← Тафсир

Тафсир · id 21805

تفسير العثيمين: القصص

ابن عثيمين

Полный текст (403 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ﴾: الأمم، ﴿مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ لِلْمَالِ أَيْ هُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ]. قوله: ﴿مَنْ﴾ مفعولُ ﴿أَهْلَكَ﴾، أي: الَّذِي هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ، أي: مِن قارون، قوله: ﴿قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ للمال ﴿أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً﴾ فِي بَدَنِهِ، وَأَمَّا المَالُ فقال: ﴿وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ أي: أكثرُ مجموعًا للمال، أو: أكثر تحصيلًا له، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ كلام المُفَسِّر ﵀. قوله: ﴿جَمْعًا﴾ أي: تحصيلًا، وَلَكِنْ إِذَا قُلْنَا: أكثر جَمْعًا، أَوْ مجموعًا، كَانَ أَوْلَى؛ لأن المجموعَ نتيجة للقوة التي يُحصل بها المَرْءُ المالَ. قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [أَيْ هُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ]، فأفادنا بأن الاستفهامَ هنا للتقرير، أي: إِنَّ قارونَ قَدْ عَلِمَ، ولكنه تجاهَلَ الأمرَ، قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [فَيُهْلِكُهُمُ اللَّهُ]. قَوْلُه تعالى: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ أي: ولا يَسألهم عن ذنوبهم، لا يسألهم سؤالَ استخبار، وإنما يسألهم يَوْمَ الْقِيَامَةِ سؤالَ تَبْكيت، فَإِنَّ اللَّهَ تعالى يَسْأَلُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ ذُنوبهم، قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]، وَقَالَ تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣]. إذن نقول: النفيُ لحالٍ، والإثباتُ لحالٍ، يعني: لَوْ قَالَ قَائِلٌ: كيف تجمعون بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾، وأمثالها مِثل: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]، وبين الآيَاتِ الَّتِي تُثبت السؤال مِثْل قَوْلِهِ تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]، وقوله ﵎: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؟

стр. 352

فالجواب عَلَى ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ السُّؤَالَ المَنفِيَّ هُوَ سُؤَالُ الاستفسار، الَّذِي يَسْأل: هل أذنبتَ؟ وما ذَنْبُك؟ والسؤال المُثْبَتُ سؤالُ التوبيخِ والتَّبْكِيت والتَّقْرِيع، أي يُسْألون لِيُقِرُّوا، فهذا ثابتٌ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ هُنَا. سؤال النفي أَنَّهُمْ لَا يُسألون لِأَجْلِ أَنْ يُخْبِرُوا عَنْ ذُنوبهم، وإذا أَخْبروا -مثلًا- تُرِكُوا، أو يُعاقَبُون عَلَى حَسَبِ إخبارهم؛ لأنهم سيُعَاقَبُون، سواء أَخبَروا أَوْ لم يُخْبِرُوا، لكنهم يُنكِرون، فيقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، ولكنهم لا يَسْتَفِيدُونَ مِنْ هَذَا النفي شيئًا. فسؤالُ الاستفسارِ مَعْنَاهُ أَنَّك تَسأل الْإِنْسَانَ عَنْ شَيْءٍ تجهلُه لِيُخْبِرَك به، هَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَرِدَ بالنسبة للمُجرمين، وَهَذَا هُوَ المَنْفِيُّ. أَمَّا سؤال التَّوبيخ فتسألُه عَنْ شَيْءٍ ليُقِرَّ به، لَا ليخبرك، ولأَجْل أَنْ يَخْزَى بَيْنَ النَّاسِ. فإذا سُئِلوا قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، وشهِدت جوارحُهم، فَإِنَّهُمْ لَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا، أو إنهم يُسأَلون فيجحدون فِي مَكَانٍ، أَوْ فِي وَقْتٍ، ويُسألون فيُقِرُّون فِي وَقْتٍ آخَرَ. فتَبيَّن الآنَ بِذَلِكَ أَنَّ السؤال المنفيَّ غيرُ السؤال المُثْبَت، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وبعضهم يقول: إِنَّ السُّؤَالَ المُثْبَت يَكُونُ فِي وَقْتٍ، والسؤال المنفيُّ فِي وَقْتٍ آخَرَ؛ لأن يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِقدارُه خمسون أَلْفَ سَنَةٍ، فالمدة طويلة، فيُمكن أَنْ يُسْأَلُوا فِي مَوْضِعٍ، ولا يُسْأَلُوا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾ المجرم هُوَ فَاعِلُ الإجرام، والإجرام: المعاصي،

стр. 353

فالمعنى: أن العُصاة لا يُسألون، وَأَكْثَرُ مَا يُطْلِقُ الإجرام عَلَى الْكُفْرِ، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩]، فلماذا لا يُسألون؟ يقول المُفَسِّرُ ﵀: [لِعِلْمِهِ تعالى بِهَا فَيَدْخُلُونَ النَّارَ بِلَا حِسَابٍ]، أي: إنَّهُمْ لَا يُسألون، وإنما يُدخَلُون النار بِدُونِ حساب، ولكنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الحساب؛ لِأَنَّ مَنْ يؤتَى كتابَه فسوف يُحاسَبُ، قَالَ تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥ - ٢٦]. فهُم يُحاسَبُون، لكنَّهم لا يُحاسبون محاسبةَ مَن تُوزَنُ حسناتُه وسيئاتُه؛ لِأَنَّهُمْ ليس لَهُمْ حسناتٌ، وإنما يُحاسَبون محاسبةَ تقريعٍ وتوبيخ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: بيان بَغْي قارون، حَيْثُ لَمْ يَعْتَرِفْ بِفَضْلِ اللَّهِ عَلَيْهِ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ مَا رَزَقَهُ اللَّهُ مِنْ كَسْبِهِ، فهو مُشابه لقارونَ فِي عَدَمِ اعترافِه بنِعْمَة اللَّهِ، فالإنسان الَّذِي يَقُولُ: حصَّلت هذا بيدي، وبمعرفتي بالأمور والمكاسب. نقول له: أنت مُشابه لقارون. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تقريع أولئك الذي يفتخرون بسعيهم، بِأَنَّ اللَّهَ تعالى قَدْ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مِنَ القرون مِمَّنْ هُوَ أَشَدُّ منهم قوةً، وأكثر جمعًا. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ المجرمين عند إهلاكهم لا يُسألون فيُرحمون، وإنما يُهلَكُون بِدُونِ سؤال، لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾. * * *

стр. 354

الآية (٧٩) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص: ٧٩]. * * * قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿فَخَرَجَ﴾ قَارُونَ ﴿عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ بأَتْبَاعِهِ الْكَثيرِينَ رُكْبَانًا مُتَحَلِّينَ بِمَلَابِسِ الذَّهَبِ وَالحَرِيرِ عَلَى خُيُولٍ وَبِغَالٍ مُتَحَلِّيَةٍ ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ﴾ يَا: لِلتَّنْبِيهِ ﴿لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ فِي الدُّنْيَا ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ﴾ نَصِيبٍ ﴿عَظِيمٍ﴾ وَافٍ فِيهَا]. قَوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ﴾ أي: قارون، ﴿عَلَى قَوْمِهِ﴾ المراد بقومه بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ ﴿فِي زِينَتِهِ﴾، والجُملة حَالٌ مِنْ فَاعِلِ (خَرَجَ)، يعني: حَالَ كَوْنِهِ متلبسًا في زينته. قال المُفَسِّرُ ﵀ مفسرًا للزِّينة: [بِأَتْبَاعِهِ الكَثِيرِينَ]؛ لأن الأتباع مِنَ الْخَدَمِ ونحوهم زِينَةُ الحيَاةِ الدُّنْيَا، قَالَ اللَّهُ : ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]. ويحتمِل خِلَافَ مَا قال المُفَسِّرُ ﵀، وهو أَنَّ المُرَادَ بزينته أي: بماله الْعَظِيمِ الَّذِي يتزين بِهِمْ مِنَ الْخَدَمِ والمركوبات والأمتاع، وغيرها. ثُمَّ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [بِأَتْبَاعِهِ الْكَثِيرِينَ رُكْبَانًا مُتَحَلِّينَ بِمَلَابِسِ الذَّهَبِ

стр. 355

وَالْحَرِيرِ عَلَى خُيُولٍ وَبِغَالٍ مُتَحَلِّيَةٍ]. قَدْ يَكُونُ الْأَمْرُ كَمَا قال المُفَسِّرُ ﵀، وَقَدْ يَكُونُ أَقَلَّ، وَقَدْ يَكُونُ أَعْظَمَ مِمَّا قَالَ، فَالْأَوْلَى أَنْ تَبْقَى الآيَةُ عَلَى ظَاهِرِهَا. قَوْلُه : ﴿فِي زِينَتِهِ﴾ أي: فيما يستطيع مِنَ الزِّينَةِ، سواء باللباس، أو بالمركوب، أو بالأتباع، أو بالمال، أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، أَيْ فِي زينته التي يَفْخَرُ بِهَا عَلَى قَوْمِهِ. قَوْلُه تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي: يبتغونها ويطلبونها ولها مِيزان فِي نُفُوسِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ﴾ يقول المُفَسِّرُ ﵀: [﴿يَا﴾ لِلتَّنْبِيهِ]، يعني: ليست للنداء؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ على مُنَادًى، فقوله: (لَيْتَ) حرفُ تَمَنٍّ، والمنادَى لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ اسْمًا يصح نداؤه، وعليه فتكون للتنبيه. وقيل: إنها للنداء، والمنادَى محذوف تقديره: يَا قَوْمَنَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قارونُ، وهذا التركيب متكرر فِي الْقُرْآنِ الكريم، والنحويون اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هو لجرد التنبيه، وَلَيْسَ هُنَاكَ نداء ولا منادى، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هو للنداء، وأن المنادى محذوف، فالتقدير -مثلًا- هنا: يَا قَوْمَنَا لَيْتَ لَنَا. قوله: ﴿يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ اسم (لَيْتَ) هو ﴿مِثْلَ﴾ وهو منصوبٌ، وخبرُها مُقَدَّم، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿لَنَا﴾ وَهُوَ فِي مَحِلِّ رفع؛ لأن التقدير: ليت مِثْلَ مَا أُوتِيَ قارونُ لنا. قَوْلُه تعالى: ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾: ﴿أُوتِيَ﴾ بمعنى: أُعطِيَ قارون مِنَ المَالِ؛

