Полный текст (403 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وقد يدلُّ تَبَنِّيهَا لموسى عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ عاقرًا لا تلد، وَقَدْ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ؛ فالمرأةُ قد تتخذ الولد زِيادَةً عَلَى مَا عندها، ولكننا عندما لَا نَجِدَ دَليلًا بَيِّنًا لما نقول: وربما يَكُونُ كَذَا.
قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، هَذِهِ جُمْلَةٌ الظَّاهر أَنَّهَا مِن كَلَامِ اللَّهِ، يعني ﴿وَهُمْ﴾ أي: آلُ فِرْعَوْنَ ومنهم المرأة، ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ بعاقبة أَمْرِ هَذَا الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ شعروا بعاقبة أَمْرِه لمَا قَبِلُوا منها مَشُورَتها، وَلَكِنَّ اللَّهَ أعمى ذَلِكَ عَنْهُمْ.
بعضهم يقول ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ آلُ فِرْعَوْنَ لَا يَشْعُرُونَ بما تريده المرأة، وكأنَّ المرأة ألهمها اللَّهُ مآلَ هَذَا الرَّجُل، وأمَّا هُم فلا يشعرون، لكن الأقرب أَنَّه مِنْ كلام اللَّهِ .
ومن الظَّاهِرِ أَنَّ امْرَأَةَ فِرْعَونَ لَمْ تَكُنْ قَدْ أسلمت حينئذ، فَقَدْ كَانَتْ زوجتَه، وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُطيعة له، وأَنْ تَكُونَ عَلَى دِينِهِ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: بيانُ فَضِيلَة امرأةِ فِرْعَوْنَ مِنْ قَوْلِها: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾، وَفِيهَا أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى فِرَاسَتِها؛ لأنَّها توقَّعَت أن ينفعهم، ولكن حدث بَعْضُ مَا توقَّعَتْه، فقد نَفَعَها هي فقط، وضَرَّ فِرْعَون.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى مَا قِيلَ: (إنَّ البلاء مُوَكَّلٌ بِالمَنْطِقِ)، والتفاؤل كلام؛ فامرأةُ فِرْعَونَ قالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَك﴾، فتفاءلت بِهِ خَيْرًا، فحصل لَهَا ذَلِكَ، وصار قُرَّةَ عَيْنٍ.
стр. 37
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تُستعمل الأساليب الَّتِي تُحَقِّقُ المقصود؛ لقوله: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾، فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ منها، سَوَاءٌ كَانَت تتوقع ذَلِكَ، أَوْ لَا تتوقعه، لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا فِي مُوَافَقَةِ فِرْعَونَ لمِا بَلَغَهُ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِرْعَونَ هَمَّ بقتل موسى، وذلك يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ امرأة فِرْعَون: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ هَمَّ بِهِ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: قُصور عِلم الْإِنْسَانِ مَهْمَا بَلَغَ فِي عُلُوِّهِ واستِكْباره؛ لقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: هَذَا الْآيَةُ لَيْسَتْ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ التَّبَنِّي، فقوله تعالى: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: نُكرمه ونجعله في بيتنا مِثْلَ الْوَلَدِ، وقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ أي: مِثل الخادم، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ معناه: نتبنَّاه.
وَعَلَى هَذَا المَعْنَى، فَلَا دَليلَ عَلَى جَوَازِ التَّبَنِّي، فالتَّبَنِّي كان مَشْرُوعًا حَتَّى فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، في بداية الدعوة، ثُمَّ نُسِخَ وحُرِّم.
* * *
стр. 38
الآية (١٠)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠].
* * *
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى﴾ لمَّا عَلِمَتْ بِالْتِقَاطِهِ ﴿فَارِغًا﴾ مِمَّا سِوَاهُ ﴿إِن﴾ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَاسْمُهَا مَحْذُوفٌ، أَيْ: إِنَّهَا ﴿كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أَيْ بِأَنَّهُ ابْنُهَا ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ بِالصَّبْرِ، أَيْ: سُكْنَاهُ ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المُصَدِّقِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ، وَجَوَابُ (لَوْلَا) دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهَا].
قوله ﵎: ﴿وَأَصْبَحَ﴾ هَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّهَا ألقته ليلًا، وتأتي كلمة (أصبح) بمعنى: (صار)، بِغَضِّ النظر عَنِ الزَّمَنِ، وتأتي (أصبح) بمعنى (صَارَ) فِي الإصباح، يقال مثلًا: أصبح الماء ثلجًا، أي: صار الماء ثلجًا.
وفِي اللُّغَةِ العامِّية الآن دائمًا يُعَبِّر النَّاسُ بِقَوْلهِم: أصبح كذا، وأصبح كذا، يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أدهُ انْتَقَلَ إِلَى هَذَا، كما أَنَّ الإصباح انْتِقَالٌ مِنَ اللَّيْلِ إِلَى النهار، لكن هنا ليس ببعيد أَنَّهُ فِي صباحِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ استولت عليها الوساوس والهواجس، حَتَّى صَارَ قَلْبُهَا فَارِغًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، لا تُفَكِّر في أَيِّ شَيْءٍ إِلَّا بِهَذَا الولد، وَهَذَا يَعْنِي: أَنَّ المُرَادَ بالإصباح هنا الدُّخُولُ فِي الصباح، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ أَنْ نَجْعَلَهُ بمعنى: صار؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ يُحزَن عَلَيْهِ عِنْدَ فَقْدِهِ، لَكِنْ إِذَا طَالَ الزَّمَن، فَإِنَّهُ قَدْ يُنْسَى؛ لأن الحوادثَ
стр. 39
تُنسيه، فَالظَّاهِرُ أَنَّ (أصبح) أي: فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ.
قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ﴾ الفؤاد: القلب، قوله: ﴿فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ يقول: مِمَّا سِوَاهُ، أَمَّا قَوْلُ المُفَسِّر ﵀: [لمَا عَلِمَتْ بِالْتِقَاطِهِ] فَهَذَا لَا يَتَعَيَّنُ أنَّها علمت؛ لأنَّها بمجرد أن ألْقَتْه سوف تُوَسْوَسُ به.
﴿إِن﴾ مُخَفَّفَة مِن الثقيلة، واسمُها محذوف، أي: إنها ﴿كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أي: بأنه ابنُها، ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ إِلَى آخِرِهِ.
المُفَسِّر ﵀ أَعْرَب قَوْلَهُ تعالى: ﴿إِن﴾ مُخَفَّفَة مِن الثقيلة، وابنُ مَالِكٍ يَقُولُ (١) :
وَخُفِّفَتْ إِنَّ فَقَلَّ الْعَمَلُ ... وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
وَرُبَّمَا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا ... مَا نَاطِقٌ أَرَادَهُ مُعْتَمِدًا
وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخًا فَلَا ... تُلْفِيهِ غَالِبًا بِإِنْ ذِي مُوصَلَا
فالآية إذن جَارَيةٌ عَلَى اللُّغَةِ الفصحى؛ لأن (كاد) ناسخة، وَاللَّامَ فِي ﴿لَتُبْدِي بِهِ﴾ هو جائزةٌ غير لازمة، ولو حذفناها وقلنا: إِنْ كَادَتْ تبدي به. فتكون بمعنى (ما)، يعني: ما كادت تبدي به، جاز ذلك.
ولذلك فَإِنَّ اللَّامَ يجب ذِكرهُا إِذَا كَانَ حذفُها يُوقِع فِي الْإِشْكَالِ؛ لِأَنَّك إِذَا حذفتَها التبسَت بـ (إنْ) النافية، وإذا أوجدتَها، فَلَن يَكُونُ هناك اشتباهٌ؛ لأن لام التوكيد لَا تَأْتِي مَعَ النَّفْي. الحواشي
(١) ألفية ابن مالك (ص ٢٢).стр. 40
وقيل: تخفف المعنى؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ تعالى: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ معناه: أنَّه قَرُبَ إبداؤها لذلك، لَكِنْ مَا كَانَت لِتُبْدِيَ بِهِ معناها مستحيل؛ لأن السياق يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا جَائِزَةٌ، ولأن السياق يَدُلُّ عَلَى المَعْنَى، وَهُوَ قَوْلُهُ تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾، فَإِنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ لَا تُناسب أَنْ تَكُونَ (إنْ) نافيةً، يعني: ما كادت تُبدي به ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾.
والرَّبط عَلَى الْقَلْبِ يقتضي الكتمان، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ نَقُولَ: ما كادت تُظهره لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا؛ لأن ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا﴾ يستلزم ألَّا تُظْهِرَه، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ اللَّامُ هنا جائزة، وَهَذَا جَائِزٌ مِنْ حِيْثُ الصناعةُ النحويةُ، أَمَّا مِنْ حَيْثُ التِّلاوةُ القُرْآنيةُ، فَلا يجوز حذفُها، والسبب أن كَلَامَ اللَّهِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُبدَّل؛ لا بالنَّقص، ولا بالزيادة.
قوله ﵎: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾، تُبدي أي: تُظهِر به، وَأَمَّا قَوْلُ المُفَسِّر ﵀: [أَيْ: بِأَنَّهُ ابْنُهَا]، فَهُوَ بِنَاءٌ مِنْهُ عَلَى أَنَّهَا وَصَلْت إِلَى آلِ فِرْعَوْنَ، وَلَوْلَا أَنْ رُبِطَ عَلَى قَلْبِهَا لَقَالَت: هذا ابني.
وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا بَعِيدٌ مِنَ الْقِصَّةِ، بَعِيدٌ مِنَ المَعْنَى، وَلَكِنْ مَعْنَى قَوْله: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أي: لَتُظْهِر بما فَعَلَتْهُ به، وهي تُحدِّث النَّاس، وتقول: واللَّه أنا فعلتُ كذا، وفعلتُ كذا، وألقيتُ ابني فِي الْيَمِّ، إِلَى آخِرِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾؛ لِأَنَّ المَعْرُوفَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذا حَزِن بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ يُخَفِّفُ مِنْ آلامِ الْحُزْنِ عَلَى نَفْسِهِ، أو يتحدثُ بِهِ إِلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ لمن يَتَّصِلَ بِهِ.
