← Тафсир

Тафсир · id 21808

تفسير العثيمين: الروم

ابن عثيمين

Полный текст (333 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قِبَل الله تَعالَى، فهُو الَّذي عيَّنه، وهذَا التّعْيينُ يشْمَلُ الابتِداءَ والانتِهاءَ، فابتدَاؤُها بأجَل وانتِهاؤُها بأَجَلٍ أيضًا، فإِنَّ الله تَعالَى أَوْجَد هَذِهِ السّموَاتِ وَالأرْض بَعْدَ أنْ كانَتْ معدُومَة، وإيجادُهُ لها كَانَ بِالأجَلِ المعَيَّنِ عنْدَه، وَكَذلِكَ سوْفَ يُنْهِي السّموَاتِ وَالأرْضَ، وإنْهاؤُه إيَّاها بالأجَلِ. إِذَنْ: كُلُّ شيءٍ عنْدَ الله مُقَدَّرٌ، حتَّى الحوادِثُ التي تَحْدُث فِي السّمواتِ وَفي الأرْض بعْدَ خلْقِها، وإيجَادُها كُلُّه بأَجَلٍ لا يتَقَدَّمُ ولا يتَأَخَّرُ، وإِذا تأمَّلْتَ قلِيلاً عرَفْتَ بذَلِك كَمالَ قُدْرَةِ الله ، وكيْفَ أنَّ هَذِهِ الأمُورَ والشّؤُونَ العظِيمَةَ الكثِيرَةَ كُلَّها تُدَبَّرُ بأَجَل لا يتقَدَّمُ ولا يتأَخَّرُ، فنَحْنُ مثَلاً نُقَرِّرُ أنْ نبْدأَ الدّرْسَ في السّاعَةِ الثّامِنَةِ، ولكِنْ أحيانًا نبْدَأُ السّاعَة الثّامِنَةَ والنّصْفَ، وأحْيانًا السّاعَةَ الثّامِنَةَ والثّلُثَ، فنتَأَخَّرُ وَلا يَنتظِمُ أمرُنا مَع أنَّه بَسِيطٌ، وهَكذَا كُلُّ شُؤونِ الخلْقِ لا يُمْكِنُ لأحدٍ أن يَضْبِط جَمِيعَ أعمَاله بأَجَلِها المحَدَّدِ مهْما بلَغَ فِي الحرْصِ؛ لأنَّهُ قد يَعْتَرِيه مَا لا طَاقَةَ لهُ بِه؛ فَلا يستَطِيعُ، لكِنَّ الرّبَّ حدَّدَ كُلَّ شيْءٍ بأَجَلِه لا يتَقَدَّمُ ولا يتَأَخَّرُ، ولا شَكَّ أنَّ هذَا مِن كَمالِ الحكْمَةِ والصّنعْ، ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]. فإذَا تأمَّلْنا هَذا الكوْنَ العظِيمَ عَلَى مَا فِيه مِنَ الحوَادِث الفلَكِيَّةِ والأرْضيَّةِ والعامَّةِ والخاصَّةِ فإِنَّنا فِي الحقِيقَةِ نسْتَدِلُّ بِه دَلالَةً واضِحَةً عَلَى كَمال قُدْرَةِ المدَبِّرِ لهذَا الكوْن الخالِق لَه، وأنَّ كُلَّ شيْءٍ بِأجَلٍ. وفي آيَةٍ أُخْرَى ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]، فهُو أيضًا بمِقْدارٍ، فهُوَ بأَجَلِه وبمقْدَارِه، لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، سُبْحانَ الله العظِيمِ. قولُه ﵀: [﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ لِذَلِكَ تَفْنَى عِنْدَ انْتِهَائِهِ وبَعْدَهُ البعْثُ]: أي:

стр. 37

تَفْنى السّموَاتُ وَالأرْض وما بَيْنَهُما عنْدَ انتهاءِ هَذا الأجَلِ، ثمَّ يأْتِي البعثُ. قوُله ﵀: [﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ أي كُفَّار مكَّة]: خصَّه المُفَسِّر بأَهْلِ مكَّةَ، والصّوابُ العُمُوم، فيَشْمَلُ أهْلَ مكَّةَ وغيْرَهم، فَكثِيرٌ مِنَ النّاسِ يُنْكِرُونَ البعْثَ، بلْ يُمْكِنُ أنْ نَجِد في غيرِ أهْلِ مكَّةَ مَنْ هُم أشَدُّ منْهُم إنْكارًا للْبَعْثِ، فتَخْصِيصُ العامِّ في القرآنِ أمْر لا يَنْبَغِي إلا إِذَا قَامَ الدّلِيلُ عَلَى هَذا. وقوْله تَعالَى: ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾: اللِّقَاءُ بمعْنَى المواجَهَةِ والمقابَلَةِ، وكُلُّ إِنْسَانٍ سواءٌ مؤمنًا أو كافِرًا سوْفَ يَلْقى الله ؛ ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦]؛ لأنَّهُ قالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾ وَهَذا عَامٌّ، ثمَّ قالَ بعدَ قوْله تَعالَى: ﴿فَمُلَاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الانْشِقاق: ٦ - ٧]، ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ [الانْشِقاق: ١٠]، فدَلَّ هَذا عَلَى أنَّه عامٌّ، فكُلُّ أحدٍ ملاقٍ الله ، وسوْفَ يحاسِبُه، ولكِنَّ حِسابَ الله للنَّاسِ يخْتَلِفُ، فالمؤْمِنُ يُقرِّرُه الله بذُنُوبِه، فَإِذا أقَرَّ بِها غَفَر لهُ، وأمَّا الكافِرُ - والعياذُ باللهِ - فإِنَّهُ يُخْزَى بِها ويُعاقَبُ علَيْها، وَيكُونُ هوانًا لَهُ. والكفْرُ في اللُّغَة السّتْرُ، ومنْه سُمِّي الكفُرَّى الَّذي هُو كافُورُ النّخْل - غُلاف الطّلْع -؛ لأنَّهُ يسْتُرهُ والمرَادُ بالكفْر سَتْرُ نعمةِ الله عَلَى المرْءِ بحَيْثُ يَعْصِيهِ إِذا أمَرَه ويجْحَدُه إِذا طلَبَ مِنْه الإِيمَان، وأنْوَاءُ الكفْر كثِيرَةٌ: منْهَا: الكفْر المخْرِجُ عَن الملَّةِ. ومنْها: الكفر أَي: خِصالُ كَفْرٍ، وليْس الكفْر المطْلَقِ. وَهَذا يَرْجعُ إِلَى حَسَبِ النّصُوصِ الشّرْعِيَّةِ. فَائِدَةٌ: الَّذي لَا يَعْمَلُ بمقْتَضَى إيمانِه فَوُجودُ إِيمَانِهِ كالعدَمِ؛ لأَنَّ الكفْرَ نَوْعَانِ:

стр. 38

- كُفْرُ جَحْدٍ. - وكُفْرُ اسْتِكْبارٍ. وقوْله تَعالَى: ﴿لَكَافِرُونَ﴾: (اللام) للتوكيد، و (كافِرُون) خبَرُ إنَّ، و ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ متعلِّق بِه، وقُدِّم علَيْه لمرَاعَاةِ الفواصِلِ، ومُراعَاةُ الفواصِلِ في القرآنِ الكرِيم ظاهِر؛ لأَنَّ القرآنَ - أوْ لأَنَّ الكلامَ عامَّةً - إِذا كانَتْ لَهُ فواصِلُ متَّفِقَة يَكُونُ هَذا أنْشَطَ للنَّفْسِ وأرْغَبَ فِي استِماعِهِ وتلَاوَتهِ. من فوائد الآية الكريمة: الفوائِدُ الأوْلى والثَّانِيَةُ والثالِثةُ: تَوبِيخُ مَن أعْرَض عَنِ التّفكُّرِ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾؛ لأَنَّ الاسْتِفْهام هُنا للتَّوبِيخِ، ويتفَرَّعُ عَلَى هَذِهِ الفائِدَةِ فائِدَةٌ ثانيَةُ: وهِي الحثُّ عَلَى التّفَكُّرِ، ويتفرَّع علَيْه الفائِدَةُ الثالِثةُ وهِي أهميَّةُ التّفكُّرِ؛ لأَنَّ الله لا يَحُثُّ عَلَى شَيْءٍ ويُوبِّخُ عَلَى ترْكِه إلا لما فِيهِ مِنَ الفائِدَةِ والمصْلَحِة. الفائِدَتانِ الرّابِعَةُ والخامِسَةُ: أنَّ محَلَّ التّفْكِيرِ هُو العقْلُ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾، هَذا إِذا قُلْنا: إِنَّ المرَاد كَوْنُ النّفْسِ آلةَ التّفَكُّر وطرِيقَ التّفَكُّرِ. أمَّا إِذا قُلْنَا أنَّها محَلُّ التّفَكُّر فيُستَفاد منِه فائِدَةٌ وهِي عظِيمُ صُنْعِ الله في نَفْسِ الإنسان، ومَا أوْدَعهُ فِيه مَنَ العجائِبِ، وإِذا أرَدْتَ أنْ تعْرِفَ ذَلِك فاذْهَبْ إِلَى أهْلِ العلومِ والطّبِّ تجدْ في جِسْمِك العجَبَ العجابَ، فهَذا الطّعامُ الَّذي تأْكُلُه يتحَوَّلُ إِلَى دَمٍ، ويتَوزَّعُ عَلَى الجسْمِ بحسَبِ أنْسِجَتِه، فتُعطَى الأعْصابُ كمِّيَّةً تلِيقُ بِها، ويُعطَى اللَّحْمُ كمِّيَّةً تلِيقُ بِه، وتُعطَى العظَامُ كميَّةً تلِيقُ بِها، فهَذِه الأنَابِيبُ الدّقِيقَةُ مثْلَ الشّعْرِ توزِّعُ عَلَى هَذا الجسْمِ بقَدْرِ ما يَحْتَاجُ إِلَيْهِ.

стр. 39

وقَدْ ذَكر ابْنُ القيِّم ﵀ في كتابِ (مِفْتَاحُ دَارِ السّعادَةِ) مِنْ هَذا شيئًا كثيرًا، وهَذا قَبْلَ أنْ يَرْتَقِي الطّبُّ إِلَى ما ارْتَقى إِلَيْهِ اليَوْمَ. الفائدة السّادِسة: أنَّ خالق السّموَاتِ وَالأرْض هُو الله؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، فلَمْ يخْلُقْهُما أحَدٌ، وَلِهَذا قَال فِي سُور الطّورِ ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦]. الفائدة السابعة: إثْبَات تعدُّدِ السّموَاتِ وهِي سَبع، وأمَّا الأرْض فَهِي دَائِما تُفْرَدُ فِي القرآنِ، ومَا ذُكِرَتْ في القرآنِ مجمْوعَةً، لكِنْ أُشِير إِلَى أنَّها جَمْعٌ فِي قوْله تَعالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]. الفائِدَةُ الثّامِنهُ: أنَّ بَيْن السّموَاتِ وَالأرْض مِن المخْلُوقاتِ العظِيمَةِ مَا استَحَقَّ أنْ يُجْعَل قَسِيمًا لخَلْقِ السّموَات وَالأرْض، لقولِه تعالَى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، وهَذِه ثلاثَةُ أشْيَاءِ: (السّموَاتُ، وَالأرْض، ومَا بَيْنَهُما)، وكُلُّنا يعْلَم عِظَم الأرْض وعِظَمَ السّماءِ، إِذَنْ: فعِظَمُ مَا بَيْنَهُما مُوازٍ لهُما. الفائِدَتَانِ التّاسِعَةُ والعاشِرَةُ: عِظَم قُدْرَةِ الله وبَالغ حكْمَتِه، أمَّا الحكْمَةُ فنَأْخُذُها مِنْ قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، فهِي ليْسَتْ عبَثًا بِل بالحقِّ، أمَّا القُدْرَة فنأْخُذُها مِن عِظَم المقْدُورِ، فعِظَمُ المقْدُورِ يَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ الخلْقِ، وَهَذا مِنَ الدّلالَةِ بِاللَّازِم، وَإِنَّ الله إِذا فتَحَ عَلَى العبْدِ مَعْرِفَةُ لوَازِمِ النّصوصِ اسْتَفادَ بِذَلِكَ فوَائِدَ عظِيمَة، حتَّى أنَّه يأْخُذُ مِنَ النّصِّ الوَاحِدِ مِنَ المسَائِلِ مَا لا يَأْخُذُ غيرُه نِصْفَها أوْ أقَلَّ. الفائدة الحادية عشرة: أنَّه ينْبَغِي لِلإِنْسَانِ أنْ لا يُضيِّعَ وقتَهُ سبَهْلَلاً (١) وسُدًى؛

