Полный текст (403 стр.). Показаны 386–403 · переход к 391.
стр. 386
الْفَائِدَةُ السَّابعَةُ: إثبات أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ عَلَى الْهُدَى، مِنْ قَوْلِهِ: ﴿أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾، ومعلوم أَنَّ الَّذِي جَاءَ ووَرَد عَلَى النَّاسِ هُوَ الرَّسُول ﷺ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الجَاهِلِيَّةِ بَاقُونَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ، ما جاءوا بجديد، والَّذِي جَاءَ بجديدٍ هو الرَّسُولُ ﷺ .
فَقَوْلُهُ تعالى: ﴿أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ جَاءَ بالهدى، وأن أولئك في ضَلَالٍ مُبِينٍ.
* * *
стр. 387
الآية (٨٦)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ [القصص: ٨٦].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾ الْقُرْآن ﴿إِلَّا﴾ لَكِنْ ألقِيَ إِلَيْكَ ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا﴾ مُعِينًا ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ عَلَى دِينِهِمُ الَّذِي دَعَوْكَ إِلَيْهِ].
قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو﴾ في رسم المصحف هناك أَلِفُ وَصْلٍ بَعْدَ واوِ المُضارع ﴿تَرْجُونَ﴾، وهي هنا زَائِدَةٌ فِي الرسم، وَلَيْسَتْ عَلَى قَوَاعِدِ الْكِتَابَةِ فِي عصرنا الحالي، فَحَسَبُ قواعدِ الْإِمْلَاءِ لَا تُكْتَبُ إِلَّا إِذَا كَانَتِ الواو للجماعة، مثل: (قالوا)، فتقع الأَلِفُ بَعدها، أَمَّا إِذَا كَانَتْ واو الفعل فَإِنَّهَا لَا تَكْتُبُ، لكن هَذِهِ الْكِتَابَةُ فِي الْقُرْآنِ كَانَتْ عَلَى الرسم العثماني، فيَرْسُمُونه، سَوَاءٌ كَانَ مُوَافِقًا للقواعد الحاضِرة أَمْ لَمْ يَكُنْ موافقًا.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾ الْقُرْآنُ].
قوله: ﴿يُلْقَى إِلَيْكَ﴾ أي: يُنَزَّلَ عَلَيْكُ، فمَا كَانَ الرَّسُوُل ﷺ يرجو هذا، وَلَا خَطَرَ بِبَالِهِ أنه يُلقى إليه القرآن، فَإِذَا كَانَ لَمْ يَخْطُرَ بِبَالِهِ أَنْ يُلقى إليه القرآن، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ تَعَلَّمَهُ مِنْ غَيْرِهِ؛ لأن المتعلم للشيء مِنْ غَير لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ
стр. 388
عِنْدَهُ أَمَلٌ في الحصول عليه، حَتَّى يَقَعَ فِي أسبابه ويُحَصِّلَه، أَمَّا شخص لَمْ يَكُنْ يرجو ذَلِكَ إِطْلَاقًا، ولم يَخْطُرْ بِبَالِهِ أَنْ يُلقى إِلَيْهِ الْكِتَابُ؛ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِن عنده، بَلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ .
وقوله: ﴿الْكِتَابُ﴾ نائبُ فاعِل، وَهُوَ الْقُرْآنُ، وكتاب بمعنى مكتوب: ووُصف الْقُرْآنُ بِهِ؛ لأنه مَكْتُوبٌ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، مكتوب بِأَيْدِي المَلَائِكَةِ، ومكتوب بأيدي الناس، فهو مكتوب، وَهُوَ فِي أَيْدِي الملائكة، ومكتوب أَيْضًا، وَهُوَ فِي أَيْدِي النَّاسِ، ودليلُه فِي سُورَةِ عبس: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣ - ١٥].
قَوْلُه تعالى: ﴿إِلَّا رَحْمَة﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [لَكِنْ أُلقِيَ إِلَيْكَ] إشارةً مِنْهُ إِلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ هنا منقطع، وليس متصلًا؛ لأن المتصل أَنْ يَكُونَ المستثنى مِنْ جِنْسِ المُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّحمَة لَيْسَتْ هِيَ الرجاء، وَلَيْسَتْ مِنْهُ، فالرَّسُول ﷺ مَا كَانَ يَرْجُو ذلك، وَلَكِنَّ الْأَمْرَ حصل لمجرد الرَّحمَة.
