← Тафсир

Тафсир · id 21808

تفسير العثيمين: الروم

ابن عثيمين

Полный текст (333 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الآية (٤٦) * قَالَ اللهُ : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الروم: ٤٦]. * * * * قال المُفَسِّر ﵀: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾: ﴿مِنْ﴾ للتبعيض و ﴿آيَاتِهِ﴾ مجرور بـ (من) و ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ﴾ فعل مُؤَوَّلٌ بالمصدر هُوَ المبتدأ، أي من آياته إرسال الرّياح ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ حال من الرِّياح]. يقول الله فِي هَذِهِ الآية: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ أي بعض آياته لأَنَّ ﴿مِنْ﴾ هُنَا للتبعيض؛ وَذَلِكَ لأَنَّ آيات الله لا يمكن إحصاؤها ولا حصرها. فَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أنَّه وَاحِدُ (١) لو أراد الإنسان أن يحصي آيات الله الَّتِي فِي جسمه هُوَ فقط مَا استطاع إِلَى ذَلِك سبيلًا، فكيف بآيات الله تَعالَى الَّتِي ملأت الكون؛ وَلِهَذا تأتي ﴿مِنْ﴾ الدّالة عَلَى التّبعيض. وقوْله تَعالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ أي علاماته واعلم أن كل آية فإنها تدُلّ عَلَى العِلْم وتدل عَلَى القُدْرَة وتدل عَلَى الحكمة، لا بُدَّ من ذَلِك فِي كل آية أنَّها تكون آية وعلامة عَلَى هَذِهِ الأمور الثّلاثة: العِلْم والقُدْرَة والحكمة، ثمَّ تختص بعض الآيات

стр. 282

بما تختص به، إمَّا أن تكون الآية الَّتِي بعدها آية رحمة أو بعدها شيء يدل عَلَى السّلطان والعظمة. والمُهِمُّ: أن لكل آية معنى خاصًّا ومعنى عامَّا، فالمعنى العام هُوَ هَذِهِ الثّلاثة: العِلْم والقُدْرَة والحكمة، فقوْله تَعالَى: ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ يضاف إِلَى هَذِهِ الثّلاث الرّحمة لأَنَّ هَذِهِ الرّياح تبشر بالمطر وقوْله تَعالَى: ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ﴾ الإرسال بمعنى الإطلاق ومنه قول الشّاعر (١): فَأَرْسَلَهَا العِرَاكُ ... .... ... .. يعني أطلقها، ومنه قول الفرضيين: (دَيْنٌ مُرْسَلٌ) يعني مطلقا لَيْسَ بِهِ رهن فقوْله تَعالَى: ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ﴾ أي يطلقها ، والرّياح جمع ريح وَهِيَ الأهوية، واعلم أن الرّيح تُذْكَرُ مفردةً وتذكر مجموعةً، فإذا ذكرت مجموعة فإنها تكون غالِبًا للرحمة، وإِذَا ذُكرت مفردةً فإنها تكون غالِبًا للعقاب كما فِي قوْله تَعالَى: ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦)﴾ [الحاقة: ٦]، قَالَ (ريح)، وقوْله تَعالَى: ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١)﴾ [الذاريات: ٤١]، وقوْله تَعالَى: ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤]، وما أشبه ذَلِك، ولكنها أعني الرّيح قد تُفرد وتكون فِي مقام النّعمة لا سِيَّما إِذَا وصفت بما يدل عَلَى ذَلِك. كما فِي قوْله تَعالَى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢]، فالرّيح هُنَا عقوبة نعمة، وَإنَّمَا كانت نعمة لأنَّهَا وصفت بقوْله تَعالَى: ﴿طَيِّبَةٍ﴾، أما بالنّسبة للسفن فالأَوْلَى اتحاد الرّيح لا اختلافها؛ لأنَّهَا إِذَا اختلفت اختلف سير السّفينة، وفي الماضي

стр. 283

لما كانت السّفن شراعية كانت الرّياح فِي مقام النّعمة وَلِهَذا جمعت. قوْله تَعالَى: ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ مبشرات حال من الرّياح أي تبشر بالخير وَلِهَذا بعض الرّياح إِذَا هبت استبشر النَّاس لأَنَّ الله أجرى العادة أن هَذِهِ الرّيح المعينة يتكون منْهَا السّحاب ثمَّ المطر، وأحيانا يستبشرون بالرّيح إِذَا رأوها تجمع السّحاب، تجمعه وتكثفه، استبشروا بها. وقوْله تَعالَى: ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ البشارة هِيَ الإخبار بما يسر غالبًا، وسميت بشارة لأنَّهَا تؤثر عَلَى البشرة، فالإنسان إِذَا استبشر ينيرُ وجهُه ويُسْفرُ وتجدُ علَيْه علامة البشرى، وقد تطلق البشارة بما يسوء كقوْله تَعالَى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ معنى لِتبشِّرَكُمْ بِالمَطَرِ]. فسر المُفَسِّر ﵀ اسم الفاعل بالفعل المعلل، وقَالَ: [بمعنى لِتبشِّرَكُمْ] لأجل أن يسهل العطف فِي قوْله تَعالَى: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ لأَنَّ ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ﴾ يجد الإنسان بَيْنَهُما فجوة، هَذِهِ الفجوة أراد المُفَسِّر أن يقربها بقوله: [بمعنى ليُبَشّرَكُمْ بها]، ولكن الصّحيح عندي أن المبشرات عَلَى حالها تعتبر اسمًا ولكننا نقدر فعلًا يناسب مَا بعده لأجل أن يصح عطف الفعل علَيْه، والَّذي أرى أن يقدر: [﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ لتستبشروا بِهَا ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾، أو نجعل لتبشركم كما قَالَ المُفَسِّر ﵀ لا نجعلها بمعنى مبشرات بل نجعلها فعلًا مستقلًّا قدرناه ليصح العطف فِي قوْله تَعالَى: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلِيُذِيقَكُمْ﴾ بِهَا ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ المَطَر والخِصْب].

стр. 284

تقدم أن الله تَعالَى يعبر عن الإصَابَة بالإِذَاقَة لأنَّهَا أعلى أنواع الإصَابَة وأبلغها ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ﴾ بِهَا ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾. يقول المُفَسِّر ﵀: [المطر والخصب] ففسر الرّحمة بأثرها، وَعَلَى هَذَا فلا تكون الرّحمة مخلوقة وليست صفة من صفات الله، وَهَذا الَّذي فسرها بِهِ محتمل لأَنَّ الله قد يطلق الرّحمة عَلَى الشّيء المخلوق الَّذي يَكُون من آثار رحمته كما ثبت فِي الحديث الصّحيح أن الله قَالَ للجنة: "أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ" (١)، ومن المعلوم أنَّه لم يُرِدْ أنَّها رحمته الَّتِي هِيَ صفته؛ لأَنَّ الجنَّةَ مخلوق بائن دائم ولكن أراد أنَّها من أثر رحمته أو مقتضى رحمته، فهنا يصح أن نقول: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أي من هَذَا المطر والخصب وتكون الرّحمة هُنَا مخلوقة من المخلوقات. وإن جعلناها الصّفة فهي للابتداء يعني ليذيقكم نعمة صادرة من هَذِهِ الرّحمة. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ﴾ السُّفُنُ بِهَا ﴿بِأَمْرِهِ﴾ بإرادته (﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ تطلبوا ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ الرِّزق بالتِّجارة فِي البحر ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾]. قوْله تَعالَى: ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ﴾ يقول ﵀: [السُّفُنُ بها] الضّمير يعود عَلَى الرّياح، فالله تَعالَى يرسل الرّياح لتسير بِهَا المياه فِي أجواء السّماء وَهُوَ السّحاب ويرسل الرّياح لتسير بِهَا السّفن فِي البحار، وكُلٌّ من السّحاب ومن السّفن يحمل نعمًا كثيرة، السّفن تحمل الأرزاقَ والأَنَاسِيَّ والحيوانَ وغيرَها، والسُّحب تحمل الماء الَّذي هُوَ مادة الحياة، ﴿الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨، ٦٩] [الواقعة: ٦٨ - ٦٩] ففي الرّياح إِذَنْ فائدتان:

стр. 285

- تسيير السُّحب فِي أجواء السّماء. - وتسيير السُّفن فِي أجواء البحار. وقوْله تَعالَى: ﴿الفُلْكُ﴾ تصلح للجمع وللمفرد، وَهَذا فِي القرآن موجود، مثالهُا للجماعة قوْله تَعالَى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢]، هَذَا جمع؛ لأَنَّهُ قَالَ: ﴿فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ﴾ لم يقل فِي الفلك وجرى، وقوْله تَعالَى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر: ١٢] أيضًا جمع، ومثالها للمفرد قوْله تَعالَى: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، قَالَ: ﴿الَّتِي﴾ ولم يقل اللاتي، وقد ذكر الفقهاء أن الأحدب ينوي الرّكوع بقلبه، فالأحدب لَيْسَ بقائمٍ حتَّى يركع، بل ينويه بقلبه، قَالَ بعض الفقهاء: فَهُوَ شبيه للفُلْكِ فِي اللُّغَة العرَبِيَّة يعني انحناء هَذَا الأحدب شبيه بالفلك فِي اللُّغَة العرَبِيَّة، مَا يُعرف إِلَّا بالنِّية، فالفلك صالِح للمفرد وللجماعة ولا يعرف إِلَّا بالنّية أو القرينة، وكَذَلِكَ الأحدب فِي حال الرّكوع، فما الَّذي يُعلمنا أنَّه راكع أو غير راكع فركوعه وقيامه سواء. ويمكن أن يستدل بمَسْأَلة الأحدب عَلَى مَا ذُكر عن الكسائي أنَّه قَالَ: إن الإنسان إِذَا أتقن شَيْئًا من العِلْم أمكنه أن يفهم غيرَه من العلوم (١)، وذكروا قصة أنَّه كَانَ هُوَ وأَبو يوسفَ عند الرَّشِيدِ - أحد خلفاء بني العباس - وأنهم تناظروا فِي مَسْألة فقال أَبو يوسف للكِسَائِيِّ: مَا رأيك لو سها الإنسان فِي سجود السَّهْوِ، هل نَحْوُكَ يعلمك بحكم هَذِهِ المسألة؟ قَالَ: نعم إِذَا سها فِي سجود السّهو فإِنَّهُ لا يسجد، قَالَ: أين تجد هذا فِي نحوك؟ قَالَ: عندنا قاعدة فِي النّحو أن المصغر لا يصغر، فاستدل بأن سجود السّهو صلاة مصغرة فإذا سها فِيهِ فإِنَّهُ لا يصغر مرة ثانية، وهل هَذَا