стр. 356

وَلِهَذَا قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [فِي الدُّنيا]، مِنَ المَالِ والكنوز والزينة. ونرى أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا: يا لَيْتَ لَنَا مَا أُوتِيَ قارون، بَلْ قَالُوا: مِثْلَه؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ قَالُوا: لَيْتَ لَنَا مَا أُوتِيَ قارون، كَانَ ذَلِكَ حسدًا؛ لأنهم يَتَمَنَّون بذلك زَوَالَ النِّعْمَةِ عنه، لكنهم قالوا: مِثلَه، وهذا الْأَمْرُ لَا يَجُوزُ، إذا أُعطُوا مِثله، ولكن لهم مثلُه. قوله: ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [نَصِيبٌ، ﴿عَظِيمٍ﴾ وَافٍ فِيهَا]. أي: فِي الدُّنْيَا. قوله: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: قارون، ﴿لَذُو﴾ أي: لصاحبِ، ﴿حَظٍّ﴾ أي: نصيب، ﴿عَظِيمٍ﴾ وافٍ، ويَحتمِل فِي المَعْنَى: وافِر، فالعظيم هو: الوافِرُ الكثير، فَهُوَ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ، وَهَذَا إِنَّمَا يقوله مَن كان نظرُه قاصرًا، وَلَا يُرِيدُ إِلَّا الدُّنيا. والحقيقة أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ هِيَ الحظَّ، وإنما الحَظُّ نصيبُ الْإِنْسَانِ مِنَ الآخِرَةِ، أما نصيبُه مِنَ الدُّنْيَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لأنه نصيبٌ يزولُ هو، أو يزول مَن أُعطيَه وَلَا يَنْفَعُ؛ ولأنه نَصِيبُ فِي الْغَالِبِ يَحْمِلُ عَلَى الخُسارة والفساد، ويَحْمِلُ عَلَى الأَشَر والبَطَر، فيَخْسَر الإنسان دِينَه ودُنياه، فَلَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ حَظٌّ، لكن يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ كان نَظَرُه قاصِرًا. وإلى وقتنا هذا، النَّاسُ إِذَا رَأَوْا شخصًا تاجرًا كَبِيرًا قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالمَالِ، قالوا: مَا شَاءَ اللَّهُ، إنه صاحِب حظ. ولكن هؤُلاءِ قِصارُ النَّظَر؛ إِذْ إِنَّ الحظَّ الحقيقي هو حَظُّ الآخِرَةِ، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]، هَذَا هو الحَظُّ الْعَظِيمُ. وَهُم فِي قَوْلِهمْ لم يُقَيِّدوا ذَلِكَ أَيْضًا فِي الدُّنْيَا، كأنهم تَنَاسَوُا الآخِرَة، وَرَأَوْا أَنَّ

стр. 357

الحَظَّ هو حَظُّ الدُّنْيَا، ولكن قابَلَهم أَهْلُ الْعِلْمِ والإيمان بقولهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: أَنَّ قارونَ كَانَ يُظْهِرُ الأُبَّهة والعَظمة، حيث يَخْرُجُ فِي زينته مِنَ المَالِ والرجال. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ ذَوِي النظر القاصر يتمنَّون مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾. * * *

стр. 358

الآية (٨٠) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠]. * * * قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَقَالَ﴾ لهمُ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ بِمَا وَعَدَ اللَّهُ فِي الآخِرَةِ ﴿وَيْلَكُمْ﴾ كَلِمَةُ زَجْرٍ ﴿ثَوَابُ اللَّهِ﴾ فِي الآخِرَةِ بِالجَنَّةِ ﴿خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ مِمَّا أُوتِيَ قَارُونُ فِي الدُّنْيَا ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا﴾ أَي الجْنَّةُ المُثَابُ بِهَا ﴿إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ عَلَى الطَّاعَةِ، وَعَنِ المَعْصِيَة]. قَوْلُه تعالى: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الأولين جُهَّال، ليس عندهم عِلْمٌ، وَلَا معرفةٌ بالأمور وحقائقها. قوله: ﴿وَيْلَكُمْ﴾ كلمةُ زَجْرٍ، يُقْصَدْ بِهَا زَجْرُ الإنسان عما يُرِيدُهُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يَنْبغي الزَّجْرُ عنها، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ (وَيْل)، أي: عذاب، قَالَ تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤]، ولكنها يُرَادُ بِهَا الزَّجْر، أي: ويلَكُم إِنْ تَمَنَّيْتُم ذلك، أي: مِثْلَ مَا أُوتِيَ قارونُ. وإعرابُ (وَيْلَ): مفعولٌ لِفِعْلٍ محذوفٍ تقديرُه: أَلْزَمَكُمُ اللَّهُ وَيْلَكم، أي: جعل الوَيْلَ لازِمًا لَكُمْ إِنْ أَنْتُمْ تمنيتم مَا أُوتِيَ قارونُ، أَوْ مِثْلُه؛ لأن هناك مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ. قَوْلُه تعالى: ﴿ثَوَابُ اللَّهِ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [فِي الآخِرَةِ فِي الجنَّةِ].

стр. 359

قوله: ﴿ثَوَابُ اللَّهِ﴾ الثوابُ هُوَ الْجَزَاءُ؛ كأن العمل ثَابَ، أي: رَجَعَ إِلَى صَاحِبِهِ بجزاءٍ عليه، فثوابُ اللَّهِ فِي الآخِرَةِ خيرٌ، لكن لمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالحًا، فالمؤمن العاملُ عَمَلًا صَالحًا ثَوَابُ اللَّهِ لَهُ فِي الآخِرَةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، بَلْ قَالَ الرَّسُول ﷺ : "لمَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا" (١). قوله: ﴿لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ الإيمان: التصديقُ مع القَبول والإذعان. وقوله: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ الْعَمَل الصَّالِح: هُوَ الَّذِي جَمَعَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: الإخلاص للَّهِ ، والمتابعة لِرَسُولِهِ ﷺ ، وَكُلُّ ذَلِكَ خَيْرٌ مما أُوتِيَ قارون فِي الدُّنْيَا. قَوْلُه تعالى: ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [أَي الْجَنَّةُ المُثَابُ بِهَا، ﴿إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ عَلَى الطَّاعَةِ، وَعَنِ المَعْصِيَة]. قَوْلُه تعالى: ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا﴾ أي: ما يُوفَّق لها، ﴿إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [عَلَى الطَّاعَةِ، وَعَنِ المَعْصِيَة]، وَلَوْ أَنَّهُ أَتَى بالأمر الثالث، وهو الأقدار، أي لَوْ قَالَ: وعلى الأقدار. لَتَمَّ لَهُ الْأَمْرُ، فالتَّفسير ناقص، فهُمُ الصابرون عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، لا يَمَلُّون، ولا يَفْتُرُون، ومَعْصِيهُ اللَّهِ لَا يُمارسُونها، وعلى أقدار اللَّه المؤلمة لا يَتَسَخَّطون منها. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ الَّذين يعلَمُون حقائِقَ الأُمور، يَدْرُون أَنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا لَيْسَتْ بشيء، وأَنَّ ثَوَابَ الآخِرَةِ أَعْظَمُ وأَجَلُّ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَا يَنَالُ ثوابَ الآخِرَةِ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا؛ لقوله:

стр. 360

﴿ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لَا يُوَفَّق لذلك الثَّوَابِ فِي الآخِرَةِ إِلَّا الصابرون عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وعن معصيته، وعلى أقداره؛ لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾. * * *

стр. 361

الآية (٨١) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص: ٨١]. * * * قال المُفَسِّرُ: [﴿فَخَسَفْنَا بِهِ﴾ بِقَارُونَ ﴿وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أَيْ غَيْرُهُ بِأَنْ يَمْنَعُوا عَنْهُ الْهَلَاكَ ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ مِنْهُ]. قَوْلُه تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ أي بقارون، فَهَوى فِي الْأَرْضِ هُوَ ودارُه، ولم تُغنِ عنه الْأَمْوَالُ، وَلَا الرِّجَالُ، وَلَا غَيْرُها، وَإِنَّمَا كَانَتْ عقوبته بالخَسْف؛ لِأنَّهُ كَانَ بَاغِيًا عاليًا متكبرًا، فأُخِذ بما يُناسب حالَه، فالعالي أشد عقوبةٍ لَهُ أَنْ يُنزَّلَ مِن مكانته العالية، ولهذا كانت العقوبة مناسبةً للعَمل، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت: ٤٠]، وممن خسف اللَّهُ بِهِ الأرض قارونُ ودارُه. قَوْلُه تعالى: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [أَيْ غَيْرُهُ بِأَنْ يَمْنَعُوا عَنْهُ الْهَلاكَ]. قوله: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ﴾ ما نافية، و ﴿مِنْ﴾ مِن حَرْفٌ جَرٍّ زائدٌ إعرابًا، و ﴿فِئَةٍ﴾ اسْمُ كَانَ مرفوع بها، وعلامةُ رفعِه ضمةٌ مُقَدَّرَةٌ عَلَى آخِرِهِ، مَنَعَ مِن

