الآية (٦٤)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤].
* * *
قوله: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: (مَا): نافِيَةٌ وليست حِجَازَّيةً؛ لأن النَّفْي انتَقَضَ، وابن مالك ﵀ يقول في الألْفِيَّةِ (١):
إِعمالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ (مَا) دُوْنَ (إِنْ) ... مَعَ بَقَا النَّفْي وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ
فالشاهد قوله: [مَعَ بَقَا النَّفْي] أي: بشرطِ ألا يَنْتَقِضَ نفْيُها.
وقوله: ﴿هَذِهِ﴾ الإشارةُ هنا للتَّحْقِيرِ ودُنُوِّ مرْتَبَتُهَا، والإشارةُ للتَّحقِيرِ وارِدَةٌ في اللُّغةِ العربِيَّةِ كما في قوله تعالى عن الكفَّارِ: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦]، يعني: ما هذا الحقيرُ الذَّلِيلُ الذي يذْكُرُ الآلهةَ، وهي عندهم عَظِيمَة وعالِيَةٌ.
وقوله: ﴿الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ هي الدَّارُ التي نحن فيها، ووُصِفَتْ بالدُّنْيا لسببين: لدُنُوِّها زَمنًا، ودُنُوِّهَا مَرتبةً.
وقوله: ﴿الْحَيَاةُ﴾ جاء بها ليُقابِلَ بها الحياة الثانية.
стр. 387
قوله : ﴿إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ هذا الحصْرُ حَقِيقِيٌّ، فالدُّنْيَا تنْحَصرُ في هذين الأمرين: في اللَّهْوِ واللَّعِبِ، والفرقُ بينَ اللَّهْوِ واللَّعِبِ أن اللَّعِبَ بالجوارِحِ، واللَّهْو باللِّسانِ، لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦]، وقالَ تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ [الطور: ١٢].
وقيل: إن اللَّهْوَ في القَلْبِ وهو غَفْلَتُهُ وانطلاقُهُ في الملاهِي، أي: فِيمَا يُلْهِيهِ عَنْ طاعَةِ اللَّه ، وأن اللعبَ بالجوارِحِ مِنَ اللسانِ وغيرِ اللِّسانِ، وهذا أقربُ: أن اللَّهْو في القُلوبِ واللَّعِبِ في الجَوارِحِ.
فحاصل الدنيا أنها لهو يَلْهُو به الإنسانُ، غَفَلاتٌ يَمِينٌ وشِمالٌ، وكذلك لَعِبَ، حتى الأمورُ الجِدِّيَّةُ التي في الدُّنْيا هي لَعِبٌ لأنها تذْهب ولا تَبْقى، أو يذْهَبُ عنها صاحِبُها، فهي كلَعِبِ الأطفالِ يتَسَلَّوْنَ به ما دَامُوا أطْفالًا، ثم يهْجُرونُه إذا كَبِروا وعَقَلوا وعرَفوا ما هم عليه.
وقَال المُفَسِّر ﵀: [فَأَمَّا القُرَب فَمِنْ أمورِ الآخِرَةِ لظُهورِ ثَمرَتِها فيها]: هذا جوابٌ عن سؤالٍ مُقَدَّرٍ: كيف تكون الدُّنْيَا لهْوًا ولَعبًا، مع أن الإنسان يعْمَلُ فيها عمَلًا صَالحًا؛ يُصَلِّي ولزَكِّي ويصومُ ويحُجُّ ويَبَرُّ والِديه ويَصِلُ رَحِمَهُ، وما أشبه ذلك، هل هذا يُعَدَّ من اللَّعبِ؟
فيقول المُفَسِّر ﵀: ليس بِلَعِبٍ مع أن هذه القرباتِ في الدُّنْيا وذلك لأن ظهورَ ثَمرتِهَا في الآخرة، ولهذا قال: "أمَّا القُرَبَ فمِنْ أمورِ الآخِرَةِ لظهورِ ثَمَرتِها فيهَا" وصدَقَ المُفَسِّر ﵀، فإن الأعمالَ الصالحَةَ ليست من أعمالِ الدُّنيا, ولهذا لو أرادَ بها الإنسانُ الدُّنْيَا لبَطَلت ولم يكن له أجْرٌ فيها.
стр. 388
قال شيخُ الإِسلام ﵀ (١): "من حَجَّ ليَأْخُذَ فليس له في الآخرة من خلاق". يعني: من نَصِيبٍ، ولا شكَّ أن هذا الكلامَ الذي ذكَرَهُ الشيخ يدُلُّ له قولُه تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦]، ويُدَلِّلُ له قولُهُ ﵊: "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ. . . " الحديثَ (٢)، والحاصلُ أن أعمالَ الآخرةِ ليست مِنْ أعمالِ الدُّنْيا، بل إذا أُرِيدَ بها أعمالُ الدنيا بَطَلَتْ.
قوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ هذه الجملة مؤَكِّدَةٌ بثلاثةِ مؤكِّداتٍ: إن، واللام، وضميرِ الفصل.
وقوله: ﴿الْحَيَوَانُ﴾ بمعنى الحياةِ، لكنها جاءتْ على هذا الوزنِ للمبالَغَةِ، ﴿الْحَيَوَانُ﴾ على وزن (فَعَلان)، ففيها زيادَةُ الألفِ والنُّونِ للمبَالَغَةِ، والواو قيل: إنها منْقَلِبَةٌ عن (ياء) وأنها قُلِبَتْ واوًا لئلا تَلْتَبِسَ بالمثَنَّى، هذا رأي سِيبَويه لأن أصلَهَا (حَيِي يَحْيا)، وقيل: الواوُ أصلية، لكن قُلِبَتْ ياءً لتَحَرُّكِهَا وانكسارِ ما قبْلَهَا.
فالحياةُ الحقيقيةُ هي حياة الآخرة؛ لأن حياةَ الدُّنيا في الحقيقة ليست حياة، ولذلك يقولُ الكافِرُ يومَ القيامة: ﴿يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤]، فالحياة الدنيا ليست حياةً:
أولًا: لأنها منَغَّصَةٌ، فكُلُّ صَفْوِهَا كَدَرٌ.
стр. 389
وثانيًا: أنها غَيْرُ باقِيَةٍ.
وثالثًا: أن الإنسانَ مُهدَّدٌ فيها فلا يَدْرِي متَى يَجِيئهُ أجَلُهُ صُبحًا أو مساءً، وكم مِنْ إنسان خرجَ من أهلِهِ ولم تَرْجعْ إلا جُثَّتُهُ، وكم من إنسان على كرْسيه فجاءَهُ الموت فلم يُكْمِلِ الكتابَةَ التي يخُطُّها بيَمينِهِ، ولهذا يقول الشاعر (١):
لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ... لَذَّاتُهُ بِادِّكَارِ المَوْتِ وَالهَرَمِ
مهما طالتْ بك الحياة سوف تهْرَمُ وتَدَعُ هذا العيشَ الطَّيِّبَ، أو تموتَ فلا تَبْقَى لهذا العيش أصلًا.
والحاصل: أن الدارَ الآخرة -صدَقَ ربنا جل وعلا- هي الحيوانُ، فهي التي ينْبَغِي للإنسانِ العاقِلِ أن يَسْعَى لها، والغريبُ أنه إذا سَعَى للآخرة حصَّلَ الدنيا والآخرة، وإذا سَعَى للدُّنْيَا فقط فاتَتْهُ الدُّنيا والآخرة، والدَّليلُ على ذلك قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [الشورى: ٢٠]، ومعنى: ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ نُعْطِهِ حرْثَ الآخِرَةِ مع الدُّنْيَا، لقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ هذا جَزاءٌ عاجِلٌ، ثم قال تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، هذا الجزاءُ الآجِلُ، ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [الشورى: ٢٠]، ولا نُعْطِيهَا لغَيرِهِ، وهذا الوعدُ مَقْرُونٌ بالمشِيئَةِ كما في آية الإسراءِ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨]، قال: ﴿مَا نَشَاءُ﴾، ولم يَقُلْ: عَجَّلْنَا له فِيها مَا يُريدُ ولا بَعضَ ما يُرِيدُ، ثم قالَ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨].
стр. 390
قوله : ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، المُفَسِّر ﵀ يقولُ: [﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ مَا آثَرُوا الحياةَ الدُّنْيَا عَلَيْهَا]: أي لو كانوا يَعْلمونَ الفَرْقَ بينَ الدُّنْيا والآخِرَةِ ما آثَرُوا الحياةَ الدُّنْيا عليها، وهذه جملَةٌ مستَأْنَفَةٌ، و (لَوْ) ليست صالةً تَتَعَلَّقُ بما قَبْلَهَا, ولكنها مسْتَأنفَةٌ، فهي شَرطِيَّةٌ وجوابُ الشرطِ محذُوفٌ قدَّرَهُ المُفَسِّر ﵀: [﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ مَا آثَرُوا الدُّنْيَا عَلَيْهَا]، وتقديره ﵀ يَصِحُّ أن يكونُ جوابًا، لكنَّ الجوابَ أبلَغُ مِمَّا قدَّره المفَسِّرُ، فحُذِفَ لأجلِ أن يبْلُغَ الذِّهْنُ في تقدِيرِهِ كلَّ مبْلَغٍ ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ لعَمِلُوا لها لَيْلًا ونَهارًا، والمعنى: أن مَنْ قَدِمَ الدُّنَيا على الآخِرَةِ فليس عنده عِلْم، ولو كان يعلَمُ حقيقةَ ومن ذِويَ العِلْمِ والفَهمِ، ما قدَّمَها على الآخرة.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: بيانُ حقارةِ الدُّنْيَا وأنها ليستْ بشيءٍ مُطْلَقًا، لقوله: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾، فظاهرُ الآية أن الدُّنيا لَهْوٌ ولَعِبٌ على سَبيلِ الإطلاقِ، ويُمْكِنُ أن نقولَ إن ذَلِكَ على سبيلِ المقارَنَةِ بالآخِرَةِ، لقولهِ: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، وأما القُرَب فقد سبقَ قولُ المُفَسِّر ﵀: [إنَّها مِنْ أعمالِ الآخِرَةِ لظُهورِ ثَمرتِهَا فِيهَا].