стр. 40

نأْخُذُه مِنْ قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾؛ لأَنَّ ضِدَّهُ الباطِلُ، والباطِلُ إِمَّا ضارٌّ وإِمَّا غيرُ ضارٍّ ولَا نافِعٍ، وكُلُّ لهوٍ يلْهُو بِه ابْنُ آدَم فهُوَ بَاطِلٌ إلا كَذا وكَذا (١). والمُهِمُّ: أنَّه ما دَامَتِ السّموَاتُ وَالأرْض كُلُّها خُلِقَتْ بالحقِّ والجدِّ والصّدْقِ والثّباتِ فيَنْبغِي لكَ أنْ تكُونَ موافِقًا لهذِه الحكْمَةِ التي مِنْ أجْلِها خُلِقَتِ السّموَاتُ وَالأرْض. الفائِدَتانِ الثّانِيَةَ عشْرَةَ والثالِثةَ عشْرَةَ: أنَّ هَذا الخلْقَ عَلَى عِظَمِه لَه أَجَلٌ محدُودٌ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي مُعَيّنٍ، وكلُّ شيءٍ في السّموَاتِ وَالأرْض كُلِّيًّا كَان أمْ جُزْئِيًّا فإِنَّهُ مُحَدَّدٌ إِلَى أجَلٍ مُسَمًّى، وسوَاءٌ كانَ ذَلِك عيْنًا أَوْ صِفَةً فإِنَّها محدَّدَة إِلَى أجَلٍ مُسَمًّى؛ وَمن الحكَم المشْهُور (دَوَامُ الحالِ مِنَ المحَالِ)، وَهَذا يتفَرَّعُ علَيْه فائِدَةٌ أُخْرَى وَهِي أنَّ الخلْقَ ناقِصٌ، حيْثُ لم يُقَدَّر لَهُ الأبَدِيَّةُ، فَهُوَ نَاقِصٌ، وَلِهَذا تأْتِي الحيَاةُ الآخرةُ كامِلَةً؛ لأنَّهَا مؤَبَّدَةٌ. الفائدة الرابعة عشرة: كَمالُ الحكْمَةِ؛ حيْثُ كانَ كُلُّ شيْءٍ لَهُ أجَلٌ مقَدَّرٌ منَظَّمٌ، ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]، والمقْدَارُ يشْمَلُ مِقْدَارَ الكمِّيَّةِ ومِقْدَارَ الكيفيَّةِ ومِقْدَارَ الزّمنِيَّةِ ومِقْدَارَ المكَانِيَّةِ، فكُلُّ هذِه الأنواعِ الأرْبَعَةِ يشْمُلُها قوْلُه تَعالَى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]. الفائدة الخامسة عشرة: أنَّه مَع هَذِهِ الآيَات العظْمَى - خَلَقِ السّموَاتِ وَالأرْض وما بَيْنَهُما، وتأَجِيلِ ذَلِك بأجَلٍ مُسَمًّى، وتقْدِيرِه بتَقْدِيرٍ مُعَيَّنٍ - كَثِيرٌ مِن النّاسِ يُنْكِرُون لِقاءَ الله.

стр. 41

والحقِيقَةُ أنَّ العاقِلَ يَسْتَدِلُّ بِهَذا التّأجِيلِ عَلَى وُجوبِ لِقَاءِ الله إِذَا رَأَى أصْحابَهُ وقُرنَاءَه الَّذِين كانُوا بالأمْسِ معَهُ يذْهَبُون واحِدًا فَواحِدًا، فَلا شكَّ أنَّ هذَا يحْمِلُه عَلَى الإِيمَان؛ لأنَّهُ يعْلَمُ أنَّه لَو دامَتِ الدّنيا لأَحَدٍ مَا وصَلَتْ إِلَيْهِ، فإنَّها مَا وصلَتْ إِلَيْك إلا بعْدَ أنْ خلَّفَتْ غيرَكَ. إِذَنْ: يُستْدَلُّ بهذِه الآجالِ المقَدَّر عَلَى أنَّه لا بُدَّ أنْ يكُونَ هُناكَ شيْءٌ ورَاء هَذا كلِّهِ، ومنَ المؤَكَّد أنَّه ليْسَ مِن الحكْمَةِ أنْ تُنْشَأَ هَذِهِ الخلِيقَةُ العظِيمَةُ، وَبِهذَا النّظَامِ البدِيعِ، ثمَّ تكُونُ النّهايَةُ أنْ يَمُوتَ الإنسان كَجِيفَةِ حِمَارٍ؛ وَلِهَذا قالَ الله تَعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥]، فهَذِه الشّرائِعُ التي نزَلتْ لا بُدَّ أنْ يكُونَ وراءَها شيْءٌ وهُوَ البعْثُ الَّذي بِه لِقَاءُ الله ، لكِنْ مَع هَذا ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾. الفائدة السادسة عشرة: إثْبَات البعْثِ المفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾. الفائدة السابعة عشرة: أنَّ كُلَّ أحَدٍ سيُلاقِي الله ؛ نأْخُذُه مِنْ قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِم﴾، وقَال تَعالَى فِي سُورَةِ الانْشِقاق: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦]. فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: هَل هَذا اللِّقاءُ شامِلٌ للمُؤْمِنِ والكافِر؟ قُلْنَا: نَعَمْ، لكِنْ هُناكَ فَرْق بيْنَ اللِّقائَيْنِ، كَما أنَّ الرّجُلَ يُلاقِي زْيدًا ويُلاقِي عَمْرًا وَيكُونُ بَيْن اللِّقائَيْنِ فَرْقٌ عظِيمٌ، فَيُلاقِي هَذا بِوَجْهِ غَضَبٍ، ويُلاقِي هَذا بوَجْهِ رِضًا، وَهَذا بِوَجْهِ انْقبَاضٍ وَهَذا بِوَجْهِ انْبِسَاطٍ، ومَا أشْبَهَ ذَلِكَ.

стр. 42

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هَلِ المرادُ باللِّقاءِ هُنا اللِّقاءُ المجَرَّدُ أَم المرادُ بِه الرّؤيةُ؟ قُلْنَا: المرْادُ باللِّقاءِ الموَاجَهَةُ، لكِنَّها بَعْد البعْثِ، فمِنْ لازَمِها البعْثُ، أمَّا مسأَلةُ الرّؤْيَةِ فاللهُ أعْلَمُ؛ لأَنَّ الله ذَكر فِي الكفَّارِ ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]. الفائدة الثامنة عشرة: إثْبَات الرّبُوبِيَّة العامَّةِ، لقوْلِه تَعالَى: ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾، معَ أنَّه يتكَلَّمُ عَن الكافِرِينَ، فَهِي الرّبُوبِيَّة العامَّةُ. والرّبُوبِيَّةُ تنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: عامَّةِ وخَاصَّةٍ، وقَدِ اجْتَمعَا فِي قوْلِه تَعالَى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢١ - ١٢٢]، فالأُولى عامَّةٌ والثّانِيَةُ خاصَّةٌ، والفرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الرُّبوبِيَّةَ العامَّةَ تَسْتَلْزمُ التّصرُّفَ المطْلَقَ فِي المرْبُوبِ، والخاصَّةُ تسْتَلْزِم مَع التّصرُّفِ المطْلَقِ العنَايَةَ بِهِ ونصْرَه وتأْيِيدَهُ ومَا أشْبَه ذَلِك، ومِثْلُ هذَا نقُوُله فِي المعِيَّةِ العامَّةِ والخاصَّةِ، ومَسائِلَ كثِيرةٍ مِن هَذا النّوْعِ. الفائدة التاسعة عشرة؛ ذَمُّ مَن كَفَرُوا بِلِقاءِ الله مَع آيَاتِهِ العظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلَى وُجُودِهِ وحِكْمَتِه؛ لقوْلِه : ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾، وهَذِه الجمْلَةُ بِلا ريبِ تدُلّ عَلَى الذّمِّ.

стр. 43

الآية (٩) * * * قَالَ اللهُ : ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم: ٩] * * * قال المُفَسِّر ﵀: [﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ مِنْ الأمَم وَهِيَ إهْلَاكهمْ بِتكْذِيبِهِمْ رُسُلهمْ ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ كَعَادٍ وَثَمُود ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾ حَرَثُوهَا وَقَلَّبُوهَا لِلزَّرْعِ وَالغرْس ﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ أَيْ كُفَّار مَكَّة ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بِالحجَجِ الظّاهِرَات ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ بِإِهْلَاكِهِمْ بِغَيْر جُرْم ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بِتكْذِيبِهِمْ رُسُلهمْ] اهـ. قوْله : ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ معْطُوفٌ عَلَى قوْلِه تَعالَى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾، فالتّفَكُّر في خلْقِ السّموَاتِ وَالأرْض، والسّيرُ في الأرْض فقَط، ثمَّ السّيْرُ في الأرْضِ إِمَّا أنْ يكُونَ سيْرًا بالأقْدَامِ أوْ سَيْرًا بالأفْهَامِ، فَإنْ كانَ سيْرًا بالأفْهامِ فَهُو داخِلٌ فِيما سبَقَ، وقَدْ نَقُولُ: إِنَّ هَذا أخَصُّ مما سَبَقَ؛ لأنَّهُ قَال هُنَا: ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، فهُوَ نَظَرٌ في حوَادِثَ لَا في خلْقِ الأرْض؛ فتكُونُ هَذِهِ الآيَة منفصَلِةً عَنِ التي قبْلَها مِن حيْثُ المعْنَى، فالأُولى تفْكِيرٌ؛ وَلِهَذا جاءَ متعلِّقُها

стр. 44

عامًّا: (فِي السّمَوَاتِ والأرْض ومَا بَيْنَهُما)، وَهَذا السّيْرُ لأمْرٍ مخصُوصٍ، أي الحوادِثِ، أنْ ينْظُروا كيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِين مِنْ قبْلِهِمْ، فيَشْمَلُ السّيْرَ بالقدَمِ، والسّيْرَ بالفكْرِ والفهْمِ، عَلَى القوْلِ بأنَّه سيْرُ أقْدَامٍ يكُونُ السّيْرُ حسِّيًّا، وعَلى الثّاني يكُونُ معنَوِيًّا، فيَشْمَلُ السّيْرَ الحسِّيَّ والسّيْرَ المعْنَوِيَّ. إِذَا قَالَ قَائِلٌ: كيْفَ تطْلُبونَ مِنَ الإنسان أنْ يسيِرَ بقَدَمِه إِلَى مَواقِعِ العذابِ وقَدْ نَهى النّبيّ ﵊ أَنْ ندْخُلَ مواقِعَ العقَابِ إلا ونحْنُ بَاكُونَ؟ قُلْنَا: لا تعارُضَ؛ لأَنَّ هَذا هُو المقْصُودُ، فالسّيْرُ إِلَى موَاقِعِ العذابِ المقْصُودُ بِه الاتِّعاظُ والانْزِجارُ، وَهَذا يتحَقَّقُ بالبكاءِ، وَلِهَذا نَهى النّبيُّ ﵊ أنْ ندْخُل دِيَارَ ثَمُودَ إلا ونَحْنُ بَاكُونَ، وقَالَ: "إِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا" (١)، وبعْضُ النّاسِ يذْهَبُ إِلَى دِيَارِ ثمُودَ عَلَى سبِيلِ النّزْهةِ والطّرَبِ والتّمتُّعِ بالمنَاظِرِ، وَلِهَذا يأْخُذُونَ لها صُوَرًا؛ إعْجابًا بها لا خوفًا، وَهَذا مِنْ قسْوَةِ القلْبِ - والعياذُ باللهِ -، والجهْلِ بِمَا جَاء بِهِ النّبيّ ﷺ ؛ لأَنَّ غالب هَؤُلاءِ الَّذِين يذْهَبُون لِهَذا المقْصَدِ يَكُونُونَ جاهِلِينَ، ولَا نَقُولُ: إِنَّ كلَّهم عنْدَهم قسْوَةُ قلْبٍ تعمَّدوا مخالفةَ الحقِّ، لكنَّنا نقُولُ أنَّ عنْدَهم شيْئًا مِنَ الجهْلِ أوِ الغالب عليْهِمُ الجهْلُ، وإلا لا يُمْكِنُ أنْ يفرَحَ أحدٌ في مكَانٍ نَهى الرّسُولُ ﵊ عنْ دُخُولِه إلا في حَالِ البكاءِ، وإلا فَإنَّ الإنسان الَّذي لا يعْرِفُ مِن نفْسِه اَنه إِذا ذَهَبَ سيتَأثَرُ حتّى يَبْكي لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يدْخُلَ؛ لأَنَّ النّبيّ ﷺ نَهى عَنْ ذَلِك.