стр. 362

ظُهورها اشتغالُ المحَلِّ بحركة المناسبة، أي مناسَبة حَرْفِ الْجَرِّ الزائد. والإتيان بـ ﴿مِنْ﴾ هنا له فَائِدَةُ مَنْ حيث المعنى، وهي التنصيص عَلَى الْعُمُومِ، أي: مَا كَانَ لَهُ أَيُّ فِئَةٍ تَقُومُ بِنَصْرِه. والفئةُ: الطَّائِفَةُ الَّتِي يَرْجِعُ إِلَيْهَا المرء، هذه الفئة مَأْخُوذَةٌ مِن فَاءَ يفِيءُ: إِذَا رَجَعَ؛ لأن الفِئة التي يَرْجِعُ إِلَيْهَا المرء لتُنَاصِره هي محلُّ فَيئِه، أي: محلُّ رُجوعه. والمعنى: أنه مَا كَانَ لَهُ أَحَدٌ ينصره، حَتَّى ما جَرَتِ العادةُ بأنه ينتصر بهم. وقوله: ﴿يَنْصُرُونَهُ﴾ النَّصر: المنعُ مما يَضُرُّ، وقوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: ﴿دُونِ﴾ هُنَا بِمَعْنَى غير، فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ بأسُ اللَّه، ما نَفَعَتْهُ زِينَتُه، ولا مَنعَه جنودُه؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَهُ الْقُوَّةُ الكاملة، والقُدرة العظيمة. قَوْلُه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾: (مِن) أي: مَا كَانَ أَحَدٌ ينصره، وَلَا هُوَ أَيْضًا انتَصر بنفسِه، فصار ضعيفًا بنفسه وبِغَيْرِه، فقوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ أي: مِنَ اللَّهِ وَمن عذابِه، بل أصبحَ عاجزًا وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، مخسوفًا به. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: بيانُ قُدْرَةِ اللَّهِ . الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: التَّحْذِيرُ مِنَ التعالي والبغي عَلَى الْخَلْقِ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ اللَّهَ تعالى إِذَا أَنْزَلَ العقوبةَ بأحدٍ، فَلَيْسَ لَهُ ناصرٌ دُونِ اللَّهِ، ولو عظُمت قُوَّتُه، وكَثُرَ جُنْدُه؛ لقوله: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾. * * *

стр. 363

الآية (٨٢) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص: ٨٢]. * * * قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ﴾ أَيْ مِنْ قَرِيبٍ ﴿يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ﴾ يُوَسِّعُ ﴿الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ يُضَيِّقُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، وَ (وَيْ) اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى أَعْجَبُ، أَيْ أَنَا، وَ (الْكَافُ) بِمَعْنَى (اللَّامِ) ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَالمَفْعُولِ ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ لِنِعْمَةِ اللَّهِ كَقَارُونَ]. قَوْلُه تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ﴾ أصبح هنا معناها: صار، أي: صار الذين تَمَنَّوا مكانه بالأمس يقولون. . . إِلَى آخِرِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى أصبح، أي: دَخَلُوا فِي الصباح، كَمَا فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [القصص: ١٨]. قَوْلُه تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ صار الآن الَّذِينَ كَانُوا يتمنَّوْن مِثْلَ مَا أُوتِيَ قارون يتعجبون، ويعلمون أَنَّ اللَّهَ يُوَسِّع الرِّزْقَ لمَنْ يَشَاءُ، ويُضَيِّقُه عَلَى مَنْ يَشَاءُ، وَأَنَّ هَذَا عَلَى حَسَبِ مُقْتَضَى حِكمته؛ وليس لأن قارون لَهُ حَظٌّ عظيم،

стр. 364

بل لأن اللَّهَ هُوَ الَّذِي يُعْطِي ويمنع. إعراب قوله: ﴿اللَّهَ﴾ لفظ الجلالة هنا يُعرَب اسمَ (إِنَّ) عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، واسم (كَأَنَّ) عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي. قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿يَبْسُطُ﴾: يُوَسِّعُ]، وقوله: ﴿الرِّزْقَ﴾ أي: العَطاء، وقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ مَنْ بِمَعْنَى الَّذِي، أي: للذي يشاء. وهذه المشيئة هي مشيئةٌ مقرونة بحكمةٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا قَبْلَ ذلك أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ علَّقه اللَّهُ تعالى بمشيئته؛ فإنه مقرونٌ بحِكمته، فَاللَّهُ تعالى يَبْسُطُ الرِّزْقَ لمِنْ يَشَاءُ ممن اقتضت حكمتهُ أَنْ يَبْسُطَ لَهُمُ الرزق، وَقَدْ جَاءَ فِي الحْدِيثِ القدسي: "إِنَّ مِنْ عِبَادِي المُؤْمنِينَ لمَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا الْغِنَى، وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي المُؤْمِنِينَ لمَنْ لَا يُصلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا الْفَقْرُ، وَلَوْ أَغْنَيْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ" (١). فاللَّه تعالى حكيم، يَبْسُطُ الرِّزْقَ لفلان؛ لأن الحكمة تَقْتَضِي ذَلِكَ، ويضيِّقه عَلَى فُلَانٍ؛ لأن الحكمة تَقْتَضِي ذَلِكَ، وليس لِأَنَّ المَسْأَلةَ مسألةٌ اعتباطيَّة دون أيِّ رَوِبَّة، بل للَّهِ الحكْمَةُ فِيمَا أعطى، وفيما مَنَع. وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ عباد: جمعُ عَبْدٍ، والمراد بالعبُوديَّة هنا العُبوديَّة العامَّة، الَّتِي هِيَ التذلُّل للأمر الكوني، وليست العبودية الخاصة الَّتِي هِيَ التذلُّل للأمر الشرعي، وقد مَرَّ عَلَيْنَا أَنَّ العبودية تَنْقَسِمُ إِلَى اثْنَيْنِ: عبودية عامَّة: وهي الخُضوع للأمر الكوني، وهي شَامِلَةٌ لِجمِيعِ الخَلق، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣].

стр. 365

عبودية خاصَّة: وهي الخضوع للأمر الشرعي، مِثْل قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، وهذه خاصة بالمؤمنين. فالعُبودية المرادة فِي الآيَةِ هِيَ العُبودية العامَّة؛ لأن بَسْطَ الرزق وتَضْيِيقَه يكون للمؤمن، ولِغَيْرِ المؤمن. وَفي قَوْلِه: ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ دَليلٌ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الْخَلْقِ فِي قَبْضَتِهِ ، وَأَنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونه. وعليه؛ فإننا إِذَا كُنَّا باللَّه، ومع اللَّه، فلا نهابُ أَيَّ قُوَّةٍ فِي الْعَالَمِ، لأَنَّنا نعلم أَنَّ كُلَّ مَا فِي الكون خاضِعٌ للَّهِ تعالى. وقوله: ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يُضيِّق عَلَى مَنْ يَشَاءُ، أي: يَجْعَلُهُ عَلَى قَدْرٍ مُعَيَّن، قَالَ اللَّهُ : ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧]، فهنا ﴿وَيَقْدِرُ﴾ بمعنى: ضُيِّقَ عَلَيْهِ حَتَّى صَارَ عَلَى قَدْرِ كفايته، أَوْ عَلَى أَقَلَّ أيضًا، فَاللَّهُ تعالى لَهُ الحُكْمُ فِي بَسْطِ الرزق وتَضْيِيقِه. فَمِنَ النَّاسِ مَنْ أفسَدَهُ الغِنى، مِثل قارون، وَمِنْهُمْ مَنْ يُفْسِده الفقر، قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج: ١١]، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ إِذَا افْتَقَرَ بَعْد الغِنى أَبَى أَنْ يَتَحَمَّلَ مَا نَزَلَ بِهِ، فيكفُر باللَّه، وَمِنْهُمْ مَنْ ينتحر. قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [(وَيْ) اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى أَعْجَبُ، أَيْ: أَنَا، وَ (الْكَافُ) بِمَعْنَى (اللَّامِ)]. إذن: هُوَ اسْمُ فعلٍ مُضارع، بمعنى: أَعْجَبُ.

