الآية (٩)
* * *
* قال اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٩].
* * *
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ بيَّن اللَّه فيما سبَقَ أن الَّذينَ آمنُوا وعمِلوا الصالحات يكفِّر اللَّهُ عنهم سيِّئاتهِمْ ويَجزِيهِمْ أحسنَ الذي كانوا يعْملُون، وذَكَر هنا جَزاءً آخر: وهو أنه يُدخِلُهم في الصَّالحينَ فيُحشَرُون معهم، و (اللام) في قولِهِ: ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ﴾ موطئةٌ للقَسَمِ، و (النون) للتَّوكيدِ، فالجملة مُؤَكِّدَاتٍ بثلاثَة مؤكِّدَاتٍ كما تقدم.
قولُهُ: ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ هم صالحونَ، ولكنَّ المرادَ بالصَّالحينَ الذين سبَقُوهم ودَلُّوهم إلى الخَيرِ، وهمُ الأنبياءُ، والأنبياءُ بلا شكٍّ مِنَ الصَّالحينَ، فقد كان الأنبياءُ ﵈ يُقَابِلُون النبيَّ ﵊ في المعراجِ ويَقولون: "مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ" (١)، فوصَفُوهُ بالصَّلاحِ، وكذلك أيضًا في سُورَةِ الأَنْبياءِ قَالَ: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٦]، ولا شَكَّ أنَّ أخصَّ الناسِ بوصفِ الصَّلاحِ هُم الأنبياءِ؛ لأنهم صالحُونَ مُصْلِحون ﵈.
стр. 37
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿الصَّالِحِينَ﴾ الأَنبِياءُ وَالْأَوْلياءُ بِأَنْ نَحْشُرَهُمْ مَعْهُمْ].
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [وَالْأَوْلِياءُ] فيه نَظَرٌ؛ لأنَّ الذِينَ آمنُوا وعَمِلوا الصالحاتِ هُمُ الأولياءُ، قال اللَّه : ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقال : ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]، وقال : ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥]، فعَلَى هذا يكونُ إدخالهُم في الصَّالحينِ كما قال المُفَسِّر ﵀: إنَّهم يومَ القيامَةِ يُحْشرُون مع الأنبياء، وليس معْناهُ أنهم يُلْحقُون بدَرَجتِهم، فالأنْبياءُ أعْلى منْهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، والنَّبِيُّ ﵊ معه اللِّوَاءُ يُحشَرُ في زُمْرتِهِ كُلُّ من آمَنَ بِهِ.
لو قال قائِلٌ: إن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]، يؤيدُ قَولَ المُفَسِّر ﵀ أن المرادَ بالصَّالحينَ الأولياءُ والأنبياءُ؟
الجواب: هذه الآيةُ لا تُؤيِّد قولَ المُفَسِّر، بل قولُه فيه نَظرٌ كما سبق؛ لأن هؤلاء المذكورينِ هُمْ أولياءُ، ولم يَذْكرِ اللَّهُ تعالى في هذه الآيةِ أربعةَ أصنافٍ، بل ذَكَر صِنْفًا واحدًا فقط وهم الصَّالحونَ؛ أي: الأنبياءُ وإن كانَتِ الأصنافُ أربعةٌ، أعنِي: أصنَافَ الَّذينَ أنْعمَ اللَّه عليهم وهُمُ النَّبِيُّونَ، ويدخلُ فيهمُ الرُّسُلُ والصِّدِّيقونَ والشُّهداءُ والصَّالحونَ، والصَّالحونَ عامٌّ يشْمَلُ عُمومَ المؤمنينَ، لكِنِ اعلْمَ أن كُلَّ صالحٍ فهو وَلِيٌّ؛ لأن الولايَةَ أَعَمُّ، حتى الأنبياءُ مِنَ الأولياءِ بالمعْنَى العام.
стр. 38
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: فضيلَةُ الإيمانِ والعملِ الصَّالحِ.
الفَائِدةُ الثَّانِية: أنَّ الإيمانَ والعملَ الصالِحَ يُتَوَصَّلُ بهما إلى اللُّحوقِ بالصالحينَ، لقولِهِ تعالى: ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: أن الإيمانَ وحْده لا يكْفي في اللُّحوقِ بالصَّالحِينَ.
الفَائِدةُ الرَّابِعةُ: أن العَملَ لا ينْفَعُ إِلَّا إذا كانَ صَالحًا، وهو مَا جمعَ شَرْطَينِ: الإخلاصَ والمتابَعَةَ، لقولِه: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
* * *
стр. 39
الآية (١٠)
* * *
* قال اللَّه : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [العنكبوت: ١٠].
* * *
قولُهُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ (مِنْ) هذه للتَّبْعيضِ، والجارُّ والمجرورُ خبرٌ مُقدَّمٌ.
وقولُهُ: ﴿مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ (مَنْ) مبتدأٌ مُؤخَّر معناه: أنه يقولُهُ بلِسانِهِ، ولكنَّه لم يرْسَخِ الإيانُ في قلْبه، ولهذا فإذا أُوذِيَ في اللَّه جعلَ فِتنةَ الناس كعذابِ اللَّهِ، فهو يقولُ بلسانه: آمنَّا باللَّهِ.
قولُهُ: [﴿فَإِذَا أُوذِىَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتنَةَ النَّاسِ﴾ أي: أَذَاهُمْ لَهُ ﴿كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ في الخوفِ منه فيُطِيعُهُمُ فيُنَافِقُ] اهـ.
قولُه : ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ شَرْطٌ، و ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ﴾ الجوابُ، وإيذَاءُ المؤمنِ من غيرِهِ فِتْنَةٌ يُختَبرُ بها المرءُ، فإن بعضَ النَّاس إذا كان مؤمنًا وحصلَ لَهُ أَذِيَّةٌ لم يصْبِرْ وارْتَدَّ، نسألُ اللَّه العافية، وبعضُ الناسِ في إيمانِهِ قُوَّةٌ لو أُوذِيَ صَبَرَ وازدادَ قوَّةً في إيمانِهِ، لكن هذا الذي قال: آمنا باللَّهِ لكنْ ليس عِندَهُ إيمانٌ راسخٌ في القلْب؛ لأنه إذا أُوذِي في اللَّهِ ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ في الخوفِ منْهُ، فيرتَدَّ بسبِ هذا الإيذاءِ ويقول: هذه عُقوبة، فأنا أرْجِعُ عما أنا عليه، وحينئذٍ يُنافِقُ، ولكنه مع هذا
стр. 40
يَدَّعِي أنه مُؤمنٌ، ومتى تكونُ دَعْواهُ هذه؟
الجوابُ في قولِهِ تعالى: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾.
﴿وَلَئِن﴾ يَقولُ المُفَسِّر ﵀: [(الَّلامُ) لَامُ القَسَمِ] اهـ.
و(إن): شَرْطِيَّةٌ، و ﴿جَاءَ﴾: فِعْلُ الشرْطِ، وجملة ﴿لَيَقُولُنَّ﴾: جوابُ القسَم، فاجتَمعَ قسَمٌ وشرْطٌ، وابنُ مالكٍ ﵀ يقول:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ... جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلتَزَمْ (١)
فهنا الذي أُخِّر الشرطُ، فحُذف جوابُه لدلالةِ جوابِ القَسمِ عليه.
قَالَ المُفَسِّر: [﴿وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ﴾ لِلْمُؤمِنِينَ ﴿مِّن رَبِّكَ﴾ فَغَنِمُوا ﴿لَيَقُولُنَّ﴾]: هؤلاءِ جماعَة، فعادَ الضَّميرُ على ﴿مَن﴾ مَجموعًا في قولِهِ تعالى: ﴿مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ باعتِبَارِ المعْنى، وعادَ الضَّميرُ مُفْردًا في قوله : ﴿مَن يَقُولُ﴾ ولم يَقُل: [مَن يَقولونَ] باعتبارِ اللَّفْظِ.
وأنه إذا جاءَ الاسمُ الموصولُ أو اسمُ الشَّرطِ العام للواحدِ والجماعةِ، فإنه يجوزُ في ضَميرِهِ أن يكونَ مجمْوعًا وأن يكون مُفْردًا، يعني: أن يُرَاعَى فِيهِ اللفظُ أو المعْنَى، فإن رُوعِيَ اللفظ صارَ مُفردًا، وإن رُوعِي المعْنى صارَ بحسبِ ما يُرادُ به في المعنى، وسَواءٌ كان ذلك في أسماءِ الشَّرطِ أو في الأسماءِ الموصُولَةِ.
مثالُه في الاسمِ الموصُولِ: هذه الآية.
ومثالُهُ في أسماءِ الشَّرطِ: قولُهُ تعالى في سورةِ الطَّلاقِ: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ
стр. 41
صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ هنا رَاعَى اللَّفْظَ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ هنا راعَى المعْنَى، ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١]، هنا رَاعَى اللفظَ، ففي هذه الآيةِ مراعاةُ اللَّفظِ، ثم مُراعاةُ المعْنى، ثم مُراعاةُ اللَّفْظ مرَّة ثانِيةً.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿لَيَقُولُنَّ﴾ حُذِفَتْ مِنْهُ نُونُ الرَّفْعِ لتَوالِي النُّوناتِ، والوُاوُ ضَميرُ الجمعِ لالْتقاءِ السَّاكِنينِ]: وبَقِيَت الضَّمة في قولِه: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ دَالَّة على الواو المحْذُوفةِ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ فِي الإيمانِ فأَشْرِكُونا فِي الغَنِيمَةِ]: هؤلاءُ إذَا أُوذُوا في اللَّهِ ارتَدُّوا على أدْبارِهم ووافَقُوا مَن آذاهُمْ، ولكنهم إذا أصابَ المؤْمنينَ نَصرٌ قالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ يعني: فنُريدُ أن يحصُل لنا ما حصَل لكُم مِنَ الغَنِيمة، قال اللَّه تعالى رَدًّا عليهم: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ الجوابُ: بَلَى.