ولذلك تجد الإِنْسَانَ يَضِيق صدرُه بالشَّيْء حَتَّى يُحَدِّثَ به، وهذا الشَّيْء معلوم، فَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ رَبَطَ عَلَى قَلْبِهَا لَأَبْدَتْ ذَلِكَ الْأَمْرَ، لا أنها تُبدي وتقول: هذا ابني، بل أَبْدَت الْأَمْرَ الَّذِي وَقَعَ منها، وهي أنَّها أَلْقَتْه في تابوتٍ، وأَلْقَتْه فِي الْيَمِّ،
стр. 41
لَوْ فَعَلْت هَذَا لَطَارَ الخبرُ، كَمَا يَقُولُ النَّاسُ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ مكتومٌ مَا لَمْ يَظْهَرْ، فَإِذَا ظَهَرَ لِوَاحِدٍ، فَثِقْ أنَّه سيتشعَّب، فلو أَبْدَتْهُ -ولو لأقرب النَّاسِ إِلَيْهَا- لَظَهَر أمرُ الطفل، وعُلِم به، وَلَكِنَّ اللَّهَ رَبَطَ عَلَى قَلْبِهَا، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ بالصَّبْر، أي: سَكَّنَّاه، والربطُ عَلَى الشَّيْءِ معناه: شَدُّ الرِّباط عليها.
وانْظُرْ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾، فهو أَبْلَغُ مِن: أَسْكَنَّا قَلْبَها، والربطُ عليه معناه: أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يتحرك، فهذا أبلغُ، وَاللَّهُ تعالى رَبَطَ عَلَى قَلْبِهَا، بحيثُ إنها صَبَرت، ولم تُحَدِّث أحدًا بِمَا جَرَى.
قوله تعالى: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: المُصَدِّقين بِوَعْدِ اللَّهِ، وجواب (لَوْلَا) دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ، وتقديره: لَأَبْدَتْ به.
وَلِهَذَا قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: إنّه دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُا، وَلَمْ يَقُلْ: إِنَّهُ مَا قَبْلَهَا، ولكن دَلَّ عَلَيْهِ. وَقَدْ سَبَقَ لَنَا أَنَّ مِثْلَ هَذَا التَّعْبِيرِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى جَوَابٍ، وَذَكَرْنَا أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالَ: يَحْتَاجَ إِلَى جَوَابٍ. ولكنك لَوْ أَتَيْت بالجواب لكان الكلامُ رَكِيكًا، فنقول مثلًا: أَكْرِم الطالبَ إِنْ كَانَ مجتهدًا. وَهَذَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى جَوَابٍ؛ لِأَنَّك لَوْ أجبت: أَكْرِم الطالب إِنْ كَانَ مجتهدًا فأَكْرِمْه. يَكُونُ الْكَلَامِ ركيكًا، وَهَذَا المَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ القيم فِي كِتَابِهِ (التبيان فِي أَقْسَامِ القُرْآن) (١) .
وهو قوله: ﴿رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ أي: شَدَدْنَاه بالربط، وَالمُرَادُ بِهِ التسكين، وقوله: ﴿لِتَكُونَ﴾ اللامُ للتَّعلِيل، والمعلَّل ربطُ القلب، يعني: رَبَطَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهَا لهذه الغاية، ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لَيْسَ المُرَادُ الإِيمَان الجديد؛ لأنَّها مؤمنة بلا شك، وأدلُّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّهَا مُؤْمِنَةٌ أَنَّهَا امْرَأَةٌ ألقَتِ ابنَها فِي الْيَمِّ ثِقةً بوعد اللَّهِ ، وَلَكِنَّ الحواشي
(١) انظر على سبيل المثال التبيان في أقسام القرآن، لابن القيم (ص ٢).стр. 42
المُرَادَ هُنَا بالإِيمَانِ الإِيمَانُ الزَّائِدُ عَلَى أَصْلِهِ، يعني: التثبيت واليَقِين، وَهَذَا هُوَ الَّذِي وَقَعَ.
وفي القصة -إِنْ شَاءَ اللَّهُ- فوائدُ عظيمةٌ، ومناقبُ لأُم موسى.
قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ الالتقاط غير الأخذ، فالالتقاط يَكُونُ عَنْ طَلَبٍ، وَهُوَ يَخْتَصُّ بالآدميِّين، فالإِنْسَانُ فقط هُوَ مِنْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ (اللقيط)، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الطفل المنبوذ، أَوِ الطِّفْلِ الضائع، هَذَا هُوَ التعبير.
وَقَدْ يُقَالُ إنهم التقطوه، بمعنى: أخذوه، أي: بِدُونِ أي عِوَضٍ، وعلى سبيل الامتهان، كغَنيمة أخذوها.
وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ للعاقبة، وَلَا تَكُونُ للتَّعلِيل؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يلتقطوه لكي يكون عدوًا لهم، ولكن العاقبة كَانَتْ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ عَلِمُوا بأنه يَكُونُ لهمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا لقتلوه. وهناك من أَهْلَ الْعِلْمِ مَنْ قَالَ بِأَنَّ اللام للتَّعلِيل تَكُونُ فِي عِلْمِ اللَّهِ، ولكن الصَّحِيحُ أَنَّهَا للعاقبة؛ لأنَّها تعليل للفعل منهما ﴿فَالْتَقَطَهُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ تعليليَّة، ومُعَلَّلُها قَوْلُهُ تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ هَذَا التَّعْلِيلُ تعليلٌ لمِا قَبْلَهُ، يكون عَلَيْهِمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا؛ لأنَّهُم خاطئون.
قَوْله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾، أي: فَارِغًا مِنْ ذِكْرِ كُلِّ شَيْءٍ، مَا فِي قلبها إلَّا موسى.
стр. 43
وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾: ﴿إِنْ﴾ هُنَا ليست نافية، كَمَا فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] بَلْ هِيَ مُخَفَّفَة مَنْ (إِنَّ) الثقيلة، وَالمَانِعُ مِنْ كَوْنِهَا نافيةً اثنان:
الأول: مانعٌ لفظيٌّ: وَهُوَ وُجُودُ اللام.
والثَّاني: مانعٌ معنويٌّ: وذلك لِأَنَّ اللَّهَ يُرِيدَ أَنَّهَا كادت تبدي به، ولذا يَقُولُ فِي باقي الآية: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا﴾، والربط يَقْتَضِي أَنَّهَا مَا أَبْدَتْ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أَنَّ الْإِنْسَانَ يَكُونُ عَلَى حَالٍ، فَإِذَا نَزَلَ بِهِ البلاء تغير حالُه، فهذه أُمِّ مُوسَى كَانَتْ فِي البداية مطمئنة، ولذلك وضعته فِي التَّابُوتِ، ثم وضعته فِي الْيَمِّ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَعْلَى دَرَجَاتِ الطُّمأنينة، ولكنها أصبحت بعدما فارقته كَمَا قَالَ تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾، فَقَدْ صَارَ قلبُها الآن فارغًا، وأصبحت قَلِقَةً، كأنه ليس فِي الدُّنْيَا سِوى ابنِها، فالواقع أَنَّ الْإِنْسَانَ لَهُ حَالٌ قَبْلَ نُزُولِ الْبَلَاءِ، وله حالٌ بَعْدَ نزُولهِ، وَلِهَذَا لَا يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُعَرِّضَ نَفْسَهُ للبلاء.
يُذكَر أَنَّ سَمْنُون بْنَ حَمْزَةَ، وَهُوَ أَحَدُ مشايخ الصوفية، وَكَانَ عَلَى دَرَجَةٍ عالية مِنَ الْعِبَادَةِ والزهد، وَلَكِنَّهُ قَالَ يَوْمًا:
فَلَيْسَ لِي فِي سِوَاكَ حَظٌّ ... فَكَيْفَمَا شِئْتَ فَامْتَحِنِّي
فابتُليَ بِحَبْسِ البَول، فَلَمْ يَقَرَّ لَهُ قرارٌ، فكان بعد ذلك يطوف عَلَى المَكَاتب وبِيَدِه قارورةٌ يقطُر منها بوله ويقول للصبيان: ادعوا لِعَمِّكم الكذاب (١) . وذلك لِأَنَّ الحواشي
(١) حلية الأولياء، لأبي نعيم (١٠/ ٣٠٩)، وتلبيس إبليس، لابن الجوزي (ص ٣٠٦).стр. 44
الصِّبْيَانَ تُرجَى إجابة دعوتهم.
فالمهم: أَنَّ الْإِنْسَانَ لَهُ قَبْلَ البلاء حالٌ، وبَعد البلاء تتغير حالُه، وهكذا أَيْضًا فِي الْأُمُورِ الشرعية، فالنَّبيّ ﵊ قال: "مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ، مِمَّا يَبْعَثُ بهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ"، أَوْ "لمِا يَبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ" (١) .
وَهَذَا هُوَ الواقع، فالْإِنْسَانُ يَجِبُ أَنْ يتحرَّز مِنَ الْبَلَاءِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ". قَالُوا: وَكَيْفَ يَذِلُّ نَفْسَهُ؟ قَالَ: "يَتَعَرَّضُ مِنَ البَلَاءِ لمِا لَا يُطِيقُ" (٢) .
