← Тафсир

Тафсир · id 21808

تفسير العثيمين: الروم

ابن عثيمين

Полный текст (333 стр.). Показаны 316–333 · переход к 321.

стр. 316

للفصل بَيْنَ عباده، يتكلم بما أراد، كل هذَا مما يتعلق بذاته وَهُوَ قادر علَيْه. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: الله يقدر عَلَى إماتة فلان هل يقدر عَلَى أن يميت نفسه، هذَا لا يمكن لا لانتفاء القُدرَة لكن لأَنَّ هذَا أمر لا يليق بِهِ وَهُوَ أشد من العجز. فنَقُول: امتناع هذَا لأَنَّهُ مستحيل عَلَى الله وَبهذا السّفاريني ﵀ فِي العقيدة لما ذكر صفة القُدرَة قال (١): بِقُدْرَةٍ تَعَلَّقَتْ بِمُمْكِن .................. أما المستحيل فَهُوَ مستحيل، لا يمكن، المستحيل أصله مستحيل لا تتعلق بِهِ القدرة. يُقَال إن الشَّيطان يفرح إِذَا مات العالِم، يفرح فرحًا عظيمًا وَإِذَا مات العابد لا يهمه، قَالَ جنوده لَهُ كَيْفَ تفرح لموت العالم هذَا الفرح ولا تفرح لموت العابد الَّذي طول نهاره فِي المحراب؟ قَالَ نعم لأَنَّ العالم أشد علينا من العابد وَإِذَا شئتم أن أضرب لكم مثلًا الآن، فذهب إِلَى العابد وقال لَهُ هل يقدر الله أن يجعل السّموَات وَالأرض فِي جوف بيضة؟ قَالَ العابد لا يقدر، قَالَ هل يقدر الله أن يخلق مثله؟ قَالَ: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، يمكن أن يقدر أن يخلق مثله هذَا غير صحيح وغير ممكن فذهب إِلَى العالم فقال لَهُ مثل هذَا القول، قَالَ أمَّا خلق مثله فَهذَا شيء مستحيل ولا يمكن للمخلوق أنْ يكُونَ مثل الخالِق أبدًا مهما كان، وأما كونه يجعل السّموَات وَالأرض فِي جوف بيضة فَهُوَ عَلَى كل شيء قدير، قَالَ الشّيطان: انظروا المِسْكِين العابد كفَرَ من وجهين أثبت مَا لا يمكن

стр. 317

ونفى مَا يمكن، وهذا حقيقة يعني: أن العباد مثل مَا قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: "مَنْ فَسَدَ مِنْ عُبَّادِنَا فَفِيهِ شَبَهٌ مِنَ النَّصَارَى، وَمَنْ فَسَدَ مِنْ عُلَمَائِنَا فَفِيهِ شَبهٌ مِنَ اليَهُودِ، واليَهُودُ أَخْبَثُ مِنَ النَّصَارَى" (١)، لا شك لأَنَّ العالمَ فساده - والعياذُ باللهِ - عن عِلم، والعابدَ فسادُه عن جهلٍ، وما كَانَ عن جهل فَهُوَ أَهْوَنُ مما كَانَ عن علم. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: بالنّسبة لقول من قَالَ إنَّه عَلَى مَا يشاء قدير، يمكن نستخلص قاعدة وَهِيَ أن الصّفات الذّاتية لا تناقض المشيئة والصّفات الفعلية تناقض المشيئة؟ قُلْنَا: صحيح، هذه القاعدة، فالقاعدة عِنْدَهُم أن الصّفات الذّاتية هِيَ اللازمة للذات والفعلية مَا تتعلق بالمشيئة هذه قاعدتهم. وَلَوْ قَالَ قَائِل: كَيْفَ تعبير القرآن مرة بالإنزال، ومرة بالتَّنزيل؟ قُلْنَا: إِذَا وَرَدَ أنَه منزل مثل ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر: ١]، يَكُون المُرَاد كإنزالنا يعني أنزلنا جملةً مِنْهُ لَيْسَ كله، فأما التَّنزيل فإِنَّهُ يَكُون نازلًا شَيْئًا فشيئًا كما فِي قوْله تَعالَى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ [الإسراء: ١٠٦]، مَعَ أنَّه قد يأتي التّنزيل لشيء وقع جملةً واحدة مثل قوْله تَعالَى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]، فعلى هذَا تكون القاعدة الَّتِي ذكرها أهل العِلْم فِي هذه المَسْأَلة قاعدة أغلبية ليست لازمة. من فوائد الآية الكريمة: الفائِدَةُ الأُولَى: الأمرُ بالنَّظر ويكون بالعين الباصرة وبعين البصيرة أيضًا فالأمر هُنَا بالنّظر للوجهين جَمِيعًا الإنسان ينظر بعينه الباصرة وبعين البصيرة.

