١٤-أن الأصل في الإنسان العري حتى يكسوه الله ، وسبق شرح أنه في الأصل العري الحسي، وقد يراد به المعنوي أيضاً، وذلك لأن الإنسان خرج من بطن أمه عارياً ولا يكسوه إلا الله بما قدره من الأسباب.
١٥-كرم الله حيث يعرض على عباده بيان حالهم وافتقارهم إليه، ثم يدعوهم إلى دعائه حتى يزيل عنهم ما فيهم من الفقر والحاجة.
١٦-أن بني آدم خطاء، أي كثير الخطأ، كما قال الله : (وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) (الأحزاب: الآية٧٢)
١٧-أنه مهما كثرت الذنوب والخطايا فإن الله تعالى يغفرها، لكن يحتاج أن يستغفر الإنسان، ولهذا قال: "فَاسْتَغْفِرُوْنِيْ أَغْفِرْ لَكُمْ" وقد سبق في الشرح أن الاستغفار يكون على وجهين:
الوجه الأول: طلب المغفرة باللفظ بأن يقول: اللهم اغفر لي، أو أستغفر الله.
الوجه الثاني: طلب المغفرة بالأعمال الصالحة التي تكون سبباً لذلك كقوله: "مَنْ قَالَ: سُبحَانَ اَلله وَبِحَمْدِهِ في اليَوم مائَةَ مَرةَ غُفِرَت خَطَايَاه ُوَإِنْ كَانَت مِثْلُ زَبَدِ البَحْرِ" (١)
١٨-أن الله تعالى يغفر الذنوب جميعاً، وهذا لمن استغفر، لقوله "فَاسْتَغْفِرُونِيْ" أما من لم يستغفر فإن الصغائر تكون مكفرة بالأعمال الصالحة لقول النبي ﷺ : "الصلَواتِ الخَمسُ وَالجُمُعَة إِلى الجُمُعَةِ وَرَمَضَان إِلى رَمَضَان مُكَفِِّرَاتٌ لِمَا بَينَهُنَّ مَا اجتَنَبَ الكَبَائِرَ" (٢) ، وأما الكبائر فلابد لها من توبة خاصة، فلا تكفرها الأعمال الصالحة، أما الكفر فلابد له من توبة بالإجماع.
فالذنوب على ثلاثة أقسام:
стр. 247
قسم لابد فيه من توبة بالإجماع وهو الكفر.
والثاني: ما تكفره الأعمال الصالحة وهو الصغائر.
والثالث: ما لابد له من توبة- على خلاف في ذلك- لكن الجمهور يقولون: إن الكبائر لابد لها من توبة.
١٩-كمال سلطان الله وغناه عن خلقه، لقوله : إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوْا ضَرِّيْ ... وَلَنْ تَبْلُغُوْا نَفْعِيْ وذلك لكمال سلطانه وكمال غناه، فكأنه تعالى قال: إنما طلبت منكم الاستغفار من الذنوب لالحاجتي لذلك ولا لتضرري بمعاصيكم ولكن المصلحة لكم.
٢٠-أن محل التقوى والفجور القلب، لقوله: "عَلَى أَتقَى قَلبِ رَجُلٍ وَاحدٍ مِنكُمْ" "عَلَى أَفجَرِ قَلبِ رَجُلٍ وَاحدٍ مِنكُمْ" ويشهد لهذا قول النبي ﷺ : "أَلاَ وَإِنَّ في الجَسَدِ مُضغَة إِذَا صَلُحَت صَلُحَ الجَسَد كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَت فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ" (١) ويتفرع على هذا: أنه يجب علينا أن نعتني بالقلب وننظر أين ذهب، وأين حلّ حتى نُطَهِّرهُ ونصفيه.
. ٢١كمال غنى الله وسعة غناه، لقوله: "يَا عِباديَ لَو أَنَّ أوَّلَكُم وَآَخِرَكُم وَإِنسكُم وَجِنكُم قَاموا في صَعيدٍ وَاحِدٍ ... " فهذا يدل على سعة غنى الله وسعة كرمه وجوده.
. ٢٢أنه يظهر أن اجتماع الناس في مكان واحد أقرب إلى الإجابة من تفرقهم، ولهذا أمِروا أن يجتمعوا في مسجد واحد في الجمعة، وأن يجتمعوا في مصلى العيد وفي الاستسقاء، وأن يجتمعوا في عرفات في مكان واحد، لأن ذلك أقرب إلى الإجابة..
٢٣جواز المبالغة بالقول، لقوله: "إِلا كَمَا يَنقُصُ المِخيطُ إِذَا أُدخِلَ البَحرَ" وهذا له نظير كما في قوله تعالى: (لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ
стр. 248
الْخِيَاطِ) (الأعراف: الآية٤٠)
. ٢٤أن الله يحصي أعمال العباد، أي يضبطها بالعدد فلا ينقص أحداً شيئاً، قال الله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ*وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) (الزلزلة: ٧، ٨) وهذا على سبيل المبالغة، فلو عَمِلَ أدنى من مثقال الذرة لرآه، لكن لما كانت الذرة من أصغر المخلوقات مما تضرب به العرب المثل في الصغر قال: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ) (الزلزلة: ٧) .
. ٢٥أن الله لا يظلم أحداً شيئاً، بل من عمل عملاً وجده، لقوله: "ثُمَّ أُوَفِّيْكُمْ إِيَّاهَا".
. ٢٦وجوب الحمد لله على من وجد خيراً، وذلك من وجهين:
الأول: أن الله يسره حتى عمله.