وَأَنَا أَقُول: إِنَّ ﴿إِلَّا﴾ أداة استِثْناء، والاستِثْناء هنا منقطع، ﴿رَحْمَةً﴾ مَنْصُوبٌ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ له، يعني: مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، أي: ولكن أُنزِل لأجل الرَّحمَة، والرَّحمَة هنا لِلرَّسُولِ ﷺ ولغيره، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
قَوْلُه ﵎: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ هنا ذكر الرُّبوبية الخاصة؛ لِأَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ لِلنَّبِيِّ ﵊ بالرِّسالَة رحمة خاصَّة، وأنه أُلْقِي إِلَيْك الْكِتَابَ: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا﴾.
قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنّ﴾ لا ناهية، والفِعل بعدها مَبْنِيٌّ عَلَى الفتح؛ لاتصاله
стр. 389
بنون التوكيد، وَهُوَ فِي مَحِلٍّ جزم.
والخطاب هنا للرسول ﷺ ، ولكن كيف يُنهَى الرَّسُول ﷺ أَنْ يَكُونَ ﴿ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾؟
بَعْضُ المُفَسِّرِينَ يقول: إِنَّ هَذَا الخطَابَ للرسول ﵊، وَالمُرَادُ بِهِ الْأُمَّةُ، وَلَكِنَّهُ عَلَى حَدِّ قَوْلِ الشَّاعِرِ (١):
. . . . . . . . . . . . . ... إِيَّاكِ أَعْنِي وَاسْمَعِي يَا جَارَةُ
وَقَالَ بَعْضُهُم: بل الخطابُ للرسول ﵊ وقالوا: النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الوقوع.
فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الوقوع، لكن هَلْ يَلْزَمُ مِنْهُ جواز الوقوع، بمعنى: أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ ﷺ ﴿ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾؟
نقول له: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مستحيلًا، فالنهي عن المستحيل لَهْوٌ.
وَالجوَابُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الوجه الأول: إِمَّا أَنْ نَقُولَ: إنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَوْلَا تثبيت اللَّهِ لَهُ لَرَكَن إليهم، كَمَا فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٧٤ - ٧٥].
الوجه الثاني: أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الرَّسُول ﵊ قد يَفْعَلُ الشَّيْءَ مِمَّا هُوَ مظاهرة للكافرين، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مُظاهرة، فنهاه اللَّهُ تعالى عَنْهَا؛ لِأَجْلِ أَنْ يَكُونَ стр. 390
مِنْهَا عَلَى حَذَرٍ، وعلى بُعد مِنْ هَؤُلَاءِ الكافرين.
ثُمَّ نَقُولُ أَيْضًا: إِنَّهُ لَوْ جَازَ عقلًا وعادةً، فقد يُنهى عنه شرعًا، فافرِض أَنَّ هَذَا أَمْر قَدْ يَجُوزُ للرسول ﷺ أَنْ يَفْعَلهُ باعتبار العادة، أو باعتبار الحالة البَشرية، لَكِنَّهُ مِنَ الناحية الشَّرْعِيَّةِ لَا يُمْكِنُ، فَيَكُونُ عَائِدًا إِلَى الرَّسُولِ ﷺ باعتبار الحال البشرية الطبيعية، أَمَّا شَرْعًا فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿ظَهِيرًا﴾ مُعِينًا ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ عَلَى دِينِهِمْ].
الرَّسُول ﵊ مَا كَانَ معينًا للكافرين، لكنه يُنْهَى عَنْ أَمْرٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاقِعًا منه، أو مُتَصَوَّرًا أَنْ يَقَعَ، كَمَا قَالَ تعالى أَيْضًا: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [القصص: ٨٧]، مَعَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُشْرِكَ، ولكنه نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ، فقيل: إن النهي هُوَ نهي لأُمَّته.
وقيل: بَلْ إِنَّ النهيَ نهيٌ حقيقي له، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَاقِعًا منه، وَالْفَائِدَة مِنْ ذَلِكَ بَيَانُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ مَا كَانَ يتطلب الرِّسالَة، ولا خَطَرَتْ لَهُ عَلَى بَالِ، نأخذُه مِنْ قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بيان تكذيبِ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، فالكفار يقولون: إِنَّمَا يُعَلِّمُ محمدًا القرآنَ بَشَرٌ، فَلَوْ كَانَ الرَّسُولُ ﷺ يتعلم مِنْ بَشَرٍ، لكان مُتطلعًا لِهَذَا الْقُرْآنِ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ رَحْمَةٌ لِلْخَلْقِ، رحمةٌ فِي
стр. 391
الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، ففي الدُّنيا تستقر الأمور، وتصلُح أحوالهم، ويَعْلُو أمرُهم، وَفِي الآخِرَةِ يكونون فِي جنات النعيم.
