ، وَهَذَا مِنْ تمكين اللَّهِ تعالى فِي الْأَرْضِ، لكن قوله: ﴿وَنُرِىَ فِرعَونَ﴾ هَذَا مِن جُملة الأمثلة على قُدْرَةِ اللَّهِ .
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن فِرْعَون وقومَه كانوا يَحْذَرون مِنْ بَنِي إسرائيل، فأراهم اللَّهُ تعالى ما كانوا يحذرون.
وهنا إشكال، وهو: كيف أراهم اللَّهُ تعالى مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ مَعَ أَنَّهُمْ هَلَكُوا؟
والجواب: أنهم أدركوا ذلك في آخِر لحَظَاتِ حياتهم، وقَبْلَ خُروج الروح، وذلك ظاهِرٌ في قولِ فِرْعَونَ عندما أدركه الغَرَقُ: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠].
وبعضهم قال فِي قَوْلِه ﵎: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦]: ليس المرادُ الهلاكَ، بل المرادُ بما كَانُوا يَحْذَرُونَ مُنازعة آل فِرْعَون؛ فإن بَنِي إِسْرَائِيلَ لما بُعِث موسى اسْتَقْوَوْا، وقصة السَّحَرَةِ واضحةٌ فيها، لما اجتمعوا واجتمع النَّاس في يومِ عيدِهم، وفي الضحى في رَابِعَةِ النهار، وصارت الهزيمة على آلِ فِرْعَوْنَ، هزيمة حِسِّية ومعنوية: هُزِمُوا حِسًّا بأنَّ عَصَا موسى ﷺ جَعَلَتْ تَلْقَفُ ما يأفِكُون، وهُزموا معنًى بأَنَّ السحرةَ أنفُسَهُم آمنوا، وصَرَّحُوا للملأ بأنَّ فِرْعَونَ هو الذي أكْرَهَهُم على السِّحْر، وبَيَّنوا أن الرب الحقيقيَّ هو رَبُّ موسى وهارون فهذه هزيمةٌ معنوية، بالإضافة إلى الهزيمة الحِسِّيَّة. الحواشي
(١) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب كلام الرب مع جبريل، ونداء اللَّه الملائكة، رقم(٧٠٤٧) ، ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب إذا أحب اللَّه عبدًا حببه لعباده، رقم(٢٦٣٧) .стр. 19
وهذا ما غاظَ فِرْعَونَ وهامانَ وجُنودَهما، وهذِهِ آيةٌ عظيمة، فظُهور بَنِي إِسْرَائِيلَ على آل فِرْعَوْنَ في ذلك المجمع العظيم كان له أكبرُ الأثر، فَقَدْ وعَدَهُم موسى ﵇ بأن يَتَحَدَّاهُم يومَ الزِّينة: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ [طه: ٥٩]، و ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ هو يوم العيد، يتزين النَّاس فيه، ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]، يُجمَعون في رابعة النهار.
نعم، هذا الموعدُ اقترحَهُ موسى؛ لأَنَّهُ واثقٌ ﵊ بِأَنَّ اللَّهَ سينصُره، وحَصَلَ هذا الاجتماعُ فِي هَذَا اليوم، وصار فِي الحْقِيقَةِ يومَ عيدٍ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، ويومَ شَرٍّ وسُوءٍ لفِرْعَون، وهو نظيرُ ما قاله أَبو جهلٍ بَعْدَ ذَلِكَ قَبْلَ غزوة بَدْرٍ: "وَاللَّهِ لَا نَرْجِعُ حَتَّى نَأْتِيَ بَدْرًا -وَكَانَتْ بَدْرٌ سُوقًا مِنْ أَسْوَاقِ الْعَرَبِ- فَنُقِيمَ بِهَا ثَلَاثًا، فَنُطْعِمَ بِهَا الطَّعَامَ، وَنَنْحَرَ بِهَا الْجُزُرَ، وَنَسْقِيَ بِهَا الْخَمْرَ، وَتَعْزِفَ عَلَيْنَا الْقِيَانُ، وَتَسْمَعَ بِنَا الْعَرَبُ، وَبِمَسِيرِنَا فَلَا يَزَالُونَ يَهَابُونَنَا بَعْدَهَا أَبَدًا" (١) .
ولقد تحقق ذلك بالفعل، وسَمِعَت العربُ بما حَدَث في غزوة بَدر، ولكن انقلب الأمرُ عليهم، فما غَنَّتِ لهمُ القِيانُ، ولكن غَنَّت عليهم! فقد ظهر عَوَارُهم وجَبَرُوتُهم، حتَّى أَعَزَّ اللَّهُ الإِسْلام والمسلمين بعددهم.
نعود لِقصَّة موسى مع فِرْعَونَ، قَالَ تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٥٦]، نعم، لقد حصل ما كان يَحْذَرُ فِرْعَونُ وآلُه؛ وجعل اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أئمة.
ومن المُفيد أن نذكُر أنَّ الجَعْل له مَعانٍ متعددةٌ، وكلُّ معانيه تعود إلى التصيير فِي الحَقيقة، لكن التصيير هو تصيير المعدوم موجودًا.
* * * الحواشي
(١) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٣٣).стр. 20
الآية (٧)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧]
* * *
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَأَوْحَيْنَا﴾ وَحْيَ إِلْهَامٍ أَوْ مَنَامٍ ﴿إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ وَهُوَ المَوْلُودُ المَذْكُورُ، وَلَمْ يَشْعُر بِوِلَادَتِهِ غَيْرُ أُخْتِهِ ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ الْبَحْرُ أَيِ النِّيلُ ﴿وَلَا تَخَافِي﴾ غَرَقَهُ ﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾ لِفِرَاقِهِ ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ فَأَرْضَعَتْهُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ لَا يَبْكِي، وَخَافَتْ عَلَيْهِ، فَوَضَعَتْهُ فِي تَابُوتٍ مَطليٍّ بِالْقَارِ مِنَ الدَّاخِلِ، مُمَهَّدٍ لَهُ فِيهِ، وَأَغْلَقَتْهُ وَأَلقَتْهُ فِي بَحْرِ النِّيلِ لَيْلًا].
قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾: الوحيُ في اللغة: الإعلامُ بسرعةٍ وخَفَاءٍ، ودليلُه قَوْلُهُ تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]، ويُطلَق على مَعانٍ متعددة؛ منها:
الوحيُ الشرعي: وهو وحيُ النُّبوة، أو الرِّسالَة.
ووحيُ الإلهام: وهو ما يُعطيه اللَّهُ ﵎ فِي نفس الموحَى إليه.