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فِيهَا دَليلٌ عَلَى أَنَّ الطبيعة البشرية لَا يُؤَاخَذُ بِهَا المرء، فما تقتضيه الطبيعة البشرية لا يؤاخذ به المرء، ووجه ذَلِكَ أَنَّ فؤاد أُمِّ مُوسَى كَانَ يَنْبغي أَلَّا يَكُونَ فَارِغًا مِنْ ذِكر اللَّهِ ومِن الدَّار الآخرة، لكنه أصبح فارغًا، لَيْسَ فِيهِ شيءٌ أبدًا لِذِكْرِه، سوى ذِكر موسى، وهذا مقتضى الطبيعة البشرية؛ لِأَنَّ الْأُمُورَ العظيمة التي تنزل بالمرء تُنسيه كُلَّ شيء.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى فَضِيلَة أُمِّ مُوسَى ﵂؛ لكونها لم تُبْدِ مَا فِي قلبها لأحد، لقوله: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ المَرْءَ مُفْتَقِرٌ إِلَى اللَّهِ فِي كُلِّ أحواله، الحواشي
(١) أخرجه أحمد (٤/ ٤٣١)، أَبو داود: كتاب الملاحم، باب خروج الدجال، رقم(٤٣١٩) .(٢) أخرجه الترمذي: كتاب الفتن، بعد باب ما جاء في النهي عن سب الرياح، رقم(٢٢٥٤) ، وابن ماجة: كتاب الفتن، باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، رقم(٤٠١٦) ، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.стр. 45
وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ نُزُولِ الحوادث؛ لقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾، فالإِنْسَان مُفْتَقِرٌ إِلَى اللَّهِ ، ولولا معونةُ اللَّهِ مَا فَعَلَ الإِنْسَانُ شيئًا، لا صَبَرَ عَلَى بلاء، ولا شُكر عند الرخاء.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى إِثْبَاتِ العِلل والأَسْباب؛ لقوله: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فهناك مَنْ يُنْكِرُ الأَسْباب والعِلل، وهُم الجَهميَّة والأشاعرة، فهُم يُنكرون حتَّى الأَسْباب الظَّاهرة الجليَّة، ويقولون: إِنَّ الشَّيْء يَحْدُثُ عِنْدَهُ لَا بِهِ، فلو أخذتَ حَجرًا وضربتَ به الزُّجاج وانكسر، فلا يقولون: إِنَّ الزجاج انكسر بالحَجَر، بل انكسر عنده. مع أَنَّك إِذَا وَضَعْتَ الحجَرَ عَلَى الزجاج لا ينكسر، وَلَكِنْ إِذَا ضربتَه به انكسر.
وكذلك عند تناوُل المريض الدواءَ، هُم يَدْعُون: (اللهم اجعل شفائي عند الدواء). وذلك بِنَاءً عَلَى إنكارهم الأَسْباب، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: فِي قَوْلِهِ: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الإِيمَان والكمال فِي الرِّجَالِ أكثرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنَاتِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ تعالى فِي مَرْيَمَ: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢]، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الحْدِيثِ: "كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَونَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ" (١) .
ولا ريب أَنَّ الْإِيمَانَ فِي الرِّجَالِ أكثرُ وأثبتُ وأزيدُ، فَفِي الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : الحواشي
(١) أخرجه البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: ١١]، إلى قوله تعالى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢]، رقم(٣٤١١) ، ومسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل خديجة أم المؤمنين ﵂، رقم(٢٤٣١) .стр. 46
"مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ" (١) .
وإنَّما قَرَّرْنا هَذَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ مُراعاةُ المرأة، وأنها محُتاجَةٌ إِلَى الرعاية، وَكَذَلِكَ يَجِبُ ألَّا تُجاب إلى كُلِّ مَا تطلُب؛ لأنَّها ناقصةُ عَقْلٍ، وناقصةُ دِين، كما وصفها النَّبِيُّ ﵊ بذلك.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى إِثْبَات الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، نأخُذه مِنْ قَوْلِهِ تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾؛ فَإِنَّ هَذَا مِن قضاء اللَّهِ وقَدَرِه.
وَلَا يَصِحُّ أَنْ نَشْتَقَّ للَّه اسْمًا مِنَ الفِعل المُسنَد إليه ﴿رَبَطْنَا﴾ فنقول: الرابِط. لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِي الكون هُوَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ ومن تقديره، وَلَا يَجُوزُ أَنْ نشتق لِكُلِّ فِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِ اللَّه اسمًا، فأفعالُ اللَّهِ متنوعة وكثيرة، والفعل يَخْتَلِفُ عَنِ الاسم، فَقَدْ يَكُونُ الْفِعْلُ مُقَيَّدًا، مِثْلَ قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠]، فلا نَشْتَقُّ اسْمًا مِنْ هَذَا الْفِعْلِ ونقول: الماكر مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ. وَكَذَلِكَ قَوْله: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] فلا نُسميه خادعًا، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، فَلَا نَقُولُ: إنه مستهزئ. وهكذا، فَهَذِهِ كُلُّهَا أفعالٌ مُقَيَّدَةٌ فِي أنواعها، وَلَكِنْ يجُوزُ أَنْ نَقُولَ: إِنَّ اللَّهَ مستهزئ بالمنافقين، وإِنَّ اللَّهَ خادع المنافقين، وإِنَّ اللَّهَ ماكِرٌ بالماكرين، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
* * * الحواشي
(١) أخرجه البخاري: كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم، رقم(٣٠٤) ، ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، وبيان إطلاق لفظ الكفر على غير الكفر باللَّه، رقم(٨٠) .стр. 47
الآية (١١)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ١١].
* * *
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ﴾ مَرْيَمَ ﴿قُصِّيهِ﴾ اتَّبِعِي أَثَرَهُ حَتَّى تَعْلَمِي خَبَرَهُ ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ أَبْصَرَتْهُ ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ اخْتِلَاسًا ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أَنَّهَا أُخْتُهُ وَأَنَّهَا تَرْقُبُهُ].
قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [مريم]. وَنَحْنُ نَقُولُ له: مِنْ أَيْنَ لَك أَنَّ اسمها مريم؟ وَمِثْلُ هَذِهِ الْأَخْبَارِ مِنَ الإسرائيليات، وَهُوَ أَمْرٌ لَا يَعْنِينا، وَلَوْ كَانَ مُهِمًّا لَبَيَّنَه اللَّهُ .
وقد يقول الْبَعْضُ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿لِأُخْتِهِ﴾ إِنَّهَا كَانَتْ أُخْتَهُ مِن أبيه أَوْ مِنْ أُمِّهِ، ولكن الأُخُوَّة هنا مُطلَقة، فَيَكُونُ المُرَادُ شقيقته، وَلَوْ كَانَتْ مِنْ أُمِّهِ أو أبيه لقُيِّدَتْ.
قَوْلُهُ تعالى: ﴿قُصِّيهِ﴾ هو أي: اتَّبِعِي أَثَرَهُ حتَّى تعلمي خبرَه، والقَّص معناه: التتبُّع، يعني: تتبَّعي أثرَه، وابحثي عنه.
قَولهُ تعالى: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ أي: أبصرَتْه، والفاء فِي قَوْلِهِ: ﴿فَبَصُرَتْ﴾ للترتيب والتعقيب، أي: إِنَّهَا مَا ذَهَبَتْ بعيدًا حتَّى رأته.
وقوله تعالى: ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ أي: مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ، وَعَلَى هَذَا فالموصوف محذوف،
стр. 48
والتقدير: عن مَكَانٍ بَعِيدٍ، بَعِيدٍ منها، لكنها عَرَفَتْ أَنَّ هَذَا أخوها، وقوله: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ أي: مِنْ مَكَان بَعِيدٍ اختلاسًا، والاختلاس معناه: المُسَارَقة، أي: كانت تَنْظُرُ إِلَيْهِ دُونَ أَنْ تُحِدَّ النَّظَرَ إِلَيْهِ، فلو أنها فعَلَت، وأقبَلَت إليه مُسرعة، وظَهَرَت منها علاماتٌ عَلَى أَنَّهُ مقصودُها، لَعَرَفُوا منها ذلك، ولكنها جعلت تَنْظر إِلَيْهِ خِلسةً حَتَّى لَا يَشْعُرُوا بها.
قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: إن آلَ فِرْعَوْنَ لَا يَشْعُرُونَ أَنَّهَا أُخْتُهُ، وأنها ترقُبه، فَإِنَّهَا كَانَتْ ذكيَّة، مَا فَعَلَتْ مَا دَلَّ عَلَى شخصيتها.
وجُملة ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ حَالٌ مِنْ فَاعِل ﴿فَبَصُرَتْ﴾، والجملة الحاليَّة لَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ وصفًا لصاحِب الحالِ، وَلِهَذَا تَقُولُ: جَاءَ زَيْدٌ والشمسُ طالعةٌ. فجملة (والشمس طالعة) حاليَّة، مع أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ صِفَاتِ زيد، لكن الجملة الحالية يُكتفَى فيها بأدنى مُلابسة مع الفاعل.
* * *
стр. 49
الآية (١٢)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص: ١٢].
* * *
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ قَبْلَ رَدِّهِ إِلَى أُمِّهِ، أَيْ مَنَعْنَاهُ مِنْ قَبُولِ ثَدْي مُرْضِعَةٍ غَيْرِ أُمِّهِ، فَلَمْ يَقْبَلْ ثَدْيَ وَاحِدَةٍ مِنَ المَرَاضِعِ المُحْضَرَةِ لَهُ ﴿فَقَالَتْ﴾ أُخْتُهُ ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ﴾ لمَّا رَأَتْ حُنُوَّهُمْ عَلَيْهِ ﴿يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ بِالْإِرْضَاعِ وَغَيْرِه ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ وَفَسَّرَتْ ضَمِيرَ ﴿لَهُ﴾ بِالمَلِكِ جَوَابًا لهمْ فَأُجِيبَتْ، فَجَاءَتْ بِأُمِّهِ فَقَبِلَ ثَدْيَهَا، وَأَجَابَتْهُمْ عَنْ قَبُولِهِ بِأَنَّهَا طَيِّبَةُ الرِّيحِ طَيِّبَةُ اللَّبَنِ فَأَذِنَ لَهَا فِي إِرْضَاعِهِ فِي بَيْتِهَا، فَرَجَعَتْ بِهِ كَمَا قَالَ تعالى].
كان الطفل عند عرش فِرْعَونَ يبكي، يريد الرَّضاع، ولعلهم خرجوا به يطلبون المُرضعة، فصادف أَنْ رأتْه أختُه، فَقَدْ تَكُونُ أُمُّ مُوسَى قد طلبت مِنْ أُخْتِهِ الخروجَ إِلَيْهِ بَعْدَ مَا سَمِعْت عَنْ طَلَبِ آلِ فِرْعَوْنَ مُرضِعَةً لموسى، وَقَدْ تَكُونُ قد أَمَرَتْها بالخروج إيمانًا منها بِوَعْدِ اللَّهِ لَهَا بِأَنْ يَرُدَّهُ إليها.
قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ أَيْ قَبْلَ رَدِّهِ إِلَى أُمِّهِ.