стр. 366

وقوله: [أَيْ: أَنَا]، يعني أن ففاعِلَه ضميرٌ مُستتر وُجوبًا، تقديره: أنا. وقوله: [وَ (الْكَافُ) بِمَعْنَى (اللَّامِ)]، أي: لِأَنَّ اللَّامَ هُنَا بِمَعْنَى التَّعلِيل، أي: أعجب لِهَذَا الْأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ، أي: أَعْجَبُ لِعَدم صلاحِ الكافرين. فقوله: ﴿وَيْكَأَنَّهُ﴾ مُركَّب مِنْ أَرْبَعٍ كلمات، لا أربعةِ حُروف، وهي: (وَيْ) اسمُ فِعْل، و (الكاف) بمعنى اللام للتَّعلِيل، و (أنَّ) حرفُ توكيدٍ، و (الهاء) اسمُها. وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يجوز الْوُقُوفُ عَلَى (وَيْ)، فتقول مثلًا: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ ويَ﴾، ثم تقرأ: ﴿كَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾. وَقَالَ بَعْضُهُم: إنَّ (وَيْ) اسمُ فعلٍ مضارع، و (الكاف) حرف خطاب، وليست حَرْف جَرٍّ، ولا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعراب؛ لِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ فاعلُه مُستتر تقديرُه: أنا. وَعَلَى هَذَا، يكون أنَّه حرفُ توكيد، والجُملة التَّعلِيلية عَلَى تَقْدِيرِ اللام، فَقَوْلُهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، فهنا فتح الهمزة؛ لأنها تعليلية، هذان إعرابان. والإعراب الثالث: (وي) اسمُ فِعلٍ مضارع بمعنى: أَعْجَبُ، و (كأنَّ) حرفُ تشبيه، والمراد بهذا التَّشبِيه التحقيقُ، كما تقول للإنسان: كأنك فاهِمٌ، أي: إنه فاهم، كذلك: كأنه لا يُفلح، أي: أعجب، كأنه لا يفلح الكافِرُون، أي: إن الأمر حق لا يفلح الكافِرُون. فـ (كَأَنَّ) للتَّشبِيه إذا دخلت على اسمٍ جامِد، وللضَمِّ، أو للتحقيق إذا دخلت على مُشْتَقٍّ. وقوله تعالى: ﴿لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ الفلاح هُوَ الْفَوْزُ بالمطلوب، وَالنَّجَاةُ مِنَ

стр. 367

المرفوض، وَهِيَ كَلِمَةٌ مَنْ أَجْمَعَ الكلمات. وقوله: ﴿الْكَافِرُونَ﴾ أي: الكافرين باللَّه ، وَكُلُّ مَا أُطْلِقَ الكفرُ فَالمُرَادُ بِهِ الْكُفْرُ بِاللَّهِ، أَمَّا إِذَا قُيِّد فهو بِحَسَبِ مَا قُيِّد به، فَقَوْلُهُ تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، هنا قَيَّد الكفرَ بالطاغوت، لَكِنْ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَكُونُ الكُفر باللَّه، فَكُلُّ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ بأيِّ نَوْعٍ مِن أَنْوَاعِ الْكُفْرِ، سَوَاءٌ كَانَ كُفْرَ تكذيب، أَوْ كُفْرَ استِكْبار؛ فَإِنَّهُ لَا يُفْلِحُ. إِذَا قَالَ قَائِلٌ: أَلا يُشْكِلُ عَلَى هَذَا مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْكُفْرِ مِنَ النَّعِيمِ، والتَّرَف فِي الدُّنْيَا؟ نقول: لَا يُشْكِلُ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُفلحوا، حتى وإِنْ نُعِّموا فِي الدُّنْيَا، فلا يُفيدهم النعيم، وهُم إذا ماتوا انتقلوا إِلَى الْجَحِيمِ، فهذا النَّعِيمُ فِي الْحَقِيقَةِ يكون وبالًا عليهم؛ لأنه يتحول بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى عَذَابٍ. ولهذا إذا عُذِّب أَحَدٌ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ ينتحر، ويتخلص مِن التزامه إلى راحةٍ. عَلَى كُلِّ حَالٍ: هُوَ لَا يَفرح، بل يزداد شقاءً، لكن المقصود أَنَّهُ إِذَا انتقل مِنْ هَذَا النعيم إِلَى عَذَابِ الجحيم، صَارَ هَذَا أشدَّ وأَنْكَى، وأعظمَ عليه، وأبلغَ حَسْرةً، فَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ لَمْ يفلحوا. وهُم ما استفادوا مِن وقتهم فِي الدُّنْيَا شيئًا، بل خَسِرُوه، قَالَ : ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: ١ - ٣]. قَوْلُه تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [بِالْبِنَاءِ

стр. 368

لِلْفَاعِلِ وَالمَفْعُولِ] (١). قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ﴾ لَوْلَا شَرطية، وَهِيَ حَرْفُ امتناعٍ لِوُجُودٍ، فقد امتنع الخسف لوجود المنَّة، وَمَا بَعْدَهُ يكون مبتدأً، وخبرُه محذوف غالبًا، قَالَ ابْنُ مالك (٢): وَبَعْدَ لَوْلَا غَالِبًا حَذْفُ الخَبَرْ ... . . . . . . . . . . . . . . . . قَوْله: ﴿أَنْ مَنَّ اللَّهُ﴾: ﴿أَنْ﴾ مَصْدَرِيَّة، وقوله: ﴿مَنَّ﴾ فِعلٌ ماضٍ، و (أَنْ) وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ فِي تَأْوِيلِ مصدر مبتدأ، أي: لولا مِنَّةُ اللَّهِ عَلَيْنَا، والخبرُ محذوف تقديره: لولا مِنَّةُ اللَّهِ عَلَيْنَا موجودة، أو واقعة. وَعِنْدِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إن المبتدأ هُنَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى خَبَرٍ أصلًا، فلَا نَقُولُ كَمَا قَالَ النحويون: إنه محذوف، بَلْ نَقُولُ: إِنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ؛ لِدَلَالة الْجَوَابِ عَلَيْهِ، ونقول: هو مبتدأ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى خَبَرٍ، كَمَا قِيلَ فِي الْقَسَمِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ١ - ٥]، إِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى جَوَابٍ، فابن القيم ﵀ فِي كِتَابِهِ مختصر الصواعق المرسلة قال: "وَأَمَّا نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، فَلَيْسَ هُنَاكَ تَقْدِيرٌ أَصْلًا إِذِ الْكَلَامُ مُسْتَغْنٍ بنَفْسِهِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى تَقْدِيرٍ، فَإِنَّ الَّذِي يَدَّعِي تَقْدِيرَهُ قَدْ دَلَّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ بِاللُّزُومِ، فَكَأَنَّهُ مَذْكُورٌ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَدُلُّ بلَازِمِهِ كَمَا يَدُلُّ بِحُرُوفِهِ، وَلَا يُقَالُ لمَا دَلَّ عَلَيْهِ دَلَالَةَ الْتِزَامٍ إِنَّهُ مَحْذُوفٌ" (٣). ونقول: استُغِني عَنْهُ فِي الجُمْلَةِ؛ لأن دَلَالَةَ اللَّفْظِ عَلَى مَعْنَاهُ لَيْسَتْ دَلالة ذاتية،

стр. 369

بَلْ إِذَا كَانَ السياق لَا يُحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرٍ، فلا نُقَدِّر. وقوله: ﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ المنُّ: هو العطاء الَّذِي لَا يرادُ بِهِ المقابلة، أو المكافأة، ولا رَيْبَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُرِيدُ مِن عِباده أَنْ يُكافئوه؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ حاولوا المكافأة ما استطاعوا، قَالَ تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، وقوله: ﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾ كما خَسَفَ بقارون، ولكن مِنَّةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ منعت ذلك، فرَجَعُوا إِلَى الصَّوَابِ، وعرفوا أَنَّ أَمْوَالَ قارونَ لَمْ تُغْنِ عَنْهُ شَيْئًا. يقول المُفَسِّرُ ﵀: ﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾ [بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَالمَفْعُولِ] أي: قراءتان سَبْعِيَّتَان: ﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾ و"لَخُسِفَ بِنَا"، وعلى قراءة ﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾ أي: لَخَسَفَ بنا كما خَسَف بقارون، وعلى قراءة: "لَخُسِفَ بِنَا"، فَإِنَّ المُرَادَ خَسَفَ اللَّهُ لَا شَكَّ، لكنهم قَالُوا ذَلِكَ تأدبًا، فلم يَنْسِبُوا الخَسف إِلَى اللَّهِ، بل بَنَوْه للمفعول؛ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَنْسِبُوا الخَسْفَ إِلَى اللَّهِ، كقول الجِنِّ: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠]، فهم يعرفون أَنَّ الَّذِي يُرِيدُ ذَلِكَ كُلَّهُ هُوَ اللَّهُ، لَكِنْ لمَّا تكلَّموا عَنِ الشَّرِّ لم يَنسِبُوهُ إِلَى اللَّهِ، وَهَذَا مِنَ الْأَدَبِ فِي اللَّفْظِ. فاللَّه يترك الْأَمْرَ عَلَى حَقِيقَتِهِ؛ إظهارًا لِعَظَمَتِه، لكن العباد يتأدّبون بالأدب، فلا يَنْسِبُونَ إِلَى اللَّهِ تعالى الشرَّ، ولا الخَسْفَ، ولا الأخذَ. أَمَّا كونُ اللَّه يَنْسِبُ ذَلِكَ إِلَى نَفْسِهِ، فهذا إظهارٌ للعَظَمَة، ولضعف هَؤُلَاءِ المُعَذَّبِينَ. قَوْلُه ﵎: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [لِنِعْمَةِ اللَّهِ كَقَارُونَ]. وقد تَقَدَّم الْكَلَامُ عَلَى إعراب: ﴿وَيْكَأَنَّهُ﴾.