ووحيُ النوم، فإن الرؤيةَ الصَّالحِةَ جُزء مِن سِتة وأربعين جزءًا مِن النُّبوة (١) الحواشي
(١) أخرجه البخاري: كتاب التعبير، باب: الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، رقم(٦٥٨٨) .стр. 21
فإذا نظرنا فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ فهنا وحيٌ، ولكن وحيُ النُّبُوَّةِ، أَوِ الرِّسالَة خيرٌ منه؛ لأن الذي أُوحي إليها ليس بِشَرْعٍ، بل هو أمرٌ بإرضاعِ موسى، إلى آخِره.
ثم إِنَّ الصحيحَ أنَّه لم تُبعث واحدةٌ مِن النساء لتكون نبيًّا، قَالَ تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩].
إذن: يكون الوحيُ هنا إمَّا إلهامًا، وإما مَنامًا، فالإلهام لَيْسَ بِشَيْءٍ غريب أَنْ تُلهَم امرأةٌ مَا يَكُونُ فِي مصلحتها، فاللَّه ﵎ أَلْهَمَ النحلَ كما يُلْهِم بَنِي آدَمَ مَا فِيهِ مصلحتُه ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٦٨].
وَكذَا قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾ وحيَ إلهامٍ، أو منامٍ. فقولُه: أو هنا للتنويع، يعني لبيان الْخِلَافِ فِي هَذِهِ المَسْأَلةِ، فَإِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ: إِنَّ الوحيَ وحيُ إلهامٍ. وبعضهم يقول: إِنَّ الوحيَ وحيُ منام.
والمهم: أَنَّهُ لَيْسَ وحيَ رسالةٍ، أو نُبُوَّة.
وكنا قَدْ تَكَلَّمْنَا عَنِ الْوَحْي، وَقُلْنَا إِنَّهُ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أنواع:
الْأَوَّلُ: الوحي بالشرع، ويكون إطلاقًا، مِثل وحي الأنبياء، قَالَ تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [النساء: ١٦٣].
الثَّاني: الوحيُ بالإلهام، مِثْلُ قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: ٦٨].
الثالث: الوحي بالمنام، كَمَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ".
стр. 22
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الوحيُ هُنَا مِنَ النوعين الثَّانِي وَالثَّالِثِ، أي الوحي بالإلهام، أو الوحي بالمنام.
وقوله تعالى: ﴿إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ [القصص: ٧] يعني: التي ولَدَتْه، وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي الْأُمِّ، كما قَالَ تعالى: ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢].
وَأَمَّا الْأُمُّ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فلا تُذْكَرُ مُطلقة، وإنَّما تُذْكَرُ مُقَيَّدَةً، وَكَذَا قَالَ تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ثُمَّ قَالَ تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فالأُم مِنَ الرَّضَاعَةِ لَا تَدْخُلُ فِي مُطْلَقِ الأُم، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُقيَّدةً.
وإنَّما قررتُ هذا؛ لِيَتبَيَّن أن قَوْلَهُ تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، المُرَادُ بِهَا الْأُمُّ الَّتِي وَلدت، وليس الْأُمَّ الَّتِي تُرْضِع.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾، وهو المولود المذكور، ولم يَشْعُر بولادته غيرُ أُخْتِه].
ونحن هنا نسأل: أين المولودُ المذكور؟ المولودُ المَذْكُورُ هُوَ موسى؛ لِأَنَّهُ مَا مِنْ أُمٍّ إلَّا ولها ولدٌ، فقوله: [ولم يَشْعُر بولادته غيرُ أُخْتِه]. هَذَا مِنَ الْأَقْوَالِ الإسرائيلية الَّتِي لَا تُصَدَّقُ، ولا تُكَذَّب، فَنَحْنُ لَا نَملِك دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ إِلَّا أُمُّه.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾: ﴿أَنْ﴾ هَذِهِ تَفْسِيرِيَّة، وضابِط التَفْسِيِريَّة: الَّتِي تَقَعُ بَعْدَ مَا فِيهِ مَعْنَى الْقَوْلِ دُونَ حُروفِه، فكل (أَنْ) إِذَا وَقَعَتْ بَعْدَ مَا فِيهِ مَعْنَى الْقَوْلِ دُونَ حُروفه، فهي تَفْسِيِرِيَّة. كَمَا فِي قَوْلِهِ ﵎: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون: ٢٧].
стр. 23
قَولهُ تعالى: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ هنا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هناك خَوْفًا مِن فِرْعَونَ وآله، الَّذِينَ كَانُوا يبحثون عن الأولاد لتقْتُلُوهم، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾، فَسَّرَهُ بقوله: البَحر. ثُمَّ فَسَّرَ البَحر بقوله: أي النِّيل. فاليمُّ هو البحر، كَمَا قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص: ٤٠]، واليمُّ فِي هَذِهِ الآيةِ هُوَ البَحر، ولكن اليَمُّ المُرَادُ فِي الآيَةِ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِينَا هو النِّيل، وسُمِّيَ بَحْرًا -وَإِنْ كَانَ نهرًا- لِكَثْرَتِه واتِّسَاعِه.
قَوْلُهُ تعالى: ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي﴾، قوله: ﴿فَإِذَا خِفْتِ﴾ هَذَا فِعْلُ الشرط، وجوابُ الشرط: ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ]، وَهُوَ مِنَ الغرائب، أَنْ يُلْقَى مَن يُخَافُ عَلَيْهِ فِيمَا فِيهِ هَلَاكُهُ؛ لأن إلقاءه فِي الْبَحْرِ معناه استعجالُ الهلاكِ له؛ فمِن المعروف أَنَّهُ يَمُوتُ إِذَا ألقِيَ فِي الْبَحْرِ، وَهَذَا مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ؛ أَنْ يُلْقَى مُوسَى فِي مَكَانِ الخوف، فلا يموت، ثم يعيش بين أحضان فِرْعَون، الَّذِي كَانَ يتتبع أَوْلَادَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فيُقَتِّل أبناءَهم، ويستحيي نساءَهم، وَهَذَا مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالِ قُدْرَةِ اللَّهِ ، وَأَنَّ اللَّهَ إِذَا حَمَى أحدًا، فإن الأَسْباب المُؤديَةَ إِلَى الهَلَاكِ لَا تُؤَثِّرُ، وَلَا يَكُونُ لَهَا تَأْثِيرٌ، وأَمَّا قُدْرَةُ اللَّهِ فَهِيَ فوق الأَسْباب، فالنار مُحْرِقة بلا شكٍّ، ولكن صَارَتْ عَلَى إِبْرَاهِيمَ بَرْدًا وَسَلَامًا.
قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَلَا تَخَافِي﴾، قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: ﴿تَخَافِي﴾ غَرقَهُ. وَهُوَ مَفْعُولٌ محذوفٌ مُقَدَّر للفِعل ﴿تَخَافِي﴾.
