← Тафсир

Тафсир · id 21808

تفسير العثيمين: الروم

ابن عثيمين

Полный текст (333 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم إنَّ الحمدَ لله، نحمدُهُ ونَسْتعينُه ونَسْتغفرُه، ونَعوذُ بالله مِن شُرور أَنْفُسنا ومن سيِّئات أعمالِنا، مَن يَهْده اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فَلا هادِيَ له، وأَشْهَد أنْ لا إلَهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لَه، وأَشْهَد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، أرسلَه اللهُ بالهُدَى ودِين الحَقِّ؛ فبلَّغَ الرِّسالةَ، وأدَّى الأمانةَ، ونَصَح الأمَّةَ، وجاهَد في الله حَقَّ جِهادِه، حتَّى أتاهُ اليقينُ، فصَلواتُ اللهِ وسلامُه عليهِ وعلَى آلِه وأصحابِه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّين، أَمَّا بَعْدُ: فمِنَ الدُّروسِ العِلميَّة المُسجَّلَة صَوتيًّا، والَّتِي كانَ يَعقِدُها صاحِبُ الفَضِيلةِ شَيخُنا العلَّامةُ الوالِدُ محمَّدُ بنُ صالحٍ العُثَيْمِين - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في جامِعِهِ بمَدِينَةِ عُنَيْزَةَ صَباحَ كُلِّ يومٍ أثناءَ الإِجازاتِ الصَّيْفيَّة؛ حَلقات فِي تَفْسير القُرآن الكَرِيم كانَت بِدايتُها مِن سُورة النُّور وما بَعدَها؛ حتَّى بلَغ قَولَه تَعالَى في سُورة الزُّخرف: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾. وقَدِ اعتَمدَ رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى في تَفْسيرِه لتِلْكَ السُّور كِتابًا بَيْن يَدَيِ الطُّلاب هُو (تَفْسير الجَلالَيْنِ) للعلَّامة جَلال الدِّين محمَّد بنِ أَحْمدَ بنِ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ المَحَلِّيِّ، المُتوفَّى سَنَةَ (٨٦٤ هـ) (١)، والعلَّامة جَلال الدِّين عبد الرَّحمن بن أَبِي بَكْر بنِ محمَّد

стр. 2

ابنِ سابِق الدِّين الخُضَيْرِيِّ السُّيُوطِيِّ، المُتوفَّى سنة (٩١١ هـ) (١). تغمَّدهما الله بواسِع رَحمته ورِضوانه، وأَسْكنهما فَسِيحَ جنَّاتِه، وجَزاهُما عَنِ الإِسْلام والمُسلِمِينَ خَيرَ الجَزاءِ. وسَعْيًا - بإِذْنِ اللهِ تَعالَى - لِتَعْمِيمِ النَّفْع بتِلْكَ الجُهُود المُبارَكة فِي هَذا المَيْدَان العَظِيم باشَر القِسْمُ العِلْمِيُّ بِمُؤسَّسةِ الشَّيخِ محُمَّد بنِ صالِحِ العُثَيْمِين الخَيْرِيَّةِ واجِباتِه فِي شَرَفِ الإِعْدادِ والتَّجْهِيز للطِّباعةِ والنَّشْر لِإِخْراجِ ذَلِكَ التُّراث العِلمِي؛ إنفاذًا للقَواعِدِ والضَّوابِط والتَّوْجِيهاتِ الَّتِي قَرَّرها فَضيلةُ الشَّيخِ رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى في هَذا الشَّأْنِ. نَسْأل اللهَ تعالَى أنْ يَجْعلَ هَذا العَمَلَ خالصًا لِوجهِه الكَريمِ؛ نافِعًا لعِبادِه، وأنْ يَجزِيَ فَضِيلةَ شيخِنا عَنِ الإسلامِ والمسلمِينَ خَيْرَ الجزَاء، ويُضَاعِفَ لهُ المثُوبَةَ والأَجْرَ، ويُعليَ دَرَجَتَهُ في المَهْدِيِّينَ، إِنَّه سَمِيعٌ قَرِيبٌ مجُيبٌ. وَصَلَّى اللهُ وسلَّم وبارَك علَى عبدِه ورَسولِه، خاتَمِ النَّبِيِّينَ، وإِمامِ المُتَّقِينَ، وسيِّدِ الأوَّلينَ والآخِرينَ، نبيِّنَا محمَّدٍ، وعلَى آلِه وأَصْحابِه والتَّابعينَ لهُمْ بإِحْسانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّين. القِسْمُ العِلْمِيُّ فِي مُؤَسَّسَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِين الخَيْرِيَّةِ ٢٠ جُمَادَى الآخِرَة ١٤٣٦ هـ

стр. 3

سورة الروم الحمدُ للهِ ربِّ العَالمِينَ، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ عَلَى نبيِّنَا محُمَّدٍ، وعَلَى آلِهِ وأصحَابِهِ ومَنْ تَبِعَهُم بإحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. وبَعد: قال المُفَسِّر (١) ﵀: [مَكِّيَّة إلا آيَة ١٧، فمدنيَّةٌ، وآياتها ستون] اهـ. المكَّيُّ هو الَّذي نزل قبْلَ الهجرة، والمدَنِيُّ ما نزل بعدها سواءٌ نزل في مكَّة أم لا، وعلى هَذا فإن قوْلُه تَعالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، هو من المدنيِّ، رغم أنه نزلَ بعرفَة يومَ حجة الوداع، أي قَد نزلَ بمكة. وقوله: [وآياتها ستون]: أو تِسعٌ وخمسُونَ آيةً، إِنْ جعلنا ﴿الم﴾ آيةً مستقلَّةً صارتْ سِتِّينَ آيةً، وإِلَّا فتِسعٌ وخَمْسونَ.

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَالَ اللهُ : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. تقدَّم (١) أنَّ البسملةَ آيَةٌ مستقلَّة يُؤْتَى بِها فِي ابتداءِ السّوَرِ، وليست تابِعَةً لما بعدَها لَا فِي الفاتِحَةِ ولا في غيرِها؛ خِلافًا لِبعضِ العلَماء الَّذِين يقُولونَ هِي آية مِن الفاتحةِ، فيحْسِبُونَ الفاتِحَةَ سبع آياتٍ منْهَا البسملة، ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ١ - ٧]، هَذِهِ سبْعٌ بالبسملةِ، والصّحِيحُ أنَّ البسملةَ ليست آيةً مِن الفاتِحَةِ ولَا مِنْ غيرِها، فأوَّلُ آياتِ الفاتحة هِي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فإن قِيلَ: لكنها سبعُ آياتٍ بالِاتِّفاق، فأَيْنَ الآيَةُ السّابِعَةُ؟ قُلْنَا: قوْله تَعالَى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ آيتَان، فقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ هو الآيَة السَّادِسة، و ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ هو الآيَةُ السّابعةُ، وفي المصحَفِ المنتشر بينَ النّاس نجدُ أن البسملةَ مِن الفاتحةِ آيةً، ومنْ غيرِها ليسَتْ آيةً، ولكِنَّ الصّحِيحَ أَنَّه لا فرقَ.

стр. 5

الآية (١) قَالَ اللهُ : ﴿الم﴾. * * * قال المُفَسِّر ﵀: ﴿الم﴾ الله أَعْلَم بِمُرَادِهِ فِي ذَلِكَ] اهـ. نعم، إذا لم نعلم شيئًا فالواجبُ أن نقولَ: "الله أعلمُ بما أرادَ"، وَهَذا قدْ قِيل أنَّه نِصْفُ العلْمِ (١)، لأَنَّ الإنسان إمَّا عالمٌ وإِمّا جَاهِلٌ، فإِذَا قَال فِيما يعْلَمُ بما عَلِم وفيما يجْهَل: "الله أعلم" صارَ نِصْف العلْمِ، ولَا شَكَّ أنَّ قولَ الإنسان: "الله أعْلَمُ" فيما لم يعلَمْه هُو الواجِبُ، فَلا تقُلْ: إِذا قلْتُ: "لا أَدْري" نقَص قدْرِي عندَ النّاسِ، فإنَّ قدْرَك عِنْد النّاس لنْ ينْقُص بل سيزْدَاد عنْدَهم، فكَمَا أنَّه لا ينْقُص عنْدَ الله فإِنَّهُ لَا ينْقُص عنْدَ النّاس؛ لأَنَّ النّبيّ ﵊ يقول: "مَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إلا رَفَعَهُ الله" (٢)، وَهَذا مِن بَاب التّواضُع للهِ أنَّك تقُولُ فِيما لا تعلَمُ: "لا أعلم"، وهُوَ نظِيرُ العفْوِ لا يَزِيدُ الإنسان إلا عِزًّا، ونَظِيرُ الصّدقَةِ لا ينْقُص بِها المالُ (٣)، فكَذَلِك قولُ: "لا أدري" لا ينْقُص بِه قدْرُ الإنسان في العِلْم، بَلْ يزْدَادُ لأَنَّ النّاس إِذا رَأَوْا هَذا

стр. 6

الرّجُلَ محتَرِزًا يقُولُ فِيما يعْلَمُ ويتَوقَّفُ عمَّا لا يَعْلَمُ وثِقُوا بِه، وعرَفُوا أنَّه لا يتكلَّمُ إلا بما عَلِم. فقول المُفَسِّر ﵀: [الله أعلم بمراده بذلك]، هَذا هُو الوَاجِبُ عَلَى كلِّ إِنْسَانٍ لا يَدْرِي مَا أرادَ الله. ولَكِنْ إِذا رجَعْنَا إِلَى قوْله تَعالَى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣]، عَلِمْنا أنَّ هَذا القرآنَ بمُقْتَضى اللُّغَةِ العرَبِيَّةِ، وأنَّه لا تُوجَدُ فِيهِ كلِمَةٌ إلا وَهِي معْقُولَةٌ، وإلّا لَكانَ الله أنزَلَ شيْئًا لا نَعْرِفُ معْنَاهُ، فإذَا طبَّقْنَا هَذِهِ الحرُوفَ الهجَائِيَّةَ عَلَى هَذه القاعِدَةِ، والقاعِدَةُ هِي قوْله تَعالَى: ﴿جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وجَدْنا أنَّ مَثل هَذا التّركيبِ في اللُّغَةِ العرَبِيَّةِ ﴿الم﴾ لَيْس له معْنًى فيها، إِنَّما هِيَ مجمُوعَةُ حُروفٍ هجَائِيَّةٍ: (ألف، ولَامٌ، وميمٌ)، وَلِهَذا أنْتَ لا تنْطِقُ بِها فتَقُول: (ألم)، بَلْ تقُول: (ألف، لام، ميم). إِذَنْ: فهِيَ بمقْتَضى اللِّسَانِ العرَبِيِّ الَّذي نزَل بِهِ القرآنُ لِنَعْقِلَهُ لَيْسَ لها معْنًى، وإِنَّما هِي حُروفٌ هِجائِيَّةٌ ليْس لها معْنًى في ذاتِها، وحِينَئِذٍ نَكونُ قَدْ علِمْنَا. لَكِن مَا مُرَادُ الله بِها؟ ذَكَر شيخُ الإسْلام وكَثيرٌ مِنْ أهْلِ العلْمِ أنَّ الغرضَ منْهَا بَيان أنَّ القرآنَ مُعجِزٌ معَ كونِه مِنْ هَذهِ الحرُوفِ الهجَائِيَّة التّي يتكَلَّمُ النّاسُ بِها، فَلَمْ يَأْتِ بحُروفٍ غريبةٍ جديدةٍ حتَّى نقُولَ أنَّه أَعْجَز النّاسَ لأنَّهُ أَتَى بحُروفٍ لا يفْهَمُونَها وَلا ينْطِقُونَ بِها، بلْ هِي حُروفٌ يتَركَّبُ منْهَا كلَامُهُمْ. إِذَنْ: فالإِعْجازُ ليس مِنْ حيْثُ الحُروفُ، يعني ليسَ أنَّه أَتى بحرُوفٍ جديدةٍ،

стр. 7

بَلْ مِن حيْثُ التّركِيبُ والسّيَاقُ والمعَانِي الجليلَةُ النّافِعَةُ، وَهَذا الَّذي ذَهَب إِلَيْهِ شَيْخُ الإسْلام لَا شَكَّ أنَّه قَوِيٌّ وأنَّ هَذه الحروفَ الهجَائِيَّةَ فِي حدِّ ذاتِها ليْسَ لهَا معْنًى، لَكِنْ لها مغْزًى ومُرَادٌ، وهُوَ أنَّ هَذا القرآنَ الَّذي أعْجَزَ كُلَّ الخلْقِ لمْ يَأْتِ بجَدِيدٍ في الحرُوفِ، وَإِنَّما هُوَ مِنَ الحرُوفِ الّتي يتكلَّمُونَ بِهَا. وَذَهبَ بعْضُ المعَاصِرينَ إِلَى أنَّ هَذهِ الحروفَ كالمِفتَاح لِلسُّورَةِ الّتي هِيَ فِيها بمَعْنَى أنَّكَ إِذا وجَدْت (لَام، وَمِيم) مُصَدَّرًا بِها سُورَةٌ مِنَ القرآنِ فَما ذَاكَ إلا لِكَثْرَةِ (الَّلامِ والميم) فِيها، فتكُونُ كَالمِفتَاح لهَا، وَكَذلِكَ إِذَا وجدْتَ (نون) فهُوَ لكَثْرَةِ النّونِ فِيها، وَإِذا وَجدتَ فِيها (اللَّام، والرّاء) فَهِي لكَثْرَةِ اللَّامِ والرّاءِ، لكِنَّ هَذا مُنتقِضٌ، وَإِلَّا لَو اطَّردَ هَذا لَكانَ أيضًا لَهُ وَجْهٌ. وعَلَى كُلِّ حَالٍ: نحْنُ نعْلَمُ بمقْتَضَى كَوْنِ القرآنِ بِاللِّسانِ العرَبِيِّ لنَعْقِلَه أنَّ هَذهِ الحرُوفَ الهجَائِيَّةَ فِي حدِّ ذاتِها ليْسَ لها معْنًى.

