المضَرَّةِ، لكنه مُعْتَمِدٌ عليه على أنه أعْلى مِنْهُ، فإن هذا نوعٌ مِنَ الشِّرْكِ الأصغرِ، مثل اعتمادِ كثيرٍ من الناسِ الآن على رَواتِبِ الدَّولَةِ وما أشبه ذلك، فكونك تَعْتَمِدُ على الدولة على أنها مصدرُ رِزْقِكَ، فإن هذا نوعٌ مِنَ الشركِ الأصغر لأن الدولَةَ ليستْ إلا مجردَ سَببٍ، ولهذا من كان على هذا الحالِ تَجِدُه يُرَاعي المُتَوكَّل عليه ويخَافُه وربما يَتْرُكُ ما أَوْجَبَ اللَّه عليه مُراعَاة لَهُ ومُدَاهَنَةً، أو يَفْعَلُ ما حرَّمَ اللَّه عليه منْ أجْلِهِ.
أما القِسْمُ الثالثُ: فهو الاعتمادُ على الغَيْرِ لا على سَبيلِ الخشْيَةِ والخوفِ والرَّغْبَةِ ولا على سَبيلِ أنه يَشْعُرُ أنه أعْلى مِنْهُ، بل على سَبيلِ أنك أنْتَ الَّذِي فوقَهُ وأنت الذي تُدَبِّرُهُ فتَعْزِلُ وتُنَصِّبُ، فهذا جائز ولا حرجَ فيه، وقد وَقَعَ مِنَ النَّبِيِّ ﵊، فإنه كان يَبْعَثُ السعاةَ تَوْكيلًا لهم على مَا يُرِيدُ، فهذا لا بأسَ بِهِ.
وهذا القِسْمُ يحصُلُ عن طريقِ الوِكَالَةِ، فعِنْدَمَا أُوَكِّلُ إنسانًا أن يَشْتَرِيَ لي شَيئًا أو يَبِيعَ لي شَيئًا وما أشْبَه ذَلِكَ، فأنا معتَمِدٌ عليه في هذا الأمرِ، لكن ليس على سَبيلِ الاحْتِياجِ إليه وأنه أعْلَى مِنِّي، بل على العَكْسِ؛ على سبيل الاعتقادِ بأنِّي أعْلَى منه، لا سِيَّما إذا كان بِعِوَضٍ، وأن الأمرَ إليَّ بشَأْنِهِ إن شئت عَزَلَتُ وإن شئت نَصبت.
وقد أجمعَ العلماء على جوازِ التَّوكِيلِ بالبَيْعِ والشِّراءِ وغير مما تَدْخُلُ فيه الوِكالَةُ، والمراد من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ القِسْمُ الأوَّلُ والثاني بنَوْعَيْهِ، فإنهم لا يعْتَمِدُونَ على أحدٍ سِوَى اللَّه في جَلْبِ المنَافِعِ ودَفْعِ المضَارِّ.
واعلم أن التَّوَكُّلَ أحدُ شَقَّي الدِّينِ، فإن الدين مُكَوَّنٌ منْ أمْرَيْنِ: من عِبَادَةٍ واسْتِعَانَةٍ، كما قال : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وهذا كثيرٌ في القُرآنِ؛ لأن العبادةَ
стр. 352
لا تَكُونُ إلا بفعلٍ مِنَ العَبْدِ وبمَعُونَةٍ مِنَ اللَّه ، ويجبُ على المرءِ عِنْدَما يتَعَبَّدُ للَّه أن يكونَ مُعْتَمِدًا على ربِّهِ؛ لأن اللَّه لو وَكَلَهُ إلى نفْسِهِ لوكَلَه إلى ضَعْفٍ وعَجْزٍ وعَوْرَةٍ، فلا يستَطِيعُ أن يقومَ بما أوْجَبَ اللَّه عليه.
قوله: [﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فيَرْزُقُهم مِنْ حيثُ لا يَحْتَسِبُونَ]: هذه الجملةُ من المُفَسِّر ﵀ لا تُناسِبُ التَّوَكُّلَ؛ لأن الذي يُنَاسبُ التوكُّلَ أن يقول: فيكونُ حَسْبُهُم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، أما الرِّزْقُ من حيثُ لا يَشْعُرُ فيُنَاسِبُه التَّقْوَى لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، وفرْقٌ بينَ الأمْرَينِ، لكنَّ المُفَسِّر ﵀ أتى بهذه الجُملةِ توطِئةً لما بعدها، وهو قوله : ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾، وإلا فبالنظَرِ إلى الآيةِ المفَسَّرَةِ لا يناسِبُها هذا القولُ.
لو قال قائل: التوَكُّل ينَاسِبُه الرِّزْقُ؛ لأن النَّبِيَّ ﷺ يقولُ: "لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَما يَرْزُقُ الطَّيْرُ. . . " الحديث (١)، فكيفَ الجوابُ عن هذا؟
فالجواب: معْنَى الحديثِ لو تَوَكَّلْتُمْ علَى اللَّه في طَلَبِ الرِّزْقِ، لكِنَّ التَّوَكُّلَ المطْلَقَ هو أن يكونَ اللَّهُ حَسْبَهُ، فيقول: حَسْبُنَا اللَّهُ ونَعْم الوكيلُ.
فهل اللَّه يكونُ وَكِيلًا ومُوَكِّلًا؟
الجواب: نعم يكون اللَّه وكيلًا، وهذا كَثيرٌ في القُرآنِ، وقال تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٣]، ومثلها قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩].
стр. 353
ويكونُ اللَّهُ مُوَكِّلًا، قال تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩]، وليس التوكيلُ مِنَ اللَّه كتَوْكِيلي لفلانٍ وفلانٍ؛ لأن تَوْكِيلي لفلانٍ وفلان إما لعَجْزِي أو لتَّقْصِيرِي أو ما أشبه ذلك، لكنَّ تَوْكيلَ اللَّهِ بمعنى أن اللَّه يجعلُ هؤلاءِ هُمُ القائِمُون بها, لا أنه عاجزٌ.
وبعض الناس مِنَ العَوامِّ إذا وكَّلْتَهُ بشيءٍ قال: (وكِّلِ اللَّه)، ولا بأس بمثل هذه العبارة، وقوله: (وكِّلِ اللَّه) يعني: اجْعَله حَفِيظًا، واللَّه حفيظٌ على كلِّ شيءٍ، وليس معناها أنه هو اللَّه، بل المعنى: اجعلِ اللَّه وَكِيلًا وحَارِسًا، أي: حَفِيظًا، وأني سأقومُ بالأمَانَةِ؛ لأن اللَّه تعالى لا يَغِيبُ عنه شيء، وهو عَليمٌ بكُلِّ شيءٍ.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: وجوبُ إفرادِ اللَّهِ بالتَّوَكُّلِ والاعتمادِ، لقولِهِ: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.
الفَائِدةُ الثَّانِية: ينْبَغِي للصابِرِ أن يعتَمِدَ على ربِّهِ في صبرِهِ، لقوله : ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، وفائدةُ اعتمادِهِ في صَبر على رَبِّهِ:
أولًا: الثَباتُ على ذَلِكَ، فإن اللَّه يقولُ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣].
ثانيًا: أن صَبْرَهُ يكون عبادةً؛ لأن بعضَ الناس يَصْبِرُ ويتَجَلَّدُ على حَدِّ قول الشاعرِ (١):
стр. 354
وَتجلُّدِي لِلشَّامِتِينَ أُرِيهُمْ ... أَنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لَا أتَضَعْضَعُ
هذا الصَّبْرُ لا شك أنه خلق جميلٌ، لكنه لا يُثابُ عليه، وإنما يُثابُ على الصبْرِ المقرونِ بالتَّوَكُّلِ على اللَّه ، فهو الذي يكونُ فيهِ الثَّوابُ والأجْرُ.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: كفايةُ اللَّهِ لأنه لا يَتَوَكَّلُ إلا عَلَى مَنْ هو كافٍ.
* * *
стр. 355
الآية (٦٠)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٦٠].
* * *
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَكَأَيِّنْ﴾ كَمْ]: على هذا تكونُ خَبَرِيَّةً، يعني: وكَمْ من دَابَّةٍ، أي: كثيرٌ مِنَ الدَّوابِ.
والدابَّةُ في اللغة العربية: كل ما يَدُبُّ على الأرضِ، سواء مَشَى على بَطْنِهِ أو على رِجْلَينِ أو على أربعٍ، أما في العُرْفِ فهي لذَواتِ الأربعِ فقط، فلا تَشْمَلُ ما يَمْشِي على بَطْنِهِ ولا ما يمْشِي على رِجْلين، ولا على ما يمْشِي على سبعٍ وسبعين، وهي دابة عِنْدَنا تُسَمَّى أم سبعٍ وسبعين، وهي مثلُ الدُّودَةِ تَمْشِي ولها أرجلٌ كثيرةٌ -سبحان اللَّه! - وقد أخْبَرَنِي بعضُ الطُّلابِ أنهم عَدُّوا هذه الأرجلَ فوجَدُوها فوق الخَمسين ودونَ السِّتِّين، ولعله نوعٌ آخَرُ أو لعل هذه التسمية على سبيلِ المبالَغَةِ الظاهِرَةِ.
لو قال قائل: هل السيارةُ تُسَمَّى دابَّةٌ؟
فالجواب: لا تُسَمَّى دابة؛ لأن الدابَّة هي التي تَدُبُّ بنَفْسِهَا، أما السيارةُ فلا تَدُبُّ بنَفْسِهَا بل بسائِقِهَا، وقد تَدْخُلُ السيارة في الفَلكِ لأنها مِثْلُ السَّفِينَةِ لصاحبِهَا.
стр. 356
وقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ﴾: مبتدأٌ.
وقوله: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾: تَمييزٌ لها.
وجملة: ﴿لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ قيل: إنها هي الخبرُ، وقيل: جملةٌ ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا﴾ هي الخبرُ، وجملة: ﴿لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ صِفَةٌ لدَابَّةٍ، وهذا أقربُ؛ لأن الكلامَ لا يَتِمُّ إلا بقولِهِ: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾.
وقوله : ﴿لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ لا تستَطيعُ أن تَكْتَسِبَ وتحْمِلَ الرِّزْقَ حتى تقومَ بكفايَةِ نفْسِهَا، وهذا شيء كثيرٌ ويَرِدُ علَيْنَا نحنُ في حال الصِّغَرِ والطُّفولَةِ فلا نَسْتَطِيعُ أن نحملَ رِزْقنَا, ولولا أن اللَّه قيَّضَ لنا الأمَّ وقيَّضَ لنا الرضاعة من الأمِّ ما حَمَلْنَا الأرزَاقَ، كذلك يُوجَدُ دوابٌّ تأْتِيهَا أمراضٌ وعاهات فلا تستطيعُ أن تَطْلُبَ الرِّزْقَ فيُهَيِّئُ اللَّه لها رِزْقًا بحيثُ يأْتِيهَا وهي في مكانِهَا.