стр. 286

واقع أو غير واقع؟ الله أعلم لكنهم ذكروه. قوْله تَعالَى: ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: أبإرادته، والصّحيح ﴿بِأَمْرِهِ﴾ من الأمر الَّذي هُوَ بالقول وليس المُرَاد بالإرادة فقط لأَنَ الفلك مَا تَعْلَمُ عما يريد الله لكنها إنما تأتمر بأمره القولي وقد قَالَ الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢] فكلُّ مرادِ الله إن لم يقترن بالقول فإِنَّهُ لا يقع، وكيف تحدث الكائنات بمجرد إرادةُ لا يعلم بِهَا إِلَّا الله؟ فلا بد من قول، فالصّواب أن المُرَاد بأمره: أمره القولي لقوْلِه تَعالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢] ولا يمنعُ ذَلِك أنْ يكُونَ هَذَا الجريانُ بأمره بأسباب محسوسة معلومة لنا؛ لأَنَّ المُقَدِّرَ للأسباب هُوَ الله فَهُوَ يخلق ويُسَخِّرُ ولكن بأسباب. قوْله تَعالَى: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ كل هَذَا مما خلقه الله لهذه الحِكَمِ العظيمة. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلِتَبْتَغُوا﴾ تطلبوا ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ الرِّزق بالتِّجارة فِي البحر، وَهُوَ كَذَلِكَ، وكم من أناس كانت تجارتهم فِي البحار ينقلون الأرزاق من جهة إِلَى جهة بواسطة هَذِهِ السّفن، لولا هَذِهِ السّفن لكان من المتعذر أن تنتقل الأرزاق من الجهة الَّتِي خلف البحر إِلَى الجهة الأُخْرَى، ولكن الله جعل هَذِهِ السّفن لأجل أن تنقل هَذِهِ الأرزاق والنّعم. قوْله تَعالَى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: (لعل) هَذِهِ معناها التّعليل، تشكرون؛ الشّكر هُوَ القيام بطاعة المنعم ويكون باللسان وبالقلب وبالجوارح، فأما الشّكر بالقلب فإن يؤمن الإنسان بأن هَذِهِ النّعمة من الله هُوَ الَّذي أمده بِهَا وَهُوَ الَّذي يسرها

стр. 287

لَهُ وَهُوَ الَّذي جلبها إِلَيْهِ هَذَا بالقلب، والشّكر باللسان أن يحمد الله عَلَيْهَا فإن هَذَا من شكر النعمة وأن يتحدث بِهَا اعترافا لله بالفضل لا افتخارًا بِهَا عَلَى غيره، وأما الشكر بالجوارح فأن يقوم لله تَعالَى بالعمل البدني من صلاة وزكاة وحج وغيره، وَلِهَذا يقول الشّاعر (١): أفادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ... يَدِي وَلسَانِي وَالضَّمِير المُحَجَّبَا فيدي الجوارح، واللسان القول، والضّمير المحجب القلب. ما الواسطة بَيْنَ الحمد والشّكر، أو النّسبة بَيْنَ الحمد والشّكر؟ الحمد أعم من حيْثُ السَّببُ، والشّكر أعم من حيْثُ التَّعَلُّقُ؛ لأَنَّ الحمد يَكُون باللسان ويكون عَلَى النّعم وَعَلَى كمال صفات المحمود، يعني أنَّه يحمد المحمود عَلَى نعمه وإحسانه عَلَى الحامد وَعَلَى كمال صفاته، وأما فِي المتعَلَّق فإِنَّهُ يتعلقُ باللسان خاصة الحمد يَكُون باللسان فَقَطْ، وربما يَكُون بالقلب أيضًا بأن يعتقد الإنسان كمال هَذَا المحمود لكِنَّهُ لا يُسَمَّى حمدًا لغة إِلَّا باللسان، وأما الشُّكرُ فَهُوَ أخص من الحمد باعتبار سببه وأعم باعتبار متعلِّقه، أخص باعتبار سببه لأَنَّ سببه الإنعام عَلَى الشّاكر، ولو كَانَ الإنسان المحمود من أكمل النَّاس ولم يعطِك شَيْئًا لا تشكره، فالشّكر يَكُون عَلَى النّعم فَهُوَ أخص من حيْثُ السّبب ويكون بالقلب واللسان والجوارح فَهُوَ من حيْثُ المتُعَلَّق أعم. إِذَن: النّسبة بَيْنَهُما العُمُوم والخصوص الوجهي. قوْله تَعالَى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ الشّكر هُوَ القيام بطاعة المنعم هَذَا بالمَعْنَى العام،

стр. 288

لكن شكر النّعمة الخاصة يَكُون بالقيام بوظيفتها من الطّاعة، يَكُون بالقيام بوظيفتها الخاصة، مثلًا شكر الإنسان ربه عَلَى العِلْم يَكُون بالعمل بِهِ وتعليمه، هَذَا شكر خاص لنعمة خاصة، شكرُ الإنسانِ ربَّه عَلَى المسكن مثلًا يَكُون بطاعته فِي هَذَا المسكن بأن لا يَكُون فِيهِ مثلًا إسراف ولا تبذير وما أشبه ذَلِك فالشّكر هُنَا لَهُ معنيان: - المَعْنَى العام هُوَ القيام بطاعة المنعم. - والشّكر الخاص هُوَ القيام بطاعة الله تَعالَى لما يتعلق بهذه النّعمة الخاصة، وكل نعمة لها شكر خاص. من فوائد الآية الكريمة: الفائِدَةُ الأولَى: أن هناك علاماتٍ ودلالاتٍ عَلَى وجود الخالِق وَعَلَى علمه وقدرته وحكمته هَذِهِ الآيَات. هَذِهِ الآيَات الَّتِي تَعَرَّضَ الله بِهَا لعباده من نعمة الله عَلَيْهِم أن الله تَعالَى يريهم آياتِه ليقوموا بشكره ويعترفوا بفضله. الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: من آياته أيضًا - زيادة عَلَى الآيَات الثّلاثة الَّتِي ذكرنا - ثبوتُ الرَّحمة لقوْلِه تَعالَى: ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ هَذِهِ الرّياح لو اجتمع الخلق كلهم عَلَى أن ينفخوا بجميع وسائل النّفخ فإنهم لا يستطيعون أن يغطوا بِهَذا النّفخ بلدًا واحدًا، والرّب جلت قدرته يغمر مَا شاء أن يغمر بهذه الرّيح الَّتِي قد تقلع الأشجار وتهدم الدّيار، أليس هَذَا دليلًا عَلَى قدرة الله العظيمة؛ وكونها مبشرات فِيهِ إثْبَات الرّحمة. الفائِدَةُ الثَّالثةُ: نعمة الله تَعالَى بالفلك الَّتِي تجري بأمره لولا أن الله يسر من الأسباب مَا يَكُون بِهِ ذَلِك مَا عرف النَّاس كَيْفَ يتعدون من بر إِلَى بر بواسطة البحر.

стр. 289

الفائِدَةُ الرابعةُ: أن ظهورَ الآيَاتِ لِلإِنْسَانِ سببٌ لشكر نعمة الله علَيْه، نأخذُه مِنْ قوْلِه تَعالَى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. الفائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثْبَاتُ العِلَلِ والحِكَمِ فِي أفعال الله تَعالَى؛ لقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ﴾ لأنَّهَا للتعليل. * * *

стр. 290

الآية (٤٧) قَالَ اللهُ : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]. * * * * قوْله تَعالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ اللام فِي قوْله تَعالَى: ﴿وَلَقَدْ﴾ مُوَطِّئَةٌ للقَسَمِ يعني أنَّها جواب لقسم محذوف، التّقدير والله لقد، وَبِهذَا نعرف أن الجملة هُنَا مُؤَكدة بثلاثة أمور وَهِيَ القسم واللام وقد. قوْله تَعالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ من المشهور المعروف عند أهل العِلْم أن الرَّسولَ مَنْ أُوحِيَ إِلَيْهِ بشرع وأُمِر بتبليغه لأَنَّهُ مرسل، وَهَذا الصّنف من النَّاس هُوَ أعلى أنواع الأصناف من بني آدم ويليهم الأنبياء ثمَّ الصّديقون ثمَّ الشّهداء ثمَّ الصّالحون، فأعلى أجناس البشر الرّسل - علَيْهِمُ الصّلاةُ والسّلامُ - لأنهم جمعوا بَيْنَ الاختصاص بالرّسالة والعبادة، والله أعلم حيْثُ يجعل رسالته، لا يعطي الرّسالة إِلَّا لمن هُوَ أهل لها، فأحق النَّاس بالرّسالة بلا شك هم هَؤُلاءِ الأعيان الَّذِين أرسلهم الله ولا يمكن أنْ يكُونَ أحد من النَّاس أحق منهم بِهَا، وَبِهذَا نعرف ضلالَ بل وكُفْرَ من قَالُوا إن عِليَّ بنَ أبي طَالِبٍ أَحَقُّ بالرِّسالة من مُحَمَّدٍ ﷺ لأنهم بِذَلِكَ طعنوا فِي الله ونسبوه إِلَى مَا لا يليق بِهِ، لأَنهُ إِذَا كَانَ أعطى الرّسالة محمدًا وعلى أولى بِهَا فَهُوَ إمَّا جاهل بالأحقية وإما غير مريد لإعطاء الحق أهله هَذَا

