الآيات (١ - ٣)
* * *
* قال اللَّه : ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣].
* * *
الحمدُ للَّه ربِّ العالينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على أشْرفِ الأنْبياءِ والمرْسَلِين نَبِينا محمَّدٍ، وعلَى آلِهَ وأصْحابِهِ، ومَنْ تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين، أمَّا بَعْدُ:
قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: البَسْملةُ آيةٌ مستقِلَّةٌ يُؤتَى بها في ابتداءِ السُّورِ ما عدا سورةِ براءةَ (١).
قَالَ المُفَسِّر (٢) ﵀: [﴿الم﴾ اللَّهُ أعْلمُ بمُرادِهِ بذلكَ] اهـ.
وهذا حقُّ فيما لو جعلْنَا لهذه الكَلمةِ معْنًى، ولكنَّ الصوابَ: أنه لا مَعْنى لها كما قَاله مجاهِدٌ وغيرُهُ (٣)، فهي في حدِّ ذاتِها ليس لها مَعْنًى، وذلك لأنَّ القرآنَ نزلَ باللُّغةِ العربيَّةِ، والحروفُ المركَّبةُ الهجائيَّةُ ليس لها مَعْنًى، فإن (ألف، باء، تاء، ثاء، جيم) ليس لها مَعْنًى، ومع هذا فابتِداءُ السورَةِ بالآياتِ المقَطَّعَةِ له مغْزًى، وهو
стр. 4
الإشارةُ إلى أنَّ هذا القُرآنَ الكريمَ الذي أعْجَزكم معْشرَ العربِ وأعْجزَ غيرَكُم لم يأتِ بحروفٍ جَديدَةٍ لا تَعرِفونها، وإنما أَتَى بحروفٍ تَعْرِفونها وتُركِّبونَ منها كَلامَكم، ومع ذلك أعْجَزَكم.
ولهذا لا تَكادُ تَجدُ سُورة مَبْدوءةً بهذه الحروفِ الهجِائيَّةِ إلَّا وجدْتَ بعدها ذِكْرَ القُرآنِ أو ما هو مِنْ خصائصِ القُرآنِ، انظُرْ قولَه : ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١ - ٢]، وقولَه: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١ - ٣]، وقولَه: ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١ - ٢]، وقولَه: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: ١]، وقولَه: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ [الأحقاف: ١ - ٢]، وقولَهُ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ [السجدة: ١ - ٢]، وهَكَذَا.
وأما قوله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾ فَلَيس فيهِ ذِكْرُ القرآنِ، لكِنْ فيها ذِكرُ ما هو مِنْ لازمِ القُرآن، وهو قَولُه: ﴿أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾، فإنَّ مَنْ آمَنَ بالقُرآنِ لا بُدَّ أن يُفْتَنَ.
قولُه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾ قولُه: ﴿أَن يَقُولُواْ﴾ هَذَا محِلُّ الاستِفْهامِ، يعني: أيظُنُّ الناسُ أن يُترَكوا إذا قالوا: آمنَّا بدونِ أن يُخْتبَروا؟ هذا أمْرٌ لا يكونُ، بل لا بُدَّ من الاخْتِبارِ، وكُلَّما كانَ الإنسانُ أقْوى إيمانًا كان اختِيارُهُ أكثرَ، فإنَّ اللَّه تعالى يَبتِلي الناس، فيُبتَلى الصالحونَ الأمْثلُ فالأمْثلُ، حتَّى يَنْظر في دِينهِ هل فيه قُوَّةٌ أو هو دِينٌ ضَعِيفٌ.
وقوله: ﴿أَحَسِبَ﴾ بمَعْنَى: ظَنَّ، وقولُه: ﴿النَّاسُ﴾ يشْملُ المؤمِنينَ وغيرَ المؤمنينَ، وذلِك لأن قَولَهُ: (إِنِّي مُؤمِنٌ) يكونُ مِنَ المؤمنِ حقًّا، ويكونُ مِنَ المنَافِقِ،
стр. 5
والمنافِقُ لا يصحُّ أن يُسمَّى مؤمنًا على الإطْلاقِ، بل إنَّما يقالُ: مؤمنٌ بلِسَانهِ كافِرٌ بقَلْبِهِ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ أي: بِقَوْلهِمْ: ﴿آمَنَّا﴾] اهـ.
يَعْنِي: أَيَظُنُّ النَّاسُ أن يُتْرَكوا بلا فِتْنةٍ إذا قَالُوا: آمَنَّا.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَهُمْ لَا يُفتَنُونَ﴾ يختبرون بما يتبين به حقيقة إيمانهم]، وهذا الاستْفهامُ للإنْكارِ، يعني: لا تَظُنوا أنكم إذا قُلتم: آمنا، تُرِكتُم بلا فِتْنةٍ، بل لا بُدَّ مِنْ فِتْنة واخْتبارٍ، واللَّه يَبْتلي المرءَ تارَة بأفْعالِهِ التي يفْعلُهَا به ، وتارَةً بأفْعالِ غيم التي يُسَلَّطون بها عَلَيْهِ، أما بأفْعالهِ: فإنَّ اللَّه تعالى قد يَبتِليَ الإنسانَ بمصائبَ يَخْتبِرُ بها إيمانَهُ، مصائبَ في أهلْهِ أو مالِهِ أو بدَنِهِ، ومنَ الناسِ منْ إذَا أصابَتْهُ هذه المصائبَ -والعياذُ باللَّه- عَجَزَ أن يَصْبر، ورُبَّما ارتَدَّ بعدَ إسلامِهِ وكَفَرَ، ومنَ النَّاسِ من يَصْبرُ ويحْتَسِبُ.
كذلك قد يُبتَلى المرءُ بأمْر يُسلِّطهُ اللَّهُ عليه، مِثْلُ أن يُسَلِّط عليه قومًا يُؤْذُونه بالقولِ أو بالفِعلِ أو بِهما جميعًا، مثل ما حَصَل للنَّبِيِّ ﷺ وأصحابِهِ ﵃، فإنَّ النَّبِيَّ ﵊ أُوذِيَ إيذاءً عظيمًا من قَومهِ، ومن غيرِ قومِهِ، وكذلكَ أصْحابُهُ أُوذُوا إيذاءً عظيمًا، ومع ذلك صَبَرُوا واحتَسَبُوا، فإن عمَّارَ بنَ ياسرٍ وآلَه حصل لهُم إيذَاءٌ عظيمٌ، وكذلك غيرُهُمْ مِنَ المؤمنين، منهم مَنْ يُؤْذَى بالقَولِ، ومنهم مَنْ يُؤْذَى بالفِعْل، ومنهم من يُؤْذَى بالقولِ وبالفِعْل.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [وَنَزَل فِي جماعَةٍ آمنُوا فآذَاهُمُ المشْركونَ] اهـ.
أي: مِنَ الناسِ مَن يقولُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠]، ثمَّ يرْتَدُّ والعِياذُ باللَّه.
стр. 6
كذلك مِنَ الناسِ الآن، وخُصُوصًا مِنَ الشبابِ المتَّجهِ إلى الدِّين مَنْ يُؤذِيهِ أولئك الفَسَقَةُ ويسبُّونَه ويقولون: (أنتَ رَجْعيٌّ) وما أشْبَهَ ذلك، وهذا ابْتلاءُ مِنَ اللَّهِ وامتحانٌ ليَعْلمَ هل يَصْبرُ هذا على دِينِهِ أو ينْحَسرُ ثم يرْجِعُ خوفًا من أَذِيَّة هؤلاء؟
ومن النَّاسِ أيضًا من يُؤْذَى بتحلِّيهِ بأخلاقِ المؤمِنينَ، كإعفاءِ اللِّحيَةِ مثلًا، فيؤذَى بذلكَ إما بالقَولِ والاستهزاءِ والاسْتِخفافِ، وإما بالفعل فيُضْربُ عليها أو يُحْبس، فتَجدُه يحلِقُ لحْيَته خوفًا مِنْ هذا الأمْرِ، وهذا لا يجوزُ؛ لأن الواجِبَ أن يَصْبِرَ، نعم: إن أُكْرِهت على هَذَا وغُلَّتْ يدُك وأُتِيَ بالمُوسَى وحُلِقَتْ؛ فهذا أمر ليسَ إليكَ، لكن ما دَامَ الأمر إليكَ فإنَّهُ لا يجوزُ لك أن تَفْعلَ المعْصِيةَ خَوْفًا مِنَ الناسِ، بل يجبُ أن يَصْبرَ ويحتَسِبَ.
أما قاعِدَةُ (المشَّقَّةُ تجلِبُ التَّيسِيرَ) فلا تُطبَّقُ هنا، فهذا الرَّجُل ما أُكِرَه، غايةُ ما هنالك أنه سيُضْربُ أو يُحْبس، فليقلْ: لن أفْعلَ المعصيةَ، ثُمَّ إذا أردتم ضَربِي فاضْرِبونِي كما شِئتُم، فالضَّرب مشقَّةٌ تَزُول، فلْيَصْبر ولْيَحْتسِب على دِينهِ.
