Полный текст (403 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ دَليلٌ عَلَى إِثْبَاتِ الأَسْباب، وَذَلِكَ لِأَنَّ (الفاء) هنا سببية، يعني: فبِسَبب ظُلم نفسي، فإني أسألك أن تَغْفِرَ لِي.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾ استجابة اللَّهِ ، وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذه الاستجابة مِنْ صِفَاتٍ؛ لأن الاستجابة تتضمن السمع والعِلم والقُدرة والغِنى، فإذا استجاب اللَّهُ لإنسان فمَعْنَاهُ أنَّهُ كَانَ قَدْ سَمِعَهُ، وعَلِمَ بحاله، وقَدَرَ عَلَى إِعْطَائِهِ سُؤْلَهُ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثباتُ كَرَمِ اللَّهِ؛ لقوله تعالى: ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: جَوازُ التوسُّل إلى اللَّهِ بحالِ الدَّاعي، ويُؤخَذ مِنْ قَوْلِهِ تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾، فالظَّالِم لنفسه مُحْتَاجٌ إِلَى مَن ينصحُه، فهو توسَّلَ إلى اللَّهِ بحال الدَّاعي، وَمنْهُ قَوْلُهُ عَنْ مُوسَى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤].
والتوسُّل إلى اللَّهِ يكون بحالِ الدَّاعي، ويكون بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وكذلك بأفعاله، التي يُنعم بها، وَقَدِ اجْتَمَعَ الْجَمِيعُ فِي تَعْلِيمِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ عندما قَالَ لَهُ: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي؟ قال: "قل: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أنتَ، فَاغْفِرْ لي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" (١).
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثبات أَنَّ الدُّعَاءَ سببٌ، خِلَافًا لمَنْ أَنكَرَ سببيته. стр. 72
فقد يَقُولَ قَائِلٌ: إِنَّ الشَّيْء إِنْ كَانَ قَدْ كُتِب لِي، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى دعاء، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُكْتَبْ لِي، فَلَا فَائِدَةَ مِنَ الدُّعَاءِ.
والجواب عَلَى ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: هو مكتوب لك بالدُّعاء، مكتوب لك بِهَذَا الشَّرْطِ بالدُّعاء، مثلًا لَا يَقُولُ قَائِلٌ: أَنَّا لَا أدعو؛ لأن المكتوب لَا بُدَّ أَنْ يَحْصُلَ، وَمَا لَا يُكْتَبُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْصُلَ. فَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لأَنَّه مكتوب لك بِهَذَا السَّبَبِ.
كما لَوْ قَالَ قَائِلٌ: أنا لن أتزوج، إِنْ كَانَ اللَّهُ قَدَّرَ لِي ولدًا فسيكون، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ قَدَّرَ لي ولدًا، فَلَا فَائِدَةَ مِنَ الزَّوَاجِ. نقول: ولكنه مقدر بالزواج، فَهَذِهِ الْأُمُورُ الغيبية مِثل الأُمُور المشاهدة، كَمَا أَنَّ الْأُمُورَ المشاهدة لَا تَصْلُحُ إِلَّا بفعل الْأَسْبَابِ الَّتِي تُوصِلُ إليها، فكذلك الأُمُور الغائبة لَا تَصْلُحُ.
إذن نقول: لَا تَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا؛ لأَنَّك إِذَا كُنْت مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فإنك سَتَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كُنْت مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فلن تَكُونَ إِلَّا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فيقال: أنت تَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ بعملك.
ولهذا لمَّا قَالَ الرَّسُولُ ﷺ لأصحابه: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدِ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ إِمَّا فِي الْجَنَّةِ أَوْ فِي النَّارِ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أفلَا نَدَعُ العَمَلَ وَنَتَّكِلُ عَلَى الْكِتَابِ؟ قَالَ: "لَا، اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لمِا خُلِقَ لَهُ"، أو: "فكُلٌّ مُيَسَّرٌ"، ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠] (١). стр. 73
فَفِي هَذِهِ الآيَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الآيَاتِ الكثيرة دَلِيلٌ عَلَى تأثير الدُّعَاءِ فِي حُصُولِ المطلوب؛ لِأَنَّ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ فَهُوَ فِي الحقِيقَةِ مُكابر، أَوْ جَاهِلٌ.
* * *
стр. 74
الآية (١٧)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧].
* * *
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ﴾ بِحَقِّ إِنْعَامِكَ ﴿عَلَيَّ﴾ بِالمَغْفِرَةِ اعْصِمْنِي ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا﴾ عَوْنَا ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ الْكَافِرِينَ بَعْدَ هَذهِ إِنْ عَصَمْتَنِي].
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: هَذِهِ الْآيَةُ -كما مر علينا- مِنَ الْعُلَمَاءِ مَن يقول: إنها دعاء. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إنها خبرٌ بمعنى: التزام.
فَإِنْ قِيلَ: إنها دعاء؛ فإنه يُستفاد منها ما يُستفاد مِنَ الآيَةِ السَّابِقَةِ، فيستفاد جَواز التوسُّل بِنِعَمِ اللَّهِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَه: ﴿بِمَا أَنْعَمْتَ﴾ أي: بسبب إنعامك عليَّ.
وَإِنْ قِيلَ: إنها التزامٌ، فإنها تَدُلُّ عَلَى شُكْرِ النِّعْمَ، وَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا أنعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَلا يَكُونَ عَوْنًا بهذه النعمة للمجرمين.
وقلنا: إِنَّ المَعْنَى الثَّانِيَ أقربُ وأرجح؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الآيَةِ، وَلَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْ ظاهرِها، وإنْ كَانَتْ تحتمل المَعْنَى الثَّانِي.
فيستفاد منها إذن كمالُ مُوسَى ﵊؛ حيث التزم للَّهِ تعالى شُكْرًا عَلَى نِعْمَتِهِ بألَّا يكون ظهيرًا للكافرين والمجرمين.
стр. 75
الْفَائِدَةُ الثَّانِيةُ: فِيهَا دَليلٌ عَلَى أَنَّ مُظاهرة المجرم تُنافي الشكر، فَهِيَ محُرمَةٌ؛ لأنَّها إجرامٌ حقيقةَ، بَلْ تَكُونُ مساعدة المجرم بمنع إجرامه، وَلذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالمًا، أَوْ مَظْلُومًا". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الظَّالمُ فكَيْفَ نَنْصُرُ المَظْلُومَ؟ قَالَ: "تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلُمَ" (١).
* * * стр. 76
الآية (١٨)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨].
* * *
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ يَنتظِرُ مَا يَنَالُهُ مِنْ جِهَةِ الْقَتِيلِ ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ يَسْتَغِيثُ بِهِ عَلَى قِبْطِيٍّ آخَرَ ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ بَيِّنُ الْغَوَايَةِ لمِا فَعَلْتَهُ بِالْأَمْسِ وَالْيَوْمِ].
قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ﴾ أي: موسى، ومعنى أصبح أي: دَخَلَ فِي الصباح، يعني: بات ليلته، وَلَكِنَّهُ فِي صباحها أصبح ﴿خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾، وقوله تعالى: ﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾: (ال) هنا للعهد الذِكري؛ لأنه سبق ذِكرها، وقوله: ﴿خَائِفًا﴾ خبر أصبح، وهو منصوب، وقوله ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ إِمَّا أَنْ تَكُونَ خبرًا ثانيًا، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ تَعَدُّد الخبر مَعَ الِاخْتِلَافِ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ تَعَدُّد الخبر، سواء تَعَدَّد بلفظ المُفْرَد، أو تَعَدَّد بِلَفْظِ الْجُمْلَةِ، أو تَعَدَّد بلفظ المفرد والجملة، أو حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي ﴿خَائِفًا﴾، أَيْ حَالَ كونِه يترقَّب.
وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ يقول المُفَسِّرُ ﵀: [ينتظر مَا يَنَالُهُ مِنْ جِهَةِ القتيل]، لِأَنَّ هَذَا القتل إجرامٌ، فكلُّ إنسان يقتل شَخْصًا فِي بَلَدٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَخَافَ، وَهَذَا الْخَوْفُ مِنَ طبيعة البشر، وليس خوفَ عبادةٍ.
والخوفُ نوْعانِ:
стр. 77
الْأَوَّلُ: خوف عبادة يقتضي التَّقَرُّبَ إِلَى المَخوف، والتزامَ طاعته، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
الثَّاني: خوفٌ طبيعي مما يُخَافُ مِنْهُ، وَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأنَّهُ مِنَ طبيعة البشر، لكنه يكون مذمومًا إِذَا أَدَّى إِلَى تَرْكِ واجب، أَوْ فِعْل محرَّم، قَالَ تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥].
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾: ﴿فَإِذَا﴾ فُجائية، يعني: فاجأه في الصباح وهو خائف يترقَّب، فاجأه أَنَّ صَاحِبَهُ الإسرائيلي الذي استنكره بالأمس هُوَ الْيَوْمَ يسْتَصرِخُه، والاستِصْراخُ معناه: طلب الإنقاذ مِن الشِّدة.
وهنا نجد أَنَّ الرَّجُلَ قَدِ استغاثَ واستصْرَخ واستَنْصر، والظَّاهرُ أن الاستغاثة والاستنصار بِمَعْنًى وَاحِدٍ، ولكن الاستنصار أعمُّ؛ لأنك قد تستنصر إنسانًا لينصُرَك، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي شِدَّةٍ.
والاستغاثةُ أَخَصُّ، إِلَّا أَنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةْ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الاستغاثة مِنْ بَابِ الاستنصار.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾: [يَسْتَغِيثُ بِهِ عَلَى قِبْطِيٍّ آخَرَ].