стр. 318

الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: أن النّظر كما يَكُون نافعًا لِلإِنْسَانِ فَهُوَ مأمور بِهِ شرعًا أي بمعنى ثواب الإنسان أو إثابة الإنسان عَلَى النَّظر فِي آيات الله لأنَّهُ مأمور به. الفائِدَةُ الثَّالثةُ: أن الآثَار الَّتِي تنتج عن المطر كلها من رحمة الله إحياء الأرض بالنّبات وكثرة المياه فِيها كله من رحمة الله . الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: إثْبَات قدرة الله تَعالَى عَلَى إحياء الموتى لقوْلِه تَعالَى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾. الفائِدَةُ الخامِسَةُ: الاسْتِدلالُ بالمحسوس المنظور عَلَى المحسوسِ المنتظر، المحسوسُ المنظور مَا يحصل من حياة الأرْض، والمحسوس المنتظر مَا يحصل من إحياء الموتى. الفائِدَةُ السّادِسَةُ: أنَّه لا بُدَّ أنْ يكُونَ الدّليل أجلى وأظهر من المدلول علَيْه بمعنى أنَّه لا يمكن أن نستدل بالأخفى عَلَى الأظهر والأوضح؛ لأَنَّ الدَّليلَ مُعَرِّفٌ للمدلولِ ومُبَيِّنٌ لَهُ فكيف يمكن أن تستدلَّ بشيء خفي عَلَى شيء واضح؟ الفائِدَةُ السّابِعَةُ: رحمة الله تَعالَى بعباده حيْثُ يضرب لهم الأمثالَ ويبيِّن لهم الأدلةَ ليتوصلوا إِلَى اليقين فيما يجب الإِيمَان بِهِ؛ لأنَّهُ يكفي أن يقول الله آمنوا بأني أحيي الموتى، يكفي فِي إقامة الحجة عَلَيْهِم، لكن من رحمته أنَّه يُبَيِّن لنا ويضربُ لنَا الأمثالَ لنصل إِلَى درجة اليقين فيما أخبرنا بهِ، نأخذه مِنْ قوْلِه تَعالَى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾. الفائِدَةُ الثّامِنةُ: نعمةُ الله عَلَى العباد بإحياءِ الأرض لقوْلِه تَعالَى ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.

стр. 319

الفائِدَةُ التّاسِعَةُ: أنَّ الجمادَ يوصف بالحياةِ والموتِ، ففيه رَدٌّ عَلَى الفلاسفة الَّذِين يقُولونَ إن الجماد لا يمكن أن يوصف بالحياة والموت؛ لأنَّهُ غير قابل لها؛ فنقول إن الله تَعالَى وصف الجماد بِأنَّهُ حي وميت كما فِي هذه الآية وكما فِي قوْله تَعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)﴾ [النحل: ٢٠]، مَعَ أنَّها أصنامٌ من الأحجار والأشجار وما أشبهها. الفائِدَةُ العاشِرَةُ: ثبوتُ صفة القُدرَة وعُمُومِها لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ لا يعجِزُهُ شيء فِي السّماوات ولا فِي الأرض. * * *