الفَائِدةُ الثَّانِيةُ: لا يجوز أن يُقْصَدَ بأعمالِ الآخرةِ شيئًا مِنْ أعمالِ الدُّنْيَا؛ لأن الدنيا لهوٌ ولَعِبٌ، والدارُ الآخرة هي الحيوانُ، وعليه فالمسائلُ التي يُقْصَدُ بها الآخرةُ لا يجوزُ أن يُؤخَذَ عليها عِوضٌ مِنَ الدنيا، وهذا فيه خِلافٌ بين أهلِ العِلم في باب الإجارَةِ.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: كما حياةُ الآخرةِ، لقولِهِ: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾
стр. 391
وهو كذلك؛ لأن الدارَ الآخِرَةَ دائمةٌ إما عَلَى الخير وإما عَلَى الشَرِّ.
الفَائِدةُ الرَّابِعة: الحثُّ على العِلْمِ، لقولِهِ: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
الفَائِدةُ الخامِسة: أن مِنَ العِلْمِ بل من أفضلِ العُلومِ التفريقُ بين الأمور النافِعَةِ والأُمورِ الضَّارَّةِ، وهذا التَّفْرِيقُ من أعظمِ ما يكونُ، وإذا أُوتِيه طالبُ العِلمِ فقدْ أُوِتِيَ خَيرًا كثيرًا، فإذا أُوتِيَ مَعْرِفةَ الفرقِ بينَ الأمورِ النافِعَةِ والضَّارَّةِ ومعرفةِ الفَرقِ بينَ الأمورِ المتَشَابِهةِ في العلم، فقَدْ نالَ خَيرًا كثيرًا.
ولذا أهلُ العلمِ يُؤَلّفُونَ كُتبا يُسَمُّونَهَا الفروقَ والتَّقَاسِيمَ، يذْكُرونَ فيها الفَرْقَ بينَ الفرضِ والنَّفْلِ، والفَرْقَ بينَ الأذانِ والإقامَةِ، والفرقَ بين الجَعالَةِ والإجَارَةِ، والفَرقَ بينَ العَطِيَّةِ والوَصِيَّةِ، وهذه الكتُبُ مُفِيدَةٌ لطالبِ العِلْمِ، ولشيَخْنَا الشيخِ عبدِ الرَّحمنِ السَّعْدِي ﵀ رسالةٌ في هذا الموضوعِ، وهي مُفِيدَةٌ في هذا البابِ.
* * *
стр. 392
الآية (٦٥)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥].
* * *
قوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا﴾ الضمِيرُ يعودُ على المشْرِكِينَ، يعني: سَلْ هؤلاءِ عن آلهَتِهِمْ هل هُمْ يَرْجِعونَ إليها عندَ الشَّدائدِ أم يَعْتَرِفُونَ بأنه لا يُفرِّج الكربَ والشدَّةَ إلا اللَّهُ؟
الجوابُ الثَّانِي: فهم معتَرِفُونَ بأن أصنَامَهُم لا تَنْفَعُهُم، واعتَرفُوا فيما تقَدَّمَ منَ الآياتِ بأن الذي خلقَ السمواتِ والأرض هو اللَّه ، وأن الذي يُنزِّل مِنَ السماءِ مَاءً هو اللَّه جَلَّ وَعَلَا، وأن الَّذِي سَخَّرَ الشَّمسَ والقمَرَ هو اللَّه جَلَّ وَعَلَا، وأن الذي يَدْفَعُ الضُرَّ هو اللَّه جَلَّ وَعَلَا كما في هذه الآيَةِ.
قوله: ﴿الْفُلْكِ﴾ السُّفُن أو السفينة؛ لأنه لفْظٌ صالِحٌ للجَمْعِ والمفْردِ، قال : ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢]، فالفُلْكُ هنا مُفْرَدٌ.
قوله: ﴿دَعَوُا﴾: الفعلُ أصْلُهُ (دعا) فحُذِفَتِ الألِفُ وبقِيَتِ الفتْحةُ دَليلًا عليه، و (الواو) ضميرٌ في محلِّ رفعٍ، حُرِّكَتْ بالضَّمِّ لالتقاءِ الساكنين، سكونُ الواوُ وسكون (ال) في لفظِ الجلالةِ، وإن كانتِ القاعِدَةُ أن تُحذَفَ الواوُ، وقد تَقَدَّمَ قولُ
стр. 393
ابنِ مالك ﵀ في الكافية:
إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكسِرْ مَا سَبَقْ ... وَإِنْ يَكُنْ لَيْنًا فَحَذْفُهُ اسْتَحَقْ
لكنَّ حذْفَ الواوِ هنا غيرُ ممكنٍ؛ لأننا لو حَذَفْنَا الواوَ استَلْزمَ ذلك إرجاعُ ألِفِ الفِعْلِ، وهذا يؤَدِّي إلى أنه لا يكونُ لدَينا دَليلٌ على الضَّمير، فصارَ وجودُ الضمير لا بُدَّ منه، وحُرِّكَ بالضمِّ لأنه يجَانِسُ الواو، ولأن ظُهورَ الفتحةِ على الواوِ ثقيلٌ جدًا، والضَّمة أقربُ لمجانَسَتِهَا الواو، وهذا كثير في القرآنِ.
قوله: ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ دعاءُ مسألَةٍ.
وقوله: ﴿مُخْلِصِينَ﴾ الإخلاصُ: تَنْقِيَةُ الشيءِ عما يَشُوبُهُ، فمعنى ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ﴾ أي: لا يجْعَلُونَ مع هذا الدعاءِ دعاءً لشيءٍ مِنَ الأصنامِ.
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿لَهُ الدِّينَ﴾ أي: الدُّعاءُ]: لأن الدُّعاءَ عِبادَةٌ فهو مِنَ الدِّينِ؛ لأن الإنسان حين يدْعُو رَبَّهُ متَعَبِّدًا يَشْعُرُ بأنه سيُثَابُ على هذا فيكون من الدِّينِ، ولهذا قالَ: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.
قوله ﵀: [لَا يَدْعُونَ مَعهُ غَيْرَهُ] لأنهم في شِدَّةٍ لا يكْشِفُهَا إلا اللَّهُ، وهم بذلك معْتَرِفُونَ ومضَطَرُّونَ؛ لأن الواحدَ منهم في هذه الحالِ لا يُمكِنُ أن يَدْعُو صَنَمًا؛ لأنه يعْلمُ أن الصَّنَمَ لا ينْفَعُه، فلا يَدْعُونَ إلا اللَّه، وهذه حُجَّةٌ رابِعَةٌ عليهم:
الحُجَّةُ الأُولَى: خَلْقُ السمواتِ والأرضِ.
الحُجَّةُ الثانيةُ: تَسْخِيرُ الشمسِ والقمرِ.
الحُجَّةُ الثالثةُ: إنزالُ الماءِ مِنَ السماءِ وإحياءِ الأرْضِ.
стр. 394
الحُجَّةُ الرابِعَةُ: دعاؤُهُم اللَّه جَلَّ وَعَلَا في حالِ الشِّدَّةِ.
والحُجَّةُ الخامِسَةُ: إخلاصُهُم الدُّعاءَ في حالِ الشِّدَّةِ للَّه جَلَّ وَعَلَا.
قوله : ﴿فَلَمَّا﴾ شَرْطِيَّةٌ، وفِعْلُ الشَّرطِ: ﴿نَجَّاهُمْ﴾ وجوابُهُ: ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾، و ﴿إِذَا﴾ يُسَمِّيهَا النَّحْويونَ فُجَائية، والفُجَاءَةُ الشيءُ الذي يَأْتِي بَغْتَةً، والمعنى أنهم إذا نُجُّوا إلى البَرِّ فاجَؤوا وبادَرُوا بالشركِ -أعوذ باللَّه- جزاءَ النِّعْمَةِ أن يكفروا.
والمعنى: فلما نَجَّاهُمْ اللَّه وأنْقَذَهُم مِنَ الشِّدَّةِ التي هم فيها إلى البَرِّ الذي هو شاطئُ السلامةِ ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾.
وقوله : ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ جملةٌ اسميَّةٌ تُفِيدُ الثُّبوتَ، أي أن الشِّرْكَ صارَ كالصِّفَةِ اللازمة لهم، فهم مُسْتَمِرُّونَ على الشركِ مُبادِرُونَ به، وهذا غَايَةُ ما يكون من اللُّؤمِ؛ لأن الإنسانَ بطَبِيعَتِهِ وفِطْرتِهِ لا يَكْفُرُ بمن أنْعَمَ عليه، بل يَشْكُرُ مَنْ أنعَمَ عليه، أما هؤلاء فإنهم بمُجَرَّدِ حصولِ نِعمةِ النَّجاةِ يُشْرِكُونَ.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: بيانُ أن المشرِكينَ يُخْلِصُونَ في حالِ الشِّدَّةِ ويُشْرِكُونَ في الرخاءِ، لقولِهِ: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾.
الفَائِدةُ الثَّانِية: اعترافُ المشرِكِينَ ضِمْنًا بأن آلهتَهم لا تَنْفَعُهم؛ لأنهم لو كانوا يعْتَقِدُونَ نَفْعَها لدَعَوْهَا في هذه الحال، لكن هم يَعْرِفُون بأنها لا تنْفَعُهُمْ.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: أن إشراكَ السابِقِينَ أهونُ مِنْ إشراكِ مَنْ أشركَ مِنَ المتأَخِّرِينَ
стр. 395
من هذه الأُمَّةِ؛ لأن المشركينَ المتَأَخِّرِينَ يُشْرِكُون في الرَّخاءِ وفي الشِّدَّةِ، وأيضًا لا يَدْعُون اللَّه لكِنْ يَدْعُونَ أولياءَهُم، فالرافِضَةُ يدْعُون عليًّا، وسمعتُ رَجُلًا يَدْعُو عند المقامِ ويَرْفعُ صوته بقوةٍ: يا عَلي يا على، فجاء أحدُ رجالِ الحِسْبَةِ وزجَرَهُ، وقال: تشركُ عندَ الكعْبةِ، فقال أنا أقولُ: (يا على) واللَّه يقولُ في القرآنِ: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [الشورى: ٤]، وهذا من التَّقيَّةِ عندَهم التي هي سبيلُ المنَافقين؛ لأن هذا الرَّجلَ الظاهِرُ أنه يريدُ عَلِيًا وإلا لقال: يا رب، أو: اللهم، وما أشبه ذلك.