ولا يَرِدُ على هذا قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنُّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، يَعْني: فلا شيءَ عليهِ؛ لأنَّ بعضَ العُلماءِ يقول: إن هذا في الكُفْرِ القَولِيِّ الذي مصدُرُه اللِّسانُ، وإن كان الصحيحُ أنه حتى في الكُفر الفِعْلي، فهو شامِلٌ؛ لأنَّ الآيَةَ عامَّةٌ، حتى لو أُكْره على السُّجودِ وما أشْبَه ذلك، أما التَّخَلِّي عن الأمرِ الشرعِيِّ، فهذا لا يمكنُ أن يَتَخلى المرءُ عنه، فَفَرْقٌ بينَ الفِعل الذي يُجبَر فيه على فِعلِ المعْصِيةِ، كأن تُكْره على الكُفر، فهذا يُعْذر به، وأما أن يَتْركَ واجبًا كوجوبِ إعْفاءِ اللِّحيةِ فهذا لا يجوزُ، مثاله: لو قيلَ لكَ: اتركِ الصلاةَ، فهذا كُفر، ولا يجوزُ لك أن تَتركَهَا، صلِّ ولو أُوذِيتَ بالضَّربِ والحبْسِ، ولا مانِعَ من ذلك.
стр. 7
أما أَكْلُ الميتةِ إذا اضْطُرِرْتَ إليه فلأنك إذا أكلتَ منه بَقِيَتْ حياتُك، لكنَّ الإكراهَ على تركِ الواجبِ فليس كذلك، فقَد تُهدَّدُ بالضربِ ولا تُضْرب، وقد تُضْرب وتَصْبر وتَحْتسبُ، هذه هي الفِتْنة التي ذَكَر اللَّه، وإذا لم نُطَبِّقْهَا على هذا فمَتَى تكونُ الفِتنةُ ما دُمْنَا قلنا: إن الإنسانَ إذا أُوذِيَ في اللَّه يجوزُ أن يَدَع ما أمَر اللَّه به؟ فلا بُدَّ من فِتْنة واخْتبارٍ وإلَّا أصبحتِ الفِتنةُ لا فائدةَ فِيها.
* * *
стр. 8
الآية (٣)
* * *
* قال اللَّه : ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣].
* * *
قوله تعالى: ﴿فَتَنَّا﴾ بمَعنَى: اخْتَبرنَا الذين من قَبْلِهم، وقد أخبَرَ النَّبِيُّ ﵊ عن ذلك بقَولِهِ: "قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ، فَيُجْعَلُ نِصْفَينِ، وَيُمَشَّطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ" (١)، يعني: يُؤتَى بأمشَاطِ الحديدِ ويُفْصَلُ بها اللَّحمُ ويمشَّطُ، ومع ذلك كله يصْبِرُ على دِينهِ ويحْتسبُ ولا يَرْتدُّ، فإذا كان هذا فيمن كان قَبْلنا فإن هذه الأُمَّةَ أوْلى بالصَّبر على هذا الأمرِ العَظيمِ، لا سِيَّما إذا كان المقامُ مقامَ جهادٍ، مثل ما وقَعَ للإمام أحمدَ ﵀ في أيامِ المِحْنَةِ، فإنه كان يُضربُ بالسِّياط ويُجَرُّ بالبِغالِ، ليقول: إن القرآنَ مخلوقٌ، ومع ذلك أبَى أن يقول: إن القرآن مخلوقٌ؛ لأنه لو قال: إن القرآنَ مخلوقٌ سيَتَرتَّبُ على ذلك فسادُ الأمَّةِ كلِّها، فليست المسألةُ متَعَلِّقة به وحده.
ولهذا مَنْ أُكْرِهِ على الكُفرِ وكان كُفرُهُ يستلزمُ كُفر غيرِهِ وفسادَ الملَّة، فإنه لا يجوزُ له أن يوافِقَ ولو أُكْره؛ لأن المقامَ في حَقِّهِ مقامُ جهادٍ، والإنسان يجبُ أن
стр. 9
يجاهِدَ في سبيلِ اللَّه ولو تَعرَّض للقتلِ، أما إذا كانتِ المسألةُ إكْراهًا شخصيًا على الكُفرِ، فإن هذا يجوزُ بشرطِ أن يكونَ قلبُه مُطمئنًا بالإيمانِ.
فعلى هذا إذا كان هناكَ رجلٌ قُدوةٌ أمامَ الناسِ وأُكرهَ على أن يفعلَ معصيةً أو أن يفْعلَ كُفرًا، وفِعْلُه لها ليس لمجرَّدِ أن يتَخَلَّص من الأَذِيَّةِ ولكن سَيُفسِدُ به أمةً مِنَ الناسِ، فهذا نقول له: لا تَفْعَلْ ولا توافِقْ، ولو أُكْرِهْتَ ولو ضُربْتَ؛ لأن المقامَ مقامُ جِهادٍ في سبيلِ اللَّه. وإنسانٌ آخرُ لا يُؤبَهُ به ولا يَنظرُ الناسُ إليه ولا يحفِلُون به، وأُكرِهَ على أن يفعلَ شيئًا مِنَ الكُفر أو ما دونه، فله أن يَفْعَلَ بشرط أن يكون قلْبُه مُطْمئنًا بالإيمان، مِثلَمَا قال اللَّه .
ولو قال قائل: الإمامُ أحمدُ لم يَقُلْ بخَلقِ القُرآنِ لأنه قدوةٌ، فكيف تُجِيزُونَ التَّحاكُمَ للعلماءِ عندَ الضَّرورةِ؟
الجواب: الإمام أحمد لو قال: إن القرانَ مَخْلوقٌ فهو قَولٌ باطِلٌ، أما هذا فلم يتَحَاكَمْ إليهم لِكَي يَحْكُموا له بالبَاطِلِ، لذلك اشَتَرْطَنْا أنه إذا حَكَمَ له بغيرِ الحقِّ أن يَرْفُضَ الحُكْمَ.
وقوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ الصِّدقُ مطابقةُ القولِ للواقعِ، أو مُطابقةُ الفِعل للواقِعِ، فالذين صَدَقوا صدَقوا في قولهم: إنَّهم مؤمنونَ، فمَنْ كانَ صادِقًا في إيمانِهِ فإنه يَسْلَمُ بذلك، ومن كانَ كاذبًا فإنه -والعياذُ باللَّه- يَنْخدِعُ بهذه الفِتنَةِ، وينقَلِبُ على وجههِ، ويخسِرُ الدُّنيا والآخِرة.
وقولُ المُفَسِّر ﵀: [عِلْمَ مُشَاهَدَةٍ]، يشير إلى أن قوله تعالى: ﴿فَلَيَعْمَنَّ اللَّهُ﴾ مستَقْبلٌ، بدليلِ دخولِ نونِ التوكيدِ عليه، وبدَليلِ أنَّ الجملةَ قسَميَّةٌ، والجملةُ القَسَمِيَّةُ
стр. 10
تكون في المستقبلِ، فهو فِعلٌ مضارعٌ واقع في جملة قسَميَّة مؤكَّدٌ بالنُّونِ، فيكون للمستقبل.
واللَّه ﵎ يعلمُ ذلك قبلَ أن تَحْصُلَ الفتنةُ، فكيف الجواب عن قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ يدلُّ على أن العِلْمَ لا يكونُ إِلَّا بعدَ الفِتْنةِ؟
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [عِلمَ مُشاهَدَةٍ]، وهذا فيه وجهان:
الوجهُ الأَوَّلُ: أن عِلمَ اللَّه تعالى بالأشياءِ يَنقَسمُ إلى قِسْمين:
* علمٌ بأنها ستَقَعُ؛ وهذا علمٌ بما لم يَكُن.
* وعلم بأنها وَقَعَتْ، وهذا علمٌ بما كانَ، وهذا هو الذي يُنَّزلُ عَلَيْهِ مثلُ هذه الآياتِ، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ﴾ [محمد: ٣١]، المراد: عِلْمُ مشاهدةٍ، وأما العِلم بمَنْ سيكون مجاهَدًا فهذا سابِقٌ، ولكنَّهُ عِلمٌ بأنه سيكون.
فمتَعَلَّقِ العلمِ: إما مستَقْبلٌ يعلَمْه اللَّه بأنه سيكونُ، وإما واقعٌ عَلِمَ اللَّه بأنه قد كانَ.
الوجه الثاني: أن العِلمَ ينْقسمُ إلى قسمين:
* عِلم يترتَّبُ عليه جزاءٌ، فعِلمُ اللَّه تعالى بعدَ الوُقوعِ هو عِلمٌ يترتَّبُ عليه الجزاءُ.
* وعِلم لا يتَرَتَّبُ عليه جزاءٌ، فعِلمُ اللَّه في الأَزَلِ قبلَ وقوعِ الشَّيءِ عِلمٌ لا يتَرتَّبُ عليه الجزاءُ.
فيكونُ العِلم الذي يجعلُهُ اللَّه تعالى مَرَتَّبًا على الوُقوعِ؛ المرادُ به عِلمُ المُجازاةِ، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ.