وكم قُصَّ عَلَيْنَا مِنْ قصصٍ كَثِيرةٍ في هذا البابِ؛ كدابَّةٍ جاءَهَا أمراضٌ وكُسِرَتْ رِجْلُها أو عَمِيت، أو طائر كُسِرَ جنَاحُهُ وما أشْبَه ذلك، فيَجِدُونَ الأشياء تأتي إليها باذنِ اللَّه جَلَّ وَعَلَا، وتأكلُ وهي في مكَانِهَا، وتوجَدُ دوابُّ صغيرةٌ لا تستطيع أن تَذْهَبَ بَعِيدًا ثم يُقَيِّضُ اللَّه لها طعامًا يَسْقُطُ حولها وتأتِي إليه، وهذه الدَّوَابُ منها ما يستَطِيعُ أن يدَّخِرَ الرزقَ بنَفْسِه، ومنها ما لا يَدَّخِر الرزقُ، ومنها من له أعوانٌ، ومنها من ليس له أعوانٌ، والذي يتَفَكَّرُ في مخلوقاتِ اللَّه في هذا الأمرِ يجِدُ العَجَبَ العُجابَ!
وقد ذكَر ابنُ القَيِّم ﵀ قِصَّةً، أن رَجُلًا وضَعَ طَعَامًا لنَمْلةٍ فلما أحسَّتْ به عَجَزتَ عن أن تَحمِلَهُ فذهبت إلى صاحباتها مِنَ النملِ ودَعَتْهُم فجاءوا، فلما جاءوا وصارُوا حول المكان رُفِعَ الطعام فلم يجدوه، فجَرَوا وبقَيِتْ هي تُفَتِّشُ حول المكان
стр. 357
فوضَعَه لها ثانية، فلما تَيقَّنَتْهُ ذهبت ودَعَتْهُم، فلما أقْبَلُوا رَفَعَه، ثم بدأتْ تطلُبُه ورَجَعوا، ثم وضَعه في المرة الثالثة وذهبت ودَعَتْهُم فلمَّا رفَعَه ولم يجِدُوه قتَلُوها.
يقول ابن القيم ﵀: فذكرتها لشيخنا شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ فقال: إن الكَذِبَ لا يُحِبُّه أحدٌ، حتى النَّمْلَةُ لما كَذَبْتَ عليهم وأتَتْ بهم مِن بيوتِهِمْ واستَفْزَعَتْهُم قتلُوهَا (١).
فهذه الدوابُّ الضَّعِيفَةُ التي لا تستطيع أن تحمِلَ رِزْقَها يقومُ اللَّه برِزْقِها؛ لأن اللَّه تعالى قال في كتابه عن نَفسِهِ: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦].
وقوله: ﴿دَابَّةٍ﴾ دابَّةٌ: نكِرَةٌ في سياقِ النَّفْي المُؤكَّدِ عُمومِه بـ (مِنْ) الزائدة، فأي دابَّةٍ في الأرض على اللَّهِ رِزْقُهَا ويعْلَمُ مستَقَرَّهَا ومستَوْدَعَهَا كذلك، وليست الدوابُ كلها تَرْتِزَقُ من شيء واحد، بل بعْضُهَا يناسِبُه هذا وبعضها لا يناسبه، وأيًا كان فإن اللَّه يُقَدِّرُ لها الرزقَ المناسب لها، ومع ذلك يعلم جَلَّ وَعَلَا مسْتَقَرَّهَا ومستَوْدَعَها، يعني: محل استقرَارِها ومحلَّ استِيدَاعِهَا.
فالمستَقَرُّ: ما تَؤُولُ إليه في يومِ القِيامَةِ، والمستودعُ: الدُّنيَا والبَرْزَخُ الذي بين الدنيا والآخرة؛ لأنَّ الإنسانَ يكون فيه بمَنْزِلَةِ الوَدِيعَةِ يبْقَى زَمَانًا ثم ينتقِلُ.
لو قال قائلٌ: إن قولَهُ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ يحتَمِلُ الأمْرَيْنِ: أي لا تَحْمِلُ رِزْقَها لضَعْفِها، وكذلك: لأنها لا تَسْتَطِيعُ التَكَسُّبَ؟
فالجواب: لا تحتملُ الآيةُ الأمْرَيْنِ، فليس بصوابٍ أن نَقولَ: لا تَحْمِلُ رِزقَهَا
стр. 358
لضَعْفِها؛ لأن هذا التَّعْليلَ معناه أنها لا تَحمِلُ رِزقها لأنها ضَعِيفَةٌ، إما ضَعِيفَةٌ في الإرَادَةِ أو ضَعِيفَةٌ في البَدَنِ، فليس هذا مَعْنَى الآية، بل معناها: لا تَسْتَطِيعُ أن تَكْتَسِبَ.
وكتابة الرِّزْقِ والأجلِ ليست خاصَّةً بالآدَمِيِّ بل الدَّوابُّ وغيرها داخلةٌ في هذا التَّقديرِ، لكن النُّصوصَ تَكاثَرَتْ في الآدَمِيِّ؛ لأنه هو محِلُّ الخطابِ والتَّكلِيفِ حتى يَسْتَعِدَّ، وإلا فاللَّه يقولُ في القُرآنِ: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]، فقوله: [كُلُّ شَيءٍ] عامٌّ، فكلُّ شيءٍ مكتوبٌ أجَلُهُ وجميعُ حالاتِهِ مُقَدَّرَةٌ، قال اللَّه تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، فما دَامَ اللَّهُ خَلَقَهُ فهو عالمٌ بِهِ جَلَّ وَعَلَا في كُلِّ أحْوالِهِ، وكلُّ أحْوالِهِ مُقَدَّرَةٌ، فما من شيء إلا عَلِمَهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا وقَدَّرَهُ حتى القَطرةُ من المطرِ مكتوبةٌ ومُقَدَّرَةٌ، مع أنها ليست ذاتَ إرادَةٍ.
ثم إن اللَّه يقولُ: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨]، فقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، وهذا يَدُلُّ على أن اللَّه عالمٌ بِهِ ومُقَدِّرُهُ، ثم قال: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ يعني: كلَّ شيءٍ له حَياةٌ سيُبْعَثُ يومَ القِيامَةِ، وقُدْرَةُ اللَّه عظيمةٌ لا يَتَصَوَّرَهَا الإنسانُ، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠].
وكيف يقال: إن اللَّه هو الذي خَلَقَ هذا الشيءَ وقدَّرَه فناءً ووجُودًا، ثم نقول: ما عِلَمَه، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]؟ فلا تسْتَعْظِمْ هذا ولا يُبْهِرُكَ؛ لأن الأمر على اللَّه جَلَّ وَعَلَا يَسِيرٌ، وقدرةُ اللَّه جَلَّ وَعَلَا ليس لها منْتَهَى وليس لها حَدٌّ.
فالمهِمُّ: كلُّ شيءٍ مكتوبٌ ومقَدَّرٌ، واللَّه يَعْلَمُه، حتى إن أحدَ
стр. 359
أصحابِ الإمامِ أحمدَ ﵀ دخل عليه وهو مريضٌ، ويَئِنُّ من المرضِ، فقال: يا أبا عبدِ اللَّهِ كيفَ تَئِنُّ وقد رَوى طَاووسُ أن الملائكةَ تَكْتُبُ حتى أَنِينَ المرِيضِ (١)، فلما قال ذلك كفَّ ﵁ وصارَ يتَحَمَّلُ ولا يَئِنُّ مِن مرضِهِ، مع أن الأنينَ أحيانًا يكون شَيْئًا طَبِيعِيًّا.
والشاهد: أنه يجبُ علينا أن نعتَقِدَ أن اللَّه عالمٌ بكُلِّ شيءٍ، وأنه مقدِّرٌ لكلِّ شيء، وأن آجالَ كلِّ شيءٍ مكتوبةٌ، وكُلُّ حركاتِهَا وسكنَاتِهَا مكتوبة، وأنه لا يحدُثُ شيء في الأرضِ ولا في السماء إلا بعِلْمِ اللَّهِ وإرَادتِهِ وخلْقِهِ .
مسألة: هل مَلَكُ الموتِ يَقْبِضُ أرواحَ الحشراتِ؟
هذا محَلُّ نِزاع بينَ السَّلَفِ، والأدِلَّةُ فيها تكادُ تكونُ متكَافِئَةً، لكن الذي يظهرُ أن قبضَ ملكِ الموتِ للأرْواحِ عامٌّ؛ لأن (مَلك) مضافٌ إلى (الموت) فيُفِيدُ العمومَ، فيَشْمَلُ موتَ كُلِّ حَيوانٍ.
لو قال قائل: قوله : ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾، هل هذا العُمومُ يَشْمَلُ بَنِي آدَمَ؟
فالجواب: لغةً يَشْمَلُ بني آدمَ، لكن لما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ عُلِمَ أن المرادَ ما سِوَى بَنِي آدَمَ، أما قوله : ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، فهو عامٌّ لبَنِي آدَمَ وغَيرِهِ.
قوله : ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ أتى بالجُمْلَةِ الاسمية؛ لأن الجملَةَ الاسْمِيَّةَ تُفِيدُ بأصلِ وَضْعِهَا ثبوتَ الحُكمِ، والرزقُ: بمعنى العطاءِ بلا عِوَضٍ،
стр. 360
والضمير في ﴿يَرْزُقُهَا﴾ أي: هَذِهِ الدَّابَّةُ، ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾: معطوفة على (الهاء)، والضميرُ هنا واجِبُ الانفصالِ إذ إن الضَّمِيرَ المتَّصِلَ لا يُمْكِنُ أن يتَأَتَّى هنا، فلا يَصِحُّ أن تقولَ: (اللَّه يَرْزُقَها وكُم)، فالضمير إذا أتى بعدَ العَطْفِ أو بعد (إلا) فلا بُدَّ أن يكونَ مُنْفَصِلًا.
وقوله: [﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ أيُّهَا المهَاجِرُونَ وإن لَمْ يكُنْ مَعَكُمْ زادٌ ولا نَفَقَةٌ]: لأن الكلامَ -كما قال المُفَسِّر ﵀ سابقًا- مَسُوقٌ في الِهجْرَةِ ومغادَرةِ البلَدِ، فاللَّهُ تعالى كما رَزَقَ هذه الدَّوابَّ الكثيرةَ التي لا تُحْصَى جِنْسًا، فضلًا عن النوع، فَضْلًا عن الأفرادِ، فأنتُمْ كذلك إذا هَاجَرْتُمْ لا يَضِيعُ رِزْقكُمْ، بل رِزْقكُم على اللَّه ، قال اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٠]، وقد حَصَلَ، فأَسْرَى بَدْرٍ الذين أسْلَمُوا حَصَل لهم مِنَ الفَيْءِ والغنَائِمِ أكثرَ مِمَّا أُخِذَ منهم.
قولى: [﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقْوَالِكُمْ، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بضَمائِرِكُمْ]: فاللَّهُ سميعٌ لكُلِّ شيءٍ، يسمَعُ كلَّ صوتٍ وإن خَفِي، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]، فهو يعلمُ كلَّ ما يكون من صوتٍ خَفِيٍّ، سواء كان قولًا أمْ غيرَ قولٍ، لكنَّ المُفَسِّر ﵀ خصَّ القولَ لأنه مَحَطُّ التَّكلِيفِ، ومَحَطُّ الإثمِ أو الأَجْرِ.