стр. 291

الصّواب، وكلا الأمرين بالنّسبة إِلَى الله محُالٌ وممتنِعٌ، وأي أحد يصف الله بِهَذا أو بما يستلزم هَذَا فإِنَّهُ كافر بلا شك. إِذَن: الرُّسل - علَيْهِمُ الصّلاةُ والسّلامُ - هم أشرفُ أصنافِ الخلقِ وهم أحق النَّاس بالرّسالة بلا شك ولا أحد أحق منهم، ويوجد - والعياذُ باللهِ - بعض النَّاس - الفلاسفة - يرون أن الرّسل من آخر مراتب الخلق ويقولون إن الولي أفضل من النّبي، والنّبي أفضل من الرَّسول لأَنَّ الولي خاص الخاصة، وليّ عَلَى اسمه، والنّبي لَهُ مَزِيَّةُ الوحي، والرَّسول بمنزلة الخادم الَّذي فِي البيت يُرْسَلُ ليشتريَ الحوائج، انظر كَيْفَ - والعياذُ باللهِ - الضّلالَ ويقولون فيما يقولون (١): مَقَامُ النُّبُوَّةِ فِي بَرْزَخٍ ... فُويقَ الرَّسُولِ وَدُونَ الوَلِي أعوذ بالله، مقام النّبوة برزخ فويق الرَّسول، يعني فوق الرَّسول بقليل وبالنّسبة للولي دون منحط بعيد عن الولي، وَعَلَى هَذَا فتكون رتبة الولاية عِنْدَهُم أعلى شيء، وَهَذا لا شك أنَّه كُفْرٌ، بل نقول إن مقامَ الرِّسالة فوق كل شيء ثمَّ النّبوة ثم الولاية، لأَنَّ الرَّسول جامع بَيْنَ الرّسالة والنّبوة والولاية والنّبي لَهُ النّبوة والولاية والولي لَهُ الولاية دون النّبوة والرّسالة، ومعلوم أَنَّه كلما ازدادت صفة الكمال فِي شخص كَانَ أكمل من غيره. قوْله تَعالَى: ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ القوم هم الطّائفة الَّذِين ينتسب إليهم الإنسان لأَنَّ

стр. 292

بهم قوامه فَهُوَ يقوم بهم، وهم بِهِ يقومون. وقوْله تَعالَى: ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ لأَنَّهُ مَا من رسول أُرسل سوى رسول الله ﷺ إِلَّا ورسالته خاصة كما ثبت فِي الحديث الصّحيح: حديث جَابِرٍ "وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّة وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّة" (١). قوْله تَعالَى: ﴿فَجَاءُوهُمْ﴾ الفاعل للرسل والمفعول للقوم. قوْله تَعالَى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بالحُجَجِ الوَاضِحَاتِ عَلَى صِدْقِهِمْ فِي رِسَالَتِهِمْ إِلَيْهِمْ فَكَذَّبُوهُمْ]. قوْله تَعالَى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ معلوم أنَّ البينات تعني الواضحات لكن هل المُرَاد بالبينات هُنَا مَا يبين صدق رسالتهم فيكون المُرَاد بِهَا المعجزات الَّتِي أُيِّدوا بِهَا، أو المُرَاد بالبينات أي بالشّرائع البينات الظّاهرة الَّتِي كل من استَقْرَأَها عَرَفَ أنَّها من عند الله، أو المُرَاد الأمران؟ المُرَاد الأمران فالرُّسل أتوا بالآيات البينات الَّتِي تؤيدهم وتدل عَلَى صدقهم وأتوا أيضًا ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالشّرائع البينة الظّاهرة الَّتِي يعلم أنَّها من عند الله فالباء فِي قَوْلِهِ ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ تكون للمصاحبة، يعني أُرسلوا رسالةً مصحوبة بالبينات، أو للاختصاص عَلَى القول بأن المُرَاد بالبينات الشّرائع، وَهَذا من حكمة الله ورحمته أن الله مَا أرسل رسولًا إِلَّا أيده بآية من حكمته ورحمته؛ لأَنَّهُ لو جاء الرَّسولُ بدون آية إِلَى النَّاس وقال أنا رسول الله بدون آية هل يقبلونه؟ من طبيعة البشر أن لا يقبلوا حتَّى يعرفوا، كما أنَّه لو جاء واحد من النَّاس وقَالَ: أنا عالِم عندي علم بالشّرع استفتوني فِي أي شيء أفتكم، فلا يطيعونه حتَّى يمتحنوه

стр. 293

ويسألوه، فكيف إِذَنْ بالَّذي يدعي أنَّه يُوحَى إِلَيْهِ، لا يقبل إِلَّا إِذَا جاء بآية فَهَذَا من حكمة الله. من رحمته أيضًا أَلَّا يعاقب أحدًا بذنب بدون حجة لأنَّهُ لو أرسل الرّسل بدون آيات وكذبهم الأمم لكانوا معذورين بالتكذيب لعدم وجود الآية، وقد لا يُعذرون لأنهم يجب عَلَيْهِم أن يستسلموا، لكن من رحمته أن جعل معهم آيات بينات ليطمئن النَّاس إليهم ويؤمنوا بهم عن اقتناعٍ. وقوْله تَعالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ ربما يُستفاد من كلمة ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ لا رسول بعده كما سنذكره إن شاء الله تَعالَى فِي الفوائد ونناقش هَذِهِ الفائدة. قوْله تَعالَى: ﴿فَانْتَقَمْنَا﴾ الانْتِقام هُوَ الأخذ بالعقوبة، وَهَذا من فعل الله وليس من أسمائه؛ وَلِهَذا الحديث الَّذي فِيهِ سياق الأسماء الحسنى وَهِيَ مدرجة مَا صحت عن الرَّسول ﷺ فِيهَا أن من أسمائه المنتقم وليس كَذَلِكَ، لَيْسَ من أسمائه بل هُوَ من أوصافه وأفعالِه وَلِهَذا مَا جاء مطلقا قَالَ: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢]، ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ فَهُوَ فِعْلٌ. وقوْله تَعالَى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ الإجرام فعل الجرم، وكل مَا يَكُون سببًا فِي الإثم فَهُوَ جُرْمٌ، والمُرَاد بالإجرام هُنَا الكفر، وفُهِمَ من الآية الكريمة ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ أن من لم يجرم لم يُنتقم منه؛ وَلِهَذا قَالَ: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الله أكبر، ﴿نَصْرُ﴾ إعرابها اسم (كان)، وخبرها ﴿حَقًّا﴾، هَذَا أحسن مَا يَكُون فِي إعراب الآية، وأوجه مَا يَكُون وأسهل مَا يكون، وإلَّا ففيها أوجهٌ أُخْرَى. وقوْله تَعالَى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا﴾ الحق بمعنى الشّيء الثّابت اللازم ﴿نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: المؤْمِنينَ بما يجب الإِيمَان بِهِ من الإِيمَان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم

стр. 294

الآخر والقدر خيره وشره، فأوجب الله عَلَى نفسه أن ينصرَ المُؤْمِنِينَ، أوجب ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا﴾ التِزامٌ من الله ﴿نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ نَصْرُهم أي منعُهم من أعدائهم، وَذَلِكَ بأن يجعل لَهُم من النّصر الحسي والمعنوي مَا تكون العاقبة لَهُم، وَهَذا كقوْله تَعالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هَذَا الحق الَّذي التَزم الله بِهِ قد يشكل علينا أن الله تَعالَى يخذل المؤْمِنينَ أحيانًا كما فِي أُحُدٍ مثلًا، فإن النّصر فِي أُحُدٍ كَانَ لقريش وأتباعها فما هُوَ الجواب عن هَذِهِ الآية؟ نَقُول: إن الجواب إن نصر قريش عَلَى الرَّسول ﷺ لَيْسَ نصرًا دَائِمًا كانت العاقبة فِيهِ لَهُم، بل إن هَذَا فِي الحقيقة من نصر المؤْمِنينَ عَلَيْهِم، وَإِذَا شئت أن يتبين لك ذَلِك فاقرأ مَا عَلَّلَ الله بِهِ هَذِهِ الغزوة فِي سورة آل عمران من جملة مَا ذكر من الحكم ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١]. إِذَنْ: فَهُوَ نصر لجلبهم لأنهم لو هُزِموا فِي كل مقام مَا قاموا ولا حاربوا، لكن إِذَا صَارَ لَهُم شيء من النّصر فإن ذَلِك يُغرِيهم بالقتال حتَّى تكون العاقبةُ للمؤمنين، ويبيدهم الله ومنها أيضًا نصر المؤْمِنينَ عَلَى أنفسهم لأنهم مَا أتاهم مَا أتاهم فِي أحد إِلَّا بسببِ مخالَفتهم كما قَالَ : ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، فهنا يعرفون قدر المعصية وأنه يفوت بِهَا من المحبوب مَا لا يخطر عَلَى بالٍ. فالحاصِلُ: أن هَذِهِ الآية عَلَى بابها أن الله تَعالَى ينصر المؤْمِنينَ حقًّا علَيْه أوجبه

стр. 295

هُوَ بنفسه عَلَى نفسه كما فِي قوْله : ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]. من فوائد الآية الكريمة: الفائِدَةُ الأولَى: تسليةُ الرَّسولِ ﷺ وتحذيرُ المخالِفين لَهُ، تسليته بمن سبقه من الرّسل فقد كُذِّبوا وأُوذوا، فإذا علم أن أَحَذا شاركه فِي ذَلِك وإن علَيْه الأمر لأَنَّ كل إِنْسَان يتسلى بما أُصيب بِهِ غيره بمثله؛ وَلِهَذا قالَ الله تَعالَى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩]. الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: تحذيرُ المخالِفين لَهُ لقوْلِه تَعالَى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾. الفائِدَةُ الثَّالثةُ: رحمةُ الله عبادَه بإرسال الرّسل إذ لولا هَذِهِ الرّسالة مَا عرف النَّاس كَيْفَ يَعْبُدُونَ الله بل ولا عرفوا مَا عرفوا من تفاصيل أسمائه وصفاته كما سبق فِي درس التّوحيد، فالرّسل رحمة عظيمة للخلق كما قَالَ تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. الفائِدَةُ الرابعةُ: أن الانْتِقامَ من المكذبين كَانَ بسبب فعلهم لقوْلِه تَعالَى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ أي لإجرامهم. الفائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن الرِّسالاتِ السَّابقةَ خاصةٌ لقوْلِه تَعالَى: ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ ويبيِّنه الحديث الثّابت فِي الصّحيحين: "وَكَانَ النَّبِيّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً" (١). الفائِدَةُ السّادِسَةُ: أن الله تَعالَى مَا أرسل الرّسل إِلَّا ببينات تشهد بصدقهم