قَولهُ تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾ قال: [لِفِرَاقِه]؛ لأن الحزن يَكُونُ فِي المَاضِي، وَالْخَوْفَ فِي المُسْتَقْبِلِ، فما أَهَمَّ الإِنْسَانَ إِذَا كَانَ مستقبلًا، فهو خوفٌ، وَإِنْ كَانَ ماضيًا فهو حُزن، فهنا قَالَ اللَّهُ لَهَا: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾، فَإِنَّ الْأَمْرَ سيكون عَلَى خِلَافِ مَا
стр. 24
تتوقعين، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
قَوْله تعالى: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ﴾ هنا جاءت الجُملة اسميَّةً، وليس فِعلِيَّة، كَأَنْ يَقُولَ مثلًا: نردُّه. والجملة الاسمية تَدُلُّ عَلَى الثُّبوت والاستقرار.
وقوله: ﴿إِنَّا﴾ بضميرِ الجَمع للتعظيم، فاللَّهُ ﵎ يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ بصيغة التعظيم.
وَقَوْلُهُ: ﴿رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ أي: مُرْجِعُوه، ولا يُبَيِّنُ اللَّهُ ﵎ المُدَّةَ الَّتِي ستفقدُه أُمُّه فيها، ولكن الظَّاهر أَنَّهَا لَيْسَتْ بِبَعِيدَة، كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِرِ الْقِصَّةِ.
وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ هَذِهِ بِشارةٌ فوقَ البِشَارَة الأُولى، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ هَذَا المولود ﴿مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، أي: ممن أرسلهم اللَّهُ ﵎ وأفضلهم بالرِّسالَة.
وهَذِهِ الآيَةُ فِيهَا أَمْرَانِ، ونَهْيَان، وبِشَارَتَان.
أمَّا الأمران: فقولُه تعالى: ﴿أَرْضِعِيهِ﴾ وقوله: ﴿فَأَلْقِيهِ﴾.
وَأَمَّا النَّهْيَانِ: فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾.
وأما البِشَارَتَان: فقوله تعالى: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
ثُمَّ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [فَأَرْضَعَتْهُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ لَا يَبْكِي، وَخَافَتْ عَلَيْهِ، فَوَضَعَتْهُ فِي تَابُوتٍ مَطْلِيٍّ بِالقَارِ مِنْ دَاخِلٍ مُمهَّدٍ، وَأَغْلَقَتْهُ، وَأَلْقَتْهُ فِي بَحْرِ النِّيلِ لَيْلًا].
قوله: [أَرْضَعَتْهُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ]. لَا نَجِدَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، ولكنها -لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ- امتثلت لِأَمْرِ اللَّهِ بإرضاعه، ولما خَافَتْ عَلَيْهِ ألقته.
стр. 25
وقول المُفَسِّر ﵀: [فَوَضَعَتْهُ فِي تَابُوتٍ] أَخَذَهُ مِنْ آيَةٍ أخرى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [طه: ٣٩] وَهَذَا مِنْ إرشاد اللَّهِ ﵎ له؛ لِأَنَّهُ مَا أَمَرَهَا أَنْ تُلْقِيَه وتُسَلِّم فِي الْبَحْرِ، وإنَّما أَمَرَهَا أَنْ تُلْقِيَه في تابوت؛ ليكون حفظًا له.
والتابوت يَكُونُ مِنَ الْخَشَبِ، والخشبُ عادة يَطْفُو عَلَى المَاءِ، وَلَا يَغْرَقَ، فإذا جُعِل فيه القارُ، فإنه أيضًا يَمْنَعُ مِنْ دُخُولِ الماء إليه؛ لِأنَّهُ رُبَّما إِذَا دَخَلَ الماء إليه، وتسلل فِي الْخَشَبَ، يَثْقُلُ ثم يغُوص.
وَأَمَّا قَوْلُه: [وَأَلْقَتْهُ فِي بَحْرِ النِّيلِ لَيْلًا] ربما يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ [القصص: ١٠]، أنَّها ألقته فِي اللَّيْلِ، ثم جعلت توسوس فيه، وتَهْتَمُّ له، حَتَّى كَانَت لا تُفَكِّر فِي غَيْرِهِ، كَمَا سَيَأْتِي.
ثُمَّ إِنَّهُ مِمَّا يؤيد ذَلِكَ أَنَّ المَرْأَةَ قد خَافَتْ عَلَيْهِ، وإذا خَافَتْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ مِنَ المستبعد عَادَةً أَنْ تَخْرُجَ به نهارًا، وتُلقيه أمامَ النَّاس، فَلَابُدَّ أَنْ يَكُونَ لَيْلًا، فَيَكُونُ هَذَا الحكْمُ بأنَّهُ (ليلًا) مَأْخُوذًا مِنَ الْآيةِ، وَمِنَ العادة، بِأَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا فِي اللَّيْلِ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: قَوْلُ اللَّهِ ﵎: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ فِيهِ دَليلٌ عَلَى إكرام اللَّهِ لأُم موسى، وهذا الإكرامُ يُفْهَمُ مِن عِدَّة أوجُه حقيقةً، يُفْهَمُ مِنَ الْوَحْي والإلهام، ومِن تَطْمِينِها فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾، ومِن بِشارتها بأنه سيُردُّ إليها، ويجعله اللَّهُ مِنَ المُرْسَلِينَ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فِيهَا بَيَانُ عناية اللَّهِ تعالى بموسى.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الأنبياءَ كغيرهم مِنَ الْبَشَرِ، يَحْتَاجُونَ إِلَى الغِذاء؛ لقوله ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾.
стр. 26
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: وجوب الإِرضَاع، إذا جعلنا الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ، لا للإرشاد، ولكن القَواعِد الشرعية تَقْتَضِي وُجُوبَ الإرضاعِ، وإنقاذَ المعصوم.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بيانُ قُوَّةِ إيمان أُمِّ مُوسَى، وَهَذَا مِنْ مَناقبها؛ لأنَّها ألقت بِهِ فِي الْيَمِ، وهو ابنها، وهذا شَيْءٌ لَا يَقَعُ إِلَّا للمؤمن حقًّا.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: بيان قُدْرَةِ اللَّهِ فِي هَذَا الْوَلَدِ الصغير، الذي أُلْقِيَ فِي الْيَمِّ المُهْلِك، ولا حَافِظَ لَهُ إِلَّا اللَّهُ ، كيف صار في آخِرِ أَمْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّهُ يَنْبَغِي طَمْأَنة المحزونِ ببشارَته بمستقبله؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: إثبات الرِّسالَة لموسى ﵇؛ لقوله : ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
* * *
стр. 27
الآية (٨)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص: ٨].