الفَائِدةُ الرَّابِعةُ: أن اللُّجوءَ إلى اللَّه في حالِ الشِّدَّةِ أمرٌ فِطْرِيٌّ، بدليل أن هؤلاء غَلَبَتُهم فِطْرتُهم حتى دَعَوا اللَّهَ وحْدَهُ مخْلِصينَ له الدِّينَ.
الفَائِدةُ الخامِسةُ: أن الدُّعاءَ من الدِّينِ لقولِهِ: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ولا شكَّ أن الدُّعاءَ من الدِّينِ والعبادةِ؛ لأن فيه غايَةَ الذُّلِّ والاعترافِ بكمالِ اللَّه ، وأنت عندما تقول: يا رَبِّ، فأنتَ مُفْتَقِرٌ إلى اللَّه ، ومعناه أن اللَّه كامِلٌ، ولهذا "بايعَ الصَّحَابةُ ﵃ النبيَّ ﷺ على ألَّا يَسْألوا الناسَ شيئًا، فكان الرَّجُلُ يسقُطُ سَوْطُه من بَعِيرِهِ فيَنْزِلُ ويأْخُذُهُ ولا يقول: نَاولنْي إِيَّاه يا فُلانُ" (١)، بينما في وَقْتِنَا تجدُ الإنسانَ يتَذَلَّلُ غايةَ الذُّلِّ في سؤالِ المال وهو غيرُ محتاجٍ، فهؤلاء يأتون يومَ القيامَةِ وليس في وجوههم مِزْعَةُ لحْمٍ -والعياذ باللَّه-.
стр. 396
فالحاصل: أن الدُّعاءَ تَذَلُّلٌ، ولهذا كان مِنَ العابِدَةِ.
الفَائِدةُ السَّادسَة: أن هؤلاءِ المشركينَ إذا نَجَوْا مِنَ الشدَّةِ كَفَرُوا بالنِّعْمَةِ، لقولِهِ: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾.
الفَائِدةُ السَّابِعةُ: سَفَهُ من يجْعَلُ النِّعَمَ سببًا للأشَرِ والبَطَرِ، فإن مَن فَعَلَ ذلك فيه شَبَهٌ من هؤلاءِ المشركين, لأن الواجِبَ على مَنْ أنعَمَ اللَّهُ عليه النِّعْمَةَ أن يزْدَادَ عبادَةً للَّه ؛ لأن العِبادَةَ مِنَ الشُّكْرِ، فإذا أنْعمَ عليكَ ربُكَّ بنِعْمَةٍ فازَدَدْ له شُكرًا، وقد تقدَّم أن الرَّسولَ ﷺ لما دَخَل مكَّة فاتحًا طأْطَأ رأسَهُ (١)، حتى إنه ليُصِيبُ مَورِكَ رَحْلِهِ ﷺ ، كلُّ هذا من أجلِ التَّذَلُّلِ للمُنعِمِ ، فلا تَجْعَلْ نِعَمَ اللَّه سَبَبًا للأشر، بل اجْعلَها سببًا للشكرِ والذُّلِّ للَّه حتى تَزْدادَ هذه النِّعَم وتكون نِعِمًا حَقِيقَةً.
* * *
стр. 397
الآية (٦٦)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٦].
* * *
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ مِنَ النِّعْمَةِ ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ باجتِماعِهم عَلَى عبادَةِ الأصنَامِ، وفِي قِراءَةٍ بسُكونِ اللَّامِ، أَمْرُ تَهْدِيدٍ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عَاقِبَةَ ذَلكَ] اهـ.
قوله ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ (اللام) هنا لامُ الأمْرِ على قِراءةِ تَسْكِينِ اللام في قوله: (ولْيتَمَتَّعُوا) والأمر هنا المرادُ به التَّهْدِيدُ؛ لأن اللَّه لا يأمُرُ بالكفْرِ أمرَ إرشادٍ، ولا أمْرَ إلزامٍ، وعلى القراءة الثانية: وهي كَسْرُ اللامِ في قوله: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ تكون (اللام) لام كَي، ولكن هذه اللامُ هِي لامُ التَّعْلِيلِ أو لامُ العاقِبَةِ؟
الجواب: هي لامُ العاقِبَةِ؛ لأن اللَّه لم يُنْجِهْم إلى البرِّ لِكَي يُشْرِكُوا ويَكْفُروا، لكن صارَتْ عاقِبَتَهم الكُفْرُ، ولام العاقِبَةِ معروفةٌ في اللُّغَةِ العرَبِيَّةِ، قال تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، لكن هل آل فرعونَ الْتَقَطُوا مُوسَى لهذا الغَرضِ؟
الجواب: لا، لكن صارتِ العَاقِبَةُ هذه، وهُم لو عَلِمُوا أنه سيكونُ لهم عَدُوًّا وحَزَنًا ما التْقَطُوه، أو التَقَطُوه وأهْلَكُوه، فهنا العاقِبَةُ أنهم كَفَرُوا بما آتَيْنَاهُمْ.
стр. 398
وقوله: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ الفِعْلُ (كَفَرَ) تَعَدَّى إلى مَفْعِولِهِ بـ (الباء) مثل: كَفَرَ باللَّهِ، وكفر بالرسولِ.
وقوله: ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ أي: بما أعْطَيْنَاهُم من النِّعمَةِ، والنِّعمَةُ هي إنجَاؤُهُم من الغَرقِ.
قوله: [﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ باجْتِماعِهِمْ على عِبادَةِ الأصنامِ]: ويُمْكِنُ أن يُقالَ: وليتَمَتَّعُوا بالنِّعَمِ التي أعْطَاهَا اللَّهُ لهم، فهم كَفَرُوا بها فَلْم يَشْكُروهَا، وتمتَّعُوا بها إلى مآلهم ومَصِيرِهِمْ.
وقَال المُفَسِّر ﵀: [وَفِي قِرَاءَةٍ بِسُكونِ اللَّامِ] في ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾، والعامَّةُ يَقْرَؤونَ بسكونِ اللامِ على القِراءةِ الثَّانِيَةِ التي تخالِفُ القراءةَ التي في المصحَفِ، فالواجبُ أن نَرُدَّ عليهم ونُصَحِّحَ لهم هذه القراءةَ، ونقولُ: ارجعوا أيها العَامَّةُ إلى المصْحَفِ وستَجِدُون ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ بالكَسْرِ لا بالسكونِ، فقِرَاءتُهم بالسكون عن جَهلٍ وعَدَمِ معرفة، أما لو كانَ القَارِئُ بالسكونِ طالبَ عِلمٍ فلا يُرَّدُ عليه.
لو قال قائل: قراءة العامي (ولْيتمتعوا) بالسُّكونِ في واقع الأمر صَحِيحَة كما قلنا بصِحَّةِ أذانِ من قال: أشهد أن محمدًا رسولَ اللَّه بنصب (رسول)، فكيف الجوابُ عن هَذَا؟
الجواب: أن العوَامَ ما أرَادُوا ما تَدُلُّ عليه اللُّغةُ العَربِيَّةُ من الأمرِ، بل أرادُوا الذي في المصْحَفِ، أرادُوا (لام العاقبة) لا (لام الأمر).
أما قولهم: أشهدُ أن مُحَمَّدًا رسولَ اللَّه بنصبِ (رسول)، هؤلاء أرادُوا ما تدلُّ عليه اللغة العربية، أرادوا أن (رسول) خبر (أن)، فهم أرادُوا ما له وَجْهٌ في اللغة العربية.
стр. 399
ولو قيلَ: ما حكمُ مَنْ كان يقْرأُ القرآنَ وأخطأَ، لكنه أصابَ قراءةً سبْعِيَّةً صحيحةً؟
فالجواب: إذا كان عَامِّيًا نَرُدُّ عليه ويؤمَرُ بأن يقْرَأ بالقِراءةِ المعْرُوفَةِ، وإلا فلا يُخَطَّأُ ولا يُصوَّب، بل نسْتَفْسِرُ: هل قَصْدَتَ هذه القراءة أو قرأتَ خَطَأ؟
إذا قال: إنا لم أقْصِدْ إلا القِراءةَ المعروفةَ، نقول: أنتَ مُخْطِئٌ ثم نَنْصَحُهُ ألا يَتْلُوَ القرآنَ بقراءةٍ غيرِ مَشْهُورَةٍ عندَ العامَّةِ؛ لأن قراءةَ القرآنِ بغير القِرَاءةِ المشهورةِ عندَ العامَّةِ تُحْدِثُ فِتْنة للعامَّةِ؛ لأن العامِّيَّ لا يَسْتَنِكُرُ، ثم يُغادِرُ وقد ينَخْفِضُ قدْرَ المصحَفِ في نَظَرِهِ، حتى الأشرطةِ التي فيها قِراءاتٍ ويَسْمَعُهَا العامَّة نرَى أنه مِنَ الخطأ أن تَنْتَشِرَ بينَهُم، أما إذا كانَ عندَ طلبَةِ عِلْمٍ حيثُ يُعَلِّمُهُم القراءاتُ فهذا لا بأس به؛ لأن السُّنَّةَ أن نَتْلُوَ القُرآنَ بكلِّ قراءةٍ ورَدَتْ، مثلَ غيرِهِ مِنَ العباداتِ التي جاءتْ على وُجوهٍ متَنَوِّعَةٍ، فإن الأفضلَ أن نأخُذَ بهذا الوَجْهِ مرَّةً وبهذا الوجه مرة؛ لأن كلَّ القِراءاتِ وردت عن النبي ﵊.
مسألة: هل كُلُّ القِراءاتِ السَّبْعِ متَواتِرَةٌ، وما رأيكُمْ في أسانِيدِ هذه القِراءات؟
القراءاتُ السبْعُ كلُّها متَواتِرَةٌ بالإجماع، وأما إذا كانت القِراءةُ آحادًا فاختلفَ العلماءُ في جوازِ القِراءةِ بها، وتَقَدَّمَ أن الرَّاجِحَ أنه إذا صَحَّتْ عن النَّبِيِّ ﷺ فهي قراءةٌ مُعْتَبَرةٌ.