فهذا القرآن رحمة؛ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَهُوَ أَعَظَمُ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ ، وأعظم مِن نُزول المَطَرِ الَّذِي تحيا بِهِ الْأَرْضُ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ تحيا بِهِ الْقُلُوبُ، وتصلح به الأعمال، وبحياة القلوب والأعمال تحيا الأرض، قَالَ تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦].
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثباتُ رُبوبية اللَّه الخاصة لِلرَّسُولِ ﷺ ، بقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾، فهذا يقتضي رُبوبيةً خاصة، كَمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَهُ عُبودية خاصَّة، فعُبوديته خاصَّة، ورُبوبية اللَّهِ لَهُ خَاصَّةً أيضًا.
وإذا شئتَ أن تعرف أنَّ الرُّبوبية نوعان، فاقرأ قَوْلَ اللَّهِ تعالى عَنْ سَحَرَة آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ آمَنُوا: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الشعراء: ٤٧ - ٤٨]، فالأُولى عامَّة، والثانية خاصَّة.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: مِنْ قَوْلِهِ: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾، ففيه تحريمُ مُظاهَرَة الكفار، أي: مُعاونتُهم؛ لِأَنَّ النَّهْيَ للتحريم، لَا سِيَّمَا وَقَدْ أُكِّدَ بِنُونِ التوكيد؛ لأن النُّون هنا للتوكيد، وَالدَّلِيلُ عَلَى التوكيد أَنَّ الْفِعْلَ بُنِيَ عَلَى الفتح.
والمعاونةُ للكفَّار تكونُ معاونةً عسكرية، ومعاونة فِكرِيَّة، ومعاونةً مالِيَّةً ومعنوية، فكُلُّ مَا فِيهِ معاونة الكفار ومساعدتهم وتقويتُهم، فَإِنَّهُ مُحَرَّمٌ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ علينا -نحن المسلمين- العكسُ مِنْ ذَلِكَ، الوَاجِبُ عَلَيْنَا إذلالهم، وخَذْلُهم بِكُلِّ مَا نستطيع، بَلْ قَدْ قَالَ اللَّهُ لِلرَّسُولِ ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]، وقال للمؤمنين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ
стр. 392
مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣]، وَأَنَّ هَذَا مِن تَقْوَى اللَّهِ؛ إذا قاتلتموهم فليَجِدُوا منكم الغِلظة.
ومعنى هذا: أنا إِذَا لَمْ نُقاتلهم، ووجدوا منَّا اللين؛ فإن هذا مخالف للتقوى.
والحاصِلُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُعاونة الكفار بِأَيِّ وَجْهٍ مِن وُجوه المعاونة، وَهُوَ مِنْ أخطر الأمور؛ لِأَنَّ اللَّهَ تعالى يَقُولُ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١].
* * *
стр. 393
الآية (٨٧)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [القصص: ٨٧].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ﴾ أَصْلُهُ يَصُدُّونَنَكَ، حُذِفَتْ نُونُ الرَّفْعِ لِلْجَازِمِ، وَالْوَاوُ لِلْفَاعِلِ لِالْتِقَائِهَا مَعَ النُّونِ السَّاكِنَةِ ﴿عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ أَيْ لَا تَرْجِعْ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ ﴿وَادْعُ﴾ النَّاسَ ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾ لِتَوْحِيدِهِ وَعِبَادَتِهِ ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بِإِعَانَتِهِمْ، وَلَمْ يُؤَثِّرِ الْجَازِمُ فِي الفِعْلِ لِبِنَائِهِ].
قوله: ﴿يَصُدُّنَّكَ﴾ أصلُه: يَصُدُّونَنْكَ قَبْلَ دُخُولِ (لا) الناهية، ولمَّا دَخَلَتْ (لا) الناهية وجب حذفُ النون الأُولى للجَزم، فصارت: يَصُدُّونَّك، فلما حذفنا النون الأُولى أصبح لدينا واو ساكنة، ونون مُشَدَّدة، والنون المشدَّدة عبارة عن نونين الأولى ساكنة والثانية متحركة، فيلتقي ساكنان، وإذا التقى ساكنان وجب حذف الْأَوَّلِ مِنْهُمَا، قَالَ ابْنُ مَالِكٌ فِي الكافية:
إِنْ ساكِنَانِ الْتَقيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ... فَإِنْ يَكُنْ لَيْنًا فَحَذْفُهُ اسْتَحَقّ
أَمَّا قَوْلُه تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ﴾ [آل عمران: ١٨٦]، فَلَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَمْ يَسْبِقْهُ جازمٌ، وأصلُه: لتسمعونَنَّ، فحُذفت النون الأُولى لِتَوَالي الأمثال، ثُمَّ حُذِفَتِ الْوَاوُ لالتقاء الساكنين، أي النون المشددة والواو الساكنة.