стр. 296

وبشرائع بينة لا توجب لَبْسًا عَلَى المتبعين تؤخذ مِنْ قوْلِه تَعالَى: ﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي بالآيات البينات الدّالة عَلَى صدقهم وبالشّرائع البينات الواضحة الَّتِي لا تقتضي لَبْسًا عَلَى المتبع، قَالَ أهل العِلْم: وآياتُ الأنبياء عَلَى حسب عصرهم ففي عهد موسى انتشر السّحر وكثر فأعطاه الله تَعالَى من الآيات مَا تبطل السّحر وليست بسحر، أعطاه الله تَعالَى اليد، وأعطاه العصا. قَالُوا وفي عهد عيسى تقدم الطِّبُّ فأعطاه الله من الآيات مَا لا يمكن للطب أن يقوم بِهِ وَهُوَ إبراءُ الأكمَهِ والأَبْرَصِ وإحياء الموتى وإخراجهم من قبورهم، هذَا لا يمكن أن يقوم بِهِ الطِّبُّ أبدًا، فالميت لا يمكن أن يحيا بالطّب، وقَالُوا أيضًا إن الأبرص لا يمكن شفاؤه بالطّب، والأكمه قَالُوا أنَّه الَّذي خُلق بلا عين، هذَا فيما سبق من العصور لا يمكن أن يوضع لَهُ عين لكن الآن إِذَا وجد مكان العين يمكن أن يوضع لَهُ عين فِي الطّب، لكن إِذَا لم يوجد مثلا خلقه الله بدون أن يخلق لَهُ مكانًا للعين لا يمكن أن يوضع لَهُ عين. في عهد الرَّسول ﷺ قَالُوا: إن البلاغة بلغت أعلى ذروتها فكان من أعظم آيات الرَّسول ﷺ هذَا القرآن الَّذي أعجز البُلَغَاءَ والفُصَحاءَ بل تحدى الله بِهِ كل الجن والإنس ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨]، لا انفرادًا ولا تعاونًا، وَلهذا قَالَ: ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]. لَوْ قَالَ قَائِل: الَّذِين يقُولونَ بالإعجاز العلمي فِي القرآن يقولون: الآن زالتِ البلاغة فالنَّاس لا يستطيعون أن يميزوا أوجه البلاغة والفصاحة ولكن الإعجاز العلمي فِيهِ إشارات علمية لكي يصدق أهل هذَا العصر؟

стр. 297

فأقوُل: هذَا لَيْسَ ببعيد، يمكن أنْ يكُونَ صحيحًا يعني أن القرآن فِي كل عصر يَكُون معجزةً بما تناسب العصر لأنَّهُ نزل إِلَى جميع الخلق إِلَى يَوْم القِيَامَة فلا يبعد هذا، القرآن لكل معنى لكِنَّهُ فِي ذَلِك الوقت أشد مَا فِيهِ البلاغة. الفائِدَةُ السّابِعَةُ: إثْبَات فعل الانْتِقام لله لقوْلِه تَعالَى: ﴿فَانْتَقَمْنَا﴾. الفائِدَةُ الثّامِنةُ: إثْبَات العظمة لقوْلِه تَعالَى: ﴿فَانْتَقَمْنَا﴾ و ﴿أَرْسَلْنَا﴾ فإن هذَا للتعظيم وليس للتعدد بإجماع المسلمين إنما هُوَ للتعظيم. الفائِدَةُ التّاسِعَةُ: أن عَلَى الله حقًّا أوجبه عَلَى نفسه لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا﴾. فإذا سُئلنا: هل يجب عَلَى الله شيء؟ قُلْنَا: أمَّا بعقولنا فلا يجب عَلَى الله شيء، وأما أن يوجب عَلَى نفسه شَيْئًا فَهذَا أمر واقع. الفائِدَةُ العاشِرَةُ: أن الله أوجب عَلَى نفسه نصر المؤْمِنينَ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. الفائِدَةُ الحادِيَةَ عشْرَةَ: أن هذَا النَّصر لا بُدَّ أن يكون؛ لأنَّهُ أتى بصيغة التَّعظيم ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا﴾، ولم يقل عليَّ بل قَالَ: ﴿عَلَيْنَا﴾ إشارة إِلَى أن هذَا الحق لا بُدَّ أنْ يكُونَ لأَنَّ الله تَعالَى أعظم من كل شيء. الفائِدَةُ الثّانِيةَ عَشْرَةَ: فضيلة الإِيمَان وأنه سبب للنصر لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

стр. 298

الفائِدَةُ الثَّالثةَ عَشْرَةَ: أن غير المؤْمِنينَ لا ينصرون؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فإذا أورد إِنْسَان علينا مَا حصل من الانتصارات الخاطفة للكفار فما هُوَ الجواب؟ الجوابُ: أن هذَا استدراجٌ من الله حتى يتم النّصر للمؤمنين فِي النّهاية، وقد يَكُون من مصلحة المؤْمِنينَ لانهُ نصر لأنفسهم عَلَى أنفسهم ثمَّ أنَّه لا يدوم هذَا النّصر أبدًا، فالعاقبة لا بُدَّ أن تكون للمؤمنين، وقال بعض أهل العِلْم إن النّصر نوعان: - نصرٌ بالحُجَّةِ والبُرهان. - ونصر بالسَّيف والسِّنان. فأما النّصر بالحجة والبرهان فَهُوَ مضمون وثابت وليس فِيهِ استثناء لأَنَّ الحجة والبرهان مَعَ المؤْمِنينَ عَلَى كل حَالٍ حتى لو هُزِموا عسكريًّا فإن الحجة والبرهان معهم، غالِبون بحجتهم وبرهانهم وَهذا لا استثناء فيه. الثّاني: النّصر العسكري يعني بالسّيف والسِّنان ونحن نقول الآن بالطّائرة والقنابل وما أشبهها، فقد يحصل نصر لغير المؤْمِنينَ امتحانًا للمؤمنين واستدراجًا للكافرين. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل هذه الآية تدُلّ عَلَى ختم الرّسالة بالرَّسول ﷺ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ أو لا تدل؟ فالجوابُ: قد تدُلُّ من حيْثُ إن الرَّسول مرسل إِلَى النَّاس عامة، والعُمُوم هذَا يشمل العُمُوم فِي الوقت والمكان والأمم وهذا يستلزم أن لا يوجد رسول بعد،

стр. 299

لو وجد رسول بعد انتفى العُمُومُ إِلَى النَّاس كافة، وصار معناه أن الرَّسول الَّذي بعده يَكُون رسولا إِلَى هؤُلاءِ النَّاس دون محمد ﷺ . لَوْ قَالَ قَائِل: كون الرَّسول أرسل إِلَى النَّاس كافة، لَيْسَ فِيهِ دليل عَلَى أنَّه آخر الرّسل؟ قُلْنَا: لأَّنهُ إِذَا لم يكن آخرهم فالَّذي يأتي من بعده يَكُون أرسل إِلَى بعض النَّاس وهم الَذِين تأخروا. عَلَى كُلِّ حَالٍ: أخذها فِيهِ شيء من الغموض والأمر فِي هذَا واضح. والغريب أن بعض النَّاس - على سبيل الاستطراد - أنكر نزول عيسى بن مريم ﷺ وقَالَ: إننا لو قلنا بنزوله لكان ذَلِك تكذيبًا للقرآن ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. وهل استدلالهُم بالآية صحيح أو لا؟ الجوابُ: غير صحيح؛ لأَنَّ عيسى لا ينزل مشرعًا وَإنَّمَا ينزل تابعًا للرسول ﷺ ولا ينشئ شَيْئًا من الشَّريعة حتى كسر الصَّليب وقتل الخِنزير (١)، هذَا أخبر بِهِ الرَّسول ﷺ فأقره يعني يُقَال أنَّه يأتي ويحكم بِذَلِكَ ولا يقبل إِلَّا الإسْلام لا توجد جزية بعد نزول عيسى، لا يوجد أخذ جزية ولا عهد، لا يوجد إِلَّا الإسْلام فيقال إن هذَا لَيْسَ شرعًا جديدًا ناسخًا لشرع الرَّسول ﷺ بل هُوَ شرع مُقَرَّرٌ من الرَّسول ﷺ ، الرَّسولُ أخبرَ بِأنهُ سيفعل هذَا مقررا لَهُ، فَهُوَ لم ينزل عَلَى أنَّه رسول

стр. 300

بشرع جديد، بل عَلَى أنَّه تابع للرسول ﷺ ، ولعل هذَا والله أعلم ليتحقق مَا أخبر الله بِهِ بالفعل، ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ [آل عمران: ٨١]، هذَا خبر من الله . وهل نحن علِمنا بأن نبيًّا من الأنبياء تَابَعَ الرَّسول فعلًا؟ الجوابُ: لا، لكن نزول عيسى ومتابعته ولرسالة الرَّسول ﷺ تكون هذه حق اليقين لأَنَّ آية آل عمران فِيها علم التقِينِ، فإذا وجد ذَلِك بالفعل صَارَ حَقَّ اليقين، فَهَذَا من الحكمة فِي نزوله ﷺ فِي آخر الزّمان، وأيضًا عندنا أحاديث واضحة صحيحة صريحة متلقاة بالقبول عند أهل العِلْم فكيف ينكر ذَلِك؟ لكن - والعياذُ باللهِ - بعض النَّاس يأتي بقاعدة من أفسدِ القواعد وأبطلِ القواعد، وَهِيَ أن العقيدة لا تثبت بأخبار الآحاد ولو كَانَ الخبر صحيحًا، وَهذا فِي الحقيقة مزلة ممن قاله لأننا نقول لَهُ أنتَ تثبت من الأحكام العملية: تثبت الحكم العملي بدليل لا يصل إِلَى درجة الصّحة تثبته بدليل يصل إِلَى درجة الحسن وربما يَكُون إِلَى درجة الحسن عندك أنْتَ وعند غيرك لا يصل إِلَى درجة الحسن، وإثْبَات الحكم العملي مستلزم للعقيدة؛ لأَنَّ تنفيذه مقتضى الإِيمَان ولأن الإنسان لا يعمل بِهذا إِلَّا بعد أن يعتقد أنَّه من شريعة الله وإلا لما عمل بِهِ فهناك عقيدة سابقة أن هذَا من حكم الله ومن شريعة الله وأنه مقرب إِلَى الله وأنه عبادة لله ثمَّ العمل به، ثم إِذَا أخذنا بِذَلِكَ لزم أن ننكر أَشْيَاء كثيرة مما يتعلق بالأمور العلمية لأَنَّ الشّرع كما هُوَ معلوم إمَّا أمور علمية أو أمور عملية، والصّواب بلا شك أنَّه لا فرق بَيْنَهُما وأن مَا صح عن رسول الله ﷺ -