و﴿السَّمِيعُ﴾: من أسماء اللَّهِ ، وله مَعْنَيانِ:
أحدُها: إدْرَاكُ المسْمُوعِ.
والثاني: إجابَةُ الدُّعاءِ.
أما إدراكُ المسْمُوعِ فَلَهُ أمثْلِةٌ كثيرةٌ كما في قوله : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ
стр. 361
الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١].
وأما إجابَةُ الدُّعاءِ فكما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، بمعنى: يَسْمَعُ صوتَ الدَّاعِي أو يُجيبُ دُعاءَهُ.
قوله: [﴿الْعَلِيمُ﴾ بضَمائِرِكُمْ]: فعلى رأي المُفَسِّر تكونُ هذه الآية دَالَّةٌ على الأقوالِ وما في الضَّمائرِ فَقَطْ، مع أن هنَاكَ أفْعالًا وهي أفعالُ الجوارحِ.
فالآية بهذا التفسير ليس فيها دليلٌ على عِلْمِهِ بأفعالِ النَّاسِ، ولهذا كان الصوابُ أن يقالَ: العَليمُ بجميعِ أحوالِكُمْ، فاللَّه عليمٌ بما في الضمائرِ وعَلِيمٌ بما يَفْعَلُ وبما يسْمَعُ؛ لأن العلمَ مِنْ أشملِ ما يكونُ مِنَ الصفاتِ، كما قال : ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، فهو من أعَمِّ الصفاتِ شُمُولًا.
وقوله: ﴿الْعَلِيمُ﴾ يقولُ العلماءُ: إن العلمَ هو إدراكُ المعْلُومِ على ما هو عليه إدْرَاكًا جَازِمًا مطابقًا، وقولنا: (على مَا هُو عَلَيْهِ) يُغْنِي عن قولنا: (مُطَابِقًا)، لكن إذا قلنا: العِلْمُ إدراكُ الشيءِ إدْرَاكًا جازِمًا مُطَابقًا فهذا صحيحٌ.
المهم: لا بُدَّ أن يكونَ الإدراكُ (جَازِمًا) فنُخْرِجُ به الشَّكَّ والظَّنَّ والوَهْم.
و(مطابِقًا) نُخْرِجُ به الجهْلَ المرَكَّبَ.
و(إدْرَاكًا) نُخْرِجُ به الجهلَ البَسِيطَ، فيكونُ الإدراكُ للأمورِ على سِتَّةِ أنواع: عِلْمٍ، وجهْلٍ بسيطٍ، وجَهْلٍ مُرَكَّبٍ، وشَّكٍ، وظَنٍّ، ووَهْمٍ.
ننظر إلى تفصيل ذلك:
العلم: أن تُدْرِكَ الشيءَ على ما هو عَلَيه إدْراكًا جَازِمًا، فنَفْرِضَ أنَّ أمامك
стр. 362
جهازُ تَسجِيلٍ، فالعِلْمُ أن تُدركَ أن الذي أمامَك جهازُ تَسجيلٍ.
الجهْلُ البسيط: يقال لك: ما هذا الَّذِي أمَامَكَ؟ تقولُ: لا أَدْرِي.
الجهْلُ المرَكَّبُ: يقال لك: ما هذا الَّذِي أمَامَكَ؟ تقول: هذه أُلْعُوبَةُ أطفالٍ، هذا جهْلٌ مُرَكَّبٌ من جهلِكَ بحقيقةِ الحالِ ومن جَهْلِكَ بحالِكَ؛ حيث ظَننتَ أنك عَالمٌ وأنت جاهلٌ.
الشكُّ: يقال لك: ما هذا الذي أمَامَكَ؟ تقول: إما جهازُ تَسجيلٍ أو رادَيو؛ لأن أحدَ الاحتمالين صحيحٌ، فمَعَ التَّسَاوي يكونُ شَكًّا.
وإذا رجَّحتَ أنه جهازُ تَسجيلٍ فهو ظَنٌّ، والمرجوح يكونُ وَهْمًا.
وكل هذه الأشياء منَتْفَيِةٌ عن اللَّه ، ما عدا العِلْم فإنَّه ثابِتٌ للَّه على كلَ وَجْهٍ.
لكن لو قال قائلٌ: هذا الجزم بأن هذه الأمور منتفِيَةٌ عنِ اللَّه ما عدَا العِلْم، يَرُدُّه قولُه في الحديث القدسي: "وَمَا ترَدَّدْتُ في شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ ترَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ" (١)، فأثبتَ أن اللَّه يتَرَدَّدُ في بعضِ أفعَالِهِ؟
والجوابُ: أن التَّرَدُّدَ قِسْمانِ:
الأولُ: ترَدُّدٌ لتَوَقُّفِ المتَرَدِّدِ في الأمرِ هلْ يكونُ خَيْرًا أو لَا، وهذا بالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ ممْتَنِعٌ؛ لأن اللَّه تعالى يَعْلَمُ.
الثَّانِي: ترَدُّدٌ باعتبارِ النَّظَرِ، يعْنِي: ترَدَّدَ لأمرٍ يتَعَلَّقُ بغَير مثلُ هذه الحالِ،
стр. 363
فإنَّ ترَدُّدَ اللَّهِ لا لخفاءِ الأمْرِ عليه، ولكن لأَنَّهُ يَكْرَهُ أن يَسُوءَ عَبْدَهُ، فيتَرَدَّدُ لا لشكٍّ في الأمر واستظهارٍ للواقِعِ، ولكن لأجلِ أن الأمرَ يتَعَلَّقَ بغيرِهِ، فهذا لا يُعْتَبرُ نَقْصًا بل كَمَالًا؛ لأنه يدُلُّ على رحمةِ اللَّه ، وبهَذَا يَزُولُ الإشكالُ.
وقوله: ﴿الْعَلِيمُ﴾ مِنَ الأسماءِ المتَعَدِّيَة، فيكونُ متَضَمِّنًا لثُبوتِ الاسمِ والصِّفَةِ والحُكْمِ.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: الإرشادُ إلى النَّظَرِ في مخلوقاتِ اللَّه، فإن اللَّه يقول: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾؛ لأجلِ أن نَتَفَكَّرَ في هذه الدَّوابِ التي لا تَحْمِلُ رِزْقَها.
الفَائِدةُ الثَّانِية: إثباتُ عدةِ صِفَاتٍ من صفاتِ اللَّهِ ، منها كمالُ القُدْرةِ؛ حيث يخْلُق هذه الدَّوابَّ الصَّغيرةَ التي لا تحْمِلُ رِزْقها، ويخلُقُ الدَّوابَّ العظيمة التي تَكْتَسِبُ الرِّزْقَ.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: إثباتُ صِفَةِ القُدرةِ للَّه ، وإثباتُ عِلْمِهِ ورحْمَتِهِ وإحاطَتِهِ بكُلِّ شيءٍ؛ لأن هذه الدوابَّ الصغيرةَ الي لا تحْمِلُ رِزْقَهَا يعْلمُها ويَرْزُقها, لقولِهِ: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
الفَائِدةُ الرَّابِعة: إثباتُ اسْمَي السَّميعِ والعَليمِ وما يتَضَمَنَاهُ مِنَ الصِّفَةِ.
* * *
стр. 364
الآية (٦١)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١].
* * *
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَئِنْ﴾ لامُ قَسَمٍ ﴿سَأَلْتَهُمْ﴾ أي: الكُفَّارَ] اهـ.
يقولُ المُفَسِّر ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ﴾: (اللام) لامُ القَسَمِ، يعْنِي: موطِئَّةً للقَسَمِ، وقد اجتَمَع في هذه الآية قَسَمٌ وشَرْطٌ، والقاعدة: إذا اجتَمَعَ شرطٌ وقَسَمٌ حُذِفَ جوابُ المتأخِّرِ، قال ابن مالك ﵀ (١):
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ... جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ
وقوله: ﴿وَلَئِنْ﴾: (اللام) لامُ القَسَمِ، و (إن) شَرْطِيَّةٌ، فكانَ الجوابُ للقسمِ وهو قولُهُ: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، وحُذِفَ جوابُ الشَّرْطِ.
قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ فيها ضميران: (التاء) و (الهاء)، التاءُ خِطَابٌ للنَّبِيِّ ﷺ أو لكلِّ مَنْ يتَأَتى خِطابُه، والهاء خطابٌ للمَسْؤولِينَ.
وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ أي: ولئنْ سألتَ هؤلاءِ الكُفَّارِ ﴿مَنْ خَلَقَ﴾، (خلق): بمعنى أوْجَدَ، ولكن على تقديرِ مُعَينٍ، فالخلْقُ ليس بمعنى الإيجَادِ المجَرَّدِ، بل هو
стр. 365
إيجادٌ على تَقْديرٍ مُعَيَّنٍ، أي: أنه يكون مَسْبُوقًا بتقديرٍ، ولذلك لا يكون إلا فيما فيه إتقانٌ وجودةٌ.
قوله : ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: والسمواتُ تُجْمَعُ دائمًا في القرآن، والأرضُ لا تأتي إلا مُفْرَدَةً، ولكنَّ الثابتَ أن الأَرَضِين سبْعٌ كما أن السموات سبْعٌ.
قوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ﴾ بمعنى: ذَلَّلَ الشَّمْسَ وجَعلهَا مُذَلَّلَة لمصالحِ العِبادِ تَسيرُ بهذا النِّظامِ الذي لا يختَلِفُ ولا يتَغَيَّرُ لا تَقَدُّمًا ولا تَأَخُّرًا, ولا عُلُوًّا ولا نُزُولًا، ولو تَدَبَرْت هذه الشمسَ لرَأَيْتَهَا على نظامٍ بديعٍ لا يَتَغَيَّرُ على عِظَمِهَا وكِبَرها.
ثم إن فيها من آيات اللَّه الكثيرةِ: انْظُرْ إلى حَرارَتِها في أيام الصيفِ، وهذه الحرارةُ العظيمةُ ما هي إلَّا نفَسٌ بسيطٌ مِنَ نَارِ جَهَنَّمَ، كما قال النبي ﵊: "اشْتكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: يا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِى بَعْضًا، فَأَذِنَ لهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ في الصَّيْفِ ونَفَسٍ في الشِّتَاءِ" (١)، هذه الحرارة العَظِيمَةُ مع أن المسافَةَ بَينَنَا وبينها بَعِيدَةٌ جدًّا، ومع ذلك يقولون: لو قَرُبَ منها أَقْوَى حَدِيدٍ وأمْنَعَ حديدٍ لصارَ هَباءً قبلَ أن يَصِلَ إليها مِنْ شِدَّةِ الحرَارةِ، وهذا أمرٌ مَعْلُومٌ؛ لأنك لو تُوقَدُ نارًا عَظِمية مِنْ أعظمِ نِيرانِ الدُّنَيا فلا تَجِدُ هذه الحرارةَ العَظِيمَةَ من هذه المسافَةِ البعيدة.
ثم إن هذه الشمسَ كلُّ يومٍ لها مَطْلَعٌ، وكل يوم لها مَغْرِبٌ؛ وذلك لأن اللَّه سَخَّرَها, ولولا ذَلِكَ ما اختلَفَتْ مشَارِقُ الشتاءِ ومشَارِقِ الصَّيْفِ.
