← Тафсир

Тафсир · id 21808

تفسير العثيمين: الروم

ابن عثيمين

Полный текст (333 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الآيتان (١٤، ١٥) * قَالَ اللهُ : ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٣ - ١٥]. * قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ﴾ تَأْكِيد ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾ المؤْمِنُونَ والكافرون، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾ جَنَّة ﴿يُحْبَرُونَ﴾ يَسُرُّونَ، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ القرْآن ﴿وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ البعث وغيره ﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾] اهـ. نقُولُ فِيها كَما قُلْنا فِيما سبَقَ أَنَّ المرَادَ بالسّاعَةِ ساعَةُ البعْثِ المعْهُودَةِ المعْلُومَةِ. قوْله تَعالَى: ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾: مُتَعَلَّقُ ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ يعْنَي أنَّ قوْلَه تَعالَى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بـ ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ تأكيدٌ للأُوْلَى، والدّليلُ عَلَى أنَّها تأكِيدٌ أنَّها لَوْ حُذِفَتْ وقِيلَ: (وَيوْم تَقُومُ السّاعَةُ يتفَرَّقُون) اسْتَقامَ الكلامُ لكِنْ يفُوتُ التّوْكِيدُ الَّذي أرادَهُ الله ، يعْنِي في ذَلِك اليَوْمِ بالتّأكِيدِ. والتّنوين في ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ - وفي كُلِّ موارِدِها - عِوَضٌ عنْ جُمْلَةٍ، أيْ (يوْمَ إِذْ تَقُومُ السّاعَةُ) وَكَذلِكَ يُقَالُ في (حينَئِذٍ) و (وقتِئذٍ)، التّنوينُ فِيها عِوَضٌ عنْ جُمْلَةٍ. وقوْله تَعالَى: ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾: الضّميرُ يعُودُ عَلَى الخلْقِ فيشْمَلُ المؤْمِنَ والكافِرَ حَتَّى لَو كانُوا أقَارِبَ لوْ كَان أبٌ مسْلِمٌ وابْنٌ كافِرٌ أوْ بالعكْسِ تفَرَّقُوا لأنَّهَا دارُ

стр. 72

الجزاءِ وكلٌّ يُجْزَى بعمَلِه. قولُه تعالَى: ﴿فَأَمَّا﴾: حرْفُ شَرْطٍ وتفْصِيلٍ؛ ولذَلِك يُؤْتَى بِها دَائِمًا في مَواضِعِ التَّفْصيل، كَما في قوْلِه تَعالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥] , ثمَّ قالَ في ضِدِّه: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل: ٨] , وهِي أيْضًا حرْفُ شرْطٍ، ولذَلِك تَحْتاجُ إِلَى جَوابٍ، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ﴾ [الليل: ٥ - ٧] وهنَا قالَ تعالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾ فتكُونُ إِذَنْ حرْفَ شرْطٍ وتفْصيلٍ، وهِي أيْضًا متضَمِّنَة لمعْنَى التّوكِيدِ، فإِنَّها تُؤكِّدُ لأَنَّ قولَك: (أمَّا مَن فَعلَ كَذا فَلَهُ كذا) أقْوَى مِنْ قَولِكَ: (مَن فعَلَ كذا فلَهُ كَذا)، فهيَ عَلَى هَذا تفِيدُ الشّرْطِيَّةَ وَالتَّفْصيل والتّوكِيدَ، وهُوَ تقْوِيةُ الكلامِ، وأيْضًا تُفيدُ حصْرَ التّفرُّق عَلَى هذَيْنِ الفريقَيْنِ. قوْله تَعالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مبْتَدأ, والخبَرُ ﴿فَهُمْ﴾ مِنْ جُملة ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾. وقوْله تَعالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يعْنِي جَمَعُوا بيْنَ الإِيمَان وَالعمَلِ، واعْلَمْ أنَّ الإِيمَان إِذا أُفْرِد شَمِلَ العمَل كَما أنَّ عمَلَ الصّالحاتِ إِذا أُفْرِد يشْمَلُ الإِيمَان، فَإِذا قُرِن أحَدُهما بالآخر صَار الإِيمَان يعْني الأعمالَ الباطِنَةَ، وعَملُ الصّالحاتِ للأَعْمالِ الظّاهِرة أيْ عَمل الجوارِحِ، والإِيمَان يَشْمَلُ الإِيمَان باللهِ وملائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ والَيْومِ الآخر والقدَرِ خيْرِه وشَرِّه، هكَذا فسَّرهُ النّبيُّ ﷺ لجبْرِيلَ حينَ سأله مَا الإِيمَان؟ قَال: "أنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلاِئكَتِهِ وَكتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخر وَتُؤْمنَ بِالقدَرِ حَير وَشَرَهِ" (١).

стр. 73

قوْله تَعالَى: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: ﴿عَمِلُوا﴾ تشمَلُ الفعْلَ والقوْلَ، والعمَلُ الصّالح يشْمَل قوْلَ اللَّسانِ وعمَلَ الجوارِحِ، والعمَلُ الصّالح هُو ما جَمعَ بَيْنَ أمْرَينِ: - الإِخْلاص للهِ . - والمتَابَعَة لرَسُولِهِ ﷺ . فقولُه تَعالَى: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ مِن هَذيْن الأمْرَيْنِ إيمانٌ وعمَلٌ، ومجردُ الإِيمَان لا ينْفَعُ بدُونِ عمَلٍ، وَالعمَلُ بدُونِ إيمانٍ أيْضًا لا ينْفَعُ، بلْ لا بُدَّ مِن إِيمانٍ وعمَلٍ، وَبِهذَا نعْرِفُ أنَّ بعْضَ النّصوصِ المطْلَقَةِ التي فيها الوَعْدُ بالجنَّةِ لمنْ كَانَ في قلْبِهِ أدْنَى حَبَّةِ خرْدَلٍ مِنْ إِيمانٍ ومَا أشْبَهَ ذَلِك أنَّ المرادَ الإِيمَان المتضمِّنُ للعَملِ تحقِيقًا أو تقْديرًا، تحقِيقًا بأنْ يكُونَ عامِلًا فعْلاً، وتقْدِيرًا بأنْ يكُونَ لم يتمَكَّنْ مِن العمَلِ، ولكِن مَعه الإيمَان، كَما لَوْ آمَن عنْدَ قُرب وفَاتِهِ مثْل الأصَيْرِم مِن بَنِي عبْدِ الأشْهَل قصَّتُه معروفَةٌ في أُحُدٍ (١). وقوْله تَعالَى: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾: جمْلَة اسْميَّةٌ، للدّلالَةِ عَلَى الثّبوتِ

стр. 74

والاسْتِمرارِ ﴿فِي رَوْضَةٍ﴾ يقول المُفَسّر ﵀: [جنَّة] وهِي كذَلِك، فالرّوْضَةُ عبَارَة عَنِ البساتِينِ المشْتَمِلَةِ عَلَى الأزْهارِ وَالأشْجارِ وَالرّوائِح الطّيَبةِ وَالمنَاظِرِ البهِيجَةِ؛ وَلهذا قَالَ ﵀: ﴿يُحْبَرُونَ﴾: أيْ يُسَرُّون] , وقِيلَ: ﴿يُحْبَرُونَ﴾ يُنَعَّمُون، وهُمَا متَلازِمَانِ؛ لأَنَّ النّعِيمَ يحْصُلُ بِه السّرورُ، هَؤُلاءِ الَّذِين آمَنُوا وعَمِلُوا الصالحاتِ في رَوْضَةٍ يحبَرُون. قوْله : ﴿يُحْبَرُونَ﴾: الماضِي منْهُ (حُبِرَ)، وهُوَ فِعْلٌ مضَارعٌ مبْنِيٌّ للمَجْهُولِ والماضِي منْهُ إِذا كَان فِيه الفاعِلُ الظّاهِرُ بالكسْرِ (حَبِرَ)، فتكُونُ مثْلَ (فَرِح يَفْرَح، حَبِرَ يَحْبَرُ). * * *

стр. 75

الآية (١٦) * قَالَ اللهُ : ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٦]. * * * قال المُفَسِّر ﵀: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ القرْآن ﴿وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ البعث وغيره ﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾] اهـ. في هذه الآيَة بَيان للْقِسْمِ الثّانِي، وَهُمُ الَّذِين كفَرُوا بتَرْك العمل الصّالح، ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ فلَمْ يُؤْمِنُوا. وقولُه ﵀: [﴿بِآيَاتِنَا﴾ القرْآن] , غيرُ صحِيحٍ، بَل قطْعًا يشْمَلُ القرآنَ وغَيْرَ القرآنِ؛ لأَنَّ الَّذِين آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالحاتِ والَّذِين كَفَرُوا وكذَّبُوا بِآياتِ الله ولقَائِهِ هَؤُلاءِ يَكُونُونَ في هَذِهِ الأمَّةِ وَيكُونُونَ في غيْرِها. وقوْلهُ ﵀: ﴿وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ البعْثِ وغَيْرِه] , البعْثُ الإخراج مِنَ القبورِ وغَيْرُه مِن الحسَابِ والجزاءِ وَالجنَّةِ والنّار، فيُكَذِّبُونَ بِها فتقُولونَ لَا تُوجدُ جَنَّةٌ ولا نَارٌ ولا حِسابٌ ولَا عَذابٌ، والعجِيبُ أنَّ هَذا القوْلَ الباطِلَ الفاسِدَ نَحا إِلَيْهِ مَنْ يُسمُّونَ أنفسَهُم بِالحكمَاءِ وهُمُ الفلاسِفة، يقولون أنه لا توجَد جنة ولا نَارٌ ولا بَعْثٌ، ولكِنّ الرّسلَ قَالوا لِلنَّاسِ هَذا مِن أجْل إقامَتِهم عَلَى الطّريق التي اختَرعُوها لهم، وَيزْعُمونَ - وَالعياذُ بِاللهِ - أنَّ الرّسُلَ رجَالٌ عبَاقِرَةٌ عنْدَهُم ذكَاءٌ وحُسْنُ سِيرةٍ وتنْظِيمٌ، لكِنَّهم

стр. 76

لَو قَالُوا لِلنَّاس: افْعَلُوا كَذا أوْ لَا تفْعَلُوا كَذا بدُونِ ترْهِيبٍ ولَا ترْغِيبٍ مَا أطَاعَهُم النّاسُ، فكَانُوا يقُولونَ لِلنَّاسِ: إِنَّ لكُم ربًّا عظِيمًا وإلهًا قادِرًا، وإِنَّ لكُم معادًا يَكُونُ فِيه الجنَّة أوِ النَّارُ، والأمْرُ ليْسَ كَذَلِكَ عنْدَهُم، يعْنِي إِنَّما ذَكَرُوا ذَلِك مِنْ أجْلِ إِقَامَةِ النّاسِ عَلَى الطّريقِ التي سَنُّوها لهم، وَهَذا معْنَاهُ الكفْر بالبعْثِ وَبِالرّسالَةِ وحتَّى بأنفُسِهم؛ لأَنَّ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ باللهِ فقَدْ كَفَر أوَّلَ مَا كَفَر بنَفْسِه؛ لأنهُ أنْكَرُ أنْ يكُونَ لَه خالقٌ. قوْله تَعالَى: ﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾: أعُوذُ باللهِ، المرَادُ بِالعذَابِ هُنَا العقوبَةُ، وجَعل العذابَ ظرْفًا لهم لأنَّهُ محِيطٌ بِهِمْ مِن كُلِّ جانِبٍ، كَما قَالَ الله تَعالَى: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]. وقوْله تَعالَى: ﴿مُحْضَرُونَ﴾ مِن الإحْضَارِ أحْضَرْتُه، بمَعْنى: جعَلْتُه يَحْضُر هَذا الشّيْءَ، فهَؤُلاءِ محُضرُونَ في العذابِ بدُونِ اخْتِيارِهِمْ، لَوْ رَجع الأمْرُ إِلَى أنْفُسِهم مَا حَضَرُوا، لكِنَّهم يُحْضَرونَ فِيه كَرْهًا. من فوائد الآيتين الكريمتين: الفائدة الأولى: إثْبَات القيَامَةِ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾. الفائدة الثانية: أنَّه في ذَلِك اليَومِ يتفَرَّقُ النّاسُ إِلَى فَريقَيْنِ: فَريقٌ في الجنَّةِ، وفَريقٌ في السّعِيرِ. الفائدة الثالثة: أنَّ الآباءَ مَع أوْلادِهِم والأمَّهاتِ مَع أوْلَادِهم إِذا كانَ أحَدُهم كافِرًا والثّاني مُؤْمِنًا يتَفرَّقونَ، ولَا يُمْكِنُ أنْ يُنْقِذَ أحَدٌ أحدًا في ذَلِك اليَوْمِ لِعُمُوم قوْله تَعالَى: ﴿يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ولم يَسْتَثْنِ الأوْلادَ مَع والدِيهم