* * *
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿فَالْتَقَطَهُ﴾ بِالتَّابُوتِ صَبِيحَةَ اللَّيْلِ ﴿آلُ﴾ أَعْوَانُ ﴿فِرْعَوْنَ﴾ فَوَضَعُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَفُتِحَ، وَأُخْرِجَ مُوسَى مِنْهُ وَهُوَ يَمُصُّ مِنْ إِبْهَامِهِ لَبَنًا ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ﴾ فِي عَاقِبَةِ الْأَمْرِ ﴿عَدُوًّا﴾ يَقْتُلُ رِجَالَهُمْ ﴿وَحَزَنًا﴾ يَسْتَعْبِدُ نِسَاءَهُمْ وَفِي قِرَاءَةٍ بِضَمِّ الْحَاءِ، وَسُكُونِ الزَّاي لُغَتَانِ فِي المَصْدَرِ، وَهُوَ هُنَا بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ مِنْ حَزَّنَهُ كَأَحْزَنَهُ ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ وَزِيرَهُ ﴿وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ مِنَ الْخَطِيئَةِ، أَيْ عَاصِينَ، فَعُوقِبُوا عَلَى يَدَيْهِ].
قوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ﴾، أي: أخذَ آلُ فِرْعَوْنَ التابوتَ صبيحة الليل، وَلَمْ يَقُلْ (أخذه)؛ لأنَّهُ أَصْبَحَ فِي حُكْمِ اللَّقِيط المنبوذِ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّقِيطَ هُوَ الطِّفل المنبوذ الذي طُرح، فهو يُسمى لقيطًا، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَالْتَقَطَهُ﴾.
وقوله: ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [آلُهُ أَيْ: أَعْوَانُهُ]، فَيَحْتَمِلُ أَنَّ آلَه أي: قَرَابَته.
عَلَى كُلِّ حَالٍ: المهم أَنَّهُ أَخَذَهُ مَن يَنتسِبُ إِلَى فِرْعَوْنَ، وَهُوَ المَلِكُ.
والالتقاط يَكُونُ بِقَصْدٍ؛ لأن المُلتَقِط الذي يَلْتَقِطُ اللَّقِيط المنبوذ مَثَلًا فِي
стр. 28
الشارع، أَوِ المَسْجِدِ، يريد أَخْذَه، لكن هناك قد يشعر بأنه شيء ظَفَرَ بِهِ، لكن العلماء يقولون: الالتقاط يَكُونُ فِي الطفل المنبوذ. فوَضَعَهُ آلُ فِرْعَوْنَ بَيْنَ يَدَي فِرْعَون، وَكَانُوا لَا يَشْعُرُونَ بالذي فيه، وربما يظنون أَنَّ الَّذِي فِيهِ مَالٌ مِنَ الأموال.
وفُتح التابوتُ، [وَأُخْرِجَ مُوسَى مِنْهُ وَهُوَ يَمُصُّ مِنْ إِبْهَامِهِ لَبَنًا] معناه: يُرضِع نَفْسَهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَهَذَا مِمَّا لَا نَعْلَمُهُ، لكن مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ التابوتَ فُتِح كالعادة؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ المُغْلَقَ لَا بُدَّ أَنْ يفتحه الْإِنْسَانُ، وَيَنْظُرَ مَا فِيهِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ يَمُصُّ مِن إبهامه لَبَنًا، فَهَذَا مِنَ الْأُمُورِ الإسرائيلية الَّتِي لَا تُصَدَّقُ، ولا تُكَذَّب، إِنْ لَمْ نَقُلْ: إنها كاذبة؛ لِأَنَّ هَذَا بَعِيدٌ مِنَ الْعَادَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ﴾ فِي عَاقِبَةِ الأمر، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ ﴿لِيَكُونَ﴾ يَعُودُ عَلَى مُوسَى، وَالضَّمِيرُ فِي ﴿لَهُمْ﴾ يَعُودُ عَلَى آلِ فِرْعَوْنَ، وَيَدْخُلُ فِي آلِ فِرْعَوْنَ نَفْسِه.
وقولُه ﴿لِيَكُونَ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [فِي عَاقِبَةِ الأَمْرِ] إِشَارَة إِلَى أَنَّ اللامَ هنا للعَاقِبَةِ، وليست للتَّعلِيل؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ شَعَرُوا بأنه يَكُونُ لهمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا لَقَتَلُوه، ولكن العاقبة أَنَّهُ كَانَ كَذَلِكَ.
وما ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ مِنْ أَنَّ اللامَ هنا للتَّعلِيل، باعتبار عِلْمِ اللَّهِ، لَهُ وَجْهٌ، يعني: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ فِي عِلْمِ اللَّهِ، وليست تعليلًا للالتقاط، هَذَا لَهُ وَجْهٌ، لكن الأقربُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ المُفَسِّر وَغَيْرُهُ مِنْ أن اللام هنا للعاقِبة، وليست للتَّعلِيل.
واللام الَّتِي تَدْخُلُ عَلَى الْفِعْلِ المضارع تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: زائدة، وغير زائدة.
اللَّام الزَّائِدة تكون للتَّعلِيل، وتكون للعاقبة، وتكون لتأكيد النفي، وَهَذَا لَيْسَ
стр. 29
لغير الزَّائِدة، والزَّائِدة هِيَ الَّتِي تَقَعُ فِي الْغَالِبِ بَعْدَ فِعْلِ الإرادة، مِثْلَ قَوْلِهِ تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَّيِنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، وقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، فَإِنَّ اللَّامَ هنا زائدة؛ لِأَنَّك لَوْ حذفتَها وقَدَّرْتَ (أَنْ) ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ﴾ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُذهب، تَمَّ الكلام.
واللام غير الزَّائِدة تكون للتَّعلِيل، مِثل قولك: حَضَرْتُ لأتَعَلَّم، أي: مِنْ أَجْلِ أَنْ أتعلَّم، وتكون لتأكيد النفي، مِثْلَ قَوْلِهِ تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٣٧]، ولهذا يُسَمِّيها النحويون لامَ الجُحُود، يعني: النفي، فهي لتأكيد النفي.
والثالثة تكون للعاقبة، مِثْل هَذِهِ الآيةِ ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾، وَهِيَ الَّتِي تَكُونُ بَعْدَ (كان) مضارعًا كانت، أَوْ فِعْلًا ماضيًا.