стр. 394
قوله: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ﴾ الضَّمير -وَهُوَ الواو المحذوفة- تَعُودُ إِلَى الكافرين، أي: ولا يَصُدَّنَّك الكافِرُون، والخطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ ، و (يَصُدُّ) يُستعمل لازمًا ومُتعديًا؛ فَإِنْ كَانَ لازمًا فهو بمعنى: أعرَض، وَإِنْ كَانَ متعديًا فهو بمعنى: صَرَف، فتقول مثلًا: صددتُه عن الخطأ، أي: صرفتَه، وتقول: صددتُه عن الضلال، أي: أَعْرَضْتَ عَنْهُ، وَفِي الْقُرْآنِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النحل: ٨٨]، الفعل هنا الْأَوْلَى أَنْ نَقُولَ: إنَّهُ مُتَعَدِّ؛ لِأَنَّ مَنْ صَدَّ غَيْرَهُ فَهُوَ عَنِ الْحَقِّ أَصَدُّ، لَكِنْ مَنْ صَدَّ بنفسه، فقَدْ لَا يُصَدُّ غيرَه.
فَالْأَوْلَى أَنْ نَحْمِلَ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ الصَّدِّ عَلَى الشَّيْءِ المتعدي، لَا عَلَى اللازم.
وهنا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ﴾ الفِعل مُتَعَدٍّ، بدليل الكافِ، فهي مَفْعُولٌ بِهِ، أي: لا يَصْرِفَنَّك هَؤُلَاءِ عَنِ آيَاتِ اللَّهِ، والمراد هنا الآياتُ الشرعية.
قَوْلُه تعالى: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: عَنِ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّ الْقُرْآنَ آيَاتُ اللَّهِ ، قَالَ تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: ٦]، وكَوْنُ الْقُرْآنِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تعالى؛ لأنه كلامُه، وما يَتَضَمَّنُهُ مِنَ الْأَخْبَارِ، والقَصص النافعة، والأحكام العادلة؛ وَلأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِه، كَمَا قَالَ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٣ - ٣٤]، فهنا تَحَدٍّ لهؤُلاءِ الأعداء الَّذِينَ هُمْ أقوى الناس فصاحةً، وَمَعَ ذَلِكَ عَجَزُوا، وما استطاعوا، وَلِهَذَا كَانَ الْقُرآنَ آيَةً مِنْ آيَاتِ اللَّهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ إِذَا قُلْنَا: مَا الْفَائِدَةُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ﴾، وأصل النهي لَا يَقَعُ: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ إِلَّا إِذَا كَانَتْ نَازِلَة؟
стр. 395
فهل هَذَا الْكَلَامُ لَهوٌ لَا فَائِدةَ منه؟
الجواب: لا، ليس لهوًا لَا فَائِدةَ منه، بَلْ فِيهِ فَائِدَةٌ، وهو تذكير الرَّسُول ﷺ بهذه الحُجَّة والمستَند، وَهُوَ أَنَّهَا أُنْزِلَت مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَإِذَا كَانَ يَذْكُرُ هذا المستند، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يَصُدَّك عنه، وَإِنْ كَانَ مَفْهُومًا أَنَّ الصَّدَّ عَنِ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِوُجُودِهِ لكنه لِأَجْلِ أَنْ يُذَكِّر الرَّسُول ﵊ بحال الإنزالِ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ أَثْبَتَ لَهُ.
وقوله: ﴿بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [أَيْ: لَا تَرْجعْ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ]، وَهَذَا التَّفْسِيرُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لأن صَدّهم للرسول ﵊ عَمَّا أُنْزِلَ إِلَيْهِ لَا يستلزم أَنْ يَرْجِعَ إليهم، فقد يَرْضَوْن مِنْهُ أَنْ يَخْرُجَ مِن دِينه، وَإِنْ لَمْ يُوافِقْهم عَلَى دِينِهِمْ؛ لأن أعداء المسلمين يقولون: نَحْنُ لَا نُرِيدُ أَنْ يَكُونَ المسلمون نصارى، أو يهودًا، بل نُرِيدُ أَنْ يَخْرُجُوا مِن دِينهم فقط.