أما هذه الأسانيد -أعني أسانيد القراءات- فإنها متواتِرَةٌ، والتواترُ يُغْنِي عن الأسانيدِ، كما لو قال لك أحدٌ: أين الدليل على أن هناك بلدًا تُسَمَّى واشَنِطن؟ لا تقول له: حدثني فلان عن فلان؛ لأن هذا متواتر.
стр. 400
قوله: [﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عَاقِبَةَ ذَلكَ]: يقول النحويون: إنها تُفِيدُ التوكيدَ بمُهْلَةٍ فهي حرف تَسْويفٍ عندهم بخلافِ السِّينِ؛ لأنها تُفِيدُ التَّحْقِيقَ بقُرْبٍ.
وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ الجملة خبَرِيَّةٌ ويرادُ بها التَّهديدُ، كقوله في سورة التكاثر: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣ - ٤]، وقال تعالى في سورةِ النَّبأ: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ: ٤ - ٥]، أي: العذابَ -والعياذ باللَّه- نازِلٌ بهم لا مَحَالَةَ.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: تهديدُ أهلِ الكفْرِ والتَّمَتُّعِ المحرَّمِ؛ لأن الأمرَ هنا للتهديدِ، إذ لا يأمُرُ اللَّهُ أحدًا أن يَكْفُرَ ولا أن يتَمَتَّع تمتعًا محَرَّمًا.
الفَائِدةُ الثَّانِية: أن هؤلاءِ المشركينَ صارتْ عاقِبَةُ أمرِهم إلى الكفرِ والتمَتُّعِ الزائلِ، هذا على قراءةِ الكسْرِ، أي: أن اللام لَلعَاقِبَةِ.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: الحذَرُ الشديدُ مما عليه بعضُ المسْلِمينَ اليوم، الذين ليس لهم هَمٌّ إلا التمتُّعُ بالدنيا فقط، فهؤلاء لا يتَحَدَّثُونَ إلى على الرَّفَاهِيَةِ والتَّرْفِيهِ، لكن أمراضَ القلوبِ وعِلَلَ وانحرافاتِ القُلوبِ قَلَّ أن يتكَلَّمُوا عليها مع أنها هي الأصلُ فإذا مَرِضَتْ القلوبُ فما الفَائِدةُ من تَرْفِيهِ الأبدانِ، ثم إن نَزَلَتْ نِقْمَةٌ مِنَ اللَّه ازْدَادُوا حَسْرةً والعياذُ باللَّه، فترْ فِيهِ القُلوبِ بطاعَةِ اللَّه هو الذي فيه الفَائِدةُ الحَقِيقِيَّةُ للبدنِ وللقَلْبِ ولكِلِّ شيءٍ، قال : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
стр. 401
الآية (٦٧)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧].
* * *
قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ تقدَّمَ الكلامُ على مِثلِ هذا التركيبِ، وذَكَرْنَا أن الهمزةَ للاستفهامِ، والواو حرفُ عَطْفٍ، وهل الهمزةُ مقدَّمَة عن مكانها أو لا؟ وذَكَرْنَا أن في ذلك خلافًا، وأن الأرْجَحَ أن الهمزةَ للاستفهامِ، وأن الواو عاطِفَةٌ على ما قَبْلَها.
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ يَعْلَمُوا ذلِكَ]: لأن الرُّؤيَةَ نوعان: عِلْمِيَّةٌ، وبَصَرِيَّةٌ، إن تَعَدَّتْ إلى مَفْعولين فهي عِلْمِيَّةٌ، كقولك: (رأيتُ العِلْمَ نافِعًا)، وإن تعَدَّتْ إلى مفعولٍ واحد فَهِي بصَرِيَّة، كقولك: (رأيت فلانًا).
ومثال الرؤيةِ العِلمِيَّةِ في القرآن قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦ - ٧]، أي: نَعْلَمُه قَرِيبًا، والرؤْيَةُ في ﴿يَرَوْنَهُ﴾ الأُولى رؤيةٌ ظُنٍّ أي: يَظُنُّونَه بعيدًا.
وقوله: ﴿جَعَلْنَا حَرَمًا﴾ الحَرَمُ ما له حُرْمَةٌ، أي: تَعْظِيمٌ، وسُمِّيَ التَّعْظِيمُ حُرمة؛ لأنه يمْنَعُ بهذا التَّعْظِيمِ ما كان سَائغًا لَوْلَاهُ، ومن جُملَةِ حُرماتِ مكَّةَ: تحريمُ قتلِ الصَّيْدِ، والقتالِ فيها، وقَطْعِ الشجَرِ، وحَشِّ الحَشِيشِ، حتى الحيواناتِ غيرِ المؤْذِيَةِ يجبُ أن تكون آمنة.
стр. 402
وقوله: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ أهل المجاز يقولون: آمِنًا مَنْ فيه، والصواب أن الحرَمَ نَفْسَهُ آمن، ولهذا عَصَمَهُ اللَّه من كلِّ أحدٍ، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١]، وحرَّمَ النبيُّ ﷺ القتالَ فِيهِ (١)، فهو نفْسُهُ آمِنٌ، وإذَا أمِنَ نفْسُه أمِنَ مَنْ فيه.
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ قَتْلًا وسَبْيًا دُونهُم]: ففي عَهْدِ الجاهِلِيَّةِ كان غيرُ أهلِ الحرَمِ لا يعرِفُونَ الأمنَ والأمانَ، يُغَار عليهم ويُقتلَوُن ويُسْبَون وتؤخَذُ أموالهُمْ ونساؤهم؛ لكنَّ أهلَ مكَّة آمنون، حتى إن الإنسان يجِدُ قاتِلَ أبِيهِ في الحرمِ ولا يَقْتُلُه مع شِدَّةِ الحَمِيَّة عندهم، لكن في غيرِ الحرَمِ تَجِدُ القتلَ والسَّبْي والنَّهْبَ، فكانت نِعْمَةُ الأمْنِ على قريشٍ نِعْمَةً عظيمةً، وكان عليهم أن يُقابِلُوا هذه النِّعْمَةَ بالشُّكْرِ والتَّصْديقِ للرسولِ ﵊، مع أنَّ الرسولَ ﵊ منهم يَعْرفونَهُ، ويُسَمُّونَه قبل أن يأتي بالرسالة بالأمينِ، ويحْتَكِمون إليه أحيانًا؛ لكن لما بُعِثَ بالرسالةِ وخالَفَ أهواءَهُم كَفَروا به، فالحرَمُ آمِنٌ وهذه نِعْمَةٌ تُوجِبُ الشُّكْرَ، حتى في فِتنَةِ القَرامِطَةِ وأخْذِهِمُ الحَجَر ما تغَيَّر الحرم بل بقي آمنًا، ولم تَتَعَطَّلْ فريضةُ الحجِّ.
قوله: [﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ الباطِلُ: الصَّنَمُ]: وهذا فيه نَظَرٌ إلا إذا قَصَدَ
стр. 403
المُفَسِّر التمثيلَ وأن مِنْ جُملةِ الأشياء الباطلِةِ الأصنامَ، وإلا فإن الباطِلَ يشْمَلُ كلَّ ما لا خيرَ فيه من صَنَمٍ أو دُنيا أو رِئاسة أو غيرها، كلُّ شيءٍ سِوَى الحقِّ فهو باطل، قال النبي ﵊: "أصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالهَا الشَّاعِرُ لَبِيدُ: أَلا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّه بَاطِلُ. . . " (١).
فعلى هذا نقول: الباطلُ أعَمُّ مما ذَكَرَ المُفَسِّر ﵀.
وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ أي: يُصَدِّقُونَ ويَطْمَئنُّونَ إليه، فتَجِدُهُم في الأمورِ الباطِلَةِ مُطْمَئنِّينَ مصَدِّقينَ متَّبِعِينَ، لكن بنعمةِ اللَّه يَكْفُرونَ.
وقوله : ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ أي: بما أنْعَمَ اللَّه عليهم مِنَ المالِ والجاهِ والرئاسةِ وغيرها ﴿يَكْفُرُونَ﴾؛ لأن هذه النِّعَمَ تحتاجُ إلى شُكرٍ بالرجوع إلى طاعة اللَّه ، فإذا بَقِي الإنسانُ على مَعْصِيَةٍ معَ كَثْرَةِ النِّعَمِ صارَ بذلك كافرًا بالنِّعْمَةِ.
وبالنسبَةِ للمُسْلِمِينَ كُفْرهُم بنِعْمَةِ اللَّه يكونُ بكفْرِ النِّعْمَةِ المادِّيَّةِ والجسَدِيَّةِ والنعْمَةِ المعنَوِيَّةِ القَلْبِيَّةِ، فالإسلامُ أكبرُ النِّعَمِ، إذا كَفَرَ به الإنسان ولم يَقُمْ بواجباتِهِ فإنه يُوَبَّخُ ويقال له: ألَسْتَ مُسْلِمًا؟ فسيقول: بلى، فنقولُ: إذنْ لماذا لم تصلِ؟ لماذا لم تزكِّ؟ لماذا لم يفْعَل كذا وكذا من واجِبَاتِكَ؟
فشكر نِعْمَةِ الإسلامِ واجبٌ، كما أن شُكْرَ نِعْمَة اللَّه تعالى عَلَيْنَا في المالِ والبَنِينِ والأمْنِ والراحةِ وما أشبَهَ ذلكَ واجبٌ، بل الشُّكْرُ على نِعْمَةِ الإسلام أوجبُ، وكُفْرُ نِعمةِ الإسلامِ أخْطَرُ؛ لأن اللَّه يقولُ: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، وقال : ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ
стр. 404
فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩]؛ لأن اللَّه يمكن أن يَنْزِعَ الإسلامُ من قومٍ لا يقومونَ بواجِبَاتهِمْ كما ينْتَزِعُ الأمنَ والرخاءَ من قومٍ لا يَشكُرونَ، فالنِّعَمُ واحدةٌ وسَبِيلُهَا واحد.
وقوله: ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾: قُولُه: ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ مفْرَدٌ مضَافٌ فَيَعُمُّ، والدَّليلُ قوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، وقوله: ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ متَعَلِّقٌ بـ ﴿يَكْفُرُونَ﴾ وقُدِّمِ لإفادَةِ الحَصْرِ ولمراعَاةِ الفَواصِلِ.