стр. 301

فإِنَّهُ يجب الإِيمَان بِهِ عقيدةً وعملًا وإِذَا شئت مزيد إيضاح فاقرأ مَا كتبه ابن القيم ﵀ فِي آخر الصّواعق المرسلة فإِنَّهُ تكلم عَلَى هذه المَسْأَلة كلامًا شافيًا. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: عند نزول عيسى ﵇ هل الله يلهمه الصّواب فِي مسائل الشّريعة أم ماذا؟ قُلْنَا: الظّاهر - والله أعلم - أن القرآن والسّنة محفوظان إِلَى ذَلِك الوقت، والعجيب أن بعضهم ذكر من شُبَهِ إنكار نزوله أن لغة عيسى سريانية ولغة الرَّسول ﷺ عربية، قَالَ: كَيْفَ ينزل ويحكم بالشّريعة وَهُوَ سرياني؟ ! نَقُول: نعم الجواب بالتّسليم وبالمنع: أولًا: الآن يوجد أناس يتكلمون بِغَيْر اللُّغَة العرَبِيَّة وهم مسلمون ملتزمون بأحكام الإسْلام قائمون بِهِ عَلَى أتم وجه ولغتهم غير عربية. الثَّاني: أن الله جَلَّ وَعَلَا عَلَى كل شيء قدير يمكن أنْ يكُونَ لسانه عربيًّا إِذَا كَانَ بالممارسة والمخالطة ينقلب لسان الإنسان من سرياني إِلَى عربي فكيف بقدرة الله، لكن سبحان الله العظيم الإنسان إِذَا اشتهى شَيْئًا أتى بشبهٍ لا تنطلي عَلَى أحد.

стр. 302

الآيتان (٤٨، ٤٩) قَالَ اللهُ : ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الروم: ٤٨]. * * * قوْله تَعالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [تُزْعِجُهُ]، لأَنَّهُ مأخوذ من (أثار الصَّيد) إِذَا أزعجه ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾، يعني يبعثها كَيْفَ شاء ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [تُزْعِجُهُ] كإثارة الصّيد، فإن إثارة الصّيد من مكانه يعني إزعاجه حتى يقوم وقوْله تَعالَى: ﴿سَحَابًا﴾ السّحاب معروف هُوَ الغيم ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ قَالَ المُفَسر ﵀: [مِنْ قِلَّةٍ وَكَثرةٍ]، يبسطه البسط معناه النّشر ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ تعود إِلَى كيفية هذَا النّشر قد يَكُون واسعًا وقد يَكُون قليلًا وقد يَكُون كثيفًا وقد يَكُون خفيفًا، ولهذا قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ بفتحِ السِّين وسُكُونها: قِطَعًا مُتَفَرِّقَة]، بفتح السّين يعني ﴿كِسَفًا﴾ وسكونها يعني (كسْفًا) وقد الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤)﴾ [الطور: ٤٤]، كِسْفاً؛ الكسَف معناه القطع، وكأن المُفَسِّر ﵀ يريد أن يبين أن السّحاب قد يَكُون واسعًا منتشرًا مبسوطًا وقد يَكُون قليلًا قطعًا متفرقة، وقال بعض المفسرين معنى كونه كسفًا أنَّه قِطَعٌ متراكبة بعضها فوق بعض حتى يَسْوَدَّ وَيدلَهِّم ويحصل فِيهِ الرّعد والبرق وهذا أولى، وهو فِي الغالب أكثر مطرًا.

стр. 303

قوْله تَعالَى: ﴿فَتَرَى﴾ الخطاب لكل من يتأتى خطابه لأَنَّ هذه الرّؤية ليست خاصةً بالرَّسول ﷺ ، وقوْله تَعالَى: ﴿الْوَدْقَ﴾ يعني المطر يعني حبات المطر تسمى ودقًا. قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾؛ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أي وَسطِه]، وقيل من بينه: من بَيْنَ هذَا السَّحاب. وقوْله تَعالَى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾؛ إِذَا قَالَ قَائِلٌ: نحن لا نراها بأعيننا المجردة لا نرى أن المطر يتخلل هذَا السّحاب وينزل فيُقال أنَّه خبر صدق فيكون كالمشاهدة مَا دام أن الله تَعالَى أخبر بِهِ فإننا كأنما نشاهده بأعيننا ثمَّ أنَّه فِي الوقت الحاضر وجدت الآلات القوية الَّتِي يستطيع الإنسان بِها أن يرى كَيْفَ يخرج هذَا المطر: هذه النّقط من خلال السّحاب. وقوْله تَعالَى: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بالوَدقِ ﴿مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾، هذه جملة شرطية ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ﴾ ﴿إِذَا هُمْ﴾ تدُلّ عَلَى أن هؤلاء الذين أُصيبوا بالمطر أنهم فِي غاية الاشتياق إِلَيْهِ وَبها بمجرد مَا يصيبهم يحصل الاسْتِبْشَار، وقولنا بمجرد لَيْسَ نتيجة عن ترتب جواب الشّرط عَلَى فعل الشّرط ولَكِنَّهُ نتيجة لِذَلِكَ وزيادة أمر آخر وَهُوَ الإتيان بـ (إذا) الفجائية الَّتِي تدُلّ عَلَى المفاجئة والسُّرعة. إذَنْ: (إذَا) تفيد الشّرط وفعل الشّرط (أصاب) وجواب الشّرط جملة ﴿همْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ المصدرة بـ (إذا) الفُجائية. قُلْنَا: إن هذَا التّعبير يدل عَلَى أن هؤُلاءِ فِي غاية مَا يَكُون من الاشتياق إِلَى نزول الغيث وجه ذَلِك استبشارهم بمجرد الإصَابَة وليس استبشارا عاديا كترتب

стр. 304

الجواب عَلَى فعل الشّرط ولَكِنَّهُ أبلغ لأَنهُ أتى بـ (إذَا) الفُجائية الدّالة عَلَى المبادرة لوجود ذَلِك الشّيء. وقوْله تَعالَى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [يَفْرَحُونَ بالمَطَر]، الاسْتِبْشَار أشد من مجرد الفرح بل هُوَ يستبشر بنفسه وربما يهنئ غيره ويبشره وَلهذا ففي أول مَا يأتي المطر فِي أيام موسم المطر تجد النَّاس إِذَا رأى بعضهم بعضا لا سِيَّما الَّذِين يأتون من البراري يقول أبشرك أنَّه قد نزل مطر وأنه كثير أو حسب مَا يكون، فالاسْتِبْشَار هُنَا أبلغ من مجرد الفرح لكن المُفَسِّرُ ﵀ ربما يفسره بالتّقريب. وقوْله تَعالَى: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ لا: "ما يشاء النَّاس" فالَّذي ينزل الغيثَ هُوَ الله وليس أحد يستطيع أن ينزله، وأما مَا ذُكِرَ من أنهم الآن يُسلِّطون مَوَادَّ كيماوية عَلَى السّحاب فينزل المطر فإن صح هذَا الأمر فنقول: من الَّذي خلق هذَا المطر؟ الله والَّذي أوجد هذَا السّحاب هُوَ الله وكونهم يتوصلون إِلَى أسباب يتبخر بِها هذَا السّحاب حتى ينزل مطرًا هذَا لا ينافي أنْ يكُونَ الله هُوَ الَّذي ينزل الغيث، ثمَّ إن قوله فِي الآية ﴿يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ أبلغ من ينزل المطر إذ إن المطر قد ينزل ولا يَكُون غيثًا كما ثبت فِي صحيح مسلم: "لَيْسَ السَّنةُ أَنْ لَا تمطَرُوا إِنَما السَّنةُ أَنْ تمطروا وَلَا تُنْبِتُ الأَرضُ" (١)، السّنة معناها الجَدْبُ والقَحْطُ يعني لَيْسَ السّنة أنَّه لا يأتي المطر، السّنة الحقيقية أن يأتي ولا يحصل نبات. وقوْله تَعالَى: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ المُرَادُ بالعباد هُنَا جمع عبد وَهِيَ العبودية العامة لأَنَّ المطر ينزل عَلَى المؤْمِنينَ وَعَلَى الكَافِرِينَ، بل ربما يَكُون

стр. 305

نزوله عَلَى الكَافِرِينَ أكثر وأغدق وأشد استمرارًا، امتحانًا لهم لتُعَجَّلَ لهم طيباتهم فِي حياتهم الدّنيا كما قَالَ الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]، أي بهذه الطّيبات ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأحقاف: ٢٠]، إِلَى آخره. قوْله تَعالَى: ﴿وَإِنْ كَانُوا﴾ قَالَ المُفَسِّر: [وقد كانوا]، قدر (إنْ) بـ (قد) وتَبعَ فِي ذَلِك البَغَوِيَّ لأَنَّ الجلاليْنِ مأخوذ من البغوي يعني كأنه مختصر لَهُ لأنك إِذَا تأملت تفسيره ﵀ وجدت أنَّه هُوَ تفسير البغوي بعينه لكن البغوي مبسوط وَهذا مختصر، قَالَ ﵀: ﴿وَإِنْ﴾ قد]، ولا أحد من أهل النّحو قَالَ بِهذا القول إِلَّا أن يقوله عَلَى سبيل التّفسير فقط، والصّواب الَّذي لا شك فِيهِ هُوَ أن (إنْ) مخففة من الثّقيلة كما فِي قوْله تَعالَى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، وَعَلَى هذَا فنقول (إنْ) أصلها (إنَّ) فخففت واسمها ضمير الشَّأْنِ محذوف والتّقدير وإنهم، وقد سبق أن القول الصّحيح من أقوال النّحويين أن ضمير الشّأن لا يقدر مفردًا مذكرًا وَإنَّمَا يقدر بحسب السّياق إن كَانَ السّياق يقتضي التّأنيث فَهُوَ مؤنث وإن كَانَ السّياق يقتضي التّذكير فَهُوَ مذكر وإن كَانَ يقتضى الجمع فَهُوَ مجموع وإن كَانَ يقتضي التّثنية فَهُوَ مثنى. إِذَنْ: أصله وإنهم كانوا لكن خففت (إنَّ) فحذف اسمها عَلَى أنَّه ضمير الشّأن ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: من قبل أن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم المطر، وعرفنا أنَّ المراد بِهِ المطر من قوْله تَعالَى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ فإن الودقَ إِذَا خرج من خلال السَّحاب ينزل إِلَى الأرْض. وقوْله تَعالَى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ يعبر الله عن نزول المطر بالإنزال