стр. 77

أوْ بالعكْس فَفي ذَلِكَ اليَومِ لَا يُوجَدُ اجتِماعٌ إلا إِذا كَانُوا عَلَى الحقِّ، وَهَذا لا يَشْمَلُ المؤْمِنينَ؛ لأَنَّ المؤْمِنينَ تَفرُّقُهم إِلَى جِهَةٍ واحِدَةٍ، وَهذا قَال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فجَعلَهُم قِسْمَيْنِ: إمَّا في منَازِلهِم في الجنَّةِ، كُلٌّ في منْزِلَتِه لكِنْ في عَرُصاتِ القيَامَةِ يَكُونُ فَرِيقُ المؤْمِنينَ جَمِيعًا، وفَرِيقُ الكفَّارِ جَمِيعًا. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل كُلُّ إِنْسَانِ مستقِلٌّ بنفْسِه حتَّى ولَوْ كانَ مُؤْمِنًا؟ قُلْنَا: هَذا لَيْسَ بظَاهِرٍ؛ لأَنَّ قوْلَه : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وقولَه: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يقْتَضِي أنَّ المقْصُودَ تفرَّقُ الجِنْس ينْقَسِمُونَ مثْلَ مَا قَالَ الله تَعالَى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]. الفائدة الرابعة: إثْبَات الجزَاءِ، لقوْلِه تَعالَى: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾، وقوْلِه تَعالَى: ﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾. الفائِدتَانِ الخامِسَةُ والسّادِسَةُ: فضِيلَةُ الإِيمَان والعمَلِ الصّالح؛ حيْثُ كانَ جَزاؤُه مَا ذَكر والتّحْذِيرُ مِنَ الكفْر، حيْثُ كَان جَزاؤُه مَا ذَكر أيْضًا. الفائدة السابعة: أنَّ الإِيمَان والعمل يتَّفِقانِ إِذا افْتَرقَا ويَخْتلِفانِ إِذا اجتْمَعا، فعَلى هَذا يكُونُ كُلٌّ منْهُما بمَعْنَى الآخر عنْدَ الانْفِرادِ، ويخْتَلِفُ كلٌّ منْهُما عَنِ الآخر عنْدَ الاجْتِماعِ. الفائِدتَانِ الثّامِنةُ والتّاسِعةُ: أنَّ العمَل لا ينْفَعُ إلا إِذا كَان صَالحًا، لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وحيْثُ إِنَّنا فسَّرْنا الصّالح بأنَّه مَا اجْتَمع فِيه الإِخْلاص والمتابَعَةُ يُسْتَفادُ مِنْهُ أنَّ العمَل الَّذي فِيه الشّرْكُ لَا ينْفَعُ صاحِبَهُ، وَهَذا واضِحٌ، وِفي

стр. 78

الصّحيحِ مِن حَدِيثِ أَبي هُريْرَةَ ﵁ عَنِ النّبيِّ ﵊ أنَّ الله قَال: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي ترَكْتُه وَشِرْكَهُ" (١)، وهَل هَذا يشْمَلُ الشّركَ في الصّفَةِ، وفِي أصْل العمَلِ، أوْ نَقُولُ: إِذا كَانَ أصْلُ العمَلِ لَا شِرْكَ فِيه والصّفَةُ فِيها شِرْكٌ قُبِل أصْلُ العمَل دُونَ صِفَتِه، مثَلًا رجَلٌ أرَادَ أنْ يُصلِّي الرّاتِبةَ لكِنَّهُ أحَسنَها وأتْقَنَها واطمَأَنَّ فِيها رياءً، فإِنَّ هَذا لا ينْفَعُه، فَمَنْ ذَكَر الله: يُسَبِّحُ مرَّةً واحِدَةً، ولكنَّه من باب الرّياءِ يُسَبِّحُ ثلاثًا، فَتسبِيحُه الثّلاثُ لَا ينْفَعُه، لكِنْ لا نقُولُ أنَّه يحْبَطُ عَمَلُه، بَل يأْثَمُ عَلَى ذَلِك؛ لقوْلِه : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فالشرك مِن خصائِصه ولَوْ كانَ أصْغَر ألا يُغفَر إلا بتَوْبَةٍ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هَل يُفرَّقُ بيْنَ الاسْتمرارِ عَلَى الشرْك الأصْغَرِ وعَدمِ الاسْتمرارِ؟ قُلْنَا: لا يُفرَّق بَيْنَهُما، مَا دامَ أنَّه لَا يصِلُ إِلَى حدِّ الأكبْرَ فهُوَ أصْغَرُ، لكِنْ يُفَرَّقُ بيْنَهم مِن جِهَةِ الإصْرارِ علَيْه، فيَكُون أعْظَم مِن فِعْلِه من ثمَّ ترْكِه. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: الرّياءُ إِذا طرَأَ في أثْنَاءِ العبادَةِ، هلْ يَكُون مُبْطِلًا للعِبادَةِ؟ قُلْنَا: الرّياءُ إِذا طَرأَ في أثْناءِ العبادَةِ فإِنْ كافَحَه ودَافَعه مَا ضَرَّه، وإِنِ اسْتَرْسَل معَه واطمأَنَّ إِلَيْهِ فإِنَّهُ يضُرُّه، أمَّا هَل يكُونُ مُبْطِلًا للعِبادَةِ أوْ غيْرَ مُبْطِلٍ فإِنْ كانَتِ العبادَةُ تتَجَزَّأُ، كَما لَو أرَادَ أنْ يتَصدَّقَ بصَاعَيْنِ فأخْرَج صاعًا بدُونِ رِياءٍ، ثمَّ أخْرَج الثّانِي بِريَاءٍ فإِنَّ البطْلانَ يخْتَصُّ بِما حصَل بِه الرّياءُ فقَطْ، يعْني الأوَّلُ يكُونُ صحِيحًا، وَإِنْ كانَتِ العبادةُ لا تتجَزَّأُ - كَما في الصّلاةِ - فإِنَّ مِن أهْلِ العلْمِ مَن يَرى أنَّ الصّلاةَ

стр. 79

تبْطُل لأَنَّ الرّياءَ طَرَأَ عليْهَا وهِي لا تتَجَزَّأُ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَصِحَّ أوَّلهُا دُونَ آخِرِها ومنْهُم مَن يقُولُ: لَا تَبْطُل لأَنَّ أصْلَ هَذا العمَلِ خَالصٌ للهِ ، فَلا يُبْطِلُه الرّياءُ. الفائدة العاشرة: أنَّ الجنَّة روْضَةٌ لقوْلِه تَعالَى: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾، ويُرْوَى أنَّ إبْرَاهِيمَ ﵊ قَال لِلنَّبيِّ ﷺ ليْلَة عُرِج بِه: "أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السّلَامَ، وَأَخْبِرهُمْ أنَّ الجنّةَ قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَها: سُبْحَانَ الله، وَالحمْدُ لله، وَلَا إله إلا الله، وَاللهُ أَكْبَرُ" (١). الفائدة الحادية عشرة: أنَّ هَذِهِ الجنّةَ مملُوءَةٌ بالسّرورِ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾؛ لأَنَّ الحبورَ معْنَاه التّنَعُّمُ والسّرور الَّذي لا شيْءَ فوْقَهُ. الفائدة الثانية عشرة: أنَّ الكفْر أعَمُّ مِن التكذِيبِ؛ لأَنَّ العطْفَ يقْتَضِي المغايَرَةَ، كَفَرُوا وكَذَّبُوا لأَنَّ الكفْر ينْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: إمَّا جحْدٌ وإِمَّا اسْتِكْبَارٌ، وَهذا كَان أعَمَّ مِنَ التكْذِيبِ. الفائدة الثالثة عشرة: أنَّ الكتُبَ المنَزَّلَةَ مِن آياتِ الله، وسبَقَ قبْلَ قلِيلٍ وجْهُ كونِها مِنْ آيَاتِ الله؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. الفائدة الرابعة عشرة: إثْبَات البعْثِ، وأنَّ مُنْكِرَه كافِرٌ؛ لقوْ لِه تَعالَى: ﴿وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾، هَذا اللِّقاءُ العظِيمُ الَّذي يتَلاقَى فِيه كُلُّ المخْلُوقاتِ، ويُلاقُونَ الله تَعالَى. الفائدة الخامسة عشرة: أنَّ هَؤُلاءِ المكذِّبِينَ الكافِرينَ يُحْضَرونَ إِلَى العذَابِ قصْرًا وقهْرًا؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾، وهُوَ كقوْلِه تَعالَى:

стр. 80

﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] يعْنِي يُدْفَعُونَ بعُنْفٍ وشِدَّةٍ - والعياذُ باللهِ -، ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] ومعْلُومٌ أنَّهم لوْ رجَعَ الأمْرُ لاخْتِيارِهِم لَا يدْخُلونَ، لكنَّهم يُدْفَعُونَ بعُنْفٍ وشِدَّةٍ حتَّى يدْخُلُوها. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: مَا الصّحِيحُ فيمَنْ تُوفِّي قبْلَ البلُوغِ؟ قُلْنَا: الصّحِيحُ فيمَنْ تُوفِّي دُونَ البلوغِ ومَنْ لَمْ تبلُغْه الدّعوَةُ أيْضًا، إنْ كانَ مَن تُوفِّي قبْلَ البلوغ مِن أوْلادِ المؤْمِنينَ فهُو مؤْمِن مطلقا؛ تبعًا لأبوَيْه أوْ للمُؤْمِن منْهُما، ولَا يُشْهَدُ لهم بالجنَّةِ كَما لَا يُشْهَد لآبائِهم، لكِنْ يُشْهَد بالعُمُوم والجِنْس، فنَشْهَدُ لكلِّ مُؤمِنٍ بأنَّه في الجنَّةِ، وأَمَّا التعيينُ فيَحْتَاجُ إِلَى نَصٍّ، وأمَّا مَن تُوفِّي وهُو لَمْ يُميِّزْ، يعْنِي قبْلَ البلُوغِ، وهُو مِن الكفَّارِ فالمنَاطُ التّمْييزُ لَا البلوغُ، فإنَّ أصَحَّ الأقْوالِ فِيه أنَّه يُمْتَحَنُ يومَ القيامَةِ بِما يشَاءُ الله ، ثمَّ تَكونُ النّتيجَةُ إمَّا إِلَى الجنَّةِ وإِمَّا إِلَى النّارِ، والامْتِحانُ ورَد فِيه آثَارٌ: أحادِيثُ ضعيفَةٌ وآثَارٌ عنِ الصّحابَةِ. وقَدْ وَرَد حدِيثَانِ في أوْلادِ المشْرِكينَ، قَال ﷺ : "هُمْ مِنْهُمْ" (١)، وقال: "الله أعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ" (٢)، أما قولُه: "هُمْ مِنْهُمْ" فالمرادُ بِه أحكامُ الدّنْيا، فوَلَدُ المشْرِكِ الَّذي أبواهُ كافِرَانِ يُحْكَمُ بأنه كافِرٌ فَلا يُغَسَّلُ، ولَا يُكَفَّنُ، ولَا يُصَلَّى علَيْهِ، ولَا يُدْفَنُ مِع المسْلِمينَ، ولكِنْ في الآخرةِ يكونُ الجوَابُ الثّاني، حِينَ قالَ الرّسولُ ﷺ لِعَائِشَةَ: "الله أعْلَمُ بِما كَانُوا عَامِلِينَ".

стр. 81

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: لو امتُحِنَ لآمَنَ؛ لأَنَّ الله هُو الممْتَحِنُ، وكُلُّ شَيْءٍ مِن أهْوالِ القيَامَةِ أمَامَه؟ فالجوابُ: أنَّ الله يقُولُ: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] , فالآيات التي جاءَتْ بِها الرّسلُ واضِحَةٌ، ومَعَ ذَلِك كفَرُوا وأيْضًا قدْ لَا يُمْتَحن بأنْ يُقالَ لَهُ: هَل تُصدِّقُ بِهَذا اليْومِ أوْ لَا؟ وقَدْ يُمْتَحَن في أُمورٍ أُخْرَى؛ وَهذا قُلنَا: الله أعْلَمُ فِيما يمتَحِنُه بِه، قَدْ يمتَحِنُه بأمْرٍ يُمْكِنُ أنْ يَقع فِيه اشْتِبَاهٌ. * * *

стр. 82

الآيتان (١٧، ١٨) * قَالَ اللهُ : ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧، ١٨]. * * * قال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ أَيْ سَبِّحُوا الله بِمَعْنَى صَلُّوا ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ أَيْ تَدْخُلُونَ في المسَاء وَفِيهِ صَلَاتَانِ المغْرِب وَالعشَاء ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ تَدْخُلُونَ في الصّبَاح وَفِيهِ صَلَاة الصّبْح، ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ اعْتِرَاض وَمَعْنَاهُ يَحْمَدهُ أَهْلهمَا ﴿وَعَشِيًّا﴾ عَطْف عَلَى حِين وَفِيهِ صَلَاة العصر ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ تَدْخُلُونَ في الظّهِيرَة وَفِيهِ صَلَاة الظّهْر] اهـ. قوله ﵀: [﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ أيْ سَبِّحُوا الله] , (سبحان) منصُوبَةٌ عَلَى المفْعُوليَّةِ المطْلَقَةِ، وعامِلُها محذُوفٌ، والمُفَسِّر ﵀ جَعلَ المفْعُولَ المطْلَق بمَعْنى فِعل الأمْر، لَا عَلَى أنَّ عامِلَه محذُوفٌ بَلْ جعَلَه نائبًا عَن فِعلِه. وتَسْبِيحُ الله معْنَاه تنْزِيههُ عمَّا لا يَلِيقُ بِه، والتّنزيهُ يتضمَّنُ أمْرَيْن: أحدُهما: تَنزيهُ الله عَنْ كُلِّ نَقْصٍ في صِفات كمَاله. وثَانِيهما: تَنْزيهُ الله عَنْ مُشابَهَةِ المخْلُوقِين. أمَّا الأوَّلُ: فإِنَّنا نَرى كَثيرًا مَا يَذْكُر الله أنَّه لا يَتْعَبُ ولَا يظْلِمُ ولَا يَغْفُل ومَا أشْبَه ذَلِك، لِكمَالِ صِفاتِه.