الحاصلُ: أن الشَّمسَ مخلوقٌ عَظِيمٌ وأنها مُذَلَّلَةٌ لمصالحِنَا بها تَنْضُج الثمارُ، وبها
стр. 366
تُعْلَمُ السُّنونُ، ولو قَرُبَتْ أو بَعُدَتْ تَغَيَّرَ الجوُّ بلا شكٍّ، مع أنها تأتي يومَ القيامَةِ يكون بينها وبينَ الناسِ قَدْرَ مِيلٍ (١)، واللَّهُ على كُل شيءٍ قَدِيرٌ، وأحوالُ الآخِرَةِ لا تُقاسُ بأحوالِ الدُّنْيَا.
وقوله : ﴿وَالْقَمَرَ﴾: القَمَرُ معروف، وإنما ذَكَر اللَّه هنا الشَّمْسَ والقَمْرَ لما فيهما مِنَ المصَالِحِ الظاهرَةِ؛ لأن النُّجومَ والكواكبَ ليس فيها مصالِحُ ظاهِرَةٌ لنا، وإلا فقدْ سَخَّرَ اللَّهُ الشمسُ والقمر والنجوم، فكُلُّهَا مُسَخَّرَةٌ؛ لكنَّ المصالحَ في الشمسِ والقَمَرِ أظهرَ وأبَيْنَ.
وفي قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ دليل على أنهما هُمَا اللذانِ يَجْرِيانِ حولَ الأرض، خِلافًا لمن قال: إنهما لا يَسِيرَانِ حولَ الأرض، وإنَّ اختلافَ الليلِ والنهار بسببِ دَورانِ الأرْضِ نَفْسِها.
ولا شكَّ أن الذي لا يعْتَقِدُ أنهما يَدُورانِ حولَ الأرضِ أنه على خَطَرٍ عظيم، ربما يَصِلُ به ذلك إلى الكُفْرِ؛ لأن الذي نُؤْمِنُ به ونعْتَقِدُهُ ما أخبرنا اللَّه عنه من أنَّ الشمسَ هي التي تَدُورُ حولَ الأرضِ، وكذلك القَمَرُ قال تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف: ١٧]، فأضافَ اللَّه هذه الأفعالَ الأرْبَعَةَ إلى الشمسِ: (طَلعت، تَزَاور، غَرَبت، تَقْرِضهم).
стр. 367
ولو كان الأمرُ كما يقولُ هؤلاءِ الخرَّاصُونَ لكانت الأرضُ هي التي تَزَاورُ وهي التي تَطْلُعُ على الشَّمْسِ، وهي التي تَغْرُب عن الشمسِ، فَهُمْ ليس عندهم إلا أمورٌ ظَنِّيَّةٌ فقط، والقرآنُ دَلالَتُهُ ظاهرَةٌ على أن الشمسَ تَدُورُ حولَ الأرضِ، وكذلك القَمْرُ، والنَّبِيُّ ﵊ لما غَرَبت الشمسُ قال لأبي ذَرٍّ: "أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ" (١)، ولم يقل: أتَدْرِي أينَ نَذْهَبُ عن الشمسِ، بل الشمسُ هي التي تَذْهَبُ وهي التي تَأْتِي، وهي التي تستأذنُ وهي التي يُؤْذَنُ لها أو تُمْنَعُ.
ومن العَجِيبِ أن هذا القولَ المخالِفَ لظاهِرِ القُرآنِ قد سَرَى إلى أناس لا نَشُكُّ في دِيانَتِهِمْ، لكن غرَّهُم السَّرابُ فانْخَدَعُوا، والواجِبُ علينا في هذه الأمورِ أن نَمْشِيَ على ظاهِرِ القُرآنِ حتَّى يَتبَيَّنَ لنا ما يكونُ مخالِفًا لهذا الظاهِرِ، أما ما دَلَّ عليه القرآنُ دلالَةً يَقينِيَّةً فإنه لا يُمْكِنُ لشيءٍ أن يخالِفَهُ، فدَلالَةُ القرآنِ إما ظاهِرَةٌ وإما صَرِيحةٌ، فالصَّريحةُ قَطْعِيَّةُ الدِّلالَةِ، ولا يمكن لشيءٍ أن يخالِفَهَا، والظاهرةُ ظنِّيَةُ الدِّلَالَةِ فنبقى على الظاهرِ حتَّى يَتبَيَّنَ لنا بأمرٍ قَطعِيٍّ خلافُهُ، وحينئذٍ ما دام ظاهرًا فإنه يُمْكِنُ أن يُؤَوَّلَ.
فالحاصلُ: أن عِندنَا الآن ثلاثةُ مسائلَ:
الأُولَى: ثبوتُ الشمسِ والقَمَرِ، يعني: وُقوفُهُما، فقائلُ هذا مُكَذِّبٌ للقرآنِ.
والثانية: كونُ الليلِ والنَّهارِ بسبب دَورانِ الأرضِ أو بسببِ دَوَرانِ الشمسِ والقمر، نقول: هذا خلافُ الظاهِرِ، فنكَذِّبُهُم في قولهم: إن تَعَاقُبَ الليلِ والنَّهارِ بسببِ دَورانِ الأرضِ حتى يأْتُوا بدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ واضحٍ مثل الشمسِ يكون حُجَّةً لنا
стр. 368
في تأويلِ ظاهِرِ القُرآنِ، وإلا فلا نَقْبَلُ قولَهم ولو اجتمَعُوا جميعًا؛ لأننا نعْرِفُ أن أقوالهم هذه تَخَرُّصَاتٍ، حتى إن الآخِرَ منهم يَنْقُلُ عبارةَ الأَوَّلِ بِنَصِّهَا، مما يدل على أن المتَأَخِّرِينَ ببغاوات كلما نطَقَ لهم نَطَقُوا بما سَمِعُوا.
الثالثة: دَورانُ الأرضِ حولَ نَفسِهَا، هذا لا يوجَدُ في القرآنِ دليلٌ -لا ظاهرٌ ولا صَريحٌ- يدُلُّ على أن الأرضَ تدورُ أو لا تَدُورُ، لكن قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [لقمان: ١٠]، قد يقول قائل: إن قوله: (تَميدَ) يدل على أنه هناك حَركة، ووُضِعَتْ هذه الجبالُ لاتِّزَانِ هذه الحركةِ؛ لأن نَفْي الأَخَصِّ لا يَدُلُّ على نَفْي الأعَمِّ، ومع ذلك نقول: ما لنا ولمثل هذا البحث، لو أن هذا مِنَ الأمور التي يجبُ علينا اعتقادها أو اعتقادُ نَفْيهَا لكان قد بُيِّنَ في القرآنِ غايَةَ البيانِ؛ لأن اللَّه تعالى يقولُ: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩].
ولو قالَ قائلٌ: لماذا نُشْغَلُ بهذه المسألةِ؟
فالجواب: إذا ابتُلي الإنسانُ فلا بُدَّ أن يَنْزِلَ إلى الميدانِ.
ومثلُ هذا طُرقُ أهلِ الكلامِ في إثباتِ العقيدةِ فهي ليست على طريقةِ السَّلفِ، لكنَّ السلفَ لم يتْرُكوهُمْ وشأنهم، بل خاضُوا معهم، وقبلَ أرْبعينَ سنةً كانَ الناسُ على عقائدهم الفطْرِيَّةُ أن الشَّمسَ تطْلُعُ وتَغِيبُ والقَمَرُ يطْلُعُ ويَغِيبُ، ولم يكن يَطْرَأْ ببالهِمْ إطْلاقًا هذه الأُمورَ المحْدَثَة.
وقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ تَسْخِيرُ القَمرِ أيضًا لمنَافِعِ العبادِ ومصالحِهِمْ، قال : ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]، بيَّن اللَّهُ الحكمةَ مِنْ ذلك في قوله : ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥]،
стр. 369
فباختلافِ منازِلِ القَمَرِ نعلمُ عَدَدَ السِّنينَ والحسابَ؛ لأن الأَهِلَّةَ هي المواقيتُ العالميَّةُ الفِطْرية، قال اللَّه : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٩]، عامَّة، وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٦]، وهذه الأشْهُرُ التي بَيَّنَهَا الرسولُ ﵊: هي الأشْهُرُ الهِلالِيَّةُ.
وبالمناسَبَةِ: حدَّثَنِي أحدُ الناس أن في بعضِ البلادِ يعْتَقِدُونَ أن سببَ الكسوفِ أن مخلوقًا يحولُ بينَ القمرِ وبين الأرض، وأيضًا في بعضِ البلاد يعتَقِدُونَ أن حيوانًا سَمَاويًا يتَرَصَّدُ بالقَمرِ -لعله حوت- فيحْجُبُه عن الأرضِ، ولذلك هم يخْرُجونَ بالطبولِ يهْتِفُون: يا فلانة يا فلانة انْقِذِي القَمَرَ، وهذا من البِدَع والمصائبِ التي حَلَّتْ بالمسلمين، والواجبُ على أهْلِ العلمِ التَّنْبِيه على خَطر هذه البِدَع والتَّحْذِيرِ مِنْهَا.
قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ نونُ التوكيدِ اتَّصَلَتْ بالمضَارِعِ، والمعروفُ عندَ أهلِ النَّحْو أن نون التوكيد إذا اتصلتْ بالمضَارعِ يُبْنَى على الفَتْحِ، والموجودُ هنا ضمَّةٌ؟
والجواب: أن نون التوكيد إذا اتَّصَلَتْ بالمضارع فيُشْتَرَطُ أن تكونَ مباشِرةً للفعل لفظًا أو تَقْدِيرًا, ولذلك يقول ابن مالك ﵀ (١):
. . . . . . . . . . . ... وَأَعْرَبُوَا مُضَارِعًا إِنْ عَرِيَا
مِنْ نُونِ تَوْكِيدٍ مُبَاشِرٍ وَمنْ ... نُونِ إِنَاثٍ كَـ (يَرُعْنَ مَنْ فُتِنْ)
فالنون في قولِه: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ ليستْ مبَاشِرَةً للفِعْلِ تقديرًا؛ لأنه حالَ بينها
стр. 370
وبين الفعلِ اسم وهو (الواو)، وحرفٌ وهو (النون) أي: نُونُ المضارِعِ، وحُذِفَتْ نونُ المضارِعِ لتوالِي الأمثالِ، والواو حُذِفَتْ لالتقاءِ السَّاكنين؛ لأنه لما حُذِفَتِ النُّونُ الأُولَى لتَوالِي الأمثالِ والنُّونُ الثانِيَةُ مشَدَّدَةٌ، والحرفُ المشَدَّدُ أوله ساكن فيلتقي مِنْ ساكِنٍ، وهو الواو فتُحْذَفُ الواو، قال ابن مالك ﵀ في الكافية:
إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ... وَإِنْ يَكُنْ لَيْنًا فَحَذْفُهُ اسْتَحَقْ
قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أي: المسؤولُونَ مِنَ الكفَّارِ.
لفظ الجلالة ﴿اللَّهُ﴾ إعرابه: خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ تقْدِيرُهُ: (هو اللَّه)، فالكفار يُقِرُّونَ بأن اللَّه هو الذي خلقَ هذه الأشياء، ويعْتَرِفُونَ أن هذه الأشياءَ لا تَصْنَعُها الآلهةُ لا خَلْقًا ولا تَدْبِيرًا، والآية جمعتْ بين الإيجادِ والتَّدْبِيرِ في قوله -سبحانه-: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ ولم يقل: خَلَقَ الشمس والقمر.