قَالَ المُفَسِّر: [﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ﴾ أَي: بعَالمٍ]: وسبقَ أن قولَهُ لا يُعتبرُ تَفسيرًا ولكنَّه تحريفٌ؛ لأن (أعلَمَ) أبلغُ مِنْ (عالم)، فكيف يُرَدُّهَا إلى عالمٍ وهو أنقَصُ.
قوله: ﴿بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ المرادُ بما في صُدُورهم: أي قُلوبِهِم، يعني: أعلمَ بقُلوبِ النَّاسِ؛ لأن القلْبَ محلُّه الصدْرُ، والقلبُ مَحِلُّ الإرادَةِ، وفي هذا دليلٌ على أن مَحِلَّ التَّصديقِ والتَّدْبيرِ هو القلبُ.
وقولُهُ ﵀: [بَلَى]: أي: الجوابُ: بَلَى، وعلى هذا فنَقُولُ لهذا الذي قال: إني معكم؛ نقولُ لمست معهم في الحقيقةِ، وذلك لأَنَّك كافِرٌ باللَّه حينما ارْتَدَدَتَ عندما أُوذِيتَ.
стр. 42
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: أنَّ الإيمانَ باللِّسانِ فقط لا ينْفَعُ.
الفَائِدةُ الثَّانِية: حِكمةُ اللَّه تعالى في ابتِلاءِ المرءِ بإيذاءِ الناسِ له في إيمانِهِ.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: أن الابتلاءَ هو المحَكُّ الذي يتبَيَّنَ به الصادِقُ من غيرِهِ، وإلا لكانَ كُلُّ الناسِ يقول: أنا مؤمنٌ.
الفَائِدةُ الرَّابِعةُ: أن من لم يَرْسُخِ الإيمان في قلْبه رجعَ عنه إذا أُوذِيَ فيه.
الفَائِدةُ الخامِسُة: أن المنافِقِينَ يدَّعونَ مشاركَةَ المؤمنينَ عندَ الرَّخاءِ عُمومًا والغَلَبةِ من بابِ أَوْلى، ويُفارِقُونهُمْ في الشدائدِ.
الفَائِدةُ السَّادسَةُ: أن النَّصر مِن عندِ اللَّهِ.
الفَائِدةُ السَّابِعةُ: التحذيرُ مِن النفاقِ، لقولِه: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾.
* * *
стр. 43
الآية (١١)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت: ١١].
* * *
قولُه: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ أي: في المستَقبلِ، لأن المضارعَ إذا دَخلَت عليه نونُ التوكيدِ جعلتْه للمستقْبَلِ، والجملَةُ مؤكَّدَةٌ بثلاثةِ مؤكَدَاتٍ، وهي: القَسَمُ، واللامُ، ونُونُ التوكيد، والمرادُ بالعِلْمِ: الذي أكدَّهُ اللَّه هنا وجعله مستقبلًا: عِلمُ المشاهدةِ والمجازَاةِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى عالمٌ بالمنافِق وبالمؤمِنِ من قَبلِ ذلكَ.
لكنَّ أوَّلًا: إن عِلمَهُ السابقُ علم بأن هذا سيقَعُ، وعِلمُه اللاحقُ عِلم بأنه واقعٌ، هذا الأول.
ثانيًا: عِلْمُه السابقُ لا يترتبُ عليه مجازَاةٌ، إذ لا مجازَاةَ إِلَّا بعدَ الاختبارِ، وعِلمُه اللاحق يتَرتَّبُ عليه مجازاةٌ.
إذنْ: كلما رَأَينا اللَّهَ تعالى عبَّر في القرآنِ عن عِلْمِه بالمستقبل، فإننا نَحْملُه على عِلمِ المشاهَدَةِ والمجازَاةِ، وليس على العِلمِ السابِقِ في الأزلِ؛ لأن العِلمَ السابقَ في الأزَلِ ثابت قبلَ أن يُخلَقَ الناسُ، فَضْلًا عن كونِه قبلَ أن يَعمَلُوا، ولكنَّ العلمَ الذي يترتبُ عليه المجازاةُ والمشاهدةُ ما كان بعدَ ذلك ووَقَع، وقد تقدم ذلك.
قَالَ المُفَسِّر: [﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِقُلوبِهِمْ]: يعني: لا بألْسِنَتِهِمْ،
стр. 44
وأما الإيمانُ الذي تقدَّمَ ذِكرُه في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ هذا إيمانٌ باللِّسانِ لا ينْفَعُهُم عندَ اللَّه، صحيحٌ أنه ينْفَعُ في الدنيا، ولهذا لم يَقْتُلِ النبيُّ ﷺ المنافِقينَ مع عِلمِه بهم، لكنه امتَنَعَ عن ذلك لأن ظاهِرُهم الإسلامَ، ولو أنه قتَلَهم لكان في ذلك وسيلِةٌ إلى أن يُقْتَلَ المسلم بحُجَّةِ أنه منَافِقٌ، مع أن ما في قَلبِهِ لا يعْلمُهُ إِلَّا اللَّه، ولهذا قال الرسولُ ﷺ : "لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَن مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ" (١).
والحمدُ للَّه أن هذا هو الشَّرْعُ؛ لأنه لو كانَ الأمرُ خلافَ ذلك لاستطاعَ أيُّ ظالمٍ إذا رأى شخصًا مُتَدَيِّنًا أن يقول: إنه منافِقٌ ومُراءٍ وكافرٌ في الباطنِ، ثم يقْتُله، ولكن من نِعمَةِ اللَّهِ أن الشَّرع جعلَ الحُكم في هذه الدُّنيا على الظواهِرِ، أما في الآخرة فعَلَى السَّرائرِ.
قَالَ المُفَسِّر: [﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ فَيُجَازِي الفَريقَينِ]: المؤمنُ يجَازِيهِ جزاءَ المؤمِنِ، والمنافقُ يُجازِيه جزاءَ المنافِق، وجزاءُ المنافِق أنه في الدَّرْكِ الأسفلِ مِنَ النار، والعياذُ باللَّهِ، قال : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥].
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [وَ (اللامُ) فِي الفِعْلينِ لامُ قَسمٍ]: والفِعلانِ هُمَا (ليَعْلَمَنَّ) الأول، والثاني، في قولِهِ تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾، فالجُملة مُؤكَّدَةٌ بثلاثَةِ مؤكِّدَاتٍ.
стр. 45
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: أن الحكمةَ مِنَ الامتحانِ إظهارُ المؤمنِ مِنَ المنَافق.
الفَائِدةُ الثَّانِيةُ: إثباتُ النِّفَاقِ، لقولِهِ: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: أن المنافِقِينَ ليسوا بمُؤْمِنِينَ؛ لأنه خلافُهُ.
الفَائِدةُ الرَّابِعةُ: إثباتُ عِلمِ اللَّه بما في القُلوبِ.
الفَائِدةُ الخامِسةُ: أن الإيمانَ مَحِلُّهُ القلبُ وليس الجوارحَ، إذ لو كان مَحِلُّهُ الجوارحُ لكان المنافقونَ مُؤمنينَ.
* * *
стр. 46
الآية (١٢، ١٣)
* * *
* قال اللَّه : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٢ - ١٣].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾ دَينَنَا]: يعني: طَريقَنَا، فالسَّبيلِ بمعنى الطَّريقِ، وهذه دعوةٌ إلى الباطلِ، يقولُ الكُفَّارُ للمؤمنين الذين آمنوا بالرَّسُولِ ﷺ : ﴿اتِّبِعُوْا سَبِيلَنَا﴾ أي: طَريقَنَا، وهو الشِّرْكُ.
قوله: ﴿وَلنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ (اللامُ) لامُ الأمْرِ، والمرادُ به الخبرُ، يعني: ونحن نَحْمِلُ خطَاياكُمْ، وإنما جَعُلوا الخبرَ بصِيغةِ الأمرِ لإظْهارِ التزامِ الكافِرينَ للمؤمنينَ بذلك، يعني: بَدَل أن يقولوا: (ونَحْنُ نحْمِلُ)، كأنهم يقولون: ونحنُ نُلزمُ أنفسنا بذلك، فنوجِّهُ الأمرَ إليها.
وقوله: ﴿وَلنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ الخَطَايا: جمعُ خَطِيئةٍ، وهي ارْتكابُ الإثمِ، يعني: أن ارْتكَابِكم الإثمَ نحن نَتَحَمَّلُهُ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ في اتِّبَاعِنَا إن كانَتْ، والأَمْرُ بمَعْنَى الجبرِ]: [إن كانت]، إنما قدَّرَهَا المُفَسِّر ﵀: لأن هؤلاءِ المشْرِكينَ الذين دَعَوْا إلى متَابَعَتهم لا يعتَقِدونَ أنهم على خَطَأ، فهم يقولونَ للمؤمنين: اتَّبِّعُوا سَبِيلنَا، وإن كان
стр. 47
لكُمُ خطايا بهذا الاتِّبَاع فإننا نتَحَمَّلها، فالتَّقدِيرُ الذي ذكَرَهُ المُفَسِّر واضحٌ مِنَ الآية؛ لأنهم لو كانوا يَعتَقِدُونَ أنهم إذا دخَلُوا في الشِّرك كانوا مُخطِئينَ لمَّا دَعَوا إلى الشِّركِ، فتَضَمَّن هذا الكلامُ دَعوةً ودِعايةً، الدعوةُ في قُلوبِهِمْ: ﴿اتَّبِعُوْا سَبِيلَنَا﴾ والدِّعايَةُ: بتَزْيِينَ هذا الأمرِ لهم في قَولهِمْ: ﴿وَلنَحْمِلْ خَطَايَكُم﴾ يَعْنِي: لا شَيءَ عليكُمْ.
قال اللَّهُ تعالى مُكَذِّبًا لما ادَّعُوهُ: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (ما) نافية، وهي هنا حِجازِيَّةٌ، ودخلتِ الباءُ في خَبَرهَا على حَدِّ قولِ ابنِ مالك ﵀ في ألفيته (١):
وَبَعْدَ (مَا) وَ (ليسَ) جَرَّ البَا الخَبَرْ ... . . . . . . . . . .