стр. 83

وأمَّا مشابَهةُ المخلُوقِين: فقَدْ قَال الله تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وتَنْزيهُ الله عَنْ مُشابَهَةِ المخْلُوقِينَ هُو في الحقِيقَةِ تنْزِيهٌ لهُ عَنِ النّقْص؛ لأَنَّ المخلُوقَ ناقِصٌ، وتشْبِيهُ الكامِل بالنّاقِص يجْعَلُه ناقِصًا، بِل إنَّ المقَارنَةَ بينَهما تحُطُّ مِن رُتبة الكامِل، كَما قِيلَ: ألم تَرَ أنَّ السّيْفَ يَنْقُصُ قَدْرُهُ ... إِذَا قِيلَ إِنَّ السّيْفَ أَمْضَى مِنَ العصَا قوُله ﵀: [سبحوا الله بمعنى صلوا]: أفادَنا المُفَسِّر بهذَا أنَّ المرادَ بتَسْبِيحِ الله تَعالَى هنَا تَسبِيح خاصٌّ وهُوَ الصّلاة، فلَمْ يجْعل التّسبيحَ عامًّا يشْمَلُ الصّلاةَ وغيْرَها, لتَقْييدِه بهَذِه الأوقاتِ، فإِنَّ تقْييدَه بهَذِه الأوْقَاتِ يدُلُّ عَلَى أنَّ المرَادَ الصّلاةُ وأُطْلِق عَلَى الصّلاةِ تَسْبِيح لأَنَّ التّسبِيحَ مِن واجِباتِها كَما قَال الله تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [الواقعة: ٧٤] قَالَ النّبيُّ ﷺ : "اجْعَلُوها في رُكوعِكُمْ"، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١] قَالَ: "اجْعَلُوهَا في سُجُودِكمْ" (١)، وعَلى هَذا فتكُونُ الصّلاةُ هِي المرَادُ بالتّسبِيحِ، وَيدُلُّ عَلَى التّخِصيصِ تقْييدُها بأوْقَاتِ الصّلاةِ، وأيضا التّسبيحُ المطْلَقُ خصّهُ الله بوَقْتَيْنِ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] , وَلمَّا جعَل هَذا خمْسَةَ أوْقَاتٍ عُلِم مِنْ قَرينَةِ التّقْسِيمِ في الوَقْتِ أنَّ المرادَ بِذَلِكَ الصّلواتُ الخمْسُ. قوْله تَعالَى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ مبْتَدأٌ وخَبرٌ, والخبَرُ مُقدَّمٌ لإِفادَةِ الحصْرِ، فَلَهُ وحْدَه الحمْدُ، وحَمْدُ الله تَعالَى يختَصُّ بأنَّه حمْدٌ يستَحِقُّه المحمودُ؛ وَلهذا نقُولُ: إِنَّ (اللامَ)

стр. 84

هُنا للاستِحْقاقِ والاخْتِصَاصِ، وقولُه (أَل) في (الحمْد) للعُمُوم، يعْنِي جميعُ المحامِدِ لله في السّمَوَاتِ وَالأرْضِ، وهُو محْمُودٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَكانَ النّبيّ ﷺ إِذا أصَابَه ما يَسرُّه قَال: "الحمْدُ للهِ الَّذي بِنِعْمَتِهِ تَتِمّ الصّالحاتُ"، وَإِذا كَان الأمْرُ عَلَى خِلافِ ذَلِك قَالَ: "الحمْدُ للهِ عَلَى كُلّ حَالٍ" (١)، وأمَّا مَا يقُولُه بعْضُ العامَّةِ: (الحمد لله الَّذي لا يُحمَدُ عَلَى مكروهٍ سواه) فهَذا وِإن كانَ حقًّا لكِنَّهُ لا ينْبَغِي التّعبِيرُ بِهَذا الشّيْءِ؛ لأَنَ فِيه شيئًا مِن العتب عَلَى الله في قولهِ: (الَّذي لا يُحْمَد عَلَى مكروه سواه)، وإِنَّما يُقالُ كَما قالَ النّبيّ ﵊: "الحمْدُ للهِ عَلَى كُلَ حَالٍ". قوْلُه ﵀: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ اعْتِرَاضٌ، ومَعْنَاهُ يَحْمَدُهُ أهْلُهُمَا): لا شَكَّ أنَّه داخِلٌ في الآية، وأنَّ قوْله تَعالَى: ﴿وَلَهُ الْحَمْد﴾ يَعْني أنَّه يُحْمَدُ، ولكِنْ ينْبَغِي أنْ يُقالَ بَما هُو أعَمُّ، أيْ أنَّ مَا خَلَقَهُ في السّموِاتِ والأرْضِ فإِنَّهُ مُستَحِقّ لِلْحَمْدِ علَيْه، سواء حُمِدَ أمْ لم يُحْمَدْ، فكُلُّ مَا في السّموَات وَالأرْضِ فإِنَّهُ شيْءٌ يُحمَدُ الله علَيْه، أمَّا في أمُورِ الخيِر فظَاهِرٌ، وأمَّا في أُمُورِ الشّرِّ فيَظْهَرُ ذَلِك؛ لأَنَّ الشّرَّ بالنّسبةِ لفِعْلِ الله وإيجَادِه لَه ليْسَ بِشَرٍّ، بَل قالَ النّبيُّ ﵊: "وَالشّرّ لَيْسَ إِلَيْكَ" (٢)، فلا يُنْسَب إِلَيْهِ الشّرُّ. مثَالُ ذَلِكَ: الجدْبُ والمرضُ والفقْرُ والجهْلُ والاقْتِتالُ بينَ النّاسِ والخسوفاتُ في الأرْضِ، هَذِهِ كلُّها بالنّسبَةِ لِلإِنْسَانِ شَرٌّ، لكِنَّها بالنّسبَةِ لقَضاءِ الله خيْرٌ لأَنَّ الله ما قَضاهَا إلا لحِكْمَةٍ، وحِينَئِذٍ يكونُ محْمُودًا علَيْها، والشّر في المقْضِيِّ لا في القضاءِ؛

стр. 85

وَهذا في حَدِيث الحسَنِ بْنِ عَليٍّ قَال: "وَقِني شَرَّ مَا قَضَيْتَ" (١)، أيْ شَرَّ الَّذي قضَيْتَ، فأَضافَ الشّرَّ إِلَى المقْضيِّ لَا إِلَى القضاءِ. واعْلَم أيْضا أنَّ المقْضِيَّ نفسَه ليْسَ شَرًّا محْضًا، بَل هُو شَرٌّ مِنْ وَجْهٍ، خَيْرٌ مِنْ وجْهٍ آخَر، أوْ شَرّ في محَلٍّ، خير في محل آخَر، مثَلا الفسادُ في البرِ والبحْرِ شَرّ، لكِنَّهُ خير مِن جِهَة عاقِبَتِه، لأَنَّ الله قالَ: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]. إِذَنْ: هَذا خَيْرٌ، كَذَلِكَ أيْضا قدْ يَكُون شَرًّا في مكَانٍ لكِنَّهُ خيْر في مَكَانٍ آخَر، فإهْلَاكُ الأمَم السّابِقينَ بذُنُوبِهم شَر بالنّسْبةِ لهمْ، فقدْ أُهْلكوا ولم يَرْجِعُوا ولَم يَسْتَفِيدُوا، لكِنْ بالنّسْبَةِ لغَيْرِهم ممَّن يَعْتَبِرُ بحالهم خيْر، فيَكُونُ هَذا شرًّا في محَلِّه خيرًا في محَل آخَر. والمُهِمُّ: أنَّ قضَاء الله نفسَه ليْسَ فِيه شَرٌّ أبدًا، بَل هُو خَيْرٌ، وَهذا قالَ: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ في جَمِيعِ الأحْوَالِ، المقْضِيُّ يَكُون فِيه الشّرُّ، ومَع ذَلِك فإنَّنا نَقُولُ أيْ مَع إثْبَاتنا أنَّ الشّرَّ في المفْعُولاتِ لَا في الفعْل، نَقُول أيْضًا إِنَّ هَذا الشّرَّ في المفْعُولاتِ ليْسَ شرًّا محْضًا لَا خَيْرَ فِيه، بَلْ قَدْ يَكُونُ شرًّا مِن وَجْهٍ وخيرًا مِنْ وَجْهٍ في نفْسِ المحَلِّ، كقوْلِه تَعالَى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١] وقدْ يَكُون أكثرًّا في محَلِّه خيرًا في محَل آخَر.

стр. 86

وقوْلُه : ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خصَّهُما بِالذّكْر لأنَّهُما محَلُّ نُفوذِ فعْلِه، فإِنَّ الَّذي في السّموَات وَالأرْض مِن الملائِكَةِ والبشر والجنِّ وغيرِها كلُّها تَحْمَدُ الله، وكلُّها محَلُّ حمْدِه. فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: هلِ الكافِرُ يحَمَدُ الله؟ فالجوابُ: بِلِسانِ المقَالِ لَا، أمّا بِلسَانِ الحالِ فنَعم، بمَعْنى أنَّ حاله تسْتَوْجِبُ لمَنْ تأمَّلَها أنْ يَحْمَدَ الله، هَذا معْنَى قوْلهِم: إِنَّ هَذا يحْمَدُ بلِسَانِ الحالِ، أوْ يُسَبِّحُ بِلسانِ الحالِ، يَعْنِي أنَّ حاله مَن تأمَّلَها عرَفَ بِها مَا يسْتَحِقُّه الله تَعالَى مِنَ الحمْدِ والتّنْزِيه. وقوْله تَعالَى: ﴿وَعَشِيًّا﴾: معْطوفٌ عَلَى قوْلِه تَعالَى: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾، يعْنِي وسَبِّحُوا الله عَشِيًّا، والعشِيُّ مِنَ الزّوالِ إِلَى غُروبِ الشّمْسِ، وَفي حدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ في المسِيءِ في صَلاتِه قَالَ: "صَلَّى بِنَا رَسُولُ الله ﷺ إِحْدَىَ صَلَاتَي العشِيِّ" (١). قوْله تَعالَى: ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: معْطوفٌ عَلَى قوْلِه تَعالَى: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾، والقاعِدَةُ في المعطُوفاتِ أنْ يكُونَ العطْفُ عَلَى أوَّلِ واحِدٍ لأنهُ هُو المحَلُّ الَّذي وَقع علَيْه عمَلُ العامِلِ، فيَكُونُ العطْفُ عَلَى الأوَّلِ، فإِذا قُلْتَ: (قامَ زيْدٌ وبَكْرٌ وعمْرٌو) فإِن عمرًا معْطُوفٌ عَلَى زيدٍ، فهَذِهِ الأوْقاتُ الخمْسَةُ هِي أبْسَطُ مَا ذكَرهُ الله تَعالَى في القرآنِ مِن أوْقَاتِ الصّلَواتِ وذَكَرها مُجْمَلَةً في قوْلِه تَعالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] , ففِي هَذِهِ الآية ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾، يَعْنِي وقْتَ دُلُوكِ الشّمْسِ؛ لأَنَّ (اللامَ) للتَّوْقِيتِ مثْلَ ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أيْ وقْتَ اسْتِقبَالِ عِدَّتِهِنَّ، فَـ ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ لِزَوالها

стр. 87

﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾، أي نصْفِه، وهُو شِدَّةُ ظلْمَتِه، وَذَلِكَ عنْدَ انتِصافِه؛ لأَنَّ أشدَّ ما يَكُون اللَّيلُ ظلْمَةً إِذا انْتصفَ، لأَنَّ نصفَ اللَّيْل هُو أبْعَدُ مَا تكُون الشّمْسُ عَن سطْحِ الأرْضِ، ويدْخُل في هَذا - مِن زَوالِ الشّمْسِ إِلَى نصْفِ اللَّيلِ - أرْبَعُ صلَواتٍ: الظّهرُ والعصْرُ والمغْرِبُ والعشاءُ ثمَّ قالَ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ فَفَصَلَه والمرَادُ بِه صلاةُ الصّبحِ، وفَصْلُه عمَّا قبْلَه يدُلُّ عَلَى أنَّ وقْتَ العشاءِ ينتهي بنِصْفِ اللَّيْلِ، وَهَذا هُو الَّذي دلَّتْ علَيْهِ السّنّة أيْضًا، ومَنْ قَال أنَّه ينتهِي بِطُلوعِ الفجْر فلَا دَلِيلَ لَه، وهَذِه المسألَةُ ينْبَنِي علَيْها مَا لو طَهُرت المرْأَةُ في نصْفِ اللَّيلِ الثّاني هَلْ يلْزَمُها صلَاةُ العشَاءِ؟ فعَلى قَوْل مَن يقُولُ إِنَّ وقْتَ العشَاءِ يمتَدُّ إِلَى طُلوعِ الفجْر يلْزَمُها العشَاءُ، وَكَذلِكَ المغْرِبُ أيْضًا، وعَلى القوْل الرّاجِح لا تلْزَمُها صَلاةُ العشَاءِ لأَنَّ صلاةَ العشَاءِ إِلَى مُنتصَفِ اللَّيلِ. من فوائد الآيتين الكريمتين: الفائدة الأولى: رحْمَةُ الله تَعالَى بعِبَادِه؛ حيْثُ علَّمَهُم مَا فِيه مصْلَحَتُهم. الفائدة الثانية: أنَّ الصّلاةَ تسْبِيحٌ وتنْزِيهٌ للهِ؛ لأَنَّ الله أطْلَقَ علَيْها اسْمَ التّسْبيحِ. الفائدة الثالثة: وُجوبُ التّسبيحِ في الصّلاةِ؛ لأنَّ القاعِدة أنَّه إِذا أُطْلِق عَلَى العبادَةِ جُزْءٌ منْهَا دَلَّ ذَلِك عَلَى أنَّ هَذا الجزْء مِن وَاجِباتِها، وأَنَّه لا بُدَّ منْهُ فِيها. الفائدة الرابعة: بَيان الأوْقَاتِ الخمْسَةِ مفصَّلَةً؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾. الفائِدَتانِ الخامِسَةُ والسّادِسَةُ: أنَّ المسَاء يُطلَقُ عَلَى أوَّلِ اللَّيلِ، فإنَّ قوْله تَعالَى: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ يدْخُل فِيه المغْرِبُ والعشَاءُ، وقَدْ يُؤْخَذُ مِن هَذا جَوازُ رَمْيِ الجمَراتِ