стр. 11
فهذان جوابانِ عن مثلِ هذه الآيَةِ، ولا يقالُ: إن اللَّهَ لا يعْلمُ الشيء إلَّا بعدَ وقوعِهِ، كما قال ذلك غُلاةُ القَدَرَّيةِ، فإن غلاةَ القَدَرِيَّةِ يقولون: إن اللَّهَ لا يَعْلَمُ بالشيءِ إِلَّا بعدَ وُقوعِهِ، ويستدلون بهذا المتُشَابِهِ مِنَ القرآنِ، ولكننا نقول: هؤلاء في قُلوبِهم زَيغٌ؛ لأنهم اتَّبَعُوا ما تَشَابه منه، ولو رَجَعُوا إلى قول اللَّه : ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]، لتَبيَّن لهم أن اللَّهَ عالمٌ بما سيكون قَبلَ أن يكونَ.
قوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ يعني في قولهم: إنهم مُؤمنونَ، فاللَّه تعالى إذا فَتَن الخلْقَ عَلِم من كان صادِقًا في قولِه ومَن كان كَاذِبًا، وفي هذا تحذيرُ المرءِ عندَ وُقوعِ الفِتنَ أن يرْتدَّ عن إيمانِهِ فيكونُ بذلك كاذبًا.
قولُهُ: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ وقوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ﴾ اللام للتَّوكيدِ، وهي أيضًا مُوطِّئةٌ للقَسمِ، فتكونُ الجملةُ مُؤكَّدَةً بثلاثَة مؤكِّدَاتٍ.
وقوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ﴾ بفَتْحِ آخرِهِ مع أنه لا يوجَدُ ناصِبٌ؛ لأنه مبْنِيٌّ على الفتحِ في محلِّ رَفعٍ وليس مَنصوبًا.
من فوائد الآيات الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: الحِكْمةُ في ابتداءِ السور بالحروفِ الهِجائِيَّةِ، وقد تَقدَّم الحكمُ فيه هذا.
الفَائِدةُ الثَّانِية: أن اللَّهَ يخْتَبِرُ المؤمنين ليعَلَم بذلك صِدقَ إيمانِهمْ من عَدَمهِ.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: أن هذا الاخْتبارَ ليس خاصًّا بهذه الأُمَّةِ، بل لهذا الأُمَّةِ ولغيرها مِنَ الأمم، لقوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾.
стр. 12
الفَائِدةُ الرَّابِعة: أنَّ حقيقةَ المرءِ لا تُعرفُ إِلَّا بامتِحانِهِ، فإذا امتُحنَ وثبتَ كان ذلكَ دَليلًا على صِدْقهِ، وإن انْحرفَ كان ذلك دَليلًا على كَذبِهِ وعدمِ صدْقِهِ، كما قيل: "عندَ الامتحانِ يُكْرمُ المَرءُ أو يُهانُ".
الفَائِدةُ الخامِسة: إثباتُ العِلمِ للَّه لقوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾.
الفَائِدةُ السَّادِسَة: انقسامُ النَّاسِ في الإيمانِ إلى صادِقِ وكاذِبٍ، فالصادقُ الذي يَثْبُتُ على إيمانِهِ عندَ الامْتحانِ، والكاذبُ الذي لا يَثْبتُ.
* * *
стр. 13
الآية (٤)
* * *
* قال اللَّه : ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤].
* * *
قولُه : ﴿أَمْ حَسِبَ﴾ (أَم) مُنقطعَةٌ؛ وهي تأتِي في اللُّغةِ العربية على قِسْمينِ: متَّصَلِةٍ ومُنقطِعَةٍ، والفرق بينهما:
١ - أنَّ المتصلةَ بمعنى (أو).
٢ - وأنها تَأتِي بعدَ هَمزة التَّسْوية.
٣ - وأنها تأتِي بينَ متَقَابِلَينِ.
فهذه ثلاث علامات لها.
فمثال المتصلة قوله تعالى: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]، فهنا جاءتْ بمَعْنى (أو)، أي: أنَّ هَذَا وهذَا سواءٌ.
ثانيًا: أنها بعد هَمزةِ التَّسوية: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦].
ثالثًا: أنها بين متقابلين: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦].
ومِنها أيضًا: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا﴾ [إبراهيم: ٢١]، ولها أمثلةٌ متَعَددةٌ.
стр. 14
أما المنْقَطِعةُ: فهي التي تأتِي بمعنى (بَل)، وليست بمعنى (أَوْ)، ولا تقعُ بعدَ همزةِ التَّسْوية، ولا بينَ مُتَقابلينِ.
فهنا ﴿أَم حَسِبَ﴾ بمعنى: بَلْ أحسَبُ، وهذا الإضرابُ إضرابُ انتقالٍ وليس إبْطَالًا، يعني: بعد أن ذَكَرَ اللَّه وأنْكَر على الذين حَسِبُوا أن يُتْركوا أن يَقُولوا: آمنَّا وهم لا يُفتَنُون، انتَقَل إلى ذِكْر صِنفٍ آخرَ من النَّاس، وهم الذِينَ لم يقُولوا: آمنا ولم يُؤمِنوا، بل هم يَعْملونَ السيِّئاتِ، ويَظُنُّون أن اللَّه تعالى لن يُحيطَ بهم.
وقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾، يعني: يَعْملونَ الأعمال السيِّئةَ، والسيئُ: ما يسُوءُ فاعِلَهُ، وكل عَمَلٍ محرَّمٍ فإنه سَيِّئ؛ لأنه يسوءُ صاحِبَه، بِمَا يجِدُ فيه مِنَ العُقوبةِ الحاضِرَةِ والمستْقبلِيَّة.
وقولُه ﵀: [الشِّرْك والمعَاصِي]، أفادَنَا المُفَسِّر أن السيِّئةَ هنا تَعُمُّ الصَّغائرَ والكَبائرَ، الكبائرُ: التي أعْلاهَا الشِّركُ، والصَّغائرُ: ما دُونَ الكَبائرِ، وهي المعَاصِي، فهي تشمَلُ كلُّ ما يسُوءُ فاعِلَهُ من مَعصِيةِ اللَّهِ تعالى في الشِّرْك فما دُونَهُ.
قوله : ﴿أَن يَسْبِقُونَا﴾ هذا مَفعولُ (حَسِبَ)، ﴿أَن يَسْبِقُونَا﴾، أي: [يَفُوتُونَا فلا نَنْتَقِمُ منهم]، والسَّبْقُ: بمَعْنى الفَواتِ، كما تقول: سَبْقتُ فلانًا، يعني: فُتُّهُ لم يُدْرِكْني، فهؤلاء يَظُنُّونَ أن اللَّه لا يُدْركُهم، وأنَّ اللَّه لا يَنْتَقم منهم، وهذا بلا شكٍّ سوءُ ظَنٍّ باللَّه ﵎، ولهذا قال: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُون﴾، أي: ساءَ حُكْمهم هذا، وهو حُسبانُهم أن اللَّهَ تعالى لن يُدْرِكَهُمْ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿سَاءَ﴾ بِئسَ ﴿مَا﴾]، وبئسَ: فِعل ماضٍ جامد لإنشاءِ الذَّمِّ، و ﴿مَا﴾ بمعنى: الَّذي، فهِي اسمٌ مَوصُولٌ.
стр. 15
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿يَحْكُمُونَ﴾ ـهُ] قَدَّر المُفَسِّر الهاءَ لتكونَ عائدًا إلى الموصُولِ، أي: ساءَ الذي يحكُمونَهُ.
إذن: (الَّذِي) فاعلٌ، والمخصوصُ بالذَّم.
وقولُه: [حُكْمهُمْ هَذَا] اهـ.
هذا هو المخْصُوصُ، وكلُّ فِعْلٍ من الأفعالِ الجامِدةِ التي للذَّمِّ أو للمَدْحِ تحتاجُ إلى فاعلٍ وتحتاجُ إلى مَخصوصٍ، والمخصوصُ دَائمًا يُحذَفُ لدَلالةِ الفاعِلِ عليه، تقول: (نِعمَ دارُ المتَّقِين الجنَّةُ)، الفاعلُ قولِنا: دارُ، والجنَّةُ هي المخْصوصُ بالمدْحِ، والجنَّةُ: فيها وجهانِ للإعرابِ:
أحَدُهُمَا: أن تجعلها مُبتدأً مُؤخَّرًا، والجملَةُ خبرٌ مُقَدَّمٌ.
والثاني: أن تجعلها خَبرًا لمبتَدَأ محذوفٍ، تَقْدِيره: هي الجنَّةُ.
أما قولَه: [نِعْمَ دارُ المتقينَ] فَهِي فِعلٌ وفاعِلٌ.
يقولُ المُفَسِّر ﵀: [بِئسَ ما يَحْكُمونَ حُكمهُم هَذَا]، ولا ريبَ أن ما حَكَموا بِه وظَنُّوهُ هو ظنُّ سَوءٍ لا يَلِيقُ باللَّه، فإنَّ اللَّهَ تعالى يقولُ في آياتٍ كثيرَةٍ: ﴿وَمَا هُم بِمُعْجِرينَ﴾ [الزمر: ٥١]، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٤]، فهؤلاءِ الذين استَمَرُّوا في عَمَلِ السَّيئاتِ، وظَنُّوا أن اللَّهَ تعالى لا يَقْدِرُ عليهِمْ ولا يَنتَقمُ منهم، أضَافُوا والعِياذُ باللَّهِ شَرًّا إلى شرِّهم.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: التَّهْديدُ والوَعيدُ لمنَ ظَنَّ أن اللَّهَ لا يَقدِرُ عليه بعَملٍ السيِّئاتِ، لقَولِهِ: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾.