وقوله: ﴿وَحَرَّمْنَا﴾ أي: مَنَعْنَا، وَالتَّحْرِيمُ فِي اللُّغَةِ: المنعُ، والتحريمُ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: تحريم شرعي، وتحريم قدَري، والتحريمُ الشرعي متعلِّق بالأحكام الشرعية،
стр. 50
والتحريمُ القَدَري متعلق بالأحكام الكَوْنِيَّة، ومثاله قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥]، وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦]، فالتحريم هنا تحريمٌ قدَري.
قوله تعالى: ﴿عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ﴾ لم تَقُل: عَلَى أَهْلِهِ. فلو قَالَتْ ذَلِكَ افتضح أمرُها، وقالته بصيغة التنكير؛ حَتَّى لَا يعرفوها، مع أنها أختُ موسى، وصاحبة البيت هِيَ أُمُّهُ، فأخت مُوسَى لمَّا رَأَتْ حُنُوَّ آلِ فِرْعَوْنَ عَلَى هَذَا الطفل؛ لأنَّهم محبُّونَ أَنْ يجدوا مَنْ يَقُومُ بكَفَالته وإرضاعِه، قالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ للإرضاع وغيره.
قَوْلُهُ تعالى: ﴿يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾، الكَفْل معناه: القيام بحَضانة الطفل، ويسمى كَفْلًا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]، وِفي قِرَاءَةٍ ثانية "وكَفَلَهَا زَكَرِيَّا"، والمعنى: أنا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ يقومون بحضانته على أَتَمِّ قيام، بدليل قولها: ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾.
هنا الكَفالة عَبَّرَ عَنْهَا بالفعل ﴿يَكْفُلُونَهُ﴾، والنصيحة عَبَّرَ عَنْهَا بالجُملة الاسمية ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾، فالنصيحة مَبْنِيَّةٌ عَلَى النِّيَّةِ فِي الْقَلْبِ.
قوله ﵎: ﴿نَاصِحُونَ﴾ أي: مخلصون، وأصلُ النُّصح: إخلاصُ الشَّيْءِ مِنَ الشوائب، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]، أي: خَالِصَةٌ مِنَ الشوائب للَّهِ وَحْدَهُ، وهي هنا صَادِقَة فِي قَوْلِها هذا.
وقوله: ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ الضَّمِيرُ فِي ﴿لَهُ﴾ يَعُودُ إِلَى هَذَا الطفل بلا رَيْبٍ، ونُصح أهل هَذَا الْبَيْتِ لموسى يُعجب آلَ فِرْعَوْنَ؛ لأنَّهم أحبُّوا هذا الطفل، ورَغِبُوا فِي الْبَحْثِ عمن يكفُلُه ويُرَبِّيه عَلَى الْوَجْهِ الأتمِّ.
стр. 51
يقول المُفَسِّرُ ﵀: [وَفَسَّرَتْ ضَمِيرَ ﴿لَهُ﴾ بِالمَلِكِ جَوَابًا لَهُمْ، فأُجِيبَتْ]، هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قصة إسرائيلية؛ أَنَّهَا لمَّا قَالَتْ: ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ كأنهم شَكُّوا فقالوا: مَا الَّذِي أدراكِ أنهم ينصحون له؟ فقالت: أريد أنهم ينصحون للمَلِك، أي فِرْعَون. يعني: وهُم للمَلِك ناصحون.
وهذه قصة لَا شَكَّ أنها بَعِيدَةٌ مِنَ الصَّوَابِ، وَإِنَّمَا المُرَادُ ﴿لَهُ﴾ للطفل، وَلَيْسَ هُنَاكَ مَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عَائِدًا إليه، وَلَا حَاجَةَ أَيْضًا إِلَى تَفْسِير بالمَلِك؛ لأن آلَ فِرْعَوْنَ يُحِبُّونَ مَنْ يَنصح له، فليسوا بسائلين عَنْ هَذَا الشَّيْء، فتكوين المُفَسِّر ﵀ هَذَا لَا داعيَ له.
يقول: [فَجَاءَتْ بِأُمِّهِ فَقَبِلَ ثَدْيَهَا، وَأَجَابَتْهُمْ عَنْ قَبُولِهِ بِأَنَّهَا طَيِّبَّةُ الرِّيح طَيِّبَةُ اللَّبَنِ فَأَذِنَ لَهَا فِي إِرْضَاعِهِ فِي بَيْتِهَا، فَرَجَعَتْ بِهِ]. هذا التَّقرير الَّذِي ذَكَرَهُ المُفَسِّر ﵀ أيضًا بَطَلَ فِي الآتي عليه، هو يقول: [إِنَّهَا جَاءَتْ، وَقَبِلَ ثَدْيَهَا] أمام النَّاس، واتُّهمت به، ودافعت عن التُّهمة بأن ثديَها طَيِّب الريح، ولَبَنَها طَيِّب.
وكُلُّ هَذَا لَا أَصْلَ لَهُ، والصَّواب أَنَّهُ لمَّا قَالَتْ: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ قالوا: نعم، دُلِّينا. فالقِصة واضحة جدًّا، قالوا: دُلِّينا فَدَلَّتهم، فجاؤوا بِهِ إِلَى أُمِّهِ، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي المعجزة، والآية أَنَّ أُمَّهُ فِي بَيْتِهَا أَمَرَت أخته أَنْ تَخْرُجَ فِي طَلَبِهِ، فما رجعت أختُه إِلَّا بِهِ إِلَى أُمِّهِ.
* * *
стр. 52
الآية (١٣)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ١٣].
* * *
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ بِلِقَائِهِ ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾ حِينَئِذِ ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بِرَدِّهِ إِلَيْهَا ﴿حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ أَي النَّاسُ ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ بِهَذَا الْوَعْدِ، وَلَا بأَنَّ هَذِهِ أُخْتُهُ، وَهَذهِ أُمُّهُ، فَمَكَثَ عِنْدهَا إِلَى أَنْ فَطَمَتْهُ، وَأَجْرَى عَلَيْهَا أُجْرَتهَا لِكُلِّ يَوْمٍ دِينَارٌ، وَأَخَذَتْهَا لِأَنَّهَا مَالُ حَرْبِيٍّ، فَأَتَتْ بِهِ فِرْعَوْنَ، فَتَرَبَّى عِنْدَهُ، كَمَا قَالَ تعالى حِكَايَةَ عَنْهُ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٨].
ما حكاه المُفَسِّر ﵀ مِنْ أَنَّ الأُم ذهبت إلَيْهِم، وأنها ألقَمته الثدي، وأنها اتُّهمت به، ودافعت بأنها طَيِّبة الريح، أو طَيِّبة اللبَن، لَيْسَ بِصَحِيحٍ.
وَمِثْلُ هَذهِ الْأُمُورِ لَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ لها أسبابٌ حِسِّية معلومة؛ لِأَنَّهَا مِن خَوارق العاداتِ، وخوارقُ العادات لَا تَحْتَاجُ أن نُوَجِّهَ لها أشياء تناسب العادات، بَلْ هِيَ فوق العادة.
فَعَلَى هَذَا نقول: المسألة سائرة عَلَى حَسَبِ مَا جَاءَ فِي الْقُرانِ الكريم، فإنَّ الأُم لَمْ تَأْتِ إلَيْهِم، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ﴾، أي: رَدَدْنَا
стр. 53
مُوسَى إِلَى أُمِّهِ ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ بلقائه، ﴿تَقَرَّ﴾ سَبق أَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ إِمَّا مِنَ القَرِّ، وهو البُرودة، وإِمَّا مِنَ القَرار والسُّكون، ولعله يشمل المَعْنيَيْن.
و﴿كَيْ﴾ هنا حرف تعليل، وهي مصدريَّة تَنصب الفعل المضارع؛ ولهذا ﴿تَقَرَّ﴾ منصوبَةٌ، وعلامَةُ نصبِه فتحةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى الراء.
قوله تعالى: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ بلقائه، ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾ حينئذٍ، يعني: لَا تَحْزَن عَلَى مَا مَضى، بل يزول عنها الحُزن، تَقَرُّ العين، ويزول عنها الحُزن، ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بردِّه إليها ﴿حَقٌّ﴾، وهذه أيضًا ثلاث فوائد:
الْأُولى: ﴿تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾، الثَّانية: ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾، والثالثة: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾.
أمَّا الأُولَيان فظاهِر أنها تَقَرُّ عينُها برجوعه، وَأَنَّهَا لَا تَحْزَنُ، بل يزول عنها الحُزن، لَكِنْ قَوْلُهُ: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ هَذِهِ الْعِلَّةُ سَبقت؛ لأنَّها مُنذ أن ألقَتْه فِي الْيَمِّ قَدْ عَلِمْت أنَّ ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، ولولا عِلمها ويَقِينُها بأن ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ ما ألقَتْه، فيكون هنا المرادُ بالعِلم عينَ اليَقِين، أَوْ حَقَّ اليَقِين إِنْ شِئْتَ.
فعِلمُها بِالْأوَّلِ عِلْمٌ عَنِ الشَّيْءِ خَبَرًا، وعِلمُها الثَّاني عِلم عَنِ الشَّيْءِ وُقوعًا، وَفَرْقٌ بَيْنَ عِلم الْإِنْسَانِ بالشَّيْء خبرًا، وبَين عِلمه به وقوعًا، وَلهَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ ﷺ : ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَيْسَ الخَبَرُ كَالمُعَاينهِ" (١) . الحواشي
(١) أخرجه أحمد (١/ ٢١٥، رقم ١٨٤٢)، والحاكم (٢/ ٣٥١، رقم ٣٢٥٠) وقال: صحيح على شرط الشيخين. والطبراني في الأوسط (١/ ١٢، رقم ٢٥)، والضياء (١٠/ ٨٢، رقم ٧٦)، وابن حبان (١٤/ ٩٦، رقم ٦٢١٣).стр. 54
وقَوْلَهُ: ﴿وَلِتَعْلَمَ﴾ يعني: عِلم الشَّيْءِ بَعْدَ وقوعه، وأمَّا عِلْمُهَا بِهِ خَبَرًا فَقَدْ تَقَدَّمَ، وَلَوْلَا أَنَّهَا واثقة فِي الْأَوَّلِ مَا فَعَلَتْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، ذَكَرُوا أَنَّ الْوَعْدَ هو الوعدُ بما يَسُرُّ، والوعيد بما يُحْزِن، يعني: الوَعد بالخير، والوعيد بالشَّرِّ، وأنَّ الشَّرَّ مِن (أَوْعَد)، والخير مِن (وَعَد)، فقالوا: أَوْعَدَهُ أي: بالشر، ووَعَدَهُ بالخير.
﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ قُرَّةُ عَينه ينسى الحُزن والسأم، أي نَفْي الحزن هنا لِأَجْلِ أَنْ يُبَيِّن أنَّ القَرَّ كامل؛ لِأنَّهُ قَدْ تَقَرَّ عينُها مع شيء مِنَ الحُزْنِ.
والوعِيدُ حقٌّ، والوَعد حقٌّ، ولو قلنا: إِنَّ الوعيد ليس بحق. لَزِمَ أن يَكُونَ فِي خبر اللَّه كَذِبٌ، وهذا غير ممكن، لكن الوعيدُ قد لا يُنَّفذ؛ تفضلًا مِنَ اللَّهِ ؛ لأنَّه حقُّه، الوعيد حقُّ اللَّه، واللَّه ﵎ قد يتجاوز عنه، أما الوعد فإنه حقٌّ للموعود، وَلِهَذَا لَا يمكن أن يتخلف، قال الشاعر (١) :
وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ... لَمُخْلِفٌ إِيعَادِي وَمُنْجِزٌ مَوْعِدِي
لأن الوعد حقٌّ للموعود، والوعيد حقٌّ للواعد أو للمُوعد.
وأضرب لذلك مثلًا: إذا قلتُ لهذا الرَّجل: إِنْ فَعَلْتَ كَذَا أعطيتُك مائة دينار. فهذا وعدٌ؛ لأنَّه في الخير، فهذا فَعَل ما قُلتُ، يجب عليَّ أنْ أوفيه؛ لأن الحق له، لكن لو قلتُ لولدي مثلًا: إنْ فعلتَ كذا حَبَسْتُك. ثم فَعَلَه، ولكني عفوتُ عنه، فهذا جائز، ويكون فضلًا، لَا سِيَّمَا إِذَا عَفَا عَنْهُ مع القُدرة، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩]. الحواشي
(١) البيت لعامر بن الطفيل، كما في لسان العرب: ختأ، وتاج العروس: ختأ، وبلا نسبة في إنباه الرواة (٤/ ١٣٩)، ومراتب النحويين (ص ٣٨).стр. 55
والحاصِلُ: أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ ووعِيدَه كلاهما حقٌّ، لكن وعده لما كان حقًّا للموعود صار لَا بُدَّ مِنْهُ لوقوعه، ووعيدُه لمَّا كَانَ حقًّا له إِنْ شَاءَ عَفَا عنه؛ تكرُّمًا وتفضلًا، حسب ما تقتضيه حِكمته .
وَلَكِنْ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤]، هذا وعيدٌ أُطلق على الوعد؛ إما لِأنَّهُ فِي المقابلة مع قولهم بهذا صار مُشاكلًا له، أو أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ أحيانًا.
قال تعالى: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: ﴿حَقٌّ﴾ هنا بمعنى: ثابت، وقد قُلْنَا: إِنَّ الْحَقَّ إِذَا تعلَّق بالأخبار، فمعناه الصِّدق، وفي الأحكام معناه العَدْل، وَعَلَى هَذَا فيكون هُنَا بِمَعْنَى: الصدق.
﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: صِدْق، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يتخلف؛ لأن تخلُّف الوعد إما أَنْ يَكُونَ عَنْ كذبِ الواعد، أَوْ عَنْ عَجْزِه عن تنفيذه، وكِلا الأمرين في حَقّ اللَّهِ مستحيلٌ، فلا كَذِبَ فِي قَوْلِهِ، ولا عجزَ في فِعله؛ ولهذا فإن عِباد اللَّهِ يختمون الدُّعاء بقولهم: (إنك لا تخلف الميعاد).
قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ أي: النَّاس لا يعلمون بهذا الوعد، ولا بأن هَذِهِ أخته.
والمُفَسِّر ﵀ خَصَّص الآية، والحقيقة أن الآية عامة: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: ليس عندهم عِلم ينفعهم في وعد اللَّه، فنَفْيُ العِلم هنا إما لإثبات الجهل، أو لنفي العِلم النافع، فأَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ أنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ.
وقوله تعالى: ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ أي: النَّاس، أقول: أَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ أنَّ وَعْدَ
стр. 56
اللَّهِ حَقٌّ؛ إما لجهلهم، وإما لعدم انتفاعهم بهذا العِلم، ونَفْيُ الشَّيْء لِنَفْي الانتفاع به ثابتٌ فِي الْقُرْآنِ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١].
ودائمًا ينفي اللَّهُ العَقل، أو السمع عن النَّاس، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لعدم انتفاعهم بذلك، فأكثرُ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.
والمُفَسِّر ﵀ خصَّ هَذِهِ بقصة موسى، والآيةُ عامَّة، فأَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ.
أقول: إما للجهل بذلك، لكونهم لا يعرفون مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وصفاته ما هو اللائق به، وإما لكونهم لا ينتفعون بهذا العِلم.
فالذين لا يحرصون على فعل الخير، أو على تجنُّب الشر فِي الْحَقِيقَةِ هُم كالجَاهِلين بأن وَعْدَ اللَّهِ حَقُّ؛ إِذْ إِنَّ الطبيعة البشرية والعقل يقتضيان أنك ما دُمْتَ مؤمنًا بهذا الشَّيْء، سَوَاءٌ كَانَ وعدًا، أو وعيدًا، فَلَا بُدَّ أَنْ تسعى له بمقتضى إيمانك، وإذا كنتَ تعلم أَنَّ الْإِنْسَانَ سيموت، وأن المؤمن إذا مات سيجد الخير، ويكون في الجنة، وينجو مِن النار، هذا حق، لكن الذي لا يسعى إلى الجنة، ولا يسعى إِلَى هَذَا الخير، ويَنْهَمِكُ بسَعْيِه للدنيا الفانية، هذا فِي الْحَقِيقَةِ ليس عالمًا بأن وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، أو منتفعًا بِعِلْمِه، فلو انتفَعَ به ما فوَّت هَذِهِ الفُرصة العظيمة، فالإِنْسَان يعرف أن المعصية سبب لدخول النار، ويعرف أنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، لكن مع ذلك يتجرأ على المعاصي.
نقول: إنَّ عِلمه هنا ناقص؛ إذ لَوْ آمَنُ بذلك حقًّا لتجنَّب هذا الشَّيْء، فصَدَقَ معنا قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
حَلَّ المُفَسِّر ﵀ هَذَا الْآيَةَ فقال: [لَا يَعْلَمُونَ بِهَذَا الوَعْدِ]. يعني: بما وَعَدَ اللَّهُ أُمَّهُ مِن رَدِّه إليها، وَلَا بِأَنَّ هَذه أُختُه.
стр. 57
وعلى هذا، فيقول: الضَّمِيرُ فِي ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ يَعُودُ عَلَى آلِ فِرْعَوْنَ، وهذه فمَكَث عندها إلى أن فَطَمَتْهُ، وأُجري عليها أُجْرَتُها لكل يوم دينار.
أما [كونه بقي عندها إِلَى أَنْ فَطَمَتْه]، فهذا واضح؛ لِأنَّهُ مَا دَامَ يحتاج للرضاع فسوف يبقى عندها.
وأما [أُجْرِيَ عليها أُجرَتُها] فهذا أيضًا صحيح؛ فإنه جُعل لها أجرة، وصاروا يرسلون إليها بالهدايا والتحف ويكرمونها؛ لأنَّها كافلةُ هذا الطِّفْلِ الَّذِي قَالُوا: إنه ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾، و ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، ولهذا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قَالَ: "مَثَلُ الَّذِينَ يَغْزُونَ مِنْ أُمَّتِي، وَيَأْخُذُونَ الجُعْلَ يَتَقَوَّوْنَ بهِ عَلَى عَدُوِّهِمْ مِثْلُ أُمِّ مُوسَى تُرْضِعُ وَلَدَهَا وَتَأْخُذُ أَجْرَهَا" (١) .
وَهَذَا مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، يأتيها ولدُها وتُرضِعه، وتُكرَم عليه، فلو لم تُلقه فِي الْيَمِّ، ولم يلتقطه آلُ فِرْعَوْنَ، لَبِقيت خائفةً وَجِلَةً، ولا تحصل لها أُجرة، ولا إكرام، ولا إعزاز مِن هؤُلاءِ الطغاة.
وأما قوله: [لِكُلِّ يومٍ دينار] فهذا غير مُسلَّم؛ لأن طريقنا في مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ أن نقول: ما ثبت عن الرَّسُول ﷺ فهو مقبول، وَمَا لَمْ يَثْبُتْ مِن أخبار بَنِي إِسرَائِيلَ؛ فإننا نتوقف فيه، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ نجزم به هذا الجزم، بل نُحدِّث به، ولكننا لا نجزم به.
يقول: [لِكُلِّ يَوْمٍ دِينَارٌ، وَأَخَذَتْهَا لِأَنَّهَا مَالُ حَرْبِيٍّ]، سبحان اللَّه العظيم! ذهب وَهْم بَعْضِ الْعُلَمَاءِ مَذهبًا غريبًا، هل أخذتها؛ لأنَّها مالُ حربيٍّ، أم أخذتها لأنَّها أجرة على إرضاعها؟ بَلْ هِيَ أُجْرَةٌ، فهذا هو الأمر الطبيعي، أما كونُها تأخذ الأجرة؛ الحواشي
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٢٨، رقم ١٩٥٣٢)، وسعيد بن منصور (٢/ ١٧٤، رقم ٢٣٦١)، أبو داود في المراسيل (١/ ٢٤٧، رقم ٣٣٢)، والبيهقي (٩/ ٢٧، رقم ١٧٦١٨).стр. 58
لأنَّها مالُ حربيٍّ، فَهَذَا لَا وجه له، فلا يقال مثلًا: إنَّ أُمَّ مُوسَى لما لم يَقبل ثديَ غيرها كان إرضاعُها إياه فرضًا عليها، والفرضُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ العِوَض عليه، ففسَّر أخذ المال هنا عَلَى أنَّهُ مالُ حربيٍّ.