قوله ﵎: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى﴾ الضَّمِيرُ فِي ﴿لَهُ﴾ يَعُودُ إِلَى الإسرائيلي الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ، وَزَعَمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ إِلَى القبطي، وأنَّ مُوسَى ﷺ عاقب القبطي، وَقَالَ لَهُ: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، وَلَكِنَّ هَذَا بَعِيدٌ عن السياق، فالصَّواب أَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ إِلَى الإسرائيلي الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ.
قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أي: بَيِّن الغِواية لما فعلتَه أمسِ واليوم.
стр. 78
غَوِيّ: عَلَى وَزْنِ فَعِيل، بمعنى: فاعِل، أَوْ عَلَى أَنَّهَا صِفَة مُشبَّهة، والغويُّ ضِدُّ المُرشِد، وَهُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ عَلَى وَجْهِ الإساءة، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، والرُّشد هو إحسان التصرُّف، والغَيُّ سُوء التصرف، فَيَكُونُ المَعْنَى: ذو غِواية، أو سيئ التصرف.
وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ أي: بَيِّنُها، ووجهُ سُوء تصرُّفه أَنَّ أمسِ القريب كان يتخاصم مع قِبطي، واليوم الثَّانِي الَّذِي يَليهِ كَانَ يتخاصم أَيْضًا مَعَ قِبطي آخَر صاحب مَشاكل، فلهذا قَالَ لَهُ: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، فمن الجْائِزِ أَنْ يتسبب في مشكلات كثيرة غدًا، وَبَعْدَ غَدٍ.
* * *
стр. 79
الآية (١٩)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [القصص: ١٩].
* * *
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿فَلَمَّا أَنْ﴾ زَائِدَةٌ ﴿أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ لمُوسَى وَالمُسْتَغِيثِ بِهِ ﴿قَالَ﴾ المُسْتَغِيثُ ظَانًّا أنَّهُ يَبْطِشُ بِهِ لمَّا قَالَ لَهُ ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ﴾ مَا ﴿تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ فَسَمِعَ الْقِبْطِيُّ ذَلِكَ فَعَلِمَ أَنَّ الْقَاتِلَ مُوسَى فَانْطَلَقَ إِلَى فِرْعَوْنَ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَأَمَرَ فِرْعَوْنُ الذَّبَّاحِينَ بِقَتْلِ مُوسَى فَأَخَذُوا فِي الطَّرِيقِ إِلَيْهِ].
قوله تعالى: ﴿أَنْ﴾ كلمة ﴿أَنْ﴾ زائدة، والزيادةُ هنا لفظيةٌ وإعرابية، وليست زيادةً معنويةً؛ لأنَّها تُفيد التوكيد، وجميعُ الحروف الزَّائِدة فِي الْقُرْآنِ لفظًا هي أصليةٌ مَعنًى؛ لأنَّها تُفيد معنى التوكيد، وتَطَّرِد زيادةُ (أَنْ) بَعْدَ لمَّا، وَكَذَلِكَ قَبْلَ (لو، نعم)، كَمَا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ (١):
وَأُقْسِمُ أَنْ لَوِ الْتَقَيْنَا وَأنتُمُ ... . . . . . . . . . . . стр. 80
ومِثل قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]، فـ (أنْ) هنا مُخَفَّفَة مِن الثقيلة، يعني: وأنهم لو استقاموا.
قوله تعالى: ﴿أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ﴾ أي: أراد موسى، والبطشُ: الأخذ بِقُوَّة.
قوله تعالى: ﴿بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ لموسى والمستغيث به، قال المستغيث ظانًّا أنه يَبْطِشَ بِهِ لمَّا قَالَ لَهُ: ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾. والظَّاهر هُنَا أَنَّ مُوسَى قد تهيَّأ، وَأَرَادَ أَنْ يَفْعَل، فشاهد المستغيثُ ذلك، وإلا فكيف عَرَفَ أَنَّ مُوسَى أراد، والإرادة محلُّها القلب؟
قول المُفَسِّر ﵀: [قَالَ المُسْتَغِيثُ] يعني: الْفَاعِل فِي [قَالَ المُسْتَغِيثُ]، وهذا يُبعده أمران: أمرٌ لفظي، وأمرٌ معنوي:
أما الأمر اللفظي: فإنَّ ﴿قَالَ﴾ ضميرهُا يَعُودُ إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ، وهو القبطي.
والأمر المعنوي: أنَّهُ قَالَ: ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي﴾، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾، فنحن نفسر الإرادة الثَّانية بالإرادة الأُولى؛ لأن القبطي هُوَ الَّذِي قَالَ: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾.
والقبطي قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ للإسرائيلي: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، فقد اشتهرت قصة الْقَتْلِ فِي المَدينَةِ وظهرت، وصار النَّاس يتحدثون عنها، فعرف القبطي أن الإسرائيلي عَدُوٌّ لَهُ، وَهُوَ مَا لَامَه مُوسَى عليه قائلًا: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، فاستنتج مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي قتلَ القبطي بالأمس هو موسى، فقال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الراجح مِن قَوْلَي المُفَسِّرين.
والمُفَسِّرون لَهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ:
стр. 81
أحدهما: أَنَّ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ الإسرائيلي، مَعَ أَنَّ مُوسَى تهيَّأ للبَطش بالقبطي، لَكِنَّهُ ظَنٌّ أنه سيَبطش به، لذا قال: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾.
ثانيهما: أَنَّ الْقَائِلَ هو القِبطي، ويُرجح ذَلِكَ أنَّهُ لمَّا قَالَ: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ الإسرائيليين أعداءٌ للأقباط، وعَلِم أو استنتج أَنَّ مُوسَى ﵊ هُوَ الَّذِي قَتَلَ القبطي بالأمس، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي﴾؛ لأني قبطي مثلما قتلتَ القبطي بالأمس.
قَوْلُه تعالى: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾: ﴿إِنْ﴾ بِمَعْنَى (مَا)، وهي نافية، وقوله: ﴿جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾ الجبَّار: معناه المتعالي المترفِّع عَلَى غَيْرهِ، وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ ، ويُوصَفُ بِهِ غَيْرُهُ، وله ثَلَاثَةُ مَعَانٍ:
أحدهما: المتعاظِم، وذو القُوَّة والبطش.
الثَّاني: الجْبَّارُ الَّذِي يَجْبُر الكَسِير، ويرحمه، ويعطف عليه.
الثالث: يَقُولُ ابْنُ القيم في (النونية) (١):
وَلَهُ مُسَمًّى ثَالِثٌ وَهْوَ الْعُلُوّ ... فَلَيْسَ يَدْنُو مِنْهُ مِنْ إِنْسَانِ
مِنْ قولهم: جَبَّارَة، للنخلة العُليا، وجَبَّار: بمعنى الارتفاع، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: نخلة جَبَّارة، يعني: طويلة مرتفعة، لَكِنْ إِذَا جَاءَتْ فِي صِفَاتِ غَيْر اللَّهِ؛ فإنها للذَّم، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥].
واتِّهام موسى بقوله: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾ استنادًا على قَتْلِه القِبطي بالأمس، وإرادة قتله اليوم. стр. 82
واتِّهامه بقوله: ﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ أخذها أَيْضًا مِنْ قَتْلِه بالأمس، وسيَقتُل اليوم، والمصلح عَادَةً لَا يعتدي عَلَى أَحَدِ المتخاصمَينِ، ولكنه يحاول الْإِصْلَاحَ بَيْنَهُمَا، فَهُوَ يَقُولُ: إنك بإرادتك الْقَتْلَ، وَقَدْ قتلتَ بالأمس، معناها أنك تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا، ولا تريد الإصلاح، إِذْ إِنَّ مَن يُريد الإصلاح يسعى بالإصلاح بَيْنَ النَّاسِ، لا يسعى بأن يَسْتَعْدِيَ عَلَى أَحَدِهِمْ دُونَ الْآخَرِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ لا ينطبق عَلَى مُوسَى؛ لأن مُوسَى ﵊ مَا أَرَادَ إِلَّا الإصلاح، وَلَكِنَّ هَذَا الرَّجُلَ ظَنَّ أنَّهُ لَا يُرِيدُ إِلَّا الجبروت، وَالِاعْتِدَاءِ عَلَى مَنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ شِيعته.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾: [فَسَمِعَ الْقِبْطِيُّ ذَلِكَ فَعَلِمَ أَنَّ الْقَاتِلَ مُوسَى فَانْطَلَقَ إِلَى فِرْعَوْنَ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَأَمَرَ فِرْعَوْنُ الذَّبَّاحِينَ بِقَتْلِ مُوسَى فَأَخَذُوا فِي الطَّرِيقِ إِلَيْهِ]، هَذَا الَّذِي فَسَّره بِنَاء عَلَى مَا اخْتَارَهُ مِنَ أَنَّ الَّذِي قَالَ: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي﴾ هو الإسرائيلي، أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي؛ فإن القبطي لمَّا رَأَى أَنَّ مُوسَى يُرِيدُ قَتْلَهُ، استنتج أنه القاتل بالأمس، فترك المخاصمة، وَذَهَبَ إِلَى آلِ فِرْعَوْنَ، وأخبرهم، وإذا أخبرهم فسوف ينتقمون لأنفسهم.
* * *
стр. 83
الآية (٢٠)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠].
* * *
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَجَاءَ رَجُلٌ﴾ هُوَ مُؤْمِنُ آل فِرْعَوْنَ ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ آخِرُهَا ﴿يَسْعَى﴾ يُسْرعُ فِي مَشْيِهِ مِنْ طَرِيقٍ أَقْرَبَ مِنْ طَرِيقهمْ ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ﴾ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ يَتَشَاوَرُونَ فِيكَ ﴿لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ﴾ مِنَ المَدِينَةِ ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ فِي الْأَمْرِ بِالْخُرُوجِ].