стр. 88

ليْلًا؛ لأَنَّ رجُلًا قَال: يَا رسُولَ الله! رَمَيْتُ بعْدَ مَا أمْسَيْتُ؟ فقَالَ: "لَا حَرَجَ" (١)، فإِذا كَان المسَاءُ يُطْلقُ عَلَى أوَّلِ اللَّيْل، وأطْلَق النّبيُّ ﷺ نَفْيَ الحرَجِ، عُلِمَ أنَّه جَائِزٌ. الفائدة السابعة: حِكْمَةُ الله في تَوْزِيع الصّلوَاتِ عَلَى هَذِهِ الأوْقَاتِ، ووَجْهُ الحكْمَةِ أمْرَانِ: الأمْرُ الأوَّلُ: أنَّها لَو جُمِعَت في وقْتٍ واحِدٍ لخلَتْ بقيَّةُ الأوْقَاتِ عَن الاتِّصال باللهِ ، يعْني لَو جَعَل الإنسان يُصلي في الفجْرِ كُلَّ الصّلواتِ الخمْسِ جميعًا فسَيَبْقى بقيَّةَ النّهارِ واللَّيْل بِلا صَلواتٍ مفْروضَةٍ. الأمْرُ الثّانِي: أنَّه لو جُعِلت هَذه في وقْتٍ واحدٍ لكَان في ذَلِك نَوعٌ مِن المشَقَّةِ، يعْنِي يُوجِبُ عَلَى الإنسان أنْ يُصَلِّي سبع عشَرْةَ ركْعَةً في آنٍ واحِدٍ، فَهَذا فِيه مشقَةٌ عَلَى الأقْوِياءِ الأصحَّاءِ، فكَيْف بِالضّعفَاءِ والمرْضَى؟ ! الفائدة الثامنة: كَمالُ الله ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. الفائدة التاسعة: أنَّه وحْدَه المستَحِقُّ لأَنْ يُحمَد عَلَى وَجْهِ الإطْلاقِ؛ نأْخُذه مِن تقْدِيم الخبَرِ في ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ﴾. الفائدة العاشرة: أنَّ كُلَّ ما يحْدُث في السّموَات وَالأرْضِ مِن خيْرٍ أوْ شَرٍّ فإنَّ الله تَعالَى يستَحِقُّ علَيْه الحمْدَ؛ تُؤْخَذُ مِن الإطْلاقِ في قوْله تَعالَى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ﴾، ولم يَقُلْ: عَلَى الخيْر أوْ عَلَى مَا يَنْفَعُ، بَلْ أطْلَق، فيُسْتفادُ مِنْه أنَّ الله تَعالَى محمُودٌ عَلَى كُلَ حَالٍ.

стр. 89

الآية (١٩) * قَالَ اللهُ : ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩]. * * * قال المفسر ﵀: [﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ كالإنسانِ مِنَ النُّطفَةِ، والطّيرِ مِن البَيْضةِ]: أما البيضَةُ فليس عنْدِي فيها عِلْمٌ فلا نَقْدِرُ أن ننْفِي إنْ كانَ فِيها حياة في بعْضِ الأجْزاءِ التي يتكون منْهَا الطّائِرُ أم لا، والنّطفَةُ باعْتبارِ مَا يظْهَرُ لنا ميتّةَ، وَكَذلِكَ البَيْضةُ، لكِنْ في الواقِع إِنَّ النّطفَة ليْسَتْ ميتّةً، فلقَدْ سُئِل النّبيّ ﷺ عَن العَزْل فقَالَ: "هُوَ الوَأْدُ الخَفِيُّ" (١)، فجَعَله وأدًا، والوَأْدُ لا يكُونُ إِلَّا لحيٍّ، فالحيَوانَاتُ المنوِيَّةُ حيَّةٌ، لكِنَّها لَا تُرى، وهَذهِ النّطْفَةُ البَسيطَةُ التي ليْسَتْ بشَيْءٍ يقُولونَ - والله أعلمُ إنْ كانَ هذَا مبالغةً أو لا - فِيها حواَلي خمْسَةِ مَلايِينَ أوْ أكْثَر مِن الحيَوانَاتِ المنَوِيَّةِ، وهِي التي تُرى بَسِيطَةً. إِذَنْ: فبِاعْتِبارِ مَا يُرى وَيظْهَر أن النُّطفةَ ميَتّةَ جَمادٌ، لكِنْ باعتِبارِ الحقِيقَةِ ليْسَتْ كَذلِكَ، وإخْراجُ الميِّتِ مِن الحيِّ ليْسَ مشْكِلَةً، لكِنَّ المشْكِلَةَ إخْرَاجُ الحيِّ مِن الميِّت. وقوْله تَعالَى: ﴿الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾، هَل المُرادُ الحياةُ الحسيِّة أوِ المعنَوِيَّة؟ والحقِيقَةُ أنَّ المُرادَ الأمْرانِ، فإنَّ الكافر ميِّتٌ معنًى، ويخْرُج منْه المسْلِمُ

стр. 90

أوِ بالعَكْسِ، قَال الله تَعَالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، يعْنِي أنَّ هَؤُلاءِ الكفَّارَ بمنْزِلةِ الأمْواتِ، والمُؤمِنُ حيٌّ ولا سيِّما العالم، قالَ الله تَعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢] , وسمَّى الله القرآنَ رُوحًا فدَلَّ هَذا عَلَى أنَّ مَن عَمِل بِه فهُوَ حَي فالآية أعمُّ مما قاله المُفَسِّر، وَإِن كَان سياقُها يقْتَضِي أنَّ المرادَ بِها بالأَوْلى الحياةُ الحسِّيَّةُ. قوْله تَعالَى: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: بِما أنْزَل الله علَيْها مِن المَطَرِ، ولَا أحَدَ يسْتَطِيعُ أنْ يفْعَل ذَلِك إِلَّا الله ، هَذِهِ الأرْضُ الهامِدَةُ اليَابسَةُ التي ليْس فِيها خُضْرَةٌ يُنزِلُ الله عليْها الماءَ فتُصْبح الأرْضُ مخضَرَّةً بأمْرِ الله تَعَالى، ولَوِ اجْتَمعَ الخلائِقُ كلُّهُم عَلَى أنْ يفْعَلُوا ذَلِك لمَا استْطَاعُوا, ولَنْ يُخْرِجُوا ولَا أدْنى حشِيشَةٍ مِن هَذهِ الحشائِشِ، ولكِنَّ الله تَعالَى بقُدْرَته يفْعَلُ ذَلِكَ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: بعْضُ الحشراتِ تتوَلَّدُ وتَخْرُجُ مِنْ طَعامٍ أوْ غيرِه، ونُوَاةُ التَّمر يخْرُج منْهَا نبَاتٌ؟ قُلْنَا: هَذِهِ حياةٌ بِلا إِدْراكٍ، والمتَوَلِّدُ واضِحٌ أيضًا أنَّه حَيٌّ مِن ميِّتٍ؛ لأَنَّ المتَولِّد يخْرُج مِن العفونات والقاذورات وهو حيٌّ يتحرك. قوْله تَعالَى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾: الكافُ اسْم بمَعْنى مثْل، يعْنِي ومثْلُ ذَلِك الإخراج تخْرُجونَ، فتكونُ مفعُولًا مطْلَقًا، ويجوزُ أنْ تكُونَ هُنا حرْفَ جَرٍّ، و (إذَا) اسْمُ إِشارَةٍ مبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في محَلِّ جرٍّ، يعْنِي وكَهذا الإخراجِ تخْرُجونَ، ولَا تكُونُ مفعولًا مُطْلَقًا. وقوْلهُ ﵀: [تَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ]: ظاهِرُ الآيات الكَريمَاتِ أنَّ خُروجَ النّاسِ مِنَ القُبورِ يُشْبِهُ خُروجَ النّباتِ مِنَ الأرْضِ، وخُروجُ النّباتِ مِنَ الأرْضِ

стр. 91

يكُون بِنُزولِ المَطرِ علَيْها، فيَكُونُ في هَذِهِ الآية إشَارَةٌ إِلَى مَا ورَد في الحديثِ مِنْ أنَّ الله تَعالَى يُمْطِرُ عَلَى القُبورِ مَطرًا غَلِيظًا كَمَنِيِّ الرّجالِ أرْبَعِينَ يوْمَا تنْبتُ مِنْهُ الأجسادُ في القُبورِ (١)، ثمَّ بعْدَ ذَلِك تخْرُج إِذا نُفِخ في الصّور، وَهَذا ورَدَتْ بِه أحادِيث في إسْنَادِها مقَالٌ، لكِنَّ مجمُوعَها يقْضِي بأنّها أحادِيثُ حسَنَةٌ، وظَاهِرُ القرآنِ أيضًا يُشيرُ إلَيه. وقوْلهُ ﵀: [بالبِنَاءِ للْفَاعِل والمْفُعولِ]: البَناءُ للفاعل "تَخْرجُون"، وللمَفْعول "تُخْرجَوُن"، قراءَتَانِ سبْعِيَّتانِ (٢)، لأَنَّ مِن عادَةِ المُفَسِّر ﵀ أنَّه إِذا إلى بقِرَاءَةِ شاذَّةِ يقولُ: (وَقُرِئ). من فوائد الآية الكريمة: : الفائدة الأولى: بَيانُ قُدْرَةِ الله ؛ حيْثُ يُخرِجُ الحيَّ مِن الميَتِ وبالعَكْس، وَهَذا مِن تمَامِ القُدْرَة أنَّه يُخرِج الشّيْءَ مِن ضِدِّه. الفائدة الثانية: قُدْرَتُه عَلَى إحْيَاءِ الأرْض مِنْ بعْدِ موتها؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. الفائدة الثالثة: ثُبوتُ قِيامِ الأفْعَالِ الاخْتِيارَّية باللهِ ، وَالأفْعالُ الاخْتِيارِّيةُ هِي التي يفْعَلُها بمشِيئَتِه، إِنْ شَاء فَعَلَ وإِنْ شاءَ لَمْ يفْعَلْ؛ تُؤخَذُ مِنْ قَوْلِهِ تَعالَى:

стр. 92

﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾، وقوْلِه تَعالَى: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ والبَعْدِيَّةُ تقْتَضِي حُدوثَ هَذَا الشّيْءِ، وقِيامُ الأفْعَالِ الاخْتِيارَّيةِ باللهِ هُو الَّذي علَيْهِ أهْلُ السّنَّةِ والجمَاعةِ قاطِبَةً، ولَا أحَدَ منْهُمْ أنْكَر ذَلِك، فيُثْبِتُونَ الاسْتِواءَ عَلَى العرْشِ فعْلًا لله، والنزولَ إِلَى السَّماءِ الدّنْيا فعْلًا لله، والمَجِيءَ للفَصْل بيْنَ العِبادِ فعْلًا لله، والعجَبَ فعْلًا لله، والضَّحِكَ فعْلًا لله، والخلْقُ فِعْلًا لله، وَيقُولونَ إِنَّ الله تَعالَى يفْعَلُ مَا يشَاءُ، كيْفَ شَاءَ، متَى شَاءَ. ولكِنَّ أهْلَ البدَعِ مِن المُعْتزِلة والأشعَرِيَّة وغيرِهم يُنْكِرُون قِيامَ الأفْعالِ الاخْتِيارِّيةِ بِه، وَيقُولونَ لَو قامَتْ بِه الحوادِثُ لكَان حادِثًا، واللهُ تَعالَى لَمْ وَلا يَزالُ، فنَقُولُ: هَذا قولٌ بَاطِلٌ؛ أوَّلًا لأنهُ قِياسٌ في مُقابَلَةِ النّصِّ، فإِنَّ النُّصوصَ متكاثِرَةٌ في إثْبَات الأفعالِ الاخْتِيارِّية للهِ التي تتعَلَّقُ بمشِيئَتِه، وثَانِيًا قوْلُكُم إِنَّ الحوادِثَ لَا تَقُوم إِلا بحَادِثٍ ليْسَ بِصَحِيحٍ فإِنَّ الحوادِثَ لَا تَقُومُ إِلَّا بِكامِلٍ قَادِرٍ عَلَى مَا يَشَاءُ، أمَّا كوْنُها لَا تقُومُ إِلا بحَادِثٍ فَما هُو العَقْلُ الَّذي يُوجِبُ هَذا. الفائدة الرابعة: قِياسُ الغِائِبِ عَلَى الشّاهِدِ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، فإِنَّ قِياسَ الغائِب عَلَى الشّاهِد لَيَحْمِلُ عَلَى الإقرار بِه طريقَةً مُتبعَةً. الفائدة الخامسة: إثْبَاتُ البَعْثِ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾. الفائدة السادسة: إثْبَاتُ القِياسِ مِنْ قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، وإثْبَاتُ القِياسِ لَه أدِلَّةٌ كثِيرَةٌ في القُرآنِ منْهَا عَلَى سَبِيل التّعْمِيم والحدِّ كُلُّ مَثَلٍ ضَربَه الله في القُرْآنِ فَهُو وإلى عَلَى ثبُوتِ القِيَاسِ، ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٢٤] و ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧] ومَا أشْبَه ذَلِك، فإِنَّ الأمْثَالَ ضَرْبُها تشْبِيهُ حالٍ بحالٍ، أوْ فَرْدٍ بِفَرْدٍ، فتكُونُ دالَّةً عَلَى ثُبُوتِ القِياسِ، وَكَذلِكَ القَصَصُ التي قَال الله