نقول: حتى مال الحربيِّ إذا جاء بصيغة عَقْدٍ، فلَا يَجُوزُ أَخْذُهُ، إنما تأخذه بمقتضى العقد، والمُعاقَدَة بينك وبين الحَرْبِيِّين مِثل الاستِئمان، بَلْ هِيَ استئمانٌ في الواقع.
فالصَّواب أنها أخذتها؛ لأنَّها أُجِرَت عليه على كفالته وإرضاعه؛ لِأنَّهُ لَوْ لم تأخذ لكان فِي ذَلِكَ بلاء، ولَعَلِم أنها قريبة له أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فهي أخذته؛ لأنَّهم يعتقدون أَنَّهَا لَيْسَتْ أُمَّه، ويعتقدون أَنَّ هَذَا الطفل سوف يكون لهم، وذلك جائز باطنًا؛ لأجل كفالتها بالنِّسبة لهم.
يقول المُفَسِّرُ ﵀: [فَأَتَتْ بِهِ فِرْعَوْنَ، فَتَرَبَّى عِنْدَهُ، كَمَا قَالَ تعالى حِكَايَةً عَنْهُ فِي سُورة الشُّعَرَاءِ: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٨]]، تربَّى عند فِرْعَون في بيت المَلِك، وكان يركب كما يركب الملوك، ويلبس لِباس الملوك، فبدلًا مِن أنَّهُ لَوْ كَانَ عند أُمِّه ما حصل له هذا الشَّيْء بلا شك، أمَّا الآن فأصبح مُعَزَّزًا مُكَرَّمًا، وَذَلِكَ مِنْ تسخير اللَّهِ له.
وقد ظل موسى يتردد على أُمِّه بَعْدَ الفِطام وبعد أن كَبِرَ، فهي أُمُّه مِن الرضاعة.
ومن المظنون عقلًا أنها أخبرته بالحقيقة بعدما كَبِرَ، فعَرَف وكتم الخبر عن آلِ فِرْعَوْنَ.
فائدة: لا يُعرف تحديدًا مَن أسماه باسمه هذا، هل هِيَ أُمُّهُ أَمْ آلُ فِرْعَوْنَ،
стр. 59
ولكن الاسم عِبري، وَقَدْ يَكُونُ اسمه الَّذِي كَانَ عِنْدَ فِرْعَون هو اسمه الذي سَمَّتْه به أُمُّه إكرامًا له مِنَ اللَّهِ ، فقد قَالَ تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٨]، فبقي الرجل عند المَلِك مُكَرَّمًا مُعَظَّمًا مُعَزَّزًا.
* * *
стр. 60
الآية (١٤)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [القصص: ١٤].
* * *
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ وَهُوَ ثَلَاثُونَ سَنَةً أَوْ وَثَلَاثٌ ﴿وَاسْتَوَى﴾ أَيْ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾ حِكْمَةً ﴿وَعِلْمًا﴾ فِقْهًا فِي الدِّينِ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ نَبِيًّا ﴿وَكَذَلِكَ﴾ كَمَا جَزَيْنَاهُ ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ لِأَنْفُسِهِمْ].
الأشُدُّ قيل: إنه ثلاث وثلاثون سَنة، وقيل: ثلاثون سَنة، وقيل: قريبًا مِن أربعين، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ يقول: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: ١٥]، فدل هَذَا عَلَى أَنَّ بلوغ الأشُدِّ غيرُ الأربعين؛ لِأنَّهُ قَالَ: ﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ عَلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ انَّ بُلُوغَ الْأَشُدِّ معناه كمالُ العقل، ولا يُنافي أن يكون كَمَالُ الْعَقْلِ عند تمام الأربعين.
قوله تعالى: ﴿وَاسْتَوَى﴾ أي: بمعنى: كَمَل، والاستواء فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ بمعنى: الكمال، ومنه قولهم: استوت الثمرة، أي: كَمَلَت، وهو فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بِحَسَبه، ولكنه إذا عُدِّي بـ (إلى) فهو بمعنى: القَصْد، وإذا عُدِّي بـ (على) فهو بمعنى: العُلُوِّ والاستقرار؛ لأن ذلك هو الكمال.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾ حِكمةً، ﴿وَعِلْمًا﴾ فِقْهًا في الدِّين قَبل
стр. 61
أن يُبعث نَبِيًّا].
﴿آتَيْنَاهُ﴾ بمعنى: أعطيناه، وهذا الإيتاء كونيٌّ، والإتيان يكون كونيًّا، ويكون شرعيًّا، وَإِنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بالقضاء والقَدَر، فهو كونيٌّ، وإنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بالشرع فهو شرعيٌّ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [التوبة: ٥٩]، هذا الإتيان شرعي؛ لأنَّه يتعلق بالشرع والقصد، وهنا ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ كوني؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ.
أما قَوْلُهُ ﵎: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]، فكلمة ﴿وَآتُوهُمْ﴾ شرعيٌّ، و ﴿الَّذِي آتَاكُمْ﴾ قَدَرًا، فهو قَدَّره لكم، فالإتيان إذن يكون شرعيًّا، ويكون كونيًّا بحسب متعلَّقِه.
وقول المُفَسِّر ﵀: ﴿حُكْمًا﴾ فَسَّره بحِكمة، يقال: عِلمًا أي: فِقهًا.
وَقَدْ فَسَّرَ الحكم بالحكمة؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ هُوَ عِلْمُ الأحكام، فإذا فَسَّرنا الحُكْمَ بِأنَّهُ الحُكْمُ الَّذِي هو مقتضى خطابٍ بالشرع، صَارَ فِيهِ نَوْعٌ مِنَ التَّكْرَارِ؛ لِأنَّهُ عَلِمَ، ولكنه يجُوزُ أَنْ نَقُولَ: آتَيْنَاهُ حُكْمًا، أي: عِلمًا بالأحكام الشرعية، وعِلمًا بالأخبار والأسرار، وحينئذٍ مَا يَكُونُ فِي الآيَةِ تكرار، ولا نلجأ إلى تفسير الحُكم بالحِكْمَة؛ لأن المَعْرُوفَ أَنَّ الحكْمَ غَيْرُ الحِكمة، فالحُكم هُوَ مُقْتَضَى خطاب الشرع المتعلِّق بِأَفْعَالِ المُكَلَّفِينَ، والحِكمة هي علة ذَلِكَ الحُكْمِ.
﴿وَلَمَّا بَلَغَ﴾: (لمَّا) هنا شرطية، بِدَلِيلِ أنَّهُ جَاءَ لَهَا فِعْلٌ وجواب، ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ﴾، فهي إذن شرطية، وَهِيَ تَرِدُ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ شَرطية كما هنا، وتَرِد بمعنى: (إلا)، مِثْلَ قَوْلِهِ ﵎: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]، أي:
стр. 62
إِلَّا عَلَيْهَا حافظ، وتَرِد ظَرْفًا، مثل: جئتك لمَّا عرفتُ أنك مستيقظ، أي: حينَ عرفتُ، والذي يُعَيِّن هَذِهِ المَعَانِيَ هو السياق.
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾، قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَكَذَلِكَ﴾ كما جزيناه، ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ لأنفسهم].
قوله: [كما جزيناه] يُفيدُ أَنَّ الإشارة هنا إِلَى هَذَا الإعطاء الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ، يعني: ومثلَ ذلك، والكاف هنا -وهي كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ- مفعولٌ مُطْلَق، بمعنى: مِثل، أي: مِثْلُ ذَلِكَ الجزاء ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ إِذَا كَانَتْ مفعولًا، مطلقًا، بمعنى: مثل، فهي اسم، قَالَ ابْنُ مالك (١) :
شَبِّهْ بِكَافٍ وَبِهَا التَّعْلِيلُ قَدْ ... يُعْنَى وَزَائِدًا لِتَوْكيدٍ وَرَدْ
وَاسْتُعْمِلَ اسمًا وَكَذَا عَنْ وَعَلَى ... مِنْ أَجْلِ ذَا عَلَيْهِمَا مَنْ دَخَلَا
فالكاف تَأْتِي بِمَعْنَى: مِثل، وتُعرب عَلَى أَنَّهَا اسمٌ لا حَرْفُ جَرٍّ.
وقوله تعالى: ﴿نَجْزِي﴾ أي: نكافئ، وقوله: ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ يقول لأنفسهم، ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ في الواقع يَشمل الْإِحْسَانَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَالْإِحْسَانُ إِلَى عِبَادِ اللَّهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : "أَخْبِرْنِي عَنِ الْإحْسَانِ؟ فقال: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّك تَراهُ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ" (٢) . الحواشي
(١) ألفية ابن مالك (ص ٣٥).(٢) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان، وعلم الساعة، رقم(٥٠) ، ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، رقم(٩) .стр. 63
فهذا إِحْسَانٌ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وقوله ﷺ : "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ" هَذهِ عِبَادَةُ الطَّلب، وقوله: "فَإِنْ لَمْ تَكُنْ ترَاهُ؛ فَإِنَّهُ يَرَاكَ"، هَذهِ عِبادة الهَرَب والخوف، وَلَا شَكَّ أَنَّ العابد بِالمَعْنَى الْأَوَّلِ أكملُ مِن العابد بالمعنى الثَّاني؛ لأن العابد الأول مَرتبتُه عُليا، يَعْبُدُ اللَّهَ كأنه يراه، فهو يَقْصِدُ اللَّهَ، وله شوق كَبِيرٌ إِلَى رَبِّهِ .
أما الثَّانِي، فَإِنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ كأن اللَّهَ يَرَاهُ، فهو خائفٌ مِنْ رَبِّهِ، فعبادتُه هِيَ عِبَادَةُ الهَرَب، والأول عبادةُ طَلَب.