عَلِمْنَا أَنَ هُنَاكَ مَنْ أَخْبَرَ آلَ فِرْعَوْنَ بأن مُوسَى هُوَ مَنْ قتَلَ القِبطي، فإما أنهم أرسلوا مَنْ يرِيدُ قتل موسى، أَوْ لم يُرسلوا، ولكنهم تشاوروا فِي أَمْرِهِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِ مَنْ جَاءَ يُحذِّره.
قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [هو مُؤمن آلِ فِرْعَوْنَ]، وَهَذَا التَّأْوِيلُ الَّذِي قَالَهُ لا يُجزَم به؛ لِأَنَّ اللَّهَ تعالى كره، وَلَمْ يَقُلْ: إنه مؤمن. بينما قَالَ عَنْهُ فِي قِصَّةِ مؤمن آلِ فِرْعَوْنَ: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر: ٢٨]، وَلَكِنْ مَا يَعنينا في قصتنا هَذِهِ أَنَ هَذَا الرَّجُلَ -وَلَا شَكَّ- عنده عَطْفٌ عَلَى مُوسَى، وَرَحمَةٌ بِهِ، وَلِهَذَا جَاءَ يُخبره.
فائدة: يَقُوُل اللَّهُ تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾، ويقول فِي سُورةِ يَس فِي
стр. 84
قِصَّةٍ أخرى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠]، فِي الْأُولَى قَدَّم ﴿رَجُلُ﴾ على ﴿أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾، وفي الثَّانية أَخَّرها، والحِكمة مِنْ ذَلِكَ أَنَّ قِصَّةَ سُورَةِ الْقَصَصِ فِيهَا اهتمامٌ بِالْخَبرِ الَّذِي جَاءَ بِهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فقدَّم ذِكْرَهُ عَلَى ذِكْرِ المكان، فكونه جَاءَ مِنَ الأقصى، أَوْ مِنَ الْأَدْنَى لَا يُؤَثِّرُ، أَمَّا فِي قِصَّةِ الرُّسل الثَّلَاثَةِ فِي سُورَةِ يَس، ففيها اهتمامٌ بكَوْن هَذَا الرَّجُلِ بَعيدًا عن الرُّسل، وَمَا جَاءَ إِلَّا ليؤكد صِحَّةَ مَا جاءوا بِهِ قَبْلَهُ.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ آخِرُها، يعني: أَبْعَدُها مِنْ مَكَان موسى. وقال: في ﴿يَسْعَى﴾: [يُسرع في مشيه مِنْ طَرِيقٍ أَقْرَبَ مِنْ طريقهم]، وتقدَّم أَنَّ هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الذَّبَّاحين خرجوا ليذبحوا موسى، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ.
وقوله: ﴿يَسْعَى﴾ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ صِفة، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حالًا، صِفة لِأَنَّ قَوْله ﴿رَجُلٌ﴾ نكرة، وحالٌ لِأَنَّ هَذِهِ النكرةَ وُصِفت بقوله: ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾.
ومعنى ﴿يَسْعَى﴾: أي يُسرع فِي المَشْي، كَمَا قَالَ المُفَسِّرُ ﵀، وَقَدْ يَكُونُ هَذَا الإسراع -كَمَا زَعَمَ- حَتَّى يسبق مَنْ أُرْسِلَ إِلَى مُوسَى ليقتُلَه، وَقَدْ يَكُونُ خَوْفًا مِن تنفيذ ما ائتَمَروا عَلَيْهِ فِي شَأْنِهِ، والأخير هُوَ الْأَفْضَلُ.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ﴾: [مِن قَوْمِ فِرْعَونَ، ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ يتشاورون فيك].
قَوْلُهُ تعالى: ﴿قَالَ يَامُوسَى﴾ نداؤه بهذا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بموسى، ولهذا ناداه باسمه، وَلَكِنْ فِي قِصَّةِ مؤمن آلِ فِرْعَوْنَ فِي سُورَةِ غافر قَالَ : ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ [غافر: ٢٨]، وهنا نجد أَنَّهُ مَا قَالَ: أتقتلون موسى؟ لأن المقام يَقْتَضِي أَلَّا يُبَيِّنَ أَنَّ لَهُ
стр. 85
اتصالًا به ومعرفةً، فلَوْ قَالَ: أتقتلون موسى؟ لقالوا: هَذَا الرَّجُلُ يعرف موسى. ولَأَخَذُوه، وَلَكِنَّهُ قَالَ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾، كَأَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُ، ولكن يَعْرِفُ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الدعوة الصحيحة السليمة.
أما هنا فَإِنَّ الرَّجُلَ يعرف موسى؛ وَلِهَذَا ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾، وأكَّد له الخبر بقوله ﴿إِنَّ الْمَلَأَ﴾، مَعَ أَنَّ مُوسَى كَانَ خاليَ الذهن مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ مُهِمُّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ الْأَسْبَابَ الَّتِي تَقْتَضِي تأكيد الجملة الخبرية لَيْسَتْ هِيَ حَالَ المخاطَب فقط، ولكن حال المُخْبَرِ عَنْهُ أَيْضًا، إِذَا كَانَ مُهمًّا فإنه يُؤكَّدُ.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀ فِي قَوْلِهِ : [﴿فَاخْرُجْ﴾ مِنَ المَدِينَةِ، ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ فِي الْأَمْرِ بِالْخُرُوجِ]. وَهُوَ لَهُ مِنَ الناصحين، لَيْسَ فِي الْأَمْرِ بِالْخُرُوجِ فقط، وَلَكِنْ فِي مَجِيئهِ إِلَيْهِ أَيْضًا، وإخباره بذلك.
وَأَمَّا الَّذِينَ يأتمرون بشأنه، فليس عَامَّةَ النَّاسِ، بَلْ هُمُ الملأ، والكُبراء الذين يُنَفِّذُون ما ائتمروا به؛ لِأنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ عَامَّةِ النَّاسِ الذين يَتَشَاوَرُونَ فِي هَذَا، مَا كَانَتْ لَهُ أهمية.
* * *
стр. 86
الآيتان (٢١، ٢٢)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢١ - ٢٢].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ لُحُوق طَالِب أَوْ غَوْث اللَّه إيَّاهُ ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ قَوْم فِرْعَوْن، ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ﴾ قَصَدَ بِوَجْهِهِ ﴿تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ جِهَتهَا وَهِيَ قَرْيَة شُعَيْب مَسِيرَة ثَمَانِيَة أَيَّام مِنْ مِصْر سُمِّيَتْ بِمَدْيَن بْن إبْرَاهِيم وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِف طَرِيقهَا، ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أَيْ قَصْد الطَّرِيق أَيْ الطَّرِيق الْوَسَط إلَيْهَا فَأَرْسَلَ اللَّه مَلَكًا بِيَدِهِ عَنْزَة فَانْطَلَقَ بِهِ إلَيْهَا].
* * *
стр. 87
الآية (٢٣)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣].
* * *
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ بِئْرٌ فِيهَا، أَيْ وَصَلَ إِلَيْهَا ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً﴾ جَمَاعَةً ﴿مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ مَوَاشِيَهُمْ ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ﴾ سِوَاهُمُ ﴿امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ تَمْنَعَانِ أَغْنَامَهُما عَنِ المَاءِ ﴿قَالَ﴾ مُوسَى لهمَا ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ مَا شَأْنُكُمَا لَا تَسْقِيَانِ ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ جَمْعُ رَاعٍ أَيْ يَرْجِعُونَ مِنْ سَقْيِهِمْ خَوْفَ الزِّحَامِ فَنَسْقِي، وَفِي قِرَاءَةٍ يُصْدَرَ مِنَ الرُّبَاعِيِّ أَيْ يَصْرِفُوا مَوَاشِيَهُمْ عَنِ المَاءِ ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَسْقِيَ].
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمُ عَلَى الْأُمُورِ إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الأَسْباب، فَإِنَّ مُوسَى لَمْ يَحْكُمْ على المرأتين بِأَيِّ حُكْمٍ إِلَّا بَعْدَ أَنْ قَالَ: ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ يعني: لماذا تَذُودان غَنَمَكُما عن السَّقْي؟ وَلَمْ يَحْكُمْ بِأَيِّ حُكْمٍ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ، فسألهما.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ : ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص: ٢٥]، قوله ﴿تَمْشِي﴾ حالٌ، وقوله: ﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المستتر
стр. 88
فاعِل ﴿تَمْشِي﴾.
وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ أَيُّ الفتاتين الكبيرة، أو الصغيرة هِيَ مِنَ جاءت، فالقُرْآن مَا بَيَّنَ ذَلِكَ.
* * *
стр. 89
الآية (٢٤)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ مِنْ بِئْرٍ أُخْرَى بِقُرْبِهِما، رَفَعَ حَجَرًا عَنْهَا لَا يَرْفَعُهُ إِلَّا عَشَرَةُ أَنْفُسٍ ﴿ثُمَّ تَوَلَّى﴾ انْصَرَفَ ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ لِسَمُرَةٍ مِنْ شِدَّةِ حَرِّ الشَّمْسِ وَهُوَ جَائِعٌ ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ طَعَامٍ ﴿فَقِيرٌ﴾ مُحْتَاجٌ، فَرَجَعَتَا إلَى أَبِيهِمَا فِي زَمَنٍ أَقَلَّ مِمَّا كَانَتْ تَرْجِعَانِ فِيهِ، فَسَأَلهُمَا عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَتَاهُ بِمَنْ سَقَى لَهُمَا، فَقَالَ لإِحْدَاهُمَا ادْعِيهِ لِي، قَالَ تعالى].