فهُنَا بعدَ (ما) أَتَى بـ (الباءِ) الزائدةِ إعْرابًا لتأكِيدِ النَّفْي، أي: أن هَذَا الأمرَ مؤكَّدٌ.
قولُه: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ (من): حرفُ جَرٍّ زائدٍ، وفائدةُ الزِّيادة تأكيدُ العُموم، سواء كانَ هذا الشَّيءُ قَليلًا أو كثيرًا، أما قوله: ﴿مِنْ خَطَايَاهُمْ﴾ الجارُّ والمجْرُورُ في موضعِ نَصْبٍ على الحالِ مِنْ ﴿شَيْءٍ﴾؛ لأن الوَصْفَ إذا سبَقَ النَّكِرَةَ صارَ حالًا منها، وإن تأخَّرَ صارَ نَعتًا.
وقولُه: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: ما هُمْ حامِلُون شيئًا مِنْ خطاياهُمْ. وهل هذا خبر عن حكمٍ شَرْعِيٍّ، أو عن حُكمٍ شَرْعِيٍّ قَدَرِيٍّ؟
أما كونه حُكمًا شَرْعِيًّا فلا يمكنُ أن يحْمِلَ هؤلاء مِن خطَايا هؤلاءِ شيئًا، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].
стр. 48
وأما كونُهُ خَبرًا عن حُكيم قَدَرِيٍّ فلا يمكن أيضًا؛ لأن هؤلاءَ لو قالوا لهم: نَحمِلُ خطَاياكُمْ فإنهم كاذِبونَ في ذلك، لقوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦]، فكانَّ اللَّه تعالى يُكَذِّبهم في ذلك، ويقول: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ﴾، أي: أنَّهمُ لا يَصْدقُون فيما قالُوا.
فصارتِ الآيةُ متَضَمِّنَةً للنَّفْي حُكمًا شَرْعيًّا وللنَّفْي حُكمًا واقِعيًّا، فهم في الشَّرْعِ لا يحملونَ أوْزَارَهُمْ، وهم في الواقعِ لا يحْمِلُونَ أوزَارِهم أيضًا، ولو قالوا ما صَدَقُوا ولكن يريدون أن يخْدَعُوهم ويُغْروهُمْ.
ولهذا قال: ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أي: كاذِبُونَ في قولهم: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾، ولو قالوا ما صَدَقُوا، كما أنه بالنِّسْبَة إلى اللَّهِ لا يُمكِنُ أن يحمِّل أوزارَ هؤلاءِ لهؤلاءِ، قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].
ولما كانَ قولُه : ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ قد يُوهِمُ أنهم لن يَحْملُوا شيئًا مِنْ أوْزارِهِمْ، أي: لن يحْمِل الدعاةُ شيئًا من أوْزَارِ المدْعُوِّين، قال: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾.
قوله : ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ﴾: الفاعلُ هم الدُّعاةُ، وهذه الجملةُ مؤَكَّدَةٌ بالقَسَمِ واللامِ والنُّونِ.
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿أَثْقَالَهُمْ﴾ أَوْزارَهُم]: يعْنِي: عُقُوبَةَ الذُّنوبِ، وسُمِّيَتِ الأَوْزارُ أثْقَالًا، لأنها والعياذُ باللَّهِ تُثْقِلُ صاحبَها، والضمير في: ﴿أَثْقَالَهُمْ﴾ يعودُ على الدَّاعِين، يعني لَيحْمِلُنَّ هؤلاء الدعاةُ أثقالَ أنفسهمْ، ﴿أَثْقَالَهُمْ﴾، أي: أثْقَالًا أخْرى مَع أثقالِهمْ، وهي أثقالُ دَعْوتهِمْ، قال اللَّه تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]،
стр. 49
فهم يحْمِلُونَ أثقَالهُمْ كاملةً، أما أثقالُ المدْعُوِّينَ فلا يحمِلُونها كامِلِةً، ولو حملوهَا كامِلة ما بَقِي للمَدْعُوِّينَ شيء، ولهذا قال : ﴿أَثْقَالَهُمْ﴾ بمَرِةٌ، وتَقَدَّمَ قولُهُ في الآيةِ الأُخْرَى: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ [النحل: ٢٥]، وذلك لأن الدَّاعِيَ لا يتَحَمَّلُ وِزْرَ المدعوِّ كامِلًا, ولو تحمَّله كاملًا ما بَقِي للمَدْعو شيءٌ، ولكن الوِزْرَ على الدَّاعِي والمدْعُو، والعياذُ باللَّهِ.
وقوله: ﴿وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ لدَعوتِهِمْ إلى الضَّلالِ، وكل مَنْ دَعَا إلى ضلالَةٍ فلَهُ مِثلُ وِزرِ مَن عَملَ بها من غيرِ أن يَنْقُصَ من أوْزارِهِمْ شيء.
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ بقولِهم للمُؤمِنينَ: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾ وَإِضْلالِهمْ مُقَلِّديهِمْ]: والمقلِّدونَ هم الذين اتَّبَعُوهُمْ؛ لأن الكفَّارَ مجتهِدُونَ ومُقَلِّدونَ، أي: رؤساءُ ومُقَلِّدونَ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: ٤١]، والإمامُ له مأمومٌ يَتْبَعُهُ، فالكُفارُ منهم رؤساءُ ومُقَلِّدُونَ، فهؤلاء المقلِّدونَ يحمِلُ الرؤساء مِن أوْزارِهِمْ ما يتَحَمَّلُونَ، وكذلك من أوْزارِ الَّذينَ يَدْعونهُمْ بغيرِ عِلمٍ، لكن إذا دَعْوا شخصًا ولم يَقْتدِ بهم فإنهم يحمِلُونَ أوزارِ الدَّعوةِ فقط دون وِزْرِ العملِ، والسببُ هو عدمُ وجودِ العملِ.
قوله: ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ يسألهُمُ اللَّه يومَ القيامَةِ، وقد سُمِّي بذلك لأمورِ الأشْهادِ، فإن الأشهادَ يقومونَ في ذلكَ اليوم، والأشْهادُ هُمُ الرُّسُلُ ﷺ ، وكذلك غَيْرُ الرُّسُلِ مِنَ العلماءِ، وكذلك الجلودُ والألْسُنُ.
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿يَفْتَرُونَ﴾ يَكْذِبونَ علَى اللَّهِ]: لأنهم قالوا: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾، فهم كاذِبُونَ في هذا، وسيُسْألَونَ عن هذا الكذبِ، وكذلك كلُّ دَجَّالٍ يَدْعو إلى باطِلَه بالكذبِ، سيُسْألُ عَنْ هذا الكذبِ.
стр. 50
قَال المُفَسِّر ﵀: [سُؤالُ تَوبِيخٍ]: نعم هو سُؤالُ توبِيخٍ لأجل أن يُقِرُّوا، كما في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِير﴾ [الملك: ٨]، والجوابُ: ﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٩ - ١١].
قَال المُفَسِّر ﵀: [و (اللامُ) في الفِعْلين لامُ قَسَمٍ، وحُذِفَ فَاعِلُهُما الواوُ ونونُ الرَّفْعِ]: (اللام) الأُولَى في قولِه : ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾ والثانية في قولِهِ : ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ﴾ فـ (اللام) لامُ قَسَمٍ، والقَسَمُ مُقَدَّرٌ، والنونُ للتَّوكِيدِ، فصارَ التَّوكيدِ بثلاثَةِ مؤكِّدَاتٍ.
[وحُذِفُ فاعِلُهُما الواوُ، ونونُ الرَّفْعِ]: أما حذفُ نونِ الرفْعِ فيقولون: لتَوالِي الأمْثَالِ؛ لأن هناكَ ثلاثة نُوناتٍ اجتَمَعْنَ وكُلُّهُنَّ زائدَاتٌ، فحُذِفتِ النُّونُ الأُولى لتَوالِي الأمثالِ، ولم تُحْذَف نونُ التوكيدِ لأنه جَيءَ بها لمعْنًى، فكان الحذفُ لنونِ الرَّفْعِ التي جرتِ العادَةُ أن تُحذَفَ، ومعلومٌ أن الأفعالَ الخمسةَ تُحذفُ نُونها وجوبًا في حالِ النَّصْبِ والجزْمِ، وجوازًا بكثرةٍ في حالِ النَّفْي، وجوازًا بقِلَّةٍ في حالِ الإثباتِ، وحُذِفتِ الواوُ لالتقاءِ السَّاكنين، على حَدِّ قولِ ابن مالك في الكافِيَةِ:
إنْ ساكنانِ التقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ... وَإِنْ يكُنْ لَيْنًا فحذْفُهُ اسْتَحَقْ
فقول ابن مالك ﵀: [إنْ ساكنانِ التقَيَا اكسِرْ مَا سَبَقْ] مثاله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١]، كُسِرَتِ النُّونُ.
وقوله: "وإن يكنْ لَيِّنًا فَحَذْفُهُ اسْتَحَقَّ"، أي حروف اللِّينِ: الألف أو الواو أو الياء.
стр. 51
من فوائد الآيتين الكريمتين:
الفَائِدةُ الأُولَى: حرصُ الكافِرينَ على إِغواءِ المؤمنين لقولهم: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾.
الفَائِدةُ الثَّانِيةُ: أن أولئكَ الضَّالينَ يستَعْملونَ أساليبَ الدِّعَايةِ الباطِلَةِ كقولهِمْ: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾، فإن هذا مِنَ الدِّعايةِ الباطِلَةِ.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: أن هؤلاءِ الدُّعاةِ إلى الضَّلالِ كاذِبونَ فيما التَزمُوا به من حَملِ الخَطَايا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
الفَائِدةُ الرَّابِعَةُ: أن من كَفَرَ هانَ عليه ما دُونَ الكُفْرِ، فهؤلاء كَفروا فهانَ عليهم الكَذِبُ لقولهِ: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾.