стр. 320

الآية (٥١) * قَالَ اللهُ : ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١)﴾ [الروم: ٥١]. قوْله تَعالَى: ﴿وَلَئِنْ﴾ اللام هُنَا لام قسم دخلت عَلَى (إن) الشّرطية، وقوْله تَعالَى: ﴿لَظَلُّوا﴾ هذَا هُوَ الجواب، لَكِنَّهُ جواب لأيهما: للشرط أو للقسم؟ هُوَ جواب للقسم؛ لأنَّهُ لو كَانَ جوابًا للشرط مَا احتاج إِلَى اللام، الفعل الماضي يُجاب بِهِ الشَّرط بدون واسطة، وأيضًا فإن القاعدةَ عند أهل العِلْم بالعربية أنَّه إِذَا اجتمع شرط وقسم يحذف جواب المتأخر منْهُما، قَالَ ابن مالِك ﵀ (١): وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَم ... جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهُوَ مُلْتَزَم فالقَسَمُ دَلَّ علَيْه اللام الموطئة للقسم، ويوجد شرط (إنْ) والجوابُ الآن للقَسَمِ ﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ وجوابُ الشَّرط محذوف دل علَيْه جواب القسم ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ انظر الفرق فِي الأول يقول الله : ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ وهنا قَالَ: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ مفرد، وقد ذكرنا سابقًا أن الجمع يَكُون رحمةً، والإفرادَ يَكُون عذابًا هذَا الغالب. قوْله تَعالَى: ﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا﴾: (رأوه) الضّمير لا يعود عَلَى الرّيح لكِنَّهُ يعود

стр. 321

عَلَى مَا حَيِى بالماء الَّذي نزل من السَّماء؛ لأنَّهُ تقدم قوْله تَعالَى: ﴿كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، يعنى: ولئن أرسلنا رِيحًا فرأوا هذَا الَّذي حَمِى مصفَرًّا يعني يابسًا حطيمًا بهذه الرّياح ﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾. نقرأ كلام المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَئِنْ﴾ يقول لام قسم ﴿أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ مُضِرَّةً عَلَى نباتٍ ﴿فَرَأَوْهُ﴾]، الضّمير يعود عَلَى النّبات ثمَّ قَالَ ﵀: " [﴿مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾ صاروا جوابَ القسم ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي من بعد أي بعد اصفراره ﴿يَكْفُرُونَ﴾ يَجْحَدُونَ النّعمَةَ بِالمَطَر]، يعني أن الله إِذَا أحيا الأرض بعد موتها وأرسل عَلَيْها ريحًا فاصفر النّبات وبعد اصفراره سيتلف امتحانًا مِنْهُ جَلَّ وَعَلَا لكانوا من بعد هذَا الاسْتِبْشَار وبعد أن رأوا آثار الرّحمة صاروا يَكْفُرُونَ ﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ يقُولونَ: كَيْفَ هذَا يأتي المطر وينزل وتحيا الأرض ثمَّ تأتي هذه الرّيح فتهلكه فيَكْفُرُونَ - والعياذُ باللهِ - وينسون نعمة الله السّابقة، وَهذا من الامتحان وَهُوَ داخل فِي قوْله تَعالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١]، وكان عَلَيْهِم إِذَا أرسل الله هذه الرّيح واصفر النّبات بِها كَانَ عَلَيْهِم أن يقابلوا ذَلِك بالصَّبر لا بالكفر، بالصّبر عَلَى هذه البلية فإن الصّابر يوفى أجره بِغَيْر حسابٍ، وربما تزولُ هذه المحنة إِلَى نعمة أُخْرَى لأَنَّ الله يقول: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]، ويقول: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٦]، ويقول: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦]، فالمُؤْمِنُ يصبر عند البلاء ويشكرُ عند الرَّخاء.