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: قوله: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ أي جَلب المَاءَ مِنَ البئر لأغنامهما، وَاللَّامُ فِي ﴿لَهُمَا﴾ للتَّعلِيل، وليست للتعدية.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: قوله: ﴿إِلَى الظِّلِّ﴾ [القصص: ٢٤]، المراد بالظل ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ، مِنْ جَبَلٍ أَوْ أَكَمَةٍ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: قوله: ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ هنا لَمْ يَتَعَدَّ قوله: ﴿فَقِيرٌ﴾ بـ (إلى)، بينما قَالَ اللَّهُ تعالى فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥]، فعُدِّي الْفَقْرُ إِلَى اللَّهِ بـ (إلى)، وإذا أُضِيفَ إِلَى الشَّيْءِ المُحْتَاجِ إِلَيْهِ
стр. 90
عُدِّي باللام، فكان فقيرًا للمال، وَلَمْ يَكُنْ فقيرًا إليه؛ لِأَنَّ المَالَ ليس مَبْلَغَ هوى المفتقِرين، وَإِنَّمَا فِيهِ زوالُ فَقْرِهم، وأمَّا اللَّهُ فهو مُنْتَهى فقرهم.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: قوله: ﴿فَقِيرٌ﴾ هُوَ فِي الْأَصْلِ وصفٌ لموسى، ولكنه هنا فِي الْإِعْرَابِ خبر (إِنَّ).
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: رأفةُ نَبِيِّ اللَّهِ موسى بهاتين القاصِرَتين؛ لقوله: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: تَوَقِّي الأُمُور الضارة.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: جَوَازِ الِاقْتِصَارِ فِي الدُّعَاءِ عَلَى ذِكْرِ حال الدَّاعي بِدُونِ طلب، وَذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: يَنْبغي تقديمُ الدُّعاء بِذِكْر الرب؛ لقوله: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ﴾ وَقَدْ ذَكَرْنَا قبل ذلك أَنَّ هَذَا هُوَ أَكْثَرُ مَا يُتَقَبَّل به الدُّعاء، يعني بلفظ الربوبية؛ لأن بالربوبية يكون الخلق والتقدير للإنسان.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: حَاجَةُ الْإِنْسَانِ إِلَى رَبِّهِ ﵎، وَأَنَّهُ فِي غَايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الضَّرُورَةِ إِلَى الْخَيْرِ النازل إِلَيْهِ مِنَ اللَّهِ.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: عُلُوُّ اللَّهِ؛ لقوله: ﴿لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ﴾؛ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إنزاله للشيء إِلَّا إِذَا كَانَ عاليًا، فهو عالٍ بذاته وصفاته، فعُلُوُّه نوعان: عُلُوُّ ذاتٍ، وعُلُوُّ صِفة.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِثْبَاتِ عُلُوِّ الذات التجسيمُ الَّذِي يَقُولُهُ المُعَطِّلُون، وَلَا أَنَّ المكان يُحِيطُ بِهِ كَمَا قالوه أيضًا، مُتوصلين بِذَلِكَ إِلَى إنكار عُلُوِّه؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ المُعَطِّلَة يتوصلون إلى تعطيله بِمِثْلِ هَذَا الكلمات؛ بأن إِثْبَاتَ هَذَا يَقْتَضِي كَذَا مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَيْسَتْ
стр. 91
بلازمة، لكنْ هم يرونها بعقولهم لازمة، فيُلزِمون بها غيرَهم، ثم يَتَوَصَّلُونَ بِهَا إِلَى إنكار الصفات، الَّتِي وَصَفَ اللَّهُ بِهَا نَفْسَهُ، ووصَفَه بِهَا رَسُولُهُ ﷺ .
* * *
стр. 92
الآية (٢٥)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ أَيْ وَاضِعَةً كُمَّ دِرْعِهَا عَلَى وَجْهِهَا حَيَاءً مِنْهُ ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾، فَأَجَابَهَا مُنْكِرًا فِي نَفْسِهِ أَخْذَ الْأُجْرَةِ، كَأَنَّهَا قَصَدَتِ المُكَافَأَةَ إِنْ كَانَ مِمَّنْ يُرِيدُهَا، فَمَشَتْ بَيْن يَدَيْهِ، فَجَعَلَتِ الرِّيحُ تَضْرِبُ ثَوْبَهَا، فَتَكْشِفُ سَاقَيْهَا، فَقَالَ لَهَا امْشِي خَلْفِي، وَدُلِّينِي عَلَى الطَّرِيقِ. فَفَعَلَتْ إِلَى أَنْ جَاءَ أَبَاهَا -وَهُوَ شُعَيْبٌ ﵇ وَعِنْدَهُ عَشَاءٌ، فَقَالَ: اجْلِسْ فتعَشَّ. قَالَ: أَخَافُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا مِمَّا سَقَيْتُ لَهُمَا، وَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا نَطْلُبُ عَلَى عَمَلِ خَيْرٍ عِوَضًا، قَالَ: لَا عَادَتِي وَعَادَةُ آبَائِي نَقْرِي الضَّيْفَ وَنُطْعِمُ الطَّعَامَ، فَأَكَلَ وَأَخْبَرَهُ بِحَالِهِ، قَالَ تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى المَقْصُوصِ مِنْ قِتْلِهِ الْقِبْطِيَّ وَقَصْدِهِمْ قَتْلَهُ، وَخَوْفِهِ مِنْ فِرْعَوْنَ ﴿قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ إذْ لَا سُلْطَانَ لِفِرْعَوْنَ عَلَى مَدْيَنَ].
قوله تعالى: ﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ قال عُمَرُ بن الخطاب ﵁: "جَاءَتْ تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ، قَائِلَةً بِثَوْبِهَا عَلَى وَجْهِهَا، لَيْسَتْ بِسَلْفَعٍ خَرَّاجَةٍ، وَلَّاجَةٍ". وهذا ذَكَرَهُ
стр. 93
ابْنُ كَثِيرٍ (١) عَنْ عُمَرَ ﵁، وقال: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ.
وَمِثْلُ هَذَا عَن عُمَرَ قَدْ يَكُونُ عَلَى سَبِيلِ التوقُّع، أي: إِنَّهُ تَوَقَّعَ ﵁ أنها كانت واضعةً كُمَّ دِرعها عَلَى وَجْهِهَا، لَكِنْ فِي الآيَةِ لَيْسَ ذَلِكَ بوارد.
والدِّرع يُسمى درعًا، لِأنَّهُ مِثْلُ الدِّرع الذي يُلبس فِي الْحْرْبِ، فوضعت كُمَّها عَلَى وَجْهِهَا حياءً منه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَبِي﴾ هنا ﴿أَبِي﴾ اسم (إنَّ) منصوب بفتحة مُقَدَّرة، وليس منصوبًا بالألف، ولا بالياء، فهذه الياء ليست علامة إعراب، ولكنها ياء المتكلم.
ومن شروط نَصْب كلمة (أب) بالألف أَنْ تَكُونَ مُضافة لغير ياء المتكلم، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِي ألفِيَّته (٢):
وَشَرْطُ ذَا الإِعْرَابِ أَنْ يُضَفْنَ لَا ... لِلْيَا كَجَا أَخُو أَبِيكَ ذَا اعْتِلَا
وَنَقُولُ فِي إِعْرَابهِ: اسمُ (إِنَّ) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مُقَدَّرة مَنَعَ مِن ظُهورها اشتغالُ المَحَلًّ بحركة المناسَبة، وهي الكسرة المناسِبة لياء المتكلم.
قوله تعالى: ﴿يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ﴾ اللام للتَّعلِيل يعني: يدعوك لهذا الغرض.
ومعنى يجزيك: يكافئك بمكافأة، مِن: جَزَى يجزي.
وقوله تعالى: ﴿أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ أي لتنالَ أجرًا أو عِوَضًا، فالأجر هو العِوَض المأخوذُ مُقابِل عملٍ، وقوله: ﴿مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ أي: لأجْلِنا، و ﴿مَا﴾ هنا مَصْدَرِيَّة، أي: لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ سَقْيِك. стр. 94
وَلَا يَصِحُّ تَقْدِيرُ: أَجْرَ الَّذِي سَقَيْتَ؛ لأنَّها تريد مِن والدها أَنْ يُعْطِيَهُ أجر سَقْي الغَنَم، ولا تُرِيدُ أَنْ يُعْطِيَهُ أجرَ الغَنَم.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [فأجَابَهَا مُنْكرًا فِي نَفْسِهِ أَخْذَ الْأُجْرَةِ]، أي أَجَابَ مُوسَى دعوةَ أبيها، وَهُوَ يُضْمِرُ أخذَ أُجرة، وهذا نستنتجه مِنْ أَنَّ مُوسَى فَعَلَ ذَلِكَ للَّه، وَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا للَّهِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَأْخُذَ أَجْرًا فِي الدُّنْيَا، وَلَكِن هَذَا لَا يُعِين أَنْ يَكُونَ موسى يأخذ أجرًا، وَنَحْنُ لَا نَشْهَدُ أَنَّ مُوسَى فِي تِلْكَ الحْالِ حينما أجابَ الدعوة قَدْ أَضْمَرَ فِي نَفْسِهِ أَخْذَ الْأُجْرَةِ، وَمَا نَدْرِي فَقَدْ يَكُونُ موسى ﵊ يأخذ الأُجرة؛ لأنَّه محتاج، ويأخذُها لِسَدِّ حاجته، وَقَدْ لَا يَأْخُذُهَا؛ تكَرُّمًا منه.