стр. 8

الآية (٢) قَالَ اللهُ : ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢]. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ , وَهُمْ أَهْل الكتَاب، غَلَبَتْهَا فَارِسُ وَلَيْسُوا أَهْلَ كِتَابٍ، بَلْ يَعْبُدُونَ الأوْثَانَ، فَفَرِحَ كُفَّار مكَّة بِذَلِكَ، وَقَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: نَحْنُ نَغْلِبكُمْ كَمَا غَلَبَتْ فَارِس الرّومَ] اهـ. قوْله تَعالَى: ﴿غُلِبَتِ﴾: فعلٌ مبني للمجهول، و ﴿الرُّومُ﴾ نائبُ فاعِلٍ، وأنَّثها فقال: ﴿غُلِبَتِ﴾، لم يقل غُلِب الرّوم معَ أن الَّذي يحارِبُهم هُمُ الرّجالُ، لكِنَّهُ أَنَّثَها باعتبارِ القبِيلَةِ، والَّذي غَلَبَها الفرْسُ، والحكْمَةُ - واللهُ أعْلَمُ - في حَذْفِ الفاعِلِ لِسَبَبَيْنِ: السّبَبُ الأوَّلُ: لِيَكُونَ ذَلِك أعْظَمَ إِهَانَةً للْفُرْسِ، وَأنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْلًا لِلذِّكْرِ. السّبَبُ الثّانِي: لِيَكُونَ هَذا أخْفَى بِالنّسْبَةِ لِذُلِّ الرّوم وخِذْلانِها، أَيْ: تَهْوينًا للأَمْرِ عَلَى الرّومِ؛ لأَنَّهُ إِذا قِيلَ لَلإنْسَانِ: أنْتَ غُلِبْتَ، أَهْونُ مِن أَنْ يُقالَ لَه: غَلبَكَ فُلانٌ؛ فإِنَّهُ إِذا قِيل لَهُ: غَلبَك فُلان صارَ معْنَاه أنَّه ذَلِيلٌ لهذَا الرّجُلِ المذْكُورِ. وقوْلهُ ﵀: [﴿الرُّومُ﴾ هُمْ أهْلُ الكتَابِ]: ولوْ قال المُفَسِّر ﵀: (أهلُ كتابٍ) لكَانَ أحْسَنَ؛ لأَنَّ الرّوم نَصارَى، وأَهْلُ الكتَابِ يَشْمَلُ اليَهُودَ والنّصَارَى.

стр. 9

قوْلهُ ﵀: [غَلَبَتْهَا فارسُ، وَلَيْسُوا أَهْلَ كِتَابٍ، بَلْ يَعْبُدُونَ الأوْثَانَ]؛ لأنَّهم مجوسٌ يعبدونَ النّارَ، [فَفَرِحَ كُفَّارُ مكَّة بِذَلِكَ، وَقَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: نَحْنُ نَغْلِبُكُمْ كَمَا غَلَبَتْ فارسُ الرّومَ]، يعني أنَّ كُفَّارَ مكَّة تفاءَلُوا بِهَذا الشّيْءِ، وقَالُوا: إِذا كان الرّوم أهلَ كتابٍ وغلبَتْهم الفرْسُ وهُمْ أهْلُ أوْثَانٍ فهَذا مِفتَاح نصْرٍ لَنا أَنْ نغْلِبَ المسْلِمِينَ الَّذِين هُمْ أهْلُ كِتَابٍ ونَحْنُ أهْلُ أوْثَانٍ.

стр. 10

الآية (٣) قَالَ اللهُ : ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣]. قالَ المُفَسّر ﵀: [﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾: أَيْ أَقْرَبَ أَرْضِ الرّوم إِلَى فَارِسٍ بِالجزِيرَةِ التّقَى فِيهَا الجيْشَانِ، وَالبادِي بِالغزْوِ الفرْسُ، ﴿وَهُمْ﴾ أَيْ الرّوم، ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ أُضِيفَ المصْدَرُ إِلَى المفْعُولِ، أَيْ غَلَبَة فَارِسٍ إيَّاهُمْ ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ فَارِسَ] اهـ. قوْله تَعالَى: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ قِيلَ: المعْنَى أقربَ الأرْض إِلَى فارسَ، وأنَّ فارِسَ اعتَدَوْا عَلَى الرّومِ، فحَصل القتَالُ بَيْنَهُما، وقِيلَ: إِنَّ معْنَى قوْله تَعالَى: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ أيْ فِي أقْرَبِها إِلَى أَرْض العرَبِ، وَهَذا يرْجعُ إِلَى التّاريخِ الَّذي يحدّد موقعَ هَذِهِ المعْرَكَةِ حتَّى نعرِفَ أدْنَى الأرْض، إِنَّما لا شَكَّ أنَّ (أدْنَى) بمعْنَى أقْرَب. قوله ﵀: [﴿وَهُمْ﴾ أي الرّوم ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ أضيف المصدر إِلَى المفعول أي غلبة فارس إياهم ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ فارس]، انظر تأكيدَ هَذا الوعدِ، حيْثُ صُدِّر بالاسْمِ ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ﴾؛ لأنَّهُ إذا صُدّر بالاسْمِ صارَ جمْلَةً اسْمِيَّةً دالَّةً عَلَى الدّوامِ والثّبوتِ، وأكَّد مِنْ وَجْهٍ آخَر بقُرْبِه حيْثُ كانَ الخبَرُ مقرونًا بالسّين الدّالَّةِ عَلَى القرْب، ثمَّ أكَّدَه أيضًا بمؤكّد ثالِث وهُوَ قولُه: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾؛

стр. 11

لِتَحَقُّق الغلَبَةِ، وأنَّ هَذا أَمْرٌ لا بُدَّ أنْ يقَعَ وَلَوْ كَانُوا مغلُوبِينَ؛ لأَنَّهُ لو حُذِف قوُله : ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ فقال: (وهم سيغلبون) لقِيلَ: سَيَغْلِبُون، ولَوْ غُلِبُوا: لقَال البعْضُ: إِذَا كَانُوا قَدْ غُلِبوا فإنَّهُم لا يَغْلِبُون، فلَمّا قَال: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ صَارَ فِي ذَلِك تأكيدٌ للْغَلَبَةِ، فصَارَ تأكِيدُ غَلَبَةِ هَؤُلاءِ مِنْ وُجوهٍ ثلاثَةٍ.

стр. 12

الآيتان (٤، ٥) قَالَ اللهُ : ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: ٤ - ٥]. قال المُفَسِّر ﵀: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ هُوَ مَا بَيْن الثّلَاث إِلَى التّسْع أَوْ العشْر فَالتقَى الجيْشَانِ فِي السّنَة السّابِعَة مِنْ الالتقَاء الأوَّل وَغَلَبَتْ الرّوم فَارِس ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْد﴾ أَيْ مِنْ قَبْل غَلْب الرّوم وَمنْ بَعْده المعْنَى أَنَّ غَلَبَة فَارِس أَوَّلًا وَغَلَبَة الرّوم ثَانِيًا بِاَمْرِ الله أَيْ إرَادَته ﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾ أَيْ يوم تغلب الرّوم ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ إيَّاهُمْ عَلَى فَارِس وَقَدْ فَرِحُوا بِذَلِكَ وَعَلِمُوا بِهِ يَوْم وُقُوعه أَيْ يَوْم بَدْر بِنزولِ جِبْرِيل بِذَلِكَ مَعَ فَرَحهمْ بِنَصْرِهِمْ عَلَى المشْرِكِينَ فِيهِ ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب ﴿الرَّحِيمُ﴾ بِالمؤْمِنِينَ] اهـ. قوْله تَعالَى: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ متعلِّق بقوْله تَعالَى: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ أي في خِلالِ هَذا البضْع، والبضْعُ هُوَ مَا بَيْن الثّلاثِ إِلَى التّسْعِ، أَوْ مَا بَيْن الثّلاثِ إِلَى العشْر، يَعْني إمَّا خمْسُ سنَواتٍ وإمّا لِستّ سنواتٍ هَذا البضْعُ، فَإِذا قُلْنا إنَّه مَا بَيْن الثّلاثِ إِلَى العشْر، فهي: (أَرْبعٌ وخمْسٌ ولِستٌّ وسَبْع وثَمانٍ وتِسْعٌ)، فَهَذِه سِتٌّ، وإِذَا قُلنَا إنَّه مَا بَيْنَ الثّلاثِ إِلَى التّسْعِ يكونُ: (أَرْبَعٌ وخَمْسٌ ولِستٌّ وسَبْعٌ وثَمَانٍ) ,

стр. 13

فهذهِ خمْسُ سنَواتٍ، يَعْني الثّلاثُ غيْرُ داخِلَةٍ، لأَنَّ مَا بَيْن الشّيءِ والشّيْءِ لَا يدْخُلُ فِيه الجانِبَانِ. قولُه ﵀: [فالتقى الجيْشَانِ فِي السّنَةِ السّابِعَةِ مِن الالتقَاء الأوَّل وغَلَبَتِ الرّوم فَارِس]: يعْنِي حَصَل بَيْنَهُما حَرْب أُخْرَى فغَلبَتِ الرّوم فارِسَ، فصَدَق بذَلِك خَبَرُ الله بأنَّهُمْ سيَغْلِبُونَ في بِضْع سِنينَ؛ لأَنَّ الأمْر لم يتَجَاوَزْ سبْعَ سَنَواتٍ حتَّى كانَتِ الغلبَةُ لِلرُّومِ عَلَى الفرْسِ، فَصدَقَ الله وَعْدَهُ. قوْله تَعالَى: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ المعْنَى أنَّ الغلَبَةَ تتِمُّ في خِلَالِ بِضْع سِنِينَ، ولَيْس المعْنَى أنَّ الغلبَةَ تحْصُل بعْدَ سَبعْ سَنوَاتٍ. قوْله تَعالَى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ﴾: هَذِهِ الجملة اسميَّة قُدِّم فِيها الخبَرُ لإفَادَةِ الاخْتِصَاصِ للهِ وحْدَه، و (أل) هُنَا للاسْتِغْرَاقِ، يَعْني كُلُّ الأمْرِ، أيْ لاسْتِغرَاق الجنْس، و (أل) التي للاسْتِغْراقِ هِي التي يحِلُّ محلَّها (كُلُّ) فَإِنْ كانَتْ لاسْتِغْراقِ المعْنَى فَهِي لاسْتِغْراقِ المعْنَى، وإِنْ كَانَت لاسْتِغْراقِ الأفْرادِ فَهِي لاسْتِغْراقِ الجِنْس، فَفِي قوْلِه تَعالَى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]، (أل) لاسْتِغراق الجِنْس؛ لأَنَّهُ يَصِحُّ أنْ يَحِلَّ محلَّها (كُلُّ)، فيُقَالُ: وَخُلِق كُلُّ إِنْسَانٍ ضَعيفًا، وَفي قوْلِه تَعالَى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ١ - ٢]، هَذِهِ أيضًا لاسْتِغْراقِ الجِنْس، أيْ كُلُّ إنسانٍ، وإِنْ كانَت لاسْتِغْراقِ المعْنَى فَهِي لاسْتِغْراقِ المعْنَى، ومثَّلوا لِذَلِكَ بقَوْلهِم: (زيدٌ نِعْم الرّجُلُ)، أَي: نِعْم الشّخْصُ الجامِعُ لِصِفَات الرّجُولَةِ. وَهِلِ المرَادُ بالأمْر هُنا الأمْرُ الكوْنِيُّ أو الأمْرُ الشّرْعِيُّ؟ والجوابُ: الأمْرُ الكوْنِيُّ، أَي أنَّ جَمِيعَ الأمورِ تَرْجِعُ إِلَى الله ، المتعَلِّقَة