стр. 45

وقوْله تَعالَى: ﴿فِي﴾ معنَاها (عَلى)؛ لأنَّهَا لوْ أُخِذَتْ بِظاهِرِهَا لكَانَ السّيْرُ في سرَادِيبَ تحْتَ الأرْض؛ لأَنَّ ﴿فِي﴾ للظَّرْفِيَّةِ، والظّرْفُ محِيطٌ بِالمظْروفِ مِن جَمِيعِ الجوَانِبِ، ولا يُمْكِنُ أنْ تُحِيطَ بِك الأرْض مِن جَميعِ الجوانِبِ إلا إِذَا كُنْتَ دَاخِلَ الأرْض في سرْدَابٍ، ولَيْس هَذا مُرادًا، فَعلَى هَذا تكُونُ ﴿فِي﴾ بِمَعْنَى (عَلَى). وقِيلَ إِنَّ ﴿فِي﴾ للظَّرْفِيَّةِ عَلَى بَابِها ولَا حاجَةَ إِلَى تأْوِيلِها، وأنَّ ظَرْفِيَّةَ كُلِّ شيءٍ بحسَبِه، فيَكونَ معنَى قوْلِه : ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: فِي ظَهْر الأرْض، وكُلُّ أحدٍ يعْرِفُ أنَّه لا يُرادُ أنْ تخْرِقَ الأرْض وتَمْشِيَ في أسْفَلِها، ولَا أحدَ يفْهَمُ هَذا، وأيًّا كَان فَإِنَّ المرَادَ السّيْرُ عَلَى ظَهْرِ الأرْضِ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إذَا كانَ يسِيرُ عَلَى ظهْرِ الأرْضِ فإِنَّ الأرْضَ تكونُ محيطَةً بِه؟ قُلْنَا: لَا تكونُ محيطَةً بِه مِنْ يمينِه وَيسَارِه، إذْ لَا تُوجَدُ جُدْرانٌ. وعَلَى كُلِّ حَالٍ: فالمعْنَى واضِحٌ، وحَتّى لَوْ قُلْنا إِنّ ﴿فِي﴾ للظَّرْفِيَّةِ، فإنَّ الظّرْفَ في كُلِّ موْضِعٍ بحسَبِهِ، وليْسَ بِلَازِمٍ أنْ يكُونَ (في) بمعنَى جَوْف. وقوْله : ﴿فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾: الأرْضُ مفرَدٌ، والمرادُ بِه الجِنْس، أي الأراضِي التي وَقَع العذَابُ بأَهْلِها، مثْلَ دِيارِ ثَمُودَ والأحْقَافِ ودِيَارِ قَوْمِ لُوطٍ، كَما قَالَ الله تَعالَى: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦]. قوْله تَعالَى: ﴿فَيَنْظُرُوا﴾: هَل نظَرَ بَصَرٍ أوْ نظَرَ بَصِيرَةٍ؟ والجوابُ: إِنْ كانَ السّيْرُ بالقدَمِ فالنّظَرُ نظَرُ البصَرِ، وإِنْ كانَ السّيْرُ بالفهْمِ فالنّظَرُ نظَرُ بَصِيرَةٍ، يعْني فينْظُروا بعَيْنِ البصِيرَةِ أوْ بعَيْن البصَر حسَبَ السّيْرِ كَمَا سَبَق. والمرَادُ بعَيْنِ البصِر الَّذي يُؤدِّي إِلَى عيْنِ البصِيرَةِ، وَليْس المقْصُود أنَّك إِذا

стр. 46

سِرْتَ بقدَمِك وَوصلْتَ المكانَ تُغْمِضُ، بلْ تنْظُر بعَيْنِك. وهلْ النّظَرُ بالعيْن يُفيدُ أوْ لا يُفيدُ؟ إِن كانَ ليْسَ فِيه بصِيرَةٌ فَلا يفيدُ، فالمرَادُ بالسّيْرِ عَلَى القدَمِ النّظَرُ بالعيْنِ لِيُؤدِّيَ ذَلِك إِلَى النّظَرِ بالبصِيرةِ، وإلّا فالنّظرُ المبَاشِرُ بالسّيرِ عَلَى القدمِ هُو بِالعيْن. وقوْله تَعالَى: ﴿فَيَنْظُرُوا﴾: (الفاء) هنَا يَجوز فِيها وجْهَانِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنْ تكُونَ عاطِفَةً، والمعْنَى: أفَلَمْ يَسيرُوا فَلَمْ ينْظُروا. الوَجْهُ الثَّاني: أنْ تكُونَ سبَبِيَّةً، والمعْنَى: أفَلَمْ يَسيرُوا فَيَنْظُروا، فبِسَبب سيْرِهم ينْظُرون كيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِين مِن قبْلِهم. وقوْله تَعالَى: ﴿يَسِيرُوا﴾ و ﴿فَيَنْظُرُوا﴾: مجْزومانِ بحذْفِ النّونِ، والوَاوُ فَاعِلٌ؛ لأنَّهما مِنَ الأفْعَالِ الخمْسَةِ. وقوْله تَعالَى: ﴿كَيْفَ﴾: اسمُ اسْتِفْهامٍ خبرُ ﴿كَانَ﴾ مقَدَّمًا، و ﴿عَاقِبَةُ﴾ اسْمُها في مكانِها، والعاقِبَةُ مصْدَرٌ بمعْنَى العقْبى، وعاقِبَةُ الشّيْءِ ما يتْلُوه وَيأْتِي بعْدَهُ، فقوْلُه تَعالَى: ﴿عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، أيْ مَا تَلا تكْذِيبَهُمْ لِلرُّسُلِ. قولُه ﵀: [﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ مِنَ الأمَم، وهِي إهْلَاكُهُم بتكْذِيبهم رُسُلَهم]: كانَت عاقِبَةُ ثمودَ الإهلاكَ والدّمارَ، وعادٌ الَّذِين استكْبَرُوا في الأرْضِ وقَالُوا: ﴿مَن أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ أيْ: لَا يُوجَدُ أحَدٌ أشَدُّ منَّا قُوَّةً، كانَتْ عاقبَتُهم أنْ أُهْلِكُوا بأَمْرٍ مِن ألْطَف الأشْيَاء وهُو الرّيحُ، وَالرّيحُ جسْمٌ لطِيفٌ لَا يُرَى، لكنَّ هَؤُلاءِ كِبارَ الأجسامِ شدَيدي القوى أُهْلِكُوا بهذِه الرّيحِ اللَّطيفَةِ التي لا تُرى ليتبيَّنَ ضعْفُ الإنسان، وأنه مهْما كانَ فاللهُ أقْوَى مِنْهُ، كَما قَال تعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا

стр. 47

أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] , وَكَذلِكَ قُرَى قومِ لوطٍ الَّذِين أُتْرِفُوا فتَلِفُوا - والعياذُ باللهِ -، أُتْرِفُوا ونُعِّمُوا حتَّى كانُوا مِنْ شِدَّةِ التّرفِ - والعياذُ باللهِ - يعْدِلُونَ عمَّا خلقَ الله لهمْ مِنْ أزْوَاجِهِمْ إِلَى إِتْيانِ الذّكُورِ، نسْأَل الله العافِيَةَ. قوْله تَعالَى: ﴿كَانُوا﴾: جمَلةٌ استئنَافِيَّةٌ يُراد بِها بَيان حَال هَؤُلاءِ السّابِقِينَ. قولُه ﵀: [﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ كعاد وثمود]: لا أشُكُّ أنَّهم أشَدُّ مِن قُرَيْشٍ قوَّةً، فعَادٌ معرُوفَةٌ قوَّتُهم ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: ٦ - ٨] وثمودُ أيضًا الَّذِين ينْحِتُون مِن الجبال بُيوتًا فارِهِين، بُيوتًا آمِنَة عاليَةً شامخةً مِنَ الجبَالِ وَالأحْجَار، وَهَذا يدُلُّ عَلَى القوَّةِ، ومنَ السّهولِ يتَّخِذُون قصورًا عظِيمةً فخْمَةً، ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا﴾ [الأعراف: ٧٤] , وهَذا لمْ يحَصُلْ لأهْلِ مكَّةَ، ومَع ذَلِك دمَّرهم الله بكُفْرِهم وتكْذِيبِهِمْ. قوْله تَعالَى: ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾: معطُوفٌ عَلَى ﴿كَانَ﴾، وليْسَ معطوفًا عَلَى خَبَرِ كانَ، أيْ عاقبةُ الَّذِين مِنْ قبْلِهم أثَارُوا الأرْضَ، وليْسَتْ معطُوفةً عَلَى ﴿أَشَدَّ﴾، حتَّى نقُولَ: كانُوا أشَدَّ منْهُم وكانُوا أثَارُوا الأرْضَ وعَمَرُوها، بَلْ معطُوفَةً عَلَى كَانَ. قوْله ﵀: [﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾ حرثوها وقلبوها للزرع والغرس]: هَذِهِ إثارَةُ الأرْض، فالإنسان إِذا حرَثَ الأرْضَ لَا شكَّ أنَّه يُثيرُهَا، والحرْثُ معرُوفٌ بالمسحاة (١) أوْ بالجرَّاراتِ تُثِيرُ الأرْض يْعْنِي ترفَعُها، وَكَذلِكَ أيضًا الغرْس فإِنَّ الإنسان يُثيرُ الأرْضَ ليَحْفِرَ للشَّجَرةِ حتَّى يثبَتها، فهَؤُلاءِ أشَدُّ منْهُم قوَّةً، وأيضًا قَد أثَارُوا الأرَاضِيَ، أمَّا أهْلُ مكَّةَ فلَمْ يُثيروا الأرْضَ؛ لأنَّهُم في وادٍ غيْرِ ذِي زَرْعٍ.

стр. 48

قوْله تَعالَى: ﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾: أي السّابِقُون عمَرُوا الأرْضَ بالتّجارَةِ والبنَاءِ والمصانِع وغيرِها، فسُلَيْمانُ ﵊ قالَ الله لَهُ: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣] والجفانُ الصّحَافُ التي فِيها الطّعامُ، ﴿كَالْجَوَابِ﴾ والجابِيَةُ هِي بِرْكَة الماءِ، فَالصّحْفَةُ مِثْل بِرْكَةِ الماءِ، هَذا عظِيمٌ ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ لا تُحمَلُ مِنْ كِبَرها وكثْرَةِ الطّعامِ فِيها، هَذا كُلُّه ومَا هُو مِثْلُه لمْ يحْصُلْ لِقُرَيْشٍ. قوُله ﵀: [﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالحجَجِ الظّاهِرَاتِ]: (الباءُ) للمُصَاحَبةِ أوْ للتَّعْدِية، والمعْنَى أنَّ الرّسَل - علَيْهِمُ الصلاةُ والسّلامُ - جاءَتْهُم مِنْ قِبَل الله تعالى ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾، أي بالحجَج البيِّنات، أوْ قُل: بِالآيَات البيِّنَاتِ التي تشْمَلُ الحجَجَ والأحْكامَ؛ فإِنَّ الحكْمَ إِذا كانَ حُكْمًا عادِلًا نافِعًا للعِبَادِ فإِنَّهُ بَيِّنَةٌ تدُلّ عَلَى صِدْق مَن أتى بِه، فَالرّسُلُ كُلّهم جَاؤُوا بالبيِّناتِ، ومَا مِنْ رسُولي إلا أَتى بِبَيِّنَةٍ، ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد: ٢٥]. إِذَنْ: فمَعَ كُلِّ نَبِي كِتاب، كُلُّ نبِي لَهُ كِتَابٌ، وكُلُّ نَبِي لَه آيات بَيِّنَاتٌ، ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]. المُهِمُّ: أنَّه مَا مِن رسُولٍ إلا مَعَه بَيِّنة وكِتَابٌ. قوُله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾: (اللَّامُ) في قولِه ﴿لِيَظْلِمَهُمْ﴾ تُسَمَّى لامَ الجحُودِ، أيْ لامَ النّفْي؛ لملازَمَتِها لَهُ، وهِي التي سبقَها (لم يكن)، أو (ما كان)، وهِيَ تنْصِبُ الفعْلَ المضَارعَ. وقوْله تَعالَى: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾: إِذا قِيلَ: (مَا كانَ الله ليَفْعَل كَذا)

стр. 49

ومَا أشْبَه ذَلِك فاعْلَم أنَّه مُمتنِع غايةَ الامْتِنَاعِ، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، أيْ ممتَنِعٌ غايَةَ الامْتِنَاعِ، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ [القصص: ٥٩] , مُمتنِع غايَةَ الامتِنَاعِ، وهَكذا كُلَّما جَاء مثْلُ هَذا التّعبيرِ، فالمرَادُ أنَّه ممتَنِع غايَةَ الامْتِنَاعِ. والظّلمُ في أصْلِ اللُّغَة النّقْصُ، ومنْهُ قولُه تَعالَى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] وهُوَ في الشّرِع كَذَلِكَ نَقْصٌ فِيما يَجِبُ، فيَشْمَلُ الإهْمالَ في الوَاجِبِ والتّعدِّي في المحَرَّم، فالتّعدّي في المحَرَّمِ نقْصٌ؛ لأنك بَخَسْتَ نفْسَك حقَّها؛ حيْثُ لَمْ تجتَنِبِ المحَرَّمَ، وَكَذلِكَ أيضًا التّقْصِيرُ في الوَاجِبِ نقْصٌ، فمَنْ قصَّرَ في واجبٍ فقَدْ ظَلَم نفْسَهُ، ومَنْ تعدَّى في مُحرَمٍ فقَدْ ظلَم نفْسَهُ؛ لأَنهُ نَقَصَ مِمَّا يَجِبُ أنْ يُعامِلَ بِه نفْسَهُ، فيَكُونُ الظّلْمُ إِمَّا تركًا لوَاجِبٍ، وإِمَّا فِعْلًا لمُحَرَّمٍ. وبِالنّسبَةِ للهِ فإنَّ نَفْيَ الظّلْمِ صِفَة سلبِيَّةٌ، تتضَمَّنُ كَمالَ العدْل، فهُوَ لَا يظْلِمُهُمْ لا لأَنهُ عاجِز عنْهُم، ولا لأنهُ غَيْرُ قابِلٍ لَهُ، ولكِنَّهُ لِكَمالِ عدْلِه لَا يُمْكِنُ أنْ يَظْلِم. ونَفْيُ الظّلْمِ يكُونُ لِثلاثَةِ أسْبَابٍ: إِمَّا لِكمال العدْلِ، أَو العجْزِ، أوْ عدَمِ القابِلِيَّةِ. فَإِذا قُلْت: إِنَّ الجدارَ لَا يَظْلِمُ فهُو لِعَدم القابِلِيَّةِ لَا يَقَع منْهُ الظّلْمُ أصْلًا. وإِذا قُلْتَ: فُلانٌ ضعِيف لَا يظْلِمُ عدُوَّه، فهَذا للْعَجْزِ، قَال الشّاعِرُ (١): قَبِيلَةٌ لَا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ ... وَلَا يَظْلِمُونَ النّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ

стр. 50

فهُم لا يظْلِمُونَ لِعَجْزِهم. وإِذَا قُلْتَ: إِنَّ الله لا يَظْلِمُ النّاسَ شيْئًا، فهُوَ لِكَمَالِ عدْلِه، فإنَّه قادِرٌ جَلَّ وَعَلَا أَنْ يظْلِمَ لكِنَّهُ ممتَنِع علَيْه لكَمَالِ صِفاتِهِ، وقَالت الجبرَّيةُ أنَّه لا يَظْلِمُ لعَدَمِ قابلِيَّته، واللهُ يمْلِكُ جَمِيعَ الخلْقِ فتصَرُّفُه في مُلْكِه ليْسَ بظُلْمٍ، ولا يُتَصَوَّرُ الظَّلْمُ في حَقِّ الله لَا لِكَمَالِ عدْلِه، ولكِنْ لأنهُ غيْرُ قابِلٍ لهُ؛ وَهذا قَال ابْنُ القيِّم (١): وَالظّلْمُ عِنْدَهُمُ المحُالُ لِذَاتِهِ ... ... ... ... ... ... ... فهُو مُحَالٌ لذَاتِه عنْدَهُمْ، لا يُتَصَوَّرُ الظّلْمُ في حقِّ الله، ولكِنَّ قولَهم هَذا لَا يُعَدُّ مدْحًا لله ولا ثناءً ولا كمالاً، إِذْ نَفْيُ الظّلمِ لا يكونُ مدْحًا وكمَالًا إلا إِذا كانَ مَع القُدْرَة علَيْه وإمْكَانِه، لكِنْ منَعَه كمالُ عدلِه منْهُ. وقوْلُه تَعالَى: ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: منْصوبَة عَلَى أنَّها مفْعُولٌ مُقَدَّمٌ لـ ﴿يَظْلِمُونَ﴾، يعْنِي ولَكِنْ كانُوا يظْلِمُونَ أنْفُسَهُم، والمرادُ أنَّهم يظْلِمُونَ أنْفُسَهم بمعصِيَةِ الله، إمَّا بتَرْك واجِبٍ أوْ فِعْلِ مُحرَمٍ، وسيَأْتِينا إِنْ شَاءَ الله في الفوائِدِ مَا تدُلّ علَيْه هَذِهِ الجمْلَةُ. المُهِمُّ: أنَّ الله تَعالَى مَا ظَلَم هَؤُلاءِ المكَذِّبِينَ الَّذِين أهْلَكُهم، ولَكِنْ هُمُ الَّذِين ظلَمُوا أنْفُسَهم، فالجنَايَةُ منْهُم عَلَى أنْفُسِهم، واللهُ عامَلَهُم بِكَمَالِ العدْلِ. من فوائد الآية الكريمة: الفائِدَتَانِ الأوْلَى والثانِيَةُ: تَوْبِيخُ مَنْ غَفِلوا عَنِ السّيْرِ في الأرْضِ سواء بأبْدَانِهم أوْ بقُلُوبِهم، لأَنَّ الاسْتِفْهام في قوْلِه : ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ للتَّوبيخِ، ويتفَرَّعُ عَلَى ذَلِك الحثُّ عَلَى السّيْرِ في الأرْضِ، ومن السّيْرِ في الأرْضِ بالقلوب مراجَعَةُ كُتُبِ

стр. 51

التّارِيخِ والأمَمِ؛ لأَنَّ مَن راجَعَها لا سِيَّما التّوارِيخَ الحرِيصَةَ عَلَى الضّبْطِ والموْثُوقَةِ، مَن راجَعَها يتبيَنُ لَه العجَبُ العجَابُ في خَلْقِ الله ومداوَلتِه الأيامَ بَيْنَ النّاسِ، وتغْييره للْأُمورِ، وتَزِيدُ الإنسان إيمانا باللهِ، لكِنْ إِنْ كانَتْ هَذِهِ الحوادِثُ مِنَ السّير النّبويَّةِ وسِيَرِ الخلَفاءِ الرّاشِدِينَ ازْدَادَ بِها مَع الإِيمَان باللهِ أنْ يصْطَبغَ بصِبْغَتِها، ويَحْتَذي حذْوَها في السّيْرِ، وإِنْ كانَتْ مِنَ الأمُورِ العامَّةِ العابِرَةِ فإِنَّهُ يَسْتدِلُّ بِها عَلَى قُدْرَةِ الله وكَمَالِ سْلطانِهِ وتغْيِيِر الأمُورِ. فالمُهِمُّ: أنَّ السّيْرَ في الأرْضِ - بمعْنَى مُراجَعةِ الحوادِثِ والتّوارِيخِ - يفيدُ المرْءَ، وَيعْتَبِر بِها, ولكِنَّها لا تُفِيد كُلَّ أحَدٍ، كَما قَال : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ [ق: ٣٧]. الفائدة الثالثة: أنَّ عاقِبةَ الكفَّارِ وخِيمَةٌ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. الفائدة الرابعة: أنَّ الإنسان مهْمَا قَوِيَ فهُو ضعِيفٌ بالنّسْبَةِ لِقُوَّةِ الله؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾، ومَعَ ذَلِك لَمْ يتَحَصَّنُوا بِهَذا مِنْ عَذابِ الله، بَلْ إِنَّ الله تَعالَى بحكْمَتِه أهْلَك أعْتَى أهْلِ الأرْضِ بأَهْوَنِ الأشْيَاءِ وألطَفِها، وهُمْ عَادٌ أُهْلِكُوا بالرّيحِ، ومَنْ كَانَ يفْتَخِرُ بالأنْهَارِ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِ أهْلَكَهُ بالماءِ الَّذي كانَ يفْتَخِرُ بِه بالأمْسِ، وَهَذا مما يدُلُّ عَلَى كمَالِ سُلطانِ الله تَعالَى وعظَمَتِهِ، وأَنَّه مهْمَا قوِيَ الإنسان فهُوَ ضَعِيفٌ بالنّسْبَةِ لقُوَّةِ الله ، وأظُنُّ أنَّهُ في حَوَالي عَامِ ألف وأرْبَعِمِئة حصَلتْ هزَّةٌ أرضِيَّةٌ في إِيرانَ دمَّرَتْ في لمْحِ البصِر خمسًا وعِشْرِينَ ألف نَسمَة مِنْ بَني آدَم، فضْلًا عَنِ الحيَواناتِ والمواشِي ومَا إِلَى ذَلِكَ، ودمَّرَتْ مِئَتَيْنِ وثَلاثِينَ قرْيَةً ومَدِينتيْنِ كبِيرَتَيْنِ، والهزَّة ليْسَت

стр. 52

تهُزُّ مثْلَ الأرْجُوحَةِ، إنَّما هِي كلَمْحِ البصرِ مثْلَ ما حكَاهَا إِنْسَان كَتَبَ للشِّيخِ عبْدِ العزيزِ بْنِ بَازٍ في الهزَّةِ التي أصَابَتِ اليَمَنَ، فصوَّرَها تصْوِيرًا عجِيبًا في سُرْعَتِها، وأصواتٍ صَحِبَتْهَا وحالِ النّاسِ والرّعْبِ الَّذي أصَابَهُم حتَّى أنَّها، ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ [الحج: ٢]. فهَذِه القُدْرَة العظِيمَةُ لَا يُمْكِنُ لأحَدٍ أنْ ينْجُو منْهَا إِذا شاءَها الله أبدًا، ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥]. الفائدة الخامسة: أنَّ التّأمّلَ في حَال الكفَّارِ للاعْتِبَارِ، يعْني أنْ يعْتَبِر بِه الإنسان أمْرًا مطلوبًا لَوْ جَاء إِنْسَانٌ وَأرَادَ أنْ يدْرُسَ تارِيخَ أمَّةٍ كافِرَةٍ ماذَا حصَل لَها ومَا الَّذي جاءَها، فإنَّنا لا نَنْهاه عنْ ذَلك ما دامَ يُريدُ أنْ ينتفِع بِهَذا، وَيعْرِفَ مَاذا كانَت عاقِبَةُ المجْرِمينَ، فإِنَّهُ مأمُور بِه، أمَّا إِذا كَانَ يُريدُ أن يتَعَجَّبَ مِنْ قُوَّتهم وصنْعَتِهم ومَا إِلَى ذَلِك فإِنَّهُ يُنْهَى عنْهُ، مِثْل مَا قُلْنا في الَّذِين يذْهَبُونَ إِلَى دِيَارِ ثَمُودَ قصْدُهُمُ التّفْرّج والنّزْهَةُ، فهَذا حرَامٌ والذِين قصْدُهُم الاعْتِبار فهَذا جَائِزٌ بالشّرْطِ الَّذي ذَكَرَهُ النّبيُّ ﵊، وهُوَ ألَّا يدْخُلوها إلا وهُم بَاكُون (١). الفائدة السادسة: أنَّ إِثارَةَ الأرْضِ مِنْ أسْبَابِ القوَّةِ، أي الاشْتِغَالُ بِالزّراعَةِ مِنْ أسْبَابِ القوَّةِ بِلا شَكٍّ؛ لأنَّهَا يحْصُل بها الاكْتِفاءُ الذّاتِيُّ عَنِ الغيْرِ، فإِذا كَانَت بِلادُنا - مثَلًا - تُنْتِجُ الثّمارَ والزّروعَ استَغْنينَا بذَلِك عنْ غَيرِنا، وَرُبَّما يكُونُ لدَيْنا فائِضٌ

стр. 53

نُصدِّرُه لغَيرنا فنكسبُ، فإِثَارَة الأرْضِ مِنْ أسْبَابِ القوَّةِ، وَكَذلِكَ عُمْرَانُ الأرْضِ بِغَيْر الإثَارةِ بالبنَاءِ والتّجَارَةِ وما أشْبَهَ ذَلِك مِنْ أسْبابِ القوَّةِ. الفائدة السابعة: أنَّ الله ما تَرك أحدًا بدُونِ رُسُلٍ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ﴾. الفائِدَةُ الثّامِنهُ: أنَّ كلَّ رسولٍ معَه بيِّنَة تُؤَيِّدُهُ؛ لقوْلِه : ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾. الفائِدَتانِ التّاسِعَةُ والعاشِرَةُ: نسْتَفِيدُ مِن إِرْسالِ الرّسُلِ وإيتَائِهِمُ البيِّناتِ فائِدَتَيْن وهُمَا: أولًا: رحْمَةُ الله وحِكْمَتُه، أمَّا الرّحمَةُ فلأنَّ العقُولَ لا يُمْكِنُ أن تهتَدِيَ لما يُريدُهُ الله منْهَا إلا بالوَحْي، فَلا يُمْكِنُ لِلإِنْسَانِ بعقْلِه أنْ يعْرِفَ كيْفَ يتوضَّأُ، وكَيْف يُصلّي، وكَيْفَ يصُومُ، وكَيْفَ يحجُّ. إِذَنْ: لا بُدَّ مِن أنْ يكُونَ هناكَ رسُولٌ يَأتِيهِ الوَحْيُ مِنَ الله ليبين لنا مَا يرْضَاهُ الله ومَا لا يَرْضَاهُ. ثانيًا: كونُ هَؤُلاءِ الرّسُل يأتونَ بالبيَّناتِ مِن الرّحمَةِ لَوْ أَرْسَل الله الرّسُلَ بدُونِ بينات وألزَم العبَادَ أنْ يَخْضَعُوا لهمْ بِدُون أنْ يكُونَ هُناكَ بيِّنَةٌ يطْمَئنُّونَ إلَيْها يكُون في هَذا مِن العنَتِ والمشَقَّةِ مَا لا يعْلَمُه إلا الله، ولكِنْ مِن رَحْمَةِ الله جَلَّ وَعَلَا أنْ جعَلَ مَعَ كُلِّ نَبي بيِّنَةَ، ولَاحِظ أنَّ الأنبِياءَ الَّذِين تُقَيَّدُ نُبوَّتُهم ورسالَتُهم بزَمَنِ أوْ مكَانٍ وهُمْ جَمِيعُ الأنبِياءِ مَا عَدا محَمَّدَا ﵊ تَجِدْ آياتهمْ غالبًا آيات حِسيَّةً تنتهي بانْتِهائِهِمْ، وتكُونُ بعْدَ موتهم خبَرًا يُنْقَلُ ويُؤثَر، أمَّا النّبيّ ﷺ فآياتُه اشتَمَلَتْ عَلَى

стр. 54

الأمْرَيْنِ: عَلَى أُمورٍ حِسِّيَّةٍ نُقِلَتْ بعْدَه وأُثِرَتْ، وعَلى أُمورٍ معْنَوِيَّةٍ بقِيَتْ بعْدَه مثْلَ القرآنِ العظِيمِ، ومثْلَ إخْبَارِه ببَعْض الأمُورِ الغيْبِيَّةِ التي وقعَتْ كَما أخْبَر؛ لأَنَّ رسالَةَ النّبيّ ﷺ دائِمَةٌ ومستَمِرَّةٌ وثابِتَةٌ، فلا بُدَّ أن تكُونَ الآيات المؤيِّدةُ للرَّسُولِ ﷺ باقية حتَّى تقُومَ بها الحجة عَلَى الباقينَ مِنَ النّاس لأَنَّ الباقِينَ مِنَ النّاسِ لم يشْهَدُوا الشّيْءَ بأيْدِيهم، وإنما هِي أخْبَارٌ تُؤْثَرُ، فإِنَّهُ كَما جاءَ في الحدِيث: "لَيْسَ الخبَرُ كالمعَاينة" (١). الفائدة الحادية عشرة: انتِفَاءُ الظّلْمِ عنِ الله؛ لكَمَالِ عدْلِهِ؛ لقوْلِه : ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾. فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: انتْفَاءُ الظّلْمِ عنِ الله نُوافِقُكُمْ علَيْه؛ لأَنَّ الله نفَاهُ عَنْ نفْسِه ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ , لكنْ مِن أيْنَ لكُم قولَكُمْ: (لكَمَالِ عدْلِه)؟ فالجوابُ؛ لأنَّ النّفيَ يدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ المنْفَي، والانْتِفاءُ يُساوِي العدَمَ، والعدَمُ نفْسُه ليْسَ بشَيْءٍ، العدَمُ عدَمٌ عَلَى اسْمِهِ، فإِذا كَانَ ليْسَ بشَيْءٍ فلَا يكُونُ صفَةَ كَمالٍ يُثْنِي الله بِها عَلَى نفْسِه لانهُ ليْسَ بشَيْءٍ. إِذَنْ: لاُ بدَّ مِن أنْ يكُونَ متضَمِّنًا لشَيْءٍ وهُو الإثْبَات، هَذا الإثْبَات إمَّا أنْ يكُونَ للعَجْزِ، وإِمَّا أنْ يكُونَ لعدَمِ القابليَّةِ، وإمَّا أنْ يكُونَ لكَمَالِ العدْلِ، والاحْتِمال اللائِقُ بالله هوَ كمالُ العدْلِ، وَبِهذَا عرَفْنَا أنَّ التِزام نفْيِ الظّلْمِ لكمالِ العدْلِ لازِمٌ عقلي لا بُدَّ منْهُ بالنّسْبَةِ للهِ ليْسَ بالنّسْبةِ لكُلِّ مَن يُنْفَى عنْه الظّلْمُ، وحِينَئِذٍ يُسْتَفَادُ منْهَا انتِفَاءُ الظّلْمِ لِكَمَالِ عدْلِ الله .