إما أَنَّهُ مَمْنُوعٌ، فإن الإِنْسَان يأخذ أجرًا مُقَدَّمًا عَلَى مَا يَفْعَلُهُ للَّه، ثُمَّ لَا مَانِعَ أَنْ يَأْخُذَهُ لو كُوفِئ به مكافأةً، بَلْ إِنَّ الرَّسُول ﵊ لمَّا بَعَثَ عُمَرَ عاملًا عَلَى الصَّدَقَةِ وأعطاه، قال: أَعْطِه أَفْقَرَ مِنِّي، فقال: "مَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا المَالِ، وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ؛ فَخُذْهُ" (١).
وَمَعْلُومٌ أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يتطلع إِلَى أَخْذِهِ، بِدَليلِ أَنَّهُ قَالَ: أعطه أَفْقَرَ مِنِّي.
فالإِنْسَان الَّذِي يَعْمَلُ عَمَلًا للَّهِ إِذَا كُوفئ عَلَيْهِ لَا يَبْطُلُ عملُه، مَا دَامَتْ نِيَّتُهُ فِي الْأَصْلِ خَالِصَةً للَّهِ.
إذن: فَدَعْوَى أَنَّ مُوسَى كَانَ مُنْكِرًا فِي نَفْسِهِ أَخْذَ الْأُجْرَةِ لَيْسَ عَلَيْهَا دَلِيلٌ، وَلَيْسَ لَنَا الْحَقُّ أَنْ نَتَكَلَّمَ فِي هَذَا، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُهُ. стр. 95
وأما بالمكافأة إِنْ كَانَت مِمَّنْ يُرِيدُهَا فَجَرَت بَيْنَ يَدَيْهِ، يعني: أَجْرَ مَا سَقَاهُ لهما، والمعروف أنَّ الأجْرَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِعَقْدِ إيجار، وَلَمْ يَقَعْ بين موسى، وبين المرأتين عَقْدُ إِجَارَةٍ عَلَى أَنْ يَسْقِيَ لهما، لكن كأنها قَصدَت بالمكافأة إِنْ كَانَ مِمَّنْ يرِيدُهَا، فسَمَّت هَذِهِ المكافأةَ أجرًا.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [فَمَشَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَجَعَلَتِ الرِّيحُ تَضْرِبُ ثَوْبَهَا، فَتَكْشِفُ سَاقَيْهَا، فَقَالَ لها: امْشِي خَلْفِي، وَدُلِّينِي عَلَى الطَّرِيقِ] هَذِهِ الْقِصَّةُ يأتون بها توطئةً لقولها: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾.
وَقَدْ سَبَقَ أنه نزع الصخرة العظيمة التي ما يرفعُها إِلَّا عَشَرَةُ رجال، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى قُوَّتِه، وفِعْلُه أثناءَ سَيْرِهِ معها دَلَّ عَلَى أَمَانَتِهِ.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [فَفَعَلَتْ إِلَى أَنْ جَاءَ أَبُوهَا، وَهُوَ شُعَيْبٌ ﵇ وَعِنْدَهُ عَشَاءٌ، فَقَالَ لَهُ: اطْلُبْ. فتَعَشَّى، فتَأَخَّرَ، قَالَ: أَخَافُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا مِمَّا سَقَيْتُ لَهُمَا، وَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا نَطْلُبُ عَلَى عَمَلِ خَيْرٍ عِوَضًا. قَالَ: لَا، عَادَتِي وَعَادَةُ آبَائِي نَقْرِي الضَّيْفَ، وَنُطْعِمُ الطَّعَامَ. فَأَكَلَ، فَأَخْبَرَهُ بِالحْالِ].
كُلُّ هَذَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، والذي عَلَيْهِ الدَّلِيلُ أَنَّ مُوسَى ﵊ أجاب الدعوة، ومشى حَتَّى وَصَلَ إِلَى الْأَبِ، وهذا يكفينا أن نعتقد مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ، أَمَّا أَنْ نأتيَ بِشَيْءٍ لَا ذِكْرَ لَهُ فِي الآيَةِ، فلا.
يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ الْفَاعِلُ في ﴿جَاءَهُ﴾: موسى، ﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ﴾ أي: موسى، ﴿الْقَصَصَ﴾ بمعنى المقصوص؛ لأن القَصَص مصدر، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]، أي: يقُصَّان الأثر قَصَصًا؛
стр. 96
لأنَّه يُقَّص المقصوص، وَعَلَى هَذَا فَهُوَ مصدر بمعنى: اسم المفعول، والمصدر بمعنى اسمِ المفعول يأتي كثيرًا، كقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فهنا ﴿أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ أي: محمول، مَعَ أَنَّ الآيَةَ لَا تَتَعَيَّنُ؛ لِأنَّهُ قَصَدَ المرأة.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" (١). أي مردُود.
عَلَى كُلِّ حَالٍ: هنا القَصَص مَصدر بمعنى: المقصوص، وَلَا يَكُونُ مصدرًا بمعناه الحقيقي؛ لأن القَصَص فِعُل القاصِّ، وَلَيْسَ هُوَ شَيْئًا يُخْبَرُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُخْبَرُ عنه ويُقَصُّ هو الشَّيْء المقصوص، يعني: القضية، أَوِ الْقِصَّة، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، هَذَا الَّذِي يُقْصُّ.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [مِنْ قَتْلِهِ الْقِبْطِيِّ، وَقَصْدِهِمْ قَتْلَهُ، وَخَوْفِهِ مِنْ فِرْعَوْنَ] قَصَّ عَلَيْهِ قضيته كُلَّها؛ بِأنَّهُ كَانَ فِي مِصرَ مثلًا، وأنه حَصَل كَذَا وَكَذَا، وقتلَ القِبطي، وَأَنَّ رَجُلًا جاءه فنَصحه أَنْ يَخْرُجَ، فخرج، وَلِهَذَا كَانَ الْقَصْدُ.
قَوْلُه تعالى: ﴿قَالَ لَا تَخَفْ﴾: ﴿قَالَ﴾ هُنَا جَوَاب (لمَّا)، أي: فَلَمَّا جَاءَهُ موسى وَقَصَّ عَلَيْهِ قَالَ صَاحِبُ مَدْيَنَ: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: ﴿لَا﴾ هنا ناهية، وَالمُرَادُ بِهَا حَقِيقَةُ النهي، ولكنها هنا لتطمين هَذَا الرَّجُلِ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ قَوْلُه: ﴿نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ تأكيدًا للجُملة فِي المَعْنَى، أي: لَا خَوْفَ عليك؛ لأنك ﴿نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
وَمنْ عَجِيبِ صُنع اللَّهِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ جاء مطابقًا لسؤال موسى، فموسى قد دَعَا رَبَّهُ عندما خرج خَائِفًا مِنَ المَدِينَةِ، ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١]، стр. 97
فجاء الجواب هُنَا مِن هَذَا الرَّجُلِ: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، فقوله: ﴿لَا تَخَفْ﴾ إجابة لقوله: ﴿خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾، وقوله: ﴿نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ إجابة لقوله: ﴿نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
وهكذا تكون إجابة اللَّهِ تعالى للمضطر مطابقةً تمامًا لسؤاله؛ إِذْ لَا سُلْطَانَ لفِرْعَون على مَدْين، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، أنه طَمْأنَهُ بأنه نَجَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمينَ؛ لأن سلطان فِرْعَونَ فِي مِصْرَ وَمَا حَوْلَهَا، أَمَّا مَدْيَنَ، فَإِنَّهُ لَا سُلْطَانَ لِفِرْعَوْنَ عليها؛ إِذْ لَوْ كَانَ لَهُ سُلْطَانٌ عليها لما نَجَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالمِينَ.
ومَدْيَن بلدٌ قَرِيبٌ مِن مِصْرَ، تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ المُفَسِّر ﵀ أَنَّهَا عَلَى ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ مِنْ مِصْرَ، ولكن الحدود متقاربة، فهُما مَمْلَكَتَان لَيْسَ بَيْنَهُمَا إِلَّا خَطٌّ وَهْمِيٌّ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾، يستفاد بيانُ الوَقار الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لمُوسَى، حيث جَاءَتْ إِلَيْهِ عَلَى اسْتِحْيَاءٍ تَعْظِيمًا لَهُ؛ لأنَّهُ كُلَّمَا كَانَ الإِنْسَان أشدَّ وَقارًا، كان الحياء منه أكثرَ، ولذلك الرَّجُلُ الَّذِي لَيْسَ بِوَقُورٍ تجد النَّاسَ لَا يستحيون منه، ولا يُبالون به، فيَتَفَوَّهُون عنده بِالْكَلَامِ الَّذِي لَا يَلِيقُ، ويفعلون عِنْدَهُ مَا لَا يَلِيقُ؛ لأنَّه ليس وَقُورًا، ولهذا يقال: احْتَشِم تُحْتَشَم.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بيان كمال خُلقِ هَاتَيْنِ المَرْأتيْنِ؛ حيث جاءت تمشي، غير مُسرِعة، ولا مُهَرْوِلَة، بل تمشي بهدوء، وَهَذَا دَليلٌ عَلَى كَمَالِ أدبها، وكذلك كَوْنُهَا عَلَى اسْتِحْيَاءٍ فِيهِ أَيْضًا مِنْ كمال الأدب.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: فِي قَوْلهِا: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ﴾ يُستفاد منه كمالُ أدب؛ حيث
стр. 98
نسبت الدعوةَ إِلَى الْأَبِ دُونَ نفسها، وَهُوَ أَيْضًا مِنْ كمال الذَّكاء؛ لِأَنَّ نِسْبَةَ الدعوة إِلَى الْأَبِ أَقْرَبُ إِلَى إِجَابَةِ موسى للدعوة؛ حيث يَكُونُ الدَّاعِي له رَجُلًا، وقد وَصَفَتْه مِنْ قَبْلُ بأنه شَيْخٌ كَبِيرٌ، فتكونُ دعوته لموسى، وتوجيه الدعوة مِنْهُ إِلَى مُوسَى أَقْرَبَ إِلَى الإجابة.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: فِيهَا دَليلٌ عَلَى ذكاء الفتاة، فهي لَمْ تَقُلْ: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُوَجِّهَ إليه التُّهْمَة مثلًا، أَوْ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَغْدِرَ به، أو يطلبه، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لكنها قالت: ﴿لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾، وليكون أدَعى إِلَى إِجَابَةِ الدعوة.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّهُ يَنْبَغِي للإنسان كمال الْأَدَبِ فِي الأساليب وإزالةُ الوَحْشَة؛ لقوله: ﴿أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾، فَإِنَّ فِي هَذَا إزالةَ الوَحْشَة، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُزِيلَ الوَحْشَة عن المخاطَب، لَا سِيَّمَا فِي المَكَانِ الَّذِي تَعْتَرِيه الوَحْشة.