الآية (٥)
* * *
* قال اللَّه : ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥)﴾ [العنكبوت: ٥].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿مَن كانَ يَرْجُوا﴾ يَخافُ ﴿لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ﴾ بِهِ ﴿لَآتٍ﴾، فَلْيَسْتَعِدَّ لَهُ، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأَقْوالِ العِبادِ، ﴿العَلِيمُ﴾ بِأَفْعَالهِمْ] اهـ.
قولُه: ﴿مَن كانَ يَرْجُوا﴾، قَالُ المُفَسِّر في تَفْسيرِ ﴿يَرْجُوا﴾: [يخَافُ] وهذا صَرفٌ للَّفْظِ عن ظاهِرِه؛ لأن الرجاءَ غيرُ الخوفِ، الرجاءُ: أي: الأَمَل، وهذا هو الصوابُ، فالمعنى: ﴿يَرْجُوْا لِقَاءَ اللَّهِ﴾، أي: يأمل أن يلقى اللَّه راضيًا عنه ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾، كما في قولِه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وليس هناك ما يوجِبُ صرفَ اللَّفظِ عن ظَاهِرِه، بل إن المعنى: مَنْ كانَ يرْجُو لقِاءَ اللَّهِ وأنه يَلْقاهُ وهو راضٍ عنه، فإن الأمر لَيسَ ببعيدٍ ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ﴾، أي: المدَّةُ التي جعَلَها اللَّه حائلًا بينَكَ وبين لقَائه سوف تَأتِي، يعني: سوفَ يأتي ذلك الأجلُ لا محالةَ، ويُحتمَلُ أن قولَهُ: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ﴾، أي: المدَّةُ التي قَدَّرهَا للقائه، وهذا أحسنُ، فالمدَّةُ التي قدَّرهَا للقائِهِ لا بُدَّ أن تَأْتِيَ.
قولُهُ : [﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ﴾ به]، أي: باللِّقاءِ، ﴿لَآتٍ﴾ (اللام) للتَّوكِيدِ لأنها واقعة في خبرِ (إنَّ)، وقَدْ تقدَّم في شرحِ الألْفِيَّةِ أن مَحلَّها في أَوَّل الجملةِ،
стр. 18
ولكنهم أخَّروهَا لأن (إنَّ) للتوكيدِ أيضًا، فكَرِهوا أن يجتمِعَ مؤكِّدانِ متوالانِ، وزَحْلَقوا اللام إلى مكانها في الخبرِ.
وقوله: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ (آتٍ): خبرُ إنَّ لأنها اسمٌ منْقُوصٌ؛ والاسم إما منْقُوصٌ أو مقْصورٌ أو مَمْدودٌ أو صحيحُ الآخِرِ، فهنا نقولُ: لأنها منقوصةٌ، أصلُهَا: (لآتي) بالياء، فحُذِفَتِ الياءُ وعُوِّض عنها بالتنوين: ﴿لَآتٍ﴾ وعلى هذا فنقول: (آتٍ) خَبَرُ (إنَّ) مرفوعٌ بها، وعلامة رَفْعِه ضمَّة مقدَّرة على الياءِ المحذوفةِ لالتقاءِ الساكِنَين.
﴿وَهُوَ﴾ أي: اللَّهُ .
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿السَّمِيعُ﴾ لأقْوالِ العِبادِ ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأفْعالهِمْ] اهـ.
السَّمِيعُ يعني: ذا السَّمْعِ، الذي لا يَخْفَى عليه شيءٌ، كلُّ شيءٍ مِنَ المسمُوعاتِ فإنَّ اللَّه تعالى مُدْرِكه، والسَّمْعُ ينقسم إلى قسمين:
١ - سَمْعُ إدْراكٍ.
٢ - سَمْعُ إجابةٍ.
فالأَوَّلُ: مثلُ قولِهِ تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة: ١١].
والثاني: مِثْلُ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، ومثلُ قولِ المصلِّي: (سمِعَ اللَّهُ لمن حَمِدهُ)، فإن المعنى: أنه استَجابَ.
وسَمْعُ الإدراكِ ينْقسِمُ إلى أقسامٍ:
مِنهَا: ما يَقْتضي التَّهديدَ.
ومنها: ما يَقْتضِي النَّصر والتأييدَ.
ومنها: ما يُقصدُ به مجرَّدُ الإدراكِ.
стр. 19
فمثالُ الأوَّلِ الذي للتَّهديدِ: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١].
ومثالُ الذي للنَّصر والتَّأييدِ: قوله : ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦].
ومثالُ المقصودِ به مجَرَّدُ الإدراكِ: أي الذي يُرادُ به بيانُ أن اللَّهَ محيطٌ بالشيءِ سميعٌ له قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة: ١].
كونُه تعالى سَمِيعًا هلْ يلْزَمُ منه إثباتُ الأُذُنِ؟
الجواب: لا يَلْزمُ، كما أن كونَه بَصِيرًا لا يلزمُ منه إثباتُ العَين، ولكن العَينَ ثَبتَتْ بدَلِيلٍ آخَرَ، ولولا أنَّ اللَّهَ أثْبَتَهَا لنَفْسِهِ بدليلٍ آخر ما أثْبَتْناهَا، فلا نقول: يلزمُ من كونِهِ سَمِيعًا أن يكونَ لَهُ أُذُن، كما لا يلزمُ من كونِه متَكَلِّمًا أن يكونَ له لِسانٌ وشَفتانِ وما أشبه ذلك، فإنَّنَا نعلمُ أن الأرض محدِّثُ أخْبارَهَا، ولا تُحدِّثُ إلَّا بسماعٍ، وليس لها أُذُنٌ فيما نَعلم، ولا نعلمُ أن لها لِسَانًا أيضًا، فعلى هذا نقول: لا يلزمُ مِنْ إثباتِ السمعِ إثباتُ الأُذُن.
فإذا قال قائلٌ: ولكن ثبت في الحديث الصحيح: "مَا أَذِنَ اللَّهُ لَشَيءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ" (١).
فالجواب: ما أَذِنَ له، أي: ما استَمَعَ له، وليس المعنى: ما قَدَّرَ؛ لأنه مُعَلَّقٌ بصوت، قال: "لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ"، وإلا فإنَّ اللَّهَ أذِنَ للناسِ
стр. 20
من جِهةِ الإذنِ الشَّرْعِيِّ، فرخَّصَ لهم وأباحَ لهُمْ ما هو أعظمُ من هذا، فإن التَّوحيدَ وغيرَهُ مما هو أكبرُ مِن قراءةِ القُرآنِ لا شكَّ أن اللَّه يأْذنُ به أكثر، والحاصلُ أنه لا يَلزمُ من هذا أيضًا إثباتُ الأُذُن؛ لأنه ليسَ بصَرِيحٍ، والصفاتُ لا يُمكنُ أن نُثْبتَهَا بالاحتمالِ، فلا بُدَّ أن تكونَ المسألةُ واضِحةً وصريحةً.
وقوله: ﴿العَلِيمُ﴾، يقول المُفَسِّر ﵀: [بِأفْعَالهِمْ]، والحقيقَةُ أن العِلم يتَعلَّقُ بالأفعالِ والأقوالِ أيضًا، فتَخْصِيصُه بالأفعالِ فيه نَظَرٌ؛ لأن الرُّؤَيةَ هي التي تَختَّصُ بالأفعالِ، أما العِلمُ فإنه أَعَمُّ، فهو يتعلَّقُ بالأفعالِ ويتعلَّقُ بالأقوالِ، ويتعلَّقُ بحديثِ النَّفْس ويتعلَّقُ بالجَهْرِ، وبكلِّ شيءٍ.
أما جواب ﴿مَن كَانَ يَرْجُوْا لِقَاءَ اللَّهِ﴾، فقد قدَّره المُفَسِّر بقوله: [فَلْيَسْتَعِدَّ لَهُ]، وجعلُه محذوفًا، وعِندِي أنه لا بأسَ أن نقولَ: إن جوابَ الشَّرْطِ هو قوله: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾.
ويكون المعنى: أن الذي يرجو لقاءَ اللَّهِ فإنه سيَحْصُلُ له، ولا حاجةَ أن نُقَدِّر شيئًا محذوفًا؛ لأن الأصلَ عدمُ الحَذفِ، وهذا الذي قَدَّره المُفَسِّر مثل ما قدَّرَه في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [البقرة: ٩٧]، فَقَدْ قدَّرَهَا المُفَسِّر بقولِه: [فَلْيَمُتْ غَيظًا]، لكِنْ لا حاجةَ لهذا التَّقْدِيرِ.
قوله: ﴿مَن كَانَ يَرْجُوْا﴾ أي: يُؤمِّل؛ لكنَّ الأملَ مبنِيٌّ على المحبَّةِ، فأنت لا تؤمِّلُ الشيءَ إلا وأنتَ تُحبُّهُ، فرجاءُ الشيءِ بمعنى الأملِ في حصولِهِ.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: طَمأنَهُ أولئكَ الذين يَرجُونَ لقاءَ اللَّه بأنَّ ما رَجَوه سيَأْتِي.