ولكن الإِحْسَان بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخَلْقِ إِذَا فسرناه بأنه إرادةُ الخير فقط لَا يَكْفِي، يقال: إنه بَذْلُ النَّدى، وَكَفُّ الْأَذَى، وهذا هو الْإِحْسَانُ إِلَى النَّاسِ، والندى بمعنى: العطاء، وَكَفُّ الْأَذَى واضح، فالإِحْسَان إذن له شِقَّان: بَذْلُ الندى، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِالمَالِ، أَوْ بالجاه، أو بالبَدَن، وَكَفُّ الْأَذَى القولي والفعلي، وقد يتخلف أحدُهما ويكون الإِنْسَان محُسنًا مِنْ وَجهٍ، غيرَ محسنٍ مِنْ وَجْهٍ، ويكون مسيئًا إذا تخلف كفُّ الأذى.
وَمنْ هَذَا التَّعْرِيفِ لَا يَدْخُلُ الْعِلْمُ فِي الندى، نحن قلنا: إِنَّ الإِحْسَان يشمل المَالَ وَالْبَدَنَ والجاهَ، وتعليمُ الْعِلْمِ مِن الإِحْسَان البَدني، وكذلك النصيحة.
على كُلِّ حَالٍ: الإِحْسَان هُوَ عِبَارَةٌ عَن: بَذْل الندى، وَكَفِّ الْأَذَى.
وَأَنا أَرَى أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ هِيَ أَحْسَنُ مَا قِيلَ، فَأَنْتَ لَا تؤذي النَّاس فتكون مسيئًا، ولا تَحْرِمُهم خيرَك، فَلَا يَكُونُ فيك إحسانٌ، فليس هناك إحسان إِذَا لَمْ تبذل الندى.
قوله: ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ الإِحْسَان هنا يَكُونُ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَإِلَى عِبَادِ اللَّهِ.
стр. 64
فأما الْإِحْسَانُ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، فَقَدْ فَسَّرَها النَّبيّ ﷺ بقوله: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كأَنَّك تَرَاهُ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ".
وأما الْإِحْسَانُ إِلَى عِبَادِ اللَّهِ، فهو بَذْلُ الندى، وَكَفُّ الْأَذَى.
* * *
стр. 65
الآية (١٥)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥].
* * *
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَدَخَلَ﴾ مُوسَى ﴿الْمَدِينَةَ﴾ مَدِينَةَ فِرْعَوْنَ -وَهِيَ مَنْفُ- بَعْدَ أَنْ غَابَ عَنْهُ مُدَّةً ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ وَقْتِ الْقَيْلُولَةِ ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ أَيْ إِسْرَائِيليٌّ ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ أَيْ قِبْطِيٌّ يُسَخِّرُ إِسْرَائِيلِيًّا لِيَحْمِلَ حَطَبًا إِلَى مَطْبَخِ فِرْعَوْنَ ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ فَقَالَ لَهُ مُوسَى خَلِّ سَبِيلَهُ. فَقِيلَ: إِنَّهُ قَالَ لمُوسَى: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَحْمِلَهُ عَلَيْكَ ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾ أَيْ ضَرَبَهُ بِجَمْعِ كَفِّهِ، وَكَانَ شَدِيدَ الْقُوَّةِ وَالْبَطْشِ ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ قَتَلَهُ، وَلَمْ يَكُنْ قَصَدَ قَتْلَهُ، وَدَفَنَهُ فِي الرَّمْلِ ﴿قَالَ هَذَا﴾ قَتْلُهُ ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ المُهَيِّجِ غَضبِي ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ﴾ لِابْنِ آدَمَ ﴿مُضِلٌّ﴾ لَهُ ﴿مُبِينٌ﴾ بَيِّنُ الْإِضْلَالِ].
كان هذا الدُّخُوُل بَعْدَ بُلُوغِ الْأَشُدِّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ ذِكرًا فهو مُتقدم وُقوعًا وعملًا، هَذَا هُوَ الْأَصْلُ، وُقوعًا إِنْ كَانَ فِي الْأَخْبَارِ، وعملًا إِنْ كَانَ فِي الْأَحْكَامِ.
ولهذا أقبل النَّبيّ ﵊ عَلَى الصَّفَا، وقال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ
стр. 66
شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، ثم قال: "أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ" (١) .
وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّ الْفُقَرَاءَ أشد حاجةً مِن المساكين؛ لِأَنَّ اللَّهَ بَدَأَ بِهِمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠].
فهنا نَقُولَ: لمَّا ذَكَرَ اللَّهُ: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَدَخَلَ﴾ عَلِمْنَا بِأَنَّ دخوله المدينةَ بَعْدَ أَنْ بَلَغَ أَشُدَّهُ.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَدَخَلَ﴾ مُوسَى، ﴿الْمَدِينَةَ﴾ أَيْ مَدِينَةَ فِرْعَوْنَ، وَهِيَ مَنْفُ أَوْ مُنْفُ -بِضَمِّ الميم وسكون النون- بَعْدَ أَنْ غَابَ عَنْهُ مُدَّةً].
تعيين المدينة بأنها مدينة فِرْعَون فِي نَفْسِي مِنْ هَذَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ تربّى عند فِرْعَون، في مدينته نفسها، وفي مكانه نفسه، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يقال: إِنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ فِي مِصْرَ، وإنَّ مَنْفَ هَذهِ بلد خَارِجَةٌ عَنِ القاعدة الأصلية، يعني: قصبة البلد، وإنه خَرَجَ فِي يَوْمٍ مِنَ الأيام، فدخلها، والأحسنُ فِي مِثْلِ هَذَا المَقَامِ إِذَا لَمْ تَرِدْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ نَقُولَ: مدينة مِن مُدن مصر، ويسكنها أقباطٌ وإسرائيليون بدليل القصة.
قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾، قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [وقتَ القيلولة].
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: المراد عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ زمنًا، يعني: أَنَّهُمْ فِي زَمَنٍ يَغْفُل النَّاسُ فِيهِ، وبعضُهم يَقُوُل إِنَّهُمْ نَسُوا موسى وقِصَّته، وطال الزَّمَن، فدخل ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ مِن التحدث فِي هَذَا الْأَمْرِ.
ولكن المَعْنَى الْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وهو أنه دَخَلَهَا فِي وَقْتٍ أهلُها غافلون، وَلَا يَتَعَيَّنُ الحواشي
(١) أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ ، رقم(١٢١٨) .стр. 67
أَنْ يَكُونَ وَقْتَ القيلولة، الَّذِي قَدْ يَكُونُ بالليل، أَوْ فِي المَغْرِبِ، اللَّهُ أَعْلَمُ، إنما هو فِي وَقْتٍ أَهْلُ الْبَلَدِ غافلون.
قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [أي: إسرائيلي، ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ أي: قِبطي].
الاقتِتالُ بمعنى: المنازَعةِ والمخاصَمةِ، والمضارَبَة أيضًا، وَلَيْسَ المُرَادُ فِيمَا يَبْدُو أنهما يريدان أَنْ يَقْتُلَ أحدهما الآخَر.
قوله تعالى: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾: شِيعة الرَّجل: أتباعُه، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات: ٨٣].
وقيل: إِنَّ الشيعة مَن يُناصِرُك، كُلُّ مَنْ يُناصرك فهو شيعة لك، سَوَاءٌ كَانَ مُتَّبِعًا لك، أَوْ غَيْرَ مُتَّبع.
وَعَلَى كلِّ حَالٍ: المراد بالشيعة: أنَّهُ مِنْ قبيلته، وَلِهذَا قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [أي: إسرائيلي].
قوله تعالى: ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ مِنْ عَدُوِّ موسى، أي: مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، وهُم الأقباط.
وقول المُفَسِّر ﵀: [أي قِبطي يُسخِّر إسرائيليًّا لِيَحْمِلَ حَطبًا إلى مَطْبَخ فِرعونَ].
هَذَا مِنَ الْعَجَبِ.
عَلَى كلِّ حَالٍ: ﴿يَقْتَتِلَانِ﴾ يَتَخَاصَمان ويتنازعان، وربما يحصُل بَيْنَهُما ضَرْبٌ، كعادة النَّاس، الأعداء يُخاصِم بَعْضُهُمْ بَعْضًا دائمًا، ويُقاتل بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
стр. 68
وَقَدْ ذَكَرَ شيخُنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ السعدي ﵀ فِي تَفْسِيرِهِ، بِأَنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ شعب بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ أَنْ كَانُوا أذِلَّةً؛ يُقتَّل أبناؤهم، ويُستحيَا نساؤهم، أصبحوا الآن يرون أنفسهم أندادًا لآل فِرْعَون الأقباط؛ لِأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ أَنَّ مُوسَى منهم، وأن مُوسَى فِي مَنْزِلَةٍ عظيمة عند فِرْعَونَ، فقد استقوت ظُهورهم بهذا الشَّيْء، وهذا واضح، سوف يَقوون بهذا الشَّيْء، ويرون أنفسهم أندادًا لآل فِرْعَون.
أَمَّا أنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُسَخِّرَه ليحمل الحطب إلى المطبخ، فَهَذَا ليس ظَاهِرًا، وَيَحْتَاجُ إِلَى دَليلٍ بَيِّن، وَلَا دَليلَ هنا، فيشرح الموقف عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أَنَّ اللَّهَ يُجري الأُمُورَ بأسباب، وأصلُ القصةِ دخولُ مُوسَى ﵇ المدينةَ، ووجود الرَّجلين، وقَتْله النفس، كُل هَذَا كَانَ سَبَبًا لخروج موسى، ثم نُبُوَّتِهِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: قَولهُ تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ﴾ فِيهِ جَوَازُ الاستغاثة بالمخلوق، فهي مشروعة بما تُفيد فيه، أَمَّا مَا لَا يُفيدُ فِيهِ، فَلَا يَجُوزُ.
فَعَلَى هَذَا إِذَا استغاث إنسانٌ بِمَيِّت، فَلَا يَجُوزُ؛ لأَنَّهُ لَا يُفيده، وإذا استغاث بحيٍّ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لَا يُفيده، وإذا استغاث بِحَيٍّ فيما يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَهُوَ جَائِزٌ.
إذن: الاستغاثَةُ بالمخلُوقِ جائزةٌ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ فِيمَا يُفيد، كَذَلِكَ فِي حَيٍّ قَادِرٍ عَلَى دَفْعِ الشدة.