وكما يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي اللَّفْظِ، يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي حَالِ المَرْءِ، بحيث يُقابِل غيرَه بالبِشر والسَّماحة، وانطلاقِ الوجه، وَلِهَذَا كَانَ مِنْ أَوْصافَ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ دائمَ البِشر، كثيرَ التبسُّم، وضد العُبوس والتقطيب، وعدم الانشراح؛ فَإِنَّ هَذَا يُوجِبُ لِغَيْرِك أَنْ يَنْفِرَ منك.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا يُوجِبُ أَلَّا يأنسَ بك أَحَدٌ، حَتَّى لَوْ جلس عنده، ممنْ إِذَا رآك الْإِنْسَانُ فَإِنَّ فَضْلَ اللَّهِ يُؤْتِيه مَنْ يَشَاءُ، هَذَا الْأَمْرُ قَدْ يَكُونُ اكتسابًا، وَقَدْ يَكُونُ غريزةً؛ فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَهَبُه اللَّهُ مِثْلَ هَذِهِ الخَصْلة الطَّيِّبة، وَمنَ النَّاسِ مَنْ يُحرَم منها، وَمنَ النَّاسِ مَنْ يحاول أن يَتَخَلَّق بها.
وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأشج عَبْدِ الْقَيْسِ: "إِنَّ فِيكَ خَصْلتَيْنِ يُحِبُّهَما اللَّهُ: الحلْمُ،
стр. 99
وَالْأَنَاةُ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَخُلُقَيْن تَخَلَّقْتُ بِهَما أَمْ جَبَلَنِي اللَّهُ عَلَيْهِما، قَالَ: "بَلْ جَبَلَكَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا"، قَالَ: "الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ" (١). مِن: حَلُم، ويتأنَّى.
فهذا يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأخلاق تكون بالتخَلُّق، وتكون بالجِبِلَّة، والجِبِلَّة أثبتُ.
وَلِهَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَلْ جَبَلَكَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا"؛ لأن التخلُّق قد ينسى الإِنْسَان أحيانًا، ولا يَتَخَلَّق، وَيَكُونُ عَلَى جِبِلَّتِه، لكن الجِبِلَّة لَا شَكَّ أنها أكملُ، وإنما يمكن للإنسان بالتَّعَوُّد والتَّخَلُّق عَلَى الشَّيْءِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خُلقًا له.
والجِبِلَّة أكملُ للإنسان، فَقَدْ يَكُونُ تخلُّقه بالأخلاق الفاضلة مِن جِبلَّته، إِلَى الْآنَ قد يَكُونُ مِنَ الْعَامَّةِ مَنْ لَا يوافقون عليها، وَكَمْ مِنْ أُناس تغيرت طِباعُهم وحَسُنت أخلاقُهم بما مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: قَصُّ الْأَخْبَارِ لَا يُعْتَبرُ شِكَايةً، فلو قصصتَ عَلَى إِنْسَانٍ مَا جَرَى عَلَيْكَ مِنَ المصائب، فَلَا يُعْتَبرُ ذَلِكَ مِنَ الشكاية إليه، ولهذا يُقال: هذا إخبارٌ. فالمريض يقول مَثَلًا لمِنْ سَأَلهُ عَنْ حَالِهِ: إني مريض، فَهَذَا إِخْبَارٌ، لَا شَكْوَى، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُما أَنَّ الشكوى تتضمن طلبَ إزالة الشَّيْء، والتَّضَجُّر منه، وأما الخَبَرُ، فإنه مجُرَّدٌ عَنْ ذلك، فهو مجُرد إِخْبَارٍ عَنْ أَمْرٍ وَقَعَ.
فالْإِنْسَانِ إِذَا عَبَّرَ عَنْ حالِه -مثلًا- بقوله: وَقَعَ عَلَيَّ ظُلم وكذا وكذا، فَهَذَا لَا يُعَدُّ شِكاية، فَلَا يُمْكِنُ دفعُ ظُلم الظَّالم إلا بِذِكر ظُلمه، ولهذا يَقُولُ اللَّهُ تعالى: стр. 100
﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨].
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى صِدْق صاحب مَدْيَنَ، حيث طمأنه مَعَ ذِكْرِ السَّبَبِ، فقال: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، فقوله: ﴿لَا تَخَفْ﴾ يُفيد طُمأنينة الرَّجُل، وقوله ﴿نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ الْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ، فَلَوْ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَهُ ﴿نَجَوْتَ﴾ لَظَنَّ الظانُّ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُهَوِّن عَلَيْهِ الْأَمْرَ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ احْتِمَالُ ألَّا ينجو.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أَنَّ آلَ فِرْعَوْنَ معروفون بالظلم عِنْدَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ لقوله: ﴿نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ جُنود الظَّالِم ظَلَمَةٌ؛ لِأَنَّهُ مَا قَالَ: نَجَوْتَ مِنَ الظَّالِمِ، بَلْ قَالَ: ﴿مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ فإن جُنود الظَّالِم ظَلَمَة، ولهذا لو أمَرَك الأميرُ، أَوْ مَنْ فَوْقَ الأمير، بأمرٍ تعرف أنه ظالمٌ فيه؛ فإن طاعتك له مُحَرَّمَة، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ طاعة المخلوق فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِق.
* * *
стр. 101
الآية (٢٦)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا﴾ وَهِيَ المُرْسَلَةُ الْكُبْرَى، أَوِ الصُّغْرَى ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ اتَّخِذْهُ أَجِيرًا يَرْعَى غَنَمَنَا بَدَلنَا ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ أَيِ اسْتَأْجِرْهُ لِقُوَّتِهِ وَأَمَانَتِهِ، فَسَأَلَهَا عَنْهُ، فَأَخْبَرَتْهُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ رَفْعِهِ حَجَرَ الْبِئْرِ وَمِنْ قَوْلِهِ لَهَا: امْشِي خَلْفِي، وَزَيادَةِ أَنَّهَا لمَّا جَاءَتْهُ وَعَلِمَ بِهَا صَوَّبَ رَأْسَهُ، فَلَمْ يَرْفَعْهُ، فَرَغِبَ فِي إِنْكَاحِهِ].
قوله : ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا﴾، قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [المُرْسَلَةُ الكُبْرَى، أَوِ الصُّغْرَى]، ولكننا لَا نَعْلَمُ أيتهما بالتحديد، أما كون القائلة هي المرسَلَة، فَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّهَا جَعَلَتْ تمشي أمامَه، وجَعَلَت الرِّيح تكشف عن ساقَيْهَا، فقال: كُوني خَلْفِي. فعَرَفت بِذَلِكَ أَنَّ الرَّجل أَمِينٌ، هَذَا السَّبَبُ فِي قَوْلِهِ: [وَهِيَ المُرْسَلَةُ]، وَلَكِن تَعْيِين القائلة بأنها المُرْسَلَة، أو الباقية أَمْرٌ لَا نَعْرِفُهُ، وحسبُنا أَنْ نُبْهِم ما أَبْهَمَهُ اللَّه تعالى.
قوله ﵎: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ هَذِهِ التاء مُبْدَلَةٌ مِن الياء، والأصل: يا أبي، و ﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾ أي: اجعله أجيرًا عندك، وهذا الأمر ليس بمعناه الحقيقي، فهو ليس
стр. 102
طلبًا للفِعل عَلَى وَجْهِ الاستعلاء؛ لِأَنَّ الْبِنْتَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تأمُرَ أباها أمرًا، ولكنه للاستعانة.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [اتَّخِذْهُ أَجِيرًا يَرْعَى غَنَمَنَا بَدَلَنَا]، وهنا فائدتان للبنتين، أولًا: سوف تَرْتَاحَان مِنَ الْعَمَلِ، ثانيًا: أَنَّ الرَّجُلَ قويٌّ وأمين، وَنَحْنُ فِي طُمَأْنِينَةٍ منه، وكذلك نَحْنُ فِي طُمَأْنِينَةٍ مِنْ أَنَّهُ سوف يَسْقِي لنا سَقْيًا كاملًا لقُوَّتِه.
قوله ﵎: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ أي: استأجِرْه لقُوَّتِه وأَمَانَتِه.