стр. 55

الفائِدَةُ الثّانِيةَ عَشْرَةَ: أنَّ نفسَ الإنسان عنْدَه أمانَةٌ؛ تُؤخَذُ مِنْ قَوْلِهِ : ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، فأثْبَتَ الله تَعالَى ظُلْمَ الإنسان نفسَه، ولو كانَتْ غيْرَ أمانَةٍ لكَان غيرَ ظالم؛ لأنَهُ يتصرَّفُ ويتحَكَّمُ، لكنَّها أمانَة عنْدَهُ يَجِبُ علَيْه أن يَرْعاهَا حقَّ رعايَتها، وَهذا قَالَ النّبيُّ ﷺ : "إِنَّ لِنْفَسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا" (١)، وَهَذا كَما يشْمَلُ إعْطَاءَ النّفْسِ راحَتَها يشْمَلُ إِعْطَاءَ النّفْسِ حقَّها مِنَ العبادَةِ فَلا تُهْمِلْها، والإنسان فِيه ثلاثَةُ أنْفُسٍ: أمَّارَةٌ، ومطمَئِنّةٌ، ولوَّامَةٌ. أمَّا المطْمَئِنَّةُ: فهِيَ التي تأمُرُه بِرِضَى الله. وأمَّا الأمَّارَةُ بالسّوءِ: فهِيَ التي تأمُرُه بمعْصِيَةِ الله. وأمَّا اللَّوَّامَةُ: فَهِي التي تلُومُه، سواءٌ لامَتْه عَلَى ترْكِ الشّرِّ فهذِه مِنَ النّفْسِ الأمَّارة التي تقولُ لَهُ: لماذا لَمْ تذْهَبْ مَع هَؤُلاءِ تشْرَبُ الخمْرَ وتَزْني وتُقامِرُ إِلَى آخرِه، فتَلُومُه عَلَى ما تَركَ من فِعْل السّوءِ، فهذِه تكونُ مِن الأمَّارة بالسّوءِ، وكذَلِك تُوجدُ نفْس لوَّامَة تلُومُهُ عَلَى فِعْل الشّرِّ وتَرْكِ الخيْرِ، وهَذِه هِي النّفْسُ المطْمَئِنّة. فَفِي الإنسان ثَلاثُ أنْفُسٍ، كَما ذكرَ الله تَعالَى، وكُلُّ إِنْسَانٍ لابدَّ أنْ يكُونَ لَدَيْهِ هَذِهِ الأنفُسُ، وهِي فَي الحقِيقَةِ أوْصَافٌ وإلَّا فنَفْس العقْل أوِ التّفكِيرُ واحِد، الإنسان يُوجَدُ فِيه الجميعُ، يحسُّ مِن نفسِه أحْيانًا بما يأْمُرُه بالمعْصِيَةِ، ويحسُّ أحْيانًا بما يَعْمَلُ مِنَ الخْير، ويحسُّ أحيَانًا بما يَلُومُهُ. ويُنْظَرُ أيُّهما التي تغْلِبُ، فَمِن النّاس مَن تغْلِبُه نفْسُهُ الأمَّارَةُ، وَمِنَ النّاسِ مَنْ تغْلِبُه المطْمَئِنّة، لكِنِ ابْتداءً خَلَق الله فِيه هَذِهِ القوى، فهَذِه القوَى النّفسِيَّةُ مخْلُوقَة في الإنسان.

стр. 56

الفائدة الثالثة عشرة: أنَّ الإنسان بمعصِيَته لا يضُرُّ إلا نفسَهُ، ويدُلُّ لهذَا قوْلُ الله في الحدِيثِ القدسِيِّ: "يَا عِبَادِيَ لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِك في مُلْكِي شَيْئًا" (١)، يعْنِي لا يضُرُّه، فحتَّى لوْ خَرَجْتُم عنْ عِبَادِتي والتّعبُّدِ لي فإِنَّ ذَلِك لا يَضُرُّني. الفائدة الرابعة عشرة: أنَّ العبْدَ فاعِل مختار؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، فأثْبَتَ الظّلْمَ منْهُم لأنفُسِهِمْ، ومنْ وجْهٍ آخَر يُؤْخَذُ أيضًا مِن نفْسِ الآية ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾؛ لانهُ لَو كانَ يُجْبِرُهم عَلَى ذَلِك لكانَتْ عُقوبَتُهم ظُلْما، لو اعْتَقَدَ الإنسان أنَّ الله يُجْبِرُ الإنسان عَلَى فِعْلِ المعْصِيةِ ثمَّ يُعاقِبُهُ علَيْها فإنَّ هَذا ظلم، فَفِيها دَلِيل عَلَى الأفْعَالِ الاخْتِيارَّيةِ مِن جِهَتَيْنِ: • مِنْ قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. • ومنْ قوْلِه تَعالَى: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾. الفائدة الخامسة عشرة: أنَّ الظّلْمَ في حَقِّ الله مِنْ حيْثُ هُو مُمكنٌ يعْني مِن حيْثُ القُدْرَةُ علَيْه فهُو ممكنٌ؛ وَهذا أثْنَى الله عَلَى نفْسِه بانْتِفَاءِ الظّلمِ عنْهُ، أوْ أثنَى عَلَى نفْسِه بنَفْيِهِ ظُلْمَه للعِبادِ، وَهَذا أحْسَنُ، ولَوْ كَان هَذا مِنَ الأمورِ المستَحِيلَةِ مَا كانَ هُناكَ محَلٌّ للثَّناءِ، فهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يظْلِمَ لَوْ شَاء، لكِنَّهُ لا يَشَاءُ ذَلِك لكَمَالِ عدْلِه. إِذَنْ: فالظّلْمُ ممتَنِع عَنِ الله لكَمَالِ عدْلِهِ خِلافًا للجَهْمِيَّةِ الَّذِين يقُولونَ إِنَّ الظّلْمَ ممتَنِع لاستحالته بذَاتِهِ عَلَى الله، قَالُوا هَذا شيْءٌ مستَحِيلٌ فجَعلُوا محَلَّ الثّناءِ أمْرًا مستَحِيلًا عقْلًا. * * *

стр. 57

الآية (١٠) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾ [الروم: ١٠]. * * * قال المُفَسِّر ﵀: [﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ تَأْنيث الأسْوَأ الأقْبَح خَبَر كَانَ عَلَى رَفْع عَاقِبَة وَاسْم كَانَ عَلَى نَصْب عَاقِبَة وَالمرَاد بِهَا جَهَنَّم وَإِسَاءَتهمْ ﴿أَنْ﴾ أَيْ بِأَنْ ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ القرآن ﴿وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾] اهـ. قوْله تَعالَى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَة﴾ مصْدَرٌ بمَعْنى العقْبَى، وفِيها قِراءَتَانِ سبْعِيّتَانِ (١): النّصبُ ﴿عَاقِبَةَ﴾، والثّانِيَةُ الرّفْعُ "عاقبةُ"، أمَّا عَلَى قِرَاءَةِ الرّفْعِ فإنَّها اسْمُ ﴿كَانَ﴾، وأمَّا عَلَى قِرَاءَةِ النّصْبِ فإنَّها خبَرُ ﴿كَانَ﴾ مُقَدَّمًا، يَبْقَى النّظَرُ: أيْنَ اسْمُ ﴿كَانَ﴾ عَلَى قِراءَةِ النّصْبِ، أوْ خبَرُها عَلَى قراءَةِ الرّفْعِ، سيَذْكُرُه المُفَسِّر. قوْله تَعالَى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا﴾: أيْ عَمِلُوا العملَ السَّيِّئِّ مِن الكفَّارِ المكذِّبِينَ للرُّسُلِ كَما قَصَّ الله , و ﴿أَسَاءُوا﴾ ضِدَّها أحْسَنُوا. فالَّذِين أَحْسَنوا قالَ الله فِيهِمْ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦] , والَّذِين أسَاؤُوا كَان عاقبِتَهُم مَا ذَكرَ الله هُنَا. قو لُه ﵀: ﴿السُّوأَى﴾ تأنيث الأسوأ الأقبح] , قوْله تَعالَى: ﴿السُّوأَى﴾ اسْمُ

стр. 58

تفْضِيلٍ مثْلِ ما نَقُولُ الفضْلَى اسْمَ تفْضِيلٍ، والعظْمَى اسْمَ تفْضِيلٍ، ومُذَكَّرُ الفضْلَى الأفْضَلُ، ومُذَكَّرُ العظْمى الأعْظَم، ومُذَكَّر الأُولى الأوَّلُ، ومُذَكَّرُ ﴿السُّوأَى﴾ الأسْوَأُ. إِذَنْ: فـ ﴿السُّوأَى﴾ اسْمُ تفْضِيلٍ مؤَنَّثِ (الأسْوَأِ)، ومعْنَى الأسْوَأِ: الأقْبَحُ، يعْنِي عمَلُهم السّيِّئ كانَتْ نَتِيجَتُه أسْوأَ، وَهَذا أسْوَأُ بالنّسْبَةِ لما هُمْ علَيْه مِنَ النّعِيمِ في الدّنْيَا فلَاقَوْا بعْدَ ذَلِك الجحِيمَ، ولا تَظُنَّ أنَّ هَذه الآية تدُلّ عَلَى أن السّيئةَ تُجزَى بأسْوَأ منْهَا، ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠] , لكِنَّ الأسْوَأ باعْتِبَارِ حالهم لَا باعْتِبَارِ الجزاءِ عَلَى سُوئهِمْ، فهُمْ كانُوا في الدّنيا مُنَعَّمِينَ وكانَتِ الدّنيا بالنّسْبَةِ للْكَافِر جنّة فلمَّا ماتُوا عَلَى الكفْر انتَقَلُوا إِلَى أسْوَأَ وأسْوَأَ بكَثِيرٍ، ولا يُنْسَبُ إِلَى حالهم في الدّنْيَا. قولُه ﵀: [﴿السُّوأَى﴾: خبَرُ ﴿كَانَ﴾ عَلَى رَفْعِ (عَاقِبةُ)، واسْمُ كَان عَلَى نَصْبِ ﴿عَاقِبَةَ﴾] , أفَادَنا المُفَسِّر أنَّ في ﴿عَاقِبَةَ﴾ قرَاءَتَيْن: النّصْبُ والرّفْعُ، فعَلى قِراءَةِ الرّفْع نعْرِب ﴿السُّوأَى﴾ اسمَ ﴿كَانَ﴾ و ﴿السُّوأَى﴾ خبرُهَا منْصُوب بفَتْحَةٍ مُقَدَّرَةٍ عَلَى الأَلِف منَع مِنْ ظُهورِها التّعَذَّرُ، وعَلى قِراءَةِ النّصْبِ نعْرِبُ ﴿عَاقِبَةَ﴾ خبَرَ ﴿كَانَ﴾ مُقَدَّمًا، و ﴿السُّوأَى﴾ اسمُها مؤخَّرٌ، وهَذا أحَدُ الأوْجُه في الأعْرَابِ. وقِيل إِنَّ ﴿السُّوأَى﴾ مفْعُولٌ مُطْلَق يعْنِي أسَاؤُوا السّيِّئَة السّوأَى، فيَكُونُ مفْعُولًا مُطْلَقًا وَيكُونُ الخبَرُ أَو الاسْم هُو المصْدَرُ المؤَوَّلُ مِنْ قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾، أيْ صَار عاقِبَتُهم حِين أسَاؤُوا أنْ كَذَّبُوا؛ لأَنَّ الأعْمَالَ السّيِّئةَ - والعياذُ باللهِ - تجرّ إِلَى السّيئةِ كَما أنَّ الحسَنَاتِ يَجْرُرْن إِلَى الحسَنَاتِ. ولكِنْ مَا ذَهبَ إِلَيْهِ المُفَسِّر ﵀ أَوْلى، فنَجْعَلُ السّوأَى إمَّا خبَرَ ﴿كَانَ﴾ عَلَى قِراءَةِ الرّفْعِ، وإِمَّا اسمَها عَلَى قِراءَةِ النّصْبِ.