стр. 14

بأفْعَالِ العبادِ والمتعَلِّقَة بأفْعَالِ الله فإِنَّها راجِعَةٌ إلَيْهِ، والأمْرُ الإلهيُّ ينْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: أَمْرٌ كَوْنِيٌّ وأَمْرٌ شَرْعِيٌّ. مِثالُ الأمْرِ الكوْنِيِّ: قولُهُ تَعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]. ومثالُ الأمْرِ الشّرْعِيِّ: قوله تَعالَى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣]، أَي عَنْ أَمْرِه الشّرْعِيِّ، ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، ومِثْلُ قوْلِه تَعالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ﴾ [النساء: ٥٨]، هَذا أَمْرٌ شَرْعِيٌّ. وعَلَيْهِ فإنَّ قوْلَه تَعالَى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦]، مِنَ الأمْرِ الكوْنِيِّ، وهَذا هُوَ المتَعَيَّنُ، فَيَأمُرُهُم الله أمرًا كونِيّا بالفسْقِ فيَفْسُقُونَ، وأمَّا مَن قَال: إِنَّ المرادَ بِالأمْر في الآيَة هُو الأمْر الشّرْعِيُّ وأنَّ الله يأْمُرُهم بالطّاعَةِ فيَفْسُقونَ ثمَّ يأْخُذُهم بِالعذابِ، فَهذا القول بَاطِلٌ لأنَّهُ يقْتَضِي أنْ يكُونَ المعْنَى أنَّ الله يُرْسِلُ الرّسُلَ فيَأْمُرونَ النّاسَ بِطَاعَةِ الله؛ لأَجْلِ أنْ يَفْسُقوا فَيِحلَّ بِهم العقابُ، وَهَذا يَرْجعُ إِلَى أنَّ المعْنَى أنَّ الله بعَثَ الرّسُلَ نِقْمَة عَلَى العبَادِ، وهُوَ أَمْرٌ لا يُمْكِنُ، ثمَّ إنَّنا نقُوُل: إنَّ الأمرَ الشّرْعِيَّ لَا يخْتَصُّ بالمتْرَفِينَ، بَلْ هُوَ عامٌّ لهُمْ ولغَيْرهمْ. المُهِمُّ: أنَّ هَذا القوْلَ ضعيفٌ وبَاطِلٌ ويُنافي حكْمةَ الله بإرسالِ الرّسُلِ. فقوْلُه تَعالَى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ﴾ يُرَادُ بِه الأمرُ الكوْنِيُّ. وقوْله تَعالَى: ﴿قَبْلُ﴾: ضُمَّتْ مَع أنَّ قبْلَها حَرْفَ الجرّ ﴿مِنْ﴾؛ لأَنَّ ﴿قَبْلُ﴾ و ﴿بَعْدُ﴾ إِذَا حُذِف المضَافُ إِلَيْهِ ونُوِي مَعْنَاهُ بُنِيا عَلَى الضَّمِّ، هَذا السّبَبُ فَإِنْ

стр. 15

وُجِد المضَافُ صَارا مُعْرَبَيْنِ فتَقُول: (أَتيتُ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِي زْيدٌ) فتَجُرَّها، وَكَذلِكَ إِذا حُذِف المضَافُ إِلَيْهِ ولم يُنْوَ لَا لفْظًا ولَا معْنًى، فإِنَّها تُعْرَبُ كَقَوْل الشّاعِر (١): فَسَاغَ لِي الشّرَابُ وَكُنْتُ قَبْلًا ... أَكَادُ أَغَصُّ بِالماءِ الفرَاتِ وَكَذلِكَ إِذَا حُذِف المضَافُ إِلَيْهِ وَنُوِي لفْظُهُ فَإِنَّها تُعْرَبُ، لكِنَّها لا تُنَوَّنُ فيُقَالُ مَثلًا: (كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الدّرْسِ، فأَتَيْتُ مِنْ قَبْلِ)، أَي: مِنْ قَبْلِ ابْتِدَاءِ الدّرْس، فهُنا حُذِف المضَافُ ونُوِي لفْظُهُ، وَالَّذي دلَّنا عَلَى أنَّه نُوِي لفْظُه أَوْ نُوِي مَعْناهُ الإعْرَاب نفْسُه، فَإِذا كَانَتْ مبْنِيَّةً عَلَى الضّمِّ عَلِمْنا أنَّه قَدْ حُذِف وَأُرِيد المعْنَى، وَإِذا لَم يمُنْ كَذَلِكَ عَلِمنا أنَّهُ قدْ حُذِف وَأُرِيد اللَّفْظُ، فَإِنْ نُوِّنَتْ علِمْنا أنَّه ما أُرِيد اللَّفْظُ ولَا المعْنَى. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: لَو حُذِف المضاف إِلَيْهِ في كلام الله فهل يصح أن نقول: أنَّه منوي؟ قُلْنَا: لا، لا نقول ذَلِك، لكن يصِحُّ أن نقولَ: هو المُراد، أي أنَّ الله أراد بالنّسبة للمضاف إِلَيْهِ؛ لأَنَّ الإرادَة في جنابِ الله بمعنى النّية للخَلْق.

стр. 16

قوْلهُ ﵀ [بِأَمْرِ الله إرادته]: هَذا في الحقيقةِ تحرِيفٌ، بَلِ الصّوابُ أنَّه (بأمرِه)، أيْ بقَوْلِه، قَال تَعالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، فإنَّ الله تَعالَى لَا يُقَدِّر شَيْئًا إلا بالقوْلِ، و ﴿شَيْئًا﴾ نَكِرَةٌ في سِيَاق الشّرطِ فتَعُمُّ كُلَّ شَئٍ أَرادَهُ الله، فإِنما ﴿يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فالصّوابُ أنَّ المرادَ بالأمْرِ هُنا هُو القوْلُ. وَالإرَادَةُ ليْسَت هِيَ القوْلُ فإنَّ الإرَادَةَ صِفَةٌ لا تسْتَلْزم القوْلَ إِذْ إِنَّ المرِيدَ قَدْ يفْعَلُ مَا أَرادَ، أَوْ قَدْ يقُولُهُ، وأمَّا القوْلُ فإِنَّهُ أخَصُّ مِنَ الإرَادَةِ، كُلُّ قَوْلٍ فهُوَ متضَمِّن لِلإرَادَةِ، وليْسَت كُلُّ إرادَةٍ متضمِّنَة للقوْلِ. قوْله تَعالَى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ﴾: (يومَ) ظرفٌ متعلِّق بـ (يفرح)، وهِي مُضافَةٌ إِلَى (إِذْ)، ونُوِّنَت (إِذْ) تنْوِينَ عِوَضٍ عَن جُمْلَةٍ؛ وَلِهَذا قَال: (أَيْ يَوْمَ تَغْلِبُ الرّومُ) فالمحْذُوفُ جُمْلَةٌ، وَالفرَحُ لا يُمكن لِلإِنْسَانِ أن يُعَبِّر عنْهُ، لذا قد نقول: الفرح خِفَّةُ النّفْسِ وسُرُورُ النّفْسِ، أَوْ نَقُولُ: الفرَحُ معْلُومٌ؛ وَلِهَذا نَجِدُ صاحِبَ القامُوسِ إِذا عرَّف مثْلَ هَذِهِ الأشْيَاء قَال: (م) (١)، يعْنِي أنَّه مَعْرُوفٌ وَلا حاجَةَ لأنْ يُبَيَّن. وقوْله تَعالَى: ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾: المرَادُ بِهم النّبيّ ﷺ وأصحَابُهُ. وقوْله تَعالَى: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾: متعلِّق بـ (يفْرَحُ) وهُو مصْدَر مُضَافٌ إِلَى فاعِلِه، أمَّا مفعولُه فمَحْذوفٌ، وتقْدِيرُه (بِنَصْر الله الرّوم عَلَى الفرْسِ)، وَلِهَذا قَال المُفَسِّر ﵀: [بِنَصْرِ الله إِيَّاهُمْ عَلَى فَارِسَ]، والنّصُر معْناهُ العوْنُ والظّهورُ، أَيْ أنَّ الله يُعِينُهُم حتَّى يَظْهَرُوا عَلَى أعْدَائِهم.

стр. 17

وسُمِّي ذَلِك نَصْرًا مَع أنَّه لِكُفَّارٍ عَلَى كُفَّارٍ لأنَّ النّصْر هُو العوْنُ والظّهُورُ، وهُوَ لا فَرْق بَيْن أنْ يكُونَ بَيْن مُؤْمِنٍ وكَافِرٍ، أَوْ بَيْن كافِرٍ وكافِرٍ، ثمَّ إِنَّ أهْلَ الكتَابِ أقْرَبُ مِن الفرْسِ؛ وَلِهَذا لهمْ أحْكَامٌ خاصَّةٌ تُقرِّبُهم مِنَ المسْلِمِينَ. قولُه ﵀: [فَرِحُوا بِذَلِكَ وعلِمُوا بِهِ يَوْمَ وُقوعِهِ يَوْمَ بَدْرٍ بِنُزولِ جِبْرِيلَ بِذَلِكَ مَع فَرَحِهم بِنَصْرِهِمْ عَلَى المشْرِكِينَ فِيهِ]، يعْنِي أنَّ الواقِعَة حصَلَتْ بَيْن فارِسَ والرّومِ في الزّمَن الَّذي حَصلَتْ فِيه الواقِعَةُ بيْنَ الكفَّار وَالمؤْمِنِينَ، وَذَلِكَ في بَدْرٍ، وَعَلى هَذا فتكُونُ هَذِهِ الآيَة نَازِلَةً قبْلَ الهجْرَةِ بخَمْسِ سَنَواتٍ؛ لأنَّهُ إِذا كانَتِ المدَّةُ التي حصَلتْ فِيها الغلَبَة سبْعَ سنَواتٍ، وبَدْرٌ كانَتْ فِي السّنَةِ الثّانِيَةِ لَزِم أنْ يكُونَ نُزولُ الآيَة وغَلَبَةُ فَارِسَ لِلرُّومِ قبْلَ الهجْرَةِ بخَمْسِ سَنوَاتٍ. وقولُهُ ﵀: [مَع فَرَحِهِمْ بِنَصْرِهِمْ عَلَى المشْرِكِينَ فِيهِ]، فيَكُونُ فِي هَذا الزمَنِ اجْتَمعَ نصرُ أهْلِ الكتابِ عَلَى المجُوسِ ونَصْرُ المسْلِمينَ عَلَى المشْرِكِينَ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل قولُ المُفَسّر ﵀ علَيْه دَليلٌ نقْلِيٌّ؟ فالظّاهِرُ أنَّه تابعٌ للتَّارِيخِ فقَطْ، أمَّا عَنِ الرَّسُولِ ﵊ فَلا يُوجَدُ دَلِيلٌ، لكنَّ التّارِيخَ يقُولُ هَذا. قوْله تَعالَى: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾: هَذِهِ عامَّةٌ تعُمُّ كلَّ منْصُورٍ، سواءٌ كانَ المنْصُورُ كافِرًا أوْ مؤمِنًا؛ لأَنَ الأمْرَ بيَدِ الله ، وكُل شيْءٍ مقيَّدٌ بالمشِيئَةِ فإِنَّهُ يتضَمَّنُ الحكْمَةَ؛ لأَنَّ الله تَعالَى لا يَشَاءُ شيْئًا إلا لحِكْمَةٍ، فينْصُرُ مَنْ يشَاءُ نصْرَه لحكْمَةٍ اقتْضَتْ ذلِكَ. قوْله ﵀: [﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب]: هَذا أحَدُ مَعانِي العزَّةِ؛ لأَنَّ العزَّةَ