الآية (٦)
* * *
* قال اللَّه : ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَن جَهَدَ﴾ جِهادُ حَرْبٍ أو نَفْسٍ]، أفَادنَا المُفَسِّر من هذه العبارةِ أن الجِهادَ ينْقسمُ إلى قِسمَينِ:
* جهادِ حَرْبٍ، وذلك بجهادِ الأعداءِ.
* وجهادِ نفْسٍ، وذلك بأن تُجاهِدَ نَفْسكَ على فِعلِ الطاعاتِ وعلى تَركِ المحرَّماتِ.
والجهاد: بذلُ الجُهدِ في الشيء، والذي يجاهِدُ لا يُجاهدُ للَّه وإنما يعْملُ لنَفْسهِ، كقولِه تعالى: ﴿مَّن عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦].
وقَال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾، فإنَّ مَنْفعَةَ جِهادِهِ لَهُ لَا للَّه]، وذلك لأنه مأجورٌ، سواءٌ جاهَدَ نفْسَه أو جاهدَ غيرَهُ، مع أنه إذا جاهدَ غيرَهُ قَد تكون منْفعتُهُ أيضًا للغَيرِ، فإن هذا الغيرَ بالجهادِ رُبَّما يَدخُلُ في دِينِ اللَّهِ، وحينئذٍ يحصُلُ له منْفَعَةٌ.
المُهِمُّ أن اللَّهَ لا ينْتفِعُ بهذا الجهادِ، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، وهذا تَعْليلٌ لقولِه: ﴿فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾، فاللَّهُ غَنِيٌّ عنهم،
стр. 23
لا ينتَفِعُ بطاعَتِهِم ولا يتَضَرَّرُ بمَعْصِيَتِهِمْ، ومعْنَى غِنَاهُ عنهم: كونُهُ لا يحتاجُ إليهم لما عِندَهُ مِنَ الجُودِ والسَّعَةِ والتَّدبيرِ للأمورِ، فهو لا يحتَاجُ إلى العالمِينَ كُلِّهِمْ.
وقولُه ﵀: [﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ الإِنْسِ والجِنِّ والملائِكَةِ وعَنْ عِبَادَتِهِمْ]: فهو غَنِيٌّ عنهم لا يحتاجُ إليهِمْ، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٧]، وكذلك غَنِيٌّ عن عِبَادَتِهِمْ، لأن عِبَادَتِهِمْ إنما تكونُ منْفَعَتُهَا لهُم، أما اللَّهُ فإنه لا يَنْتَفِعُ طاعَةِ الطَّائِعِينَ، ولا يَتَضَرَّر بمعصيةِ العاصِينَ، وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ﴾: الجُملَةُ هنا مُؤكَدةٌ بمُؤَكِّدَينِ وهما: (إنَّ) و (اللام).
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: أن الإنسانَ لا بُدَّ أن يحْصلُ له مَشقَّةٌ في القيامِ بما يجِبُ عليه؛ لأن الجهادَ معناه: بَذلُ الجهدِ لإدرَاكِ أمرٍ شاقٍّ، لقوله: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ﴾.
الفَائِدةُ الثَّانِية: أن من جاهَدَ في العَملِ الصالِحِ فإن جهادَهُ لنفْسه لا ينْتفِعُ اللَّهُ به، لقوله: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: إثباتُ غِنى اللَّهِ عن خَلْقه؛ لقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾.
الفَائِدةُ الرَّابِعة: أن مَنْ لم يجاهِدْ فإن ضَرَرَهُ على نفْسه؛ لأنه إذا كانت منفعَةُ الجهادِ لكَ فمَضرةُ تركِه علَيك.
* * *
стр. 24
الآية (٧)
* * *
* قال اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧)﴾ [العنكبوت: ٧].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ بَعَمَلِ الصَّالحاتِ، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ﴾ بمعنى: حَسَن، ونصبُهُ بنزعِ الخافِضِ (الباء) ﴿الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وهُو: الصَّالِحَاتُ] اهـ.
قوُلهُ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هذا في مقابِلِ ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾.
والإيمانُ كما تقَرَّرَ كثيرًا هو التَّصديقُ مَع القَبولِ والإذعانِ، وليس مجردَّ التَّصديقِ، وقولُه: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هذا في أعْمالِ الجوارحِ، فالإيمانُ في القَلبِ، وعَمَلُ الصالحاتِ في الجوارِحِ، والعملُ يتناولُ الفِعلَ والقَولَ، وعلى هذا ليس قَسِيمًا للقولِ كما يظنُّ بعضُ الناسِ، فيقول: قولٌ وعَمَلٌ، بل إن قسيمَ القولِ هو الفِعلُ، أما العملُ فإنه يشمَلُ القولَ ويشملُ الفِعلَ أيضًا.
فعَملُ الصالحاتِ إذن: يتنَاولُ الأفعال، مثلَ الرُّكوعِ، والسُّجودِ، والصلاةِ، والقيامِ والقُعودِ فيها، ويتناولُ الأقوال، كقِراءةِ القرآنِ، والتَّسبيحِ، والتَّحميدِ، وغيرِ ذلكَ.
"الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كفَّارَةٌ لمَا بَينَهُمَا" (١)، فالأعمالُ الصَّالحةُ تكونُ بمنزلَةِ الغُلافِ على الأعمالِ السَّيِّئةِ، حتى لا يَظهَرَ لها أثَرٌ.
وقوله: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: الجزاءُ بمَعنَى المكافَأةِ عَلَى الشيءِ، وقولُه: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾ هذه الجُملةُ أيضًا مؤكَّدَةٌ بثلاثَةِ مُؤكِّدَاتٍ، وهي: القَسمُ، واللَّامُ، والنُّونُ.
وقولُهُ: [﴿أَحْسَنَ﴾ بمعنى حَسَن]، وكأَنَّه فَرَّ من إشكالٍ قَدْ يُورَدُ، وهو: أن الآيةَ تَدُلُّ على أنهم يُجْزَونَ أحسنَ الذي كانوا يعْملونَ، فأينَ جَزاءُ الحَسَنِ؟ لأن العَملَ الصالحَ حسَنٌ وأحسَنْ، فإذا كَانتِ الآيَةُ: ﴿أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فمعنى ذلك أن الحَسَنَ لا يُجَازَون عليه، فلهذا أوَّلَ المُفَسِّر ﴿أَحْسَنَ﴾ بمعنى: حَسَن، أي: حسَنُ ما كانوا يعمَلُونَ.
ولكن نَحْنُ نَرى أنه لا حاجَةَ إلى التَّأْويلِ، وأن ما دَلَّتْ عليه الآيَةُ أَوْلى مما قدَّرهُ المُفَسِّر، وهو أنَّ اللَّه يقولُ: لنَجْزِينَّهم أحسنَ جزاءٍ، وأحسنُ جزاءٍ بيَّنَهُ اللَّه تعالى في قَولِهِ: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]، فهذا الجزَاءُ أحسنُ جزاءٍ؛ لأن الجزاءَ غايتُهُ أن يكونَ مِثْلما فَعَل الفاعِلُ، لكن هنا يجازَى بأحسنَ وأعْظمَ، وعلى هذا فيكونُ (أحسنَ) ليس مَنْصوبًا كما قال المُفَسِّر: [بِنَزْعِ الخَافِضِ البَاءِ]، بل هو مفعولٌ ثانٍ لقوله: (نَجْزِي)، والمفعولُ الأوَّلُ هو الهاء. والنون في قولِهِ: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾ للتَّوكيدِ،
стр. 27
هذا هو مَعنَى الآية الكريمة، يعني: أن اللَّهَ وعَدَهم بأمْرين: بِتَكْفيرِ السَّيِّئات بالأعمالِ الصالحةِ، وبالجزاءِ على هذه الأعمالِ أحسنَ جزاءٍ يُعطَوْنه، وذلك أن تكونَ الحسنَةُ بعَشْرَةِ أمثالها إلى سَبعِمِائةِ ضِعْفٍ إلى أضعافٍ كثيرة.
وقوله: [﴿أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وهُوَ: الصَّالحِاتُ]: فهذه الأعمالُ الصالحةُ التي يَعْملُونَها يجَازِيهِمْ اللَّهُ عَليها أحسنَ جَزاءٍ يُجَازَونَ بِهِ.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: فضيلَةُ الإيمانِ والعَملِ الصَّالحِ.
الفَائِدةُ الثَّانِية: أنه تُكَفَّرُ بهما السيِّئاتُ، والمراد بالسيِّئاتِ: الصَّغائرُ، لقولِه ﷺ : "الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَات مَا بَينَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ" (١)، أما الكبائرُ فلا تَدخلُ هنا لأنها لا تُكفَّر بعملِ الصالحاتِ.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: أن جَزاءَ اللَّه أفضلُ من عَملِ المؤمِنِ وأحسنُ، لقَولِهِ: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
الفَائِدةُ الرَّابِعة: أنه لا بُدَّ في العملِ من أن يكونَ صَالحًا، والصالحُ كما تقدَّم هو ما جمعَ شَرْطين: الإخلاصَ للَّه ، والمتابعةَ للرَّسولِ ﷺ ، فإذا لم يكنْ مُخْلَصًا فهو فاسِدٌ، وإذا لم يكن على وَجهِ الشَّريعةِ فهو أيضًا فاسدٌ، قال النَّبيُّ ﵊: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" (٢).