وَقَوْلُهُ: [﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ يَقتُل رِجَالهمْ، ﴿وَحَزَنًا﴾ يَسْتَعْبِدُ نِسَاءَهُمْ]، هَذَا فِيهِ نَظَرٌ، بل الظَّاهِرُ أَنَّهُ ﴿عَدُوًّا﴾؛ لمِا يَحْصُلُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الأضرار البالغة لآل فِرْعَون، ﴿وَحَزَنًا﴾ لأنَّهُ سوف يُحزنهم حين يَظْهَرُ لَهُ مِنَ الانتصار العظيم، وأَبْلَغُها حين انتصر يومَ الزينة؛ فإنه انتصر عليهم انتصارًا بالغًا باهرًا، وحصل لهم بِهَذَا مِنَ الحُزن مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ .
وَلَمْ نَعْلَمْ أَنَّ مُوسَى ﷺ قَتل رجال آلِ فِرْعَوْنَ، وَلَا أَنَّهُ استعبد نساءهم، وإنَّما المَعْرُوفُ أَنَّ اللَّهَ أغرقهم بفعله، [وَفِي قِرَاءَةٍ بِضَمِّ الحَاءِ وَسُكُونِ الزَّاي لُغَتَانِ فِي المَصْدَرِ، وَهُوَ هُنَا بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ مِنْ حَزَنَهُ كَأَحْزَنَهُ]، إِذَا قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: فيه قراءة. فهو يعني: سَبْعِيَّة، وَإِذَا قَالَ قُرِئَ، فهو يعني قِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ.
قال: [بِضَمِّ الحَاءِ وَسُكُونِ الزَّاي] "لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُّوًا وحُزْنًا"، حُزْنًا وحَزنًا
стр. 30
معناهما واحِدٌ، وهما لُغتان في المصدر، يقول: حَزَنَه كأحْزَنهُ. يعني: أن الحَزن الَّذِي لَيْسَ مزيدًا بالهمزة مِثل: أَحْزَنَه المزيد بالهمزة مِنْ حِيْثُ التَّعَدُّد.
وقوله: [بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ هُنَا] أي: حازِن، أي: مُحزِن، وقد أوَّله المُفَسِّر ﵀ إِلَى هَذَا؛ لأن الحُزن شُعور بالنَّقْصِ، وموسى ﷺ مُدْخِل لهذا الشعور -وهو الحُزْنُ- فِي أنفُسِهِمْ، وَعَلَى هَذَا فيكون ﴿وَحَزَنًا﴾ بمعنى: حازنًا.
والمصدر أحيانًا يَأْتِي بِمَعْنَى اسم الفاعل، وأحيانًا بمعنى اسم المفعول، فيقال: فلانٌ عَدْلٌ رِضًى، ويقال أيضًا: فلانٌ ثِقَةٌ. وعَدْلٌ، ورِضًى، وثِقَةٌ مصادرُ بمعنى اسم الفاعل: عادل، وهو اسم فاعل، ومَرْضِيٌّ، وموثوق، وكلاهما اسم مفعول.
وقوله ﷺ : "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" (١) ، هذا مصدر بمعنى اسم مَفْعُول.
﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾، الْعَدُوُّ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ حَدُّوه بتعريف، هُوَ الحكْمُ في الواقع، فقالوا: إِنَّ الْعَدُوَّ مَنْ سَرَّهُ مَساءة شخصٍ، أو غَمَّه فَرَحُه، فهو عَدُوُّه.
كُلُّ إِنْسَانٍ يَسُرُّه أَنْ تُسَاءَ، ويَحْزُنه أَنْ تُسَرَّ؛ فهو عَدُوٌّ، وَكُلُّ إِنْسَانٍ يَسُرُّه أَنْ تُسَرَّ، ويُحزنه أن تَحْزَن؛ فَهُوَ وَلِيٌّ.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ هَذِهِ الجملة تعليلٌ لقوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ كَأَنَّهُ قِيلَ: لماذا يكون ﴿لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾؟ فتبَيَّنَ أَنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ هُوَ خَطَأُ هؤُلاءِ. الحواشي
(١) أخرجه البخاري: كتاب البيوع، باب إذا اصطلحوا على صلح جور، رقم(٢٦٩٧) ، مسلم: كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، رقم(١٧١٨) .стр. 31
﴿فِرْعَوْنَ﴾: المَلِك، ﴿وَهَامَانَ﴾: وَزِيرُه، ﴿وَجُنُودَهُمَا﴾: أتباعهما الَّذِينَ يَمْتَثِلُونَ بأَمْرِهِما، وكلمة جنود: جمع جُند، والجُند هم أنصار الإِنْسَان.
قوله تعالى: ﴿كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ مِن الخطيئة، أي: عاصين، فعُوقبوا عَلَى يَدَيْهِ.
وهناك فرقٌ بين الخاطئ والمخطئ؛ فالخاطئ -مثلًا- مَنْ قتلَ مُتَعَمِّدًا، أَمَّا مَنْ قتلَ غَيْرَ مُتَعَمِّد فَهُوَ مُخْطِئٌ، ولذلك فإن الخاطئ مُعذَّب، والمخطئ غير مُعذَّب، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٦].
والمخطئ لَيْسَ عَلَيْهِ إِثْمٌ، قَالَ تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، والفعل مِن خاطئ: خَطِئَ، والفعل مِن مخُطئ: أخطأ. هَذَا هُوَ الْفَرْقُ.
إذن: قَوْلُهُ : ﴿خَاطِئِينَ﴾ أي: وَاقِعَيْنِ فِي الْخَطَأ عَن عَمْدٍ وقَصْد، وَلِهَذَا قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [أَيْ: عَاصِينَ فَعُوقِبُوا عَلَى يَدَيْهِ].
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أَنَّ أَتْبَاعَ الرَّجُلِ وحاشيتَه مِن آلِه؛ لقوله: ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾ وقد أن المفسِّر ﵀ فَسَّرَهَا بِقَوْلِهِ: [أعوانُ فِرْعَون].
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْإِنْسَانَ مَهما بَلَغَ فِي العُتُوِّ والاستِكْبار، فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ المستقبَل، وهذا مَأْخُوذٌ مِنْ أَنَّ آلَ فِرْعَوْنَ مَا عَلِمُوا أَنَّ هَذَا الطفل سيكون عَدُوًّا لهم وحَزَنًا.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ المُؤْمِنِينَ أعداءٌ للكُفَّار، لقوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾، وأنهم أيضًا حَزَنٌ لهم، وَهَذَا أَمْرٌ ظَاهِرٌ.
وَلَا شَكَّ أنهم يُساءون بما يَسُرُّهم، والعكس صحيح.