وقَوْلُه تعالى: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ الدُّعاء: الطَّلب، يعني: اطلُب من النَّاسِ أَنْ يَدْخُلُوا فِي دِينِ اللَّهِ، وادعُ الناس.
وقد أفاد المُفَسِّرُ ﵀ أَنَّ المفعول محذوفٌ، فقال: [﴿وَادْعُ﴾ النَّاسَ، ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾؛ لِتَوْحِيد وَعِبَادَتِهِ]، هَذَا التَّفْسِيرُ للدُّعاء، وأَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى التَّوْحِيدِ والعبادة، والتوحيدُ له أنواعٌ ثلاثة، وهي:
توحيد الأُلُوهِيَّة، وتوحيد الرُّبوبية، وتوحيد الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، فَيَكُونُ المُرَادُ: ادْعُ إِلَى كُلِّ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ، بالإضافة إلى دعوتهم إلى العبادة.
وَهَذَا هُوَ المهم، أَنْ تَكُونَ دعوةُ الْإِنْسَانِ إِلَى اللَّهِ ، لَا إِلَى أَيِّ قَصْدٍ آخَرَ،
стр. 396
فمَن دَعَا النَّاسَ إِلَى الحَقِّ ليُقَوِّيَ جبهتهم، ويُكَثِّرَ عددهم، فليس بداعٍ إِلَى اللَّهِ.
ومَن دعا النَّاسَ إِلَى اللَّهِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَجْهٌ بَيْنَ النَّاسِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ إِلَى اللَّهِ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَدْعُوَ الْإِنْسَانُ إِلَى اللَّهِ، وَلَيْسَ لَهُ غَرَضٌ، اللَّهُمَّ إِلَّا رَجُلٌ يَقُولُ: أنا أُحِبُّ أَنْ تَقْوَى الجبهةُ التي أدعو إِلَيْهَا مِنْ أَجْلِ أَنْ نتمكن مِن الدعوة إِلَى اللَّهِ. فَهَذَا لَا حَرَجَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ مَعَ ذَلِكَ الْأَوْلَى أَنْ يَقْصِدَ القَصْدَ الأول، وَإِلَّا فَلَا حَرَجَ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: ٦٢ - ٦٣].
قَوْلُه تعالى: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [بِإِعَانَتِهِمْ].
هنا فَسَّر المُفَسِّر ﵀ الآيَةَ بِتَفْسِيرٍ قَدْ يَكُونُ عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ، فقال: إِنَّ قَوْلَه: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ليس معناه: لَا تُشْرِكْ، فالرَّسُول ﷺ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُشْرِكَ، ولكن المعنى بإعانتهم؛ فَإِنَّ مَنْ أَعَانَ قَوْمًا، فَهُوَ مِنْهُمْ، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ﴾ [المائدة: ٥١]، فكأنَّ المُفَسِّر ﵀ يقول: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَنْهَ رَسُولَهُ ﷺ أَنْ يَكُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ، بَلْ نَهَاهُ أَنْ يَكُونَ مُعِينًا لهمْ عَلَى شِرْكِهِمْ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يجعله منهم.
وَيَحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ، أنه نُهِيَ أَنْ يَكُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَالنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ وقوعُه، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ جوازُ الوقوع شرعًا؛ فَإِنَّهُ لَوْ فُرض أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَقَعَ عادة؛ فإنه شَرْعًا لَا يُمْكِنُ.