والحاصل: أنهم مُقِرُّونَ بأن خالقَ السمواتِ والأرض ومُسَخِّرُ الشمس والقمر هو اللَّه تعالى دونَ أصنَامِهِمْ، وهم لما أقَرُّوا هذا الإقرارَ أقامُوا الحُجَّةَ على أنفسهم؛ لأن مَنْ أقرَّ بالرُّبُوبِيَّةِ لَزِمَهُ أن يُقِرَّ بالألوهية، ومَنْ أقَرَّ بالألوهية فقد أقرَّ بالرُّبُوبِيَّةِ، فهما متلازِمَانِ، والإقرارُ بالرُّبوبِيَةِ أسبقُ لأن الإنسان لا يَعْبُد إلا ربًّا يعلَمُ أسماءَه وصِفَاتِه وأفْعَالَهُ.
قوله: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (أَنَّى): اسمُ استِفْهامٍ الغَرضُ منه التَّوبِيخُ، يعني: بعد أن أَقَرُّوا بهذا كيف يُصْرَفُونَ؟ وسمَّي الصَّرْفُ إفْكًا لأنه صَرفٌ للشيءِ عن حَقِيقَتِهِ كما يُسَمَّى صَرْفُ الكلامِ عن الواقع إفْكًا، كما لو قال لكَ رجلٌ: (قَدِمَ زَيدٌ). وزيدٌ لم يَقْدم، هذا يُسَمَّى إفْكًا؛ ولهذا قال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾: أنَّى يُصْرَفُونَ عن تَوْحِيدِهِ بعدَ إقْرارِهِمْ بِذَلكَ].
стр. 371
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: إقامَةُ الحجَّةِ على الخَصْمِ حتى يُذْعِنَ ويُقِرَّ، لقوله: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾.
الفَائِدةُ الثَّانِية: سَفَهُ هؤلاءِ المشركينَ باللَّهِ في عِبادَتِهم حيثُ يُقِرُّونَ بربوبِيَّتِهِ ثم يُنْكِرُونَ ألوهِيَّتَهُ، وكان مِنَ العَقْلِ أن من أقَرَّ بالرُّبوبِيَّةِ يُقِرُّ بالألوهية.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: إثباتُ خلقِ السَّموات والأرضِ، وأن الذي خَلَقهما هو اللَّه، لقولِهِ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾.
الفَائِدةُ الرَّابِعة: أن تَدبيرَ الكونِ إلى اللَّه ، لقولِهِ: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾.
الفَائِدةُ الخامِسةُ: رحمةُ اللَّه بخَلقِهِ، حيثُ سَخَّرَ لهم الشمس والقمر.
الفَائِدةُ السَّادسَة: إقرارُ المشْرِكينَ بربُوبِيَّةِ اللَّه ، لقولِهِ: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾.
الفَائِدةُ السَّابِعة: أن الإقرارَ بالرُّبِوبِيَّةِ لا يكْفِي في التوحيدِ، وبهذا نَعْرِفُ بطلانَ تفسيرِ من فسَّرَ الإله بالقادِرِ على الاختراعِ، فإن المتكَلِّمِين يُفَسِّرون الإلهَ بالقادِرِ على الاختراعِ، وإذا فَسَّرُوا الإله بهذا التَّفْسِير لم يكن هناك فَرقٌ بين تَوحيدِهِمْ وبين توحيدِ المشْركينَ.
وأهلُ السُّنَّةِ يقولون: الإله هو المعبودُ حقًّا، وإن كان المعبودُ بالباطِلِ يُسَمَّى إلهًا لأنه يُعْبَدُ؛ لكِنَّ ألوهيَّتَهُ باطِلَةٌ.
الفَائِدةُ الثَّامِنة: إثباتُ علمِ اللَّهِ للأمورِ التي تقَعُ في المستقبلِ، لقوله: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾، فإن هذا خَبَرٌ عن أمرِ مسْتَقْبَلٍ، ولا شكَّ أنه سيَقَعُ كما أخبَرَ اللَّه .
ولم نجعلِ القُدْرَةَ هنا بمعنى استطاعَةِ العملِ لمقابَلَتِهِ بالبَسْطِ ومنه قوله : ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧]، فمَعْنَى ﴿قُدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: ضَيَّقَ عَلَيه.
وقوله: ﴿وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ الضَّميرُ يعودُ على ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، يعني: ويَقْدِرُ لمنْ يشاءُ.
وهل المبسوطُ له والمقَدَّرُ له واحد؟
ظاهرُ كلامِ المُفَسِّر أنه واحدٌ، ولهذا قال: ﴿وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ بعد البَسْطِ، والسببُ أن الضميرَ في قوله: ﴿لَهُ﴾ يعودُ بلا شك على قولِهِ: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فكأن المُفَسِّر ﵀ أرادَ أن يعودَ عليه باعتِبارِ عَيْنِهِ، لكننا نقولُ: لا مانع من أن يعودَ إليه باعتبارِ جِنْسِهِ لا باعتبارِ عَيْنِهِ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١]، فلا يَصْلُحُ أن يعودَ الضميرُ في قوله: ﴿مِنْ عُمُرِهِ﴾ على المُعَمَّر؛ لأنه إذا نَقَصَ مِنْ عُمُرِه لم يكنْ مُعَمَّرًا، فالمرادُ من عمَّرَه باعتبارِ الجنْسِ، فيكون: [عُمُر مُعَمَّرٍ آخر].
ومثله أن تقول: (أعْطَيْتُ هذا الرجلَ دِرْهمًا ونِصْفَه) أي: نصفَ دِرْهَمٍ آخر؛ لأن قولك: (ونصفه) ليس المرادُ نصف هذا الدرهم، ولو كَسَرْتَ هذا الدِّرْهَم وأعطيَتَهُ إياه كامِلًا أعطيتَهُ نِصْفين ولم تُعْطِه دِرْهمًا ونِصْفًا.
فالذي يَظْهَرُ أن الضميرَ في قوله: ﴿لَهُ﴾ يعودُ عَلَى ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ باعتبار الجِنْسِ لا الفعلين، فاللَّه يبْسُطُ الرِّزْق لهذا ويُضَيِّقُه على هذا، كما أنه يبسُطُه لهذا أحيانًا ويُضَيِّقُه عليه أحيانًا، ونحن نرى مِنَ الأغنياءِ من رَجَع فقيرًا ومن الفُقراء من رجعَ غَنِيًّا، فاللَّه يبْسُطُ الرزقَ باعتبارِ العَيْنِ وباعتبارِ الجِنْسِ.
стр. 374
وهذا البسطُ تابع لعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ومنه البَسْطُ والتَّضْيِيقُ، فاللَّه لا يبسطُ أو يُضَيِّقُ إلا عن عَلْمٍ، ثم هذا العلم تَتْبَعُه الحكمة، فهو يُغْنِي مَنْ يُصْلِحُهُ الغِنْى ويُفْقِرُ مَنْ يُصْلِحُهُ الفَقْرُ.
ولهذا جاء في الحديثِ: "إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَوْ أَغْنيتُهُ لَأَفْسَدَهُ الْغِنَى، وإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَوْ أَفْقَرْتُهُ لأَفْسَدَهُ الْفَقْرُ" (١)، وإذا مَنَّ اللَّه على العَبْدِ وتَفَضَّلَ عليه وجَعَلَ رِزْقَهُ تابِعًا لمصلحَتِهِ حصَلَ بذلك خيرٌ كَثِيرٌ.
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: مما يَفْعَلُهُ اللَّه جَلَّ وَعَلَا ومما يَفْعَلُهُ عبادُهُ، فإنه لا يَخْفَى عَلَيْه شيءٌ مِنْ ذلكَ.
قال بعضُ أهلِ العلمِ من أهلِ الأُصولِ: ما مَنْ عامٍّ إلا خُصَّ، إلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، فاللَّه بكُلِّ شيءٍ عليمٍ لا يُسْتَثْنَى من ذلك شيءٌ، لا الواجبُ ولا الجائزُ ولا المستحيل، حتى المستحِيلُ يعْلَمُهُ .
قال هؤلاء: أما غَيْرُهُ مِنَ العُموماتِ فإنه مُخَصَّصٌ؛ بمَعْنَى أنه يُسْتَثْنَى منه شيء، إما بدَلالَةِ العَقْلِ أو بِدَلالةِ الشّرْعِ، لكن هذا القولَ غيرُ صحيحٍ، والصوابُ أن الأصلَ في العُموماتِ بقاؤهَا على العُمومِ، نعم إن أرَادُوا التَصَوُّرَ والتَّقْدِيرُ فهذا ممكن، أما إن أرَادُوا الواقعَ فَلا.
стр. 375
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: أن الرِّزْقَ بيدِ اللَّه ، فإن كان كذلِكَ فهو الذي يَطْلُبُ منه الرِّزقَ.
الفَائِدةُ الثَّانِية: أن إثباتِ القَدَرِ لا يَعْنِي الكفَّ عنِ الأسبابِ، ففي هذه الآية بَيَّن اللَّهُ أن بسطَ الرِّزْقِ وتقديرَه بِيَدِهِ، وفي آيةٍ أُخْرَى يقولُ : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥]، لم يقل: نَامُوا عَلَى الفُرَشِ ويأتِيكُمْ الرِّزْقَ، بل قالَ: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾.
فالقَدَرُ لا يُنافِي فِعلَ الأسبابِ؛ لأنه قد يكونُ مُقَدَّرًا عليك بهذا السبب، كما أن دُخولَ الجنَّةِ والنجاةِ مِنَ النَّارِ له سببٌ وهو العملُ، فإذا لم تَعْمَلْ لم يحصلْ لك الفوزُ بالجنَّة والنَّجاةِ مِنَ النارِ.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: إثباتُ كمالِ التَّصَرُّفِ للَّهِ لقولِهِ: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾، وقال تعالى في آيةٍ أُخْرَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، فهو له التَّصَرُّفُ المطْلَقُ في مخلوقَاتِهِ.
الفَائِدةُ الرَّابِعة: إثباتُ المشَيئَةِ، لقولِهِ: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فمَشِيئَةُ اللَّه جَلَّ وَعَلَا تَتَعَلَّقُ بما يحبُّه وبما يَكْرَهُهُ، والمسلمون مجمعونَ على قولهم: "ما شَاءُ اللَّهُ كانَ وما لم يشأ لم يَكُنْ".
وأما إرادَتُهُ فَفِيهَا تَفْصِيلٌ، فإرادتُهُ الشَّرْعِيَّةُ تَتَعَلَّقُ بما يحبُّهُ جَلَّ وَعَلَا، وإرادَتُهُ الكَوْنِيَّةُ تتَعَلَّقُ بما يُحِبُّه وما لا يُحِبُّهُ .