* * *
стр. 405
الآية (٦٨)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٨].
* * *
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَنْ﴾ أي: لَا أحَدَ ﴿أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بأَنْ أشرَكَ بِهِ، ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ﴾ النَّبِيِّ أو الكِتابِ، ﴿لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى﴾ مَأْوَى، ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ أي: فِيها ذَلك وهُو مِنْهُم] اهـ.
قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى﴾ أي: اخْتَلَقَ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا.
قَال المُفَسِّر ﵀: [بِأَنْ أشْرَكَ بِهِ]، هذا أيضًا تفسيرٌ قاصرٌ، إلا أن يُريدَ التَّمِثيلَ، فمن أشركَ باللَّه فقد افتَرَى على اللَّهِ كذِبًا؛ لأنه زَعَم أن مع اللَّه إلهًا آخَرَ وهو كاذِبٌ.
فالافتراءُ على اللَّه كَذِبًا له أنواع كثيرة، فمَنْ قال: إن اللَّه حرَّمَ كَذَا، واللَّه تعالى لم يحرِّمْه، فقد افتَرَى على اللَّه كَذِبًا، ومن قال: إنَّ اللَّه أرادَ بكلامِهِ كذا دونَ كذا، فقد افتَرَى على اللَّه كَذِبًا، ومن قال إن اللَّه ليس له يَدٌ حَقِيقية، وليس له وجْهٌ حقِيقِيٌّ، وليس له رِضًا حقيقي وما أشبه ذلك، فقد افتَرَى على اللَّه كَذِبًا؛ فكلُّ من قال عَنِ اللَّهِ أو عنْ أفعالِهِ أو عن أحكامِهِ شيئًا لم يَقُله اللَّهُ ولا رسولُه؛ فإنه مفْتَرٍ على اللَّه كَذِبًا.
стр. 406
فمن قال: إن للَّه شريكًا فقدْ افتَرَى على اللَّهِ كَذِبًا، ومن قال: إن مِنْ أسماءِ اللَّه كذا، وهو ليس من أسمائِهِ، فقد افتَرَى على اللَّه كَذِبًا، وكذلك النَّصارَى الذين يسمونَ اللَّه أبًا، والفلاسفة الذين يَقُولونَ إنه العِلَّةُ الفاعِلَةُ، كل هذا كذبٌ على اللَّه .
وكذلك الكذبُ على اللَّهِ في صِفاتِهِ -وقد تقدم- والكذِبُ على اللَّه في أحكامِهِ، مثلُ الذي يقولُ: هذا حَلالٌ وهذا حرامٌ، وهو ليس بحلالٍ وليس بحرامٍ، فاللَّه تعالى بيَّن أنه لا أحَدَ ﴿أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾.
لكن يُشْكِلُ على قوله تعالى: ﴿أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أن مثلَ هذه الصِّيغَةِ تأتي في سياقاتٍ أُخْرى وقد جمعهم اللَّه تعالى في آيَةٍ واحدةٍ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣]، وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤]، وورد في الحديث: "ومَنْ أظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي" (١).
والجواب عن هذا: إما أن نَقُولَ: لا أحدَ أظْلَمُ في المعنى المعَيَّنِ، وذلك أن الافْتراءَ على اللَّهِ الكَذِبَ يكونُ على اللَّه ويكون على غير اللَّه ، لكن الذي افْتَرَى على اللَّه الكذِبَ أظلمُ ممن افْتَرى على غيرِهِ.
وكذلك من مَنَعَ مساجِدَ اللَّه، ومن مَنَعَ الأسواق، ومن مَنَعَ بيتك أن تَدْخُله،
стр. 407
أيهم أعْظمُ منعًا؟ الذي منَعَ مساجِدَ اللَّه، وهكذا نَجعلُ كلَّ شيءٍ مختصًّا بما يقْتَضِيهِ السِّياقُ.
أو نقول: إن الجمعَ اشتركَ في الأظْلَمِيَّةِ، يعني: لا أحدَ أظلمُ من هذا ولا أظلمُ من هذا، وتكون كلها اشتركت في الأظلمية.
قوله: ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾ الحقُّ هو الشيءُ الثابِتُ، فإن كان خَبَرًا فهو الصِّدْقُ، وإن كان حكمًا فهو العدل.
وقوله: ﴿لَمَّا﴾: بمعنى حين، أي: حين جاءَهُ الحقُّ كَذَّبَ به، وقال: ﴿لَمَّا جَاءَهُ﴾ لأنه قَبْلَ مجيئهِ لا يُلزمُ به؛ لأن اللَّه يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، فاللَّه برَحْمَتِهِ وعدْلِهِ لا يُعاقِبُ أحدًا حتى تقومَ عليه الحجَّةُ في بلوغِ الشَّرعِ له.
قوله ﵀: [﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى﴾ مَأْوَى ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾، أي: فِيهَا ذَلِكَ]: إشارة إلى أن المراد بالاستفهامِ هنا التَّقْرِيرُ، والغالبُ أنه إذا دَخَلَتْ همزةُ الاستفهام على أداةِ النَّفْي تكونُ للتَّقريرِ، مثاله قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]، وقوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]، وقوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨]، وقوله: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠]، فكُلُّ ذلك يَدُلُّ على أن الهمزةَ المرادُ بها التَّقْرِيرُ.
قوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ المعنى: جهَنَّمُ مثْوًى للكافرين، ولهذا قال المُفَسِّر ﵀: [أَيْ: فِيها ذَلكَ، وهو مِنْهُمْ].
وقوله : ﴿مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ المثْوَى هو المَأْوى، لكنَّ المأْوَى الذي هو
стр. 408
مَحِلُّ إقامَةِ الإنسانِ، يَأْوي إليه على أنه مَحِلُّ إقَامَتِهِ، فثَوَى في ذلك: أي: أقَامَ فيه إقامةً دائِمَةً.
وقوله : ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ هذا في الحقيقة إظهارٌ في موضعِ الإضمارِ، إذ إن مقْتَضَى السياقِ أن يقال: أليس في جهنَّم مثْوًى لهم، لكنه أظْهَرَ في موضع الإضمارِ، والإظهارُ في موضع الإضمار يُستَفادُ منه ثلاثةُ فوائدُ:
أَوَّلًا: تَعْميمُ الحُكْمِ.
ثانيًا: الحكْمُ على موضِعِ الضَّميرِ بما يقْتَضِيهِ هذا الوَصْفُ.
ثالثًا: الإشارةُ إلى العِلَّةِ، وهذا إذا كان مُشْتَقًّا.
* * *
стр. 409
الآية (٦٩)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩].
* * *
قوله: [﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ في حَقِّنَا]:
قوله: ﴿وَالَّذِينَ﴾ مبتدأٌ، وجملة ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ خَبَرُه، والخبرُ مُؤَكَّدٌ بثلاثِ مؤَكِّدَاتٍ: القَسمِ واللامِ ونونِ التوكيدِ.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ أي: بَذَلُوا الجَهْدَ للوصولِ إلى الغايةِ، هذا هو الجهادُ: بَذْلُ الجَهْدِ للوصولِ إلى الغايةِ.
وقوله: [﴿فِينَا﴾ فِي حَقِّنَا]: أي: في دِينِ اللَّه ، وفيما يجِبُ له وفي بيانِ شَريعَتِهِ ، وفي الأمرِ بالمعْرُوفِ والنهْي عن المنْكَرِ، وفي كفِّ النفْس عما يحْرُمُ وإلزامُها بما يَجِبُ، وفي قتالِ الكفَّارِ لإعلاءِ كلَمِةِ اللَّه، فالآية عامَّةٌ؛ كل هذا مِنَ الجهادِ في اللَّه، فكُلُّ مَنْ بذلَ وجاهَدَ في اللَّه فإن جزاءَهُ العاجلُ قبل الآجل: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ هدايةَ دِلالَةٍ وهِدَايَة تَوفيقٍ.
فالهدايةُ هنا شامِلَةٌ للأمْرَيْنِ، ولهذا قال : ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ ولم يَقُلْ: (لنهْدِينَّهُم إلى) بل قال: ﴿سُبُلَنَا﴾، فعَدَّى الهِدايةَ بنَفْسِها إلى المفعولِ الثَّانِي.
فيَشْمَلُ ذلكَ هِدايةَ الدِّلالَةِ والتَّوفيقِ، ومنه قوله في سورةِ الفاتحة:
стр. 410
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، لم يَقُلْ: اهدِنْا إلى الصِّراطِ المستقيمِ، بل قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾، فيَشْمَلُ الهدِايَةَ إليهِ، ويَشْمَلُ الهدِايَةَ فيهِ، فالهدايةُ إليه الدِّلالَةُ إليه، أي: يَدُلُّكَ على الصِّراطِ المستَقِيمِ، والهدايةُ فيه أن يُوَفِّقَكَ للعملِ في إطارِ هذا الصِّرَاطِ، فقوله تعالى: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ يشملُ الأمْرَينِ، هداية الدِّلالَةِ والعِلْمِ، وهِدَايةَ التَّوفيقِ والإرْشادِ، وهذا وَعْدٌ من اللَّه مؤكَّدٌ بهذه المؤكدات الثلاثِ، فإذا كان الإنسانُ يؤمِنُ بهذا الوَعْدِ وأنه مِنَ الرَّبِّ جَلَّ وَعَلَا، وهو لا يُخْلِفُ الميعادَ لتمامِ عِلْمِهِ وقُدرَتِهِ وصِدْقِهِ، وإخلاف الموعِدِ يكون بتَخَلُّفِ واحدٍ من هذه الثلاثة: العِلمِ والصدْقِ والقُدرة؛ فالذي يُخْلِفُ الموْعِدَ لا يكونَ إلا جاهِلًا وَعَدَكَ بشيءٍ وهو يَظُنُّ حُصولَهُ ولم يأتِ الأمرُ على ظَنِّهِ، أو أنه كاذِبٌ وَعَدَكَ وكذَبَكَ، أو أنه عاجِزٌ، أي: هو صَدوقٌ ويعْلَمُ الأسبابَ لكن عَجَزَ، لكن اللَّه جَلَّ وَعَلَا انْتَفَى بحَقِّه كلُّ هذه الثلاثة: الجَهلِ والكذبِ والعَجْزِ، فلِتمامِ قُدْرتهِ وعِلمِه وصِدْقه لا يُخْلِفُ الميعادَ.