стр. 32
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يسعى لمِا فِيهِ حَتْفُه؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ سَعَوْا فِيمَا فِيهِ حَتْفُهم؛ فَقَدِ التقَطُوا هذا الطِّفْلَ الَّذِي سيكون عَدُوًّا لهم وحَزَنًا.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بيان قُدْرَةِ اللَّهِ فِي هَذَا الطفل الصَّغِيرِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، الَّذِينَ كَانُوا يُقَتَّلُ أبناؤهم، أَرَادَ اللَّهُ بِقُدْرَتِه أَنَّ الذي يُؤوِيه ويُرَبِّيه فِي بَيْتِهِ هو فِرْعَونُ نَفْسُه، الَّذِي أَمَرَ بِالْبَحْثِ عَنِ الأولاد مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ليقتُلهم.
فكأن اللَّهَ تعالى يَقُولُ لَهُ: أنت تقتُل الأولادَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وقد أرسلتُ لك وَاحِدًا مِنْهُمْ، فعاشَ في حِجْرِك.
وَهَذَا مِنْ أَكْبَرِ الأدلة على قُدْرَةِ اللَّهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى الْأَسْبَابِ الماديَّة، فإن اللَّهَ تعالى يُغَيِّرُ الأحوال.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: بَيَانُ أَنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا عَلَى باطل؛ لقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾، وَفَرْقٌ بَيْنَ الخاطئ والمخطئ، فالخاطئ: الذي يرتكب المعصية عَنْ عَمْدٍ، والمخطئ: الذي يرتكبها عَنْ غَيْرِ عَمْد، أَوْ عَنْ جَهْلٍ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِهَامَانَ -وَهُوَ وزير فِرْعَون- سُلطة كبيرة فِي مَمْلَكَةِ فِرْعَونَ؛ لقوله: ﴿وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ ففي عدة آياتٍ يُضيف اللَّهُ الجنودَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَحْدَه، باعتبار أن فِرْعَون هُوَ المَلِكُ، ولكنه هنا أضاف الجنودَ لفِرْعَونَ وهامانَ، وذلك ليُبَيِّن قوة تَأْثِيِرِهِ فِي الْحُكْمِ.
* * *
стр. 33
الآية (٩)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ٩].
* * *
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ وَقَدْ هَمَّ مَعَ أَعْوَانِهِ بِقَتْلِهِ هُوَ ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ فَأَطَاعُوهَا ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بِعَاقِبَةِ أَمْرِهِمْ مَعَهُ].
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ وَقَدْ هَمَّ مَعَ أَعْوَانِهِ بِقَتْلِهِ، أي: بقتل موسى، [هو ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾]، كلمة ﴿قُرَّتُ﴾ مكتوبة بالتاء المفتوحة، والقاعدة أَنْ تَكُونَ بالتاء المربوطة، وَهِيَ كَذَلِكَ فِيمَا بَقِيَ مِنَ الآيَاتِ بالمربوطة ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤]، بالتاء المربوطة، ولم تأتِ مفتوحةً إِلَّا فِي هَذَا المَوْضِعِ مِنَ القُرْآن، وذُكرت فِي الْقُرْآنِ فِي مَوْضِعَيْنِ سِوى هذا بالتاء المربوطة.
وَإِذَا قِيلَ: مَا الْفَرْقُ؟
نقول: إِنَّ هَذَا يُتبع فيه الرسمُ العثماني، هكذا رسمه الصَّحَابَةُ ﵃.
وقوله ﴿وَقَالتَ﴾ تَوَجَّهَ الخطَّابُ فِيهِ إِلَى فِرْعَوْنَ، وقوله: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾ قَدَّر المُفَسِّر ﵀ [هو]؛ ليُبَيِّنَ أَنَّهُ خَبَرُ مبتدأ محذوف، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ القَرِّ، أَوْ مِنَ القَرَار،
стр. 34
ويَصِحُّ مِنْهُمَا جَمِيعًا، مِن القَرِّ، وهو البَرد؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ إذا بَرَدَت، فَإِنَّهَا تَكُونُ عَلَامَةً عَلَى السُّرور، ولهذا يقال: دَمُ السُّرور بارد، ودَمُ الحُزن حارٌّ.
ويقال: يبكي عليه بدمعٍ حَارٍّ، يعني: مِنَ الحُزْنِ.
إذن نقول: قُرةُ العَين كِنَايَةٌ عَنِ بُرودتها، وبُرودة العين دَلِيلٌ عَلَى السرور.
وقيل: إِنَّهَا مِن قَرَّ بالمكان، وهو القَرار وعدمُ الاضطراب؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا كَانَ خَائِفًا بدأت عينُه تَجُول مِن هنا، ومن هنا، تَشْخَصُ وتَجُولُ وتلتفت، لَكِنْ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا قارَّة، ولكن قرارها دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَخَفْ.
قَوْله تعالى: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾. قولها: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ هَمُّوا بقتله، وإلَّا لمَا كَانَ لقولها: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ فائدة.
وقوله تعالى: ﴿لِي وَلَكَ﴾ لَا شَكَّ أنَّه وَقَعَ الْأَمْرُ كَمَا توقَّعَتْ، وصار هَذَا الْوَلَدُ قُرَّةَ عَيْنٍ لها، ورِفعة لَهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وأما لفِرعونَ فلا، فما صَارَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُرَّةَ عَيْنِ، بَلْ كَانَ لَهُ عَدُوًّا وَحَزَنًا.
ومن غرائب التَّفْسِيرِ أَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يَقْرَأُ هَكَذَا: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي﴾ ويَقِفُ، ثُمَّ يَقْرَأُ: ﴿وَلَك لَا﴾، ثم يَقِف، ثُمَّ يَقْرَأُ: ﴿تَقْتُلُوهُ﴾ جملة مُستأْنَفة، وَهَذَا فِي الحْقِيقَةِ مِن التلاعُب بالقُرْآن؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَمَا يَقُولُونَ لَقَالَ اللَّهُ تعالى (تقتلونَه)؛ إِذْ إِنَّ حذفَ النُّون هُنَا لَا نَعْلَمُ لَهُ سَبَبًا سِوى النهي، فكيف يُفسَّر كَلَامُ اللَّهِ بِمِثْلِ هَذِهِ التفاسير الواردة، ولكن ذكرناه؛ لِأَنَّهُ قَدْ قِيلَ بِهِ، حَتَّى إِنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ (١) وَلَكِنْ هَذَا مِنْ أَبْعَدِ مَا يَكُونُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لمَا فِيهِ مِنْ تفكيك الكلام وتَنَاثُره، الحواشي
(١) معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٠٢).стр. 35
وعدم التئام بعضه مَعَ بَعْضٍ، ولأن النون فِي الْفِعْلِ ﴿تَقْتُلُوهُ﴾ حذوفة، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ﴿لَا﴾ مُسلَّطة عليه.