стр. 376
الفَائِدةُ الخامِسة: إثباتُ عِلمِ اللَّه ، لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، وأنه عامٌّ في كلِّ شيءٍ، فيشْمَلُ الصغيرَ والكبيرَ، ويشْمَلُ ما يتَعَلَّقُ بفعْلِهِ وما يتعلق بفعلِ عِبادِهِ، وإذا كان يَعْلَمُ فِعْل عبادِهِ لزم أن يكونَ مُقَدَّرًا له؛ لأنه إذا كانَ عالمًا به فإنه لا يمْكِنُ أن يقَعَ خلافُ مَعْلُومِهِ، وحينئذٍ يكون مقَدَّرًا له، وقد قال الشافعي ﵀ في المعْتزلَةِ والقَدَرِيَّةِ: "جَادِلوهُمْ بالعِلْمِ، فإن أنكْرُوه كَفَروا وإن أقَرُّوا بِه خُصِمُوا" (١). وهذا صحيحٌ، وهذه الحُجَّةُ قائمةٌ وقَيِّمَةٌ.
الفَائِدةُ السَّادسَة: فَضْلُ اللَّه بالرِّزْقِ سواء كان مَقْدُورًا أو مَبْسُوطًا، ولا نقول: (مُقَدَّرًا) بل الصواب: (مقدورًا) لأنه اسم مفعول من فعل ثلاثي لا رُبَاعِيِّ.
* * *
стр. 377
الآية (٦٣)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٣].
* * *
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَئِنْ﴾ لامُ القَسَمِ]: وجوابُ القَسَمِ قولُهُ : ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾.
قوله: ﴿مَنْ﴾: اسم استِفْهَامٍ في مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأ؛ لأنه وَقَعَ بعدَ سؤالٍ وهو قولُهُ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾.
قوله: ﴿نَزَّلَ﴾: في محِلِّ رَفْعٍ خبرِ المبتدأ، و ﴿نَزَّلَ﴾ هنا بالتَّشْدِيدِ وفي آيات أخرى (أنزل)، والفرقَ بينهما: أن (نَزَّلَ) تُفيدُ نُزولَ الشيءِ شيئًا فشيئًا، كما قال تعالى في القرآن: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦]، وأما (أنزَلَ) فتُفِيدُ نُزولَ الشيءِ جُملةً واحِدَةً.
قوله: ﴿نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ لأن النزولَ يكونُ مِنْ أعْلَى، فالمرادُ بالسماءِ هنا العُلُوُّ، وليس المرادُ السَّقْفُ المحفوظُ بدليلِ قوله : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]،
стр. 378
والمطرُ ينْزِلُ مِنَ السحابِ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: ٤٣]، وبهذا نَعْرِفُ أن المرادَ بالسماءِ هنا العُلُوُّ، فكلُّ ما علاكَ فَهُو سماءٌ؛ لأنه مِنْ (سما، يسمو) إذا عَلَا.
والحكمةُ مِنْ نُزولِهِ مِنَ السماءِ أنه إذا نَزَلَ من السماءِ شَمِلَ النَّازِلَ والعَالي، ولو كانَ ينْزِلُ مِنَ الأرضِ لم يَصِلْ إلى العَالِي حتى يُدَمِّرَ النازِلَ، ولكنَّ حكمةَ اللَّه أن نُزُولَهُ من أعْلَى.
وقوله: ﴿فَأَحْيَا﴾ (الفاء) هنا تَدُلُّ على التَّرْتيبِ والتَّعْقيبِ، لكنها إذا اتصلتْ بجملَةٍ تَدُلُّ على السَّبَبِيَّةِ مع التَّرْتيبِ والتَّعْقيبِ، بخلافِ ما إذَا دخلتْ على اسم فإنها لا تَدُلُّ على السَّبَبِيَّةِ، تقول: (قامَ زيدٌ فَعَمْرو) وليس المعنى أن قيامَ زيدٍ سببٌ في قيامِ عَمْرٍو، لكنَّ المعْنَى أن قيامَ عَمْرٍو بعدَ قيامِ زَيْدٍ؛ لكن إذا اتَّصَلَتْ بفِعلٍ فإن الغالبَ إنها تُفِيدُ مع التَّرْتِيبِ السَّبَبِيَّةَ.
وقوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ يكونُ الماءُ سَببًا لإحياءِ الأرضِ، والإحياءُ يكون في الحالِ لأن السببَ لما كانَ مُؤَثِّرًا صارَ كأنَّ الأثرَ متَرَتِّبٌ عليه فَورًا، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣]، فالأرضُ لا تُصْبحُ مخضَرَّةً بمجرَّدِ نزولِ الماءِ في اللَّيْلِ، لكن هذا سببٌ مُوجِبٌ، فلما كان سببًا موجِبًا صارَ كأنَّ السببَ موجودٌ في الحالِ، ومن ذلك قولهم: تَزَوَّجَ فلان فولِدَ لَه، وإن كان هذا أضعفَ مما تَقَدَّمَ لكن قوله: [فولد له] نحن نعلم عِلْمَ اليَقِينِ أنه لا يُولَدُ له في ليلةِ الزَّواجِ لكنَّ الزواجَ سببٌ للوِلادَةِ، ويكون الترتيبُ بحَسَبِه، فلا يَلْزَمُ أن يكونَ عَقِبَ المسبِّبِ، لكن إذا كان السبَبُ مُوجِبًا صارَ كان المسَبِّبَ عقب السببِ.
стр. 379
قوله : ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾ الجمادُ يَحْيَا ويمُوتُ، وكلُّ شيءٍ حياتُهُ وموتُهُ بحَسَبِهِ، فلا تَظُنُّ أن الحياةَ والموتَ لا تُضافُ إلا إلى ما يمكن أن يكونَ متَحَرِّكًا، فهذه الأصنامُ يقولُ اللَّه فيها: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل: ٢٠ - ٢١]، وكلُّ شيءٍ لا حَرَكَة فيه ولا نُمُوَّ يمكن أن يُسَمَّى مَيِّتًا، وإن كان مما لا تَحِلُّهُ الحياة.
وقوله : ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾ قيل: إن المرادَ بالأرضِ نَفْسُ الأرضِ، وإنها باخْتِلاطِ الماءِ فيها تكونُ حَيَّةً وبيَبْسِهَا تكونُ ميتة.
وقيل: المرادُ ما عليها مِنَ العُشْبِ والزَّرْعِ ونحو ذلك، يعني النبات، وأن الأرضَ لا تكونُ أَرْضًا في الحقيقةِ ينْتَفِعُ بها الناسُ إلا بالنَّباتِ الذي فوقها، فيكونُ المرادُ بحَياتِهَا وموتِها حياة نباتها وموت نباتها، وهو أظهْرُ؛ لأنه مَحِلُّ الانتِفَاعِ، وربما يسْتَشْهِدُ له بقوله : ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، والخَاوِي على العُروشِ النَّباتُ، فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، فجعلَ الموتَ للنَّباتِ، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [فصلت: ٣٩]، قال بعضُ العُلماءِ: التي تَهْتَزُّ هي الأرضُ نَفْسُها, لكِنَّ الظاهِرَ -واللَّه أعلم- أنَّ المرادَ بالأرضِ النَّباتُ.
قوله : ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ تقدم أن اللَّامَ واقِعَةٌ في جوابِ القَسَمِ، وأصْلُهَا (يقولونَنْنَ)، فحُذِفَتْ نُونُ الفِعْلِ لتوالي الأمثالِ، ولم تُحْذَفْ إحْدَى نُونَي التوكيدِ؛ لأن نونَ التوكيدِ جِيءَ بها لغرضٍ وهو التَّوكِيدُ، ونونُ الرفعِ دائمًا تُحْذَفُ في النَّصْبِ والجزمِ والتَّخْفِيفِ، ثم حُذِفَتِ الواوَ لالتقاءِ السَّاكنين؛ لأنَّ نونَ التوكيدِ مكونَةٌ من حَرفينِ أوَّلهُما ساكنٌ.
стр. 380
وقوله: ﴿اللَّهُ﴾ لفظ الجلالَةِ خَبَر لمبتدأ محذوفٍ تقْديرُهُ: هو اللَّه.
قوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، في هذه الآيةِ قالَ: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، وتَقَدَمَّ أنه قال: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ بعدَ قولِهِ: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، وذلك لظُهورِ دَلالَةِ الخلْقِ والتَّدْبيرِ على الرُّبوبِيَّةِ المستلزِمِ للإقْرارِ بالألوهِيَّةِ، وهذا فيه تَخْلِيَةٌ.
وأما قوله هنا: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فهذا فِيهِ التَّحْلِيّةُ، ومن المعلومِ أن التَّخْلِيَةَ قبلَ التَّحْلِيَةِ، ففِيهِ إثباتُ الكمالِ للَّه وأنه يَسْتَحِقُ الثَناءُ، ولهذا قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يعني: الحمدُ للَّهِ على قِيامِ البَيِّنَةِ عليكُم وظهورِ الحُجَّةِ ووُضُوحِهَا.
وأما قولُ المُفَسِّر ﵀: [﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فكَيْفَ يُشْرِكُونَ بِهِ]: فهذا أتَى بِهِ ﵀ على حدِّ قولِهِ في الآيَةِ الأُولَى: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، ولكن عِنْدِي أن الآية الثانِيَةَ فيها إقامَةُ الحُجَّةِ على أمرٍ آخَرَ هم يُنْكِرُونَهُ وهو البَعْثُ، وحقيقةُ الأمرِ أن مُنْكِرَ البَعْثِ سيُشْرِكُ باللَّه وسيَعْمَلُ ما شاءَ؛ لأنه مُنكرٌ للبعثِ يَعْتَقِدُ أن لا جزاءَ ولا حِسابَ، ومن اعتقدَ هذا الاعتقادَ لا يَعْمَلُ، ولهذا تَرَوْنَ أن اللَّه يجْمَعُ دائمًا في القرآن بينَ الإيمان به وباليومِ الآخِرِ؛ لأن الإيمانَ باليومِ الآخِرِ هو الباعثُ للإنسانِ على العملِ؛ لأن من لا يعْتَقِدُ أن هناك جزاءً كيفَ يَعْمَلُ، فالَّذِي يَظْهَرُ -واللَّه أعلم- أن الآية الثانية سِيقَتْ لإلْزامِهِمْ بالإقرارِ بالبَعْثِ.
وقوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: الحمدُ هُو: الثَّناءُ بالجميلِ الاختِيارِي، هكذا يُعرِّفُه الأكثرونَ، وهذا غيرُ صحيحٍ، فإن الثَّناءَ غيرُ الحمدِ، ودليلُ ذلك ما وردَ في الحديثِ القُدُسِيِّ من حديث أبي هريرة ﵁ إنَّ اللَّه يَقول: "قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنى وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قَالَ: أثنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ
стр. 381
الدِّينِ﴾ قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي" (١)، وهذا دليلٌ واضِحٌ على أن الثَّناءَ غيرُ الحمْدِ، وإلا لكان تَكرارًا.
وأيضًا: المعنى يقْتَضِي ذلك؛ لأن الثَّناء من الثَّني وهو الرُّجوعُ، فإنك إذا ثَنيتَ العَصَا رجَع طرفُها الآخرُ، ومنه لفظ (اثنين) يَعنِي: واحدًا وواحدًا فَفِيهِ رجوعٌ.