стр. 306

والتّنزيل وَذَلِكَ لأَنَّ المطر أحيانًا يأتي دفعةً واحدة بكثرة وغزارة فيكون إنزالًا، وأحيانًا يأتي بالتّدريج ضعيفًا متقطعًا فيُسَمَّى تنزيلًا لأَنَّ التّنزيل معناه إنزال الشّيء شَيْئًا فشيئًا. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: بالنّسبة لتغاير الإنزال والتّنزيل هل نقول أنزَلَ باعتبار المطر ككل وباعتبار أفراده نقول نَزَّلَ؟ فالجوابُ: لا، بل هُوَ باعتبار الكثرة والتّفريق، يعني بعد أيام يأتي، ثمَّ يأتي أيضًا قليلًا أحيانًا، مثلا يَكُون المطر يومين أو ثلاثة ولَكِنَّهُ قليل وأحيانًا يأتي كما هُوَ مُشاهد سُحبًا عظمية كأنها أفواه القرب. وقوْله تَعالَى: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ اختلف فِيها أهل العِلْم فقال بعضهم كما قَالَ المُفَسِّر ﵀ إنَّها تأكيدٌ كقوْله تَعالَى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨]، كرَّر الفعل توكيدًا، هذَا قول وَهُوَ الَّذي مشى علَيْه المُفَسِّر وعليه أكثر المفسرين أن قوله ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي من قبل أن يُنزَّل عَلَيْهِم قَالَ: وإن كانوا من قبل أن ينزل عَلَيْهِم، من قبل أن ينزل عَلَيْهِم لَمُبْلِسِينَ، فيكون تكرارها للتوكيد. وقال بعض المفسرين إنَّها كُررت للتأسيس لا للتوكيد، ومعلوم أنَّه إِذَا دار الكلام بَيْنَ أنْ يكُونَ توكيدا وأن يَكُون تأسيسًا فالأصل التّأسيس لأَنَّ الأصل عدم التّوكيد لأَنَّ التّوكيد تكرار والأصل عدم التكرار، ولينتبه للفرق فِي تعبير العلَماء ﵀، فالفرق بَيْنَ التّوكيد والتّأسيس أن التّوكيد معناه أن هذَا هُوَ الأول، والتّأسيس معناه أن هذَا غير الأول وأنه كلام مستقل.

стр. 307

وعَلَى القول بِأنَّهُ تأسيسٌ فما معناه؟ قال بعضهم ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل الاسْتِبْشَار ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ﴾ من قبل الاسْتِبْشَار ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ فذكر الله لهم حالين: قبل الاسْتِبْشَار وبعده، وهذا مَا مشى علَيْه أبو السّعود وَهُوَ جيد وليس فِيهِ إشكال من حيْثُ التّصور والمَعنَى، ويكون المَعنَى وإن كانوا من قبل إنزال المطر من قبل ذَلِك الاسْتِبْشَار لمبلسين فنبههم الله عَلَى حالهم قبل الاسْتِبْشَار وَهُوَ الإبلاس وَعَلَى حالهم بعد ذلك. وقال بعضهم ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي من قبل قبل أن ينزل عَلَيْهِم ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي من قبل ذَلِك القبل فيجعلون الضّمير فِي قوْله تَعالَى: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ لَيْسَ عائدًا إِلَى المطر ولا عائدًا إِلَى الاسْتِبْشَار وَإنَّمَا يجعلونه عائدا إِلَى القبل فالمَعنَى عَلَى هذا: (وإن كانوا من قبل أن ينزل عَلَيْهِم من قبل ذَلِك القبل لمبلسين)، فيكون فائدتها أن الإِبْلاس مستمر معهم من قديم الزّمان فيأتي موسم لا يأتي فِيهِ مطر فيبلسون ثمَّ يأتي موسم آخر فيبلسون ثمَّ يأتي موسم آخر فيبلسون وهكذا، ومعلوم أنَّه إِذَا تكررت مواسم ولم ينزل مطر كَانَ أشد فِي الإِبْلاس ويكون المَغنَى أن هذَا الاسْتِبْشَار أتى بعد يأس مرتين فأكثر وَهذا أيضًا ذكره ابن كَثِير ﵀ فِي تفسيره. فصار لدينا فِي قوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ ثلاثة أقوال: القول الأول: أنَّه توكيدٌ. القول الثّاني: أن الضّمير يعود عَلَى الاسْتِبْشَار. القول الثّالثُ: أن الضّمير يعود عَلَى القَبْل.

стр. 308

أمَّا قوْله تَعالَى: ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ فهي بالنّصب خبر لـ (كان) فِي قوْله تَعالَى: ﴿وَإِنْ كَانُوا﴾ واقترنت (اللام) بِها من أجل (إنْ). والاقتران هُنَا هل هُوَ واجب أو جائز؟ والجوابُ: إننا لو أسقطناها فسوف تشتبه (إنْ) المخففة بـ (إنْ) النّافية، فيفهمها البعض: لو كانت (وما كانوا من قبل أن ينزل عَلَيْهِم مبلسين)، يعني يستبشرون أنهم مَا أبلسوا ولا يئسوا، يعني: يستبشرون وإن كَانَ لَيْسَ عِنْدَهُم يأس من قبل، لذا فالظّاهر وجوب هذا الاقتران؛ لأنّها قد تشتبه بـ (إن) النّافية، أمَّا إِذَا لم تشتبه فلا يجب الاقتران هل هناك شاهد فِي كلام العرب لذلك؟ نعم قول الشّاعر (١): .................... ... وإن مالِك كانت كرَامَ المَعَادِن يفتخر بِأنه من بني مالِك ثمَّ يقول: (وإن مالِك كانت كرام المعادن) هُنَا لا يمكن أن تشتبه (إنْ) بـ (ما) لأنهُ لا يمكن أن يفتخر بقوم يسلب عنهم كرم المعدن لو تقول مثلا أنا من قبيلة هذه القبيلة مَا كانت كرام المعادن لا يستقيم. فالحاصِلُ: أن اللام هُنَا للتوكيد ويسميها بعض العلَماء (اللام الفارقة)، وَهذا أدق فِي التّعبير وَهِيَ مَعَ كونها فارقة تفيد التّوكيد وَإنَّمَا سموها اللام الفارقة لأنَّها تفرق بَيْنَ (إنْ) النّافية وبين (إنْ) المخففة. إِنْ قَالَ قَائِل: هل يمكن أن تقترن باللام مَعَ كون (إنْ) بمعنى النّفي؟ فالجوابُ: لا، وَهذا هُوَ السّر فِي أنَّها فارقة لا يمكن أن تقترن بِها اللام لأَنَّ اللام تفيد توكيد الإثْبَات، والنّفي بخلاف ذَلِك، فالنّفي يفيد النَّفي.

стр. 309

قوْله تَعالَى: ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ يقول المُفَسِّر ﵀: [آيِسينَ مِنْ إِنْزَالِهِ]، والإِبْلاس مثل القُنُوطِ أَشَدُّ اليَأْسِ ومنه سمي إبليس نعوذ بالله مِنْهُ لأنَّهُ مُبْلسٌ آيس من رحمة الله . من فوائد الآيتين الكريمتين: الفائِدَةُ الأُولَى: كمال قدرة الله من خمسة أوجه: أولاً: إرسال الرّياح. ثانيًا: إثارتها السّحاب. ثالثا: بسطه فِي السّماء. رابعًا: جعله كِسَفًا. خامسًا: نزول المطر منه. الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: أن السّماء يُطلَق عَلَى كل مَا على لقوْلِه : ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ﴾، فإِنَّهُ لا يُبسط فِي السّماء الَّتِي هِيَ السّقف المحفوظ وَإنَّما يُبسط فِي الجو العالي. الفائِدَةُ الثَّالثةُ: حكمةُ الله فِي نزول المطر من أعلى لأَنَّهُ إِذَا نزل من أعلى عم النّازل والمرتفع بخلاف مَا لو كَانَ يجري فِي الأرض، لو كَانَ يجري فِي الأرض فإِنَّهُ يغرق النّازل قبل أن يصل إِلَى العالي. الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: بَيان شدة افتقار الخلق إِلَى رحمة الله لقوْلِه تَعالَى: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾.

стр. 310

الفائِدَةُ الخامِسَةُ: إثْبَات المشيئة لقوْلِه تَعالَى: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾. الفائِدَةُ السّادِسَةُ: إثْبَات العبودية العامة لقوْلِه تَعالَى: ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾. الفائِدَةُ السّابِعَةُ: جواز الاسْتِبْشَار بالمطر وأن يبشر النَّاس بعضهم بعضًا به. ولننظر هل تصح هذه الفائدة أم لا؟ يعني: هل يمكن أن يؤخذ منْها جواز الاسْتِبْشَار بالمطر أو يُقَال إن هذَا خبر عن واقع فلا يتأتى مِنْهُ حكم؟ فيه احتمال أن يؤخذ منْها الاسْتِبْشَار بالمطر وفيه احتمال أنْ يكُونَ هذَا بيانًا للواقع فلا يؤخذ مِنْهُ حكم، وغاية مَا فِيهِ أن يُقَال إنَه مباح لأَنَ الله تَعالَى ذكره ولم ينكره. الفائِدَةُ الثّامِنةُ: بَيان رحمة الله لكون المطر ينزل نقطًا لا أنَّه ينزل دفعة واحدة؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ لأنَّهُ لو نزل كأفواه القرب أو كالأودية التِي تمشي لكان مدمرًا للمنازل مدمرًا للأشجار مؤثرًا عَلَى مَنْ ينزل علَيْه من حيوان ولكن الله جعله بِهذا الرَّذاذ. الفائِدَةُ التاسِعَةُ: بَيان حال العبد قبل نزول المطر وأن العبد ضعيف لقوْلِه تَعالَى: ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ فإِنَّهُ ضعيف إِذَا أصيب بشيء أَيِسَ واستبعد الفرج، ولكن الله يزيل عنه هذَا الأمر، تؤخذ مِنْ قوْلِه تَعالَى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾.