стр. 370

من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: أَنَّ الَّذِينَ تَمَنَّوا مِثْلَ مَا أُوتِي قارونُ عَرَفُوا أَنَّ مَا أُوتيَهُ ليس لكونه أَهْلًا لَهُ، بل لِأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لمِنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ويَقْدِرُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ لَهُمْ فِي الجَوَابِ: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾، وهنا تَبَيَّنَ لَهُمُ أَنَّهُ لَيْسَ لهذا السبب، وَلَكِنْ لِأَنَّ اللَّهَ تعالى بِيَد الأمرُ، فقال: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بَيَانُ أَنَّ تَمَنِّيَ مَتَاعِ الدُّنْيَا لَا بُدَّ أَنْ يَتبَيَّنَ للمرء أنه تَمَنٍّ لَا حَقِيقَةَ لَهَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يزول، فهؤُلاءِ الذين تمَنَّوْا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قارون لمَّا زَالَ، وخُسِف به عرفوا أَنَّ هَذَا التَّمَنِّيَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، وأنَّ حقيقة الْأَمْرِ أَنْ يتمنى الْإِنْسَانُ مَا فِيهِ ثَوَابُ الآخِرَةِ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثباتُ مَشِيئَةِ اللَّهِ؛ لقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثبات حِكْمَتِهِ فِي بَسْطِ الرزق وتضييقه: يَبْسُط ويَقْدِرُ، وهذا تابع لحِكْمَتِه . الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: اعتراف هؤُلاءِ المُتَمَنِّينَ بِمِنَّة اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهمْ: ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾، فهنا عرفوا مِنَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ؛ حَيْثُ لَمْ يُعْطِهِمْ مِثْلَ مَا أَعْطِى قارونَ، فيكون مآلُهم كَمَآلِه، فتبَيَّنَ لَهُمْ بِذَلِكَ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّهُ لَا فَلاح للكافر، ويتضح هذا مِن قولِه: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، ونأخذ مِنْ ذَلِكَ إِثْبَاتَ عكسه للمؤمنين، فَإِنَّ لَهُمُ الفلاحَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. * * *

стр. 371

الآية (٨٣) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]. * * * قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ﴾ أَي الْجَنَّةُ ﴿نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ بِالْبَغْي ﴿وَلَا فَسَادًا﴾ بِعَمَلِ المَعَاصِي ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ المَحْمُودَةُ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ عِقَابُ اللَّهِ بِعَمَلِ الطَّاعَاتِ]. قوله: ﴿تِلْكَ﴾ مبتدأ، وَهُوَ اسْمُ إشارة، وقوله: ﴿الدَّارُ الآخِرَةُ﴾ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ صِفة لـ ﴿تِلْكَ﴾، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ خبرًا، وقوله: ﴿الآخِرَةُ﴾ يعني: بذلك الجَنة؛ لِأَنَّهَا هِيَ الدَّارُ الآخِرَةُ. فالإنسانُ له دُورٌ أَرْبَعٌ: الدَّارُ الأولى بَطْنُ أُمِّهِ، والثانيةُ الدُّنيا، والثالثة البَرْزَخ، والرابعة الآخِرَة، وَهِيَ الَّتِي لَيْسَ بَعْدَها دَارٌ، ولهذا وُصِفَت بأنها آخِرَةٌ، ليس بعدها شيء. قَوْلُه تعالى: ﴿نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ﴾ بالنسبة لإعراب كلمة: ﴿نَجْعَلُهَا﴾، إنْ أَعْرَبْنَا: ﴿الدَّارُ﴾ صفةً، فجُملة: ﴿نَجْعَلُهَا﴾ خَبَرٌ، وإِنْ أَعْرَبْنا: ﴿الدَّارُ﴾ خَبَرًا، فجُملة: ﴿نَجْعَلُهَا﴾ حَالٌ مِن: ﴿الدَّارُ الآخِرَةُ﴾، والضَّمير فِي قَوْلِهِ: ﴿نَجْعَلُهَا﴾ يَعُودُ إِلَى اللَّهِ ، وأتى بضمير الجَمع تَعْظِيمًا لَهَ.

стр. 372

قوله: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [بِالْبَغْيِ، ﴿وَلَا فَسَادًا﴾ بِعَمَلِ المَعَاصِي]. وَهَذَا الْكَلَامُ خلافًا لقارُونَ وأمثالِه، فالدَّار الآخرةُ لِلَّذِينَ لَا يُريدون عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ، والعُلُوُّ هنا سَوَاءٌ كَانَ عُلُوًّا عن أَوَامِرِ اللَّهِ، أو عُلُوًّا على عِبَادِ اللَّهِ، فالذين لا يريدون العُلُوَّ إِنَّمَا يُرِيدُونَ الذُّلَّ للَّه، والذُّل للعباد عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يرضاه اللَّه، هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ لهمُ الدَّارُ الآخِرَةُ، فَمَنْ أَرَادَ العُلُوَّ عَلَى الْخَلْقِ، كَانَ ذَلِكَ بِمَالِهِ، أَوْ بِعَشِيرته، أو بِقُوَّتِه البَدَنِيَّة، أو بِعِلْمِه، أو بسُلْطَان، فَإِنَّهُ لَا حَظَّ لَهُ فِي الآخِرَةِ عَلَى حَسَبِ مَا عِنْدَهُ مِنْ إِرَادَةِ العُلو. وقوله: ﴿وَلَا فَسَادًا﴾ الفساد -كَمَا يَقُولُ المُفَسِّرُ ﵀: [بِعَمَلِ المَعَاصِي]؛ فَإِنَّ عَمَلَ العاصي فسادٌ فِي الْأَرْضِ، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]. والْفَرْقُ بَيْنَ الصفتين: أَنَّ الْأَوَّلَ مستكبر مُتَعَالٍ فِي نَفْسِهِ، والثانيَ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ عَلَى العكس، ولكنه يريد المعاصي، يريد -مثلًا- الفُجور، يريد السرقة، يريد قَطْعَ الطَّرِيقِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وكلتا النِّيَّتَيْن باطلة: إرادةُ العُلو، وإرادةُ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، فَمَنْ لَمْ يُرِدِ العُلو، ولا الفَساد هُوَ الَّذِي تَكُونُ لَهُ الدَّارُ الآخِرَةُ. قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ المَحْمُودَةُ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ عِقَابَ اللَّهِ بعَمَلِ الطَّاعَاتِ]. العاقبةُ هِيَ النَّهَايَةُ، التي تعقُب مَا سَبْقَهَا، وهذه للمتقين، فَمَنْ كَانَ مُتَّقِيًا للَّهِ فالعاقبةُ لَهُ فِي كُلِّ حَالٍ، ولكنها تَكُونُ لَهُ باعتبار شخصه وعمله أحيانًا، وَتَكُونُ لَهُ باعتبار عمله دُون شخصه.

стр. 373

ولنفرض -مثلًا- أَنَّ هَذَا الإنسانَ المُتَّقِيَ قام بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ تَقْوَى اللَّهِ ، وَدَعَا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ، لكنه تُوفي قَبْلَ أَنْ تَتِمَّ له المهمة، فهل نَقُولُ إِنَّهُ لَمْ تتحقق له العاقبة، فَقَدْ مَاتَ. ولكن العاقبة لِعَمَلِهِ الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ، فَلَا بُدَّ أَنْ ينجح، وَلَوْ بَعْدَ وَفَاةِ العامل، فالإنسان المُتَّقِي للَّهِ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ العاقبة له، حَتَّى لَوِ اعتَدَى عَلَيْهِ مَنْ يعتدي، فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ له، قَالَ تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، فالعاقبة للمتقين بِكُلِّ حَالٍ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: إثباتُ الجزاء يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ لقوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: مَدْحُ مَنْ لَا يُرِيدُ العُلو فِي الْأَرْضِ، وَلَا الفساد، وَهُوَ أَعْظَمُ مِنْ مَدْحِ مَنْ لَا يَعْلُو، وَلَا يُفْسِدُ. ووَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ انتفاءَ الإرادة يَلْزَمُ مِنْهُ انتفاءُ الفِعل، أما انتفاء الْفِعْلِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ انتفاء الإرادة، فقَدْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ العُلو والفساد، وَلَكِنْ لَا يَعْلُو، وَلَا يُفْسِدُ؛ لعدم تَمكُّنه، أو لَسَبَبٍ مِنَ الأسباب، أَمَّا الَّذِي لَا يُرِيدُ، فهو أكمل. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ النِّيَّةَ لها أثرٌ؛ لقوله: ﴿لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ والإرادة بمعنى النِّية. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: ذَمُّ مَنْ يُرِيدُ العُلو والفَساد، سواء علَا وأفسد، أَوْ لَمْ يَعلُ ويُفسد؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي الجنَّةِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يريدون عُلوا ولا فسادًا، وَهَذَا مَدْحٌ لهم بلا ريبٍ؛ فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ فهو مذموم، سواء تَمَكَّنَ مِنْ تنفيذ إرادته أَمْ لَمْ يَتَمَكَّنْ.

стр. 374

الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّ المَعَاصِيَ سببٌ للفساد، تُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَلَا فَسَادًا﴾؛ لأنَّنا نعلم انَّ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ليس مَعْنَاهُ أَنْ يَأْخُذُوا المَعَاوِل والمناشِر، ويقطعوا الأشجار، ويهدموا البيوت، بَلِ المَعْنَى أَنَّهُمْ يفعلون أفعالًا تُوجِب الفساد. ويُفسر ذَلِكَ قَوْلُه تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: فضيلةُ التقوى، تُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّ العاقِبَةَ تكون للمُتقين، وَهِيَ لَيْسَتْ كَمَا قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ المَحْمُودَةُ]، بَلْ هِيَ أَعَمُّ مِن هذا، فالعاقِبَة فِي الدُّنْيَا بِأَنْ يَكُونَ النصر لَهُ فِي آخِرِ الأمر، والعاقبة فِي الآخِرَةِ بِأَنْ تَكُونَ الدَّارُ الآخِرَةُ هِيَ الجنة لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، فالعاقبة أَعَمُّ مِمَّا قال المُفَسِّرُ ﵀، حَتَّى فِي الدُّنْيَا، إِذَا تقابَلَ المتقون والفُجار، فالنهاية للمتقين. * * *