стр. 322

الآية (٥٢) قَالَ اللهُ : ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢)﴾ [الروم: ٥٢]. قوْله تَعالَى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ الخطاب للنبي ﷺ ويجوز أنْ يكُونَ الخطابُ عامًّا لكل من يَتَأتّى خِطَابه ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، يعني لا تُسْمِعُهم سماعًا ينتفعون بِهِ أو لا تسمعهم حين الدّعوة، والأقرب الأول لأَنهُ لَيْسَ من المعقول أن أحدًا يقف عَلَى الأموات ويقول يا أيها النَّاس اعبدوا الله واتقوه، هذَا لَيْسَ بمعقول لكن لو فرض أنَّه دعا فهل يسمعون سماعًا ينتفعون به؟ الجوابُ: لا يسمعون سماعًا ينتفعون به. فَإِذَا قَالَ قَائِل: هذَا تقييدٌ للآية، الآيَة مطلقة ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ فكيف ساغَ لكم أن تقيدوها بقولكم: (سماعًا) ينتفعون به؟ قُلْنَا: إن نفي السَّماع يطلق عَلَى نفي السَّماع النَّافع كما فِي قوْله تَعالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١)﴾ [الأنفال: ٢١]، هم يسمعون بآذانهم لكن لا يسمعون سماعًا ينتفعون به، ولا نحمله عَلَى الإطلاق لأَنَّ سماع الموتى قد وردت بِهِ الآثَار، فإن رسول الله ﷺ ثبت عنه أنَّه وقف عَلَى أصحاب قَلِيبِ بَدرٍ من المشرِكِينَ وجعل يدعوهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: "يا فُلان بن فُلان، يا فلان بن فلان،

стр. 323

هل وَجَدتُم مَا وَعَدَ ربكم حَقًّا؟ فَإنَّا قَدْ وَجَدنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنا حَقًّا" فقال عمر: يا رسول الله مَا تخاطب من قوم قد جَيَّفُوا يعني كَيْفَ تخاطب الجِيَفَ، موتى، فقَالَ: "مَا أنتُم بِأَسْمَعَ لمَا أقولُ مِنْهُم" (١)، يعني هم يسمعون أشد من سماعكم، فإذًا ثبت أن الموتى يسمعون، وَكَذلِكَ صحيح ابن عبد البَرِّ ﵀ حديثًا ورد عن الرَّسول ﵊ "أنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَى مَيِّتٍ كَانَ يَعرِفُهُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا رَدَّ الله عَلَيْهِ رُوحَهُ فَرَدَّ ﵇" (٢)، وَهذا ذَكَرهُ ابْنُ القَيِّمِ فِي كتاب الرُّوح (٣)، وذكر تصحيح ابن عبد البَرِّ لَهُ ولم يتعقبْه، وَعَلَى هذَا فهم يسمعون لكنهم لا ينتفعون بِهذا السّماع، ووردت آثار أيضًا عن الصّحابة فِي هذَا الأمر ذكرها ابن كَثِيرٍ عند هذَا الآية، وثبت أيضًا فِي الصّحيح: "أنَّ الإِنْسَانَ إِذَا انْصَرَفَ عَنْهُ أصْحَابُهُ بَعدَ الدَّفْنِ حَتَّى إِنَّه لَيَسْمَعُ قرعَ نِعَالهم أتاهُ مَلَكَانِ يَسْمَعُ قرعَ نِعَالهِم" (٤)، عَلَى الأرض كما يمشي الإنسان عَلَى السّقف فيسمع مشيه عَلَى السّقف وَهذا أيضًا يقول يسمع قرع النّعال، ولكن الله تَعالَى يجعلهم يسمعون ذَلِك. فالحاصِلُ: أننا نقول كل هذَا يؤيد أن المَعنَى ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ يعني سماعًا ينتفعون بِهِ ومعلوم أن الرَّسول ﷺ مَا دعا الموتى، مَا ذهب إِلَى القبور يدعوهم،