стр. 311

الآية (٥٠) قَالَ اللهُ : ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠]. قال المُفَسر ﵀: ["فَانْظُر إِلَى أَثَرِ" وفي قراءة ﴿ءَاثر﴾]. قوْله تَعالَى: ﴿فَانظُر﴾ الخطاب لِلإِنْسَانِ لَيْسَ للرسول أي الخطاب لمن يتأتى خطابه، الرَسول ﷺ وغيره لأنَّهُ قَالَ فِي الآية التِي قبلها ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ ثم قَالَ هُنَا ﴿فَانظُر﴾ أي انظر أيها الإنسان (إلى أثرِ رحمةِ الله) وفي قراءة يقول المُفسر: ﴿آثَار﴾، والرّسم العثماني من فوائد التِزامه أنَّه لا يتغير بتغير القراءات ﴿آثَارِ﴾ عَلَى مقتضى قواعد الرّسم العصرية تكتب بألف بَيْنَ الثّاء والرّاء، لكنها عَلَى قواعد المصحف العثماني لا يكتب فِيها ألف (أثر) شاء وراء فتصلح (آثار) وتصلح (أثر). وقوْله تَعالَى: ﴿إِلَى آثَارِ﴾ و (إلى أثر) لا فرق بَيْنَهُما فِي الجملة من حيث المعنَى لأَنَّ (آثار) مضاف فيفيد العُمُوم و (أثر) مضاف فيفيد العُمُوم أيضًا؛ لأَنَّ المفرد إِذَا أضيف أفاد العُمُوم فأثر وآثار من حيْثُ الجملة لا فرق بَيْنَهُما لأَنَّ قوله: (أثر رحمة الله) بمعنى آثار لكن الفرق بَيْنَهُما من حيْثُ المَعنَى الخاص أن أثر يشمل الجنس باعتباره شَيْئًا واحدًا، وأما آثار فتشمل الجنس باعتباره أنواعًا.

стр. 312

كيف باعتباره أنواعًا؟ مثلاً أثر المطر يخرج بِهِ الزّرع ويخرج بِهِ الشّجر ويخرج بِهِ شيء صغير وشيء كبير وشيء لَهُ أشجار مُفَطَّحَةٌ (١)، وشيء لَهُ أشجار دَقِيقَةٌ كالعيدان، فلِهذا تعتبر هذه آثارا باعتبار أنواعها، ثمَّ أيضًا الآثَار تختلف من أرض إِلَى أرض، هذه الأرض تُنْبِتُ كذا وهذه الأرض تنبت كذا هذه ينبت فِيها الكلأ وهذه لا ينبت وهكذا فهي آثار باعتبار الأنواع، أمَّا باعتبار الجنس وأن كله حصل بسبب المطر فَهُوَ شيء واحد وَهذا هُوَ الفرق الخاص بَيْنَ أثر وآثار. قال المُفَسِّر ﵀: ﴿آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ أي نعمته بالمطر]. وقد سبق أن الرّحمة فِي مثل هذَا يصح أن تكون اسمًا للمخلوق ويصح أن تكون من صفات الله، فإن كَانَ المُرَاد الأثر المباشر فالمُرَاد بالرّحمة المطر لأَنَّ هذَا النّبات نبت بالمطر، كان كَانَ المُرَاد السّبب غير المباشر فالمُرَاد بالرّحمة صفة الله يعني لكون الله جَلَّ وَعَلَا رحيمًا، فهذه من آثار الرّحمة أنَّه ينزل المطر وتنبت بِهِ الأرْض ويزول بِهِ القحط، فالآية صالحة لهذا وَبهذا. قوْله تَعالَى: ﴿كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ هذَا مما يرجِّح أن المُرَاد بالرّحمة: رحمة الله: الصّفة ﴿كَيْفَ يُحْيِ﴾ هُوَ أي بالرّحمة : ﴿يُحْيِ الْأَرْضَ﴾ يجعلها حيَّة ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أيْ يُبْسها]، وحياة كل شيء بحسبه فالأرض اليابسة الَّتِي لَيْسَ فِيها خضار تسمى ميتة لَيْسَ فِيها شيء حي، فإذا نزل علَيْه المطر وحيّى النّبات سميت حية ﴿يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وَهذا دليل عَلَى قدرة الرّب وَعَلَى رحمته، لأَنَّ من يقدر عَلَى أن يفلقَ النَّوَى فِي باطن الأرض حتى يخرج مِنْهُ

стр. 313

هذَا النّبات النّامي هل أحد يقدر عَلَى هذا؟ لا أحد يقدر؛ وَلهذا قد جاء فِي الحديث الصّحيح القدسي: "فَلْيَخْلُقُوا حَبَّة أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَة" (١)، ولا يستطيع أحد منهم ولا من غيرهم أن يخلق هذا، ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)﴾ [الأنعام: ٩٥]. قوْله تَعالَى: ﴿كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يعني انظر إِلَى الكيفية والقُدرَة كَيْفَ هذهِ الأرض الَّتِي كانت غبراء كأنها محترقة أصبحت الآن روضة خضراء. قوْله تَعالَى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أي يبسها بأن تنبت ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾]. قوْله تَعالَى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ هذَا الكون العظيم لا يمكن أنْ يكُونَ عبثًا، يخلَقُ بشر عاقل، يعرف، ويعقل ويتصرف ويقتل بعضه بعضًا وينهب بعضه بعضًا ويسالِم بعضه بعضًا والنّتيجة أن يكونوا ترابًا، هذَا لا يمكن أبدًا، يعني لو تصوره الإنسان أدنى تصور لوجد أن العقل يدل دلالة قطعية عَلَى أنَّه لا بُدَّ من بعث ومجازاة وإلا لكانت الدّنيا كلها عَبَثًا، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ [ص: ٢٧]. ألَسْنا نشاهد مَنْ يخالِفُنا فِي العمل، ومن يخالِفنا فِي الأخلاق، ومن يخالِفنا فِي العقيدة ونتألَّم من ذَلِك، لولا أن الله يسلي الرَّسول ﷺ ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [الشعراء: ٣]، وما أشبه ذَلِك مما يسليه بِهِ لتقطع قلبه ﷺ نحن الآن نتألم لمن يخالِفنا فِي العقيدة ومن يخالِفنا فِي الأخلاق ومن يخالِفنا فِي الأعمال، هذَا الألم

стр. 314

يؤثر علينا ولكن يقول الله : ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء: ١٠٤]، لكن هناك فارق ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤]. فالحاصِلُ: أن هذَا الكونَ العظيم لا يمكن أنْ يكُونَ عَبَثَا هكذا يحيا ثمَّ يَكُون ترابًا، والله يحيى الموتى لَيْسَ بني آدم فقط ولكن بنو آدم وغيرهم ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام: ٣٨]، ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ [التكوير: ٥]، وأخبر النَّبيّ ﷺ أن البهائم يُقْتَصُّ من القَرنَاء لِلْجَلْحَاء (١)، حتى البهائم يقضى بينها وَلهذا نقول قوْله تَعالَى: ﴿الموتى﴾ لا يختص بالإنسان فقط بل بالإنسان وغير الإنسان. ثم أكد إحياء الموتى بمؤكَّدٍ آخر فِي الجملة الَّتِي بعدها وَهُوَ قوْله تَعالَى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. إِذَنْ: فقد أُكِّد أحياء الموتى بمؤكديْن لفظييْن ومؤكديْن معنوييْن. وقوْله تَعالَى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كل شيء الله قادر علَيْه بدون استثناء كل مَا تتعلق بِهِ القدرَة ويمكن أنْ يكُونَ قادرًا علَيْه، فإن الله تَعالَى قادر، عَلَى كل شيء قدير، لَيْسَ عَلَى مَا يشاء فقط بل عَلَى مَا يشاء وما لا يشاء، فهداية الكافر الَّذي مات عَلَى كفره الله قادر عَلَيْها، مَا شاءها وَهُوَ قادر عَلَيْها، فلا تختص قدرته بما شاءه، وَبِهذَا نعرف أن تعبير بعض النَّاس: (أنَّه عَلَى مَا يشاء قدير) أنَه لا ينبغي، بل قل كما قَالَ الله عن نفسه: ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩]، وأما حديث الرّجل الَّذي يبعثه الله يَوْم القِيَامَة، ذكر القصة وفيها أن الله قَالَ لَهُ: "إنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِر" (٢)،

стр. 315

فهذه لَيْسَ المُرَاد بِها وصف الله بالقُدرَة مطلقًا بل وصف الله بالقدرَة عَلَى هذَا الشّيء المعين الَّذي استبعده المخاطَب، فالله يقول قد شئته فأنا قادر علَيْه وَكَذلِكَ قوْله تَعالَى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ فالقيد بالمشيئة هُنَا لَيْسَ عائدًا عَلَى القُدرَة لكِنَّهُ عائد عَلَى الجمع، الشّيء المعين يمكن أن تقيده بالقُدرَة، أمَّا إِذَا أردتَ وصف الله بالقُدرَة فلا تقيدها بالمشيئة، ففرق بَيْنَ أن تُعَلَّق القُدرَة بشيء معين خاص وبين أن تُذْكَرَ عَلَى سبيل الوصف العام لله، إِذَا كانت وصفًا عامًّا لله، فالله تَعالَى مَا ذكر قَيْدَ المشيئة أبدًا ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧]، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، وما أشبه ذلك. والقُدرَة ضد العجز انظر إِلَى قوْله تَعالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤)﴾ [فاطر: ٤٤]، وأتى بالعِلْم هُنَا لأَنَّ العاجز قد يعجز لعدم علمه بالشّيء، مهندس لكن فِيهِ روماتيزم لا يقدر أن يتحرك، قلنا لَهُ اصنع هذه السّيارة لا يقدر لأنَّهُ لَيْسَ عنده القُدرَة؛ لأنَّهُ عاجز لا يقدر أن يتحرك، وآخرُ نشيط يحمل الحجر الَّذي أكبر مِنْهُ لكِنَّهُ لا يعرف الصّناعة أبدًا قلنا لَهُ اصنع سيارة قَالَ لا أقدر؛ لعدم العلم، فانتفاء القُدرَة قد يَكُون لعدم العِلْم وقد يَكُون لعدم القُدرَة الحسية لَيْسَ عنده علم لَيْسَ عنده شيء يعني عاجزًا. ذكر صاحب هذَا التّفسير هذَا فِي قوْله تَعالَى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠]، آخر سورة المائدة، ذكر عبارة منكرة - والله أعلم - مَا أراد بِها سوءًا فقَالَ: [وخص العقلُ ذاتَه فليس عَلَيْها بقادرٍ]، يعني أن العقل يقتضي تخصيص ذات الله فالله لا يقدر عَلَيْهَا هذَا لَيْسَ بصحيح بل الله عَلَى كل شيء قدير وَبهذا الله تَعالَى استوى عَلَى العرش بفعله وقدرته، ينزل إِلَى السّماء الدّنيا، يأتي