стр. 18

تنْقَسِمُ إِلَى ثَلاثَة أقْسَامٍ: عِزَّةُ القدْر، وعِزَّةُ القهْر، وعِزَّةُ الامتِنَاعِ. عِزَّةُ القدْر: بمعْنَى أنَّه عظِيمُ القدْر، وكُلَّما كانَ الشّيْءُ عظِيمَ القدْرِ كان عزيزًا، أيْ قَلِيلَ الوُجُودِ، وَاللهُ لَا مِثل لَهُ، عَظِيم لا نَظِيرَ لَهُ في قدْرِه وعظَمَتِهِ. وعِزَّةُ القهْر: بمعْنَى الغلَبَةِ والظّهُورِ، بمعْنَى أنَّه قاهِرٌ وَغَالب لكُلِّ شيْء. وعِزَّةُ الامتِنَاعِ: معْنَاها امْتِنَاعُ جَمِيع النّقْصِ علَيْه ، أيْ أنَّه يمتَنِعُ علَيْه كُلُّ نقْصٍ، ومِنْ هَذا المعْنَى قولُهُم: (أَرْض عَزَازٌ) (١)، أي الصّلْبَةُ التي يمتَنِعُ أن يُؤثِّر فِيها شيْءٌ. فالله متَّصِفٌ بالعزَّةِ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الوُجُوهِ الثّلَاثةِ. وقوْله ﵀: [﴿الرَّحِيمُ﴾ بالمؤمنين]: استدلَالٌ بقوْلِه تَعالَى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]، والصّوابُ أنَّ رحمَةَ الله تَعالَى تكُونُ عامَّةً وخاصَّةً، فإنَّ كُلَّ مَن في السّموَات وَالأرْض فَهُم في رَحْمَةِ الله العامَّةِ، ولَوْلا هذِهِ الرّحْمَةُ العامَّةُ لما بَقِي أحدٌ مِن الكفَّارِ، فكَوْنُ الله يُدِرُّ عليْهِمُ الأرْزَاقَ والعافِيةَ وَالنّشاطَ والعقْل ومَا أشْبَه ذَلِك لا شَكَّ أنَّه مِن رحْمَةِ الله، ولكِنَّ الرّحْمةَ التي تَكُونُ بِها رَحمَةُ الدّنيا والآخرةِ خَاصَة بالمؤمِنِينَ. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: أنَّ كَلامَ الله بالحروفِ، يَعْني ﴿الم﴾ حُرُوفٌ، فَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الأشْعَرِيَّةِ الَّذِين يقُولونَ إِنَّ كَلامَ الله هُو المعْنَى القائِمُ بالنّفْسِ ولَيْسَ الحرُوفَ،

стр. 19

وَأنَّ هَذِهِ الحرُوفَ مخلُوقَةٌ لِتعبِّر عَن هَذا المعنى القائِم بنفسِهِ، ثمَّ يقُولونَ أيضًا: إِنَّ هَذا المعْنَى القائِمَ بالنّفْسِ لا يتَغَيَّرُ ولَا يخْتَلِفُ، فهُوَ واحِدٌ سوَاءً كانَ اسْتِفْهامًا أوْ خبَرًا أو أمْرًا أو نَهْيًا أو قُرآنا أوْ زَبُورًا أو تَوْرَاةً أو إِنْجِيلًا، فالتوْارَةُ هِي الإنْجِيلُ وهِي القرآنُ وهِي الزّبُورُ وهِي صُحُفُ إِبْراهِيمَ وصُحُف مُوسَى، ويقُولونَ أنَّها اخْتَلفَتْ في التّعْبيرِ، فَإِن عَبَّر عَن هَذا الكلامِ بالعرَبِيَّةِ صارَ قُرآنًا، او بالعبْرَّيةِ صَار تَوْرَاةً، أوْ بالسُّرْيانِيَّة صارَ إِنجيلًا، أوْ بلُغَةِ داوُدَ صَار زَبُورًا ... وهَكذا، وتصُوُّرُ هَذا غْيرُ ممكنٍ، وَهُو معْنًى غْيرُ معقولٍ، ثمَّ يقُولونَ أيضًا: إنَّ الاسْتِفْهام وَالخبْر معنَاهُما واحِدٌ، فإِذا جَاء اسْتِفْهام مِنَ الله فَهُو كالخبَرِ عنْهُ ومعناهما واحدٌ، وَلا شك أن مجرَّد تصورِ هذَا القولِ كافٍ في رَدِّه وإبْطَاله. الفائدة الثانية: إثْبَات عِلْمِ الله بِالغيْبِ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾. الفائدة الثالثة: إثْبَات رِسالَةِ النبيّ ﵊؛ لأَنَّ الإخبارَ عَنِ الغيْبِ لَا يكُونُ إلا بِوَحْيٍ. الفائدة الرابعة: أنَّ الله كَامِلُ السّلْطانِ والتّدْبيرِ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾. الفائدة الخامسة: أنَّ كُل الأشْيَاء لَا تَكونُ إلا بِأَمْرِ الله؛ لأَنَّهُ لما قَالَ: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾، قَال: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْد﴾. إِذَنْ: فكوْنُهُمْ غلِبوا فَبِأَمْرِ الله، وكَذِلك انْتِصارُهم بِأمْرِ الله، فكُلُّ الأمُورِ بتَقْديرِ الله تَعالَى وأمْرِه، فكُلُّ الأشْيَاء بِأَمْرِه .

стр. 20

الفائدة السّادسَة: الرّدُّ عَلَى القدَرِّيةِ الَّذِين يقُولونَ باسْتِقْلالِ العبْد بفِعْلِه، فَهُم يقُولونَ: إِنَّ العبْدَ مسْتَقِلٌّ بفعْلِه ولَيْس للهِ تَعالَى فِيه تقْدِيرٌ ولَا أَمْرٌ ولَا إِنْشاءٌ ولَا مَشِيئَةٌ. الفائدة السابعة: جَوازُ التّعْبيرِ بمَا يُدْخِلُ الخوفَ وَالحزْنَ عَلَى العدُوِّ؛ لأَنَّ قوْلَه تَعالَى: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ وهِي مِن ثَلاثَةٍ إِلَى عَشْرٍ، أَو إِلَى تِسْعٍ، معْنَاه أنَّه سيَبْقَى هَؤُلاءِ الفرْسُ في ذُعْرٍ وخَوْفٍ، كُلَّ سنَةٍ تَأْتِي يقُولونَ: هَذِهِ سَنَةُ الغلَبَةِ، ولَا شَكَّ أنَّ هَذا مما يَزِيدُهم ذُعرٍ وخوفًا؛ لأنَّهُم لَو غُلِبوا في أوَّلِ سنَةٍ انْتَهى الأمْرُ، لكِنَّ كوْنَهُم يتوَعَّدُون بأَمْرٍ لا يُدْرَى في خِلالِ سَبع سِنِينَ لَا شكَّ أنَّهُ أشَدُّ علَيْهِم مِنْ أنْ يَأْتِي الأمْرُ وَيَنْتِهي. الفائِدَةُ الثّامِنةُ: أنَّ مِن البلاغَةِ حذْفَ الفاعِلِ إِذْلالًا لَهُ وإِهانَةً؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾، فلَمْ يَذْكُر الغالب إِذلالًا لهم، وَرِفْقًا بِالرّومِ. الفائدة التاسعة: جَوازُ فَرَحِ المؤْمِنينَ بانْتِصَارِ بعْضِ الكفَّار بعضِهم عَلَى بعْضٍ، إِذا كَان في ذَلِك مصلَحَة للإِسْلَامِ، لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾، ما انْتَصر مُسلِمُون عَلَى كُفَّار، بَلِ انْتَصر كُفَّار عَلَى كُفَّارٍ، لكنَّ هَذا في مصلحَةِ الإسْلام؛ فلَا بأْسَ أنْ نفْرَح بانْتِصارِ بعضِهم عَلَى بعْضٍ إِذا كانَ المنتَصِرُ فِيه نفْعٌ للإسلامِ، ثمَّ يُساعِدُون المسْلِمينَ بِالمالِ والسّلاحِ، أَوْ عَلَى الأقَلِّ قدْ كَفَّ شرَّهُ مَع أنَّ الثّانِيَ فيه شرٌّ لكِنَّهُ أقَلُّ شرًّا مِن هؤُلاءِ. فعَلى هَذا إذا اقتَتَلَتْ دوْلَتانِ مِنْ دُوَلِ الكفَّار وكانَتْ إِحْداهُما أَقْربَ إِلَى نفْعِ المسْلِمين مِنَ الأخرى، فهلْ فرَحُنا بانتصارِها جَائِزٌ، أم نقولُ: كيفَ نَفْرَح بانْتِصارِ كَافِرٍ عَلَى كَافِرٍ، فهو حرامٌ؟

стр. 21

والجوابُ: هُو جَائِزٌ كَما فَرِح المؤْمِنُون بانْتِصار الرّوم عَلَى فارِسَ، مَع أنَّ كِلَيْهما مِن الكفَّار، لكِنَّ هَؤُلاءِ أهلُ كِتَابٍ، فَهُمْ أقْرَبُ مِن المؤْمِنينَ، وأقْرَبُ إِلَى الإسْلام ومُرَاعاةِ المسْلِمينَ مِنَ المجُوسِ. الفائدة العاشرة: جَوَازُ تَسْمِيةِ غَلَبةِ الكفَّار نَصْرًا، لقوْلِه تَعالَى: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾. فَإِذَا قَالَ قَائِل: كيْف تجْمَعُونَ بَيْن هَذِهِ الأيَة وبَيْنَ قوْلِه تَعالَى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١]، مَع أنَّ الرّوم لا يتَّصِفُون بِهَذِه الصّفَةِ؟ فالجوابُ: أنَّ النّصر نَوْعانِ: ١ - نَصْرٌ مُطْلَقٌ دَائِمٌ: فَهذَا لا يَكُونُ إلا لمَنْ يَنْصُر الله. ٢ - نَصْرٌ عارِضٌ مؤقَّتٌ: فهَذا يَكُونُ لهؤُلاءِ ولِغَيْرِهمْ. ونَصْرُ الله لِلرُّومِ عَلَى الفرْسِ ليْسَ نَصْرًا دائمًا، والدّلِيلُ أنَّه بعْدَ ذَلِك نَصَرَ الله المؤْمِنينَ عَلَى الفرْسِ وعَلى الرّومِ، فافْتَتَحُوا ممالك كِسْرَى وممالك قَيْصَرَ، فَلَمْ يَكُن هَذا نصْرًا دائِمًا. الفائدة الحادية عشرة: إثْبَات المشيئَةِ للهِ ، لقوْلِه تَعالَى: ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾. الفوائِدُ الثّانِيةَ عشْرةَ والثالِثةَ عشْرةَ والرّابِعةَ عشْرَةَ: إثْبَات العزَّةِ لله، لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾، وإثْبَات الرّحمةِ في قوْله تَعالَى: ﴿الرَّحِيمُ﴾، وإثْبَات كَمَالِ عِزَّتِه حيْثُ قُرِنَتْ بالرّحمَةِ؛ فإنَّنا ينبَغِي أنْ نعرِفَ أنَّ الأسْماءَ الحسْنَى تدُلّ كُلُّ واحدةٍ منْهَا

стр. 22

عَلَى كمالٍ بانفِرادِه، ثمَّ باجْتماعِ الاسْمَيْن بعضِهما إِلَى بَعْضٍ يدُلَّان عَلَى كَمَالٍ مرَكَّبٍ، فالعزِيزُ يدُلُّ عَلَى الكَمالِ، والرّحِيمُ يدُلُّ عَلَى الكمَالِ فإِذا اجْتَمعَا أُخِذ مِن ذَلِك كَمالٌ آخَرُ فوْقَ الكمَالِ الَّذي يتضمَّنُه كُلّ اسْمٍ عَلَى انفرَادِهِ، وهُو أنْ تَكُونَ عِزَّتُه مقرونَةً بالرّحْمَةِ؛ لأَنَّ عِزَّةَ غيرِه قَدْ تكُونُ خاليَة مِنَ الرّحْمَةِ، فَإِذا صَار عزِيزًا أخَذ الَّذي هُو ظاهِر علَيْه أخْذَ عزِيزٍ مُقتَدِرٍ ولم يرْحَمْه، بِخَلافِ عِزَّة الله فَهِي مقرونَة بالرّحْمَةِ، وهِيَ أيضًا مقرونَةٌ بالحكْمَةِ. مثالُ ذَلِك: لَوْ أنَّ رجُلًا غلَب عَلَى قوْمٍ وصَار عزِيزًا وهُمْ أَذِلَّاءُ فإِنَّ هَذا الرّجُلَ قدْ تأخُذُه العزَّةُ بالإثْمِ، فيَبْطِشُ بِهم ولَا يرحمُهُم، لكِنَّ عِزَّةَ الله ليْسَتْ كَذَلِكَ، بِل أنَّها مقرونَةٌ بالرّحْمَةِ كَما أنَّها مقرونَةٌ بالحكْمَةِ؛ وَلِهَذا دَائِمًا يَقْرِنُ الله العزَّةَ بالحكْمَةِ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: كلُّ اسْمٍ مِنْ أَسْماءِ الله يتضمَّنُ صِفة، فهَلْ كُل صِفَةٍ يُشتَقُّ منْهَا اسْمٌ؟ فالجوابُ: لَا يجُوزُ، فمثلًا المشِيئةُ لَا نقُولُ إِنَّ مِن أسْمَاءِ الله: (الشّائي)، أَو المرِيد أو المتكَلِّم، فلَا نقُولُ أنَّ هَذه من أسْمَاءِ الله، فالصّفَاتُ أوْسَعُ بِلا شَكٍّ، فيُخْبَر عَنِ الله بأشْيَاءَ ولَا يُسَمَّى بِها، ولكِنْ لَا يُخْبَرُ عنْهُ بصِفَةٍ إلا حيْثُ ورَدَتْ، فلَيْس كُلُّ صِفَةٍ يجُوزُ أن يُخْبَر بِها عَنِ الله، فَلا يجوزُ أنْ نُسمِّيَ الله مَثَلا بالحزِين، ولا نُسَمِّيه بالعاشِقِ، ولا نُسَمّيه بالهمَّام، ومَا أشْبَه ذَلِك، فالصّفَاتُ تَكُون توقِيفيَّةً، لا نَخْتَرعُ مِن أنفُسِنا صِفَةً لَهُ، لكِن الصّفاتِ أوْسَعُ مِن الأسْماءِ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل (المنْعِم) مِنْ أسماءِ الله ؟