стр. 324

ولكن الَّذِين يدعوهم من الأحياء كالموتى لا يستجيبون ولا ينتفعون بالدّعوة. قوْله تَعالَى: ﴿الصُّمَّ﴾ مفعولٌ أول، و ﴿الدُّعَاءَ﴾ مفعولٌ ثانٍ أمَّا ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، الأولى فقد حذف المفعول الثّاني لأَنَّ هذَا فَضْلَةٌ وقد سبق أنَّه يجوز حذف الفَضْلَةِ ولو بلا دليل. قوْله تَعالَى: ﴿الصُّمَّ﴾ جمع أصم وَهُوَ الَّذي لا يسمع، الَّذي لا يسمع لا تستطيع أن تسمعه لا سِيَّما إِذَا اقترن بِهِ الإدبار ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ وَهذا أشد مَا يَكُون انتفاء السّماع عن الأصم، فَهُوَ لا يسمع ولو كَانَ مقابلًا لك، فيكف إِذَا أدبر؟ ! يَكُون أعظم وأعظم، وَبهذا فالأصم إِذَا كَانَ أمامك ودعوته بصوتٍ ربما يسمع لكن إِذَا ولى مهما دعوته لا يسمع إِلَّا إِذَا أدركته فمسكته، فالصّم إِذَا ولوا مدبرين لا يسمعون وَإنَّمَا قَيَّدَ الله الصّم بهذه الحال لأنَّها هِيَ الحال الَّتِي لا يسمعون بِها مطلقًا بخلاف مَا إِذَا كانوا أمامك فإنهم قد يسمعون ويستدلون عَلَى مَا تقول بحركات شفتيك. قوْله تَعالَى: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بِتَحقِيقِ الهمزَتَيْنِ وَتَسْهِيلِ الثَّانِيَةِ بَيْنَها وَبَيْنَ اليَاءِ]، ﴿الدُّعَاءَ إِذَا﴾ هذَا تحقيقٌ. وتسهيلُ الثَّانية بينها أي بَيْنَ الهمزة المحققة وبين الياء، أي: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا﴾ تجعلها بَيْنَ الهمزة وبين الياء والقراءتان سَبْعِيّتَانِ (١).

стр. 325

الآية (٥٣) قَالَ اللهُ : ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الروم: ٥٣]. * * * قوْله تَعالَى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ انظر الآن انتقال الموتى، الصُّم، العُمْي ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾: (ما) حجازية و (أنت) اسمها و (الباء) حرف زائد و (هادِ) خبرها. قوْله تَعالَى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ﴾ اسم فاعل ﴿بِهَادِ الْعُمْيِ﴾ العُمْيُ جمع أعمى لأَنَّ أَفْعَلَ جمعُه فُغل قَالَ ابن مالِك ﵀ (١): فُعْل لِنَحْوِ أَحْمَر وحَمْرَا ... ... ... ... ... ... أَحْمَر مثل أعمى، وحَمرَاء مثل عَمياء، فَعُمي جمع للذكور والإناث. قوْله تَعالَى: ﴿عنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ ضلالتّهم يعني متاهتهم إِذَا تاهوا فِي الطّريق، فما أنْتَ بهادي العمي عنه، فكَذَلِكَ هؤُلاءِ الَّذِين عموا عن الحق - والعياذُ باللهِ - فلا يرونه وصموا عنه فلا يسمعونه وماتوا عنه فلا يفقهونه هؤُلاءِ أيضًا لا تستطيع أن تهديهم، فتأمل الآن فِي مَسْأَلة الموت ومَسْأَلة الصَّمَمِ، قَالَ إنَّك لا تُسمِعُ الموتى ولا تسمع الصّم، وفي باب العمى قَالَ: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ﴾ مَا قَالَ مَا أنْتَ بمبصر؛