стр. 93

تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١] , وفي السُّنَّة أيْضا كثِيرٌ مِن ذَلِك، مثْلَ قوْلِه ﷺ : "هَلْ لَكَ مِنْ إِبلٍ؟ " قال: نعم، قال: "فما لَوْنُه" قال: حمر (١)، الحديثَ، وقوْلُه: "أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أمِّكِ دَيْن أَكُنْتِ قَاضِيتَهُ" (٢). وَكَذلِكَ العَقْلُ يقْتَضِي ثُبوتَ القِيَاسِ، فإِنَّ العَقْلَ السّلِيمَ الصَّرِيحَ لَا يُمْكِنُ أنْ يُفَرِّقَ بيْنَ مُتماثِلَيْنِ أبدًا، ودَائِمًا حتَّى الصّبيُّ إِذا منَعْتَه مِن شَيْءٍ وأبحْتَ لَهُ نَظِيرَه، قَال: لماذا؟ ألَيْسَ هَذا مثْلَ هَذَا؟ ! فهَذا مما تشْهَدُ العُقولُ وَالنّصوصُ والفِطَرُ بثُبوتِه، لكنَّ القِياسَ الباطِلَ الَّذي يتوَسَّعُ فِيه بعضُ النّاسِ حتَّى يُعطِّلُوا دِلالَةَ الكِتَابِ والسُّنَّةِ لا شَكَّ أنَّه بَاطِل، أمَّا القِيَاسُ الصَّحِيحُ فإِنَّهُ لَا ريبَ في ثُبوتِهِ، والَّذِين أنكَرُوا القِيَاسَ هُمْ في الحقِيقَةِ مُضطَّرِبُونَ، فأحْيَانًا يقُولُونَ بالقِياسِ مِن حيْثُ لا يَشْعُرونَ وَلا يُمْكِنُهم إِلَّا أنْ يقيسُوا لأَنَّنا لَو أرَدْنا أنْ نَحْصرَ دَلالةَ الكِتابِ والسُّنَّةِ عَلَى الأحْكامِ عَلَى سَبِيلِ العُمُوم والقَواعِدِ والضَّوابِطِ فهِي وَافِيةٌ، لكِنَّ الأفْرادَ والجزْئِيَّاتِ لَا مُنتهى لَها وَلا حصْرَ لَها، وهُمْ لا بُدَّ أنْ يُضطَّرُوا إِلَى إثْبَاتِ ذَلِك. يدخلُ في العُمُومِ مِن حيْثُ الشُّمولُ اللَّفْظِي إِنْ كَان داخِلًا في اللَّفْظِ أحْيانًا لَا يدْخُلُ في اللَّفْظ لكِنْ يشْمَلُه العُمُومُ المعنَوِيُّ وهُوَ القِياسُ؛ لأَنَّ العُمُومَ المعْنَوِيَّ هُو القِيَاسُ.

стр. 94

الآية (٢٠) * قَالَ اللهُ : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾ [الروم: ٢٠]. * * * قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ تَعَالَى الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَته ﴿أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ أَيْ أَصلكُمْ آدَمُ، ﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ﴾ مِنْ دَمٍ وَلحمٍ ﴿تَنْتَشِرُونَ﴾ في الأَرْضِ] اهـ. قوْله تَعالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾: (من) للتَّبْعِيضِ، يعْنِي بعْضُ آياتِه، و (مِنَ) التّبْعِيضِيَّةِ قالَ العلَماءُ: هِي التي يصِحُّ أنْ محلَّ محَلَّها بعْضُ، وَ (آيَاتِه) جمْعُ آيَةٍ، وهِي العَلامَةُ، أي العَلامَةُ البَيِّنةُ الواضِحَةُ الدّالَّةُ عَلَى مَا تخْتَصُّ بِه مِنْ صِفاتِ الله حسَبَ مَا سِيقَتْ لَهُ، وكُلُّ شيءٍ مِن آياتِ الله فإِنَّه يدُلُّ عَلَى كَثيرٍ مِن صِفَاتِ الله تَعالَى دلالَةً مطَابِقَةً باعْتِبَارِ مَا ذَكَر فِيها أوْ مَا ذَكَر مِنْ هَذِهِ الآيات، ودَلالَةُ التِزامٍ بِما يلْزَمُ مِنْ وُجودِ هَذِهِ الصِّفَةِ، مَثلًا قوْلُه تَعالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾، فخَلْقُنا مِن تُرابٍ إِلَى أنْ نكونَ بَشرًا، هَذا مِن الآيات إِذْ إنَّ قلْبَ الجمادِ إِلَى حَيَوانٍ لَا شَكَّ أنه مِنَ الآيات، ولكِنَّ كوْنَهُ دالًّا مثَلًا عَلَى القُدْرَة والعِلْم والحكْمَةِ ومَا أشْبَه ذَلِك، هَذه دلَالَةُ التِزامٍ، ودلالة الالتِزام مِن أفْيَدِ مَا يَكُون لِطالب العِلْم إِذا وُفِّق للْفَهْم الصَّحيحِ فِيما يَلْزَمُ مِن كَلامٍ.

стр. 95

فَإنْ قَالَ قَائِلٌ: كيْفَ تكون الأشْيَاءُ عَلامَةً عَلَى الله وهُوَ أبْيَنُ وأظْهَرُ؛ لأَنَّ معرِفَتَهُ مرْكُوزَةٌ في الفِطَر والعُقولِ؟ فالجوابُ: أوَّلًا: أنَّ بعْضَ الفِطَرِ قَدْ يَعْتَريها مَا يصْرِفُها عَن الصِّراطِ المُسْتَقِيم فتَحْتَاجُ إِلَى دَعْمٍ لِبَيانِ الآيات. ثانيًا: أنَّ هَذِهِ الآيات كُلُّ آيَةٍ تدُلّ عَلَى نوعٍ خَاصٍّ مِن صِفَاتِ الله بِخِلافِ العَقْلِ والفِطْرَةِ، فإِنَّهُ يهْتَدِي إِلَى وُجودِ الخالِق ، مِنْ حيْثُ الجمْلَةُ أمَّا التَّفْصيلُ فَلا يُمْكِنُ إِلا بِذِكْرِ هَذِهِ الأجْنَاس والأنوَاعِ؛ وَهذا لَا يُمْكِنُ الوُصولُ إِلَى الإِحاطَةِ بِذَاتِ الله ، نُحِيطُ بِالآيات الدّالَّةِ عَلَى صِفَاتِه، أمَّا أنْ تُحِيطَ بِذَاتِ الله فَهذَا أمْر لَا يُمْكِنُ؛ وَهذا يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنَّه قَال: "تَفَكَّرُوا في آياتِ الله، وَلَا تَفَكَّرُوا في ذَاتِ الله" (١). قوْله تَعالَى: ﴿أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾: ﴿أَنْ﴾ مَصْدَرِّية لأَنَّ المخَفَّفَةَ هِي التي تَكُونُ بَعْدَ عِلْمٍ أوْ ظَنٍّ، مثْلُ قوْلِه تَعالَى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ [المزمل: ٢٠] , ومثْلُ قوْلِه تَعالَى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] , وأَمَّا هَذِهِ فليْسَتْ كَذَلِكَ، وَعَلى هَذا فتكُونُ مصْدَرِّيةً، ﴿أَنْ خَلَقَكُم﴾ فتكُونُ هِي ومَا بعْدَها في تأْوِيلِ مصْدَرٍ مبْتَدَأ مؤَخَّر يعْنِي خلَقَكُم والخبرُ قوْلُه تَعالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾. قوله ﵀: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ تَعالَى الدّالة عَلَى قدرته]: قيَّدها بالدّالَّةِ عَلَى قُدْرَته لأنَّهَا أبْرَزُ شَيْءٍ في الآيات في هَذا الخلْقِ، وَإِلَّا فَهُو دَالٌّ عَلَى الحكْمَةِ العَظِيمَةِ إِذْ لَا خلْقَ إِلَّا بعْدَ عِلْمٍ، كَما قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤].

стр. 96

قوله ﵀: [﴿أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ أي: أصلكم آدم]: (أصلكم) تفسيرٌ للكَاف في قوْلِه: ﴿خَلَقَكُمْ﴾، يعْنِي باعْتِبَارِ أصْلِنا بالاعْتِبار المُباشِرِ فإِنَّ الإِنْسانَ خُلِق مِنْ نُطْفَةٍ كَما قالَ تَعالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢، ١٣]، والسُّلالَةُ خالصُ كُلِّ شيْءٍ عَلَى حَسَب مَا يَبِينُ، فقوْلُه تَعالَى: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ آدَم، وقوْلُه تَعالَى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ هَؤُلاءِ بَنُو آدَمَ، وقَوْلُه: ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ هو أيِ الإِنسانُ بِاعْتِبَارِ جِنْسِه. قوْله تَعالَى: ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾: (مِنْ) لابْتِدَاءِ الغايَةِ، وَالمَعْنى أنَّ ابْتِدَاءَ الخلْقِ مِن التُرابِ. قولُه ﵀: [﴿إذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ﴾ مِنْ دَمٍ وَلحمٍ ﴿تَنْتَشِرُونَ﴾ فِي الأرْضِ]: كُنْتُم تُرابًا والتُّرابُ لا يتَحَرَّكُ مِن مَكانِهِ ولَا يَنْتَشِرُ وَلَيْس فِيه حرَكَةٌ، ثمَّ بعْدَ ذَلِك إِذَا أنْتُم بَشَرٌ تنتَشِرُونَ، (ثُمَّ) دالَّةٌ عَلَى المُهْلَةِ؛ لأنَّهُ بعْدَ خلْقِ آدَم لَمْ يأْتِ الأوْلَادُ مبَاشَرَةً بَلْ خُلِق لَهُ زوْجَةٌ ثمَّ جَاء مِنْ هَذِهِ الزّوْجَةِ. قوْله تَعالَى: ﴿إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ﴾: ﴿إِذَا﴾ فُجائِيَّةٌ، يعْنِي ثمَّ صَارَتِ المُفاجَأَةُ عَلَى هَذا الوَجْه. قوْله تَعالَى: ﴿ثُمَّ إِذَا﴾: قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: إنَّ في هَذا ما ظَاهِرُه التَّناقُضُ لأَنَّ (إِذَا) هُنا فُجائِيَّةٌ، وَ (ثُمَّ) للمُهْلَةِ، والمُفاجَأَةُ والمُهْلَةُ متناقِضَانِ، إِذ إِنَّ المُفاجَأَةَ تدُلّ عَلَى المُبادَرة فيُجَابُ عَنْ ذَلِك بأنَّ المفاجَأَةَ بعْدَ المُهْلَةِ؛ لأَنَّ التّرابَ لَا يَكُونُ بَشرًا في الحالِ، وإِنَّما تطَوَّر لمدَّةٍ حتَّى وَصَلَ إِلَى البَشرِيَّةِ، هَذا إِذا قُلْنا: إِنَّ المُرادَ بالبَشَر خُصوصُ آدَم، أمَّا إِذا قُلْنَا: المُرادُ بِهِ ذُرّيَّتُه، فالمُهْلَةُ ظَاهِرَةٌ، لأَنَّ هَذا يشْمَلُ الذّرَّيَّةَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَة فالمُهلَةُ ظاهِرَةٌ، لكِنَّ المفاجَأةَ فِي قوْلِه تَعالَى: ﴿إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ﴾، قدْ تُوحِي إِلَى أنَّ المُرادَ