لو قال قَائلٌ: هل يُشْتَرطُ للإخلاصِ والمتابعةِ التَّصديقُ؟
стр. 28
فالجواب: الإيمانُ معنَاه التَّصديقُ، والإيمانُ شَرطٌ في قَبولِ العملِ، فغيرُ المؤمن لا يُقْبَل عملُهُ، فلا بُدَّ من التَّصديقِ السابقِ على العملِ الصالِحِ، ثم الإخلاصُ لا يكونُ إِلَّا بالتَّصْديقِ، كيف تُخلص لمن لا تُصدِّقُ به، بل كيف تَتَّبعُ من لا تُصدِّقُ به، فالإخلاصُ والمتابَعَةُ متَضَمِّنانِ التصديقَ.
* * *
стр. 29
الآية (٨)
* * *
* قال اللَّه : ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٨].
* * *
لما ذَكَر مجُملَ ما تَوعَّد به المخالفينَ وما وَعَد به الموافِقِينَ، قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾.
الوَصيَّةُ معناها: العَهدُ بالشَّيءِ المهِمِّ، فمَعْنى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾ هو أي: عَهِدْنَا إليه بأمْرٍ مُهِمٍّ ليقومَ بِهِ، وقوله: ﴿بِوَالِدَيْهِ﴾ أي: أُمه وأَبيه، وقوله: ﴿حُسْنًا﴾ مَفْعولٌ لـ (وصينا)، ويُحتَمَلُ احتمالًا قَويًّا أن ﴿حُسْنًا﴾ منصوبٌ بنَزْعِ الخافِضِ، أي: عَهدنَا إليه بحُسْنٍ، أي: بإحسانٍ إليهما، ولا حاجَةَ إلى قولِ المُفَسِّر ﵀: [أَيْ: إِيصَاءً ذَا حُسْنٍ]، بل إنَّ المُوصَى به هو نفْس الحُسْنِ، وليس الحُسن هنا وصْفًا للإيصاءِ، بل هو وصْفٌ للمُوصَى به.
والمؤلِّف ﵀ يريدُ من هذا التَّقدِيرِ أن يكونَ الحُسْن وصْفًا لإيصاءِ اللَّهِ، ومعنى هذا أن يكونَ ﴿حُسْنًا﴾ وَصْفًا لمحذوفٍ، والتَّقْدِيرُ: إيصاءً حُسْنًا، وحُسْنٌ مصْدَرٌ، وإذا كانت مَصْدرًا فإنه يجبُ أن يُقَدَّرَ لها مُضافٌ وهو: ذا حُسْن؛ هكذا قال المُفَسِّر ﵀.
والصَّوابُ: أنه وصْفٌ للمُوصَى به، أي: وصَّيناه بأمرٍ ذِي إحسانٍ، كما قال
стр. 30
تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ [الأحقاف: ١٥].
وقال المُفَسِّر: [بِأَنْ يَبَرَّهُمَا]. البِرُّ: هو الإحسانُ دُونَ مقابِلٍ، فيُحسنُ إليهما بالقَولِ وبالفعلِ وبالمالِ، والمالُ في الحقيقةِ مِنَ الفِعلِ، فيَحْسُنُ إليهما بالقولِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَقُلْ لَّهُمَا قَولًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وبالفِعلِ؛ لقولهِ: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]، وبالمالِ؛ لقوله: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ﴾ [الإسراء: ٢٦].
مثالُهُ: إذا كانَ الإنسانُ يحْسِنُ إلى والِدَيهِ بالمالِ ولا يجعَلْ لهما حاجَةً أبدًا، وقد أَغْرَقهُما بالمالِ إغراقًا، لكنَّه مُجْنِفٌ عنهما من قِبَلِ الكَلامِ، شَكسٌ عليهما، عبوسٌ في وجْههما؛ فإن هذا ليس بِبارٍّ لوالِدَيهِ، كذلك لو كان ضَحُوكًا إليهما، وليِّنًا معهما بالقولِ، مُغدقًا لهما بالمال، لكن لا يخْدُمُهُما بنَفسِهِ إذا دعَتِ الحاجَةُ إلى ذلك؛ فإنه ليس بِبَارٍّ، فالبِرُّ لا بد أن يكونَ بالقَولِ والفِعْلِ والمالِ.
قوله: ﴿وَإن جَاهَدَاكَ﴾ أي: بَذَلا جُهْدهما، والجهادُ هُنا مَعْناه: الإلزامُ والإرْغامُ والإحْراجُ، فجَاهَداكَ على أن تُشْرِكَ بِي، بأنْ أمرَاك بالشركِ وبَذَلا الجَهْدَ في ذلك، بالإلزامِ عليك والإحْراجِ، تارةً بمدحِ الشِّركِ، وتارة بذَمِّ التَّوحيد، وتارةً بالإلزامِ والإرْغامِ، وتارة بالتَّوَعُّدِ بالقَطِيعة؛ فإذا جاهداك على هذا، يقول اللَّه تعالى: ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾؛ لأن حقَّ الخالِق مُقدَّمٌ على حقِّ المخلوقِ، والإشراكُ باللَّه ظُلم حقِّ الخالق، ما قال : ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، فلا يجوزُ أن تُفَرِّطَ في حقِّ اللَّهِ مِن أجلِ حقِّ هؤلاءِ.
وقوله: ﴿جَهَدَاكَ لِتُشُرِكَ بِي﴾ هِي مِثلُ قوله تعالى: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ﴾ [لقمان: ١٥].
стр. 31
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿لِتُشْرِكَ بِى مَا ليَسَ لَكَ بِهِ﴾ بِإِشْرَاكِهِ ﴿عِلْمٌ﴾ مُوَافَقَةٌ لِلْواقِعِ فَلَا مَفْهومَ لَهُ] اهـ.
نَنظُرُ إلى الآية، يقولُ اللَّه تعالى: ﴿لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، فهلْ يقولُ قائلٌ: فإنْ جاهدَاكَ على أن تُشرِكَ بي ما لَكَ به عِلْمٌ فأطِعْهُما؟
الجواب: لو أخَذْنَا بظاهِرِ الآية لقُلنَا: إنها تَدُلُّ على أن الإشراكَ باللَّه ينقسمُ إلى قِسمين: إشراكٌ ليس بِه عِلمٌ، وإشراك به عِلْمٌ، فالإشراكُ الذي بِهِ عِلمٌ يجوزُ، والإشراكُ الذي ليسَ به عِلْم لا يجوزُ، قلنا: لَيسَ الأمرَ كذَلِكَ، ولكنَّ هذا بيانٌ للواقِعِ أن كُلَّ شركٍ باللَّه فإنه لا عِلْمَ به عندَ الإنسان، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [الأعراف: ٣٣]، ومَعلومٌ أنَّ اللَّه ما جَعل شِركًا فيه سُلطانٌ، فكُلُّ الشركِ ليس فيه سُلطانٌ، بل إن الشِّرْكَ قد قامَ السلطانُ والعِلْمُ الصحيحُ على أنه باطل، فصَارَ قوله: ﴿لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ معناه: أنه موافِقٌ للواقِعِ، فيكونُ كالتَّعْليلِ لتَحْريمِ الشِّركِ، كأنه يقول: على أن تُشركَ بي والحالُ أن الشركَ ليس لك به عِلْم، فإن الشِّركَ قطعًا لا يمكن أن يقومَ الدَّلِيلُ على وجوبٍ، بل إن الدَّلِيلَ الصحيحَ على انتِفَائِهِ، فإن اللَّه تعالى لا شريكَ لَهُ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ فِي الإِشْرَاكِ]: يعْني لو قال الوالدُ والوالدِةُ مثلًا: إذا لم تُشْركْ فإننا نُقاطِعْكَ ولا نُكَلِّمْك ولا نَأتي إلى بيتِكِ، فلا تُطِعْهما مهما كان الأَمْرُ؛ لأن هذا هو مَعنى: ﴿وَإن جَاهَدَاكَ﴾.
قوله : ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ معنَاهُ: ولا تَظُنُّ أنك بمَعْصِيَتِكَ لهما يلْحَقُكَ إثمٌ، فإن مَرْجِعَكما إليَّ يومِ القيامَةِ فأنبِّئُكم بما كنتم تَعمَلونَ، والمرادُ بالإنْباءِ هُنا لازِمُه، وهو المعاقَبَةُ والمؤاخَذَةُ، فأنتَ بقيتَ على التَّوحيدِ
стр. 32
فتُجازِى جزاءَ الموحِّد، وهما بَقِيا على الشِّركِ فيُجازَيان جزاءَ المشْرِكِ، بل أبلغُ من ذَلكَ يجازَيانَ جزاء المشركِ الدَّاعِي إلى الشِّركِ؛ لأنهما ما جاهَدَاهُ على الإشراكِ إِلَّا وهما مُقِيمانِ عليه ومُصَرَّانِ عليه، فيكونُ عليهما عُقوبتانِ:
إحداهما: عُقوبَةُ إشراكِهِما.