الفَائِدةُ الخامِسةُ: الحذَرُ مِن دَعوةِ أهلِ الضَّلالِ ودِعَايتِهِمْ، وأقصدُ بالدِّعَايَةِ تَزْيينُ ما دَعَوا إليه وتَسْهِيلَهُ في نُفوسِ المدْعُوِّينَ، فيجِبُ علينا أن نَحْذَرَ من هؤلاءِ.
الفَائِدةُ السَّادسَة: تَقريرُ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، لقولِهِ: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾.
الفَائِدةُ السَّابِعةُ: إثباتُ عِلمِ اللَّهِ لقولِهِ: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ لأنه خَبَرٌ عن الذي سيقَعُ في المستقبلِ.
الفَائِدةُ الثَّامِنةُ: إثباتُ عَدلِ اللَّه حيثُ لا يحمَّلُ أحدٌ خَطِيئةَ أحَدٍ.
الفَائِدةُ التَّاسِعةُ: أن الدُّعاةَ إلى الشَّرِّ عليهم من أوزارِ المدْعُوِّين؛ لقولِهِ : ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾.
الفَائِدةُ الْعاشِرَةُ: أن الدُّعاةَ إلى الخيرِ لهم مِثلُ أجرِ المدْعُوِّينَ؛ لأنه إذا كان الدَّاعِي
стр. 52
إلى الشرِّ ينالُه من العُقوبَةِ وهذا من العَدلِ، فإن الدَّاعِيَ إلى الخيرِ ينالُهُ من الأجْرِ؛ لأن اللَّه ذُو فَضلٍ عَظِيمٍ، فإذا كان اللَّهُ يُعاقِبُ مَن دَعَا إلى الضَّلالَةِ فكيف لا يُثيبُ من دَعَا إلى الهُدَى.
الفَائِدةُ الحَادِيةَ عشْرَةَ: خطورةُ الدَّعوةِ إلى الضَّلالِ، حيث إنَّ كلَّ من تأثَّر بهذه الدَّعوة فإن عَلَى الدَّاعِي مثلَ وِزْرهِ، أو مِنْ وِزْرِه، كما قال اللَّه : ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥].
الفَائِدةُ الثانِية عشْرة: إثباتُ يومِ القيامَةِ، لقولِهِ: ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ﴾.
الفَائِدةُ الثالثةَ عَشَرَةَ: إثباتُ سؤالِ هؤلاءِ عَنْ أعمالهِمِ السَّيئةِ، لقوله: ﴿عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ وقد جَمَعْنَا في موضعٍ آخر قوله : ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨]، وبينَ قولِهِ تعالى في هَذِهِ الآية: ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٣].
الفَائِدةُ الرابعةَ عَشَرَةَ: أن الكَذِبَ يُعاقَب عليه المرءُ، لقوله: ﴿عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ يعني: الَّذي كانُوا يَفْتَرُونه، أما الكذِبُ المباحُ فلا عُقوبة فيهِ، لكن الكذبَ غيرُ المباحِ عليه عُقوبَةٌ، وهناك من يقولُ مِنَ الناس: إن الكَذبَ نوعانِ: أبيض وأسود، فالأسودُ هو ما كان عليه العُقوبَةُ، والأبيض لا عقوبة فيه، والحقيقةُ أن الكَذِبَ كُلُّه أسودُ، وقد يقولون: الأسودُ ما فِيهِ أكْلُ مالٍ للغَيْرِ أو اعتداءٌ عليه أو انتهاكٌ لعِرْضِهِ، يعني ما فيه مَضَّرة على الغَيرِ فهو كَذِب أسود، وأما ما فيه التَّرْويحُ عن النَّفْسِ والإصلاح وما أشبه ذلك فهذا أبيض، وهذا ليسَ بصَحيحٍ، بل وَرَدَ الوعيدُ على مَن كذِبَ ليُضْحِكَ به القومُ كما في قولِهِ ﷺ : "وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ
стр. 53
فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ، وَيْلٌ لَهُ" (١)، فالإنسانُ يجِبُ عليه أن يتَجَنَّبَ الكَذِبَ كُلَّهُ، والأصل أن الكَذِبَ حرامٌ.
لو قال قائل: هل على الدَّاعِينَ إلى الضَّلالِ وِزْرٌ من كل الأعمالِ السيِّئَةِ للمَدْعُوِّين؟
فالجواب: على الدَّاعِينَ وِزْرُ ما تأثَّرُوا به من دَعْوتِهِمْ، وكذلك كلُّ شيء يتَّبعُ ما دَعَوا إليه فعَليهم وِزْرُهُ، أما الأعمالُ السيِّئةُ الأُخْرى وما لا دَخْلَ له بالدَّعوةِ، فليس عليهم مِنْ وِزْرِهِ شيء.
* * *
стр. 54
الآية (١٤)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٤].
* * *
قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ (اللام) مُوَطِّئة للقَسَمِ و (قد) للتَّحْقيق، فالجملة مؤكَّدَةٌ بثلاثَةِ مُؤكِّدَاتٍ، وإنما أَكَّد اللَّه ذلك وإن كان الخطابُ لغير مُنْكِر؛ لأنه كما تقدَّمَ أن الأمورَ الهامَّة تؤكَّد وإن لم يُخاطَب بها من يُنكِرُ أو يتردد.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ أي: بَعَثْناهُ برسالَةٍ، وكان هذا بعدَ مُدَّةٍ طويلة من آدَم، إذ كان الناسُ بعد آدمَ على ملَّة واحدةٍ بدُونِ رسالَةٍ؛ لأن آدَمَ نَبِيٌّ وليس برَسولٍ، إذ إنه ليس هناك أحدٌ يُرسَلُ إليه، وإنما أُوحِيَ إليه بشرعٍ، وجعل يتعَبَّدُ به واتَّبعَه بَنُوه على ذلك، ولكن لما كثُر بنُو آدم اختلفتْ آراؤهُم وأهْواؤهُم فاحتاجُوا إلى الرِّسالةِ، قال اللَّه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، فبيَّن أن الرُّسُلَ أُرْسِلوا بعد أن اختلَف الناسُ، ولهذا هناك قراءة: "كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِيِّنَ" (١)، وهذه القِراءةُ دلَّ عليها آخرُ الآية: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ
стр. 55
فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، فأرسلَ اللَّهُ نُوحًا وهو أوَّلُ رسولِ أُرسِل إلى البَشرية.
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ وعُمرُهُ أربعونَ سَنَةً أو أكْثَرَ]: نحن لا نَعلَمُ بالتَّحديدِ كم عُمرُهُ، لكننا نَعلمُ عِلمَ اليَّقينِ أنَّ اللَّه أرْسلَهُ وعمره قابلٌ لأن يكون أهْلًا للرِّسالة سواءٌ كان أرْبعينَ سَنةً أو أكثرَ، ولا أظنُّه يكونُ أقَلَّ، وقوله: ﴿إِلَى قَوْمِهِ﴾ فيه شاهد للحَديثِ الصحيحِ: "كانَ النَّبِيُّ يُبعَثُ إِلَى قَوْمهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً" (١).
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ يَدعْوُهم إلى توحيدِ اللَّهِ فكذَّبُوه].
﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ﴾ أي: في دَعوتِهم إلى دِينِ اللَّهِ، ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾: تِسْعَمئةٍ وخمسينَ سنَة يدْعوهُم إلى عبادة اللَّهِ، عُمرٌ طَويلٌ وهو معهم في صِراعٍ، وفي سورةِ نُوحٍ يقولُ اللَّه : ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ لئَلَّا يسْمعُوا ما أقولُ: ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ تَغَطَّوا بِها لئَلَّا يَرَوْنِي -أعوذ باللَّه- يعني أنهم يَسدُّونَ كلَّ منافِذَ الوعي: السمعَ والبصرَ، ﴿وَأَصَرُّوا﴾ على ما هم عليه مِنَ الباطِلِ ومنَ المعاصِي، ﴿وَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن الواجباتِ، ﴿اسْتِكْبَارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح: ٢ - ٩].
стр. 56
فانظرُ مراحِلَ الدَّعوةِ العَظيمَةِ ومع ذلك ما استَفَادُوا شيئًا، فما آمَنَ معه إلا قليلٌ، فالمدَّةُ طويلَةٌ والدَّعوةُ متَنَوِّعَةٌ والمضادَّةُ والمحادَّة لنُوحٍ شديدةٌ وعظيمةٌ، يمرُّونَ به وهو يصنَعُ السفينة ويَسخَرونَ منه، لكنه مؤمِنٌ باللَّه ويقولُ: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود: ٣٨ - ٣٩].
هذه المدَّة الطويلةُ يقولُ اللَّه تعالى في سُورَةِ هُودٍ: ﴿وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠]، حتى إن أحدَ أولادِهِ ما آمَنَ، وهذا يوجِبُ لنا أن نَصْبِرَ ونحْتَسبَ، والإنسانُ مِنَّا إذا دَعا الناس لمدة ساعَةٍ ولم يَسْتَجِبْ أحدٌ غضِبَ وتركَ الدَّعوةَ وقال: لا توجدُ فائدةٌ، ونوحٌ لَبِثَ ألفَ سنة إلا خمسين عامًا ومع ذلك ما آمنَ مَعه إلا قليلٌ.
يقول اللَّهُ : ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾ القَصصُ تكون أحيانًا مختَصَرةً يُذكرُ فيها السببُ والأثرُ بدونِ تفْصيلٍ، إرسالٌ ومكثٌ طويلٌ وبعدَ ذلك أخذٌ، لكِنْ أخذٌ بسببٍ، وهو قولُه: ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾.
قال تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾ (أخذهم) أبْلغُ من قوله: (فأغْرقهم)، والأخذُ يكون في مقابَلَةٍ عَملٍ فهُو جَزاءٌ.