ولكن امرأة فِرْعَون ﵂؛ إما أَنَّهَا قَالَتْ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التهدئة له، ولتُفرحه، وإما أنَّها قَالَتْ ذَلِكَ معتقدةً له، وَلَكِنْ لَيْسَ مَنِ اعتقدَ شيئًا يَكُونُ الْأَمْرُ عَلَى وِفَاقِ مَا اعْتَقَدَ، بَلْ قَدْ يُخْلِفُ اللَّهُ اعتقادَ الإِنْسَان؛ لحِكمة يُريدها، وَهَذَا لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ تَقُولَه معتقدةً أَنَّهُ سَيَكُونُ قُرَّةَ عَيْنِ له ولها أيضًا، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قولها: ﴿عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَخِذَهُ وَلَدًا﴾.
قوله تعالى: ﴿عَسَى﴾ للترجِّي، وقوله: ﴿يَنْفَعَنَا﴾ للخدمة، ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، نتبنَّاه.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ لَيْسَ لفِرْعَونَ مِنِ امْرَأَتِهِ ولدٌ، فقالت: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، وَمَعْلُومٌ أَنَّ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَرقًا، فإن انتفاعَهم بِهِ لَا يجعلهم يَحْنُون عَلَيْهِ كَمَا يَحْنُون عَلَى الْوَلَدِ، فالخادم عِنْدَ الْإِنْسَانِ يأمرُه وينهاه، وَلَا يَكُونُ فِي قَلْبِهِ لَهُ مِنَ الرَّحْمة والرأفة والعطف مَا يَكُونُ للولد، وَلِهَذَا قَالَت: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، وهذا انْتِقَالٌ مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الأَعْلَى.
إذن: هي تُرِيدُ أَنْ تَقُولَ: نحن لسنا محرومين مِنْ هَذَا الْوَلَدِ؛ فَإِمَّا أَنْ نتخذه خادمًا ننتفع به، وإما نَتَّخِذَهُ وَلَدًا نفخر به، ويكون لَنَا فِي مَنْزِلَةِ الولد.
وهناك احتمال ثالث لمَا سَبَقَ، فلا ينفعهم، ولا يتخذونه ولدًا، وَلَكِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي مِثْلِ هَذَا السياق؛ لأنَّها تريد ترغيبهم في إبقائه، والترغيب في الإبقاء لَا تَذْكُرْ فِيهِ إِلَّا الصفات المرغوبة، وَهِيَ أَنْ ينفع، أو يُتخَذ ولدًا.
стр. 36
وقد يدلُّ تَبَنِّيهَا لموسى عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ عاقرًا لا تلد، وَقَدْ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ؛ فالمرأةُ قد تتخذ الولد زِيادَةً عَلَى مَا عندها، ولكننا عندما لَا نَجِدَ دَليلًا بَيِّنًا لما نقول: وربما يَكُونُ كَذَا.
قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، هَذِهِ جُمْلَةٌ الظَّاهر أَنَّهَا مِن كَلَامِ اللَّهِ، يعني ﴿وَهُمْ﴾ أي: آلُ فِرْعَوْنَ ومنهم المرأة، ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ بعاقبة أَمْرِ هَذَا الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ شعروا بعاقبة أَمْرِه لمَا قَبِلُوا منها مَشُورَتها، وَلَكِنَّ اللَّهَ أعمى ذَلِكَ عَنْهُمْ.
بعضهم يقول ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ آلُ فِرْعَوْنَ لَا يَشْعُرُونَ بما تريده المرأة، وكأنَّ المرأة ألهمها اللَّهُ مآلَ هَذَا الرَّجُل، وأمَّا هُم فلا يشعرون، لكن الأقرب أَنَّه مِنْ كلام اللَّهِ .
ومن الظَّاهِرِ أَنَّ امْرَأَةَ فِرْعَونَ لَمْ تَكُنْ قَدْ أسلمت حينئذ، فَقَدْ كَانَتْ زوجتَه، وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُطيعة له، وأَنْ تَكُونَ عَلَى دِينِهِ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: بيانُ فَضِيلَة امرأةِ فِرْعَوْنَ مِنْ قَوْلِها: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾، وَفِيهَا أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى فِرَاسَتِها؛ لأنَّها توقَّعَت أن ينفعهم، ولكن حدث بَعْضُ مَا توقَّعَتْه، فقد نَفَعَها هي فقط، وضَرَّ فِرْعَون.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى مَا قِيلَ: (إنَّ البلاء مُوَكَّلٌ بِالمَنْطِقِ)، والتفاؤل كلام؛ فامرأةُ فِرْعَونَ قالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَك﴾، فتفاءلت بِهِ خَيْرًا، فحصل لَهَا ذَلِكَ، وصار قُرَّةَ عَيْنٍ.
стр. 37
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تُستعمل الأساليب الَّتِي تُحَقِّقُ المقصود؛ لقوله: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾، فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ منها، سَوَاءٌ كَانَت تتوقع ذَلِكَ، أَوْ لَا تتوقعه، لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا فِي مُوَافَقَةِ فِرْعَونَ لمِا بَلَغَهُ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِرْعَونَ هَمَّ بقتل موسى، وذلك يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ امرأة فِرْعَون: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ هَمَّ بِهِ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: قُصور عِلم الْإِنْسَانِ مَهْمَا بَلَغَ فِي عُلُوِّهِ واستِكْباره؛ لقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: هَذَا الْآيَةُ لَيْسَتْ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ التَّبَنِّي، فقوله تعالى: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: نُكرمه ونجعله في بيتنا مِثْلَ الْوَلَدِ، وقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ أي: مِثل الخادم، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ معناه: نتبنَّاه.
وَعَلَى هَذَا المَعْنَى، فَلَا دَليلَ عَلَى جَوَازِ التَّبَنِّي، فالتَّبَنِّي كان مَشْرُوعًا حَتَّى فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، في بداية الدعوة، ثُمَّ نُسِخَ وحُرِّم.
* * *
стр. 38
الآية (١٠)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠].
* * *
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى﴾ لمَّا عَلِمَتْ بِالْتِقَاطِهِ ﴿فَارِغًا﴾ مِمَّا سِوَاهُ ﴿إِن﴾ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَاسْمُهَا مَحْذُوفٌ، أَيْ: إِنَّهَا ﴿كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أَيْ بِأَنَّهُ ابْنُهَا ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ بِالصَّبْرِ، أَيْ: سُكْنَاهُ ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المُصَدِّقِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ، وَجَوَابُ (لَوْلَا) دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهَا].