стр. 97

بِه آدَمُ، فإِنَّ آدَم بَشَرٌ وذُرِّيَّتُه انْتَشرَتْ فِي الأرْضِ. وقوْله تَعالَى: ﴿إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ﴾ مبتَدَأٌ وخبَرٌ، وجُمْلَةُ ﴿تَنْتَشِرُونَ﴾ في محَلِّ رفْعِ صفَةٍ لـ (بَشَر)، وإِذا جعَلْناها صِفَةً لِـ (بَشَر) صَار فِيها إشْكَالٌ مِنْ جِهة أنَّ (بشَرٌ) مفْرَدٌ و (تنتشرون) جمْعٌ، لكن المُفْرد المُرادَ بِه الجِنْس يكُونُ لِلْجَمْعِ. وسُمِي الإنْسانُ بَشرًا قِيلَ لأَنَّ بشْرَتَه بَادِيَةٌ، إِذْ إِنَّ الحيوانَاتِ الأخرى عَلَى أبْشَارِها مَا يستْرُها لحكْمَةٍ، وأمَّا الآدَمِيّ فإنَّ بشْرَتَهُ بَارِزَةٌ ظَاهِرَةٌ، وقِيلَ: لأنَّهُ تبْدُو عَلَى بشْرَتِه انفعالاتُه النّفسيَّةُ، مثْلُ الغَضبِ والفَرَحِ ومَا أشْبَهَ ذَلِك، فإِنَّها تبْدُو ظَاهِرَةً عَلَى وجْهِه. وقوله ﵀: [﴿تَنْتَشِرُونَ﴾ في الأرْض]، قيَّدَ المُفَسِّر ﵀ الانْتِشارَ بأنَّه فِي الأَرْضِ، لقوْلِه تَعالَى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]، فالانتِشارُ والتّوسُّع فِي الأرْضِ، فقوْله : ﴿تَنْتَشِرُونَ﴾ أيْ تذْهَبُون يَمِينًا وَشمالًا؛ وَلهَذا لا شَكَّ أنَّ بَنِي آدَم كانُوا فِي أَوَّلِ أمْرِهمْ فِي مكَانٍ واحِدٍ، ثمَّ انْتَشرُوا في جَميعِ القارَّاتِ عَلَى تبَاعُدِ مَا بيْنَها، وانْظُر الآن البَشر منتَشِرٌ في جَميع أقْطَارِ الدّنيا، وسُبْحانَ الله العظيمِ، فمَنِ الَّذي أوْصَل أهلَ أمَرِيكا إِلَى أمِرِيكا، ومَنِ اَّلذي أوْصَلَهُم إِلَى البِلادِ الأخرى مَع هَذِهِ المحِيطاتِ العَظِيمَةِ؛ لأَنَّ آدَم لا شَكَّ كانَ فِي إحْدَى القارَّاتِ، لكنْ مَنِ الَّذي أوْصَل بَنيه إِلَى القارَّاتِ الأخرى؟ الله أعلَمُ، وقدْ يَكُونُ الله يسَّر لهم فِي ذَلِك الوَقْتِ مِنَ الأسْبَابِ مَا قدْ زَالَ الآنَ ولَا نعْرِفُه حتَّى وصَلُوا إِلَى هَذهِ البِلَادِ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما صِحَّةُ مَا ساقَهُ القُرطُبِيُّ في تفسِيرِ آيةِ الحَجِّ مَن أنَّ المَنِيَّ فِيه تُرابٌ؟

стр. 98

قُلْنَا: لا نسْتَطِيعُ أنْ نَجْزِمَ بنفي هذَا أوْ إثْبَاتِه؛ لأنَّهُ يجُوزُ أنَّ نَفْسَ الإنْسَانِ فِيه مادَّةٌ ترابِيَّةٌ، والآنَ هُمْ يقُولونَ: إنَّ الإنْسانَ فِيه مِنْ جَمِيعِ مَعادِنِ الأرْضِ، فِيه رَصاصٌ ونُحَاسٌ وجِيرٌ وحَدِيدٌ وتراب وكُلُّ شَيْءٍ، فنَفْسُ الجِسْم مُكَوَّنٌ مِن هَذِهِ الأشْيَاءِ، فلَا يبْعُدُ أن تكونَ هَذِهِ السّلالة التي تخْرُج منِهُ فِيهَا هَذِهِ المَوادُّ، والحقِيقَةُ ليْسَ عنْدَنا عِلْمٌ عمِيقٌ فِي هَذِهِ السّلالةِ، لكِنَّ الله عَلَى كُلِّ شيْءٍ قَديرٌ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: بعْضُ النّاسِ يقُولونَ إِنَّ آدَم أوَّلَ مَا خَرَجَ مِنَ الجنَّةِ ونَزل إِلَى الأرْضِ نَزل بسِيلَانٍ؟ قُلْنَا: الله أعْلَمُ، لَا يُوجَدُ حَديثٌ صَحِيحٌ عنِ النّبيّ ﵊، إِنَّما كُلُّها آثَارٌ إسْرَائِيلِيَّةٌ. من فوائد الآية الكريمة: الفائِدَةُ الأولَى: : الفائِدَةُ الأولَى: إثْبَات الآياتِ للهِ ، أي العَلامَاتِ الدّالَّةِ عَلَى مَا تدُلّ علَيْهِ مِن صِفاتِهِ لأَنَّ كُلَّ فعْلٍ يدُلُّ عَلَى نوْع مِنَ الآيَاتِ لكِنْ هِي عَلَى سَبيلِ العُمُومِ تدُلّ عَلَى القُدْرَة فجَمِيعُ الآيَاتِ تدُلّ عَلَى القدْرَة والحكْمَة، لكِنْ لكُلِّ نوْعٍ منْهَا آية خاصَّةٌ: الحكْمَةُ، القُدْرَة، العِزَّةُ، ومَا أشْبَه ذَلِكَ. الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: أنَّ أصْلَ بَني آدَمَ مِنْ تُرابٍ، لقوْلِه : ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾. الفائِدَةُ الثَّالثةُ: أنَّ ابْتِداءَ خلْقِ الإنْسَانِ مِن تُراب، لقوْلِه : ﴿أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ﴾. الفائِدَةُ الرابعةُ: إبْطَالُ النّظرِيَّة الملْحِدَة الخاطِئَةِ، وهِي نظريَّةُ النّشوءِ والتّطَوُّر

стр. 99

التي ذَهب إليْها أوْ كَان قائِدَها (دَارُون)، فهِي نظريَّةٌ خاطِئةٌ وباطِلَةٌ بِلا شَكٍّ، وجْهُ ذَلِك مِنَ الآيَة أنَّ الله يقُولُ: ﴿أَنْ خَلَقَكُمْ﴾ فيُخاطِبُ البَشرَ باعْتِبَارِه بَشَرًا. إِذَنْ: فهُو بشَرٌ منْذُ أنْشِئ مِنَ التُّرابِ إِلَى اليَوْم، أمَّا أُولئكَ فَيَقُولُونَ: إِنَّ أصْلَ الإنْسَانِ ليْسَ بشَرًا، بَلْ أصْلُ الإنْسَانِ قِرْدٌ ثمَّ تطَوَّر فصَار بَشَرًا، ويُمكِنُ أنْ يتطَوَّر بعْدَ ذَلِك وَيصِير مَلَكًا، ولَا أَدْرِي مَاذا يقُولُ فِي أصْلِ الحمِيرِ وَالبِغَالِ والخيْلِ والدَّجاجِ مَا أصلُها وتطَوَّرَتْ إِلَى مَاذا؟ ثمَّ لا نَدْري مَا هو التّطوَّرُ الآخَرُ، هَل نحْنُ نكوُن ملائِكَةً؟ وعَلَى كُلِّ حَالٍ: إنَّ هَذِهِ النظرِيَّةَ - الحمْدُ لله - حتَّى فَلاسِفَةُ الغرْبِ وعُلَماءُ الطّبِيعَةِ مِنَ الكفَّار الآن أبْطَلُوها، وتبَيَّن لهمْ أنَّها نظَرِيَّةٌ باطِلَةٌ خاطِئَةٌ، ثمَّ نَحْنُ نَعْلَمُ عِلْمَ اليَقِين بِدُونِ أيِّ نَظَرٍ أنَّها باطِلَةٌ، وَأنَّ اعتِقَادَها كُفْرٌ لأنَّهَا تكْذِيبٌ للْقُرآنِ والسُّنَّةِ وَإِجْماعِ المُسلِمِينَ، فكُلُّ هَذا لا شَكَّ أنَّه كَذِبٌ ولَا أصْلَ لَهُ، فالإِنْسانُ خُلِقَ مِنْ تُرابٍ كَما قَالَ الله ، تُرابٌ جعَلَهُ الله طِينًا، ثمَّ فَخَّارًا حتَّى كانَ صَلْصالًا لَهُ صَلْصَلَةٌ إِذا ضرَبْتَ علَيْهِ فَهُو كالفَخَّارِ، كَما قَالَ الله ثمَّ تَكَوَّنَ الإنسَانُ، واللهُ عَلَى كُلِّ شيْءٍ قَدِيرٌ، فَهَذا وغَيْرُه تكْذِيبٌ لصَرِيحِ القُرآنِ. الفائِدَةُ الخامسةُ: حكْمَةُ الله في كَوْن الآدَمِيّ بَشَرًا، أَيْ بَادِي البَشْرَةِ؛ لأنَّكَ إِذا علِمْتَ أنَّك مُفتَقِرٌ إِلَى اللِّبَاس الحسِّيِّ علِمْتَ أنَّك مُفتَقِرٌ إِلَى اللِّبَاس المعْنَوِيِّ: لِبَاسِ التّقْوَى كَما قَال الله تَعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]. الفائِدَةُ السادسةُ: أنَّ هَذا البَشَر الَّذي خُلِق مِن أصْلٍ واحدِ انْتَشر ومَلأ الأرْضَ، فَهَذا البَشَرُ مِن طَبيعَتِه الانْتِشَارُ والذّهَابُ والمَجِيءُ وطلَبُ الرِّزقِ وطلَبُ الصَّنائِع

стр. 100

وطلَبُ الأعْمَالِ، وَهَذا هُو الوَاقِع؛ وَلهذا قَالَ: ﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾، وَهَذا مِن آياتِ الله: كيْفَ مِن أصْلٍ واحِدٍ مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ انْتَشَرَتْ هَذِهِ الخلِيقَةُ فِي جَميعِ أنْحَاءِ الأرْضِ؟ الفائِدَةُ السابعةُ: أنَّ الإنْسَانَ متَحَرِّكٌ بالطَّبعِ لابُدَّ أنْ يتَحَرَّكَ وينْتَشِر وَيذْهَب ويَجِيءَ؛ وَلهذا قَال النّبيّ ﵊: "أَصْدَقُ الأَسْمَاءِ حَارِثٌ وَهَمَّامٌ" (١)، لأَنَّ الإنسان دَائمًا يهتَمُّ ويحرث ويطْلُب رزقه. الفائِدَةُ الثّامِنةُ: مِنْ فَوائِد الآيَةِ ومَا بعْدَها مِنَ الآيَات مِنّةُ الله عَلَى عِبَادِهِ بتَنْبِيهِهِمْ إِلَى آيَاتِه، يعْنِي أنَّ الله مَنَّ عَلَى العِبَادِ بتَنْبِيهِهِمْ إِلَى الآياتِ، ولَمْ يَكِلْهُمْ إِلَى مَا في فِطَرِهم مِن الاعتَرافِ بالخالِق، بَل أعَانَهُم عَلَى ذَلِك وأمَدَّهُم بالتَّنِبيهِ عَلَى مَا فِي هَذا الكَوْنِ مِنْ آياتِه فَفِيها مِنّةٌ عظِيمَةٌ لأَنَّ الإنْسَانَ كَما قَالَ الله بَشَرٌ يَغْفُل وَينْسَى فيُنبهُه الله . * * *

стр. 101

الآية (٢١) * قَالَ اللهُ : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١]. * * * قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ فَخُلِقَتْ حَوَّاءُ مِنْ ضِلْعِ آدَمَ، وَسَائِرُ النَّاسِ مِنْ نُطَفِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ وَتَأْلَفُوهَا ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ﴾ جَمِيعًا ﴿مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المَذْكُورِ ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فِي صُنع الله تَعَالَى] اهـ. بَدأ أوّلًا بخلْقِ النّفْسِ، ثمَّ بخَلْق الزَّوْجِ؛ لأنَّهُ لَا يَتمُّ التّناسُلُ إِلا بالأَزْوَاجِ، ونَقُولُ في قوْلِه تَعالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ﴾ كَما قُلْنَا فِي قوْلِه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ﴾ أنَّ معْنَى قوْلِه : ﴿أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ أيْ مِنْ ذَوَاتِكُم، فعَلَى رأْيِ المُفَسِّر المُرادُ بالنّفْسِ هُنَا الذّاتُ. وقوْله تَعالَى: ﴿أَنْ خَلَقَ لَكُمْ﴾: (اللامُ) للاخْتِصاصِ وليْسَت للِمُلْكِ؛ لأَنَّ الإنْسَانَ لَا يمْلِكُ زوْجَتَه، ويُحْتَملُ أنْ تَكونَ للتَّعْلِيل كَما فِي قوْلِه تَعالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، أيْ خَلَق لأجْلِكُم، لكِنَّ المَعْنى أبْلَغُ فِي الإنْعَامِ، حيْثُ إنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ زوْجَتُه تخْتَصُّ بِه؛ وَلهذا لَا يجوزُ للْمَرْأَةِ أنْ تتَزَوَّجَ أكْثَر مِنْ رَجُلٍ فِي آنٍ واحِدٍ.