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿الطُّوفَانُ﴾ أيْ: الماءُ الكَثيرُ، طافَ بهم وعَلاهُم فغَرِقُوا]: طافَ بهم من كلِّ جانبٍ -والعياذُ باللَّه-، وقد ذَكر اللَّهُ تعالى شأنَ هذا الأمرِ فقال : ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢)﴾ [القمر: ١١ - ١٢]، كلُّ أبوابِ السماء فُتِحتْ، وإذا فتِحَتْ أبوابُ السماءِ ستكونُ مِثْلَ القِربِ، ﴿بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾: يعنِي نازلًا بشِدَّةٍ وقُوَّةٍ، ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾: الأرضُ كلها تَفجَّرَتْ عُيونًا حتى قال اللَّه في آيَةٍ أُخرى: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠]،
стр. 57
وهو موضِعُ النارِ البَعيدِ عن الرُّطوبَةِ، (فار): بدأَ يَفورُ عُيونًا، يعني سيكونُ الماء بعدَ ساعاتٍ فوقَ قِمَمِ الجبالِ، وهكذا كان بإذنِ اللَّه، فالأرضُ كُلُّها تَبُثُّ عُيونًا، والسماءُ مُنهَمِرَةٌ بالمياهِ العَظِيمة, ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ﴾: ماءُ الأرضِ وماءُ السماءِ ﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ وقد وردَ في الحديثِ أنه: "لَو رَحِمَ اللَّهُ أَحَدًا مِنْ قَوْمِ نُوحٍ لَرَحِمَ أمّ الصَّبِيِّ" (١)، وهي امرأة كانَ معها صَبِيٌّ كما وصَلَهَا الماءُ صَعِدت إلى الجبلِ، وكلما وصَلَها صَعِدت، حتى وصلتْ إلى قِمَّةِ الجبل فلما ألجَمهَا الماء حَملتْ ولَدَها فوقها لأجلِ أن تَغرق قبلَ ابنِهَا, ولكن -والعياذ باللَّه- رحمةُ اللَّه تعالى لا تُدركُ الكافِرينَ بعد أن يَرَوا العذابَ، قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥].
قوله: ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ جملةٌ في موضِعِ نَصبٍ على الحالِ مِنَ الهاءِ في قوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ﴾، يعني: والحالُ أنهم ظالمونَ، أي: مُقِيمون على الظُّلمِ لم يُؤمنُوا؛ لأنه ما آمن مع نُوحٍ إلا نَفَرٌ قليلٌ.
* * *
стр. 58
الآية (١٥)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٥].
* * *
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾ أي: نُوحًا]: أي: أنْجَى اللَّهُ نُوحًا ﵇ من هذا الطُّوفانِ العَظيمِ.
قوله : ﴿وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾، ﴿وَأَصْحَابَ﴾ معطوفَةٌ على الهاءِ في قولِهِ: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾ يعني: وأنْجَيْنَا أيضًا أصحابَ السفينةِ، يعني: أهلَهَا الذين كانوا معه فيها وهم مُؤمنونَ، أي: أهلُ نوحٍ كُلُّهُم إلا ابنَه الكافرَ وامرأتَهُ، والمؤمنون من قومِهِ، وكذلك أيضًا الحيوانات من كلٍّ زَوجين اثْنين، فكلُّ الذي على وجْهِ الأرضِ من الحيواناتِ حُمِلَ في هذه السَّفِينَةِ؛ لأن اللَّه أغرقَ كلَّ شيءٍ على الأرض.
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ جَعلنَاهَا عِبرةً للعَالمينَ]: والهاءُ في قولِهِ: ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾ قد تعودُ إلى القِصةِ، وتحتمل أن تعود إلى السَّفينةِ، ويؤيد أنها للسَّفينةِ أنها أقربُ مَذْكورٍ، ويؤيِّدُ العمومَ أن العِبرة ليستْ بالسَّفينة فقط بل بالسفينةِ والقِصَّةِ، حيث إنه بَقِي هذه المدةَ الطويلةَ ولم يؤمِنْ معه إلا قليلٌ، وحصل هذا الغَرقُ العظيمُ الذي لا نَظيرَ له فيما نعلمُ، فَهي -أي: القصة- آيةٌ للعَالمِينَ.
стр. 59
وأما إذا قلنا: إن الهاءَ تعودُ إلى السَّفينةِ فذلك لأن اللَّه تعالى يقولُ: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤٢]، أي: خَلَقْنا لهم مِن مِثلِ الفُلكِ المشْحونِ الذي نُجِّيَ به نوح ﴿مَا يَرْكَبُونَ﴾، فصار أوَّلَ من صَنعَ السُّفنَ نوحٌ، ثم أخذهَا الناسُ منه.
وتأمَّلِ الحكمةَ في قوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣]، ولم يقل: حَملْناه على السَّفينةِ، تنْبيهًا على الموادِّ التي يُسمُّونها الموادَّ الخامَ في صُنعِ السفينة، وهي الألواحُ والدُّسُر، يعني: المسَاميرَ، فهي تُصنعُ من الألواحِ والمسَاميرِ حتى يَعرفَ الناسُ ذلك، وهذا هو الواقع، فإنَّ الناس عَرَفوهَا وتطورتِ الصنْعةُ إلى أن وصلتْ إلى ما وصلتْ إليه الآن.
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ بعضُ العُلماءِ يقول: ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾ أي: السفينةَ عينَهَا، وأن أجزاءً من هذه السَّفينَةِ بَقي موجُودًا إلى أن أدْركَهُ آخِرُ الأمم، وهم أَوَّلُ هذه الأمَّةِ على الجُودِيِّ الذي ثَبتَتْ عليه، وهذا فيه نَظَرٌ.
والقولُ الثاني: أن الهاءَ في قولِهِ: ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾ يعودُ على السفينةِ باعتبارِ الجِنسِ لا باعتبارِ الشَّخْصِ؛ لأن سفينةَ نُوحٍ ﵇ مرَّتْ عليها قُرونٌ عظيمة فتكَسَّرَتْ وأتْلَفتْها الرِّياحُ والشمسُ وذهبت، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا﴾ [الملك: ٥]، (جعلناها) أي: الشَّهُبَ التي تخرجُ من هذه المصَابِيحَ: ﴿رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥]، وكما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ [المؤمنون: ١٢]، أي: الإنسانَ باعتبارِ جِنْسِه، فالضَّميرُ يعودُ إلى الإنسانِ باعتبار الجنْسِ لا باعتبارِ الشَّخصِ؛ لأنَّ آدم ﵇ الذي خُلِق مِن سُلالةٍ من طِين ولم يكن في الأرحامِ نُطفةً في قرار مَكِينٍ.
فعلى هذا يكونُ قوله تعالى هنا: ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾ فيه قولانِ لأهْلِ العِلم:
стр. 60
* إما باعتِبارِ الشَّخصِ.
* وإما باعتبارِ الجِنْسِ.
قوله: ﴿آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، المرادُ بالعالمين هنا منْ بعدَهُم مِنَ الناسِ، كما قال المُفَسِّر: [لمَنْ بعْدَهم مِنَ الناسِ إن عَصَوا رُسُلهُمْ]، فكأنَّ المُفَسِّر ﵀ يقول: إن الضَّميرَ في قولِهِ: ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾ يعودُ على القصَّة كلِّها، وأنها عِبرةٌ للعالمين، يعني: أنهم إن عَصَوا رُسلَهُم فسيَحِلُّ بهم مِنَ العُقوبَةِ ما حَلَّ بقومِ نُوحٍ.
قَال المُفَسِّر ﵀: [وعَاشَ نُوحٌ بعدَ الطُّوفانِ سِتِّينَ سَنَة أو أكثرَ حتى كَثُرَ الناسُ]: أي: أن نُوحًا ﵇ عاشَ أربعينَ سَنة قبلَ البَعْثَةِ، وسِتِّينَ سنة بعدَ الطُّوفانِ هذه مئةُ سَنة، ودَعا النَّاس تِسْعَمئةٍ وخمسين سنة، فالمجموعُ ألفٌ وخمسون، لكن المُفَسِّر ﵀ لم يجْزِم لأنه قال: [عَاشَ سِتِّينَ سَنَة أو أكثرَ]. ونحن نقول: ليس لنا فائدةٌ في مَعرِفةِ كَم لَبِثَ قبلَ الرِّسالة، ولا في معرفةِ كَمْ لَبِثَ بعد الطوفانِ؛ لأن المهمَّ هي القصَّةُ، فهذا أولُّ الرُّسُلِ ﵊ ومع ذلك وَجَد مِنْ قومِهِ مِنَ المعارضاتِ والاستِكبارِ وَرَدِّ دَعوته ما لم يَجِدْهُ نَبِيٌّ مثله، ولا نَعلمُ أن نَبِيًّا بقي في قومِهِ ألفَ سنةٍ إلا خَمسينَ عامًا إلا نُوحًا.
وعندنا مَثَلٌ عامِّيٌّ مشهور يقول: (عَسى عُمرُك عُمْر شُعَيبٍ) فإذا مثل غيرُ صَحيحٍ؛ لأن الذي بلَغَنَا مِنْ كتابِ اللَّهِ أن أطولَ النَّاسِ عُمُرًا نوحٌ ﵇، ولو قالوا: (عَسى عُمُرك عمرَ نوحٍ) كان معقولًا, ولا ندري إن كان نوحٌ ﵇ أطولَ عُمرًا من آدم ﵇.
فائدة: في قِصَّةِ نُوحٍ ﵇ يقولُ اللَّه: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، وقال تعالى أيضًا: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]، فالذي يُكذِّبُ رَسولًا
стр. 61
مِنَ الرّسلِ مُكَذِّبٌ للجميعِ، فلا فَرقَ بينَ نُوحٍ وهودٍ وصالحٍ، فكُلَّهُم يجِبُ الإيمانُ بأنهم رُسلٌ، فمَنْ كذَّب واحدًا منهم قامَتِ البَيِّنَةُ على أنه رسولٌ فكأنما كذَّبَ جميعَ الرُّسلِ، مثلُ الذي آمن بِبَعْضِ الرِّسالاتِ وكَفَر ببعضٍ فقد كَفَر بالجميع، ومن يقول: إن الصلاةَ مفروضةٌ لكني لا أُؤمنُ بأن الزَّكاةَ فَرض، نقول: الآن كَذَّبتَ بالصلاةِ وبالزكاة؛ لأن إيمانَكَ بأن الصلاةَ مفروضةٌ دون الزكاةِ عن هَوًى لا عن هُدًى؛ لأنه لو كان عن هُدى لآمنتَ بالزَّكاةِ كما آمنتَ بالصلاةِ، فأنتَ إذن لستَ بمُؤمن لا بهذه ولا بِتلكَ.