وَعَلَى هَذَا، فقَوْلُه تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، لَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ شرعًا، وَلَكِنْ إِنْ جَازَ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ، أَوِ وَقَعَ مِنْهُ؛ فإنه يُحْبِطُ عَمَلَهُ، كَمَا فِي
стр. 397
قَوْلِهِ ﵎: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]، فَهَذَا الشَّرْطُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ، فَلَا يَلْزَم مِنْ تعذُّرِ، أو استحالَةِ الشَّيْءِ ألَّا يَقَعَ شرطًا، حَتَّى فِي الْأُمُورِ العادية، لَوْ قَالَ إنسانٌ لزوجته: إِنْ طِرتِ فَأَنْتِ طَالِق. يَصِحُّ الكلام، ولكن تعليق الشَّيْءِ عَلَى المستحيل يجعله مستحيلًا، هُوَ جَائِزٌ، لكن يجعله مستحيلًا، مثل قَوْلُ الشَّاعِرِ (١):
إِذَا شَابَ الْغُرَابُ أَتَيْتُ أَهْلِي ... وَصَارَ الْقَارُ كَاللَّبَنِ الحَلِيبِ
وَالْغُرَابُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَشِيبَ أبدًا، والقَارُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُصَيِّرَ مِثْلَ اللبن أبدًا، وَلَكِنَّهُ مَا دَامَ عَلَّقَ الْأَمْرَ عَلَى شَيْءٍ مستحيل، فالمعلَّق على المستحيلِ مستحيلٌ.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [وَلَمْ يُؤَثِّرِ الجْازِمُ فِي الفِعْلِ لِبِنَائِهِ]، يقصد بالجازم والفِعلَ، وهو قوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ﴾، [لِبِنَائِهِ] لِأَنَّهُ لَوْلَا البناءُ لَقال: وَلَا تَكُنْ، فَحُذِفت لامُ الفعل، كَمَا فِي قَوْلِهِ ﵎: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ﴾ [النحل: ١٢٧]، فالجازم هنا -وَهُوَ لَا الناهية- قَدْ أَثَّرَ فِي الْفِعْلِ.
فأصل الفعل: (تَكُون)، و (لا) النهاية تؤثر بتسكين آخِرِ الفِعل، فالتقى ساكنان، الواو والنون الساكنة، فحُذفت الواو، وبَقِيَت النون الساكنة، فأصبحت: (تَكُن)، ثُمَّ حُذِفَتِ النون تخفيفًا.
أما فِي قَوْلِهِ تعالى هنا: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ﴾ فالجازم لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْفِعْلِ بحذف الواو، ولا النون؛ لبناء الْفِعْلِ كَمَا قال المُفَسِّرُ ﵀.
وقوله: ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الشرك يَنْقَسِمُ إِلَى: شِرك أكبر مُخرج عَنِ الملَّةِ، стр. 398
وشِركٍ أصغرَ لَا يَخْرُجُ مِنَ الملة.
فالأكبر: أَنْ يُشْرِكَ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا في عِبَادَتِهِ، أو رُبوبيته، فَمَنْ فَعَلَ فَهُوَ مُشرك، وَمَا دُونَ ذَلِكَ -مما أُطْلِقَ عَلَيْهِ الشِّرْكُ- فَهُوَ شركٌ أَصْغَرُ، والغالب أَنَّ الشِّرْكَ الأصغرَ يكون إِمَّا لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ للأكبر، كَمَا فِي مَسْأَلةِ الرياء؛ لأن الرِّيَاءِ شِرك؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يؤدي العبادة، ويُحسنها للناس، وقد يؤدي بِهِ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ يَعْمَل أَصْلَ العبادة للناس، ويَكُونُ بِذَلِكَ مُشركا شِركًا أكبرَ، وَقَدْ يَكُونُ الشرك الأصغر ليس وسيلةً إلى الشرك الأكبر، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بأمورٍ أُخْرَى، لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا الشرك الأكبر.
وَلَكِنْ عَلَى كُلِّ حَالٍ: الشركُ الْأَكْبَرُ هُوَ أَنْ يعتقد الْإِنْسَانُ أنَّ للَّهِ شَرِيكًا في أُلوهيته، أو ربوبيته.
* * *
стр. 399
الآية (٨٨)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَلَا تَدْعُ﴾ تَعْبُدْ ﴿مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ إِلَّا إِيَّاهُ ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ الْقَضَاءُ النَّافِذُ ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بِالنُّشُورِ مِنْ قُبُورِكُمْ].
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ﴾ أي: لَا تَعْبُدْ، و (لا) ناهيةٌ، والفِعل بَعْدَها مجزومٌ بِحَذْفِ حَرْفِ العِلة، وهو الواو، وَدَلَّ عَلَيْهِ الضَّمةُ عَلَى الْعَيْنِ.
قوله تعالى: ﴿مَعَ اللَّهِ إِلَهًا﴾: ﴿إِلَهًا﴾ مفعول تدعو، والإله بمعنى المألُوه، أي المعبود.
قوله تعالى: ﴿إِلَهًا آخَر﴾ وَهَذَا غَيْرُ مُمكنٍ؛ أَنْ يَكُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ بحق؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الآلهة التي سِوَى اللَّهِ كُلَّهَا بَاطِلَةٌ، كَمَا قَالَ تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان: ٣٠].
وَاللَّهُ تعالى في قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ سمَّى مَا يُعْبَدُ إِلَهًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ (الإله) فِعالٌ بِمَعْنَى مَفْعُول، أَيْ معبود.