стр. 23

قُلْنَا: ليْسَ مِن أسْمَاءِ الله، لكنَّ الله جَلَّ وَعَلَا يُنْعِمُ، فَهِي صِفَة، قَال الله تَعالَى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١]، ولا تَكُونُ نِعْمَة بِدُون مُنْعِمٍ، وَكَذلِكَ قوْله : ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، يُؤْخَذُ منْهَا (المنْعِم). أمَّا (المحْسِنُ) فوَرَدَ أنَّه مِن أسْمَاءِ الله في قَوْلِهِ ﷺ : "إِنَّ الله مُحْسِنٌ، كَتَبَ الإحسَان عَلَى كُلِّ شَيْ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القتْلَةَ" (١)، وَبِهذَا يَزُولُ الإشْكال الَّذي يَرِدُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، في التّسْمِيَةِ بـ (عَبْد المحْسِنِ). لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هَل يَجُوز التّسمِّي بعبْدِ المنْعِم؟ قُلْنَا: إِنْ ثَبَت أنَّه مِن أسْمَاءِ الله ، وإلا فَقَدْ يقُولُ قَائِلٌ: إنَّه يجُوزُ؛ لأَنَّ المنْعِم عَلَى الإطْلَاقِ هُوَ الله ، وكُلُّ إِنْسَانٍ لَهُ نعْمَة فهِي مقيَّدَةٌ، وإلا فقَوْلُنا: (أنْعَمْتَ علَيْهِ) تكُونُ حتَّى للإنْسَانِ، قَال تَعالَى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ابْنُ حزمٍ ﵀ يقولُ بجوازِ التّسْمِيَةِ بـ (عبْدِ المطَّلبِ) (٢)؟ قُلْنَا: هَذا غلطٌ مِنه ﵀، والتّسمِيَةُ بهِ ليْسَتْ سلِيمَةً. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هَل يجُوز التّسمِّي بـ (حَمِيد) و (مُحْسِن)؟ قُلْنَا: هَذا لَيْس بالأحْسَنِ، لكِنْ إِذا لم تُقْصَد الصّفةُ فَلا بَأْسَ، فقَدْ وَردَتِ التّسمِيَةُ بِـ (حَكِيم) في عهْدِ الرّسولِ ﵊ ولم يُغَيِّرْه، معَ أنَّ الحكِيمَ مِنْ أسْمَاءِ الله؛ لأنَّهُ ما أُرِيد بِه الصّفَة، فأسْمَاء الله يُرادُ بِها إثْبَات الصّفَة مَع الاسْمِ،

стр. 24

وَقَدْ يُسمي أحدُهم وَلده بـ (حكيم) وهُوَ مِن أسْفَهِ النّاس، وَكَذلِكَ قدْ يُسمِّيه بـ (محُسن) وهُوَ مِن أشَدِّ النّاس جَوْرًا فضْلًا عَن الإحسَان، أمَّا (عبْدُ الحكِيم) فيَجُوزُ، ولَيْس فِيه شَيْءٌ، وَكَذلِكَ (عَبْد الحمِيدِ)، لأَنَّ الحمِيدَ مِنْ أسْمَاءِ الله ، قَال تَعالَى: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قوْله تَعالَى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ إِلَى آخِرِه، هَل نقِفُ عَلَى الآيَات ولو تعَلَّق بِها ما بَعْدَها، أو نَصِلُ ونُرَاعِي المعْنَى؟ قُلْنَا: في هَذا قَوْلانِ لأَهْلِ العلْمِ: فمِنْهم مَن يَرَى أنْ نَقِف عَلَى الآيَات، وَيقُولُ هَذا هُوَ الوَارِدُ عَنِ النّبيّ ﷺ ، أنَّهُ كَان يقْرَأُ القرآنَ آيَةً آيَةً (١)، والدّليلُ عَلَى ذَلِك أنَّ الله جعلَها آيَةً فتَقِفُ علَيْها ولَوْ تعلَّقَ بِها مَا بعْدَها، وَهَذا كثِيرٌ فِي القرآنِ، كَما فِي قوْلِه : ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤]، هَذِهِ آيَةٌ فيَجوُز أنْ نقِفَ، وقوْلُه : ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، فيَجُوزُ أنْ نَقِفَ عَلى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾، وقوله تَعالَى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ آيَةٌ، وقوله تَعالَى: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ. وبعْضُ أهلِ العلْم يَرى أنْ تراعِي المعْنَى فتقِفَ عنْدَ انتِهَاءِ المعْنَى، ولَا تفصِلَ الآيَة عَنْ آيَةٍ تتعلَّقُ بِها. وَلو قِيل بالتَّفْصيل، فَإِذا كانَ يَسْرِدُ وهُوَ يقْرَأُ فإِنَّهُ يَقِفُ عَلَى كُلِّ آيَةٍ؛ لأَنَّ الكلامَ لَنْ ينْقَطِع بَلْ سيَتَّصِل ويتَّضِحُ المعْنَى، وَإِذا كنْتَ تُريد أنْ تتكَلَّم عَلَى معَانِي

стр. 25

الآيَات فإنَّك تُرَاعِي المعْنَى، لكَانَ لَهُ وجْهٌ، لكنْ لَا أعْلَمُ هَلْ قالَ بِذَلك أحدٌ مِن أهلِ العلْمِ، إِنّما القولُ بِه عَلَى حسَبِ قواعَدِ أهْلِ العلْم لَا بأْسَ بِه؛ لأَنَّ إِحْدَاثَ قولٍ ثالِث يتكوَّنُ مِن القوْلَيْنِ قبْلَه لَا بَأْسَ بِهِ. وهَذِه مسألَةٌ محَلُّ بحثِها أصولُ الفقْهِ، وهِي هَلْ يجوزُ إِذا أجْمَع العلَماء عَلَى قوْلَيْنِ إِحْداثُ قولٍ ثالِث؟ والصّوابُ: أنَّه إِذا كانَ القولُ الثالِث لا يخْرُجُ عنْهُما فَغايَةُ مَا هُنالك أنَّه يُفَصَّل فِيه، فهُوَ جائِزٌ لأَنَّهُ لا يَكُونُ قدْ خرَج عنِ الخلَافِ، أمَّا إِذا كَانَ يخْرُجُ عنْهُما فَلا يَجُوزُ. فإِذَا قُلْنا بالتَّفْصيل هُنا مَا خرَج عنِ القوْلَيْنِ، لكِنَّهُ يقَفِ في شيْءٍ، ولَا يقِفُ في شيْءٍ آخَرَ، ومِثْلُ هذَا الوِتْرُ، فمِنَ العلَماء مَنْ قَال بأنَّ الوترَ واجِبٌ، وقالَ آخرُونَ: إِنَّ الوِتْرَ ليْسَ بواجِبٍ، فإِذا قُلْنا إنَّه واجِبٌ عَلَى مَن كَان كَذا، وغيرُ واجبٍ عَلَى مَن كَان كَذا، كَما اخْتَار شيخُ الإسْلام أنَّه واجِبٌ عَلَى مَن لَهُ وِرْدٌ مِن الليلِ يقُومُ بِهِ، وغَيْرُ واجِبٍ عَلَى مَن سِوَاه (١)، صار هَذا القولُ الثالِث لا يخرُج عَنِ الإجْمَاعِ؛ لأنَّهُ يُوافِقُ أحَدَ القوْلَيْنِ في حالٍ، ويُوافِقُ القولَ الآخر في حالٍ أُخْرَى، فيَكُون قولًا ثالِثًا لكِنَّهُ لا يَخْرُج عنْهُما، أمَّا إِذا كانَ واحِدٌ يَقُولُ بالتّحْرِيم وَوَاحِدٌ يقُول بالحلِّ، ثمَّ جاءَ قولٌ ثالِث يقُولُ بالوُجُوبِ فهَذا لَا يمْكِنُ؛ لأنَّهُ في هذِهِ الحالِ لَا يُوافِقُ القوْلَيْنِ.

стр. 26

الآية (٦) قَالَ اللهُ : ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٦]. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾، مَصْدَرٌ بَدَلٌ مِن اللَّفْظِ بِفِعْلِهِ، والأصْلُ وَعَدَهُمُ الله النّصْرَ]؛ نعْلَم أنَّه مصْدَر وليْسَ فعْلًا، مصْدَرٌ مضَافٌ إِلَى الفاعِل، يعْنِي وَعَد الله إِيَّاهُم، فالمُفَسِّر ﵀ يقولُ: [إنه بدَلٌ مِن فِعْلِه]، أيْ نَائِبٌ منَابَ الفعْلِ، أيْ وعَدَهُمُ الله وقِيلَ: مصْدَرٌ فعلُهُ محذوفٌ وليْسَ نائِبًا عنْهُ، وعَلى هَذا فيكُونُ المقَدَّرُ كالموجُودِ، أيْ وعَدْناهُم وعْدَ الله، وَهَذا أقرَب، والمعْنَى أنَّ الله وعدَهُم وعدًا مُضافًا إِلَيْهِ، والوَعْدُ المضَافُ إِلَيْهِ لا يختَلِفُ؛ وَلِهَذا قَال: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾، فهذِه الجمْلَةُ كالتّوكِيد لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾؛ لأَنَّ المضاف إِلَيْهِ في ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ لا يُمْكِنُ أن يخلِفَ أبَدًا، إِذ إِنَّ إخْلَاف الوَعْدِ ناشِئٌ عَن كذِبٍ أوْ عَجْزٍ، فإِذا وَعدَكَ أحدٌ فأخْلَفَك فَهُو إمَّا كاذِبٌ وإِمَّا عاجِزٌ، والكذِبُ والعجزُ ممتَنِعانِ عِنِ الله ؛ لكِمالِ صِدْقهِ وقُدرَته، فعَلى هَذا لا يُخْلِف الله وعدَه، ولَا يُمْكِنُ أن يُخْلِفَه. وإِخْلَافُ الوَعْدِ أنْ يَأْتِي الوَاعِدُ بخلَافِ ما وَعَد بِه، مثلًا رجُلٌ قَال لَك: سأزُورُك غدًا في السّاعَةِ الثّامنَةِ، ثمَّ تأْتِي الثّامِنةُ ولَا يزُورُكَ، فهذا أخْلَف وعْدَه، وسبَبُ إخلَافِه إمَّا أنَّه عاجِزٌ أوْ هُو كاذِبٌ مِنْ أوَّلِ الأمْر أوْ نَسِي، والنّسيانُ أيضًا