فمن صدَّق بهذا الوعدِ فإنه لابُدَّ أن يَبْذُلَ جُهدَهُ في حق اللَّه ، وهذا مِصْدَاقُ ما جاء في الآثارِ الكَثيرَةِ؛ من أن الإنسانَ إذا عَمِلَ بعِلمِهِ فإن اللَّه يَزيدُهُ عِلْمًا، ويُثَبَّتُ عِلمَهُ الذي يعْمَلُ به، ولهذا قيل: قَيِّدُوا العِلمَ بالعَملِ، وقيل: إن العِلْمَ يهتِفُ بالعملِ فإن أجابَ وإلَّا ارْتحَلَ، (يهتف) أي: يُنادِي، فإن عَمِلَ الإنسان بعلْمِهِ بَقِي وزادَ لأن قوله: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ هذه زيادَةٌ، وإن لم يُجِب ارْتَحَلَ.
وهذا حقٌّ يُؤَيِّدُه الواقعُ ويُؤيِّدُهُ المعلومُ بالشَّرعِ، فإن الواقعَ إذا صار طالبُ العِلمِ يعْمَلُ بعِلمِهِ، فإن عَمَلَهُ بالعلمِ دِراسَةٌ له؛ أنت عَلِمَتْ كيف كان رسول اللَّه ﷺ يُصلِّي وطبَّقْتَ ذلك في كل صَلواتِكَ لا تَنْسَاهُ؛ لأن التطبيقَ دراسة.
وهنا أُحِبُّ أن أُنَبَّه طالبَ العِلْمِ ألا يَهْتَمَّ بحفظِ المسائلِ فَقَطْ، فالتَّسجيلُ
стр. 411
أفضَلُ وأقْوَى منَّا حِفظًا للمسائلِ، لو تُعْطِيه ألفَ مسألة ثم تأتي بعدَ عِشرينَ سنَةً أعادَهَا عليك كما هي، المهم: أن يَفْهَمَ طالبُ العلم، فَفَهْمُ الدَّلالَةِ من القُرآنِ والسُّنَّةِ ومعرفةِ كَيفيَّةِ استنباطِ الأحكامِ، إذا أُوتِيهِ طالبُ العِلمِ فقَدْ أُوتِيَ خَيرًا كَثِيرًا وعِلمًا كثيرًا، والذي يُؤتَى الفَهمَ في الكتابِ والسُّنَّةِ كالطبيبِ، والذي يحْفَظُ العِلْمَ كالصَّيْدِليِّ يحفْظُ لك الدواءَ، لكنَّ الطَّبِيبَ هو الذي ينْتَفِعُ وينْفَعُ، ولذا قال عليُّ بنُ أبي طالب ﵁ لما سئل: هل عندكُمْ كتابٌ؟ قال: لا، إلا كِتابَ اللَّهِ أو فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أو ما فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ (١)، ولا شك أن عَلِيًا أُوتِي شَيئًا كَثِيرًا.
فالمهم: على طالبِ العِلْمِ أن يهْتَمَّ في دِرَاسَتِهِ للكتابِ والسُّنَّةِ بجانبِ الاستِنْباطِ والفَهْمِ والتَّفْرِيعِ أيضًا، وقد تقَدَّمَ أن دَلالَةَ اللَّفْظِ على معناه تكونُ على ثلاثةِ أَوْجُهٍ: مطابَقَةٍ وتضَمُّنٍ والتِزَامٍ، المطابِقَةُ والتَّضَمَّنُ أمرهُمَا بسيطٌ، أدْنَى طالِبُ عِلم يَفْهمها، لكن دَلالَةَ الالتزامِ هي التي يتَفَرَّعُ عليها مسائلُ لا يُحْصِيهَا إلا اللَّه ، وإذا وُفِّقَ الإنسانُ لها يَنالُ خَيرًا كثيرًا.
ثانيًا: من النَّاحِيَةِ الشرعِيَّةِ يقولُ اللَّه : ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، فكلُّ من اهْتَدَى فإنَّ اللَّه يَزِيدُهُ هُدًى وعِلْمًا.
وفي الحقيقة نحنُ نعْرِفُ هذا ونَقْرؤهُ دائمًا، لكن يَغْلُبُ علينَا السَّهْوُ والغَفلَةُ والنِّسْيانُ.
وقوله: ﴿سُبُلَنَا﴾ الضمير (نا) جمْعٌ والمرادُ بهِ التَّعْظِيمُ، وتقدَّمَ الرَّدُّ على زَعْمِ النَّصارَى الذين يقولونَ إنَّ اللَّه ثالثُ ثلاثة ويستَدِلُّونَ بالمتَشَابِهِ.
стр. 412
قوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ هذه الجملَةُ مُؤَكَّدَةٌ بـ (إن) و (اللام).
و(مَعَ): مِن النَّحويِّين من يَرَى أنها اسمٌ وهو الصحيحُ، ومنهم من يَرَى أنها حرف، وفيها لغتانِ: الفتحُ وهو الأكثر، والتَّسْكِينُ.
قال ابن مالك ﵀ (١):
وَمَعَ مَعْ فِيهَا قَلِيلُ وَنُقِلْ ... فَتْحٌ وَكَسْرٌ لِسُكُونٍ يَتَّصِلْ
الشاهد: ومَعَ مَعْ فيها قَلِيلٌ.
فالحاصل: أن (مَعَ) ظرف وهي اسمٌ؛ لأنها لا تُضَافُ إلا إلى الأسماءِ، فهي ظرفٌ منْصُوبٌ على الظَّرْفِيَّةِ لأنها تَدُلُّ على الصُّحْبَةِ، و (مَعَ) مضاف و ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ مضاف إليه.
وقوله: [﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ المؤمِنِينَ بالنَّصْرِ والعَوْنِ]: هذا تفسيرٌ ناقِصٌ؛ لأن المحسنين أخَصُّ مِنَ المؤمنين، ولهذا قال النبي ﵊: "الْإِيماَنُ أَنْ تُؤْمِنَ باللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ. . . " إلخ، ثم قال: "الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّه كَأَنَّكَ تَرَاهُ" (٢) فكُلُّ مُحْسِنٍ إحسانًا شَرعيًا ليس عادِيًّا فهو مُؤمِنٌ ولا عَكْسَ.
وقولنا: (إحْسانًا شرعيًا) احتِرَازًا من الإحسانِ العادي؛ لأنه يَقَعُ حتى مِنَ الكافِرِ، لكن الإحسانَ الشَّرعِيَّ هو الذي فَسَّرَهُ الرَّسُولُ ﵊ بقوله: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّه كَأَنَّكَ ترَاهُ"، فالمحسنُ أخَصُّ مِنَ المؤمنِ.
стр. 413
وقَال المُفَسِّر ﵀: [بالنَّصْرِ والعَوْنِ]. هذا صحيحٌ، فاللَّه جَلَّ وَعَلَا معهم بالنَّصْرِ والعَوْنِ، وليس المرادُ أنه مَعَهم في مكانِهِمْ؛ لأن هذا شيء مُسْتَحِيلٌ، أي: مُسْتَحِيلٌ على اللَّهِ أن يكونَ مع الناسِ في أمْكِنَتِهمْ لا المحْسِنِينَ ولا غير المحسنين، وذلك لأن هذا القولَ يستَلْزِمُ نَفْي عُلُوِّهِ، وقد التزمَ بذلك من قال به مِنَ الجَهْمِيَّةِ القُدماءِ، أما المتَأخِّرون فيَرَونَ بأنه لا داخلَ العالمِ ولا خارِجَهُ، ولا فوق العالمِ ولا تحْتَه، ولا مُتَّصِلٌ ولا مبَايِنٌ، هذا ما استَقَرَّ عليه مذهبُ الجهْمِيَّةِ، وتَبِعَهُم في ذلكَ الأشاعِرَةُ، فإنهم يرونَ هذا النَّفْي المحْضَ، والعياذُ باللَّه.
أما قدماءُ الجهمية فقالوا: بأن اللَّه تعالى بذاتِهِ في الأرضِ وليس في السماءِ -والعياذ باللَّه- فقَلَبُوا الحقائقَ، فمِنَ العَجائبِ أن يَنْفُوا العُلُوَّ مع تَطابُقِ الأدِلَّةِ على إثْباتِهِ، وأثبْتُوا الحلُولَ مع تطابقِ الأدِلَّةِ على إنكاره.
والعُلُوُّ دَلَّ عليه الكتابُ والسُّنَّةُ والعقْلُ والفِطْرَةُ وإجماعُ سَلَفِ الأمةِ، فالكتابُ مَملوءٌ بما يَدُلُّ على عُلُوِّ اللَّه ، حتى إن بعضَ أهلِ العِلم قال: إن في الكتابِ ألْفَ دَلِيلٍ على عُلُوِّ اللَّه .
والسُّنَّةُ كذلك مملُوءةٌ من الدَّلالَةِ على عُلُوِّ اللَّه على وجوه متَنَوِّعة، من قولٍ وفِعل وإقرارٍ.
قال النبي ﷺ : "أَلا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ" (١).
стр. 414
وقال ﵊: "والْعَرْشُ فَوْقَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ" (١).
وأشارَ ﵊ بأُصْبِعِهِ إلى السماءِ يَشْهَدُ اللَّه على إقرارِ أُمَّتِهِ بالبلاغِ في أعظمِ مجمَعٍ للمسلمينَ يومَ عَرفة حين قال: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ" (٢).
وكذلك دَعَا ﵊ في خُطْبَةِ الجمعةِ رَبَّهَ، فرفَعَ يدَيْهِ يقول: "اللَّهُمَّ أَغِثْنَا" (٣)، فهذه سُنَّةٌ فِعْلِيَّةٌ.
وأما السُّنَّةُ الإقراريةُ فإنه ﵊ سألَ الجارِيةَ قالَ: "أينَ اللَّه؟ " قالت: في السماء، قال: "أعْتِقْهَا فَإِنَّها مُؤْمِنَةٌ" (٤).