стр. 102

قوْله تَعالَى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾: مشَى المُفَسِّر عَلَى أنَّ المُرادَ بالنّفْسِ الذّاتُ، وأنَّ (مِن) للتَّبْعِيضِ، يعْنِي أنَّ نَفْسَ هَذِهِ الزّوجَةِ مِن نَفْسِ الإنْسَانِ، جُزْءٌ منْهُ؛ وَلهذا فسَّرهُ المُفَسِّر ﵀ بخَلْق حوَّاءَ مِنْ ضِلْع آدَمَ وسَائِرَ النّساءِ مِن نُطَفِ الرّجال والنّساءِ. ويُحْتَملُ أنَّ المُرادَ بالنّفْس الجِنسُ، كَما قالَ الله : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]، يعْنِي مِن جنْسِكُم ولَيْس المُرادُ مِن أنْفُسكُم، أيْ مِن نَفْسِ الإنْسَانِ إِلّا باعْتِبارِ حوَّاءَ؛ فإِنَّها خُلِقَتْ مِن ضِلْع آدَم ﵇، فالمُرادُ بالنّفْسِ الجِنْس، ويُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى قوْلُه تَعالَى: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾؛ فإِنَّ الإنسانَ يسْكُن إِلَى بَني جنْسِه دُونَ غيْرِهم، فلَو كانَتِ المرأةُ تخالِفُ الرّجلَ وليْسَت مِن جنِسِه لَكانَ في ذَلِك مشْكِلَة ولَا يُمْكِنُه أنْ يسْكُنَ إِلَيْها، ومَا حصَل بَيْنَهُما ائْتِلافٌ ومودَّةٌ لبُعْدِ الفَرْقِ بَيْنَهُما؛ لهذا جعَلَها الله مِنْ جنْسِه؛ لأجْلِ أنْ يسْكُن إِلَيْها، لكِنَّ المُفَسِّر ﵀ يُريدُ أنَّ المرادَ بالنّفْس في ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ الذَّات، أيْ مِن ذَواتِكُم، بِدَلِيل أنَّه فسَّرها بآدَم، خُلِقَت منْهُ حوَّاءُ، وبَقِيَّةُ النّاسِ خُلِقوا مِنَ النُّطَفِ التي مِن الإنْسَانِ الذّكر والأُنْثى، ولكِنَّ الَّذي ذكَرْناهُ أوْجَهُ؛ بدَلِيلِ قوْلِه تَعالَى: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾، إِذ إِنَّ هَذا التّعْلِيلَ يُناسبُ أنْ يكُونَ المُراد بالنَّفس أيْ الجِنْس، عَلَى أنَّه لا يَمْنَعُ أنْ تَكُونَ النّساءُ مخلوقَةٌ مِن ذَواتِ الرِّجالِ؛ لأَنَّ مَا ذَكَرَهُ المُفَسِّر ﵀ صحِيحٌ، لكِنَّ التّعْلِيلَ يُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ. قوْله تَعالَى: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾: اللَّامُ للتَّعْليلِ، أي لأَجْلِ أنْ تسْكُنوا، وهِي مُعلِّلَة لقوْلِه تَعالَى: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، والسّكُونُ معْناهُ الاستِقْرارُ، ومنْه السُّكْنى في البَلدِ اسْتِقْرارُه فِيها، فقوْلُه تَعالَى: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ مِن السُّكونِ، وهُوَ عدَمُ النُّفورِ

стр. 103

مَنَ الشّيْءِ، لأَنَّ السّاكِنَ هُو المسْتَقِرُّ؛ وَلهذا نقُول لمن في البيْتِ أنَّه ساكِنٌ مِن السُّكْنى، فالمَعْنى: لتستَقِرُوا وتطْمَئِنُّوا لها وتألَفُوها كَما قَال المُفَسِّر ﵀. قوْله تَعالَى: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾: ضَمَّن السّكونَ معْنَى المَيْل؛ فعَدَّاه بـ (إلى)، إِذْ لم يقُلْ لتسْكُنوا منْهَا ولَا عنْدَها، ولكِنْ ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾، وَلهَذا كَان الرّجُل ميَّالًا بطبْعِه إِلَى المَرْأَةِ وسَاكِنًا إِلَيْها، وَلا سيَّما إِذا وُفِّق لامْرَأةٍ تكُونُ مُلائِمَةً لَهُ، فَإِنَّ هَذا يبْدُو ظاهِرًا جِدًّا مِنَ التَّعلِيل. قوْلهُ ﵀: [﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ﴾ جميعًا]: هل المُراد بيْن الزّوج وزوجَتِه، أوْ بيْنَ النّاس جميعًا؟ كلامُ المُفَسِّر يقْتَضي العُمُومَ، لكِنَّ ظاهِرَ السِّياقِ يخْتَصُّ بالمَرْأَةِ وزَوْجِها، فإنَّ هَذِهِ المرأةَ الأجْنبِيَّةَ التي لا تعْرِفُها ولَا تعْرِفُك مِنْ قَبْلُ إِذا تَمَّ العَقْدُ بيْنكُما ألقَى الله تَعالَى في قُلوبِكُما المودَّةَ والرّحمةَ. قوْله تَعالَى: ﴿مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾: المَودَّةُ: خالصُ الحبِّ. والرّحمةُ: الرّأفَةُ والحُنُوُّ والعَطْفُ، وهَل هَذا عَلَى سَبيلِ التّوزِيعِ أوْ عَلَى سَبيلِ الجمْع، بِمَعْنى: هَلِ المودَّةُ مِنَ المَرْأَةِ للرَّجُل والرّحمةُ منْهُ لهَا، أوْ أنَّه عَلَى سَبيلِ الجمْعِ أيْ كُلّ واحِدٍ منْهُم يَوَدُّ الآخَرَ وَيرْحَمُه؟ والظّاهِرُ أنَّهُ عَلَى سبيلِ الجمْعِ، فالمودَّةُ في قلْبِ المَرْأَةِ، والرّحْمَةُ في قلْبِ الرّجُل؛ لأنَّهُ هُو الَّذي لَهُ السُّلْطانُ علَيْها، وهِي التي تَميلُ إِلَيْهِ، فتكُونُ المودَّةُ منْهَا والرّحْمَةُ منْهُ، فيَكُون الوَصْفانِ مُوزَّعَيْنِ عَلَى الزّوْجِ والزّوجَةِ. والأقْرَبُ أنَّ الوَصْفَيْنِ لكُلٍّ مِن الزّوْجَيْنِ يعْنِي أنَّ المودَّةَ تكُونُ بَيْنَ الزّوجِ وزوْجَتِه، وَكَذلِكَ الرّحمَةُ تكُونُ بيْنَ الزّوْجِ وزوْجَتِه، هَذا هُو الأقْرَبُ وهُوَ الَّذي يُؤَيِّدُه الوَاقِعُ أيْضًا، فإِنَّ المَرْأَةَ إِذا ودَّتْ زوْجَها يكُونُ فِيها رحْمَةٌ لوْلَا أنَّ الأمَّ أرْحَمُ النِّساءِ، لقُلْنا أنَّها مثْلُ رحْمَةِ الأمِّ؛ ولِهَذا تَجِدُها تتْبَعُ زوْجَها وتدَعُ أُمَّها وأبَاها وأهْلَها

стр. 104

ووَطَنَها؛ ولِهَذا تجِدُها تُلاحِظُه إِذا مَرِضَ، وتجِدُ أنَّه يجِدُ مِن عِنايَتِها أكْثَر مِمَّا يَجِدُ مِن عِنَايَة أَبِيهِ وأُمِّهِ بِه، وتَحْزَنُ إِذا حَزِن وتُسَرُّ إِذا سُرَّ، وإِذا كانَتِ الحالُ بَيْنَهُما جيِّدَةً يُمْكِنُ أنْ تَبِيعَ كُلَّ مَا تمْلِكُ مْن أجْلِ راحَتِه وإِسْعَادِهِ، حتَّى إِنَّ بعْضَ النّساءِ تَبِيعُ حُلِيَّها ومَا زَاد عَنْ ضَرورَتِها مِن الثّيابِ مِنْ أجْلِ الرَّحمَةِ بزَوْجِها، هَذا لا شَكَّ أنَّه رحْمَةٌ. وبالنِّسبة للرَّجُل كَذَلِكَ ظاهِرٌ، فإنَّ مودَّةَ الرَّجلِ لزَوْجَتِه أمْرٌ لا يُنْكَرُ، وَكَذلِكَ رحْمَتُه إيَّاها أمْرٌ لا يُنْكَرُ، وأمَّا المودَّةُ فظَاهِرَةٌ ولَوْلا قُوَّةُ المودَّةِ بيْنَ الزَّوْجَيْنِ مَا حصَل الاتِّصالُ بَيْنَهُما الَّذي أرادَهُ الله لأجْلِ أنْ تكْمُل هَذِهِ الخليقَةُ وتنْمُو، فمِنْ أجْلِ هَذا جعَلَ الله تَعالَى المودَّةَ والرّحْمَةَ. وَقالَ ابْنُ الجوْزِيِّ فِي (صَيْد الخاطِرِ) قَالَ: لوْلَا أنَّ الله بحكْمَتِه قَضَى أنْ تَبْقَى هَذِهِ الخلِيقَةُ لكَانَ الاتِّصَالُ بَيْن الزَّوْجِ وزَوْجَتِه مِنْ أقْبَح الأُمورِ، فكُلُّ واحِدٍ منْهُما يكْشِفُ عوْرَتَهُ للآخَرِ، ثمَّ يحْصُل هَذا الشّيءُ الَّذي قدْ يكُونُ مسْتكْرهًا في أذْوَاقِ بعْضِ النّاسِ، لكنْ جَعل الله هَذِهِ المودَّةَ بَيْنَهُما لأَجْلِ أنْ تَسْتقِيمَ الأُمورُ وتَنْمُوَ الخليقَةُ، وَهَذا صحِيحٌ، وَهَذا حقٌّ فلوْلَا أنَّ الله جعَل هَذا الأمْرَ مودَّةً مَا حصَل الاتِّصالُ بيْنَ الزَّوْجَيْنِ، ولِهَذا كلَّما كانَ الزَّوْجُ أوِ الزّوْجَة بعضُهم لبعْضٍ كارِهًا قَلَّ الاتِّصالُ بَيْنَهُما. والجمْعُ بيْنَ المودَّةِ والرّحْمَةِ مِنْ أبْلَغ مَا يكُونُ لأنَّهُ إِذا كانَ أحدُهما محُتاجًا إِلَى الرَّحمَةِ حلَّتِ الرّحمَةُ وزادَتْ عَلَى المودَّةِ، والعَكْسُ بالعَكْسِ، وإِذا اجْتَمع مودَّةٌ ورحْمَةٌ فإِنَّهُ يَنْشَأُ مِن هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ صفَة أقْوَى مَمَّا لوِ انْفَردَتْ إحدَاهُما، ولِهَذا تجِدُ الإنْسانَ ينْظُر إِلَى الفقِيرِ نظرَةَ رحْمَةٍ لَا مودَّةٍ، لكِنْ إِذا اجْتمَعَتِ الرَّحمةُ مَع المودَّةِ تولَّدَ مِن هَذا صفَةٌ أعْلَى مِنَ انْفِرَادِ كُلِّ واحِدَةٍ بنَفْسِها.

стр. 105

قوله ﵀: [﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المَذْكُورِ ﴿لَآيَاتٍ﴾]: (اللام) للتَّوْكيدِ، والآيَاتُ جمع أيةٍ، وتأمَّل قوْلَه تَعالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾، ثمَّ قالَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾. فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: مَا هَذا التّنَافُر، حيْثُ قالَ فِي أوَّلِ الآيَة ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾؟ قُلْنَا: لا تنَافُرَ في الواقِعِ، أوّلًا لأنَّ قوْلَه تَعالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ للتَّبْعيضِ، وبَعْضُ الآياتِ قدْ يَكونُ آيةً واحِدَةً، وقدْ يَكُونُ أكْثَر مِنْ آيَةٍ، ثمَّ إِنَّ قوْلَه تَعالَى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ هَذهِ أرْبَعُ آيَاتٍ، فيَكُونُ في أصْلِ الخلْقِ آيَةٌ واحِدَةٌ، لكِن فِي أوْصَافِ هَذا الخلْقِ المتطَوِّر آياتٌ، والمُفَسِّر ﵀ بيَّن أنَّ اسْم الإِشارةِ وإِنْ كَان مُفْردًا لكِنَّهُ عائِدٌ إِلَى متَعَدِّدٍ. فقولُه: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ هَذهِ آيَةٌ، وكوْنُها مِن النَّفْسِ آيَةٌ أخْرَى، و ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ هَاتَان آيتَانِ، فالجمِيعُ أرْبَعُ آياتٍ كَما تقدَّمَ، والتّعبيرُ بكَلِمَةِ (ذلك) بيَّن المُفَسِّر أن السَّببَ فِيه أنَّ اسْمَ الإِشَارةِ يعُودُ إِلَى المذْكُورِ وإِنْ كَان أكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ أي: متعدِّدًا، وَهَذا كَثِيرٌ في اللُّغَةِ العرَبِيَّةِ وَفِي القْرآنِ أيْضًا. وقوْله تَعالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾: نصبت (آيات) لأنَّهَا اسْمُ (إنَّ) مؤخَّرًا. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَاتِ تكُونُ مِن كُلِّ صفَةٍ مِن هَذِهِ المذكورَاتِ الأَرْبَعِ، وتَكُونُ فِي اجتمَاعِها، ولكنَّها تحْتَاجُ إِلَى تأَمُّلٍ وإِلى تفَكُّرٍ، ولِهَذا قال المُفَسِّر ﵀ [﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فِي صُنع الله تَعالَى]؛ أيْ فِي خَلْقِه، ولكِنَّ المَعْنى أعَمُّ مِن ذَلِك، أيْ: يتَفَكُّرونَ فِي صُنْعِه وهُوَ الخَلقُ وفي حِكْمَتِه وفي رَحْمَتِه وفي غَيْرِ ذَلِك مِمَّا يتعَلَّق بِهَذا المَعْنى.