стр. 375

الآية (٨٤) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [القصص: ٨٤]. * * * قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ ثَوَابٌ بِسَبَبِهَا، وَهُوَ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا﴾ جَزَاءَ ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أَيْ مِثْلَهُ]. قوله: ﴿مَنْ جَاءَ﴾: ﴿مَنْ﴾ شَرطية، وهي تَعُمُّ كُلَّ مَنْ جَاءَ، وقوله: ﴿بِالْحَسَنَةِ﴾ الباء للمُصاحَبة، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ للتَّعْدِية، والمعنى: أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا أَتَى بالحسنة مصطحبًا لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ فَإِنَّ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا، ولكن كيف ذلك؟ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [ثَوَابٌ بِسَبَبِهَا، وَهُوَ عَشْرُ أَمْثَالِهَا] ولكن لا تتوقف عِنْدَ هَذَا الْعَدَدِ فقط، بل تَصِلُ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وإلى أضعافٍ كثيرة، وَاللَّهُ ﵎ يُضَاعِفُ لمِنْ يَشَاءُ، فالإنسانُ إِذَا جَاءَ بِالْحَسَنَةِ، فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا بلا رَيْب، قال النبي ﵊: "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنةً كامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتبَهَا اللَّهُ لَهُ

стр. 376

سَيِّئَةً واحِدَةً" (١). قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ إِلَّا جَزَاءَ ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: مِثْلَهُ]، أي: مَنْ جَاءَ بالسيئة يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُجزى إلا مِثْلَهَا، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: إِلَّا جَزَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، لَا يُزَادُ عليهم. وَفي قَوْلِه: ﴿وَمَنْ جَاءَ﴾ فِي المَوْضِعَيْنِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ المَدَار على مجيء الإنسان بذلك، لَا عَلَى عَمَلِهِ، فقد يَعمل الحَسَنة، ثُمَّ يَرِدُ عَلَيْهَا مَا يُبطلها، فمثلًا: هناك إنسانٌ عَمِل صدقة، ثم مَنَّ بِهَا، أو آذى مَنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ، فَلَا تَكُونُ هَذِهِ صَدَقَةً، وتَبْطُل، ولا يُثاب عَلَيْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وإنسانٌ آخَر عَمِل سيئة، لكنه تابَ منها، فذهبت السيئة، فلَا يَأْتِي بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وقارون طغى فِي الْأَرْضِ وعَلا، ولم يَتُبْ، فعاقَبَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى صَارَ نازلًا بعد أن كان عاليًا. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: جزاء الحسنة خَيْرٌ مِنْهَا بالكَمِّية والكيفية، أما الكَمِّية فالحسنة بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وأما الكيفية، فَإِنَّ جَزَاءَ الحسنة دائم، وفِعل الحسنة ليس بدائم، فالفِعل ينتهي بموت الإنسان، وَلِهَذا قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧].

стр. 377

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَيْسَ المدار عَلَى عَمَلِ الحسنة، بل المدار عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بالحسنة؛ لقوله: ﴿مَنْ جَاءَ﴾، فقد يعمل الإنسان الحسنة، ولكن يأتيها ما يبطلها، فالمدار عَلَى أَنْ يَأْتِيَ الإنسان يَوْمَ الْقِيَامَةِ بالحسنة، لَا عَلَى أَنْ يفعلها. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ السيئة لا تُضاعَف، نأخذه مِنْ قَوْلِهِ تعالى: ﴿إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّ عَدمَ مُضاعفة السيئة عَامٌّ فِي مَكَّةَ، وَفِي غَيْرِهَا، ووجهه أَنَّ الآيَةَ عَامَّةٌ، لَيْسَ فِيهَا استثناء، ثُمَّ إِنَّ سُورَةَ القصص مَكِّيَّة نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وَالآيَةُ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، ولم يُستثنَ شيء. وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: "لَا أُقِيمَ فِي بَلَدٍ حَسَنَاتُهُ كَسَيِّئَاتِهِ". فَهَذَا بَاطِلٌ، لَا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ هَذَا الْقَوْلِ. لكن السيئة فِي مَكَّةَ تُضاعَف، لَا مِنْ جِهَةِ الكَمِّية، وَلَكِنْ مِنْ جهة الكيفية، فتكون عُقوبتُها أَشَدَّ وأَبْلَغَ إيلامًا. فالسيئةُ لَا تَكُونُ عَشْرَ سيئاتٍ، لكنْ جزاؤها يَكُونَ أَشَدَّ، وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: التنديدُ بعامِل السيئات، أي: الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ لَمْ يَقُلْ: ﴿فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾، كَمَا قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى، وَلَكِنْ قَالَ: ﴿فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا﴾، فهذا تنديدٌ بِهمْ، وبيانٌ لاستحقاقهم ما يسوؤهم مِنَ الْعَذَابِ، كَأَنَّهُ قَالَ: لِأَنَّهُمْ عَمِلُوا السيئات

стр. 378

يُجزون سيئة، فَهَذَا لَا شَكَّ أنه تَبْكِيتٌ، وتَنْدِيدٌ بهم؛ لِعَمَلِهِمُ السيئات. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ ثَوَابَ اللَّهِ دائرٌ بين العَدل والفَضل، وهذان قِسمان، ثالثُهما: الجَوْر. الفَضل بالنسبة للمحسنين، كَمَا قَالَ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾، والعَدْل بالنسبة للمُسيئين، كَمَا قَالَ: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. أما الجَوْرُ، فهذا مُمْتَنِعٌ فِي حَقِّ اللَّهِ، قَالَ تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]، فجزاءُ اللَّهِ تعالى دائِر بين الفضل والعدل. إذن: فهو محمود عَلَى كُلِّ حَالٍّ؛ لأنه إمَّا عَدْلٌ، وإِمَّا فَضْلٌ. * * *

стр. 379

الآية (٨٥) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [القصص: ٨٥]. * * * قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ أنزَلَهُ ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ إِلَى مَكَّةَ وَكَانَ قَدِ اشْتَاقَهَا ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ نَزَلَ جَوَابًا لِقَوْلِ كُفَّارِ مَكَّةَ لَهُ: إِنَّكَ فِي ضَلَالٍ، أَيْ فَهُوَ الْجَائِي بِالْهُدَى، وَهُمْ فِي ضَلَالٍ، وَأَعْلَمُ بِمَعْنَى عَالِمٍ]. قَوْلُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ﴾ وَهُوَ اللَّهُ، وهذا وعدٌ محقَّق ببيان الشاهد ليُقاس عليه الغائب؛ فَإِنَّ فَرْضَ الْقُرْآنِ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ ثابتٌ محقَّق، وَرَدَّهُ ﴿إِلَى مَعَادٍ﴾ موجود، وليس مشهودًا، فَأَرَادَ أَنْ يُحَقِّقَ الموجودَ بالمشهودِ. قَوْلُه تعالى: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ هنا لَمْ يَقُلْ ربنا : (إِنَّ اللَّهَ رادُّكَ إلى مَعاد)، بَلْ قَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾؛ لأن فَرْضَ الْقُرْآنِ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ مُتيقَّن، فأراد أَنْ يُثبت الموجود بالمشهود؛ فَإِنَّ فَرْضَ القرآن مشهود معلوم، وَرَدَّهُ إِلَى مَعَاب موجودٌ غيرُ مشهود، ولكنه حَقَّقَ ذلك الموجودَ بالمشهود. قال المُفَسِّرُ ﵀ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾: [أَنْزَلَهُ]، وَهَذَا أَحَدُ

стр. 380

التفسيرين فِي الآيَةِ، وقيل: ﴿فَرَضَ﴾ بمعنى: أوجب عَلَيْك الْقُرْآنَ، أي: أوجب عليك تِلاوته وتبليغه وَالْعَمَلَ بِهِ. أي: إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ في الْقُرْآنِ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ: أَنْ يَتْلُوَهُ، وأَنْ يُبَلِّغُهُ إِلَى النَّاسِ، وَأَنْ يَعْمَلَ بِهِ. وحينئذٍ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ أي: فَرَضَ عَلَيْكَ تِلاوته، وتبليغه، وَالْعَمَلَ بِهِ. وَهَذَا التَّفْسِيرُ أَقْرَبُ إِلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ بمعنى الإنزال نادِرٌ وُجُودُهُ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، لكن الفَرْضُ بمعنى الإلزام كَثِيرٌ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، قَالَ تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، وقال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ" (١)، فهنا فَرَضَ بمعنى: أَلْزَمَ وَأَوْجَبَ. وَقَوْلُهُ: ﴿لَرَادُّكَ﴾ اللامُ هنا للتوكيد، و (رَادُّ) خَبَرُ (إِنَّ)، والمعنى أي: لمُرْجِعُك. وقوله: ﴿إِلَى مَعَادٍ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [إِلَى مَكَّةَ، وَكَانَ قَدِ اشْتَاقَهَا]، فَعَلَى قَوْلِ المُفَسِّر ﵀: إِنَّ الَّذِي أنزَلَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَا بُدَّ أَنْ يُعيدك إِلَى مَكَّةَ، فتفتَحَها، كَمَا أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ عليك فيها. وَهَذَا مَعْنَى كلام المُفَسِّر ﵀، فيكون المَعاد مكة، أي: مكان العَوْد، أي: مكان الرجوع، وأنك سوف تَرْجِعُ إِلَى المَكَانِ الَّذِي أُخرجتَ منه، فَيَكُونُ فِي هَذِهِ