стр. 326

السّبب لأَنَّ البصر تتعلق بِهِ الدّلالة وَهِيَ الهداية بخلاف الصَّمَمِ فيتعلق بِهِ السّمع. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنْ﴾ مَا ﴿تُسْمِعُ﴾ سماعَ إفهام وقبول ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ القرآن ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾]. فسر المُفَسِّر ﵀: (إنْ) بـ (ما) التفسيرية؛ وَلِهذا لا تدغم بـ (إن) لا يُقَال (إمَّا) بل يُقَال (إن) ثمَّ يُقَال (ما) عَلَى سبيل الإظهار لأَنَّ (ما) تفسير لها فهي هي. قوْله تَعالَى: ﴿تُسْمِعُ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [سماع إفهام وقبول، مَا تسمع ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ القرآن ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾]، أي فبناءً عَلَى إيمانهم هم مسلمون منقادون؛ لأَنَّهُ كلما تم الإِيمَان تم الانقياد، فكلما كَانَ الإنسانُ أقوى إيمانًا فإِنَّهُ يَكُون أعظم انقيادًا؛ وَبها فإن الإِيمَان يستلزم الإسْلامَ، كل مؤمنٍ مسلمٌ ولا عَكْسَ، فليس كل مسلم مؤمنًا، قد يستسلم الإنسان ظاهرًا وقلبه مُنْطَوٍ عَلَى الكفر - وَالعياذُ بِاللهِ - بخلاف الإِيمَان، وَبهذا رتَّب عَلَى الإِيمَان، الإسْلام بالفاء ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فهم من أجل إيمانهم مسلمون منقادون. قوْله تَعالَى: ﴿إلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ قَالَ المُفَسِّر: إنَّها القرآن، مَعَ أن آيات جمع وليست مفردًا، فما هُوَ الجواب عن قول المُفَسِّر ﵀؟ الجوابُ: أن فِي قَوْلِهِ قُصورا، والحق أن المُرَاد بالآيات مَا هُوَ أعم من القرآن فيشمل جميع الكتب المنزلة ويشمل كَذَلِكَ الآيَات الكونية بأن يؤمن بأن هذَا الكون خلقه الله لأَنَّ من النَّاس من لا يؤمن بالآيات الكونية انظر ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾، ماذا يقولون: شيء طبيعي، يقُولونَ: الكون مادة وطبيعة تتفاعل وَينتجُ بعضها من بعض وما أشبه ذَلِك مَا آمنوا بالآيات.

стр. 327

والآيَات الشّرعية كَذَلِكَ، فمن النَّاس من لا يؤمن بها، ويكذبُ بأخبارها ويستكبرُ عن أحكامها، وَهذا كثيرٌ. إِذَن: الصّواب أن المُرَاد بقوْله تَعالَى: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ لا يشمل الآيات الشّرعية كلها لكل الكتب النّازلة والآيات الكونية كلها؛ لأَنَّ من النَّاس من ينكر الآيات الكونية كما هُوَ معلوم. فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ معلومٌ أن المُؤْمِنَ سامعٌ فكيف يقول: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ﴾ والمُؤْمِنُ سامع فكيف نُجِيبُ عن هذا؟ فالجوابُ: عن هذَا من أحد وجهيْن: - إمَّا أن يُقَالَ: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ﴾ أي إِلَّا من كَانَ مستعدًا للإيمان بما تقول ومكتوب عند الله أنَّه مؤمن بحيث إن الله قدر لَهُ ذَلِك فَهذَا يسمع وينتفع، وَهذا أمر غير معلوم للرسول ﷺ لكن يجب علَيْه أن يبذلَ الدَّعوة فيُسمِعُها من كَانَ فِي عِلْمِ الله أنَّه مؤمن وكان مستعدًا للإيمان هذَا وجه. - أو يُقَال: إن الدّين شرائعُ لَيْسَ شَيْئًا واحدًا بل هُوَ شرائعُ وشعائرُ متعددة، فالَّذي ينتفع بهذه الشّعائر ويطبقها هُوَ المُؤْمِن بِها يعني الَّذي يسمع مَا يتلقى بعد ذَلِك من شعائر الإسْلام وشرائعه، هذَا المُؤْمِن الَّذي وقع الإِيمَان مِنْهُ فعلًا هُوَ الَّذي يسمع كل مَا دعا إِلَيْهِ الرَّسول ﷺ من جميع شرائع الدّين وَعَلَى قول من يثبتون للدين أصولًا وفروعًا نقول أصول الدّين وفروعه. لكن شيخ الإسْلام ابن تيمية يقول: "إن تقسيم الدّين إِلَى أصول وفروع قولٌ مُبْتَدَع لا دليل علَيْه"، وَهُوَ صحيح لا تجد فِي القرآن والسّنة أصولًا وفروعًا فِيها