стр. 106

وهَلِ المودَّةُ في أوَّلِ الحياةِ الزَّوجِيَّةِ والرَّحمَةُ بعْدَ الأوْلادِ؟ هَذَا خِلافُ الظَّاهِر؛ لأَنَّ الظّاهِرَ أنَّ المودَةَّ والرّحمَةَ مُقتَرِنَانِ. وهَلْ يُتبادَلانِ بَعْد العَقْدِ أوْ بعْدَ الاتِّصالِ أوْ بعْدَ المعامَلَةِ؟ الجوابُ: هَذا يَرْجعُ إِلَى ما يَجْرِي بيْنَ الزَّوْجَيْنِ، أمَّا المودَّةُ فالظَّاهِرُ أنَّها تكُونُ مِنْ قبْلُ، مِنْ حِين أنْ يَخْطُبَ المَرْأَةَ وتُوافِقَ، لا تنْشَأُ هَذِهِ الخطْبَةُ والموافَقَةُ إِلَّا عنْ مودَّةٍ، لكنَّها تنْمُو وتَزِيدُ بحسَبِ الاتِّصالِ. من فوائد الآية الكريمة: الفائِدَةُ الأولَى: : الفائِدَةُ الأولَى: رحْمَةُ الله ﵎ بِنا حيْثُ جعَل أزْوَاجَنا مِنْ أنْفُسِنا، أيْ مِنْ جِنْسِنا، فَفِيها نعْمَةُ الله لكَوْنِ الأزْوَاجِ مِنَ الأنفُسِ، أيْ مِنَ الجِنْس ليتَحَقَّق بِذَلِك أغراضُ النكّاحِ ومقاصِدُه. الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: أنَّ مِن أهَمِّ أغْرَاضِ النِّكاح ومقاصِدِه السُّكُونَ إِلَى الزّوجَةِ، والاطْمِئْنانَ إلَيْها والحياةَ مَعها حيَاةً سَعِيدَة، فالحِكْمَةُ مِن الزَّوجيَّةِ هِي السُّكونُ، أيْ سُكُونُ أحدِ الزَّوْجَيْنِ إِلَى الآخَرِ، ويتفرَّعُ عَلَى ذَلِك أنَّه لَوْ حَصَلَ التَّنافُرُ فإِنَّ مِن الحِكْمَةِ التَّفريقَ بَيْنَهُما؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾، فإِذا فاتَتْ هَذهِ الحكْمَةُ فإِنَّهُ لا زَواجَ؛ ولِهَذا لما فاتَتِ الحكْمَةُ بيْنَ ثابِتِ بْن قيْسٍ وزوجَتِه قالَ الرّسولُ ﷺ : "خُذِ الحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا" (١)، وكيْفَ يُمْكِنُ أنْ تسْتَمِرَّ الزَّوجِيَّةُ بينَ زوجَيْنِ يتباغَضَان ويتنَافرانِ وكُلُّ واحدٍ منْهُما يُحبُّ أنْ يَرى المَوْتَ ولَا يَرَى صاحِبَه؟ ! فالإِنْسَانُ إِذا رأَى عدَم السُّكونِ ولَمْ تلْتَئِمِ الحالُ يَنْبَغِي لهُ أنْ يُفارِقَ، ولِهَذا قالَ أهْلُ العِلْمِ إِنَّ

стр. 107

الطَّلاقَ يُستَحَبُّ لتَضَرُّر المرأةِ بالبَقاءِ مَع الزَّوجِ، فلَو كانَتْ تتضَرَّرُ ولا تسْتَأْنِسُ معَ الزَّوج لَا ينْبَغِي أنْ يُكْرِهَها عَلَى أنْ تَبْقى مَعَهُ، فإِنَّ بعْضَ النّاسِ - والعياذُ باللهِ - يُكْرِهُونَهنَّ عَلَى البقَاءِ أو يَعْضِلُونَهُنَّ لأجْلِ أنْ يفْتَدِينَ ويُسَلِّمْنَ مبالِغَ مِن المالِ مِنْ أجْلِ أنْ يُطلِّقَها، كُلُّ هَذا حرامٌ، والَّذي ينْبَغي إِذا رَأَيْتَ مِن الزّوْجَةِ أنَّها لا تسْتَطِيعُ أنْ تعِيشَ معَك عِيشَة سَعِيدَةً فيَنْبَغي لكَ أنْ تُطلِّقَها، والنّبيُّ ﷺ يقولُ: "مَنْ فَرَّجَ عَنْ مُؤْمنٍ كرْبَةً مِنْ كربِ الدُّنْيَا فَرَّجَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كرب يَوْمِ القِيَامَةِ" (١)، ويقولُ ﷺ : "وَاللهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ" (٢)، وَفي القُرْآنِ ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]، فأَنْتَ إِذا نَوَيْتَ الخيْرَ بالتّوْسِعَةِ عَلَى هَذِهِ المَرْأَةِ وفارَقْتها فلعَلَّ الله تَعالَى أنْ يُيسّرَ لكَ الأمْرَ بِحُصولِ زوْجة تألفُها وتألفُك. المُهِمُّ: أنَّ مِن أهَمِّ أغْراضِ النِّكاحِ السّكونَ والطُّمأنِينَةَ إِلَى الزَّوجَةِ والحياةَ حياةً سعِيدةً. الفائِدَةُ الثَّالثةُ: ما ألقَى الله تَعالَى في قُلوبِ الزَّوجَيْنِ مِن المودَّةِ والرَّحَّمةِ، هَذَا مِنَ الآياتِ العظِيمَةِ، امْرأةٌ لَا تعْرِفُها إلَّا بالذِّكر عنْدَ خِطْبَتِها وليْسَ بيْنَك وبيْنَها قرَابَةٌ ثمَّ يَجْعَلُ الله بيْنَ قُلوبِكُما مِنَ المودَّةِ والرَّحْمةِ مَا يرْبُو أحْيَانًا عَلَى مودَّةِ الأُمِّ والأَبِ، وَهَذا لا شَكَّ أنَّه مِنْ آيَاتِ الله؛ ولِهَذا قَالَ الله تَعالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]، جَعَلَ الله في هَذِهِ الآية الصَّهر قَسِيمًا لِلنَّسبِ، يَعْني كأنَّ البشَرِيَّةَ إمَّا مُصاهَرَةٌ وإمَّا قرابَةُ نَسَبٍ.

стр. 108

الفائِدَةُ الرّابعةُ: أنَّ المودَّةَ لا تُنالُ بالكَسْبِ، يعْنِي أنَّ الله قَدْ يجْعَلُها فِي قلْبِ الإنسانِ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، يعْني أنْتَ لوْ أرَدْتَ أن تُجْبِر نفسَكَ عَلَى محبَّةِ شَيْءٍ واللهُ لم يجْعَلْ في قلبِكَ مودتَه فلَنْ تحبَّه، ولِهَذا مَنَّ الله عَلَى المؤْمِنينَ بقوْلِه تَعالَى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾ [الحجرات: ٧]، وأنْتَ تقُولُ فِي الدُّعاءِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أسْألُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَحُبَّ العَمَلِ الَّذِي يُقَرِّبُ إِلَى حُبّكَ" (١). إِذَنْ: فالمودَّةُ يُلقِيها الله فِي القَلْب، فأنْتَ ينْبَغِي لَك أن تَسْأَل الله دَائِمًا أنْ تَكُونَ محبّتك للهِ وِفي الله لِتكُونَ المحبَّةُ بِاللهِ. الفائِدَةُ الخامسةُ: أنَّ مَا ذُكِر ليْسَ آيَةً واحِدَةً؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾، ثمَّ قَالَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾: أولًا: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، ثانِيًا: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ فتكونُ آياتٍ متعدِّدَةً. الفائِدَةُ السادسةُ: وُجوبُ التّراحُمِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَرَحْمَةً﴾. وهَلْ يُؤخَذُ منْهَا وُجوبُ معالجَةِ الزَّوجَةِ إِذا مَرِضَتْ لأنَّهَا مِنَ الرَّحمَةِ؟ الفقهاءُ يقُولونَ: لَا يَجِبُ أنْ تُعالِجَها، ولَا يَجِبُ أنْ تُعطِيها قِيمَةَ الدَّواءِ؛ لأَنَّ هَذا ليْسَ مِن النّفَقَةِ، وكَوْنُ الله يجْعَلُ بيْنكم رحمَةً ليْسَ معْنَاهُ أنْ يُلْزِمَك بِشَيْءٍ لَا يلْزَمُكَ، إِنَّما هَذا بَيَانٌ للوَاقِع وَهَذا صَحِيحٌ، فالرَّحمَةُ تُوجَدُ لكِنْ هَل تلْزَمُه؟ هَذا محَلُّ نظَرٍ؛ ولِهَذا قالَ الفُقهاءُ أنَّه لا يَلْزَمُ الدَّواءُ وأُجْرَةُ الطَّبيبِ، وبعْضُ العُلَماءِ يقُولُ: يَلْزَمُ إِلَّا إِذا كانَ الشّيْءُ كثِيرًا يجْحَفُ بِمَالِه فإِنَّهُ لَا يلْزَمُه.

стр. 109

الفائِدَةُ السابعةُ: إثْبَاتُ حِكْمَةِ الله وقدُرَته ورحْمَتِه أيْضًا، حيْثُ جعَل بَيْنَ الزَّوجَيْن مودَّةً ورحْمَةً. الفائِدَةُ الثَّامنة: الرَّدُّ عَلَى الجهْمِيَّةِ وَكَذلِكَ الأشَاعِرَةِ الَّذِين ينْفُونَ حكْمَةَ الله ، وأمَّا المُعتَزِلَةُ فإنَّهم يغْلُونَ فِي إثْبَاتِ الحكْمَةِ؛ ولِهَذا يرَوْن أنَّه يجِبُ عَلَى الله فِعْلُ الأصْلَحِ أوِ الصَّلاحِ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: المُبتَدِعَةُ في ردِّهم للصِّفاتِ هَلْ هُمْ يبْنُونَ عَلَى مقدِّماتٍ عقْلِيَّةٍ متَّفَقٍ عليْهَا بيْنَهُم، أمْ أنَّ كُلَّ واحِدٍ منْهُم يُعَلِّلُ بعَقْلِه؟ قُلْنَا: بِعَقْلِه، كُلُّ واحدٍ منْهُم يُعَلِّلُ فيخْتَلِفُونَ في تعْلِيلِ هَذا الرَّدِّ، أحْيَانًا يقُولُونَ أنَّه يستَلْزِمُ الجسْمِيَّةَ، ولكنَّ غالِبَ ما يدُورُونَ أنَّها مستَلْزِمَةٌ للتَّمْثِيلِ، فيَخْتَلِفُونَ فِي الطُّرُقِ الموَصِّلة إلَيْه. الفائِدَةُ التاسعةُ: الثَّناءُ عَلَى التَّفْكِير؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، فإِنَّ هَذا واضِحٌ أنَّه محَلُّ ثنَاءٍ لَهُم. الفائِدَةُ العاشرة: الحثُّ عَلَى التّفكُّر، تُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾؛ لأَنَّ التّفَكُّرَ مِفْتَاحُ العِلْمِ، ولَا يُمْكِنُ عِلْمٌ بلا تفَكُّرٍ أبدًا، تفَكَّرْ أولًا، لتَعْلَمَ، فالتّفْكِيرُ ينْفتِحُ بِه أبوابٌ كثِيرةٌ يعْرِفُ الإنسانُ بِها مْن أحكَامِ الله وحِكَمَهِ ما لا يَحْصُل لَهُ لَوْ لم يُفَكِّرْ؛ لأنَّهُ خصَّ الآياتِ بالقَوْم الَّذِين يتفكَّرُون، فدَلَّ هَذا عَلَى أنَّه يحْصُل بالتّفكُّرِ مِن الاطِّلاع عَلَى أحكَامِ الله وحِكَمِه ما لا يحْصُل بالغفْلَةِ. التّفكُّر يكُونُ في آيَاتِ الله، أيْ مخلُوقاتِه ومشْرُوعاتِه؛ لأَنَّ الآيَاتِ كَما سبَق إمَّا كَونيَّةٌ، وإِمَّا شرعِيَّةٌ، يحْصُل التّفكُّر فِي صفاتِ الله مِن وَجْه المَعْنى، أمَّا مِن حيْثُ

стр. 110

الكيفيَّةُ فَلا يَجُوزُ التّفكُّرُ في الصِّفاتِ؛ لأَنَّ ذَلِك محاوَلَةٌ لما لَا يُمْكِنُ الحصولُ علَيْهِ؛ ولِهَذا قَال الإِمَامُ مالِكٌ ﵀: "السُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ"، فَلا يجُوزُ أنْ نتفَكَّر في كيْفِيَّةِ صفَةٍ مِن صفاتِ الله، بلْ نتفَكَّرُ في المَعْنى دُونَ الصِّفَة. ومثْلُه التّفَكُّر في ذَاتِ الله ، فلا يَجُوزُ؛ لأَنَّهُ محُاوَلةٌ لما لَا يُمْكِنُ الوُصولُ إِلَيْهِ، ثمَّ التّفْكيرُ في هَذهِ الأمُورِ يجُرُّ إِلَى بَلايَا ومهَالِكَ، والَّذي ضَرَّ مَنْ ضُرَّ مِن أهْلِ التّعْطِيل وأهْلِ التَّشبيهِ هُو محاوَلَتُهم الوصولَ إِلَى الكَيفيَّة؛ فلِهَذا آلَ بِهِمُ الأمْرُ إِلَى التَّعْطِيلِ أو التَّمْثيلِ. والمُهِمُّ: أنَّ التّفَكُّرَ يكُونُ في مخلُوقاتِ الله وفِي مشْرُوعاتِهِ وفِي معَانِي أسمَائِه وصِفَاتِهِ، أمَّا في ذَاتِه وكيفيَّةِ صفَاتِه فإِنَّهُ لا تفَكُّر، وَذَلِكَ لأنَّه مهْما بلَغ الإنسانُ فإنَّ الفِكْر سيَرْجعُ خاسِئًا وهُو حَسيرٌ، والإعْراضُ عنْ هَذا هُو الوَاجِبُ، كَما قَال الإِمَامُ مالِكٌ ﵀. * * *
следующие страницы →