فقولها ﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾ حُكم، وقولها: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ﴾ تعليلٌ، يعني: استأجره؛ لأنَّه قويٌّ أمين، لكنها أتت بالتَّعلِيل عَلَى سَبِيلِ القاعدة العامَّة، لَوْ قَالَتِ: استأجره إنه قويٌّ أمينٌ، صَارَ هَذَا تَعْلِيلًا لمسألةٍ خاصة، وهي استئجار موسى، لكنها أتت بِهَذِهِ الْعِلَّةِ مُنْطَوِيَة تحت قاعدة عامَّة، وهي: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾، وهذان الوصفان هما رُكنان فِي كُلِّ عَمَلٍ، فكل عَمَلٍ لابدَّ لَهُ مِنْ هَذَيْنِ الأمرين، لَا يَكُونُ إِلَّا بِهِما، وهما القُوَّة والأمانة، فبالقُوَّة يَكُونُ الْفِعْلُ، وبالأمانة يكون تَمَامُ الْفِعْلِ، فغيرُ القويِّ لَا يَفْعَلُ، وغيرُ الأمين لا يُتَمِّمُ الفِعل، وَقَدْ لَا يَفْعَلُهُ أصلًا، وَلذَلِكَ إِذَا كَانَ الإِنْسَان قويًّا أمينًا حَصَلَ بِهِ تَمَامُ الْفِعْلِ، فِي غَيْرِ المستأجر، يعني: فِي الْإِجَارَةِ إننا نطلب الْقَوِيَّ الْأَمِينَ فِي جَمِيعِ الأعمال، لو وكَّلنا شخصًا عَلَى بَيْعٍ فخيرُ مَن نُوَكِّل ﴿الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾.
إذا أَرَدْنَا أَنْ نُؤمِّر شخصًا على قرية، فخيرُ مَن نُؤَمِّرُ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ، وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُولِّيَ شخصًا عَلَى قَضَاءِ بلدٍ فخيرُ مَن نُوَلِّي عَلَى الْقَضَاءِ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ، وَلِهَذَا قَالَ الجنِّي لِسُلَيْمَانَ ﵇: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾
стр. 103
[النمل: ٣٩]، وهو ليس بأجير.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾: [فَسَأَلَهَا عَنْهُ، فَأَخْبَرتُهُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ رَفْعِ حَجَرِ البِئْرِ، وَمِنْ قَوْلِهِ لَهَا: امْشِي خَلْفِي، وَزَيادَةُ أَنَّهُ لمَّا جَاءَتْهُ، وَعَلِمَ بِهَا صَوَّبَ رَأْسَهُ، فَلَمْ يَرْفَعْهُ، فَرَغِبَ فِي إِنْكَاحِهِ]، أي: سألها أبوها عن القُوة والأمانة، وكيفية معرفتها بهاتين الصِّفتين، فَذَكَرَتْ لَهُ، وَأَخْبَرَتْهُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ رَفْعِ حَجَر البئر، وكان مِن العادة أَنْ يَرْفَعَهُ عَشَرَةُ أنفُس، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى قُوَّتِه، وكانت تمشي أمامَه والريح تكشف ساقَيْهَا، فقال: كُونِي وَرَائِي. وَهَذَا دَليلٌ عَلَى أَمَانَتِهِ.
كذلك أيضًا زَيادَةٌ مِنَ الْأَمَانَةِ أَنَّهُ لمَّا عَلِمَ بِهَا موسى خَفَضَ رأسَه، فلم يرفعه، وَهَذَا مِنَ الْأَمَانَةِ، لكن نَحْنُ لَا نحتاج إِلَى هَذِهِ القضايا الثلاث، بل هنا يكفينا أنهما عَرَفتا أَنَّهُ قَوِيٌّ لِنَزْعِه الدَّلْوَ، وسَقْيِه لهما، وَأَنَّهُ أَمِينٌ؛ حَيْثُ إِنَّهُ سقى سَقْيًا تامًّا، وَلَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا مِنَ الْغَنَمِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَمَانَتِهِ.
فالأمانة والقُوَّة أُخِذَتَا مِن سَقْيه، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَصطَنِعَ شيئًا لِأَجْلِ أَنْ نُمَهِّد لكونه قويًّا أمينًا، لَيْسَ هناك حَاجَةٌ لهذا، فالإِنْسَان يُعرَف بقُوَّته مِن نَزْعِه الدَّلْوَ، فالإِنْسَان يَحْمَرُّ وجهُه، وتَيْبَسُ يَدُه، ولكن مُوسَى لم يَتَغَيَّرْ وجهُه، ونَزَعَهُ بسُهولة ويُسْرٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَوِيٌّ، وكَوْنه أيضًا يَسْقِي سَقْيًا كاملًا، فيَدع الغَنَم حتى تروَى، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَمِينٌ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الأمين لا يسقي سَقْيًا كامِلًا، بل ينزع الدلو قبل الرِّيِّ، لكن الأمين هُوَ الَّذِي يَأْتِي بالشَّيْء عَلَى وَجْهِهِ، فَهَذَا وَجْهُ معرفتهما لِقُوَّتِه وأمانتِه.
стр. 104
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: الأصلُ وجوبُ طاعةِ وليِّ الأمر، وَلَا يُوجَدُ مَا يَمْنَعُ هَذَا الْأَصْلَ؛ إِذْ إِنَّك لَا تَدْرِي: هَلْ هُوَ ظالمٌ أَمْ لَا، وَلأَنَّهُ مِنَ المشقَّة أَنَّ الجُندي -مثلًا- إذا أَمَرَهُ مَن فَوْقَه أَنْ يَضْرِبَ، أو يحبس، أَنْ يَقُولَ: لماذا أضربُ؟ لماذا أَحْبِسُ؟ وَلأَنَّ هَذَا يُؤَدِّي إِلَى الفوضى، وتَفَكُّك الحُكومة والدولة؛ فلهذا نقول: يَجِبُ عَلَيْك التنفيذُ مَا لَمْ تَعْلَمْ أنه معصية للَّه.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بالتفصيل، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْآمِرُ معروفًا بالظُّلم؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ الْإِقْدَامُ عَلَى مُوَافَقَتِهِ، إِلَّا إِذَا علمتَ انتفاءَ الظلمِ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ المُعَيَّنة؛ تقديمًا للظاهر عَلَى الْأَصْلِ، فظاهِرُ حال هَذَا الْأَمِر -مثلًا- أنه ظالم، فَيُقَدَّمُ عَلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ عَدَمُ الظُّلم، ووجوب الطاعة، وهذا التقسيم لَا بَأْسَ بِهِ، نعم، فيه ثِقَلٌ أيضًا؛ لِأَنَّهُ -وَإِنْ كَانَ ظَالمًا- فقَدْ لَا يَظْلِمُ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ جُنديًّا، حَتَّى لَوْ كَانَ الْإِمَامُ معروفًا بالظُّلم، بَلْ قَدْ يَجِبُ أحيانًا إِذَا كَانَ وُجُودُهُ فِي هَذَا يخفف بَعْضَ الْأَشْيَاءِ.
وَلَا يُعَارِضُ قَوْلَنَا هَذَا قَوْلُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: ١١٣]، فهو يريد: لَا تَمِيلُوا إلَيْهِم بمساعدتهم في الظُّلم.
فأَنْ تَصِيرَ جُنديًّا لَهُمْ هَذَا لَا شَيْءَ فِيهِ، ولكن أن تَنْضَمَّ إلَيْهِم وتساعدهم، أو تُقَوِّي جانبهم -ولو مَعنويًّا- فَهَذَا لَا يَجُوزُ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: جَواز تَكلُّم المرأة بحضور الأجنبي، وَلَكِنْ ظَاهِرُ الْحَالِ أَنَّ مُوسَى ﵇ لَمْ يكن قد نزلت عليه شريعته بعدُ، وهناك مَنْ يَقُولُ كَانَ الْأَمْرُ
стр. 105
بحضرة شُعيب النَّبيّ. وَلَكِنَّ هَذَا أَيْضًا غَيْرُ مُسَلَّمٍ به.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ: يجوز كلام المرأة بِحَضْرَةِ الْأَجْنَبِيِّ حتى عِنْدَنَا فِي الْإِسْلَامِ، ولكن بِشَرْطِ عدم الفتنة، فإن خُشيت الْفِتْنَةُ فِي الْكَلَامِ فيجب الامتناع، فإن الامتناعَ خَوْفَ الْفِتْنَةِ -حتى عَنِ المُبَاحِ- مِنَ الْأُمُورِ المعروفة.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: تصدير الدُّعاء بـ (رَبِّ)، وَاللَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ، ثم هَذَا أَيْضًا وَارِدٌ فِي السُّنَّةِ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: مَشُورة الأدنى للأعلى؛ لقولها: ﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ هنا ليس للإلزام، ولكن للمَشُورة والعَرض، فَقَدْ يَكُونُ الأدنى أَعْلَى مِنَ الْأَعْلَى فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، كما أَنَّ المفضول قَدْ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنَ الفاضِل فِي بَعْضِ الْأُمُورِ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: الرُّجُوعُ فِي الْأَعْمَالِ إِلَى هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ: القُوَّة والأمانة.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَرَّى الْإِنْسَانُ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ مَنْ كَانَ قَوِيًّا أمينًا، لقَولها: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾، والقوة فِي الْعَمَلِ بِحَسَبِه، فالقُوَّة عَلَى الْأَعْمَالِ البَدَنِيَّة معناها قُوَّةُ الْبَدَنِ، وَالْقُوَّةُ فِي الْأُمُورِ الفكرية قوة الْفِكْرِ فِي هَذَا الشَّيْء، وَالْقُوَّةُ فِي الْأُمُورِ الحربيَّة الحربُ نفسُها، فَكُلُّ شَيْءٍ قُوتُهُ بِحَسَبِه، وباختلال أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ يَخْتَلُّ العَمَلُ، فإذا اخْتَلَّتِ القُوَّة، وصار الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُومَ بالعَمَل -وَلَوْ كَانَ مِنْ آمَنِ النَّاسُ- يجب أن يتنحى، أو يجب تنحيته، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﵊ لأبي ذَرٍّ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ" (١). стр. 106
فقوله: "إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا" الضعف هنا ضِدُّ الأمانة، وضِدُّ القُوة، فَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ أمينًا لكنه ضَعِيفٌ فِي تولي الأعمال.