стр. 381

الآيَةِ وَعْدٌ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَفْتَحَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ، وأَنْ يَعُودَ إِلَيْهَا، قال ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: " ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قَالَ: إِلَى مَكَّةَ" (١). وقيل: إِنَّ المُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ أي: لرادُّك إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فالمراد بالمعاد معادُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَكُونُ المَعْنَى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ، وَأَوْجَبَ عَلَيْك تِلاوتَه، وتبليغَه، وَالْعَمَلَ بِهِ، لم يُنْزِلْه عَبَثًا، بل أَنْزَلَه لِأَمْرٍ يَعُودُ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَكُونُ المُرَادُ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ لتجزى وتسأل: هل بَلَّغْتَ أَمْ لَمْ تُبْلِّغْ؟ قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦ - ٧]. وَهَذَا المَعْنَى أَقْرَبُ مِمَّا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْهُ أَيْضًا، فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ هَذَا المَعْنَى، ويُقَرِّبُه أَنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، فَإِذَا كَانَتْ مكية، فَكَيْفَ يُقَالُ لَمِنْ فِي مَكَّةَ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ أي: إلى مكة؟ ! وَأَيْضًا هُوَ أنسبُ بالنسبة لصَدْرِ الآية، فقوله: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ هَذَا الْفَرْضُ لَمْ يَكُنْ عَبَثًا، بَلْ لَهُ يَوْمٌ يُعاد فيه الناسُ، ويسألون عنه، ويُجازون فيه. وَهَذَا الْقَول هُوَ الصَّوَابُ، وما قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ لَهُ وَجْهٌ، لكنه بَعِيد. فيكون مَعْنَى قَوْله: ﴿إِلَى مَعَادٍ﴾ أي: إِلَى مَكَّةَ، فيكون إِشَارَةً إِلَى فَتْحِ مَكَّةَ، وعلامةً عَلَى قُرْبِ أَجَلِ النَّبِيِّ ﷺ ، وقُرب الأجَل معناه الموتُ، ثم البعث. قَوْلُه تعالى: ﴿قُلْ رَبِّي﴾ الرُّبوبية هنا خاصَّة، أي: رَبِّي الَّذِي أرسلني ﴿أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ﴾، أي: يَعْلَمُ مَنْ هو آتٍ بالهُدى، وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ

стр. 382

مُبِينٍ، هَلْ هُوَ الرَّسُولُ، أو غيرُه، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، فاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: إِنَّ ﴿أَعْلَمُ﴾ بمعنى: (عالِم). قوله: ﴿أَعْلَمُ﴾ اسمُ تفضيل، وقولُه: ﴿مَنْ﴾ اسمٌ موصول، وإعرابهما فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: الإعراب الأول: هو مآلُ كلامِ المُفَسِّر ﵀، وَهُوَ أَنَّ ﴿أَعْلَمُ﴾ بمعنى: عالِم، و ﴿مَنْ﴾ مَفْعُولٌ بِهِ. الإعراب الثاني: أَنَّ ﴿أَعْلَمُ﴾ اسمُ تفضيل عَلَى بَابِهِ، و ﴿مَنْ﴾ مَفْعُولٌ بِهِ لاسم التفضيل، وهذا رأيُ الكوفيين. الإعراب الثالث: أَنَّ ﴿مَنْ﴾ مَفْعُولٌ بِهِ لِفعلٍ مَحذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السياق، والتقدير عِنْدَ مَنْ قَالَ بِهَذَا الرأي: قل ربي أعلمُ يَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بالهدى، فيجعلون ﴿مَنْ﴾ مفعولًا لِفِعل محذوف تقديره: يَعْلَم، وَهَذَا تَقْدِيرٌ مُطلق. فالآراء إذن ثلاثة، والقاعدة عِنْدِي أَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّون فِي شَيْءٍ أخذنا بالأسهلِ، وأَسْهَلُ هذه الآراء رأيُ الكوفيين؛ لأن الكوفيين لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى تَقْدِيرٍ وَلَا غَيْرِهِ، لا تقدير (يَعْلم)، ولا تأويل ﴿أَعْلَمُ﴾ بمعنى: عالم، يقول: ﴿أَعْلَمُ﴾ اسم تفضيل، و ﴿مَنْ﴾ مَفْعُولٌ بِهِ، فهو مَفْعُولٌ بِهِ لـ ﴿أَعْلَمُ﴾ مباشرةً. وَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾، الهدى المُرَادُ بِهِ الْعِلْمُ النافع، والذي جاء بالهدى هو النَّبِيِّ ﷺ . وقوله: ﴿وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: وَأَعْلَمُ مَن هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، وَلَمْ يَقُلْ:

стр. 383

مِمَّنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ، وأتى بـ (في) الدَّالَّةِ عَلَى الظرفية، كَأَنَّ هَذَا مُنغمس فِي الضَّلَالِ، والضلالُ محيط بِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ إحاطةَ الظرفِ بالمظروف، كَمَا تَقُولُ: (المَاءُ فِي الْإِنَاءِ)، و (الإناء محيط بِالمَاءِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ)، كَمَا قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، فهنا الضلال محيط بهؤُلاءِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. وقوله: ﴿مُبِينٍ﴾ بمعنى: بَيِّن، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا أَنَّهُ قَالَ: بان الفَجْرُ وأبانَ الفَجْرُ، بمعنى: ظَهَر، كأنَّ الرُّباعي مِثل الثلاثي، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ ﴿مُبِينٍ﴾ مِن الرُّباعي، لكنه بمعنى الثلاثي، أي: بَيِّن. ولَمْ يَقُلْ: (أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بالهدى، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ)، لِأَنَّهُ لَا وَاسِطَةَ بين الهدى والضلال، فالأمر إما هُدًى، وإما ضَلال، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]، وقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. فليْسَت هُناك وسطٌ بيْن الهُدَى والضَّلال، فلَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ لَا مهتديًا ولا ضالًّا، بَلِ النَّاسُ كُلُّهُمْ إمَّا مُهْتَدٍ، وإمَّا ضَالٌّ، قَالَ تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [التغابن: ٢]، فالأمر دائر بَيْنَ شَيْئَيْنِ كِلاهما قَسِيمٌ للآخَر، وهما الهدى والضلال؛ لِأَنَّهُ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا. يَقُولُ المُفَسِّرُ ﵀: [نَزَلَ جَوَابًا لِقَوْلِ كُفَّارِ مَكَّةَ لَهُ: إِنَّكَ فِي ضَلَالٍ، أَيْ فَهُوَ الجْائِي بِالْهُدَى، وَهُمْ فِي ضَلَالٍ، وَ ﴿أَعْلَمُ﴾ بِمَعْنَى عَالِمٍ]. واحتمال مَا قَالَهُ المُفَسِّر ﵀ صحيح؛ بِأَنَّهُمْ قَالُوا هكذا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، وَيَحْتَمِلُ أنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ سَبَبَ النزول لَا بُدَّ أَنْ يَثْبُتَ بدليلٍ صحيح، أمَّا مُجَرَّد

стр. 384

أَنْ نَفْهَمَ مِن السياق أَنَّهُمْ قَالُوا، وَقِيلَ لهمْ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ سَبَبَ النزول أمرٌ منقول، والأمر المنقول لَا يُمْكِنُ أَنْ يستنتجه الإنسان بعقله. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: وُجوب تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَالْعَمَلِ بِهِ، وتبليغِه عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثباتُ البَعث فِي قَوْلِهِ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَّةُ: الحِكمة مِنْ إِنْزَالِ القرآن، وهو المُجَازَاةِ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَه: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ﴾ كأنه عِلَّة ومعلولها، كأنه إِنَّمَا فَرَضَ الْقُرْآنَ مِنْ أَجْلِ المُجازاة عليه. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: دوامُ قُدْر اللَّهِ عَلَى البَعث، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثباتُ عِلم اللَّهِ، وأنه أكملُ العُلوم، فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾، وأن ﴿أَعْلَمُ﴾ اسم تفضيل، وأحسن أَنْ يَكُونَ أفضل العلوم. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّهُ مَا عَدَا الهدى فهو ضلال؛ لقوله: ﴿أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، وَأَنَّهُ لَيْسَ ثَمَّةَ واسطةٌ بين الهدى والضلال، وذكرنا آياتٍ شواهدَ لِهَذَا الْأَمْرِ، مِثْل قَوْلِهِ تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]، وَمِثْلَ قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، وهذا المثال -في الحقيقة- تتبين بِهِ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ التبست عَلَى بَعْضِ الناس. فمَثلًا: ما نُشِر فِي الصُّحُفِ هَذِهِ الأَيَّامَ مِنْ أَنَّ الأشعرية هُمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ والجماعة!

стр. 385

ونحن نسأل: هل قولُ الأشعرية هُوَ قَوْلُ السَّلَفِ؟ والجواب: لا؛ لأن الأشعرية لَا يُثْبِتُونَ مِنَ الصِّفَاتِ إلا سَبعًا، عَلَى أَنَّ إثباتهم لَها لَيْسَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُرِيدُهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؛ لأنهم يُثبتون -مثلًا- الكلام، ويقولون: إِنَّ الْكَلَامَ هُوَ المَعْنَى القائمُ بالنفس، وَلَيْسَ هُوَ الحرُوفَ وَالْأَصْوَاتَ، وهكذا، فَهُمْ غَيْرُ موافقين للسلف. فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا هُمْ عَلَى الحَقِّ، والسلف عَلَى الضَّلَالِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ السَّلَفُ عَلَى الْحَقّ، وهؤُلاءِ عَلَى الضَّلَالِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ مرتبة متوسطة بَيْنَ هَذَا وذاك؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]. وحينئذٍ يكونون ضالِّين، وَإِذَا ثَبَتَ ضلالُهم، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَبَدًا أَنْ يُقَالَ: إنهم مِنْ أَهْلِ السُّنة والجماعة؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ السُّنة ضَلالًا، وَهَذَا أَمْرٌ غَيْرُ مُمْكنٍ. ولكن يَجِبُ أَنْ نعرف -وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُمْ ضالون فِي الْعَقِيدَةِ- أنه لَا يَلْزَمُ أَنْ نُضَلِّلَهم فِي كُلِّ شَيْءٍ، ونُخْرِجَهم مِنَ السُّنَّةِ وَالْجَماعَةِ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ منهم أئمة، أو منهم علماء كبار لَا شَكَّ أنهم يَتَحَرَّون السُّنَّةَ فِي أُمُورٍ كثيرة، وأنهم مُوَفَّقُون لها أيضًا. فالإنسان يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كلامُه فِي النَّاسِ بالعَدل، والقسطاس المستقيم، فلا يَهضِم أحدًا حَقَّهُ، وَلَا يُعْطِي آخَرَ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ. فالحاصِلُ: أنَّ هناك ميزانًا ذَكَرَهُ اللَّهُ هُنَا، وَفِي آيَاتٍ أُخرى، وهو ميزان واضح جدًّا، وَأَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ إلا حقًّا، أو ضلالًا.