стр. 59

قوُلهُ ﵀: [وَالمرَادُ بِها جهَنَّم وَإِسَاءَتَم ﴿أَنْ﴾ أَيْ بِأَنْ ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ القرْاَنِ ﴿وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾]: بَيَّنَ لنا المُفَسِّر أنَّ العاقِبَةَ أنَّهُم عُذِّبُوا بالنّارِ، وأنَّ المصْدَر في قوْلِه تَعالَى: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ عِلَّة لكَوْنِ عاقِبَتِهم السّوءَ، أيْ لأَنَّهم كذَّبُوا بآياتِنا، لكِنَّ المُفَسِّر أَتى بـ (الباءِ)، والباءُ تكُونُ للسَّبَبِيَّةِ وللتَّعْلِيل، والمعْنَى واحِدٌ، أيْ كانَتْ عاقبِتُهم السّوأَى لأنَّهم كذَّبُوا بآياتِ الله، هَذا بِالنّسْبَةِ لأخْبَار الآيات كذَّبُوا بِها، وقَالُوا ليْسَتْ بِصَحِيحَةٍ، وبِالنّسْبَةِ للْعَمَل ﴿وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾، فجَمَعُوا بيْنَ الاسْتِهْزَاءِ بالأحْكَامِ والتكْذِيبِ بالأخْبَارِ وَهَذا الَّذي ذَهَب إِلَيْهِ في إِعْرَابِ ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ أحدُ الأوْجُهِ أيْضًا؛ لأَنَّ هناكَ وجهًا آخَرَ يقُولُ: إِنَّ قوْلَه تَعالَى: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ بَدل مِنَ السّوأَى، أوْ بَيان لَها، وَيكُونُ المعْنَى أسَاؤُوا السّوأَى، وهُوَ تكذِيبُهم فيَكُون عاقِبتَهم إِذَن التكذيب والاستهزاءُ. وعَلَى كُلِّ حَالٍ: سواءً قُلْنا أنَّها بدَلٌ أو عطْفُ بَيان مِنَ السّوأَى، أوْ: أنَّها لِلتَّعْلِيلِ في ثُبوتِ السّوأَى لهم فإِنَّهُ يدُلُّ عَلَى أنَّ هَؤُلاءِ كانُوا مُكَذِّبينَ ومُسْتهزِئِينَ مُكَذِّبِينَ بالخبَرِ ومُسْتهزِئينَ بالحكْمِ، يتَّخذُونَ آياتِ الله هُزُوًا في الأحْكامِ وكَذِبًا بالأخْبارِ، فتَجِدُهم مَثَلا في صَلاتِهم عنْدَ البيْتِ يُصَلُّون مُكَاءً وتَصْدِيَة، ويسْخَرُونَ مِن الَّذِين آمَنُوا، ومَا إِلَى ذَلِك فيتَّخِذُونَه هُزُوًا. قولُه ﵀: ﴿أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ القرآن]: فِيه نَظَرٌ ظَاهِرٌ؛ لأَنَّ الآية عامَّة، فتَشْمَلُ مَن كذَّبَ بآياتِ الله بالقرآنِ بعْدَ بعْثَةِ الرّسُولِ ﷺ ، ومَنْ كذَّب بالتّورَاة في زَمَن مُوسَى، وبالإنْجيلِ في زَمن عِيسَى، فالصّوابُ في الآية العُمُوم. بَل لَوْ قِيلَ: لا يَدْخُل فِيها مَنْ كَذَّب بالقرآنِ لكَانَ لَهُ وجْهٌ، يعْنِي لَوْ قِيلَ: إِنَّ الأمْرَ عَكْسُ مَا قَالَ المُفَسِّر ﵀ لأَنَّ الله قَالَ: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا

стр. 60

كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾، فالسّياقُ في قومٍ سَبقُوا لَا في قومٍ حَاضِرينَ، فكَوْنُ المُفَسِّر ﵀ يجْعَلُ الآيات هُنا بمَعْنَى القرآنِ بَعِيدٌ جدًّا، بَلْ إِمَّا أنْ نَجْعَلَها للعُمُوم، وإِمَّا أنْ نجْعَلها للأُمَم السّابِقِينَ، أمَّا أنْ نَخُصَّها بالقرآنِ فهَذا فِيه نَظَرٌ ظَاهِرٌ. وقوْله تَعالَى: ﴿نْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ المرَادُ بالآيات هُنا الآيات الشّرْعِيَّةُ لأنَّها محَلُّ التكذِيبِ، وقَدْ يَكُونُ التكذِيبُ أيْضًا بالآيات الكوْنِيَّةِ. وقوْله تَعالَى: ﴿وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾: الاسْتِهزَاءُ يشْمَلُ الاسْتِهزاءَ القوْلِيَّ، والاسْتِهزاءَ الفعليَّ، فالاسْتِهزاءُ القوْلِيُّ أنْ يسْخَر بِها، مثْلَ مَا وَردَ في المنَافِقِينَ، قَالُوا: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ قرّائِنَا هَؤُلاءِ أَرْغَبَ بُطَونًا، وَلَا أَكْذَبَ ألسُنًا، وَلَا أَجْبَنَ عِنْدَ اللِّقَاءِ (١)، والاستِهْزاءُ الفعليُّ كأَنْ يحجَّ ساخِرًا، أوْ يفْعَلَ شيْئا مِن العبادَاتِ عَلَى وَجْهِ السّخرِيَةِ والاسْتِهزَاءِ والتّحْقِيرِ. من فوائد الآية الكريمة: الفائِدتَانِ الأوْلى والثّانِيَةُ: سُوءُ العاقِبَةِ للمُسيئينَ؛ لأَنَّ عاقِبَةَ هَؤُلاءِ الَّذِين أسَاؤُوا عاقِبَتُهم السّوأَى؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿السُّوأَى﴾، وَهَذا عَلَى رأْيِ المُفَسِّر ظَاهِر؛ لأَنهُ جَعَل ﴿السُّوأَى﴾ هِي خبَرَ ﴿كَانَ﴾ أوِ اسْمَها عَلَى اخْتِلَافِ القرَاءَةِ في ﴿عَاقِبَةُ﴾، ويتَفَرَّعُ عَلَى هَذِهِ الفائِدَةِ أنَّ عاقِبَةَ المحْسِن الحسْنَى لأَنَّ الحكْم يدُورُ مَع علَّتِه، فإِذا كانَتْ عاقِبَةُ المسيئينَ السّوأَى، كَانتْ عاقِبةُ المحسِنينَ الحسْنَى، ويُؤيِّدُ ذَلِك قوْله تَعالَى:

стр. 61

﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. الفائدة الثالثة: أنَّ الإساءَة هُنا هِي التكذِيبُ بآيَاتِ الله، والاسْتِهزاءُ بِها عَلَى تقْدِيرِ المُفَسِّر، لأَنَّهُ قَال بأنْ كَذَّبُوا، وعَلى الرّأْيِ الثّاني يكُونُ قوْلُه : ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ هِي العاقِبَةُ فيُستَفادُ منْهَا أنَّ عاقِبَةَ المعَاصِي تكُون الكفَّر والتكذيبَ بآيَاتِ الله والاسْتهزَاءَ بِها, لقَوْلِه تَعالَى: ﴿وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾، إِذا قلْنَا إِنَّ قوْلَه تَعالَى: ﴿أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ أيْ عَمِلُوا السّيِّئاتِ فكان عاقِبتُهُم التكذِيبَ والاستِهْزاءَ، ويكُونُ معْنَى ذَلِك أنَّ المعَاصِي تكُونُ سبَبًا للْكُفْرِ، وهُو كَذَلِكَ، وقَدْ قَال أهْلُ العلْم: إِنَّ المعَاصِيَ بَرِيدُ الكفْرِ. الفائدة الرابعة: أنَّ الوَحْي الَّذي أنْزَلَهُ الله عَلَى الرّسُلِ مِن آيَاتِه لقوْلِه تَعالَى: ﴿أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، وإِنَّما كانَ مِن آياتِه لمَا يشْتَمِلُ علَيْه مِنَ الصّدْقِ في الأخْبَارِ والنّفْعِ في القصَصِ والعدْلِ في الأحْكامِ والإصْلاح، فكُلُّ الكتُبِ النّازِلَةِ متضمِّنَة لهذِه الأمورِ: صِدْق في الخبَرِ، نفْعُ القصَصِ، عدْلٌ في الأحْكَامِ، مصْلَحَة للعِبَادِ، فلِهَذا كانَتْ هَذِهِ الكتُبُ مِن آيَاتِ الله؛ لأنَّهُ لا يُمْكِنُ للْبَشَرِ أنْ يضَعُوا مثْلَها. الفائدة الخامسة: الفرْقُ بيْنَ التكذِيبِ والاستِهْزَاءِ، فالتكذِيبُ ردُّ الخبَرِ، والاستِهْزاءُ السّخرِيَةُ بالأعْمَالِ الظّاهرَةِ أوِ الباطِنَةِ، والاستِهْزَاءُ أشَدُّ؛ لأنَّهُ جامِعٌ بيْنَ التكذِيبِ والسّخرِيَةِ. الفائدة السادسة: التّحذِيرُ مِنْ أعْمَالِ السّيِّئاتِ حيْثُ كانَتْ هَذه عاقبَتَها، سواء قلْنَا إِنَّ السّوأَى هِي العاقِبَةُ، أوْ أنَّ العاقِبَةَ هِي التكْذيبُ، فإِنَّهُ يتضَمَّنُ التّحذِيرَ مِنَ الأعْمَالِ السّيَئةِ. * * *

стр. 62

الآية (١١) * قَالَ اللهُ : ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الروم: ١١]. * * * هَذا لتَأْكِيدِ الإِيمَان بِاليْومِ الآخر، ذَكَّر الله عبَادَه بأَمْرٍ يعْتَرِفُون بِه، وهُو أنَّه بدَأَ الخلْقَ ولَا أحَدَ يُنْكِرُ ذَلِك، لا أحَدَ يدَّعِي أنَّه خلَقَ نفْسَه، فَكُلُّ إِنْسَانٍ يعْرِف أنَّه مخلُوقٌ مِن عدَمٍ، ومنَ المعْلُومِ أنَّه لو ادَّعى أنَّه خُلِق مِنْ غير خالق فإنَّ كُلَّ أحدٍ يُكذِّبُه، وإِذَا أقَرَّ بأنَّه لَا بُدَّ مِن خالق فنَقُول لَهُ: مَنْ، عَيِّنهُ لنا؟ وحِينَئِذٍ لَا يستَطِيعُ أن يعيِّنَ، فنَقُولُ: إِنَّ الَّذي خلَقَكَ هُوَ الله. قوْله تَعالَى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ أيْ يُنْشِئُه أوَّلَ مرَّةٍ، كَما قالَ : ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] , وتطْوِيرُ الخلْقِ وجعْلُه أطوارًا أمْرٌ معلُومٌ؛ لأَنَّ هَذا هُو مقْتَضَى الحكْمَةِ، فمُقْتَضى حِكْمَةِ الله تَعالَى أنَّ الأشْيَاءَ تَتَطَوَّرُ شيْئًا فشيْئًا حتَّى تَصِل إِلَى حَدِّ الكمَالِ. وقوْله تَعالَى: ﴿ثُمَ﴾ للترتيب بمهلَةٍ؛ لأَنَّ الإعادَةَ لا تكون إلا عنْدَ قِيَامِ السّاعَةِ، فقِيامُ السّاعَة يتأخَّرُ كَثِيرا عَنِ ابْتِدَاءِ الخلْقِ، ﴿يُعِيدُهُ﴾ أيْ يُرْجِعُه مرَّة ثانِيَة، وليْسَ يَبْتَدِئ خلْقًا جديدًا، وَإنما يُعِيدُ المخْلُوقَ الأوَّلَ، فلَيْس إنْشَاءَ خلْقٍ جدِيدٍ، بَلْ إعادَةُ مَا سبَقَ، وفرْق بَيْن الأمْرَيْن؛ لأَنَّنا إِذا قُلْنا أنَّه ابْتِدَاءُ خلْقٍ جدِيدٍ فمَعْنى ذَلِكَ أنْ يُعَذِّبَ مَنْ لم يَعْمَل، وأنْ يُنْعِّم مَنْ لم يعْمَل، وأيْضًا فإنَّ كوْنَه يَبْتَدِئ خلقًا جديدًا