والصواب في تعريفِ الحَمْدِ هُوَ: وصفُ المحْمُودِ بالكمالِ مع المحَبَّةِ والتَّعْظِيمِ، وقولنا: مع المحَبَّةِ والتَّعْظِيمِ؛ حتى يخْرُجَ المدْحُ، فإن المدْحَ وصفُ الممدوحِ بالكمالِ، لكن قد يكون بمَحَبَّةٍ وتَعْظِيمٍ، وقد يكونُ لخوفٍ لا لمحَبَّةٍ، فهذا الرجل الذي وقَفَ أمام مَلِك ظالم جبَّارِ، وقال: أنت الملكُ الكَريمُ المحسِنُ العادِلُ الذي لا تَظْلِمُ أحدًا؛ هذا مَدْحٌ لكن ليس عن مَحَبَّةٍ وتعْظيمٍ.
ومن الفُروقِ بينَ الحمْدِ والمدْحِ: أن المدْحَ قد يكونُ مُوافِقًا للواقِعِ، وقد يكونُ غيرَ مُوافِقٍ، والحمدُ لا بد أن يكونَ موافِقًا للواقِعِ.
وقوله : ﴿الْحَمْدُ﴾ (ال) في ﴿الْحَمْدُ﴾ يقولُ العلماءُ: إنها للاسْتِغْرَاقِ، فجميعُ المحامِدِ للَّه جَلَّ وَعَلَا.
وقوله: ﴿لِلَّهِ﴾ (اللامُ) في لفْظِ الجلالَةِ لشِبْه المِلْك، قال ابنُ مالك ﵀ (٢):
وَاللَّامُ لِلْمِلْكِ وَشِبْهِهِ وِفي ... تَعْدِيَةٍ أَيْضًا وَتَعْلِيلٍ قُفِي
والشاهِدُ قولُهُ ﵀: [واللامُ للمِلْكِ وشِبْهِهِ]، فالحمْدُ مُسْتَحِقٌّ للَّه جَلَّ وَعَلَا ومختَصٌّ بِهِ، والمراد بالحمدِ: الحمدُ الكاملُ، أما مجَرَّدُ الحمدِ فلا يختصُّ باللَّه، فقد يُحْمَدُ الإنسان على خَصْلَةٍ من الخِصالِ فيُحْمَدُ بقدْرِ هذه الخصْلَةِ، أما الحمْدُ الكاملُ
стр. 382
الواسِعُ فهو مختَصٌّ ومستَحِقٌّ للَّهِ وَحْدَهُ.
وقوله: [﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ تَنَاقُضُهم في ذَلِكَ]: قوله: ﴿بَلْ﴾ هنا للإضرابِ الانتِقَالِي، يعني: بعد أن ثَبَتَ الأمرُ وقامَتِ الحُجَّةُ واستَحَقَّ البارِي الحمدَ، حينئذٍ يَصِحُّ أن يُسَجِّلَ عليهم الجهْلَ فـ ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ يعني: عندَهُم من السَّفَهِ ما هو ظاهِرٌ وبَيِّنٌ؛ لأنهم لو كان عِنْدَهُم عقول لكانَ إقرارَهُمْ بما أَقَرُّوا به مُلْزِمًا لإقرَارِهِمْ بما أنْكَرُوه، فهم أقَرُّوا أن الذي خلَقَ السمواتِ والأرضَ وسخَّر الشمسَ والقمر هو اللَّهُ، وأقَرُّوا أن الذي أنْزَلَ منَ السماءِ ماءً فأحْيَا بِهِ الأرْضَ بعدَ مَوْتِهَا هو اللَّه، إذن: أين العقلُ وأنتم تُنكِرُونَ البَعْثَ وتُشْرِكُونَ بالخالِق؟
ويُشْبِهُ هؤلاءِ الذين يدَّعُونَ أنَّهُمْ عُقلاءُ مِنَ المتكَلِّمينَ ثم يُنْكِرُونَ بعضَ صفاتِ اللَّه ، محتَجِّين أن العَقلَ لا يُقِرُّ هذه الصفاتِ، مع أن العقلَ يَلْزَمُهم أن يُقرُّوا بما أنْكَرُوه نظيرَ إقرَارِهِمْ بما أقَرُّوا بِهِ، ونضْرِبُ مِثَالًا بالأشاعرة فيهم يقولون: نُثْبِتُ للَّه الإرادةَ ونُنْكِرُ الرَّحمةَ، قالوا: لأن الإرَادةَ دَلَّ عليها العَقْلُ، والرحمةُ دَلَّ العقلُ على بُطلانِهَا، فأثْبَتُوا الإرادَةَ لأن العقلَ دلَّ عليها بالتَّخْصِيصِ؛ تَخْصِيصُ كونِ السماءِ سماء والأرض أرضًا، والإنسان بَشَرًا والحمارُ حيوانًا وما أشبه ذَلِكَ، فاللَّه جَلَّ وَعَلَا أرادَ أن يكونَ الإنسانُ إنسانًا، وأن تكون السماء سماء فكانتِ سماءً، والحيوانُ حيوانًا غيرَ ناطِق فكان حيوانًا. . . إلخ.
والرحمةُ يقولون: دلَّ العَقْلُ على إنكارِهَا؛ لأن الرحمةَ لينٌ ورِقَّةٌ، واللَّه جَلَّ وَعَلَا لا يُوصَفُ باللِّين والرِّقَّةِ.
فقلنا لهم: أنتم استَدْلَلْتُم بالواقِعِ على الإرادَةِ، ونحن نَسْتَدِلُّ عليكُمْ بالواقع على الرَّحْمَةِ، ودَلالَةُ الواقِعِ على الرَّحمةِ أعظمُ من دلالَةِ الواقِعِ على الإرادَةِ، ولو تأتي
стр. 383
إلى العَامِّي وتقول: ما دليلُ الإرادة عقلًا؟ ما أَدْرَكَ هذا, ولو تقول له: إنزالُ المطرِ بعدَ الجدْبِ حتى تَخْصِبَ الأرضُ، ورِزْقُ اللَّه المال للفقيرِ فيُصْبِحُ غَنِيًّا بعد الفقر؛ على ماذا يدل؟ لأجاب العامي: يدلُّ على أن اللَّه رَحِيمٌ، فدلالَةُ الواقع الذي لا يُحْصَى مِن نِعِمَ اللَّه على رَحمةِ اللَّه أبلغُ من دَلالة التَّخْصِيص على الإرادة، ومع ذلك يَزْعُمونَ أنهم أهلُ العقلِ.
وأما قولهم: إن الرحمةَ معناها اللِّينُ والرِّقَّةُ، واللَّه منزه عن ذلك.
فالجواب عن هذا مِنْ ثلاثَةِ أوْجُهٍ:
الوجهُ الأولُ: نقول: هذا لازِمٌ؛ لكن في رَحْمَةِ المخلوقِ ورَحْمَةُ الخالق غيرُ رَحْمَةِ المخلوقِ.
الوجه الثاني: أن الرِّقَّةَ واللِّينَ ثابِتَةٌ للَّه ، واللِّينُ للغَيْرِ لإيصالِ الإحسانِ إليه ليس بصِفَةِ نَقْصٍ.
الوجه الثالثُ: أن الرَّحْمَةَ ليست هي الرِّقَّةُ واللِّينُ، فقد يَرْحَمُ الملِكُ فَقِيرًا من أفرادِ رَعِيَّتِهِ ويعْطِفُ عليه وهو باقٍ على عِزَّتِهِ ومُلْكِهِ، ولا ينْحَطُّ عنْ رُتْبَةِ القُوَّةِ والحَزْمِ.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: حِكْمَةُ اللَّه في إنزالِ المطَرِ منَ السماءِ.
الفَائِدةُ الثَّانِية: أنه لا يَقْدِرُ على إنزالِ المطرِ منَ السماء إلا اللَّه .
الفَائِدةُ الثَّالِثةُ: عَجْزُ هؤلاء الذين أعْطاهُم اللَّه تعالى مِنَ الصَّنائعِ أن يُنْزلُوا المطرَ منَ السماء؛ لأن هذا خاصٌّ باللَّهِ .
стр. 384
الفَائِدةُ الرَّابِعةُ: قُدرةُ اللَّهِ على إحياءِ الموْتَى، لقولِهِ: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾.
الفَائِدةُ الخامِسَةُ: أن الجمادَ يوصَفُ بالحياةِ وبالموتِ.
الفَائِدةُ السَّادسَةُ: قياس الغائبِ على الشَّاهِدِ، الغائبُ هو البعث وإحياءُ الناسِ بعد الموتِ، والشاهِدُ هو إحياءُ الأرض بعدَ مَوْتِهَا.
الفَائِدةُ السَّابِعة: اعتبارُ القِياسِ الصحيحِ خِلافًا لمن أنْكَرَهُ أو غَلا فِيه؛ لأن الناس انْقَسَمُوا فيه إلى قسمين: منهم مَنْ غَلا، ومنهم من أنْكَرَهُ، يعني: منهم من أنكرَ القِياسَ مُطْلَقًا كابنِ حزْمٍ ﵀، ومع ذلك يَقيسُ أحيانًا، ومنهم من غَلا فيه وتجاوزَ الحدَّ حتى بلغ بهم أن يَقيسُوا صِفاتِ الخالقِ بصِفَاتِ المخلوق كالمشبِّهَةِ.
الفَائِدةُ الثَّامِنة: حسنُ مناظَرَةِ القُرآنِ ومجادَلَتِه، وأن مناظَراتِه ومجادَلاتِهِ تكونُ ملْزِمَةً، وجهُ ذلك: أن إقْرارَهم بتَوحيدِ الرُّبُوبِيَّةِ مُلْزِمٌ لهم أن يقرُّوا بتوحيدِ الألوهية وكمالِ صِفاتِهِ جَلَّ وَعَلَا.
الفَائِدةُ التَّاسِعة: وجوبُ إعلانِ الثَّناءِ والحمدِ للَّه أمامَ المشْرِكينَ، لقوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾.
الفَائِدةُ الْعاشِرَةُ: إقرارُ المشْرِكينَ بما يختَصُّ به اللَّهُ من القُدرةِ، هو في الحقيقةِ كمالُ للَّه ، ولهذا أمَرَ نَبِيَّهُ أن يُثْنِيَ عليه بالحمدِ، وأن يصِفَهُ بالحمدِ بعدَ إقْرارِهِمْ، كما فَي قوله تعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾.
الفَائِدةُ الحَادِيةَ عشْرَةَ: أن أكثرَ هؤلاءِ المشْرِكينَ سُفهاءُ، وأن أكْثَرَهُمْ غيرُ عقلاءِ؛ لأنهم لو كانُوا عقلاءُ لعَرَفُوا اللازمَ ومَلْزُوماتِه وأقَرُّوا به، لقوله :
стр. 385
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾.
الفَائِدةُ الثانيةَ عشرةَ: أن الأشاعِرَةَ ونَحْوهُم فيما ذَهَبُوا إليه من إثباتِ بعضِ الصِّفَاتِ وإنكارِ بَعْضِها؛ ليس عندهُمْ مَعْقولٌ؛ لأنهم يُنكِرُون ما يُقِرُّونَ بمثله أو دُونَه، وتقدَّم أن كلَّ من أقرَّ بشيءٍ مِنْ صفاتِ اللَّه تعالى وأفعالِهِ وأنْكَرَ آخر؛ فهو دَليلٌ على قِلَّةِ عَقلِهِ، وليس المرادُ بالعَقْلِ هنا عقلُ الجنونِ، بل عقْلُ الرَّشَدِ والهِدَايَةِ، وكذلك ليس عند هؤلاءِ الأشاعِرَةِ أثرٌ منقولٌ.