стр. 316

للفصل بَيْنَ عباده، يتكلم بما أراد، كل هذَا مما يتعلق بذاته وَهُوَ قادر علَيْه. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: الله يقدر عَلَى إماتة فلان هل يقدر عَلَى أن يميت نفسه، هذَا لا يمكن لا لانتفاء القُدرَة لكن لأَنَّ هذَا أمر لا يليق بِهِ وَهُوَ أشد من العجز. فنَقُول: امتناع هذَا لأَنَّهُ مستحيل عَلَى الله وَبهذا السّفاريني ﵀ فِي العقيدة لما ذكر صفة القُدرَة قال (١): بِقُدْرَةٍ تَعَلَّقَتْ بِمُمْكِن .................. أما المستحيل فَهُوَ مستحيل، لا يمكن، المستحيل أصله مستحيل لا تتعلق بِهِ القدرة. يُقَال إن الشَّيطان يفرح إِذَا مات العالِم، يفرح فرحًا عظيمًا وَإِذَا مات العابد لا يهمه، قَالَ جنوده لَهُ كَيْفَ تفرح لموت العالم هذَا الفرح ولا تفرح لموت العابد الَّذي طول نهاره فِي المحراب؟ قَالَ نعم لأَنَّ العالم أشد علينا من العابد وَإِذَا شئتم أن أضرب لكم مثلًا الآن، فذهب إِلَى العابد وقال لَهُ هل يقدر الله أن يجعل السّموَات وَالأرض فِي جوف بيضة؟ قَالَ العابد لا يقدر، قَالَ هل يقدر الله أن يخلق مثله؟ قَالَ: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، يمكن أن يقدر أن يخلق مثله هذَا غير صحيح وغير ممكن فذهب إِلَى العالم فقال لَهُ مثل هذَا القول، قَالَ أمَّا خلق مثله فَهذَا شيء مستحيل ولا يمكن للمخلوق أنْ يكُونَ مثل الخالِق أبدًا مهما كان، وأما كونه يجعل السّموَات وَالأرض فِي جوف بيضة فَهُوَ عَلَى كل شيء قدير، قَالَ الشّيطان: انظروا المِسْكِين العابد كفَرَ من وجهين أثبت مَا لا يمكن

стр. 317

ونفى مَا يمكن، وهذا حقيقة يعني: أن العباد مثل مَا قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: "مَنْ فَسَدَ مِنْ عُبَّادِنَا فَفِيهِ شَبَهٌ مِنَ النَّصَارَى، وَمَنْ فَسَدَ مِنْ عُلَمَائِنَا فَفِيهِ شَبهٌ مِنَ اليَهُودِ، واليَهُودُ أَخْبَثُ مِنَ النَّصَارَى" (١)، لا شك لأَنَّ العالمَ فساده - والعياذُ باللهِ - عن عِلم، والعابدَ فسادُه عن جهلٍ، وما كَانَ عن جهل فَهُوَ أَهْوَنُ مما كَانَ عن علم. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: بالنّسبة لقول من قَالَ إنَّه عَلَى مَا يشاء قدير، يمكن نستخلص قاعدة وَهِيَ أن الصّفات الذّاتية لا تناقض المشيئة والصّفات الفعلية تناقض المشيئة؟ قُلْنَا: صحيح، هذه القاعدة، فالقاعدة عِنْدَهُم أن الصّفات الذّاتية هِيَ اللازمة للذات والفعلية مَا تتعلق بالمشيئة هذه قاعدتهم. وَلَوْ قَالَ قَائِل: كَيْفَ تعبير القرآن مرة بالإنزال، ومرة بالتَّنزيل؟ قُلْنَا: إِذَا وَرَدَ أنَه منزل مثل ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر: ١]، يَكُون المُرَاد كإنزالنا يعني أنزلنا جملةً مِنْهُ لَيْسَ كله، فأما التَّنزيل فإِنَّهُ يَكُون نازلًا شَيْئًا فشيئًا كما فِي قوْله تَعالَى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ [الإسراء: ١٠٦]، مَعَ أنَّه قد يأتي التّنزيل لشيء وقع جملةً واحدة مثل قوْله تَعالَى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]، فعلى هذَا تكون القاعدة الَّتِي ذكرها أهل العِلْم فِي هذه المَسْأَلة قاعدة أغلبية ليست لازمة. من فوائد الآية الكريمة: الفائِدَةُ الأُولَى: الأمرُ بالنَّظر ويكون بالعين الباصرة وبعين البصيرة أيضًا فالأمر هُنَا بالنّظر للوجهين جَمِيعًا الإنسان ينظر بعينه الباصرة وبعين البصيرة.

стр. 318

الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: أن النّظر كما يَكُون نافعًا لِلإِنْسَانِ فَهُوَ مأمور بِهِ شرعًا أي بمعنى ثواب الإنسان أو إثابة الإنسان عَلَى النَّظر فِي آيات الله لأنَّهُ مأمور به. الفائِدَةُ الثَّالثةُ: أن الآثَار الَّتِي تنتج عن المطر كلها من رحمة الله إحياء الأرض بالنّبات وكثرة المياه فِيها كله من رحمة الله . الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: إثْبَات قدرة الله تَعالَى عَلَى إحياء الموتى لقوْلِه تَعالَى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾. الفائِدَةُ الخامِسَةُ: الاسْتِدلالُ بالمحسوس المنظور عَلَى المحسوسِ المنتظر، المحسوسُ المنظور مَا يحصل من حياة الأرْض، والمحسوس المنتظر مَا يحصل من إحياء الموتى. الفائِدَةُ السّادِسَةُ: أنَّه لا بُدَّ أنْ يكُونَ الدّليل أجلى وأظهر من المدلول علَيْه بمعنى أنَّه لا يمكن أن نستدل بالأخفى عَلَى الأظهر والأوضح؛ لأَنَّ الدَّليلَ مُعَرِّفٌ للمدلولِ ومُبَيِّنٌ لَهُ فكيف يمكن أن تستدلَّ بشيء خفي عَلَى شيء واضح؟ الفائِدَةُ السّابِعَةُ: رحمة الله تَعالَى بعباده حيْثُ يضرب لهم الأمثالَ ويبيِّن لهم الأدلةَ ليتوصلوا إِلَى اليقين فيما يجب الإِيمَان بِهِ؛ لأنَّهُ يكفي أن يقول الله آمنوا بأني أحيي الموتى، يكفي فِي إقامة الحجة عَلَيْهِم، لكن من رحمته أنَّه يُبَيِّن لنا ويضربُ لنَا الأمثالَ لنصل إِلَى درجة اليقين فيما أخبرنا بهِ، نأخذه مِنْ قوْلِه تَعالَى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾. الفائِدَةُ الثّامِنةُ: نعمةُ الله عَلَى العباد بإحياءِ الأرض لقوْلِه تَعالَى ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.

стр. 319

الفائِدَةُ التّاسِعَةُ: أنَّ الجمادَ يوصف بالحياةِ والموتِ، ففيه رَدٌّ عَلَى الفلاسفة الَّذِين يقُولونَ إن الجماد لا يمكن أن يوصف بالحياة والموت؛ لأنَّهُ غير قابل لها؛ فنقول إن الله تَعالَى وصف الجماد بِأنَّهُ حي وميت كما فِي هذه الآية وكما فِي قوْله تَعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)﴾ [النحل: ٢٠]، مَعَ أنَّها أصنامٌ من الأحجار والأشجار وما أشبهها. الفائِدَةُ العاشِرَةُ: ثبوتُ صفة القُدرَة وعُمُومِها لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ لا يعجِزُهُ شيء فِي السّماوات ولا فِي الأرض. * * *

стр. 320

الآية (٥١) * قَالَ اللهُ : ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١)﴾ [الروم: ٥١]. قوْله تَعالَى: ﴿وَلَئِنْ﴾ اللام هُنَا لام قسم دخلت عَلَى (إن) الشّرطية، وقوْله تَعالَى: ﴿لَظَلُّوا﴾ هذَا هُوَ الجواب، لَكِنَّهُ جواب لأيهما: للشرط أو للقسم؟ هُوَ جواب للقسم؛ لأنَّهُ لو كَانَ جوابًا للشرط مَا احتاج إِلَى اللام، الفعل الماضي يُجاب بِهِ الشَّرط بدون واسطة، وأيضًا فإن القاعدةَ عند أهل العِلْم بالعربية أنَّه إِذَا اجتمع شرط وقسم يحذف جواب المتأخر منْهُما، قَالَ ابن مالِك ﵀ (١): وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَم ... جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهُوَ مُلْتَزَم فالقَسَمُ دَلَّ علَيْه اللام الموطئة للقسم، ويوجد شرط (إنْ) والجوابُ الآن للقَسَمِ ﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ وجوابُ الشَّرط محذوف دل علَيْه جواب القسم ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ انظر الفرق فِي الأول يقول الله : ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ وهنا قَالَ: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ مفرد، وقد ذكرنا سابقًا أن الجمع يَكُون رحمةً، والإفرادَ يَكُون عذابًا هذَا الغالب. قوْله تَعالَى: ﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا﴾: (رأوه) الضّمير لا يعود عَلَى الرّيح لكِنَّهُ يعود
следующие страницы →