стр. 386

الْفَائِدَةُ السَّابعَةُ: إثبات أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ عَلَى الْهُدَى، مِنْ قَوْلِهِ: ﴿أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾، ومعلوم أَنَّ الَّذِي جَاءَ ووَرَد عَلَى النَّاسِ هُوَ الرَّسُول ﷺ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الجَاهِلِيَّةِ بَاقُونَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ، ما جاءوا بجديد، والَّذِي جَاءَ بجديدٍ هو الرَّسُولُ ﷺ . فَقَوْلُهُ تعالى: ﴿أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ جَاءَ بالهدى، وأن أولئك في ضَلَالٍ مُبِينٍ. * * *

стр. 387

الآية (٨٦) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ [القصص: ٨٦]. * * * قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾ الْقُرْآن ﴿إِلَّا﴾ لَكِنْ ألقِيَ إِلَيْكَ ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا﴾ مُعِينًا ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ عَلَى دِينِهِمُ الَّذِي دَعَوْكَ إِلَيْهِ]. قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو﴾ في رسم المصحف هناك أَلِفُ وَصْلٍ بَعْدَ واوِ المُضارع ﴿تَرْجُونَ﴾، وهي هنا زَائِدَةٌ فِي الرسم، وَلَيْسَتْ عَلَى قَوَاعِدِ الْكِتَابَةِ فِي عصرنا الحالي، فَحَسَبُ قواعدِ الْإِمْلَاءِ لَا تُكْتَبُ إِلَّا إِذَا كَانَتِ الواو للجماعة، مثل: (قالوا)، فتقع الأَلِفُ بَعدها، أَمَّا إِذَا كَانَتْ واو الفعل فَإِنَّهَا لَا تَكْتُبُ، لكن هَذِهِ الْكِتَابَةُ فِي الْقُرْآنِ كَانَتْ عَلَى الرسم العثماني، فيَرْسُمُونه، سَوَاءٌ كَانَ مُوَافِقًا للقواعد الحاضِرة أَمْ لَمْ يَكُنْ موافقًا. قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾ الْقُرْآنُ]. قوله: ﴿يُلْقَى إِلَيْكَ﴾ أي: يُنَزَّلَ عَلَيْكُ، فمَا كَانَ الرَّسُوُل ﷺ يرجو هذا، وَلَا خَطَرَ بِبَالِهِ أنه يُلقى إليه القرآن، فَإِذَا كَانَ لَمْ يَخْطُرَ بِبَالِهِ أَنْ يُلقى إليه القرآن، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ تَعَلَّمَهُ مِنْ غَيْرِهِ؛ لأن المتعلم للشيء مِنْ غَير لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ

стр. 388

عِنْدَهُ أَمَلٌ في الحصول عليه، حَتَّى يَقَعَ فِي أسبابه ويُحَصِّلَه، أَمَّا شخص لَمْ يَكُنْ يرجو ذَلِكَ إِطْلَاقًا، ولم يَخْطُرْ بِبَالِهِ أَنْ يُلقى إِلَيْهِ الْكِتَابُ؛ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِن عنده، بَلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . وقوله: ﴿الْكِتَابُ﴾ نائبُ فاعِل، وَهُوَ الْقُرْآنُ، وكتاب بمعنى مكتوب: ووُصف الْقُرْآنُ بِهِ؛ لأنه مَكْتُوبٌ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، مكتوب بِأَيْدِي المَلَائِكَةِ، ومكتوب بأيدي الناس، فهو مكتوب، وَهُوَ فِي أَيْدِي الملائكة، ومكتوب أَيْضًا، وَهُوَ فِي أَيْدِي النَّاسِ، ودليلُه فِي سُورَةِ عبس: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣ - ١٥]. قَوْلُه تعالى: ﴿إِلَّا رَحْمَة﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [لَكِنْ أُلقِيَ إِلَيْكَ] إشارةً مِنْهُ إِلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ هنا منقطع، وليس متصلًا؛ لأن المتصل أَنْ يَكُونَ المستثنى مِنْ جِنْسِ المُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّحمَة لَيْسَتْ هِيَ الرجاء، وَلَيْسَتْ مِنْهُ، فالرَّسُول ﷺ مَا كَانَ يَرْجُو ذلك، وَلَكِنَّ الْأَمْرَ حصل لمجرد الرَّحمَة. وَأَنَا أَقُول: إِنَّ ﴿إِلَّا﴾ أداة استِثْناء، والاستِثْناء هنا منقطع، ﴿رَحْمَةً﴾ مَنْصُوبٌ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ له، يعني: مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، أي: ولكن أُنزِل لأجل الرَّحمَة، والرَّحمَة هنا لِلرَّسُولِ ﷺ ولغيره، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. قَوْلُه ﵎: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ هنا ذكر الرُّبوبية الخاصة؛ لِأَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ لِلنَّبِيِّ ﵊ بالرِّسالَة رحمة خاصَّة، وأنه أُلْقِي إِلَيْك الْكِتَابَ: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا﴾. قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنّ﴾ لا ناهية، والفِعل بعدها مَبْنِيٌّ عَلَى الفتح؛ لاتصاله

стр. 389

بنون التوكيد، وَهُوَ فِي مَحِلٍّ جزم. والخطاب هنا للرسول ﷺ ، ولكن كيف يُنهَى الرَّسُول ﷺ أَنْ يَكُونَ ﴿ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾؟ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ يقول: إِنَّ هَذَا الخطَابَ للرسول ﵊، وَالمُرَادُ بِهِ الْأُمَّةُ، وَلَكِنَّهُ عَلَى حَدِّ قَوْلِ الشَّاعِرِ (١): . . . . . . . . . . . . . ... إِيَّاكِ أَعْنِي وَاسْمَعِي يَا جَارَةُ وَقَالَ بَعْضُهُم: بل الخطابُ للرسول ﵊ وقالوا: النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الوقوع. فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الوقوع، لكن هَلْ يَلْزَمُ مِنْهُ جواز الوقوع، بمعنى: أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ ﷺ ﴿ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾؟ نقول له: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مستحيلًا، فالنهي عن المستحيل لَهْوٌ. وَالجوَابُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ: الوجه الأول: إِمَّا أَنْ نَقُولَ: إنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَوْلَا تثبيت اللَّهِ لَهُ لَرَكَن إليهم، كَمَا فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٧٤ - ٧٥]. الوجه الثاني: أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الرَّسُول ﵊ قد يَفْعَلُ الشَّيْءَ مِمَّا هُوَ مظاهرة للكافرين، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مُظاهرة، فنهاه اللَّهُ تعالى عَنْهَا؛ لِأَجْلِ أَنْ يَكُونَ

стр. 390

مِنْهَا عَلَى حَذَرٍ، وعلى بُعد مِنْ هَؤُلَاءِ الكافرين. ثُمَّ نَقُولُ أَيْضًا: إِنَّهُ لَوْ جَازَ عقلًا وعادةً، فقد يُنهى عنه شرعًا، فافرِض أَنَّ هَذَا أَمْر قَدْ يَجُوزُ للرسول ﷺ أَنْ يَفْعَلهُ باعتبار العادة، أو باعتبار الحالة البَشرية، لَكِنَّهُ مِنَ الناحية الشَّرْعِيَّةِ لَا يُمْكِنُ، فَيَكُونُ عَائِدًا إِلَى الرَّسُولِ ﷺ باعتبار الحال البشرية الطبيعية، أَمَّا شَرْعًا فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ. قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿ظَهِيرًا﴾ مُعِينًا ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ عَلَى دِينِهِمْ]. الرَّسُول ﵊ مَا كَانَ معينًا للكافرين، لكنه يُنْهَى عَنْ أَمْرٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاقِعًا منه، أو مُتَصَوَّرًا أَنْ يَقَعَ، كَمَا قَالَ تعالى أَيْضًا: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [القصص: ٨٧]، مَعَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُشْرِكَ، ولكنه نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ، فقيل: إن النهي هُوَ نهي لأُمَّته. وقيل: بَلْ إِنَّ النهيَ نهيٌ حقيقي له، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَاقِعًا منه، وَالْفَائِدَة مِنْ ذَلِكَ بَيَانُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ مَا كَانَ يتطلب الرِّسالَة، ولا خَطَرَتْ لَهُ عَلَى بَالِ، نأخذُه مِنْ قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بيان تكذيبِ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، فالكفار يقولون: إِنَّمَا يُعَلِّمُ محمدًا القرآنَ بَشَرٌ، فَلَوْ كَانَ الرَّسُولُ ﷺ يتعلم مِنْ بَشَرٍ، لكان مُتطلعًا لِهَذَا الْقُرْآنِ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ رَحْمَةٌ لِلْخَلْقِ، رحمةٌ فِي
следующие страницы →