стр. 63

لا ينكرُه المكذِّبونَ بالبعْثِ؛ لأنَّهم يُقرُّونَ بالابْتِدَاءِ، إنما هُمْ يُنْكِرُون الإعادَةَ، ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] , وعَلَى هَذا فالبعْثُ إعَادَةُ وجمْعُ مَا تفرَّقَ، وليْس ابتدَاءَ خلْقٍ جدِيدٍ. وَإِذا قِيلَ: هَذا المتفَرِّقُ صَار رَميمًا، ثمَّ تُرابًا وتَلاشَى، أوْ أنَّ الإنسان أكلَتْه السّباعُ أوْ الحيتَانُ، أَوْ مَا أشْبَهَ ذَلِك. قُلْنَا: مَهما كَانَ، فاللهُ تَعالَى قادِر عَلَى أنْ يجْمَعَهُ ثمَّ يُعيدَه، وَلهذا قَالَ: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾. قوْله تَعالَى: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ﴾ لَا إِلَى غيْرِه، ﴿تُرْجَعُونَ﴾ فِيها قراءَتَانِ "يُرْجَعُونَ" و ﴿تُرْجَعُونَ﴾ (١)، فعَلى قراءَةِ التاء تكونُ الجمْلَةُ للخِطَابِ، وعَلى قِراءَةِ اليَاءِ تَكونُ الجمْلَةُ للغَيْبَةِ. ويُشْكِلُ عَلَى هَذا أنَّه قَال: "يُرْجَعُونَ" مَع أنَّ الخلْق في قوْلِه تَعالَى: ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ مفْرَدٌ، ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، ومقْتَضى السّياقِ أنْ يقُولَ: "ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُ"، لكنَّه قال: "يُرْجَعُونَ". والجوابُ عَلَى ذَلِكَ: أنَّ (الخلْقَ) مصْدَر بمعْنَى اسْمِ مفْعُولٍ، فمَعْنَى يبْدَأُ الخلْق يعْنِي يبْدَأُ المخْلُوقِينَ، ولكنْ لمَّا كَان مصْدَرًا فإِنَّ المصْدَر لا يُثَنَّى ولَا يُجْمَعُ، قَال ابْنُ مَالك في الألفيَّةِ (٢): ونَعتُوا بِمَصْدَرٍ كثِيرَا ... فالتزَمُوا الإفْرَادَ وَالتّذْكيرَا

стр. 64

وعَلى هَذا فنَقُول: إِنَّ الخلْقَ بمعْنَى المخْلُوقِين، يَعْنِي ثمَّ إِلَى الله يَرْجِعُ هَؤُلاءِ المخلُوقُونَ بَعْدَ الإعادَةِ، وَهَذا الرّدُّ إِلَى الله والإرْجاعُ مِنْ أجْلِ الجزاءِ والحسَابِ، ثمَّ المآلُ إِلَى دَار النّعِيمِ أوْ إِلَى دَارِ الجحِيم. من فوائد الآية الكريمة الفائدة الأولى: قدْرَةُ الله ، حيْثُ ابْتَدَأ الخلْقَ. الفائدة الثانية: ثُبوتُ حُدوثِ العالم، وأنهُ ليْسَ قَدِيمًا لَا أوَّلَ لَه كَما زعَمَتِ الفلاسفَةُ أنَّ الله ابْتَدأَهُ، والمبْتَدَأُ معْنَاه كَان بالأوَّلِ عدمًا. الفائدة الثالثة: ثُبُوت البعْثِ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾. الفائدة الرابعة: أنَّ البعْثَ ليْسَ ابْتِداءَ خلْقٍ، ولكنَّه إعادَةٌ، خِلافًا لمَنْ قَال: إِنَّ البعْثَ ابتِدَاءُ خلْق؛ نأخُذُها مِنْ قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، والضّمِيرُ يعُودُ إِلَى الخلْق المبْتَدَأِ، وقَد سبَق في كلامِنا عَلَى هَذه الآية أنَّه لوْ كانَتِ الإعادَةُ ابتداءَ خلْق جدِيدٍ لكانَ يُعَذَّبُ مَنْ لم يَعْمَلْ، ويُنَعَّمُ مَنْ لم يَعْمَلْ، ولكِنَّ البعْثَ إعادَةٌ لما سَبَقَ. لَوْ قَالَ قَائِل: هلِ المرَادُ إعادَةُ نفْسِ الأجْسَام أمْ تنْبُتُ نَباتًا جديدًا؟ قُلْنَا: نفْسُ الأعْيَانِ التي تفتَّتت وذَهبَتْ يُعِيدُها الله، فإذَا تحوَّلَ إِلَى تُرابٍ يُعادُ، وَهَذا الجسْمُ المخْلُوقُ هُو نفْسُ الأوَّل، يجْمَعُ الله تَعالَى ما تفَرَّقَ منْهُ ثمَّ يُحْيِيهِ. الفائدة الخامسة: الاسْتِدلال بالمبْدَأ عَلَى المعَادِ، تُؤْخَذُ مِنْ قوْلِه : ﴿يَبْدَأُ﴾، و ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، فإنَّ هَذا استِدْلالٌ بالمبْدَإِ عَلَى المعَادِ، والاسْتِدلال بالمبْدَإِ عَلَى المعَادِ استِدْلَالٌ حقِيقِيّ ومنْطِقِيٌّ ومعقُولٌ، فالمبْدَأُ أشَدُّ وأصْعَبُ، فالقادِرُ عَلَى الابتِدَاءِ قادِر عَلَى الإعادَةِ؛ وَهذا قالَ الله تَعالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ

стр. 65

وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧] , الكلُّ هيّنٌ لكِنَّ هَذا أهْوَنُ؛ لأَنَّ هَذا إعَادَةٌ. الفائدة السادسة: أنَّ مرجعَ الخلائِق إِلَى الله في الدّنْيا وِفي الآخرةِ، أمَّا في الآخرةِ فيَرْجِعُونَ إِلَى الله ليحْكُم بيْنَهُم بالجزاءِ، وأمَّا في الدّنيا فيَرْجِعُونَ إِلَى الله ليحْكُمَ بيْنَهُم بالعمَلِ، ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] , هَذا خَبَرٌ، وقالَ ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. فالمُهِمُّ: أنَّ المرْجِعَ إِلَى الله في الدّنْيا والآخرةِ، فالمرْجِعُ إِلَى الله تَعالَى في أُمُورِ دُنْيانا وفِي أُمورِ دِيننا، وَكَذلِكَ في أمْرِ الآخرةِ نُرجَع إِلَى الله ويُجِازِينا بِمَا نستَحِقُّ، وإنْ كانَتْ تَعْني الآخرةُ بالأوْلَويَّةِ فقَطْ؛ لأنَّهَا في سِيَاقِ هَذا، لكِنْ لَا مانِعَ مِنْ أنْ تُحْمَل عَلَى العُمُوم، لا سِيَّما أنَّه ذَكَر ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾. الفائدة السابعة: أنَّه لا يَجوزُ التّحاكُمُ إِلَى غيرِ الله، تُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ : ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ﴾، وجهُه الحصْرُ في قوْلِه تَعالَى: ﴿إِلَيْهِ﴾، يعْنِي لَا إِلَى غيرِهِ. * * *

стр. 66

الآية (١٢) * قَالَ اللهُ : ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢] * * * قال المُفَسّر ﵀: [﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ يَسْكُت المشْرِكُونَ لانقطاع حجتهم] اهـ. قوْله تَعالَى: ﴿وَيَوْمَ﴾: ظرْفٌ متعلّق بقوْلِه : ﴿يُبْلِسُ﴾، وهِي مُضافَةٌ إِلَى الجمْلَةِ بعْدَها، والجمْلَةُ بعْدَها ﴿تَقُومُ السَّاعَةُ﴾، فالجمْلَةُ إِذَنْ في محَلِّ جَر بالإضافَةِ. وقوْله تَعالَى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾: أيْ تأْتِي، كَما قَالَ الله تَعالَى: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾، والسّاعةُ المرادُ بِها ساعَةُ البعْثِ، فـ (أل) فِيها للْعَهْدِ الذّهْنِيِّ، يعْنِي السّاعَةَ المعهُودَةَ العظِيمةَ التي فِيها قِيَامُ الخلْقِ مِنْ قُبورِهِم إِلَى الله . قوْله ﵀: [﴿يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ يسكت]: فالإِبْلاس بمعْنَى السّكوتِ، وقيلَ الإِبْلاس بمَعْنى اليَأسِ؛ لقوْلِه : ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم: ٤٩] أي لآيِسِينَ، وجمنْه (إِبْلِيسُ)، لأنَّهُ أَيِس مِن رحْمَةِ الله، وعَلى هَذا فيَكُونُ (يُبْلِسُ) بمعْنَى يَيأَسُ، ولا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ الآية جامِعَةً للمَعْنيَيْنِ أيْ يَيْأَسُونَ فيَسْكُتُونَ؛ لأنَّهُ إِذا أَيِس سكَتَ ولَمْ يتكَلَّمْ بشَيْءٍ، إِذ إِنَّ الكلامَ لَا ينْفَعُهُ، وعَلى هَذا فنَقُولُ: إِنَّ مَعْنى (يُبْلِسُ) يَيْأَسُ مَع السّكوتِ.

стр. 67

وقوْله : ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾: اسْمُ فاعِل مِنْ (أَجْرَمَ)، أيْ فَعَل الجرْمَ، وهُو الذنْبُ العظِيم؛ وَهذا فسَّرها المُفَسِّر بقَوْلِه: (المشْرِكُونَ)، ويُسْتَدَلُّ عَلَى أنَّ المرَادَ بِه المشْرِكُونَ بقوْلِه تَعالَى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾، فهُمْ يَوْمَ القيامَةِ يَيْأَسُونَ وَيَسْكُتونَ ولَا يجِدُونَ لهُمْ حُجَّة. * * *

стр. 68

الآية (١٣) * قَالَ اللهُ : ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الروم: ١٣]. * * * قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَمْ يَكُنْ﴾ أَيْ لَا يَكُون ﴿لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ﴾ مِمَّنْ أَشْرَكُوهُمْ بِالله وَهُمْ الأصْنَام لِيشْفَعُوا لهمْ ﴿شُفَعَاءُ وَكَانُوا﴾ أَيْ يَكُونُونَ ﴿بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾ أَيْ مُتَبرئين مِنْهُمْ] اهـ. قوْله ﵀: [﴿وَلَمْ يَكُنْ﴾ أي لا يكون]: فسَّر (لم) بـ (لا)، لأَنَّ (لم) في قوْلِه تَعالَى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ﴾ للْمَاضِي، فتَقْتَضِي أن يكونَ هَذا الأمْرُ قدْ وَقَع وهُوَ لم يأتِ لأنَّهُ يَوْمَ القيَامَةِ، فَعلَى هَذا يكُونُ الماضِي بمَعْنى المسْتَقْبَلِ، أيْ: ولَمْ يَكُنْ لهم حِينَئِذٍ، وعِنْدِي أنَّه لَا حاجَةَ إِلَى هَذا التّأويلِ، أيْ لَا حاجَةَ إِلَى أنْ نَجْعَلَ (لم) بمعْنَى (لا)، لأَنَّ قوْلَه تَعالَى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ﴾ مقيَّدَةٌ بِكلِمَةِ (يُبْلِس)، يعْنِي ولَمْ يكُنْ لهم في حالِ الإِبْلاس، وحَالُ الإِبْلاس يكُونُ يوْمَ القيامَةِ، لكِنَّ المُفَسِّر أخَذ الآية عَلَى أنَّها مُطْلَقَةٌ بدُونِ أنْ تُقَيَّدَ بقَوْلِهِ: (يُبْلِسُ)، وعَلى هَذا لا بُدَّ أنْ نَقُولَ: إنَّ (لم) بمَعْنَى (لا). قوْله : ﴿شُفَعَاءُ﴾ اسْمُ ﴿يَكُنْ﴾، ﴿مِّن شُرَكَائِهِمْ﴾ خبرُها مقَدَّمٌ، و ﴿شُرَكَائِهِمْ﴾ جمْعُ شَريكٍ، وهُو بمَعْنى اسْمِ مفْعُولٍ، مثلُ قَتِيل بمَعْنى مقْتُول، أيْ مشْرُوك بِه، والمعْنى مَن جَعلُوهم شُركَاءَ مَع الله كَما قَال المُفَسِّر ﵀: [أَيْ مَنْ

стр. 69

أَشْرَكُوهُمْ بِاللهِ]، فصَارَتِ الإضافَةُ هُنا مِنْ بَابِ إِضافَةِ الشّيْءِ إِلَى مفْعُولِهِ، أي الَّذِين جَعلُوهُمْ شُركَاءَ لَهُمْ. وقوْله تَعالَى: ﴿شُفَعَاءُ﴾ جَمْعُ (شَفيع) بمعْنَى شَافِع، وَالشّافِعُ هُو مَن يتوسَّطُ للغَيْرِ إمَّا لجَلْبِ منفَعَةٍ، وإمَّا لدَفْع مضَرَّةٍ، وسُمِّي شافِعًا لأنك بِه كُنْتَ شِفْعًا بعْدَما كنْتَ قبْلَه منْفَرِدًا، وَهذا سُمِّي الشّفِيع شافِعًا لهذا الوَجْهِ، أما الشّفاعةُ لجلْبِ المنْفَعة فَكأَنْ يَكُونَ فَقِيرًا فيتوسَّطُ لَه عنْدَ الملِكِ ليُعْطِيَه مالًا. وأمَّا دفْعُ المضَرَّة فكَأَنْ يتوسَّطَ لَهُ ليُخْرِجَهُ مِن السّجْنِ، ومثاله أيْضًا في الشّرْعِ شفاعَةُ النّبيِّ ﵊ في أهْلِ النّارِ أنْ لَا يدْخُلوهَا، فهَذِهِ شفاعَة لدَفْعِ مضَرَّةٍ، وشفاعَتُه لأهْلِ الجنَّة أنْ يدْخلُوهَا جلْبٌ لمنْفَعَةٍ، فهَؤُلاءِ لم يَكُنْ لهم مِنْ شُركائِهم شُفَعَاءُ. قولُه ﵀: [﴿وَكَانُوا﴾ أي يكونونٍ]: مثْلُ مَا قَال في: ﴿وَلَمْ يَكُنْ﴾. قولُه ﵀: ﴿بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾ أي متبرِّئينَ منهم]: نَعَمْ، في يوْمِ القيَامَةِ هَؤُلاءِ الشّركَاءُ الَّذِين كانُوا يَرْجُونَ منْفَعَتَهُم في يوْمِ القيامَةِ يَكْفُرونَ بِهم ويتبَرَّؤُونَ منْهُم، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة: ١٦٧] , فهُمْ يكْفُرونَ بِهم يوْمَ القيامَةِ لَا هَؤُلاءِ ولَا هَؤُلاءِ المعبُودُونَ يكْفُرونَ والعابِدُون أيضًا يكْفُرونُ، كُل منْهُم يكْفُرُ بِبَعْضٍ - والعياذُ باللهِ -، بيْنَما كانُوا في الدّنيا يَرْجُونَ شفَاعَتَهُم وخيْرَهُم، قَال : ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] لكِنَّهُم في يَوْمِ القيَامَةِ - والعياذُ باللهِ - يتبرَّأُ بعضُهُمْ مِن بعضٍ. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: قِيامُ السّاعَة وأَنَّه كائِن لَا محالَةَ؛ لقوْلِه : ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾.