* * *
стр. 62
الآية (١٦)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٦]
* * *
قوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾ مفعولٌ لفِعلٍ محذُوفٍ تَقديرُهُ (اذْكُرْ)، والفَائِدةُ من حذْفِ العامِلُ هو الاختصارُ وبيانُ الاهتمامِ بالمعمولِ، فهُنا حُذِفَت (اذكر) اختصارًا واهتمامًا بالمعمولِ وهو (إبراهيمُ) ليبْدَأ به أوَّلًا.
وإبراهيمُ ﵇ كلنا يَعْرفُ أنه ثاني أُولِي العَزمِ من الرسلِ الَّذين أولهُم محمَّدٌ ﷺ ، واختَلفُوا أيهما أفْضلُ -أعني نوحًا وعِيسى- والأَوْلى أن يُقالَ: لكلٍّ منهما مَزِيَّة، أما الثلاثةُ محمَّدٌ ثم إبراهيمُ ثم مُوسى، فإذا متَّفَقٌ عليه، أي: على التَّرتِيبِ.
وقد ابتَلاهُ اللَّه تعالى بأمَرْين:
أحدهما: في الدَّعوةِ إلى اللَّهِ.
والثاني: في أعزِّ محبوبٍ إليه.
أما في الدَّعوةِ إلى اللَّهِ فإن اللَّه ابتَلاهُ بأن سلَّط عليه قومَه ليَحْرقُوهَ، والنتيجةُ أن اللَّه أنْجاهُ مِنَ الموتِ، وقال للنَّارِ: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩].
أما الأمرُ الثَّانِي: فهو في أعزِّ الأشياءِ إليه، وهو ابنه حين بلَغَ السَّعْي، وهو وَحيدُهُ وأوَّلُ أولادِه، وهو إسماعيلُ على القولِ الصَّحِيحِ، ابتلاهُ اللَّهُ بأنْ أَمرَ بذَبْحِهِ، بل أمْرُهُ بأن يَذْبَحَه هو، فاستَسْلَمَ لهذا الأمرِ وامتَثَلَ، والقِصَّةُ معروفةٌ،
стр. 63
وأنْجاهُ اللَّه منه حينَ قالَ له: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٤ - ١٠٦]، إلى آخرِ الآياتِ، وسُمِّي خَلِيلًا واتَّخَذَهُ اللَّه خَلِيلًا بسببِ هذا الأمْرِ، حيثُ قدَّمَ محبَّةَ اللَّه تعالى على أحبِّ شيءٍ إليه، وبعضُ النَّاسِ الجهالِ -في الواقع- يَصفُونَ النَّبِيَّ ﷺ بأنه حبيبُ اللَّه وأن إبراهيمَ خليلُ اللَّه، وهذا خطأ، فإن مُحَمَّدًا ﷺ خليلُ اللَّهِ أيضًا، كما ثَبَتَ ذلك عَنْهُ (١)، والذي يقولُ: إن مُحَمَّدًا حبيبٌ وإبراهيمُ خليلٌ قد تَنَقَّصَ النَّبِيَّ ﷺ ؛ لأن دَرجَةَ المحبَّةِ أدْنَى مِنْ درجةِ الخُلَّةِ.
وقوله: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ (إذ): ظرف في موضعِ نَصْبٍ على الحالِ، أي: حالَ كونِهِ قائلًا لقومِهِ، والقومُ هُم الجماعَةِ الذين يَنتسِبُ إليهم الإنسان بنَسَبٍ أو هَدَفٍ، كل من ينْتَسِبُ إليه الإنسان بنَسبٍ أو هدفٍ فهم قومُهُ: وذلك بأن تكونَ دَعواهم واحدةٌ وطَرِيقهم واحدِةٌ، والمراد بقومه هنا: مَن ينْتَسِبُ إليهم بقرابَةٍ.
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾: خَافُوا عِقابَهُ]: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أصلُ العِبادَةِ مأخوذٌ مِنَ الذُّلِّ، ومنه قولهم: طريقٌ مُعَبَّدٌ، أي: مُذَلَّلٌ؛ لأن العبدَ يَذِلُّ لمَعبُودِهِ، فالعبادةُ إذن: التَّذَلُّل للَّه بفعلِ أوامِرِهِ واجتنابِ نَواهِيهِ، وقد حدَّها شيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيمية ﵀ بأنها: "اسمٌ جامعٌ لكُلَّ ما يحبُّهُ اللَّهُ ويرْضاهُ مِنَ الأقوالِ والأعْمالِ الظَّاهِرَةِ والباطِنَةِ" (٢)، وهذا حد لها في الواقع باعتبارِ مَيدَان العبادةِ، أما أصْلُهَا فإنها من الذُلِّ؛ لأن مقتضاهَا في اللُّغَةِ أن يتَذَلَّل الإنسانُ للَّه بطاعَتِهِ، فِعْلًا للأوامِرِ وتَركًا للنَّواهِي.
стр. 64
واعلم أن العبادةَ تنْقسمُ إلى قسمين:
أوَّلًا: الخضوعُ للأمرِ الكَونِيِّ؛ وهذه عامَّةٌ لكل أحَدٍ، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]، كُلُّ مَن في السَّمواتِ والأرضِ من مؤمنٍ وكافِرٍ وبارٍّ وفاجِرٍ، كلهم يأتُونَ اللَّه تعالى بهذا الوصفِ.
وهل من هذا قوله تعالى يخاطِبُ إبليس: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]؟
الجواب: إن قلنا الاستِئْنَاءُ متَّصَلٌ فهو منهم، أي: إبليس، وإن قُلنا: منْقَطِعٌ فليس منهم، أي: إن جعلنا الاستِثْنَاءَ متَّصِلًا فإن المرادَ العبوديةُ العامَّة، التي لا يُستَثْنَى منها أحدٌ، فكلُّ الخلْقِ خاضِعونَ لأمرِ اللَّهِ الكَونِيِّ، ولا أحدَ يقْدرُ أن يدفْعَ المرضَ أو الموتَ عن نفسه، ومنه قوله : ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]، وإن جعلناه منْقَطِعًا فالمرادُ هو النَّوعُ الثاني مِنَ العُبودِيَّةِ.
النوع الثاني: العُبودِيَّةُ الخاصَّةُ، وهي التَّذَلُّلُ لأمرِ اللَّه الشرعيِّ، ومنها قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. فهؤلاءِ تَذَلَّلُوا للأمرِ الشَّرْعِيِّ، وهنا في الآية الكريمةِ قال إبراهيمُ ﵇: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾، فهو يريدُ التَّعَبُّدَ للَّه بالعبادةِ الشَّرعيةِ.
قوله: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ عَطْفًا على قولِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾، والعَطفُ كما قِيلَ: يقْتَضِي المغَايَرةَ، ونحنُ ذكرنَا أن العِبادَةَ هي التَّذَلُّلُ للَّهِ بالطاعةِ.
و(التقوى): اتِّخَاذُ وقايَةِ مِنْ عذابِهِ بطاعتِهِ، وعلى هذين التَّفْسِيرينِ يكون عطفُ التَّقْوى على العبادةِ من بابِ عطفِ الشَّيءِ على نَفْسِهِ، والمعروفُ أن بلاغَةَ القرآنِ
стр. 65
تَأْبَى ذلك، أي: تَأبَى أن يَعْطِفَ الشيء علَى نفْسِهِ لأن ذلك من بابِ التَّكْرارِ.
فما هو الفرقُ الذي يكونُ به العَطف مُقْتَضِيًا للمغايَرَةِ؟
ونزيدُ الأمرَ وُضوحًا فنقول: إذا قلنا: إن التَّقْوَى اتِّخَاذُ وقاية مِنْ عذابِ اللَّه بطاعَتِهِ، والعبادَةُ التَّذَلُّلُ للَّه تعالى بطاعَتِهِ، صارَ معناهما واحدًا، والعطفُ يقْتَضِي المغايَرَةِ.
فكيف يمْكِنُ أن نُفَسِّرَ العبادةَ بمَعنى يُغَايِرُ معنى التَّقْوى؟
والجوابُ على هذا من أحدِ وَجْهينِ:
الوجه الأول: أن يُرادَ بالعبادَةِ في هذه الآية فِعلُ الأوامِرِ، وبالتَّقْوى تركُ النَّواهِي، يعني أن تَتَّقِيَ المعاصِيَ وأن تفعلَ الطاعَاتِ، هذا إذا كانت الكلمتان كُل واحدة منها تَشْمَلُ معنى الأُخْرَى عندَ الانفرادِ وتَغَايُرها عند الاجتماعِ؛ وهذا له أمثلِةٌ كثيرة، مثل: الفَقير والمسكِينِ، هما شيءٌ واحدٌ عند الانفرادِ، ويختلفانِ عندَ الاجتماعِ، البِرُّ والتَّقْوى كذلك، هما شيء واحدٌ عند الانفرادِ، وشيئان عندَ الاجتماعِ، فهنا نقول: العبادةُ والتَّقْوى شيءٌ واحد عند الانفِرَادِ، وعند الاجتماعِ تُفَسَّرُ العِبادةُ بفِعلِ الأوامِرِ، والتَّقْوى باجتِنَابِ النَّواهِي.
الوجه الثاني: أن يُرادَ بالعبادَةِ: مطلقُ الالتزامِ والتَّذَلُّلِ، والتَّقوى المرادُ بها: اتِّقاءُ العملِ المعَيَّنِ؛ لأنه ليس كلُّ من قام بمُطلقِ العِبادَةِ يقومُ بالتَّقوى، فكثيرٌ من المسلمين الآن يعبدون اللَّهَ، ولكنهم لا يتَّقُونَهُ في أشياءَ كثيرة.