والثانية: عقوبةٌ على دَعْوتِهِما إلى الشِّركِ بل ليس دَعوةٌ فقط، وإنَّما مجاهَدَةٌ للولَدِ على أن يُشركَ.
قوله: ﴿إِلَيَّ مَرجِعُكُمْ﴾ يعني: أنتَ وهُما، ﴿فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: أُخْبركُم، والمراد بالإخْبارِ لازِمُهُ، ولهذا قال المُفَسِّر: [فَأُجَازِيكُمْ بِهِ].
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: وجوبُ الإحسانِ إلى الوالِدَيْنِ بالقَولِ والفِعل والمالِ.
الفَائِدةُ الثَّانِية: إثباتُ رَحْمة اللَّهِ حيثُ وَصَّى الإنسانُ بوَالِدَيهِ.
الفَائِدةُ الثَّالِثةُ: أن للوالِدَين حقًّا وإن كانَا كافِرَينِ، لقولِهِ في الآية: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ فهُما مُشركانِ ويجاهِدَانِهِ أيضًا بأنْ يُشْرِكَ، ومع ذلكَ أوْجبَ اللَّهُ لهما الإحسانَ.
الفَائِدةُ الرَّابِعة: أنه لا طاعَةَ لمخْلوقٍ في مَعْصِية الخالقِ لقوله: ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾.
الفَائِدةُ الخامِسة: وجوبُ طاعتِهما في غيرِ المعْصيةِ إذا كان ذلك مِنَ الإحسانِ إليهما؛ لأنه إنما نُهي عن طاعَتِهمَا في المعصِيَةِ، وهنا يقال: نُهِيَ المرءُ عن طاعَةِ الوالِدَيْنِ في الشِّرْكِ وسكتَ عن طاعَتِهِما في غيرِ الشِّرْكِ، يعني: نهى عن طاعَتهما في المعْصِيَةِ وسَكَتَ عن طاعَتهما في غيرِ المعْصِيَةِ، وطاعتهما في الواجبِ واجِبَةٌ؛ لأن اللَّه أوْجَبَهَا.
стр. 33
مثاله: إذا قال والِدُكَ لك: قُمْ صَلِّ مع الجماعَةِ، وجبَ عليكَ أن تُصَلِّيَ، أما طَاعتُهُما فيما ليس بطاعَةٍ ولا معصيةٍ فنقول: إن كانَ في طاعَتِهما إحسانٌ إليهما فإنَّ الآية تدلُّ على الوُجوبِ، لقوله : ﴿وَبِالْوَلدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣]، فإن لم يكنْ في طاعَتِهما إحسانٌ إليهما فالآية لا تدلُّ على الوُجوبِ، ولهذا قال شيخُ الإسلامِ: "إنَّ طاعَةَ الوالِدَينِ إنما تَجبُ فيما لهما فيه مَنْفَعَةٌ وليس عليه فِيهِ مَضَرَّةٌ" (١).
والآيَةُ تَدُلُّ على ما قالهُ الشَّيخُ؛ لأنَّ اللَّهَ نَهَى عنْ طاعَتِهِما في المعْصيةِ، وسكتَ عن طاعَتِهما في غيرِ المعْصيةِ، فننظرُ: إن كانَتْ طاعَتهما في غيرِ المعصِيَةِ تَتَضَمَّنُ الإحسانَ إليهما فَهِي واجِبَةٌ، لقوله : ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣]، مثاله: إذا أمَركَ أبوكَ أن تذهبَ وتشتَرِيَ مِنَ السُّوق حاجَةً، كان ذلِكَ واجبًا عليك لأنه من الإحسانِ إليه، فيَجِبُ عليكَ أن تفعلَ، وإذا أمَرَكَ أبوك ألَّا تُصاحِب فلانًا لأنه مُستقِيمٌ، فلا يجبُ عليكَ ذلك؛ لأن في ذَلكَ مَضَرَّةً، أو على الأقل فَوات منْفعةٍ لك، وليس فيه منْفعَةٌ لَهُ.
وإذا قال: لا تُصاحِبْ فلانًا؛ لأن فلانًا بينه وبين أبيكَ عَدَاوةً شخصيةً وأنت ليس عليك مَضَرَّةٌ وليس لك مَنفعَةٌ من مصاحَبَتِهِ فإنه تجِبُ طاعَتُهُ؛ لأن مصاحبتَكَ لعَدُوِّ أبيكَ يَغيظُ أباكَ، فيكون بذلك منْفَعَةً.
ولو قال لك أبوكَ: لا تَحُجَّ هذا العام، وأنت قادِرٌ على الحجِّ بمالك وبدَنِك ولم تؤدِ الفَريضةَ فلا تُطِعْه؛ لأنه يجبُ عليك أن تَحُجَّ ولو كان لا يَرْضَى بذلِكَ.
فإن قيلَ: إن في تَركِ الحجِّ حصولَ منْفعةٍ للأب، وهي خِدمتُهُ عند الحاجَةِ، فهنا ينظر: فإن كانَ لا يقومُ مقامَكَ أَحدٌ وهو مُضَطَّر إليك فالحجُّ يَسقُطُ في هذه الحال،
стр. 34
أما إذا كان الحجُّ نَفْلًا، والأب ليس له مَصلَحةٌ في بقاءِ الابن، ولكنه يقولُ: الحُجَّاجُ كثيرون في هذه السَّنَةِ، فلا تَجِبُ طاعَتُهُ ولكن تجوزُ، وإذا قلنا: تجوزُ ولا تَجِبُ، فحينئذٍ ينْبَغي للإنسانِ أن يَنْظرَ ماذا يَتَرتَّبُ على سَفَرِهِ، فقد يكونُ الوالدُ لا يستطيعُ أن يستَقِرَّ وولَدَهُ قد سافَرَ إلى هذا الجمع الكثير، ويبْقى قَلِقًا مُدَّة غيابِ ولده، فهنا تترجَّحُ الطاعَةُ وعدمُ السَّفرِ، أما إذا عَلِمنا أنه لا يُبالي ولكنه من بابِ المشُورةِ ولن يتَأثَّر، فحينئذٍ لا تجبُ طاعَتُهُ في هذا الأمر، إِلَّا أنه يَنْبَغي المدَارَاةُ ما أمكنَ في هذا الباب.
وإذا قال: طَلِّقْ زوجتَك، فلا يجبُ عليك أن تُجيبَهُ، إِلَّا إذا كان في ذلك مصْلحةٌ شرْعِيَّة، مثلُ أن يكونَ الأبُ اطلَّعَ على أمْرٍ لا يتَحَمَّلُ أن تَبْقى زوجتك معك مِنْ أجله، أما إن كان بينَهُما عدَاوةٌ شَخْصية فلا يجبُ على الابنِ تَركُ زَوجتِهِ، لكن في مثلِ هذا تستَطِيعُ أن تُدَارِيهِ بنَقْلِهَا إلى مكان آخر فيستَريحُ هو وهِي.
وأما فِعْلُ ابنِ عُمرَ مع أبيه، فهذا أُورِدَ على الإمامِ أحمدَ لما سألَهُ رجل أن أبَّاه أمَرَهُ أن يُطلِّقَ زوْجتَهُ، قال: لا تُطَلِّقْهَا، قال: أليس عُمَرُ أمرَ ابنَ عمرَ أن يطلِّقَ زوجته، فأمَره النَّبِيُّ ﵊ بتَطْليقِهَا؟ قال: نعم، حَصَلَ هذا، ولكن: هَل أبوكَ عُمَرُ؟ (١)
والجواب: لا. ليس هو عُمَرُ.
إذن الآية الكريمةُ تدلُ على تحريمِ طاعتِهِما في المعْصِيَةِ، وسكَتَتْ عن طاعتِهما في غيرِ المعْصيةِ، وعلى هذا فلا تجِبُ طاعتُهُما إِلَّا إذا كانَ دَاخِلًا في أوَّلِ الآية بأن كانَ في ذلكِ إحسانٌ إليهما، فتكونُ واجِبةً لقولِهِ : ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ [الأحقاف: ١٥].
стр. 35
والحاصلُ أن القاعدةَ في طاعَةِ الوالِدَينِ: ألا تكونَ في مَعْصِيةِ اللَّه، وأن تكونَ مِنَ الإحسانِ إليهما، وألا يكونُ عليه ضَرَرٌ.
الفَائِدةُ السَّادسَة: أن حَقَّ اللَّهِ أعظمُ من جَميعِ الحقوقِ، ويدْخُلُ في ذلك حقُّ نَبِيِّهِ ﷺ ، فحَقُّ النَّبِيِّ ﵊ عليك أعْظَمُ مِنْ حقِّ والِدَيكَ.
الفَائِدةُ السَّابِعة: أن الإشراكَ باللَّهِ لا يمكنُ أن يقومَ عليه دَلِيل، والأدِّلَةُ كلُّها على بُطلانِهِ.
الفَائِدةُ الثَّامِنة: إثباتُ البَعثِ والرُّجوعِ إلى اللَّه لقولِهِ: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾.