стр. 70

الفائدة الثانية: أنَّ أهْلَ الشّرْكِ إِذا قامَتِ القيَامَةُ سكَتُوا وأَيِسُوا مِن الرّحْمَةِ؛ لقوْلِه : ﴿يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ بخِلَافِهم في الدّنْيا، فإِنَّهم في الدّنيا يُعانِدُونَ ويسْتَعْلُونَ بآلهتِهم كَما قَال أبو سُفْيانَ: أُعْلُ هُبَل، ولكِنْ في الآخرةِ لَا حِراكَ لهمْ ولَا قولَ، ﴿يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾. الفائدة الثالثة: أنَّ هَذِهِ المعبُوداتِ لا تنْفَعُ أصحَابَها في أَحْوَجِ ما يَكُونُونَ إليْها، وجْهُ ذَلِك من الآية ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾، فذَلِك اليَوْم هُو محَلُّ الشّفاعَةِ لكِنَّهُم لَا يسْتَفِيدُونَ مِن هَذِهِ الأصْنَامِ، بَلْ أكْثَرُ مِن هَذا أنَّهُم يَكْفُرون بِهَذا، ﴿وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾، يكْفُرون بِهم كَما أنَّ الأصْنَامَ تَكْفُر بِهم أيضًا، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥، ٦] فيتبَرَّأُ كُلّ مِن الآخر مَع أنَّ ذَلِك هُو محَلُّ الأزْمَةِ ومحلُّ الفرَج. الفائدة الرابعة: الإِشارة إِلَى أنَّ هَؤُلاءِ المشْرِكينَ إِنَّما أشْركُوا لطلَبِ أنْ يكُونَ هَؤُلاءِ المشْرَك بهِم شُفعاءَ، وَهَذا ما صرَّح الله بِه في قوْلِه تَعالَى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] , فإِذا قَال هَؤُلاءِ الَّذِين يعْبُدونَ القبورَ: نَحْن مَا نعْبُدهُمْ لأننا نرْجو منْهُم نفعًا مباشِرًا لكِن نعْبُدهم ليَشْفَعُوا لنَا إِلَى الله. قُلْنَا: هَذا شِرْكُ الأوَّلين، وَهَذا مَا حَكاهُ الله عَن المشْرِكِينَ أنَّهم لَا يريدُونَ النّفْع المبَاشِرَ لكنَّهُم يُريدُونَ أنْ تَكُونَ شفِيعَةً لهمْ عِنْدَ الله . * * *

стр. 71

الآيتان (١٤، ١٥) * قَالَ اللهُ : ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٣ - ١٥]. * قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ﴾ تَأْكِيد ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾ المؤْمِنُونَ والكافرون، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾ جَنَّة ﴿يُحْبَرُونَ﴾ يَسُرُّونَ، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ القرْآن ﴿وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ البعث وغيره ﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾] اهـ. نقُولُ فِيها كَما قُلْنا فِيما سبَقَ أَنَّ المرَادَ بالسّاعَةِ ساعَةُ البعْثِ المعْهُودَةِ المعْلُومَةِ. قوْله تَعالَى: ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾: مُتَعَلَّقُ ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ يعْنَي أنَّ قوْلَه تَعالَى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بـ ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ تأكيدٌ للأُوْلَى، والدّليلُ عَلَى أنَّها تأكِيدٌ أنَّها لَوْ حُذِفَتْ وقِيلَ: (وَيوْم تَقُومُ السّاعَةُ يتفَرَّقُون) اسْتَقامَ الكلامُ لكِنْ يفُوتُ التّوْكِيدُ الَّذي أرادَهُ الله ، يعْنِي في ذَلِك اليَوْمِ بالتّأكِيدِ. والتّنوين في ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ - وفي كُلِّ موارِدِها - عِوَضٌ عنْ جُمْلَةٍ، أيْ (يوْمَ إِذْ تَقُومُ السّاعَةُ) وَكَذلِكَ يُقَالُ في (حينَئِذٍ) و (وقتِئذٍ)، التّنوينُ فِيها عِوَضٌ عنْ جُمْلَةٍ. وقوْله تَعالَى: ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾: الضّميرُ يعُودُ عَلَى الخلْقِ فيشْمَلُ المؤْمِنَ والكافِرَ حَتَّى لَو كانُوا أقَارِبَ لوْ كَان أبٌ مسْلِمٌ وابْنٌ كافِرٌ أوْ بالعكْسِ تفَرَّقُوا لأنَّهَا دارُ

стр. 72

الجزاءِ وكلٌّ يُجْزَى بعمَلِه. قولُه تعالَى: ﴿فَأَمَّا﴾: حرْفُ شَرْطٍ وتفْصِيلٍ؛ ولذَلِك يُؤْتَى بِها دَائِمًا في مَواضِعِ التَّفْصيل، كَما في قوْلِه تَعالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥] , ثمَّ قالَ في ضِدِّه: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل: ٨] , وهِي أيْضًا حرْفُ شرْطٍ، ولذَلِك تَحْتاجُ إِلَى جَوابٍ، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ﴾ [الليل: ٥ - ٧] وهنَا قالَ تعالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾ فتكُونُ إِذَنْ حرْفَ شرْطٍ وتفْصيلٍ، وهِي أيْضًا متضَمِّنَة لمعْنَى التّوكِيدِ، فإِنَّها تُؤكِّدُ لأَنَّ قولَك: (أمَّا مَن فَعلَ كَذا فَلَهُ كذا) أقْوَى مِنْ قَولِكَ: (مَن فعَلَ كذا فلَهُ كَذا)، فهيَ عَلَى هَذا تفِيدُ الشّرْطِيَّةَ وَالتَّفْصيل والتّوكِيدَ، وهُوَ تقْوِيةُ الكلامِ، وأيْضًا تُفيدُ حصْرَ التّفرُّق عَلَى هذَيْنِ الفريقَيْنِ. قوْله تَعالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مبْتَدأ, والخبَرُ ﴿فَهُمْ﴾ مِنْ جُملة ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾. وقوْله تَعالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يعْنِي جَمَعُوا بيْنَ الإِيمَان وَالعمَلِ، واعْلَمْ أنَّ الإِيمَان إِذا أُفْرِد شَمِلَ العمَل كَما أنَّ عمَلَ الصّالحاتِ إِذا أُفْرِد يشْمَلُ الإِيمَان، فَإِذا قُرِن أحَدُهما بالآخر صَار الإِيمَان يعْني الأعمالَ الباطِنَةَ، وعَملُ الصّالحاتِ للأَعْمالِ الظّاهِرة أيْ عَمل الجوارِحِ، والإِيمَان يَشْمَلُ الإِيمَان باللهِ وملائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ والَيْومِ الآخر والقدَرِ خيْرِه وشَرِّه، هكَذا فسَّرهُ النّبيُّ ﷺ لجبْرِيلَ حينَ سأله مَا الإِيمَان؟ قَال: "أنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلاِئكَتِهِ وَكتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخر وَتُؤْمنَ بِالقدَرِ حَير وَشَرَهِ" (١).

стр. 73

قوْله تَعالَى: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: ﴿عَمِلُوا﴾ تشمَلُ الفعْلَ والقوْلَ، والعمَلُ الصّالح يشْمَل قوْلَ اللَّسانِ وعمَلَ الجوارِحِ، والعمَلُ الصّالح هُو ما جَمعَ بَيْنَ أمْرَينِ: - الإِخْلاص للهِ . - والمتَابَعَة لرَسُولِهِ ﷺ . فقولُه تَعالَى: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ مِن هَذيْن الأمْرَيْنِ إيمانٌ وعمَلٌ، ومجردُ الإِيمَان لا ينْفَعُ بدُونِ عمَلٍ، وَالعمَلُ بدُونِ إيمانٍ أيْضًا لا ينْفَعُ، بلْ لا بُدَّ مِن إِيمانٍ وعمَلٍ، وَبِهذَا نعْرِفُ أنَّ بعْضَ النّصوصِ المطْلَقَةِ التي فيها الوَعْدُ بالجنَّةِ لمنْ كَانَ في قلْبِهِ أدْنَى حَبَّةِ خرْدَلٍ مِنْ إِيمانٍ ومَا أشْبَهَ ذَلِك أنَّ المرادَ الإِيمَان المتضمِّنُ للعَملِ تحقِيقًا أو تقْديرًا، تحقِيقًا بأنْ يكُونَ عامِلًا فعْلاً، وتقْدِيرًا بأنْ يكُونَ لم يتمَكَّنْ مِن العمَلِ، ولكِن مَعه الإيمَان، كَما لَوْ آمَن عنْدَ قُرب وفَاتِهِ مثْل الأصَيْرِم مِن بَنِي عبْدِ الأشْهَل قصَّتُه معروفَةٌ في أُحُدٍ (١). وقوْله تَعالَى: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾: جمْلَة اسْميَّةٌ، للدّلالَةِ عَلَى الثّبوتِ

стр. 74

والاسْتِمرارِ ﴿فِي رَوْضَةٍ﴾ يقول المُفَسّر ﵀: [جنَّة] وهِي كذَلِك، فالرّوْضَةُ عبَارَة عَنِ البساتِينِ المشْتَمِلَةِ عَلَى الأزْهارِ وَالأشْجارِ وَالرّوائِح الطّيَبةِ وَالمنَاظِرِ البهِيجَةِ؛ وَلهذا قَالَ ﵀: ﴿يُحْبَرُونَ﴾: أيْ يُسَرُّون] , وقِيلَ: ﴿يُحْبَرُونَ﴾ يُنَعَّمُون، وهُمَا متَلازِمَانِ؛ لأَنَّ النّعِيمَ يحْصُلُ بِه السّرورُ، هَؤُلاءِ الَّذِين آمَنُوا وعَمِلُوا الصالحاتِ في رَوْضَةٍ يحبَرُون. قوْله : ﴿يُحْبَرُونَ﴾: الماضِي منْهُ (حُبِرَ)، وهُوَ فِعْلٌ مضَارعٌ مبْنِيٌّ للمَجْهُولِ والماضِي منْهُ إِذا كَان فِيه الفاعِلُ الظّاهِرُ بالكسْرِ (حَبِرَ)، فتكُونُ مثْلَ (فَرِح يَفْرَح، حَبِرَ يَحْبَرُ). * * *

стр. 75

الآية (١٦) * قَالَ اللهُ : ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٦]. * * * قال المُفَسِّر ﵀: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ القرْآن ﴿وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ البعث وغيره ﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾] اهـ. في هذه الآيَة بَيان للْقِسْمِ الثّانِي، وَهُمُ الَّذِين كفَرُوا بتَرْك العمل الصّالح، ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ فلَمْ يُؤْمِنُوا. وقولُه ﵀: [﴿بِآيَاتِنَا﴾ القرْآن] , غيرُ صحِيحٍ، بَل قطْعًا يشْمَلُ القرآنَ وغَيْرَ القرآنِ؛ لأَنَّ الَّذِين آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالحاتِ والَّذِين كَفَرُوا وكذَّبُوا بِآياتِ الله ولقَائِهِ هَؤُلاءِ يَكُونُونَ في هَذِهِ الأمَّةِ وَيكُونُونَ في غيْرِها. وقوْلهُ ﵀: ﴿وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ البعْثِ وغَيْرِه] , البعْثُ الإخراج مِنَ القبورِ وغَيْرُه مِن الحسَابِ والجزاءِ وَالجنَّةِ والنّار، فيُكَذِّبُونَ بِها فتقُولونَ لَا تُوجدُ جَنَّةٌ ولا نَارٌ ولا حِسابٌ ولَا عَذابٌ، والعجِيبُ أنَّ هَذا القوْلَ الباطِلَ الفاسِدَ نَحا إِلَيْهِ مَنْ يُسمُّونَ أنفسَهُم بِالحكمَاءِ وهُمُ الفلاسِفة، يقولون أنه لا توجَد جنة ولا نَارٌ ولا بَعْثٌ، ولكِنّ الرّسلَ قَالوا لِلنَّاسِ هَذا مِن أجْل إقامَتِهم عَلَى الطّريق التي اختَرعُوها لهم، وَيزْعُمونَ - وَالعياذُ بِاللهِ - أنَّ الرّسُلَ رجَالٌ عبَاقِرَةٌ عنْدَهُم ذكَاءٌ وحُسْنُ سِيرةٍ وتنْظِيمٌ، لكِنَّهم
следующие страницы →