стр. 400
قوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ هَذِهِ الجمْلَةُ كالتَّعلِيل للنفي السابق، أي: فإنه لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
إِذن: هَذَا النفيُ نفيٌ للحَقِّ؛ لأنه هو المعبود الحقُّ، فإنه لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وحينئذ لَا يَكُونُ بَيْنَهَا، وَبَيْنَ مَا سَبَقَهَا مُنافَاة؛ إِذْ إِنَّ مَا سَبَقَهَا يُثبِت إلهًا مَعَ اللَّهِ، لكن نَهَى أَنْ تدعو هذا الإله، والثاني يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فينفي أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ إله، وَالجمْعُ بَيْنَهُمَا أَنْ يُقَالَ: الإله الْحَقُّ الَّذِي عُبِد، وهو يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ هو اللَّهُ وحده.
وأَمَّا الإلهُ الْبَاطِلُ الَّذِي عُبد، وَهُوَ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ، فإذا ثابت لِغَيْرِ اللَّهِ، وَهَذَا هُوَ الصحِيحُ فِي النَّفْي، مَعَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نفيًا بِمَعْنَى النَّهْي، أي: لَا تَعْبُدْ إِلَّا اللَّهَ.
والنفيُ بِمَعْنَى النَّهْي وَارِدٌ في الْقُرْآنِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢].
قَالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: لَا رَيْبَ فِيهِ، أي: لَا تَرْتَابُوا فيه. فيجعلون النفيَ مكانَ النهي، ولكن الْأَوْلَى أَنْ يبقى النَّفْيُ عَلَى ظَاهِرِ، وَأَنْ يُجْعَلَ نفيًا حقيقةً، ويكون النفيُ أَبْلَغَ مِنَ النَّهْي؛ لأن النَّفْيَ إِثْبَاتُ صِفة، وأما النهيُ، فَقَدْ يَحْصُل الِامْتِثَالُ لَهُ، وَقَدْ لَا يحصُلُ.
وعليه نَقُولُ: إن هَذَا النَّفْيَ لَا يَتَعَارَضُ مَعَ مَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ باعتبار أَنَّهُ إِلَهٌ باطِل، والثاني باعتبار أَنَّهُ إِلَهٌ حَقٌّ، فَلَا إلهَ حَقٌّ إِلَّا اللَّهُ.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا هُوَ﴾ هو ضَمِيرٌ يَعُودُ إِلَى اللَّهِ، وَلَيْسَ هُوَ اسمًا مُستقلًّا، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، خلافًا للصُّوفية المبتدعة الضالَّة، فإنهم يجعلون (هُوَ) مِنْ
стр. 401
أَسْمَاءِ اللَّهِ، ويقولون: (لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) مِثل (لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)، ويَقُولُونَ فِي أذكارهم الباطلة: (هُوَ هُوَ هُوَ)، يُكَرِّرُونها، ويقولون هَذَا هُوَ التوحيد.
ولكن نقول لهم: الضَّمِيرُ (هُوَ) ليس عَلَمًا للَّه، وَإِنَّمَا هُوَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى اللَّهِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مَعَ اللَّهِ﴾.
قَوْلُه ﵎: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ هالك بمعنى زَائِل ومُضْمَحِلّ ومعدوم بعد الوجود.
قال المُفَسِّرُ ﵀ في قَوْلِهِ تعالى: ﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾: [إِلَّا إِيَّاهُ] أي: إِلَّا اللَّهُ، فَإِنَّهُ ليس بِهَالِكٍ، كَمَا قَالَ تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧].
وتفسير المُفَسِّر ﵀ فيه رَدٌّ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ الْبَاطِلِ، الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ يَفْنَى إِلَّا وَجْهَهُ. فلم يجعلوا الوجهَ مُعَبِّرًا عَنِ الذات، بل جعلوه دَالًّا عَلَى لَفْظِهِ فَقَطْ، وَهُوَ الْوَجْهُ نفسُه.
وَهَذَا -لَا شَكَّ- كلامٌ باطل، فالمراد بالوجه هنا الذاتُ كُلُّها، كل الذات العَلِيَّة، لكنه عَبَّرَ بالوجه كسائِرِ التعبيرات اللغوية؛ حيث يُعَبِّرُ بالوجه عَنِ الشَّيْءِ كله.