* * *
стр. 386
الآية (٦٤)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤].
* * *
قوله: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: (مَا): نافِيَةٌ وليست حِجَازَّيةً؛ لأن النَّفْي انتَقَضَ، وابن مالك ﵀ يقول في الألْفِيَّةِ (١):
إِعمالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ (مَا) دُوْنَ (إِنْ) ... مَعَ بَقَا النَّفْي وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ
فالشاهد قوله: [مَعَ بَقَا النَّفْي] أي: بشرطِ ألا يَنْتَقِضَ نفْيُها.
وقوله: ﴿هَذِهِ﴾ الإشارةُ هنا للتَّحْقِيرِ ودُنُوِّ مرْتَبَتُهَا، والإشارةُ للتَّحقِيرِ وارِدَةٌ في اللُّغةِ العربِيَّةِ كما في قوله تعالى عن الكفَّارِ: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦]، يعني: ما هذا الحقيرُ الذَّلِيلُ الذي يذْكُرُ الآلهةَ، وهي عندهم عَظِيمَة وعالِيَةٌ.
وقوله: ﴿الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ هي الدَّارُ التي نحن فيها، ووُصِفَتْ بالدُّنْيا لسببين: لدُنُوِّها زَمنًا، ودُنُوِّهَا مَرتبةً.
وقوله: ﴿الْحَيَاةُ﴾ جاء بها ليُقابِلَ بها الحياة الثانية.
стр. 387
قوله : ﴿إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ هذا الحصْرُ حَقِيقِيٌّ، فالدُّنْيَا تنْحَصرُ في هذين الأمرين: في اللَّهْوِ واللَّعِبِ، والفرقُ بينَ اللَّهْوِ واللَّعِبِ أن اللَّعِبَ بالجوارِحِ، واللَّهْو باللِّسانِ، لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦]، وقالَ تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ [الطور: ١٢].
وقيل: إن اللَّهْوَ في القَلْبِ وهو غَفْلَتُهُ وانطلاقُهُ في الملاهِي، أي: فِيمَا يُلْهِيهِ عَنْ طاعَةِ اللَّه ، وأن اللعبَ بالجوارِحِ مِنَ اللسانِ وغيرِ اللِّسانِ، وهذا أقربُ: أن اللَّهْو في القُلوبِ واللَّعِبِ في الجَوارِحِ.
فحاصل الدنيا أنها لهو يَلْهُو به الإنسانُ، غَفَلاتٌ يَمِينٌ وشِمالٌ، وكذلك لَعِبَ، حتى الأمورُ الجِدِّيَّةُ التي في الدُّنْيا هي لَعِبٌ لأنها تذْهب ولا تَبْقى، أو يذْهَبُ عنها صاحِبُها، فهي كلَعِبِ الأطفالِ يتَسَلَّوْنَ به ما دَامُوا أطْفالًا، ثم يهْجُرونُه إذا كَبِروا وعَقَلوا وعرَفوا ما هم عليه.
وقَال المُفَسِّر ﵀: [فَأَمَّا القُرَب فَمِنْ أمورِ الآخِرَةِ لظُهورِ ثَمرَتِها فيها]: هذا جوابٌ عن سؤالٍ مُقَدَّرٍ: كيف تكون الدُّنْيَا لهْوًا ولَعبًا، مع أن الإنسان يعْمَلُ فيها عمَلًا صَالحًا؛ يُصَلِّي ولزَكِّي ويصومُ ويحُجُّ ويَبَرُّ والِديه ويَصِلُ رَحِمَهُ، وما أشبه ذلك، هل هذا يُعَدَّ من اللَّعبِ؟
فيقول المُفَسِّر ﵀: ليس بِلَعِبٍ مع أن هذه القرباتِ في الدُّنْيا وذلك لأن ظهورَ ثَمرتِهَا في الآخرة، ولهذا قال: "أمَّا القُرَبَ فمِنْ أمورِ الآخِرَةِ لظهورِ ثَمَرتِها فيهَا" وصدَقَ المُفَسِّر ﵀، فإن الأعمالَ الصالحَةَ ليست من أعمالِ الدُّنيا, ولهذا لو أرادَ بها الإنسانُ الدُّنْيَا لبَطَلت ولم يكن له أجْرٌ فيها.
стр. 388
قال شيخُ الإِسلام ﵀ (١): "من حَجَّ ليَأْخُذَ فليس له في الآخرة من خلاق". يعني: من نَصِيبٍ، ولا شكَّ أن هذا الكلامَ الذي ذكَرَهُ الشيخ يدُلُّ له قولُه تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦]، ويُدَلِّلُ له قولُهُ ﵊: "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ. . . " الحديثَ (٢)، والحاصلُ أن أعمالَ الآخرةِ ليست مِنْ أعمالِ الدُّنْيا، بل إذا أُرِيدَ بها أعمالُ الدنيا بَطَلَتْ.
قوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ هذه الجملة مؤَكِّدَةٌ بثلاثةِ مؤكِّداتٍ: إن، واللام، وضميرِ الفصل.
وقوله: ﴿الْحَيَوَانُ﴾ بمعنى الحياةِ، لكنها جاءتْ على هذا الوزنِ للمبالَغَةِ، ﴿الْحَيَوَانُ﴾ على وزن (فَعَلان)، ففيها زيادَةُ الألفِ والنُّونِ للمبَالَغَةِ، والواو قيل: إنها منْقَلِبَةٌ عن (ياء) وأنها قُلِبَتْ واوًا لئلا تَلْتَبِسَ بالمثَنَّى، هذا رأي سِيبَويه لأن أصلَهَا (حَيِي يَحْيا)، وقيل: الواوُ أصلية، لكن قُلِبَتْ ياءً لتَحَرُّكِهَا وانكسارِ ما قبْلَهَا.
فالحياةُ الحقيقيةُ هي حياة الآخرة؛ لأن حياةَ الدُّنيا في الحقيقة ليست حياة، ولذلك يقولُ الكافِرُ يومَ القيامة: ﴿يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤]، فالحياة الدنيا ليست حياةً:
أولًا: لأنها منَغَّصَةٌ، فكُلُّ صَفْوِهَا كَدَرٌ.
стр. 389
وثانيًا: أنها غَيْرُ باقِيَةٍ.
وثالثًا: أن الإنسانَ مُهدَّدٌ فيها فلا يَدْرِي متَى يَجِيئهُ أجَلُهُ صُبحًا أو مساءً، وكم مِنْ إنسان خرجَ من أهلِهِ ولم تَرْجعْ إلا جُثَّتُهُ، وكم من إنسان على كرْسيه فجاءَهُ الموت فلم يُكْمِلِ الكتابَةَ التي يخُطُّها بيَمينِهِ، ولهذا يقول الشاعر (١):
لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ... لَذَّاتُهُ بِادِّكَارِ المَوْتِ وَالهَرَمِ
مهما طالتْ بك الحياة سوف تهْرَمُ وتَدَعُ هذا العيشَ الطَّيِّبَ، أو تموتَ فلا تَبْقَى لهذا العيش أصلًا.
والحاصل: أن الدارَ الآخرة -صدَقَ ربنا جل وعلا- هي الحيوانُ، فهي التي ينْبَغِي للإنسانِ العاقِلِ أن يَسْعَى لها، والغريبُ أنه إذا سَعَى للآخرة حصَّلَ الدنيا والآخرة، وإذا سَعَى للدُّنْيَا فقط فاتَتْهُ الدُّنيا والآخرة، والدَّليلُ على ذلك قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [الشورى: ٢٠]، ومعنى: ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ نُعْطِهِ حرْثَ الآخِرَةِ مع الدُّنْيَا، لقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ هذا جَزاءٌ عاجِلٌ، ثم قال تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، هذا الجزاءُ الآجِلُ، ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [الشورى: ٢٠]، ولا نُعْطِيهَا لغَيرِهِ، وهذا الوعدُ مَقْرُونٌ بالمشِيئَةِ كما في آية الإسراءِ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨]، قال: ﴿مَا نَشَاءُ﴾، ولم يَقُلْ: عَجَّلْنَا له فِيها مَا يُريدُ ولا بَعضَ ما يُرِيدُ، ثم قالَ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨].
стр. 390
قوله : ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، المُفَسِّر ﵀ يقولُ: [﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ مَا آثَرُوا الحياةَ الدُّنْيَا عَلَيْهَا]: أي لو كانوا يَعْلمونَ الفَرْقَ بينَ الدُّنْيا والآخِرَةِ ما آثَرُوا الحياةَ الدُّنْيا عليها، وهذه جملَةٌ مستَأْنَفَةٌ، و (لَوْ) ليست صالةً تَتَعَلَّقُ بما قَبْلَهَا, ولكنها مسْتَأنفَةٌ، فهي شَرطِيَّةٌ وجوابُ الشرطِ محذُوفٌ قدَّرَهُ المُفَسِّر ﵀: [﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ مَا آثَرُوا الدُّنْيَا عَلَيْهَا]، وتقديره ﵀ يَصِحُّ أن يكونُ جوابًا، لكنَّ الجوابَ أبلَغُ مِمَّا قدَّره المفَسِّرُ، فحُذِفَ لأجلِ أن يبْلُغَ الذِّهْنُ في تقدِيرِهِ كلَّ مبْلَغٍ ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ لعَمِلُوا لها لَيْلًا ونَهارًا، والمعنى: أن مَنْ قَدِمَ الدُّنَيا على الآخِرَةِ فليس عنده عِلْم، ولو كان يعلَمُ حقيقةَ ومن ذِويَ العِلْمِ والفَهمِ، ما قدَّمَها على الآخرة.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: بيانُ حقارةِ الدُّنْيَا وأنها ليستْ بشيءٍ مُطْلَقًا، لقوله: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾، فظاهرُ الآية أن الدُّنيا لَهْوٌ ولَعِبٌ على سَبيلِ الإطلاقِ، ويُمْكِنُ أن نقولَ إن ذَلِكَ على سبيلِ المقارَنَةِ بالآخِرَةِ، لقولهِ: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، وأما القُرَب فقد سبقَ قولُ المُفَسِّر ﵀: [إنَّها مِنْ أعمالِ الآخِرَةِ لظُهورِ ثَمرتِهَا فِيهَا].
الفَائِدةُ الثَّانِيةُ: لا يجوز أن يُقْصَدَ بأعمالِ الآخرةِ شيئًا مِنْ أعمالِ الدُّنْيَا؛ لأن الدنيا لهوٌ ولَعِبٌ، والدارُ الآخرة هي الحيوانُ، وعليه فالمسائلُ التي يُقْصَدُ بها الآخرةُ لا يجوزُ أن يُؤخَذَ عليها عِوضٌ مِنَ الدنيا، وهذا فيه خِلافٌ بين أهلِ العِلم في باب الإجارَةِ.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: كما حياةُ الآخرةِ، لقولِهِ: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