стр. 328

مَا يدل عَلَى الرّكنية يعني عَلَى أن هذَا ركن كما فِي قوله: "بُنيَ الإسْلامُ عَلَى خَمْسٍ" (١)، أمَّا أنْ نقولَ أصولٌ وفروع؛ فشيخ الإسلام ﵀ أنكرَ هذَا لا لأنَّهُ مجُرَّدُ اصطلاحٍ، فلا مُشَاحَّةَ فِي الاصطلاحِ، لكِنَّهُ توصل بِهِ إِلَى أمورٍ منكَرةٍ، فقَالُوا مثلاً لا نَحتَجُّ بأخبار الآحَادِ فِي أصول الدِّين وجعلوا هذَا بابًا يَلِجُونَ بِهِ إِلَى إنكارِ الصِّفات وإلى إنكار مَا ورد فِي أخبار اليوم الآخر وما أشبه ذلك. قوْله تَعالَى: ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ المُؤْمِنُ مسلمٌ ظاهرًا وباطنًا، والمنافق مسلم ظاهرًا لا باطنًا، والمعلِنُ بكفره لَيْسَ مؤمنًا لا ظاهرًا ولا باطنًا، والنَّاس لا يخرجون عن هذه الأحوال الثّلاثة: - مَنْ كَفَرَ ظاهرًا وباطنًا. - ومَنْ آمن ظاهرًا وباطنًا. - ومَنْ آمن ظاهرًا لا باطنًا. - توجدُ قسمةٌ رابعةٌ وهي: مَنْ امن باطنًا لا ظاهرًا، وَهذا لا يمكن، صحيح أنَّه قد يَكُون ضعيف الإِيمَان فتجد فِيهِ مخالَفاتٍ فِي ظاهره كالمُؤْمِن الفاسق، أمَّا أنَّه يَكُون لَيْسَ عنده إسلام أبدا فَهذَا لا يمكن.

стр. 329

الآية (٥٤) * قَالَ اللهُ : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤]. * * * قوْله تَعالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ هَذهِ الآية سِيقَتْ لِبيانِ حالِ الإنسانِ وكمالِ قدرةِ الله قَالَ: ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأٌ و ﴿الَّذِي﴾ خبرُه. قوْله تَعالَى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ يُقَال بفتح الضَّاد وبضمها، ضمها لغة الحجازيين، وفتحها لغة بني تميم، وَبهذا يروى عن ابن عُمَرَ ﵁ أنَّه قَالَ: أَقْرَأَنِي رسولُ الله ﷺ مِنْ ضُعفٍ بِضَمِّ الضَّادِ (١)، "خَلَقكم مِنْ ضُعفٍ" لكنَّ الحديثَ ضعيفٌ، إنما ذكروا أن الضّاد مفتوحة ومضمومة قِراءَتَانِ سبعيتان (٢)، فقراءة الضَّم صحيحة وأي إِنْسَان يقرأ بكل قراءة ثابتة فَهُوَ صحيح. قوْله تَعالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ مَا هُوَ الضَّعف؟ يقول المُفَسّر ﵀: [ماء مَهِين]، فجعل الضَّعف هُوَ النُّطفة لأنَّهُ كما قَالَ : ﴿مَاءٍ مَهِينٍ﴾ و (مِنْ) هُنَا للابتداء كقوْله تَعالَى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَل﴾