فعليه نقول: إِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ تَخْتَلُّ فيه القُوة، أو الأمانة، والكمالُ وُجود القُوة، ووجودُ الأمانة.
* * *
стр. 107
الآية (٢٧)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ وَهِيَ الْكُبْرَى، أَوِ الصُّغْرَى ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي﴾ تَكُونَ أَجِيرًا لِي فِي رَعْي غَنَمِي ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ أَيْ سِنِينَ ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا﴾ أَيْ رَعْي عَشْرِ سِنِينَ ﴿فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ التَّمَامُ ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بِاشْتِرَاطِ الْعَشْرِ ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ لِلتَّبرُّكِ ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ الْوَافِينَ بِالْعَهْدِ].
قوله تعالى: ﴿أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ﴾ هَذَا وَعْدٌ بنكاحٍ، وليس عقدًا، وَعَلَى هَذَا، فَلَا يَكُونُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْعَقْدِ عَلَى المُبْهَمَة؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: ﴿أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ﴾ ومعناه: أُزوِّجُك؛ لأن النكاح أصلُه: الضَّمُّ وَالْجَمْعُ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ يضم زوجته إليه، ويَسْكُن إليها.
وقوله تعالى: ﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ مُبْهَم؛ فَلَا نَدْرِي: أَهِيَ الكُبرى أَمِ الصُّغرى، ولهذا يقول المُفَسِّرُ ﵀: [وَهِيَ الكُبْرَى، أَوِ الصُّغْرَى].
وقوله: ﴿ابْنَتَيَّ﴾ أصلُها: ابْنَتَيْنِ لي، فحُذفت النُّونُ مِنْ أَجْلِ الإضافة؛ وهي
стр. 108
مجرورة بالياء نيابةً عن الكسرة؛ لأنَّه مُثَنّى، وحُذفت النُّونُ مِنْ أَجْلِ الإضافة.
وقوله: ﴿هَاتَيْنِ﴾ اسم إشارة لتعيين البنتين، وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ لَهُ بناتٍ أُخْرَيَات؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ تُثْبِتُ مَنْ عَدَاهُمَا، أَوْ أَنَّ المَعْنَى أَنَّ مُوسَى ﵊ قَدْ لَا يَعْلَمُ أَنَّ هَاتَيْنِ البنتين له، وَهَذَا هُوَ الأقرب.
وأمَّا تعيينُهما بالإشارة، فَلِئَلَّا يَتَوَهَّمَ المخاطَب أَنَّ لَهُ بناتٍ أُخْرَيات، وَلَيْسَ المَعْنَى أَنَّهُ يُعيِّن هاتين ليُخْرِج بقية البنات.
والغريب أَنَّ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ قَالَ: إِنَّ هَذَا لإخراج بقيَّة البنات؛ لأن البناتِ سَبعٌ، وهذا أخرجهما بالتعيين.
فيُقال: لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي الآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، ولكني عندما أقول لشخص: أنا أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ، وعندي امرأتان. فهل يفهم أنها منهن؟ لا، لَا يَفْهَمُ حتى أقول: هاتان. فـ ﴿هَاتَيْنِ﴾ فِي الآيَةِ عَلَى هَذَا المَعْنَى.
وقوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي﴾، يعني: تأجُرني نفسَك، أي تكون أجيرًا لِي فِي رَعْيِ غنمي.
وقَوْلُهُ تعالى: ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ أي: ثَمَانِي سِنِينَ، وهو جُمع حِجَّة.
وقَوْلُهُ تعالى: ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا﴾، أي: رَعْيَ عَشْرِ سِنِينَ.
وقَوْلُهُ تعالى: ﴿فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ التمام، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، أَخْبَرَهُ أنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُزَوِّجَهُ إِحْدَى ابْنَتَيْه، وَيَكُونَ المَهْرُ أن يرعى الغَنَمَ ثَمَانِيَ سِنِينَ.
وَلَكِنْ مِنْ أين يُعْرَفُ أَنَّ المُرَادَ رعيُ الغَنم؛ إِذْ قَدْ يقول: تأجرني نفسك لِأَجْلِ أَنْ تكون بَنَّاء عندي، أو حَرَّاثًا، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؟
стр. 109
والجوابُ: أنه يُفْهَمُ مِن سؤال البنات، وسياق القصة، عندما قَالَتْ إِحْدَاهُمَا: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾، والعَمَل الذي أمامه الآنَ هُوَ رَعْيُ الغَنَم، فعُرف بِذَلِكَ أَنَّ صاحِبَ مَدْيَنَ أَرَادَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مُوسَى ﵊ في رعي الغَنَم ثمانيَ سنوات؛ فإنْ أَتَمَّ عَشْرًا، فَمِنْ عِندِه، يعني: السَّنَتان تكونان تَبَرُّعًا، وَالْعَقْدُ عَلَى ثَمَانِي سنوات.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [بِاشْتِرَاطِ العَشْرِ]، وَقَوله هَذَا فِيهِ نَظَرٌ ظاهرٌ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ العَشر لو قَبِلَه موسى، فلا مَشَقَّةَ فِيهِ، وإلَّا لَقُلنا: إن اشتراط الثماني بدل الست فِيهِ مَشَقَّةٌ، وَلَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ أي: فِي حَالِ معاملتك فِي تَنْفِيذِ العَقد، أي: يَا مُوسَى، سأتساهل لَوْ مَرَّ يَوْمٌ، أَوْ أيام ما رعيت فيها. وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أو حصل عليك أثرٌ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ غَيْرِهِ؛ فإنني لا أَشُقَّ عَلَيْكَ بهذا.
وتكون عدم المَشَقَّةُ فِي تَنْفِيذِ الإجارة، أَمَّا فِي زِيادَةِ المدة، فليست بمشقَّة، وإلا لَوْ قُلْنَا: إِنَّ الثمانيَ بالنِّسبة للسِّت تكون مَشقة. فالصَّواب بلا ريب: لَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ حالَ تنفيذ العَمَل؛ لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَقُوُل: عندك مَشَقَّةٌ فِي المُعَامَلَةِ فِي حَالِ تَنْفِيذِ العَقد، تجده -مثلًا- لَا يَسْمَحُ لَهُ أَنْ يَتَأَخَّرَ، وإذا مرض يُلزمه، أَوْ يَقُوُل: عَوِّضْنِي عَنْ هَذَا الْيَوْمِ، أو أَسْقِطْ لِي مِنَ الأجرة، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَهُوَ يَقُوُل: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾.
وَلِهَذَا قَال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، فوعده فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿سَتَجِدُنِي﴾ فِي المُسْتَقْبَلِ؛ لأن السين هَذِهِ تُحَوِّل المضارع إلى المستقبل، وهي -كما مَرَّ علينا- تُفِيد التحقيق والتقريب، فَفِيهَا ثَلَاثُ فَوَائِدَ إِذَا دَخَلَتْ على المضارع:
стр. 110
تحويله للمستقبل، وتحقيقه، وتقريبه.
قوله تعالى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ مِن: وَجَدَ يَجِدُ، إِذَا أَدْرَكَ الشَّيْء، وَلَكِنَّهُ قَالَ: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صاحب مَدْيَنَ مُؤمن؛ لأن كلامه هَذَا يَدُلُّ عَلَى إِيمَانِهِ، وَأَنَّهُ عَلَى مِلَّةٍ.
وقوله: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ تعليق، فَهَلْ هُوَ تَعْلِيقٌ يُرَادُ بِهِ حقيقتُه؟
يقول المُفَسِّرُ ﵀: [إِنَّهُ لِلتَّبَرُّكِ]، والذي حَمَل المُفَسِّر عَلَى ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَتَجِدُنِي﴾ وعدٌ منه، والوعدُ إِذَا عُلِّقَ لَمْ يَكُنْ مجزومًا به؛ وَلِهَذَا قَالَ: [﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ لِلتَّبَرُّكِ]؛ لئلا يُنافيَ الوعدَ، وَلَكِنَّهُ فِي الحقِيقَةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْمِلَهُ على التَّبَرُّك، بل يَحْمِلُهُ عَلَى التعليق الحقيقي بالمشيئة؛ لأن عزم الْإِنْسَانِ عَلَى الشَّيْءِ مجزومٌ به، لكن تنفيذ الشَّيْءِ لَا يَسْتَطِيعُ الْإِنْسَانُ أَنْ يجزم به أبدًا مَهْمَا كَانَ الْعَمَلُ، يَقُولُ ﵎: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤].
ولذلك فنحن نرى أَنَّ قَوْلَهُ: [لِلتَّبَرُّكِ] غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لأن تنفيذ هذا الشَّيْء ليس بيدي صاحب مَدْيَنَ، فان الأُمُور قد تُخلَف.
وقوله: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ جملة مُعترضة بين الفِعل ومفعوله؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ ﴿سَتَجِدُنِي﴾ يَنْصِبُ مفعولين، المفعول الأول الياء، والمفعول الثَّانِي قَوْلُه: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
وقوله: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: الوافِين بالعَهد؛ لأن صلاح كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِه، فهنا المسألة عَقْدُ إِجَارَةٍ، والصلاح فيها يكون بالوفاء، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ بحَسَبِه، وَالصَّلَاحُ فِي الدِّينِ هُوَ الْقِيَامُ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وصلاحُ الطعام أَلَّا يَكُونَ متغيرًا برائحةٍ كريهة، أَوْ فَسَادٍ، فالصلاح فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بحسبه.
следующие страницы →