وَلَكِنْ قَدْ يُفْهَمُ كَلَامُ المُفَسِّر ﵀ باطلًا بأن مَعْنَاهُ إنكار الوجه، لكن المُفَسِّر ﵀ لا أَظُنُّ أَنَّهُ يُرِيدُ سقط ذَلِكَ، والمعروف أن الأشاعِرَة يُنكرون الوجهَ حقيقةً.
ولكننا نَقُولُ إِنَّ اللَّه لَهُ وَجْهٌ، ونستدل عَلَى ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، ولكنه عَبَّرَ بالوجه عن الذات كسائر أساليب اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ.
стр. 402
وقيل: إِنَّ المَعْنَى أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُهُ، وَيَكُونُ هَذَا عَائِدًا عَلَى الْأَعْمَالِ، يعني جميع الأعمال مَردُودة، وغير مَقْبُولَةٍ إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ، ويَسْتَدِلُّ هؤُلاءِ بقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ أَنَّ هَذَا مِنْ عَمَلِ الإنسان.
ثُمَّ قَالَ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ كَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الشرك هالِكٌ وفَانٍ فِي غَيْرِ فِعْلِ المرء، إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ، الخالص له، فإنه يبقى للمرء.
وَكُلُّ مَا فِي يَدِ الإنسان هَالِكٌ لَا يُفِيدُه، مِثْل قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ : "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" (١).
ولكننا نقول: إِنَّ المَعْنَى الْأَوَّلَ أَقْوَى، وَهُوَ أَنَّ المُرَادَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فانٍ وتَالِفٌ إِلَّا وَجْهَ اللَّه، وكالتَّعلِيل لقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: كَأَنَّهُ يَقُولُ: هَذِهِ الْأَصْنَامُ المعبودة مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا تَبْقَى، واللَّه تعالى هُوَ الَّذِي يَبْقَى، فَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ.
قَوْلُه تعالى: ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ هَذِهِ الجمْلَةُ مُكَوَّنَة مِن مُبْتَدَأ وَخَبَر، الخَبَرُ ﴿لَهُ﴾ مُقَدَّم، و ﴿الْحُكْمُ﴾ مبتدأٌ مؤخَّر، وتقديمُ ما حَقُّه التأخيرُ يُفيد الحصرَ، والمعنى: لَهُ وَحْدَهُ الحُكم.
يقول المُفَسِّرُ ﵀: [﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ القَضَاءُ النَّافِذُ]، وفَسَّرَ بالحُكم الكَوْني، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَشْمَل الحُكم الكوني والشرعي، وله القضاءُ النافِذ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، وله أيضًا الْفَصْلُ بَيْنَ الْخَلْقِ بالأحكام الشرعية. стр. 403
فالحُكم شامِلٌ للأمرين: الكوني والشرعي.
وقد مَرَّ علينا أَنَّ مِنْ أمثلة الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ قَوْلَه تعالى فِي سُورَةِ المُمْتَحَنَةِ: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠].
والحُكم الكوني قَوْلُه تعالى عَنْ إِخْوَةِ يُوسُفَ: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف: ٨٠].
وقوله: ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ ذَكَرْنَا أَنَّ الجُملة فيها اختصاص أَنَّ الْحُكْمَ للَّهِ وَحْدَهُ، مَعَ أَنَّ غَيْرَهُ لَهُ حُكْمٌ، لكنه حُكم مُقَيَّد.
ولهذا يقال: الحاكِم الشرعي، وحاكِم البلد، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. ولكن حُكْمُ هَؤُلَاءِ تابعٌ لِحُكْمِ اللَّهِ، والحُكم المطلَق التامُّ الشامِل إنما هُوَ للَّهِ وَحْدَهُ، فأحكامُ هؤُلاءِ الحكام هِيَ مِن باب التَّبعِيَّة؛ إِذْ إِنَّ هَذَا الحْاكِمَ لَا يَحْكُمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وإِذَا حَكَم لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ.
قَوْلُه تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [بِالنُّشُورِ مِنْ قُبُورِكُمْ].
قولُه: ﴿وَإِلَيْهِ﴾ أَيْ: إِلَى اللَّهِ، وذلك بالنُشور إذا نَشَرَكُم مِن القُبور، فلا مَرْجِعَ إِلَّا إِلَى اللَّهِ، ويُحَتِّمُ أَنْ يَكُونَ الرُّجوع هنا أَعَمَّ مِمَّا ذَكَرَ المُفَسِّر ﵀؛ بِحَيْثُ يَكُون المعنى: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ حَتَّى فِي أحكامكم، ترجعون إِلَى اللَّهِ، ولهذا يُرَدُّ الحكْمُ بَيْنَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ .
* * *