وأما دلالةُ العقلِ فظاهِرَةٌ أيضًا؛ لأننا نقولُ: العُلُوُّ صِفَةُ كمالٍ أم صِفَةُ نقصٍ؟
والجواب: لا أحدَ يُنْكِرُ أن السُّفولَ صِفَةُ نقْصِ واللَّه مستَحِقٌّ للكمالِ، أو واجبٌ له الكَمالُ مُنَزَّهٌ عن النَّقص.
أما الفِطْرَةُ: فسلِ الصَّبِيَّ والعَجوزَ والجاهِلَ الذي لا يعلم، فسيقُولونَ لك: إن اللَّهَ في السماءِ.
ومذهبُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ أن اللَّه على عَرْشِهِ بذَاتِهِ وهو معنا
стр. 415
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حقًّا، وقالت الجهمية: إنه بِذاتِهِ في الأرضِ وليس في السماءِ -والعياذ باللَّه-، فقَلَبُوا الحقائقَ.
ثم إن طائفةً تحَذَلْقَتْ وهم الأشْعَرِيَّةُ، حكَى ذَلكَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ عَنِ الأشْعَرِيِّ في المقالات -أعني مقالات الإسلاميين- قالوا: نحن نقول بالدَّلِيلَيْنِ، نقولُ: إن اللَّه معَنَا بذَاتِهِ، وهو في السماءِ عَلَى العَرْشِ بذَاتِهِ، فيكون مكانُهُ على زَعمِهِمْ فوق، تحت، فهؤلاء وافَقُوا الجهْمِيَّةَ من وَجْه، ووافَقُوا أهلَ السُّنَّةِ من وَجْهٍ: وافَقُوا أهلَ السُّنَّةِ في قولهم: إن اللَّه على عرشِهِ بذاتِهِ، ووافَقُوا الجهْمِيَّةَ في قولهم: إنه بذَاتِهِ في الأرض، وقالوا: نحن أخذنا بكلا الدليلين، فنحن أسعدُ بالدَّلِيلِ من أهلِ السُّنَّةِ والجماعة ومن الجهْمِيَّةِ؛ لأن أهلَ السُّنَّةِ أخذُوا بدليلٍ وتَرَكُوا دليلًا، أخذوا بنصوص العُلُوِّ وتَركُوا نصوصَ المعِيَّةِ، والجهمية أخَذُوا بنصوصِ المعِيَّةِ وتركوا نصوصَ العُلُوَّ، ضرَبُوا عنها صَفْحًا، وهم يزعمون أنهم أخَذُوا بالنصوص جميعًا.
والجوابُ عن هذه الشُّبهةِ: نقول: أنتم الآن جمعتُم بينَ النَّقِيضَين، إذا كان عاليًا كما هو الحق، فكيف يكونُ في الأرض؟ هل هو إلهٌ واحدٌ أم آلهة متعددة؟
الجواب: هو إله واحد، فإذا كان فوقَ فلا يمكن أن يكونَ تحتَ؛ لأن الفوقيةَ والتَّحتِيَّةَ من الأمورِ المتقابِلَةِ التي إذا انتَفَى أحدُهَا ثَبَتَ الآخر، ولا يمكن أن تجتمع بحال.
ثم نقول: إذا قُلتم بذَاتِهِ في الأرض، لَزِمَ منه إذا كانَ الإنسان في المسْجِدِ أن يكونَ اللَّه في المسجدِ وإذا كان في السوقِ أن يكونَ اللَّه في السوقِ، وإذا كان في البِرِّ أن يكون اللَّه في البِرِّ، وإذا كان في الجوِّ أن يكون اللَّهُ في الجوِّ، تَعَالَى اللَّه عما يقُولونَ عُلوًّا كَبِيرًا.
стр. 416
فماذا قالوا: وأنتم يا أهلَ السُّنَّةِ تقولون: إن اللَّه مَعَنَا حقًّا وهو فوق العَرْشِ حقًا؟ !
قلنا لهم: هو مَعَنَا حقًّا، وهو فوقَ العرْشِ يعْلَمُنَا ويرَانا ويَسْمَعُنَا ويُدَبِّرُنا وله السلطةُ والهيمَنَةُ، ومن كان كذلك فهو معك وإن كان فوقك، فالذي يعْلَمُكَ ويَسْمَعُك ويراك ويحيطُ بك ويُهَيْمِنُ عليكَ تَدْبِيرًا وسُلطانًا لا شكَّ أنه معك، فالرجلُ يقال: إنه مع امرأتِهِ وهو في المكتَبِ وهي في بَيْتِهَا، والرجلُ له نوعُ سُلطةٍ على امرأتِهِ، والمصاحَبَةُ بسيطةٌ، فكيف بالخالقِ الذي لا يُعْزُبُ عنه مثقالُ ذرَّةٍ في السموات ولا في الأرض، فنحن نقول: هذا أمرٌ مُمْكِنٌ أن يكون اللَّه معنا وهو فَوْقَ عَرْشِهِ؛ لأنه معنا محيطٌ بنا عِلْمًا وسَمعًا وبَصَرًا وقدرة وسُلْطانًا وتَدْبِيرًا، وغيرَ ذلك من معاني رُبوبِيَّتِه، والذي هذا شأنه يَصِحُّ أن يقال: إنه معك وهو فوق عَرْشِهِ.
وشيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية ﵀ أشار إلى مَثَلٍ يُقرِّبُ هذا الشيء فقال (١): إن العرب تقول: ما زلنا نسير والقمر معنا، أو والنَّجْمُ مَعَنا، أو والقُطْبُ مَعَنَا، والقمرُ في السَّماءِ ونحْنُ في الأرضِ، مع أنه مخلوق، فكيف بالخالق جَلَّ وَعَلَا؟ !
فالحاصل: أن هذا التَّلْبِيسَ وهو قولهم: نحنُ نؤمِنُ بالدَّلِيلَيْنِ وأنتم يا أهلَ السُّنَّةِ لا تؤمنونَ إلا بدليلٍ واحدٍ، قد يُورِدُ شبْهَةً في قُلوبِ بعض الناس.
والجوابُ عن هذه الشُّبْهَةِ أن نقول لهم: ما آمنتم بالدَّليلَيْنِ، بل أنتم في الحقيقة أنْكَرْتُم الدَّليلين؛ لأن المعِيَّةَ لا يريدُ اللَّه بها ذلِكَ أبدًا، لا يمكنُ أن يريدَ اللَّهُ بمَعِيَّتِهِ أن يكونَ في الأرض، ولو قلنا: إن هذا هو حقيقةٌ أو ظاهرُ النصوص، أي: لو قلنا: إن ظاهِرَ نصوصِ المعِيَّةِ أن اللَّه في الأرض، لكان لازمُ هذا القول أن ظاهرَ
стр. 417
النصوصِ الكُفرُ؛ لأن الإنسان الذي يعْتَقِدُ أن اللَّه في الأرضِ كافِرٌ مكَذِّبٌ للأدِلَّةِ العقلية والأثَرِيَّةِ الدَّالةِ على عُلُوِّ اللَّه .
ولهذا الذي مَشَى عليه المُفَسِّر في تفسيِرهِ حقٌّ، فإذا قُلنا كما قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ المؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ والعَونِ]، صحَّ، وهذا النوعُ مِنَ المعِيَّةِ يقول أهلُ العلمِ: إنه من المعِيَّةِ الخاصَّةِ لا العَامَّة، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء اللَّه تعالى.
لو قال قائل: يمكن أن نُجِيبَ على شُبهَةِ الجهمية التي هي الجَمْعُ بين الدليلين بقولنا: إن اللَّه مَعَنَا بعِلْمِهِ؟
فالجواب: هذا ليس بصوابٍ؛ لأنهم سيَقُولونَ: قولَكُمْ يا أهلَ السُّنَّةِ: إن اللَّه مَعَنا بعِلْمِهِ تأويلٌ؛ لأن قولكُم: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤]، أي: عِلْمُهُ معكم، خالفْتم فيه ظاهرَ اللَّفْظِ.
ولو قيل: نُجِيبُ على هذه الشُّبْهَةِ بقوله : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧] فبَدَأَ بالعِلْمِ وانتَهى بالعِلمِ؟
فالجواب: هم في الحقيقة قد يُجِيبُونَ عن هذا، يقولون: الذي معك عالمٌ بِكَ، ونحن لم نَقُلْ: إنه مَعكُمْ وليس يَعْلَمُكُم؛ فهو معكم، ومن مُقْتَضَى معِيَّتهِ أن يكونَ عالمًا، فكأنَّ قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ تَعليلٌ لقوله : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
стр. 418
واعلم أن المعيةَ نوعانِ: عَامَّةٌ وخاصَّةٌ.
المعيةُ العامَّةُ: التي تَشْمَلُ كلَّ أحدٍ، ومنه قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]، هذه مَعِيَّةٌ عامَّةٌ لأنها شامِلَةٌ للمؤمنِ والكافرِ والبَرِّ والفاجِرِ، والمقصودُ بها إحاطةُ اللَّه بكُلِّ شيءٍ، ولهذا سُئِلَ إسحاقُ ابن رَاهِويه -وهو من أئمةِ السَّلَفِ- عن معنى هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]، فقال ﵀: [حيثُمَا كُنْتَ فَهُوَ أقْرَبُ إِلَيْكَ مَنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ]، ففَسَّرَ المعِيَّةَ بالقُرْبِ، وهذا التَّفْسِيرُ لا ينافي تَفْسِيرَ غيرِهِ من السَّلَفِ من أنه معهم بالعِلْمِ.
إذن: المعِيَّةُ العامَّةُ تقتَضِي الإحاطةَ، وقد تكون للتَّهْدِيدِ، كقولِه : ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]، هذه المعِيَّةُ المقصودُ بها التَّهْديدُ، أي: بيانُ أن اللَّه محيطٌ بهِمْ، وأيضًا ليُهدِّدَهُم بسببِ هذا العملِ القَبيحِ، وهو كونهم ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾، حال كون اللَّه جَلَّ وَعَلَا محُيطًا بهِمْ عِلْمًا وسَمْعًا وبَصَرًا وقُدْرَةً.