стр. 27

عَيْبٌ، فعَلى هَذا نقُولُ: إنَّ الله لا يُخْلِفُ وعدَه؛ لِكَمال صِدْقِه في خَبَرِه، وكَمالِ قُدْرَته في تنْفِيذِ وعْدِه، واللهُ كامِلُ القُدْرَة، وكَلامُهُ كامِلُ الصّدْقِ؛ وَلِهَذا قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ به]، أيْ بالنّصْر، والنّصْرُ الَّذي وُعِدوا، ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾. وِفي الآيَات التي سبَقَتْ وعْدٌ آخَرُ للمُؤْمِنينَ بالفرَح؛ لقوْلِه : ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾، فوَعَدَ الله بانتصار الرّوم عَلَى الفرْس وبِفَرَح المؤْمِنينَ، ولا شَكَّ أنَّ الفرَحَ فِيه مِن انبِسَاط النّفْس وسُرورِها وانْشِراحِها مَا هُو نعمَةٌ يُنْعِمُ الله بِه عَلَى الفرِحِ. قوْله تَعالَى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ عُطِف علَيْه قولُه: ﴿وَلَكِنَّ﴾، أو يحتَمِلُ أنَّه معطُوفٌ عَلَى قوْلِه تَعالَى: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾، و (لكنَّ) تنصِبُ الاسْم وترْفَغُ الخبَر، واسْمُها ﴿أَكْثَرَ﴾ وخَبَرُها جُمْلَةُ ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾. وقوْله ﵀: [﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ أي كُفَّار مكة]: تخصِيصُ ذَلِك بكُفَّارِ مكَّةَ فِيه نَظَرٌ، والصّوابُ أنَّه يشْمَلُ كُفَّار مكَّةَ وغيرَهم، وكلُّ مَن ليْسَ عنْدَه إِيمانٌ فإِنَّهُ لَا يعْلَمُ ما للهِ تَعالَى مِن تنفيذِ الوَعْدِ؛ لأنَّهُ بيْنَ مكذِّب وشَاكٍّ متردِّدٍ فلَا يعْلَمُه. قوله ﵀: [﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ وعدَه تَعالَى بنصرهم]: والظّاهرُ أنَّهُم لا يعلمُونَ وعدَه تعالَى بنصرِهم، ولا يعلمونَ أنَّ الله تَعالَى لا يُخْلِف الوَعْدَ، أيْ لا يعْلَمُون الأمْرَيْنِ جميعًا، فَلا يعْلَمُون أنَّ الله تَعالَى سيُحَقِّق النّصْرَ لهمْ إِمَّا لجهلهم بمَا أخْبَر الله به، وإِمَّا لشَكِّهِم في صدْقِه أو قُدَرِة الله علَيْهِ، ولَا يَعْلَمُونَ أيضًا أنَّ الله لا يُخْلِفُ الَوَعْدَ فِي هَذا وفِي غيْرِهِ لشَكِّهم في صِدْقِ الله وفي قُدْرَته ﵎ عَلَى إِنْفاذِ موْعُودِهِ.

стр. 28

وقوْله تَعالَى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾: مقْتَضاهُ أنَّ أقلَّ النّاس يعْلَمُونَ؛ لأنَّهم مُؤمِنُون باللهِ ، وبما لَهُ مِن القُدْرَة والصّدْقِ والقوْلِ. من فوائد الآية الكريمة: : أنَّ غلبَةَ الرّومِ للْفُرسِ وفرَحَ المؤْمِنينَ بذَلِك خبَرٌ متَضَمِّنٌ للوَعْدِ. الفائدة الثانية: امتِنَاع إخْلَافِ الله تَعالَى وعْدَه؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾. الفائدة الثالثة: ثُبوتُ القُدْرَة والصّدْقِ للهِ ؛ مأخُوذَةً مِنْ قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾؛ لأنَّهُ متضَمنٌ لكمالِ الصّدْقِ والقُدْرَة. الفائدة الرابعة: أنَّ أكْثَر النّاسِ غَيْرُ عَالمينَ بما يسْتَحِقُّه الله تَعالَى مِن صِفاتِ الكمالِ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. الفائدة الخامِسَةُ: أنَّ العلْمَ الحقيقِيَّ هُو العلْمُ باللهِ تَعالَى وأسمائِهِ وصِفاتِهِ؛ لا العلْمُ بالدّنيا؛ لقوْلِه : ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾، ثمَّ قالَ في الآية التي بعدَهَا ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا﴾، فنَفَى العلْمَ عنْهُم لأَنَّ علْمَ الدّنيا في الحقيقةِ ليْسَ بعِلْمٍ، فيُستفَاد منْهَا أنَّ العلْم الحقيقِيَّ الَّذي يُمْدَح علَيْه المرْءُ هُو العلْمُ باللهِ وأسمَائِه وصفَاتِه وأحْكَامِه.

стр. 29

الآية (٧) قَالَ اللهُ : ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧]. قال المُفَسِّر ﵀: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أَيْ مَعَايِشهَا مِنْ التّجَارَة وَالزّرَاعَة وَالبنَاء وَالغرْس وَغَيْر ذَلِك ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ إعَادَة هُمْ تأكيد] اهـ. قوْله تَعالَى: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لـ (لكنَّ)، والخبَر الأوَّلُ ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾، وقِيل أنَّه بدَلٌ مِنْ قوْلِه تَعالَى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾، ورُدَّ هَذا القوْلُ لأَنَّهُ لا يُبْدَلُ المثبَتُ مِن المنَفِيِّ للتَّضادِ، فَكيْفَ تُبْدِلُ شيْئَا مثبَتًا مِن شيْءٍ مضَادٍّ لَه، وعَلى هَذا فَإِنَّ ﴿يَعْلَمُونَ﴾ الثّانيَةَ خبَر ثانٍ لـ (لكنَّ)، وتعَدُّد الخبَر جائِزٌ. قوْله تَعالَى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ سبحانَ الله العظيمِ! أثْبَت لَهُمُ العلْمَ لكِنَّهُ علْمٌ قاصِرٌ مِن وجْهَيْنِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهم إِنّما يعلَمُونَ ظاهِرًا مِن الحياةِ الدّنْيا، لَا باطِنًا، وكَمْ مِنَ الأمورِ الخفِيَّةِ في هَذِهِ الحيَاةِ لا يعْلَمُها أُولئكَ الكفَّارُ، فالكفَّارُ لا يعْلَمُونَ كُلَّ خفِيٍّ في هَذِهِ الدّنيا، والدّليلُ عَلَى هَذا تطوُّرُ الصّنائعِ والمختَرعاتِ لأَنَّ هَذا التّطوُّرَ بالنّسبَةِ للسَّابِقينَ غيْرُ معلومٍ، ثمَّ سيَأْتِي تطوُّر آخَرُ يكونُ بالنّسبَةِ للمَوْجُودِينَ غيرَ معلومٍ.

стр. 30

إِذَنْ: هُم إنما ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، فلَا يعْلَمُون كُلَّ مَا في الدّنيا مِن ظَاهِرٍ وبَاطِنٍ. الوَجْهُ الثَّاني: أنَّهم يعلَمونَ ﴿ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، وليْسَ كلَّ ظاهِرٍ، وفرْقٌ بينَ أنْ يعْلَمُوا كلَّ ظاهِرٍ مِن الحياةِ الدّنيا وأنْ يعْلَمُوا الظّاهِرَ مِن الحيَاةِ الدّنيا وأنْ يعْلَمُوا ظاهِرًا منهَا، فالتّعبِيرُ يكُونُ عَلَى هَذِهِ الوُجُوهِ، والأخِيرُ يعني أنَّهم لَا يَعْلَمُونَ كُلَّ ظاهِرٍ إِنما يعْلَمُون ظاهِرًا منْهَا فقَطْ، وأنَّ هناك ظَواهِرَ أخْرَى لَا يعْلَمُونَها أيضًا، فعُلم بِهَذا قُصُورُ عِلْمِ هَؤُلاءِ، فهُمْ فِيما يتعلَّقُ باللهِ جَلَّ وَعَلَا جُهَّالٌ لا يعلمونَ، وفِيما يتعلَّق بالدّنْيا إنَّما يعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحيَاةِ الدّنيا فقَطْ. أمَّا فِيما يتعلَّقُ بالآخرةِ فيقولُ تعالَى: ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾، وهذَهِ جمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ أُكِّد فِيها المبتدأُ (هم) بتكرارِه، فـ (هُم) الثّانية توكِيدٌ للأُوْلى، ولَو حُذِفَت وقيلَ: (وَهُم عَن الآخرةِ غَافِلُون) كانَ الكلامُ مستقيمًا، لكنَّه كُرِّر للتَّوكِيد، يَعْني هُم بالنّسْبَة لأُمُورِ الآخرة غافِلُون مُعْرِضُون عنْها لا يُفكِّرونَ فِيها، تَجِد الواحِدَ منْهُم في أُمُور الدّنيا فتَنبَهِرُ مِن علْمِه بِها، ولكن فِي أُمورِ الآخرةِ عنْدَه غفْلَةٌ لا يُفكِّر فِيها، ولَا يُحاوِلُ أن يُعمِلَ فِكْرَهُ، ولا أنْ يَنْظُرَ في هَذا الخلْقِ العظِيم، غَافِل عنْ مَاذا يكونُ مآلُه؟ وكَيْف خُلِق؟ وإِلى أيْنَ ينتهي؟ وقالَ الله تَعالَى في آيةٍ أخْرَى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [المؤمنون: ٦٣]، يعْني مِنْ أَمْر الإِيمَان باللهِ وبِرَسُولِه ﷺ ، ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ أعمَالٌ أخْرَى، ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣]، يُدرِكونَها تمامًا، لكِنْ في أمْرِ الإِيمَان باللهِ واليَوْمِ الآخر قلوبُهم في غمْرَةٍ؛ وَلِهَذا يجِدُ جزاءَ هذهِ الغمرةِ إِذا قِيلَ لَهُ: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]، وَهَذا يكُونُ يوْمَ القيامَةِ.

стр. 31

المُهِمُّ: أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِين غَفَلُوا عن الله وعَنِ الآخرة عنْدَهم عِلْمٌ مِنَ الحياةِ الدّنيا، راجِعِ الآن الصّنائِع تجِدْ شيْئًا يُبْهِرُك لكِنْ مِنْ قَوْمٍ هُم في أمْرِ الآخرةِ أُمِّيونَ لَا يعْلَمُونَ شيْئًا؛ لأنَّهُم - والعياذُ باللهِ - عنْدَهم غفْلةٌ وَلِهَذا تتعجَّبُ: كيْفَ يَصِلُ هؤُلاءِ إِلَى الأجْواءِ ويصْنَعونَ الطّائراتِ والآلاتِ الغرِيبَةَ، ومَع ذَلِك ليْسَ عنْدَهُم عِلْمٌ بِاللهِ واليَوْمِ الآخر، فلَو سألتَ الطّفل مِن المسْلِمينَ أجابَك، ولو سألت أكبْرَ واحدٍ منْهُم مِن المختَرِعِينَ ما أجَاب، وَذَلِكَ فضْلُ الله يُؤتيهِ مَنْ يشَاءُ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هلِ الضّمِيرُ في قوْله تَعالَى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يعودُ عَلَى الكفَّار أمْ يعُودُ عَلَى غيرِهم مِن المسْلِمينَ الغافِلِينَ؟ قُلْنَا: يَعُود عَلَى الكفَّارِ؛ لأَنَّ المقْصُودَ بِهَذا تأْكِيدُ الذّمِّ في حقِّهم، وإلّا فحَتَّى المؤمِنُون لا يَعْلَمُونَ إلا ظاهرًا مِنَ الحيَاةِ الدّنيا، بِدَليلِ قوْلِه : ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨]. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: بعْضُ المسْلِمينَ غافِلُون عَنْ أكْثَرِ أُمورِ الدّينِ، ولكنَّهُم عالمونَ بأمُور دُنياهُم؟ قُلْنَا: هذَا صحِيحٌ، وَهَذا فِيه شبَهٌ مِنَ الكفَّارِ حيْثُ حقَّق أمورَ الدّنيا، وأَعْرضَ عَن أُمورِ الآخرةِ. الحاصِلُ: أنَّ المقْصُودَ مِن هَذا تأكِيدُ الذّمِّ بِالنّسبَةِ لهُم، هَؤُلاءِ الَّذِين جهِلُوا باللهِ وصِدْقِ وعدِه لا لِقُصورٍ فِيهم أَو في أفْهامِهِمْ، لكِنْ لغَفْلَتِهم، وإلَّا فإنَّ المؤمنِين أيضًا يعْلَمُون ظَاهرًا مِن الحيَاةِ الدّنيا ولَا يعْلَمونَ كُلَّ شيْءٍ، لكنَّ المؤمنِين معَهُم عِلْمٌ باللهِ وأسمائِهِ وصِفَاتِهِ وحِينَئِذٍ لا يكُونُ هَذا نقْصًا فِيهم، إِنما مَحَطُّ النّقْصِ هُو أنَّ هَؤُلاءِ لا يَعْلَمُونَ ما يتعلَّقُ بالإِيمَان باللهِ، ويَعْلَمُون ظاهِرًا مِنَ الحيَاةِ الدّنْيا.