عندنا الآن الصومُ، هل الصائمُ يتَّقِي اللَّه في كلِّ شيء بحيثُ يتْرُكُ الكذِبَ والغِيبةَ والشَتْمَ والمحرَّم وقولَ الزورِ والعملَ بِهِ؟
стр. 66
الجواب: ليس كُلُّ صائمٍ هكذا.
وعلى هذا فنقول: المرادُ بالعِبادَةِ: مُطلَقُ الالتزامِ والتَّذَلُّلِ، وبالتَّقْوى أن يتَّقِيَ الإنسانُ ربَّه في كُلِّ جِنسٍ من جِنسِ المعاصِي وأفرادِها، وهنا يقول المُفَسِّر ﵀: [خَافُوا عِقَابَهُ]، ولو أن المُفَسِّر فسَّرَ الآيةَ بما يُطَابقُ اللفظَ لكان أَوْلى، فلو قال: اتَّقَوا عقابَه لكانَ أَوْلَى.
قوله : ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ يعني: مما أنْتُم عليه مِن عبادَةِ الأصنامِ، و ﴿ذَلِكُمْ﴾ المشارُ إليه العبادةُ والتَّقْوى.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: فَضيلَةُ إبراهيمَ حيثُ أمَرَ قومَه بما ذُكِر.
الفَائِدةُ الثَّانِية: أنه ينبغي ذِكْرُ الدُّعاةِ إلى اللَّه بما يَرفَعُ من شَأنِهِمْ؛ لأننا قَدَّرْنا ﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾ مفعولٌ لفِعْلٍ محذوفٍ تقْدير: اذْكر إبراهيمَ.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: وجوبُ عِبادةِ اللَّه وتَقْواهُ، لقولِه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾، لأن الأصلَ في الأمْرِ الوجوبُ.
الفَائِدةُ الرَّابِعة: أن خيرَ ما يحصُلُ عليه العبدُ عبادةُ اللَّه وتَقْواه، لقولِه : ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
الفَائِدةُ الخامِسة: أنه لا يَعْقِل الخيريَّةَ في العبادَةِ والتَّقْوى إلا أهلُ العِلْمِ، وذلك لقولِه تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
* * *
стр. 67
الآية (١٧)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧].
* * *
الفَائِدةُ الأُولَى: أن كُلَّ ما يُعبدُ من دُون اللَّه فإنه وَثَنٌ لا ينْفَعُ ولا يأتِي بالرِّزْقِ.
الفَائِدةُ الثَّانِية: أن تَسمِيَةَ هذه الأوثانِ بالآلهَةَ كَذِبٌ، لقولِهِ : ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: أنه يَنْبَغِي لمن ذَكَرَ حُكمًا أن يَذْكُر عِلَّته، لقولِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾.
الفَائِدةُ الرَّابِعة: أنه ينْبغي الاستِدْلالُ بالمحْسُوسِ على المعقولِ، لقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾، فهذا دَلِيلٌ محسُوسٌ، ووجه الاستِدلالِ بالمحْسوسِ على المعْقولِ أن المحسُوسَ لا ينْكِرُهُ أحدٌ، لكنَّ المعْقُول قد لا يتَصَوَّرُهُ الإنسانُ فضلًا عَنْ كونِهِ يُقِرُّ به، فالاستدلالُ بالشَّيءِ المحسُوسِ على المعْقولِ، هذا مِن طُرقِ المناظَرةِ وإقامةِ الحُجَّةِ والإلْزَامِ.
الفَائِدةُ الخامِسة: أن الَّذي يجِبُ أن يُلجأ إليه هو اللَّه ، لقَولِهِ : ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾.
стр. 68
الفَائِدةُ السَّادسَة: أن العبادةَ والشُّكْرَ سببٌ لتَحصيلِ ووجودِ الرِّزقِ، وسببٌ أيضًا لبَقائِهِ، فقولُه: ﴿وَاعْبُدُوهُ﴾ هذا سببُ الرِّزق، وقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ هذا سَببُ البَقاءِ.
الفَائِدةُ السَّابِعة: وجوبُ شُكرِ النِّعمَةِ لقوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾، و (شَكَرَ) يأتي متَعدِّيًا ولازمًا، فاللازمُ مثلُ قولِهِ: شَكَرتُ له، والمتعدِّي مثل قوله: شَكَرْتُهُ، فهنا إذا قُلنا أنه متَعَدٍّ فيكونُ المفعول محذوفًا، والتقديرُ: اشْكُروا نِعمتَهُ مخلِصِينَ له.
الفَائِدةُ الثَّامِنة: إثباتُ البَعثِ، لقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، وهذا يكونُ يومَ القيامةِ بعدَ البَعثِ.
الفَائِدةُ التَّاسِعةُ: إثباتُ الجزاءِ على الأعمالِ لقولِه تعالى: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾؛ لأن الفَائِدةَ من هذا الإخبارُ بأنهم سيُبْعثونَ ويجَازَوْنَ ليس مجردَ بعْثٍ بدونِ جزاءٍ، بل لابُدَّ فيه من جَزاءِ.
* * *
стр. 69
الآية (١٨)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [العنكبوت: ١٨]
* * *
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: تَهديدُ المكذِّبينَ للرَّسولِ ﵊ لقَولِهِ: ﴿فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، وقد عَلِموا ما جَرَى لهم، فعَلى هذا يكونُ في ذلِكَ تَهديدٌ لهؤلاءِ المكذِّبِينَ للرسولِ ﵊.
الفَائِدةُ الثَّانِية: أن الرُّسُلَ يجبُ عليهم الإبلاغُ لقولِهِ: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾؛ لأن (على): تُفِيدُ الوجوبَ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، يعني: الواجِبَ، فـ (على): إذا قيل: على فُلانٍ كذا وكذا، فإنها تُفِيدُ الوجوبَ.
الفَائِدةُ الثَّالِثةُ: أن الرُّسلَ لا يجبُ عليهم هِدايَةُ الخَلْق، فليس عليهم إلا البلاغُ، أما الهدِايةُ فإلى اللَّه ، وكذلك الحسابُ على اللَّه ، قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠].
الفَائِدةُ الرَّابِعةُ: وجوبُ الإبلاغِ على أهلِ العِلمِ؛ لأن العلماءَ ورَثَةُ الأنبياءِ (١)،
стр. 70
فيَجِبُ عليهم الإبلاغُ كما يجِبُ على الرُّسُلِ.
الفَائِدةُ الخامِسة: أن القرآنَ متَضمِّنٌ لجميعِ الأحكامِ العَقَدِيَّةِ والعملِيَّةِ، وأنه أتى بذلك على أكملِ وَجْهٍ وأبْيَنِهِ، لقولِه: ﴿إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، فعليه البلاغُ لكُلِّ ما أُرْسِل به، والنَّبِيُّ ﵊ أُرْسِلَ بعقَائدَ صحيحةٍ سليمة وبأعمالٍ قويمَةٍ وبأقوالٍ مستَقِيمَةٍ، وعلى هذا نستَدِلُّ بهذه الآية على أن جميعَ الشَّريعة بيِّنة مُكَمَّلَةٌ واضِحةٌ، فنردُ بها على جميعِ أهلِ البِدَعِ؛ لأن أهلَ البِدَعِ يستَلْزِمُ قولهم ألا يكونَ النَّبِيُّ ﵊ بلَّغَ البلاغَ المبِينَ.
مثال ذلك: الذين يُنْكِرُونَ حقيقةَ استواءِ اللَّهِ على عَرْشِهِ، يقولون: إن معنى الاستواءِ الاستيلاءُ على العَرْش، هؤلاء تُكَذِّبُهم هذه الآية، إذ لو كان المرادُ بالاستِواءِ الاستيلاءُ لأتى هذا المعنى ولو في آيَةٍ واحِدَةٍ، وآيات الاستواءِ في القُرآنِ سبعُ آياتٍ، لم يأتِ في أي منها: استَوْلى على العَرش، فنقول: أنتم كاذِبُونَ، تكذِّبُكُم هذه الآية.
وكذلك بقِيَّةُ الشبهات التي يحتَجُّ بها أهلُ التَّعطيلِ أو أهلُ التَّمْثِيلِ أيضًا، فأهلُ التمثِيلِ الذين يقولون: إن اللَّه استَوى عَلَى عَرْشِهِ حقيقة، فإن استواءه كاستواء المخلوقِ عَلى المخلوقِ، كاستواءِ المَلِك على عرش المُلك، وما أشبه ذلك، نقول: هؤلاءِ أيضًا يُكَذِّبُهُم قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؛ لأنَّ الرسولَ بلَّغَ البلاغَ المبينَ، وقد أتَانَا من بيانِه قولُه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
стр. 71
فإن قال قائلٌ: يوجدُ وقائعُ الآن تَقَعُ ولا نَرى لها ذِكرًا في القُرآنِ ولا في السُّنَّةِ، فما هو الجواب على ذلك؟
فالجواب: إنها مُبيَّنةٌ بيان الجِنس، فليس بلَازمٍ أن القرآن يأتِي بكُلِّ فَرد، أو السُّنَّة تأتي بكُلِّ فرد؛ لأن أفرادَ القضايا لا حَصْرَ لها, ولو أن اللَّه ذَكَر في القرآن كُلَّ قَضِيَّةٍ تأتي إلى يوم القيامةِ فكمْ يكونُ القُرآنُ مِن مجلَّدٍ؟
لكننا نقولُ: هذه الأفرادُ -أعني أفراد هذه المسائل- موجودَةٌ بأجْناسِهَا وعِلَلِها وقواعِدِهَا، إما أن تكون بالقياسِ وإما أنها مسْكوتٌ عنها، والسُّكوتُ في مقامِ البيانِ بيانٌ، كما قال النبيُّ ﵊: "مَا سُكِتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ" (١).