стр. 69
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبات الْعَدَاوةِ وَالْوِلَايَةِ؛ لقوله: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾، وَهُوَ أَصْلٌ فِي الدِّينِ، فإن وِلاية المُؤْمِنينَ مِن واجب المؤمن، والبراءة مِنَ الْكُفارِ مِنْ وَاجِبِ المؤمن، قَالَ تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة: ٤]، فهذا أَمْرٌ لابُدَّ مِنْهُ، فلَابُدَّ أَنْ يتبرأ الإِنْسَانُ مِن كُلِّ كَافِرٍ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى قُوَّةِ مُوسَى؛ لقوله: ﴿فَوَكَزَهُ﴾، ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: فِيهَا إِثْبَاتُ غَيْرَتِه، وسرعة استجابته؛ لِأَنَّهُ لَم يَتَلَكَّأ فِي الْأَمْرِ، بل بادَرَ فيه.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: جَوَازُ دَفْعِ الصائل بما يَصِلُ إِلَى الْقَتْلِ، ففي الشريعة الإسْلامية معروف أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا صَالَ عَلَيْهِ أَحَدٌ، ودفعه بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، ولم يندفع؛ فَلَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّ المَعَاصِيَ مِنْ أَوَامِرِ الشَّيْطان وأعماله؛ لقوله: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: إثبات السبب؛ لقوله: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾؛ لأن ﴿مِنْ﴾ هنا سببيَّة.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: ثبوت عداوة الشَّيْطان لِبَنِي آدَمَ ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ﴾، وأُكِّد بـ (إِنَّ) لِشِدَّة التنفير منه؛ لأن عداوته لَيْسَ فيها التباس.
* * *
стр. 70
الآية (١٦)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦].
* * *
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿قَالَ﴾ نَادِمًا ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بِقَتْلِهِ ﴿فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أَيِ المُتَّصِفُ بِهِمَا أَزَلًا وَأبدًا].
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، إثبات أَنَّ الرُّسُلَ -عليهم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- قد يخطئون، ولكن يَكُونُ ذَلِكَ قَبْلَ الرِّسالَة، لَكِنْ لَا يَقَعُ منهم فسادُ الأخلاق وشُرب الخمور، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أما الغَيْرَةُ والحَمِيَّة فهذا قَدْ يَقَعُ منهم.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثبات هذين الاسمين مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ: الغَفُور والرَّحيم، وإثبات الاسم -كما مَرَّ علينا- فِي أُصُولِ العقيدة يتضمن ثَلَاثَةَ أُمُورٍ: إِذَا كَانَ الِاسْمُ مُتعديًا، وأَمْرَيْن إِذَا كَانَ لازمًا، يتضمن إِثْبَاتَ هَذَا الِاسْمِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، وإثباتَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ صِفَةٍ، وإثباتَ الأثَرِ، وهو تَعَدِّيهِ إِلَى المَخْلُوقِ، مثلًا: الْغَفورُ الرَّحِيمُ، يتضمن ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ: إثبات الْغَفُور الرَّحِيم عَلَى أَنَّهُمَا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، وإثبات صِفَتَي المَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ للَّهِ ، وإثبات الأثر المترتب عَلَى ذَلِكَ، وأنه يَغفر ويَرحم.
стр. 71
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ دَليلٌ عَلَى إِثْبَاتِ الأَسْباب، وَذَلِكَ لِأَنَّ (الفاء) هنا سببية، يعني: فبِسَبب ظُلم نفسي، فإني أسألك أن تَغْفِرَ لِي.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾ استجابة اللَّهِ ، وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذه الاستجابة مِنْ صِفَاتٍ؛ لأن الاستجابة تتضمن السمع والعِلم والقُدرة والغِنى، فإذا استجاب اللَّهُ لإنسان فمَعْنَاهُ أنَّهُ كَانَ قَدْ سَمِعَهُ، وعَلِمَ بحاله، وقَدَرَ عَلَى إِعْطَائِهِ سُؤْلَهُ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثباتُ كَرَمِ اللَّهِ؛ لقوله تعالى: ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: جَوازُ التوسُّل إلى اللَّهِ بحالِ الدَّاعي، ويُؤخَذ مِنْ قَوْلِهِ تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾، فالظَّالِم لنفسه مُحْتَاجٌ إِلَى مَن ينصحُه، فهو توسَّلَ إلى اللَّهِ بحال الدَّاعي، وَمنْهُ قَوْلُهُ عَنْ مُوسَى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤].
والتوسُّل إلى اللَّهِ يكون بحالِ الدَّاعي، ويكون بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وكذلك بأفعاله، التي يُنعم بها، وَقَدِ اجْتَمَعَ الْجَمِيعُ فِي تَعْلِيمِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ عندما قَالَ لَهُ: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي؟ قال: "قل: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أنتَ، فَاغْفِرْ لي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" (١) .
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثبات أَنَّ الدُّعَاءَ سببٌ، خِلَافًا لمَنْ أَنكَرَ سببيته. الحواشي
(١) أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام، رقم(٨٣٤) ، ومسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب استحباب خفض الصوت بالذكر، رقم(٢٧٠٥) .стр. 72
فقد يَقُولَ قَائِلٌ: إِنَّ الشَّيْء إِنْ كَانَ قَدْ كُتِب لِي، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى دعاء، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُكْتَبْ لِي، فَلَا فَائِدَةَ مِنَ الدُّعَاءِ.
والجواب عَلَى ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: هو مكتوب لك بالدُّعاء، مكتوب لك بِهَذَا الشَّرْطِ بالدُّعاء، مثلًا لَا يَقُولُ قَائِلٌ: أَنَّا لَا أدعو؛ لأن المكتوب لَا بُدَّ أَنْ يَحْصُلَ، وَمَا لَا يُكْتَبُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْصُلَ. فَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لأَنَّه مكتوب لك بِهَذَا السَّبَبِ.
كما لَوْ قَالَ قَائِلٌ: أنا لن أتزوج، إِنْ كَانَ اللَّهُ قَدَّرَ لِي ولدًا فسيكون، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ قَدَّرَ لي ولدًا، فَلَا فَائِدَةَ مِنَ الزَّوَاجِ. نقول: ولكنه مقدر بالزواج، فَهَذِهِ الْأُمُورُ الغيبية مِثل الأُمُور المشاهدة، كَمَا أَنَّ الْأُمُورَ المشاهدة لَا تَصْلُحُ إِلَّا بفعل الْأَسْبَابِ الَّتِي تُوصِلُ إليها، فكذلك الأُمُور الغائبة لَا تَصْلُحُ.
إذن نقول: لَا تَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا؛ لأَنَّك إِذَا كُنْت مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فإنك سَتَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كُنْت مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فلن تَكُونَ إِلَّا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فيقال: أنت تَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ بعملك.
ولهذا لمَّا قَالَ الرَّسُولُ ﷺ لأصحابه: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدِ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ إِمَّا فِي الْجَنَّةِ أَوْ فِي النَّارِ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أفلَا نَدَعُ العَمَلَ وَنَتَّكِلُ عَلَى الْكِتَابِ؟ قَالَ: "لَا، اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لمِا خُلِقَ لَهُ"، أو: "فكُلٌّ مُيَسَّرٌ"، ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠] (١) . الحواشي
(١) أخرجه البخاري: كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾، رقم(٤٩٤٥) ، ومسلم: كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته، رقم(٢٦٤٧) .стр. 73
فَفِي هَذِهِ الآيَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الآيَاتِ الكثيرة دَلِيلٌ عَلَى تأثير الدُّعَاءِ فِي حُصُولِ المطلوب؛ لِأَنَّ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ فَهُوَ فِي الحقِيقَةِ مُكابر، أَوْ جَاهِلٌ.
* * *
стр. 74
الآية (١٧)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧].
* * *
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ﴾ بِحَقِّ إِنْعَامِكَ ﴿عَلَيَّ﴾ بِالمَغْفِرَةِ اعْصِمْنِي ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا﴾ عَوْنَا ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ الْكَافِرِينَ بَعْدَ هَذهِ إِنْ عَصَمْتَنِي].
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: هَذِهِ الْآيَةُ -كما مر علينا- مِنَ الْعُلَمَاءِ مَن يقول: إنها دعاء. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إنها خبرٌ بمعنى: التزام.
فَإِنْ قِيلَ: إنها دعاء؛ فإنه يُستفاد منها ما يُستفاد مِنَ الآيَةِ السَّابِقَةِ، فيستفاد جَواز التوسُّل بِنِعَمِ اللَّهِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَه: ﴿بِمَا أَنْعَمْتَ﴾ أي: بسبب إنعامك عليَّ.
وَإِنْ قِيلَ: إنها التزامٌ، فإنها تَدُلُّ عَلَى شُكْرِ النِّعْمَ، وَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا أنعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَلا يَكُونَ عَوْنًا بهذه النعمة للمجرمين.
وقلنا: إِنَّ المَعْنَى الثَّانِيَ أقربُ وأرجح؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الآيَةِ، وَلَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْ ظاهرِها، وإنْ كَانَتْ تحتمل المَعْنَى الثَّانِي.
فيستفاد منها إذن كمالُ مُوسَى ﵊؛ حيث التزم للَّهِ تعالى شُكْرًا عَلَى نِعْمَتِهِ بألَّا يكون ظهيرًا للكافرين والمجرمين.
стр. 75
الْفَائِدَةُ الثَّانِيةُ: فِيهَا دَليلٌ عَلَى أَنَّ مُظاهرة المجرم تُنافي الشكر، فَهِيَ محُرمَةٌ؛ لأنَّها إجرامٌ حقيقةَ، بَلْ تَكُونُ مساعدة المجرم بمنع إجرامه، وَلذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالمًا، أَوْ مَظْلُومًا". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الظَّالمُ فكَيْفَ نَنْصُرُ المَظْلُومَ؟ قَالَ: "تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلُمَ" (١) .
* * * الحواشي
(١) أخرجه البخاري: كتاب المظالم والغصب، باب: أعِن أخاك ظالمًا أو مظلومًا، رقم(٢٣١٢) .следующие страницы →