المعِيَّةُ الخاصَّةُ: نوعان: خاصَّةٌ بشخْصٍ، وخاصَّة بوصْفٍ، المخْصُوصَةُ بالشَّخْصِ: كما في قول اللَّه تعالى لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، وقول النبي ﵊: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]،
стр. 419
والخاصَّةُ بالوَصفِ: كما في هذه الآية: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩]. وقوله: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]، والآياتُ في هذا كَثيرَةٌ.
واعلم أنه لا يُوجَدُ تناقُضٌ في الكتابِ والسُّنَّةِ؛ لأن التَّنَاقُضَ معناه أن أحدَهُما باطلٌ والآخَرُ حقٌّ، فليس في الكتابِ والسُّنَّةِ شيءٌ من التناقُضِ، فإذا توَهَّمْتَ تناقضًا فاعلْم أن ذلك لا يخْلُو من ثلاثةِ أحوالٍ: إما لقُصورِ عِلْمِكَ، أو لنُقْصَانِ فهِمْكَ، أو للتَّقْصِيِر في التَّدَبُّرِ، ودليلُ ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
هذا في الذي يتَوَهَّمُ تَنَاقُضًا، أما الذي يَدَّعِي تناقضًا فهذا نزيدُ على الثلاثةِ المتقدِّمَةِ أمْرًا رابعًا: وهو: سوءُ القَصْدِ، ودليله قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤].
ولِنَفْرِضَ أن رَجُلًا يُريد أن يتَدَبَّرَ القُرآن، فقَرَأ آيتيْنِ ظاهِرُهما التَّعارُضُ وأرادَ أن يجمْعَ بينهما، فعَجَزَ عن أن يجْمَعَ بينَ الآيَتين، لا فَهِمَ وجْه الجَمْعِ، وأيضًا ليس عنْدَهُ عِلم أن إحدَاهما ناسِخَةٌ للأخرى، فماذا يَصْنَعُ؟
نقول: يقول -كما قالَ الرَّاسِخُون في العِلم-: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]، ويتَوَقَّفُ، لكن لا يكْفِي التَّوَقُّفُ وهو يعْتَقِدُ أن في القرآن تَنَاقُضًا وأن الأمرَ مُشْتَبِهٌ عليه، بل لا بُدَّ مع تَوَقُّفِهِ أن يعلْمَ أنه ليس في القرآن تناقضٌ، وأن يدَعَ جانبًا تَوَهُّمَ التعارضِ، فلا يبْقَى على تَوهُّمِهِ لأنه إن بَقِيَ على توهُّمِ التعارضِ فقد رَكَن إلى هذا التوهُمِّ، وهو في هذه الحال على خَطَرٍ، فالواجبُ أن يعْلم أنه ليس في كتابِ اللَّه وليس بينَ الكِتابِ والسُّنَّةِ تعارُضٌ، وبهذا نعْرِفُ أن السُّنَّةَ كالقُرآنِ،
стр. 420
خِلافًا لمن قال: إنها ليست بحُجَّةٍ.
وهؤلاء الذين قَالُوا: إنَّ السُّنَّةَ ليست بحُجَّةٍ، قد أخْبَرَ عنهم النَّبِيُّ ﷺ فقال: "لَا أَلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيقُولُ: لَا نَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ" (١)، هذا الأمرُ وَقَعَ، ويُوجَدُ الآن أناسٌ -والعياذ باللَّه- يقولون: لا نَقْبَلُ ما في السُّنَّةِ إطْلاقًا، والذين لا يَقْبَلُون ما في السُّنَّةِ هم في الحقيقة كافِرُون بالقرآنِ نصًا؛ لأن القرآنَ يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، وقال : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]، فبيَّنَ أن مَعْصِيَةَ الرسولِ معصيةٌ للَّهِ، ولو كان المرادُ مَعْصِيَةَ الرسولِ فيما أمَرَ اللَّه به لم يكُنْ لذِكْرِ الرَّسُولِ فائدة.
ثم إنَّ اللَّه تعالى يقولُ: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، القرآنُ لم يُبَيِّنْ كلَّ شيءٍ تَفْصيلًا، بل أكثرُ التَّفْصِيلاتِ موجودةٌ في السُّنَّةِ.
إذن: تِبيانُ السُّنَّةِ من تِبيانِ القُرآنِ، والأدِلَّةُ في هذا وللَّه الحمدُ كثيرةٌ.
والغريبُ أنه ظَهَرَ في أمريكا أحدُ الخُبثاءِ -والعياذ باللَّه-، رَجُلٌ أصلُهُ مسلم يقال له، يعْمَلُ مُدَرِّسًا في إحْدَى الكلِّيات، يدَّعِي أنه أحدُ العلماءِ الرَّاسِخِينَ في العِلْمِ، هذا الرجلُ صارَ يجمع أموالًا، وألَّفَ طائفةً سمَّاها (طائفة الكِتاب)، وأخذ يدْعو إلى القُرآنِ وتَعْظِيمِ القرآن، والعملِ بالقرآنِ، ويُنْكِرُ السُّنَّةَ إنكارًا عظيمًا -والعياذ باللَّه-، ويقول: ما هؤلاء الذين يَعْمَلُونَ بالسُّنَّةِ إلا قومٌ مجانين مغَفَّلون هَمَج، ليس
стр. 421
عندهم مَعْرِفَةٌ، والقرآن هو الدستورُ الأعْظَمُ، وأما السُّنَّةُ فلا قيمةَ لها.
وصارَ -والعياذ باللَّه- يَدْعُو إلى هذا المذهبِ الخَبِيثِ، ولأنه جَمَعَ أموالًا كثيرة فقد استَخْدَمها في هذا الغرضِ، وألَّفَ كِتابًا في تفْسِيرِ القرآنِ كلُّهُ هجومٌ على السُّنَّةِ وعلى المتَمَسِّكِينَ بالسُّنَّةِ.
فالحاصل: أن القرآنَ والسُّنَّةَ كلاهما صِنْوانٌ، وكلاهُما مِنْ عندِ اللَّه، وهما مصدرُ التَّشْرِيعِ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩].
ويَغْلُب على ظَنِّي أن هذا الرجل كتب مقَالَةً في جريدة، قال: القرآنُ مركَّبٌ على العددِ تسعةَ عَشَرَ، وأن كلَّ شيءٍ فيه يَدُورُ على هذا العدد، فسُوَرُ القرآن مئة وأربع عشرة سورة، هي نتيجةُ ضَرْبِ تسعةَ عشَرَ في ستة.
وكذلك حرَّف قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠]، قال: (عليها)، أي: على صِحَّةِ ما جاءَ في القُرآنِ (تسعة عشر) أي: تسعةَ عَشَرَ حرفًا هي البَسْمَلَةُ، مع أن تفسير قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ يعني على النار مَلائكَةٌ، ومرادُهُ من وراءِ ذلك أن يَسْتَدِلَّ على أن هذا القرآنَ لا يمْكِنُ أن يأتيَ به محمَّدٌ؛ لأن كونَ القرآنِ مكَوَّنٌ من هذا العددِ لم يُعرَف هذا إلا بعدَ ظهورِ الكمبيوتر.
ويقول أيضًا في قوله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١]: ابتدأتِ السورةُ بالقاف؛ لأن مجموعَ ما فيها من القافات يُقْسَمُ على تسعة عشر، والدليلُ على ذلك لم يقل: "وقَوم لوط" بل قال: ﴿وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾؛ لأنه لو قال: وقوم لوط لزاد قاف ولم تحْصُل القِسْمَةُ المطلوبةُ.
فهو على كلِّ حالٍ ملَبِّسٌ صاحبُ شُبهَةٍ، وقد كَتَبْنَا رَدًّا عليه.
стр. 422
وأول ما يمكن هَدْمُهُ مسألةُ البسملَةِ، فالبسملَةُ ليست بأَوَّلَ ما نَزَلَ من القرآن حتى نقول: إذًا القرآنُ مرَكَّبٌ عليها، بل أولُّ ما نزل قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: ١].
ثانيًا: البسملَةُ ليست كما زَعَم تسعةَ عشرَ حَرْفًا، فحروفُ البسملة هي: الباء، والسين، والميم، والهمزة، واللام، واللام الثانية، والهاء، والألف، والراء مكررة، والحاء، والميم، والألف، والنون، هؤلاء أربعة عَشَرَ حرفًا، وكذلك الهمزة والراء مكَرَّرَهٌ، والحاء والياء والميم، فهؤلاء عشرونَ لا تِسْعة عشرَ كما زعم؛ لكنَّه يقولُ: المعتَبرُ الكتابةُ، والرحمن ليست فيها أَلِفٌ؛ لأنه بإسقاط الأَلِفِ مِنَ الرحمن يكونُ العددُ تسعة عشر، ونحن نقول: إذا قلت هذا فأَثْبِتِ الألف التي في (الرحمن والرحيم) فإذا أَثْبَتَ الألِفَ صارَ العددُ واحدًا وعشرين.
ثم نقول له أيضًا: إذا اعْتَبَرْتَ الكتابة هل نزلَ القرآنُ مكتوبًا أم نَزَلَ منْطُوقًا؟
وأيضًا: لو كانت القاعِدَةُ الكتابيةُ على غير هذا الوجه لزادَتِ الحروفُ ونَقَصت، فالحروفُ المكتوبةُ تزيدُ وتنْقُص بتَغَيُّرِ القاعدةِ الكتابية، أما الحروف المنطوقةُ فلا تَزيدُ ولا تَنْقُص، ولذا نجِدُ في الكتابة الإنجليزية بعضُ الأحيان يكتبونَ الحركاتِ حُروفًا، وانظر إلى الصينيين عندهم آلاف الحروفِ.
الحاصل: أن الكتابةَ صناعِةٌ ليس لها دخلٌ في النُّطْقِ، والقرآن نزل باللُّغَةِ العربية، بلسانٍ عَربِيٍّ مُبِينٍ، لكنهم يُلَبِّسُونَ ويُلْقُونَ الشُبَهَ، ويزْعمونَ أنهم خدَمُوا القرآن بهذه الأفعال أمامَ هؤلاء الأجانب الذين لا يَعْرِفُون إلا المادَّةَ.
ولو أنهم بَيَّنُوا للناسِ هذا الدِّينَ وما جاء به من الأخلاقِ والمعامَلاتِ، لكانَ خيرًا لهم لو كانوا يَعْلَمُونَ!
* * *