المهم أنَّنَا نقولُ: ما من قَضِيَّةٍ تقعُ إلا وحُكْمها موجودٌ في القرآن أو السُّنَّةِ باعتبارِ جِنسِهَا، فجِنسُ هذه القضية موجودٌ في القُرآنِ إما بقاعِدَةٍ عامَّةٍ أو بقياسٍ صحيحٍ أو ما أشبه ذلك، لكن الخلَلَ والنَّقْصَ جاء من قلَّة العِلم وقُصورِ الفَهم -أو نقول: عدمُ معرِفَةِ الحقِّ من الكتابِ والسُّنَّةِ- سبَبُهُ أربعةُ أمورٍ:
الأولُ: قِلَّةُ العِلم، فالخللُ هنا مِنَ الإنسانِ؛ لأنه ليسَ عِندَه عِلم، فالإنسان لا يستطيع أن يُحيطَ بالسُّنَّةِ رغمَ أنه قد يُحيطُ بالقرآن، فتوجَدُ أحاديثُ قد لا يَعْلمُها الإنسان وما كانت تَدورُ في ذِهْنِهِ من قبل لعَدمِ عِلمه بها.
الثانِي: قُصورُ الفَهْمِ، فيكونُ الإنسانُ عندَهُ عِلْمٌ لكن فَهْمَه قاصِر، واختلافُ الناس في الفَهمِ أكثرُ وأعظمُ من اختلَافِهِم في العِلْم، يوجد بعضُ الناسِ يستَنْبطُ
стр. 72
من دليلٍ واحدٍ عِدَّةَ مسائلَ وآخر لا يَسْتَنْبِطُ إلا مسألةً أو مسألتين.
الثالثُ: أن يكونَ عِندَ الإنسانِ سوءُ قَصدٍ؛ بحيثُ لا يُريدُ الحقَّ وإنما يريدُ أن ينتصِرَ لقولِهِ؛ فإن هذا -والعياذ باللَّه- يُحالُ بينه وبينَ الصَّوابِ ومعرفَةِ الحقِّ.
الرابعُ: المعَاصِي؛ لأن المعاصِي تُوجِبُ نِسيانَ الموجودِ، كما تمنَعُ المفْقودَ، قال : ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣].
فهَذِهِ أسبابٌ أربعةُ كلها تَحولُ بينَ الإنسانِ وبينَ الوُصولِ إلى معرفَةِ حُكمِ اللَّه الذي في الكِتابِ أو السُّنَّةِ، أما نفسُ الكِتاب والسُّنَّةِ فإنهما بلا شكَّ محيطانِ بجميعِ القَضَايا إلى يوم القيامة.
وأما قولُ من قالَ مِنْ أهلِ العِلم: إن الكتابَ والسُّنَّةِ ليس فيهما إلا حُكْمُ القليلِ من القَضايا، حتى إن بعْضهم يزْعُم أنه ليس في القُرآن والسُّنَّةِ إلا نحو عُشرُ القضايا، فهذا خطأٌ عظيمٌ، ولهذا قال اللَّه في القرآنِ: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩].
الفَائِدةُ السَّادسَةُ: أن الرُّسُلَ أفصَحُ الخلقِ، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، (المبين): سواءٌ قلنا: إن المُبِينَ بمَعْنى بيِّن أو بمعنى مُظهِر، والصواب أنها بمعنى مُظهِر.
* * *
стр. 73
الآية (١٩)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [العنكبوت: ١٩].
* * *
قوله: [﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ بِاليَاءِ والتَّاءِ ينْظُرُوا]: الأُولَى: ﴿يَرَوْا﴾، والثانية: (ترَوا)، فهما قِراءتان سَبْعِيَّتَانِ.
قَال المُفَسِّر ﵀: [يَنْظُروا]، الرؤية هنا فَسَّرَها المُفَسِّر بمعنى النَّظَرِ، فهي رُؤَيةُ عَينٍ، ويحتمل أن تكون رُؤْيَةً قَلْبِيَّةً، أي: علمية، بمعنى: أولم يعْلَموا، وننظرُ مِن سياق الآية أيهما أَوْلَى.
قوله: [﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾ هو بِضَمِّ أوَّله وقُرِئ بفَتْحِه مِنْ بَدَأ وأبْدَأ بمعنى، أي: يخلُقُهُمْ ابْتِدَاءً]: اصطلاح المُفَسِّر ﵀ أنه إذا قال: "قُرِئ" فهي قِراءةٌ شاذَّةٌ، فقوله: ﴿يُبْدِئُ﴾ فيه قراءتَانِ قراءةٌ سَبْعِيَّةٌ وقراءة شاذَّةٌ، القراءة السَّبْعِيَّةُ (يُبدئ) من الماضي (أبْدَأ)، والقراءَةُ الشَّاذَّةُ بفتح أَوَّلهِ (يَبدأ) من (بدأ)، والمؤلف يقول: [مِنْ بَدَأ وأَبْدَأ]، لكن هذا اللَّفَ والنَّشْرَ مُشَوَّش يعني: غيرُ مُرتَّب، والحقيقةُ ليتَ المُفَسِّر لم يَفْعل هذا لأن الإنسان قَدْ لا يَفْهمُ أن هذا مِنَ اللَّفِّ والنَّشْرِ المشَوَّشِ، ولا داعي له، ولو قال المُفَسِّر ﵀: [مِنْ أبْدَأ وبَدَأَ] لكان أوضح.
وقوله: [بمَعْنى] يعني: بمَعْنًى واحد، يعني (بَدَأ وأبْدَأ) معناهما واحدٌ، أي:
стр. 74
يخلُقُهُمْ ابتداء، يعني: كيف يخلُقُهم ابتداءً.
وقوله: ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾ (الخلْق) هنا مَصْدَرٌ بمعنى اسمِ المفعولِ، أي: المخلوقِ، كيف يَبْدؤُه ثم يُعيدُه، والمصدر يأتي بمعنى اسم المفعولِ كَثِيرًا في اللُّغَةِ العَربيةِ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ [الطلاق: ٦]، يعني الحملَ الذي في البَطْنِ، بمعنى محمولٍ، وقولُه ﷺ : "مَنْ عَمِل عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" (١)، بمعنى: مَرْدودٍ، هنا (خَلق) بمعنى مَخْلوقٍ، ومثلها قوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١]، أي: مخْلُوقَهُ.
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿ثُمَّ﴾ هُو ﴿يُعِيدُهُ﴾ أي: الخَلْقَ كَمَا بَدَأَهُمْ]: وهَذا إشارةٌ إلى أن الجلقَ هنا بمَعْنَى المخْلوقِ، فيَعُمُّ كُلَّ النَّاسِ.
وقوله: [﴿ثُمَّ﴾ هُو ﴿يُعِيدُهُ﴾]: قدَّرَ (هو) لتكونَ الجملةُ استِئْنَافِيَّةً؛ لأن إعادةَ الخَلقِ لا يمكنُ أن يَنْظُروا إليها لأنها تكونُ يوم القيامة، أي في المستَقْبَلِ، لكنَّ ابتداءَ الخلْق يمكن أن يَنظُروا إليه، فنَحنُ مثلًا ننظر إلى مخلوقاتِ اللَّه كيف تَتَوالَدُ وكيف تَتَنامَى وكيف تَكْبُر إلى آخره، لكنَّ إعادة الخلْق لا يمكن، ولهذا قَدَّرَ المُفَسِّر ﵀: [﴿ثُمَّ﴾ هُوَ ﴿يُعِيدُهُ﴾]، لئلا يتَوَهَّمَ الإنسانُ أنها معطوفةٌ على يُبْدِئ وهو أمرٌ غيرُ ممكنٍ؛ لأنها لو كانت معطوفة عليها لكان المعْنَى أولم ينْظُروا كيفَ يُبْدِئ الخلق ثم كيف يُعِيدُهُ، والنظر إلى كيفية الإعادَةِ متَعَذِّرٌ.
ذكرنا أن قوله : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ يُحتمل أن تكون عِلْمِيةً، والمؤلف يَرى أنها بَصَرِيَّةٌ، فأيهما أشْمَلُ؟
стр. 75
والظاهر أن القَلبِيَّةَ أشْمَلُ؛ لأنها تَشملَ ما رآه الإنسانُ بعَيْنِهِ وما عَلِم به من غَيْرِهِ، واعلم أن الآية إذا احتَملتْ مَعْنيين أحدهما أشْمَلُ والثاني أخَصُّ فالأَوْلَى حَمْلُها على الأشْمَلِ؛ لأن الأخصَّ داخلٌ فيه، بخلافِ ما إذا حُمِلَتْ على الأخَصِّ فمعناه أننا أخْرجْنَا بعض دَلالَتِهَا فالأَوْلَى أن نَحْمِلها على الرُّؤَيةِ العِلمية التي تحصلُ بالبَصر وبالسَّمع أيضًا، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [النحل: ٧٨]، السمعُ والإبصارُ طَريقُ العِلْمِ، والأفئدةُ مَحِلُّ الوَعْي.
قوله: [﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ المذُكورَ مِنَ الخلْق الأوَّلِ والثَّانِي ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾]: أي: سهلٌ، فابتداءُ الخلْقِ سَهْلٌ على اللَّهِ، واقرأ قولَ اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]، فالأمرُ سَهْلٌ على اللَّهِ، وإعادَةُ الخلْقِ أيضًا سَهلَةٌ لقولِهِ: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَة﴾ [الصافات: ١٩]، زَجْرةٌ واحِدَةٌ فقط ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤]، وأعمُّ من ذلِكَ قولُه : ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠]، واحدةٌ بدون تأَخُّرٍ؛ يأمرُ اللَّه الشيءَ فيكونَ مثلَ لمحِ البَصر، وهذا دَليلٌ على كمالِ قُدرتهِ جَلَّ وَعَلَا.
في هذه الآية يقولُ اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير﴾ وفي آيَة ثانِيَةٍ يقولُ اللَّهُ تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧].
فإننا نقولُ لهؤلاءِ المنْكِرينَ للبعثِ: هل تُقِرُّونَ بأن اللَّه خلقَكُم ابتِدَاءً؟
هم يقولون: نَعم، قال : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. [الزخرف: ٨٧].
فنقول لهم: أيهما أهونُ الابتداءُ أو الإعادَةُ؟
الجواب: الإعادةُ أهونُ.