الفَائِدةُ التَّاسِعةُ: أن الإنسانَ مجُازَى بعَملِهِ لقولِهِ : ﴿فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
الفَائِدةُ الْعاشِرَةُ: إثباتُ عِلمِ اللَّهِ؛ لأنَّ الإنباءَ هو الإخْبارُ، ولا يكونُ الإخْبارُ إِلَّا عَنْ عِلْمٍ.
* * *
стр. 36
الآية (٩)
* * *
* قال اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٩].
* * *
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ بيَّن اللَّه فيما سبَقَ أن الَّذينَ آمنُوا وعمِلوا الصالحات يكفِّر اللَّهُ عنهم سيِّئاتهِمْ ويَجزِيهِمْ أحسنَ الذي كانوا يعْملُون، وذَكَر هنا جَزاءً آخر: وهو أنه يُدخِلُهم في الصَّالحينَ فيُحشَرُون معهم، و (اللام) في قولِهِ: ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ﴾ موطئةٌ للقَسَمِ، و (النون) للتَّوكيدِ، فالجملة مُؤَكِّدَاتٍ بثلاثَة مؤكِّدَاتٍ كما تقدم.
قولُهُ: ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ هم صالحونَ، ولكنَّ المرادَ بالصَّالحينَ الذين سبَقُوهم ودَلُّوهم إلى الخَيرِ، وهمُ الأنبياءُ، والأنبياءُ بلا شكٍّ مِنَ الصَّالحينَ، فقد كان الأنبياءُ ﵈ يُقَابِلُون النبيَّ ﵊ في المعراجِ ويَقولون: "مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ" (١)، فوصَفُوهُ بالصَّلاحِ، وكذلك أيضًا في سُورَةِ الأَنْبياءِ قَالَ: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٦]، ولا شَكَّ أنَّ أخصَّ الناسِ بوصفِ الصَّلاحِ هُم الأنبياءِ؛ لأنهم صالحُونَ مُصْلِحون ﵈.
стр. 37
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿الصَّالِحِينَ﴾ الأَنبِياءُ وَالْأَوْلياءُ بِأَنْ نَحْشُرَهُمْ مَعْهُمْ].
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [وَالْأَوْلِياءُ] فيه نَظَرٌ؛ لأنَّ الذِينَ آمنُوا وعَمِلوا الصالحاتِ هُمُ الأولياءُ، قال اللَّه : ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقال : ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]، وقال : ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥]، فعَلَى هذا يكونُ إدخالهُم في الصَّالحينِ كما قال المُفَسِّر ﵀: إنَّهم يومَ القيامَةِ يُحْشرُون مع الأنبياء، وليس معْناهُ أنهم يُلْحقُون بدَرَجتِهم، فالأنْبياءُ أعْلى منْهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، والنَّبِيُّ ﵊ معه اللِّوَاءُ يُحشَرُ في زُمْرتِهِ كُلُّ من آمَنَ بِهِ.
لو قال قائِلٌ: إن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]، يؤيدُ قَولَ المُفَسِّر ﵀ أن المرادَ بالصَّالحينَ الأولياءُ والأنبياءُ؟
الجواب: هذه الآيةُ لا تُؤيِّد قولَ المُفَسِّر، بل قولُه فيه نَظرٌ كما سبق؛ لأن هؤلاء المذكورينِ هُمْ أولياءُ، ولم يَذْكرِ اللَّهُ تعالى في هذه الآيةِ أربعةَ أصنافٍ، بل ذَكَر صِنْفًا واحدًا فقط وهم الصَّالحونَ؛ أي: الأنبياءُ وإن كانَتِ الأصنافُ أربعةٌ، أعنِي: أصنَافَ الَّذينَ أنْعمَ اللَّه عليهم وهُمُ النَّبِيُّونَ، ويدخلُ فيهمُ الرُّسُلُ والصِّدِّيقونَ والشُّهداءُ والصَّالحونَ، والصَّالحونَ عامٌّ يشْمَلُ عُمومَ المؤمنينَ، لكِنِ اعلْمَ أن كُلَّ صالحٍ فهو وَلِيٌّ؛ لأن الولايَةَ أَعَمُّ، حتى الأنبياءُ مِنَ الأولياءِ بالمعْنَى العام.
стр. 38
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: فضيلَةُ الإيمانِ والعملِ الصَّالحِ.
الفَائِدةُ الثَّانِية: أنَّ الإيمانَ والعملَ الصالِحَ يُتَوَصَّلُ بهما إلى اللُّحوقِ بالصالحينَ، لقولِهِ تعالى: ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: أن الإيمانَ وحْده لا يكْفي في اللُّحوقِ بالصَّالحِينَ.
الفَائِدةُ الرَّابِعةُ: أن العَملَ لا ينْفَعُ إِلَّا إذا كانَ صَالحًا، وهو مَا جمعَ شَرْطَينِ: الإخلاصَ والمتابَعَةَ، لقولِه: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
* * *
стр. 39
الآية (١٠)
* * *
* قال اللَّه : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [العنكبوت: ١٠].
* * *
قولُهُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ (مِنْ) هذه للتَّبْعيضِ، والجارُّ والمجرورُ خبرٌ مُقدَّمٌ.
وقولُهُ: ﴿مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ (مَنْ) مبتدأٌ مُؤخَّر معناه: أنه يقولُهُ بلِسانِهِ، ولكنَّه لم يرْسَخِ الإيانُ في قلْبه، ولهذا فإذا أُوذِيَ في اللَّه جعلَ فِتنةَ الناس كعذابِ اللَّهِ، فهو يقولُ بلسانه: آمنَّا باللَّهِ.
قولُهُ: [﴿فَإِذَا أُوذِىَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتنَةَ النَّاسِ﴾ أي: أَذَاهُمْ لَهُ ﴿كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ في الخوفِ منه فيُطِيعُهُمُ فيُنَافِقُ] اهـ.
قولُه : ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ شَرْطٌ، و ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ﴾ الجوابُ، وإيذَاءُ المؤمنِ من غيرِهِ فِتْنَةٌ يُختَبرُ بها المرءُ، فإن بعضَ النَّاس إذا كان مؤمنًا وحصلَ لَهُ أَذِيَّةٌ لم يصْبِرْ وارْتَدَّ، نسألُ اللَّه العافية، وبعضُ الناسِ في إيمانِهِ قُوَّةٌ لو أُوذِيَ صَبَرَ وازدادَ قوَّةً في إيمانِهِ، لكن هذا الذي قال: آمنا باللَّهِ لكنْ ليس عِندَهُ إيمانٌ راسخٌ في القلْب؛ لأنه إذا أُوذِي في اللَّهِ ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ في الخوفِ منْهُ، فيرتَدَّ بسبِ هذا الإيذاءِ ويقول: هذه عُقوبة، فأنا أرْجِعُ عما أنا عليه، وحينئذٍ يُنافِقُ، ولكنه مع هذا
стр. 40
يَدَّعِي أنه مُؤمنٌ، ومتى تكونُ دَعْواهُ هذه؟
الجوابُ في قولِهِ تعالى: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾.
﴿وَلَئِن﴾ يَقولُ المُفَسِّر ﵀: [(الَّلامُ) لَامُ القَسَمِ] اهـ.
و(إن): شَرْطِيَّةٌ، و ﴿جَاءَ﴾: فِعْلُ الشرْطِ، وجملة ﴿لَيَقُولُنَّ﴾: جوابُ القسَم، فاجتَمعَ قسَمٌ وشرْطٌ، وابنُ مالكٍ ﵀ يقول:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ... جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلتَزَمْ (١)
فهنا الذي أُخِّر الشرطُ، فحُذف جوابُه لدلالةِ جوابِ القَسمِ عليه.
قَالَ المُفَسِّر: [﴿وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ﴾ لِلْمُؤمِنِينَ ﴿مِّن رَبِّكَ﴾ فَغَنِمُوا ﴿لَيَقُولُنَّ﴾]: هؤلاءِ جماعَة، فعادَ الضَّميرُ على ﴿مَن﴾ مَجموعًا في قولِهِ تعالى: ﴿مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ باعتِبَارِ المعْنى، وعادَ الضَّميرُ مُفْردًا في قوله : ﴿مَن يَقُولُ﴾ ولم يَقُل: [مَن يَقولونَ] باعتبارِ اللَّفْظِ.
وأنه إذا جاءَ الاسمُ الموصولُ أو اسمُ الشَّرطِ العام للواحدِ والجماعةِ، فإنه يجوزُ في ضَميرِهِ أن يكونَ مجمْوعًا وأن يكون مُفْردًا، يعني: أن يُرَاعَى فِيهِ اللفظُ أو المعْنَى، فإن رُوعِيَ اللفظ صارَ مُفردًا، وإن رُوعِي المعْنى صارَ بحسبِ ما يُرادُ به في المعنى، وسَواءٌ كان ذلك في أسماءِ الشَّرطِ أو في الأسماءِ الموصُولَةِ.
مثالُه في الاسمِ الموصُولِ: هذه الآية.
ومثالُهُ في أسماءِ الشَّرطِ: قولُهُ تعالى في سورةِ الطَّلاقِ: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