قوله ﵎: ﴿وَأَصْبَحَ﴾ هَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّهَا ألقته ليلًا، وتأتي كلمة (أصبح) بمعنى: (صار)، بِغَضِّ النظر عَنِ الزَّمَنِ، وتأتي (أصبح) بمعنى (صَارَ) فِي الإصباح، يقال مثلًا: أصبح الماء ثلجًا، أي: صار الماء ثلجًا.
وفِي اللُّغَةِ العامِّية الآن دائمًا يُعَبِّر النَّاسُ بِقَوْلهِم: أصبح كذا، وأصبح كذا، يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أدهُ انْتَقَلَ إِلَى هَذَا، كما أَنَّ الإصباح انْتِقَالٌ مِنَ اللَّيْلِ إِلَى النهار، لكن هنا ليس ببعيد أَنَّهُ فِي صباحِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ استولت عليها الوساوس والهواجس، حَتَّى صَارَ قَلْبُهَا فَارِغًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، لا تُفَكِّر في أَيِّ شَيْءٍ إِلَّا بِهَذَا الولد، وَهَذَا يَعْنِي: أَنَّ المُرَادَ بالإصباح هنا الدُّخُولُ فِي الصباح، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ أَنْ نَجْعَلَهُ بمعنى: صار؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ يُحزَن عَلَيْهِ عِنْدَ فَقْدِهِ، لَكِنْ إِذَا طَالَ الزَّمَن، فَإِنَّهُ قَدْ يُنْسَى؛ لأن الحوادثَ
стр. 39
تُنسيه، فَالظَّاهِرُ أَنَّ (أصبح) أي: فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ.
قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ﴾ الفؤاد: القلب، قوله: ﴿فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ يقول: مِمَّا سِوَاهُ، أَمَّا قَوْلُ المُفَسِّر ﵀: [لمَا عَلِمَتْ بِالْتِقَاطِهِ] فَهَذَا لَا يَتَعَيَّنُ أنَّها علمت؛ لأنَّها بمجرد أن ألْقَتْه سوف تُوَسْوَسُ به.
﴿إِن﴾ مُخَفَّفَة مِن الثقيلة، واسمُها محذوف، أي: إنها ﴿كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أي: بأنه ابنُها، ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ إِلَى آخِرِهِ.
المُفَسِّر ﵀ أَعْرَب قَوْلَهُ تعالى: ﴿إِن﴾ مُخَفَّفَة مِن الثقيلة، وابنُ مَالِكٍ يَقُولُ (١) :
وَخُفِّفَتْ إِنَّ فَقَلَّ الْعَمَلُ ... وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
وَرُبَّمَا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا ... مَا نَاطِقٌ أَرَادَهُ مُعْتَمِدًا
وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخًا فَلَا ... تُلْفِيهِ غَالِبًا بِإِنْ ذِي مُوصَلَا
فالآية إذن جَارَيةٌ عَلَى اللُّغَةِ الفصحى؛ لأن (كاد) ناسخة، وَاللَّامَ فِي ﴿لَتُبْدِي بِهِ﴾ هو جائزةٌ غير لازمة، ولو حذفناها وقلنا: إِنْ كَادَتْ تبدي به. فتكون بمعنى (ما)، يعني: ما كادت تبدي به، جاز ذلك.
ولذلك فَإِنَّ اللَّامَ يجب ذِكرهُا إِذَا كَانَ حذفُها يُوقِع فِي الْإِشْكَالِ؛ لِأَنَّك إِذَا حذفتَها التبسَت بـ (إنْ) النافية، وإذا أوجدتَها، فَلَن يَكُونُ هناك اشتباهٌ؛ لأن لام التوكيد لَا تَأْتِي مَعَ النَّفْي. الحواشي
(١) ألفية ابن مالك (ص ٢٢).стр. 40
وقيل: تخفف المعنى؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ تعالى: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ معناه: أنَّه قَرُبَ إبداؤها لذلك، لَكِنْ مَا كَانَت لِتُبْدِيَ بِهِ معناها مستحيل؛ لأن السياق يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا جَائِزَةٌ، ولأن السياق يَدُلُّ عَلَى المَعْنَى، وَهُوَ قَوْلُهُ تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾، فَإِنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ لَا تُناسب أَنْ تَكُونَ (إنْ) نافيةً، يعني: ما كادت تُبدي به ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾.
والرَّبط عَلَى الْقَلْبِ يقتضي الكتمان، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ نَقُولَ: ما كادت تُظهره لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا؛ لأن ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا﴾ يستلزم ألَّا تُظْهِرَه، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ اللَّامُ هنا جائزة، وَهَذَا جَائِزٌ مِنْ حِيْثُ الصناعةُ النحويةُ، أَمَّا مِنْ حَيْثُ التِّلاوةُ القُرْآنيةُ، فَلا يجوز حذفُها، والسبب أن كَلَامَ اللَّهِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُبدَّل؛ لا بالنَّقص، ولا بالزيادة.
قوله ﵎: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾، تُبدي أي: تُظهِر به، وَأَمَّا قَوْلُ المُفَسِّر ﵀: [أَيْ: بِأَنَّهُ ابْنُهَا]، فَهُوَ بِنَاءٌ مِنْهُ عَلَى أَنَّهَا وَصَلْت إِلَى آلِ فِرْعَوْنَ، وَلَوْلَا أَنْ رُبِطَ عَلَى قَلْبِهَا لَقَالَت: هذا ابني.
وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا بَعِيدٌ مِنَ الْقِصَّةِ، بَعِيدٌ مِنَ المَعْنَى، وَلَكِنْ مَعْنَى قَوْله: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أي: لَتُظْهِر بما فَعَلَتْهُ به، وهي تُحدِّث النَّاس، وتقول: واللَّه أنا فعلتُ كذا، وفعلتُ كذا، وألقيتُ ابني فِي الْيَمِّ، إِلَى آخِرِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾؛ لِأَنَّ المَعْرُوفَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذا حَزِن بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ يُخَفِّفُ مِنْ آلامِ الْحُزْنِ عَلَى نَفْسِهِ، أو يتحدثُ بِهِ إِلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ لمن يَتَّصِلَ بِهِ.
ولذلك تجد الإِنْسَانَ يَضِيق صدرُه بالشَّيْء حَتَّى يُحَدِّثَ به، وهذا الشَّيْء معلوم، فَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ رَبَطَ عَلَى قَلْبِهَا لَأَبْدَتْ ذَلِكَ الْأَمْرَ، لا أنها تُبدي وتقول: هذا ابني، بل أَبْدَت الْأَمْرَ الَّذِي وَقَعَ منها، وهي أنَّها أَلْقَتْه في تابوتٍ، وأَلْقَتْه فِي الْيَمِّ،
следующие страницы →