стр. 32

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هَل الكفَّارُ يُؤمِنُون بوجُودِ الله أمْ يُنْكِرونَ وُجودَه؟ قُلْنَا: يخْتَلِفُون، فمِنْهم مَن يُنْكِرُ وُجودَ الله، ومِنْهُم مَن لَا يُنْكِرُ، لكِنَّ الَّذي لا يُنْكِرُ وُجُودَ الله ويُؤْمِنُ بِوجُود الله ثمَّ يَعْبُد غيرَهُ ويُشْرِكُ فهَذا مُتَناقِضٌ. من فوائد الآية الكريمة: : الفائدة الأولى: قُصُور عِلْم المرْءِ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، ليْسَ كُلَّ الظّاهِر، وليْسَ الباطِنَ، فالمرْءُ علْمُه قاصِرٌ حتّى في أُمورِ الدّنيَا أيضًا، فَلا يمْكِنُ للمَرْء الإحَاطَةُ بعِلْمِ الدّنْيا. الفائدة الثانية: ذَمُّ الَّذِين يتكالَبُون عَلَى العلومِ الدّنْيويَّة مَع غفْلَتِهم عَن الآخرةِ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾. الفائدة الثالثة: أنَّها تتضمَّنُ مدْحَ مَنْ يُقْبِلونَ عَلَى الآخرةِ، ويَحْرِصُونَ علَيْها وإِنْ فَاتهم شيْءٌ مِنْ أُمورِ الدّنيا؛ لأنَّهُ إذَا ذَمَّ مَن كانَ عَلَى العكْس فذَمُّ الضّدِّ مدْحٌ لضِدِّه، فالَّذِين يُقْبِلُونَ عَلَى الآخرةِ - وإِنْ كانَ ليْسَ عنْدَهُم إلا عُلُومٌ قليلَةٌ مِن الدّنيا - أكمَلُ بكَثِيرٍ مِنَ الَّذِين يُقْبِلُون عَلَى الدّنيا ويَغْفَلُونَ عنِ الآخرةِ، وَهَذا ما تدُلّ علَيْه هَذِهِ الآيَات.

стр. 33

الآية (٨) قَالَ اللهُ : ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ [الرّوم: ٨]. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ ليَرْجِعُوا عَنْ غَفْلَتهمْ ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ لِذَلِكَ تَفْنَى عِنْد انْتِهَائِهِ وَبَعْده البعْث ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ أَيْ كُفَّار مَكَّة ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ أَيْ لَا يؤمنون بالبعث بعد الموت] اهـ. قوْله تَعالَى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾: مثْلُ هَذا التّركيبِ فِي إعرابِه للنَّحْويِّينَ قولَان: أحدُهُما: أنَّ الهمزَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى مكانِها، وأنَّ أصلَها: (وَأَلم يِتَفَكَّرُوا)، فتكُونُ الجمْلَةُ معطوفَة عَلَى مَا سبق. والوَجْهُ الثَّاني: أن تكُونَ الهمزَةُ داخِلَة عَلَى محذوفٍ يُقَدَّر بحسب السّيَاقِ، ويكُونُ ما بعْدَها مِن حرْفِ العطْفِ عاطِفًا عَلَى ذَلِك المحذوفِ، وفي هَذِهِ الآيَة يَكُون التّقْدِيرُ: (أَغَفَلوا وَلم يتَفَكَّرُوا)؛ لأنَّهُ لما قال: ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ قَالَ: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾، والاسْتِفْهام للتَّوبيخِ؛ لأَنَّ الإنسان مأْمُورٌ بأَنْ يتفَكَّرَ. قوْله تَعالَى: ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ هلْ هُو محَلُّ التّفكُّر أو آلَةُ التّفَكُّر، بمعْنَى هَل المقْصودُ مِنَ الآيَة الحثُّ عَلَى تفكُّرِهم في أنْفُسِهم كَما في قوْله : ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ

стр. 34

أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]، أوِ الحثّ عَلَى التّفكّرِ في خلْقِ السّموَات وَالأرْض في أنْفُسِهم؟ نَقُول: يُراد بِه كِلا الأمْرَينِ، لكنَّ الأقربَ الأخيرُ؛ وَلِهَذا قالَ: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ﴾، فالمعْنَى: (أَوَلم يَرْجِعُوا إِلَى أنْفُسِهم ويتَفكَّروا تفكيرًا حقيقيًّا في هَذا الكوْنِ ليَعْرِفُوا بذَلِك حكمَةَ الله وما يتضَمَّنُه مِن صفَاتِه العظِيمَةِ). قوْله تَعالَى: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: ﴿ومَّا﴾ نَافِيَة، والدّلِيلُ قوْله تَعالَى: ﴿مَا خَلَقَ﴾، ﴿خَلَقَ﴾ بمعْنَى أوْجَد وأبْدَع، ولا يَكُون غالبًا إلا بتَقْدِيرٍ وتنظيمٍ؛ لأَنَّ أصلَ الخلْقِ التّقْدِيرُ في النّفْسِ، كما قال الشّاعر: وَلأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وَبَعْـ ... ـضُ النّاس يَخْلُقُ ثمَّ لا يَفْرِي (١) يَعْني تُمْضِي ما قَدَّرتَ، فالخلْقُ هُو الإبْداعُ بتَقْديرٍ وتنْظِيمٍ. وقوْله تَعالَى: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾: المرَادُ بِها الطّباقُ، وكانَتْ سبْعًا. وقوْله تَعالَى: ﴿وَالْأَرْضَ﴾: مفْرَدٌ، والمرَادُ الجِنْس، فيَشْمَلُ جَميعَ الأرْضينَ وهِي سبْع، وعُطِفت عَلَى السّمَوَاتِ وهِي منصُوبَةٌ؛ وَلِهَذا فُتِحَتْ بخلَافِ ﴿السَّمَاوَاتِ﴾؛ لأنَّهَا جَمْعُ مؤنَّثٍ سالِم. وقوْله تَعالَى: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: ﴿مَا﴾ اسْمٌ موصُولٌ معطُوفٌ عَلَى السّمواتِ، والعلَماءُ يقُولونَ أنَّه إذا تعدَّدَتِ المعطُوفَاتُ فالمعطُوفُ علَيْه هُو الأوَّل؛ لأنَّهُ المبَاشِرُ للعامِلِ وما بَعْدَه فرْع علَيْهِ، فيكُونُ العطْفُ إِذَنْ عَلَى ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، فلَو قُلْتَ: جاءَ زْيدٌ وعمْرٌ ووبَكْر وخالدٌ وسعيدٌ، فسَعِيا معطُوفٌ عَلَى زيدٍ الأوَّلِ؛ لأَنَّهُ المباشِرُ

стр. 35

ومَا بعْدَه فرْعٌ، والفرْعُ لا يُعْطَفُ عَلَى فرْع، بَل يُعْطَفُ عَلَى أصْلٍ. وقوْله تَعالَى: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ البيْنيَّةُ لا تقتضِي التماسَّ، فقَدْ يكونُ الشّيْءُ بيْنَ الشّيئَيْن وهُوَ لا يمسُّ أحدَهما، فهنا الَّذي بيْنَ السّماءِ والأرْض لا يلزمُ أنْ يمَسَّ أحدَهما، لكنَّه يمكِن أن يمسَّ، فعَلى هَذا نقولُ: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ يشمَلُ السّحابَ والرّياحَ والنّجومَ والشّمسَ والقمرَ وغيرَ ذَلِك مِنَ المخلوقَاتِ العظِيمَةِ التي لا نعلَمُها، وفي التّنْصيصِ عَلَى ذِكْر مَا بيْنَ السّموَاتِ وَالأرْض دليلٌ عَلَى أنَّ ما بَيْنَهُما أمْرٌ عظِيمٌ يُقارَنُ بنَفْسِ السّموَاتِ وَالأرْض، وَهَذا يعلَمُهُ أهْلُ الفلَكِ الَّذِين يَطَّلِعُونَ عَلَى مَا في الأفُقِ مِنَ الآيَات العظِيمَةِ التي تدُلّ عَلَى مَا تدُلّ علَيْه مِنْ كَمالِ الله . وقوْله تَعالَى: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: هَذا محَطُّ الفائِدَةِ مِنْ قَوْلِهِ : ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، فهذَا حصْر، أيْ هَذا الخلْقُ مُقارَن بالحقِّ، فـ (الباءُ) إِذَنْ للمُصاحَبَةِ والملَابَسَةِ، أيْ أنَّ خلْقَهُ مصْحُوبٌ بالحقِّ؛ لأنَّهُ مُتضمِّنٌ لكَمالِ العدْلِ وكَمالِ الصّدْق، كما قامَتِ السّموَاتُ وَالأرْض إلا بالعدْل، والعدْلُ حقٌّ، وهذَا يشْمَلُ أنْ يكُونَ الغايَةُ منْ خلقِها الحقَّ ابتداء وانتهاء، كمَا قالَ : ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الأنبياء: ١٦]، وَلَوْ كانَتْ هَذِهِ السّموَاتُ وَالأرْض خُلِقَتْ لتَحْيا الخليقَةُ عليْها وتَعِيشَ وتمُوتَ بِدُونِ جَزَاءٍ ولا حِسابٍ ولا ثَوابٍ ولا عِقابٍ لكَانَ خلْقُها بَاطِلًا ولَيْس بحَقٍّ. إِذَنْ: لا بُدَّ لهذهِ المخلُوقاتِ العظِيمَةِ أنْ يكُونَ لها غَايَةٌ، وهَذِه الغايَةُ هِيَ الحقُّ، فعَلى هَذا نَقُولُ: إِنَّ قوْله تَعالَى: ﴿بِالْحَقِّ﴾ يشمْلُ الابْتِداءَ والانْتِهاءَ. وقوْله تَعالَى: ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾: معطُوفٌ عَلَى قوْلِه تَعالَى: ﴿بِالْحَقِّ﴾، يعْنِي ما خلَقَهم أيضًا إلا بأَجَلٍ مُسمًّى، أيْ مُعيَّن، والأجَلُ غايَةُ الشّيْءِ، وهُوَ مُسمًّى مِن

стр. 36

قِبَل الله تَعالَى، فهُو الَّذي عيَّنه، وهذَا التّعْيينُ يشْمَلُ الابتِداءَ والانتِهاءَ، فابتدَاؤُها بأجَل وانتِهاؤُها بأَجَلٍ أيضًا، فإِنَّ الله تَعالَى أَوْجَد هَذِهِ السّموَاتِ وَالأرْض بَعْدَ أنْ كانَتْ معدُومَة، وإيجادُهُ لها كَانَ بِالأجَلِ المعَيَّنِ عنْدَه، وَكَذلِكَ سوْفَ يُنْهِي السّموَاتِ وَالأرْضَ، وإنْهاؤُه إيَّاها بالأجَلِ. إِذَنْ: كُلُّ شيءٍ عنْدَ الله مُقَدَّرٌ، حتَّى الحوادِثُ التي تَحْدُث فِي السّمواتِ وَفي الأرْض بعْدَ خلْقِها، وإيجَادُها كُلُّه بأَجَلٍ لا يتَقَدَّمُ ولا يتَأَخَّرُ، وإِذا تأمَّلْتَ قلِيلاً عرَفْتَ بذَلِك كَمالَ قُدْرَةِ الله ، وكيْفَ أنَّ هَذِهِ الأمُورَ والشّؤُونَ العظِيمَةَ الكثِيرَةَ كُلَّها تُدَبَّرُ بأَجَل لا يتقَدَّمُ ولا يتأَخَّرُ، فنَحْنُ مثَلاً نُقَرِّرُ أنْ نبْدأَ الدّرْسَ في السّاعَةِ الثّامِنَةِ، ولكِنْ أحيانًا نبْدَأُ السّاعَة الثّامِنَةَ والنّصْفَ، وأحْيانًا السّاعَةَ الثّامِنَةَ والثّلُثَ، فنتَأَخَّرُ وَلا يَنتظِمُ أمرُنا مَع أنَّه بَسِيطٌ، وهَكذَا كُلُّ شُؤونِ الخلْقِ لا يُمْكِنُ لأحدٍ أن يَضْبِط جَمِيعَ أعمَاله بأَجَلِها المحَدَّدِ مهْما بلَغَ فِي الحرْصِ؛ لأنَّهُ قد يَعْتَرِيه مَا لا طَاقَةَ لهُ بِه؛ فَلا يستَطِيعُ، لكِنَّ الرّبَّ حدَّدَ كُلَّ شيْءٍ بأَجَلِه لا يتَقَدَّمُ ولا يتَأَخَّرُ، ولا شَكَّ أنَّ هذَا مِن كَمالِ الحكْمَةِ والصّنعْ، ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]. فإذَا تأمَّلْنا هَذا الكوْنَ العظِيمَ عَلَى مَا فِيه مِنَ الحوَادِث الفلَكِيَّةِ والأرْضيَّةِ والعامَّةِ والخاصَّةِ فإِنَّنا فِي الحقِيقَةِ نسْتَدِلُّ بِه دَلالَةً واضِحَةً عَلَى كَمال قُدْرَةِ المدَبِّرِ لهذَا الكوْن الخالِق لَه، وأنَّ كُلَّ شيْءٍ بِأجَلٍ. وفي آيَةٍ أُخْرَى ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]، فهُو أيضًا بمِقْدارٍ، فهُوَ بأَجَلِه وبمقْدَارِه، لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، سُبْحانَ الله العظِيمِ. قولُه ﵀: [﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ لِذَلِكَ تَفْنَى عِنْدَ انْتِهَائِهِ وبَعْدَهُ البعْثُ]: أي:

стр. 37

تَفْنى السّموَاتُ وَالأرْض وما بَيْنَهُما عنْدَ انتهاءِ هَذا الأجَلِ، ثمَّ يأْتِي البعثُ. قوُله ﵀: [﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ أي كُفَّار مكَّة]: خصَّه المُفَسِّر بأَهْلِ مكَّةَ، والصّوابُ العُمُوم، فيَشْمَلُ أهْلَ مكَّةَ وغيْرَهم، فَكثِيرٌ مِنَ النّاسِ يُنْكِرُونَ البعْثَ، بلْ يُمْكِنُ أنْ نَجِد في غيرِ أهْلِ مكَّةَ مَنْ هُم أشَدُّ منْهُم إنْكارًا للْبَعْثِ، فتَخْصِيصُ العامِّ في القرآنِ أمْر لا يَنْبَغِي إلا إِذَا قَامَ الدّلِيلُ عَلَى هَذا. وقوْله تَعالَى: ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾: اللِّقَاءُ بمعْنَى المواجَهَةِ والمقابَلَةِ، وكُلُّ إِنْسَانٍ سواءٌ مؤمنًا أو كافِرًا سوْفَ يَلْقى الله ؛ ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦]؛ لأنَّهُ قالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾ وَهَذا عَامٌّ، ثمَّ قالَ بعدَ قوْله تَعالَى: ﴿فَمُلَاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الانْشِقاق: ٦ - ٧]، ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ [الانْشِقاق: ١٠]، فدَلَّ هَذا عَلَى أنَّه عامٌّ، فكُلُّ أحدٍ ملاقٍ الله ، وسوْفَ يحاسِبُه، ولكِنَّ حِسابَ الله للنَّاسِ يخْتَلِفُ، فالمؤْمِنُ يُقرِّرُه الله بذُنُوبِه، فَإِذا أقَرَّ بِها غَفَر لهُ، وأمَّا الكافِرُ - والعياذُ باللهِ - فإِنَّهُ يُخْزَى بِها ويُعاقَبُ علَيْها، وَيكُونُ هوانًا لَهُ. والكفْرُ في اللُّغَة السّتْرُ، ومنْه سُمِّي الكفُرَّى الَّذي هُو كافُورُ النّخْل - غُلاف الطّلْع -؛ لأنَّهُ يسْتُرهُ والمرَادُ بالكفْر سَتْرُ نعمةِ الله عَلَى المرْءِ بحَيْثُ يَعْصِيهِ إِذا أمَرَه ويجْحَدُه إِذا طلَبَ مِنْه الإِيمَان، وأنْوَاءُ الكفْر كثِيرَةٌ: منْهَا: الكفْر المخْرِجُ عَن الملَّةِ. ومنْها: الكفر أَي: خِصالُ كَفْرٍ، وليْس الكفْر المطْلَقِ. وَهَذا يَرْجعُ إِلَى حَسَبِ النّصُوصِ الشّرْعِيَّةِ. فَائِدَةٌ: الَّذي لَا يَعْمَلُ بمقْتَضَى إيمانِه فَوُجودُ إِيمَانِهِ كالعدَمِ؛ لأَنَّ الكفْرَ نَوْعَانِ:

стр. 38

- كُفْرُ جَحْدٍ. - وكُفْرُ اسْتِكْبارٍ. وقوْله تَعالَى: ﴿لَكَافِرُونَ﴾: (اللام) للتوكيد، و (كافِرُون) خبَرُ إنَّ، و ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ متعلِّق بِه، وقُدِّم علَيْه لمرَاعَاةِ الفواصِلِ، ومُراعَاةُ الفواصِلِ في القرآنِ الكرِيم ظاهِر؛ لأَنَّ القرآنَ - أوْ لأَنَّ الكلامَ عامَّةً - إِذا كانَتْ لَهُ فواصِلُ متَّفِقَة يَكُونُ هَذا أنْشَطَ للنَّفْسِ وأرْغَبَ فِي استِماعِهِ وتلَاوَتهِ. من فوائد الآية الكريمة: الفوائِدُ الأوْلى والثَّانِيَةُ والثالِثةُ: تَوبِيخُ مَن أعْرَض عَنِ التّفكُّرِ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾؛ لأَنَّ الاسْتِفْهام هُنا للتَّوبِيخِ، ويتفَرَّعُ عَلَى هَذِهِ الفائِدَةِ فائِدَةٌ ثانيَةُ: وهِي الحثُّ عَلَى التّفَكُّرِ، ويتفرَّع علَيْه الفائِدَةُ الثالِثةُ وهِي أهميَّةُ التّفكُّرِ؛ لأَنَّ الله لا يَحُثُّ عَلَى شَيْءٍ ويُوبِّخُ عَلَى ترْكِه إلا لما فِيهِ مِنَ الفائِدَةِ والمصْلَحِة. الفائِدَتانِ الرّابِعَةُ والخامِسَةُ: أنَّ محَلَّ التّفْكِيرِ هُو العقْلُ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾، هَذا إِذا قُلْنا: إِنَّ المرَاد كَوْنُ النّفْسِ آلةَ التّفَكُّر وطرِيقَ التّفَكُّرِ. أمَّا إِذا قُلْنَا أنَّها محَلُّ التّفَكُّر فيُستَفاد منِه فائِدَةٌ وهِي عظِيمُ صُنْعِ الله في نَفْسِ الإنسان، ومَا أوْدَعهُ فِيه مَنَ العجائِبِ، وإِذا أرَدْتَ أنْ تعْرِفَ ذَلِك فاذْهَبْ إِلَى أهْلِ العلومِ والطّبِّ تجدْ في جِسْمِك العجَبَ العجابَ، فهَذا الطّعامُ الَّذي تأْكُلُه يتحَوَّلُ إِلَى دَمٍ، ويتَوزَّعُ عَلَى الجسْمِ بحسَبِ أنْسِجَتِه، فتُعطَى الأعْصابُ كمِّيَّةً تلِيقُ بِها، ويُعطَى اللَّحْمُ كمِّيَّةً تلِيقُ بِه، وتُعطَى العظَامُ كميَّةً تلِيقُ بِها، فهَذِه الأنَابِيبُ الدّقِيقَةُ مثْلَ الشّعْرِ توزِّعُ عَلَى هَذا الجسْمِ بقَدْرِ ما يَحْتَاجُ إِلَيْهِ.

стр. 39

وقَدْ ذَكر ابْنُ القيِّم ﵀ في كتابِ (مِفْتَاحُ دَارِ السّعادَةِ) مِنْ هَذا شيئًا كثيرًا، وهَذا قَبْلَ أنْ يَرْتَقِي الطّبُّ إِلَى ما ارْتَقى إِلَيْهِ اليَوْمَ. الفائدة السّادِسة: أنَّ خالق السّموَاتِ وَالأرْض هُو الله؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، فلَمْ يخْلُقْهُما أحَدٌ، وَلِهَذا قَال فِي سُور الطّورِ ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦]. الفائدة السابعة: إثْبَات تعدُّدِ السّموَاتِ وهِي سَبع، وأمَّا الأرْض فَهِي دَائِما تُفْرَدُ فِي القرآنِ، ومَا ذُكِرَتْ في القرآنِ مجمْوعَةً، لكِنْ أُشِير إِلَى أنَّها جَمْعٌ فِي قوْله تَعالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]. الفائِدَةُ الثّامِنهُ: أنَّ بَيْن السّموَاتِ وَالأرْض مِن المخْلُوقاتِ العظِيمَةِ مَا استَحَقَّ أنْ يُجْعَل قَسِيمًا لخَلْقِ السّموَات وَالأرْض، لقولِه تعالَى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، وهَذِه ثلاثَةُ أشْيَاءِ: (السّموَاتُ، وَالأرْض، ومَا بَيْنَهُما)، وكُلُّنا يعْلَم عِظَم الأرْض وعِظَمَ السّماءِ، إِذَنْ: فعِظَمُ مَا بَيْنَهُما مُوازٍ لهُما. الفائِدَتَانِ التّاسِعَةُ والعاشِرَةُ: عِظَم قُدْرَةِ الله وبَالغ حكْمَتِه، أمَّا الحكْمَةُ فنَأْخُذُها مِنْ قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، فهِي ليْسَتْ عبَثًا بِل بالحقِّ، أمَّا القُدْرَة فنأْخُذُها مِن عِظَم المقْدُورِ، فعِظَمُ المقْدُورِ يَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ الخلْقِ، وَهَذا مِنَ الدّلالَةِ بِاللَّازِم، وَإِنَّ الله إِذا فتَحَ عَلَى العبْدِ مَعْرِفَةُ لوَازِمِ النّصوصِ اسْتَفادَ بِذَلِكَ فوَائِدَ عظِيمَة، حتَّى أنَّه يأْخُذُ مِنَ النّصِّ الوَاحِدِ مِنَ المسَائِلِ مَا لا يَأْخُذُ غيرُه نِصْفَها أوْ أقَلَّ. الفائدة الحادية عشرة: أنَّه ينْبَغِي لِلإِنْسَانِ أنْ لا يُضيِّعَ وقتَهُ سبَهْلَلاً (١) وسُدًى؛

стр. 40

نأْخُذُه مِنْ قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾؛ لأَنَّ ضِدَّهُ الباطِلُ، والباطِلُ إِمَّا ضارٌّ وإِمَّا غيرُ ضارٍّ ولَا نافِعٍ، وكُلُّ لهوٍ يلْهُو بِه ابْنُ آدَم فهُوَ بَاطِلٌ إلا كَذا وكَذا (١). والمُهِمُّ: أنَّه ما دَامَتِ السّموَاتُ وَالأرْض كُلُّها خُلِقَتْ بالحقِّ والجدِّ والصّدْقِ والثّباتِ فيَنْبغِي لكَ أنْ تكُونَ موافِقًا لهذِه الحكْمَةِ التي مِنْ أجْلِها خُلِقَتِ السّموَاتُ وَالأرْض. الفائِدَتانِ الثّانِيَةَ عشْرَةَ والثالِثةَ عشْرَةَ: أنَّ هَذا الخلْقَ عَلَى عِظَمِه لَه أَجَلٌ محدُودٌ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي مُعَيّنٍ، وكلُّ شيءٍ في السّموَاتِ وَالأرْض كُلِّيًّا كَان أمْ جُزْئِيًّا فإِنَّهُ مُحَدَّدٌ إِلَى أجَلٍ مُسَمًّى، وسوَاءٌ كانَ ذَلِك عيْنًا أَوْ صِفَةً فإِنَّها محدَّدَة إِلَى أجَلٍ مُسَمًّى؛ وَمن الحكَم المشْهُور (دَوَامُ الحالِ مِنَ المحَالِ)، وَهَذا يتفَرَّعُ علَيْه فائِدَةٌ أُخْرَى وَهِي أنَّ الخلْقَ ناقِصٌ، حيْثُ لم يُقَدَّر لَهُ الأبَدِيَّةُ، فَهُوَ نَاقِصٌ، وَلِهَذا تأْتِي الحيَاةُ الآخرةُ كامِلَةً؛ لأنَّهَا مؤَبَّدَةٌ. الفائدة الرابعة عشرة: كَمالُ الحكْمَةِ؛ حيْثُ كانَ كُلُّ شيْءٍ لَهُ أجَلٌ مقَدَّرٌ منَظَّمٌ، ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]، والمقْدَارُ يشْمَلُ مِقْدَارَ الكمِّيَّةِ ومِقْدَارَ الكيفيَّةِ ومِقْدَارَ الزّمنِيَّةِ ومِقْدَارَ المكَانِيَّةِ، فكُلُّ هذِه الأنواعِ الأرْبَعَةِ يشْمُلُها قوْلُه تَعالَى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]. الفائدة الخامسة عشرة: أنَّه مَع هَذِهِ الآيَات العظْمَى - خَلَقِ السّموَاتِ وَالأرْض وما بَيْنَهُما، وتأَجِيلِ ذَلِك بأجَلٍ مُسَمًّى، وتقْدِيرِه بتَقْدِيرٍ مُعَيَّنٍ - كَثِيرٌ مِن النّاسِ يُنْكِرُون لِقاءَ الله.
следующие страницы →