стр. 330

[الأنبياء: ٣٧]، وقِيلَ: المُرَادُ بالضَّعف ضعفُه بعد نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، إِذْ إِنَّه حال النُّطفة جَمَاد لا يوصف بِأنهُ ضعيف ولا أنَّه قوي، ولكن المُرَاد بالضَّعف بعد نفخ الرُّوح فِيهِ وَهذا هُوَ الصّحيح، فإن الإنسان لا يَكُون خلقًا تامًّا إِلَّا بعد نَفْخِ الرُّوح، وَلهذا قالَ الله تَعالَى: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، هذَا الإنشاءُ هُوَ أولُ مَا يَكُون بِهِ الإنسان إنسانًا، لأَنَّ الإنسانَ إِنْسَانٌ ببدنِه وروحِه، وَعَلَى هذَا فنقولُ المُرَادُ بالضَّعف بعد نفخ الرُّوح فيه: ضعف الطُّفولة، ويبتدأ من كونه حيًّا فِي بطن أمه وَهَذا ظاهر لا يحتاج إِلَى دليل، فالإنسانُ الصّغير ضعيف والضّعف أيضًا بقواه الحسيةِ وقواه المَعنَوِيَّةِ، فَهُوَ ضعيفٌ بالتّفكير وَهِيَ القوى المَعْنَوِيَّةُ. * * *

стр. 331

الآيات (٥٥ - ٥٩) * قَالَ اللهُ : ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٥ - ٥٩]. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ﴾ يَخلِفُ ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾ الْكَافِرُونَ ﴿مَا لَبِثُوا﴾ فِي الْقُبُورِ ﴿غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ يُصرَفُونَ عَنِ الحقِّ: الْبعثِ كما صُرِفُوا عَنِ الحقِ الصّدقِ فِي مُدَّةِ اللَّبْثِ. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ﴾ مِنَ الملَائِكَةِ وَغَيْرهِم: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ فِيمَا كَتبَهُ فِي سَابِقِ عِلْمِه ﴿إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ الَّذِي أنكرتموهُ ﴿وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وُقُوعَهُ. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ﴾ بِالْيَاءِ وَالتَّاءِ ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ﴾ فِي إِنْكَارِهِم لَهُ و ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ لَا يُطْلَبُ مِنْهُمُ الْعُتْبَى: أَي الرُّجُوعُ إِلَى مَا يُرضِي الله. ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا﴾ جَعَلْنَا ﴿لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ تَنْبِيهًا لَهمْ

стр. 332

﴿وَلَئِنْ﴾ لَامُ قَسَمٍ ﴿جِئْتَهُمْ﴾ يَا مُحَمَّدُ ﴿بِآيَةٍ﴾ مِثْلِ الْعَصَا وَالْيَدِ لمُوسَى ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ حُذِفَ مِنْهُ نُونُ الرَّفْعِ لِتَوَالِي النُّونَاتِ وَالْوَاوُ ضَمِيرُ الجْمعِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِنْهُم ﴿إِنْ﴾ هو مَا ﴿أَنْتُمْ﴾ أَيْ مُحَمَّدٌ وَأصحَابُهُ ﴿إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾ أَصحَابُ أباطِيلَ. ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ التَّوْحِيدَ كَمَا طَبَعَ عَلَى قُلُوبِ هؤُلَاءِ] اهـ (١).

стр. 333

الآية (٦٠) * قَالَ اللهُ : ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠]. هذا تَأْدِيبٌ مِنَ الله للنبي ﵊ ولغيره أيضًا، بأنَّ الإنسانَ يصبِرُ ولا يَسْتَخِفَّنَهُ الذين لا يؤمنونَ بما وعدَ الله الصابرينَ، وهذا يقعُ لكثيرٍ من الناس، تجد بعضَ الناسِ مثلًا يحصُلُ لَهُ مَا يحصلُ من الأمور، فمثلًا لو كَانَ لَهُ جارٌ يؤذيهِ، يأتيهِ بعضُ الناس يقولون: كَيْفَ تتحمَّلُ من جارك هذه الأذِيَّةَ، أو كَيْفَ تتحمَّلُ من صاحِبكَ هذه الأذِيَّةَ، أو من أهلِكَ أو مَا أشبه ذلك، فيستخِفُّونه فلا يصبر. ولكن الذي يَنبغِي للإنسانِ العاقلِ أنْ لا يَسْتَخِفَّهُ أولئكَ القومُ الذين لا يؤمنونَ بما وَعَدَ الله بِهِ الصابرينَ، بل يصبرُ ولا يهمهُ كلامُ الناسِ حتى يحقِّقَ الله لَهُ مَا وَعَدَ. وبهذا انتهت سورة الروم. * * *