الثاني: أن الله تعالى أثابه.
. ٢٧جواز تحدث الإنسان عن نفسه بصيغة الغائب، لقوله: "فَمَن وَجَدَ خَيرَاً فَليَحمد الله" دون أن يقال: فمن وجد خيراً فليحمدني، والعدول عن ضمير المتكلم إلى أن تكون الصيغة للغائب من باب التعظيم، كما يقول الملك مثلاً وهو يأمر: يقول لكم الملك افعلوا كذا وكذا، فهو أبلغ مما لو قال: أقول لكم افعلوا كذا وكذا.
. ٢٨أن من تخلف عن العمل الصالح ولم يجد الخير فاللوم على نفسه.
فإن قال قائل: كيف يكون اللوم على نفسي وأنا لم يقدر لي هذا؟
فالجواب: أنك حين فعلت المعصية أو تركت الواجب لم تكن تعلم أنه قُدِرَ لك هذا، فالعاصي يقدم على المعصية وهو لا يعلم أنها كتبت عليه إلا إذا عملها، وكذلك تارك الواجب لا يعلم أنه كتب عليه ترك الواجب إلا إذا تركه، وإلا فلا يعلم، فاللوم عليك، فالرسل بلغت والقرآن حجة ومع ذلك تركت هذا كله، فاللوم عليك أنت، والله الموفق.
стр. 249
الحديث الخامس والعشرون
عَنْ أَبي ذَرٍّ ﵁ أَيضَاً أَنَّ أُنَاسَاً مِنْ أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالوا للنَّبي ﷺ يَارَسُولَ الله: ذَهَبَ أَهلُ الدثورِ بِالأُجورِ، يُصَلُّوْنَ كَمَا نُصَلِّيْ، وَيَصُوْمُوْنَ كَمَا نَصُوْمُ، وَيَتَصَدَّقُوْنَ بفُضُوْلِ أَمْوَالِهِمْ، قَالَ: (أَوَ لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُوْنَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيْحَةٍ صَدَقَة. وَكُلِّ تَكْبِيْرَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَحْمَيْدَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَهْلِيْلَةٍ صَدَقَةٌ وَأَمْرٌ بالِمَعْرُوْفٍ صَدَقَةٌ وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ وَفِيْ بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ قَالُوا: يَا رَسُوْلَ اللهِ أَيَأْتِيْ أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُوْنُ لَهُ فِيْهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فَيْ حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فَي الحَلالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ) (١) رَوَاهُ مُسْلِمٌ
الشرح
قوله: "أَنَ أُنَاسَاً" هؤلاء هم الفقراء قالوا للنبي ﷺ "ذَهَبَ أَهلُ الدثورِ" أي الأموال الكثيرة "بِالأُجورِ" أي الثواب عليها، وليس قصدهم بذلك الحسد، ولا الاعتراض على قدر الله، لكن قصدهم لعلهم يجدون أعمالاً يستطيعونها يقومون بها تقابل ما يفعله أهل الدثور.
"يُصَلونَ كَمَا نُصَلي، وَيَصومُونَ كَمَا نَصوم، وَيَتَصَدَّقونَ بِفُضولِ أَموَالِهم" يعني ولا نتصدق لأنه ليس عندنا شيء، فكيف يمكن أن نسبقهم أو نكون مثلهم، هذا مراد
стр. 250
الصحابة ﵃ وليس مرادهم قطعاً الاعتراض على قدر الله ، ولا أن يحسدوا هؤلاء الأغنياء.
قال النبي ﷺ : "أَوَلَيسَ قَد جَعَلَ اللهُ لَكُم مَا تَصَّدَّقونَ بِهِ"
الجواب: بلى، ثم بيّنَ لهم فقال: "إِنَ بِكُلِّ تَسبيحَةٍ صَدَقَةً" أي إذا قلت: سبحان الله فهي صدقة.
"وَبِكُلِّ تَكبيرَةٍ صَدَقَةً" إذا قلت الله أكبر فهذه صدقة.
"وَبِكُلِّ تَحميدَةٍ صَدَقَةً" إذا قلت الحمد لله فهذه صدقة.
" وَبِكُلِّ تَهليلَةٍ صَدَقَة" إذا قلت لا إله إلا الله فهي صدقة.
" وَأَمرٌ بِالمَعروفِ صَدَقَةٌ" إذا أمرت من رأيته مقصراً في شيء من الطاعات فهي صدقة.
" وَنَهيٌ عَن مُنكَرٍ صَدَقَةٌ" إذا رأيت شخصاً على منكر ونهيته فهي صدقة.
هذه الأشياء التي ذكرها النبي ﷺ وقال: إنها صدقة يستطيعها هؤلاء الفقراء، فأنتم املئوا الزمن من التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكلها صدقات.
والأغنياء يمكن أن لا يتصدقون كل يوم، وإذا تصدقوا باليوم لا يستوعبون اليوم بالصدقة، فأنتم قادرون على هذا.
ولما قرر النبي ﷺ هذا اقتنعوا ﵃ لكن لما قال: "وَفي بُضعِ أَحَدِكُم صَدَقَةٌ" أي أن الرجل إذا أتى أهله فله بذلك صدقة، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ استفهاماً وليس اعتراضاً، لكن يريدون أن يعرفوا وجه ذلك، كيف يأتي الإنسان أهله وشهوته ويقال إنك مأجور؟! أي أن الإنسان قد يستبعد هذا ولكن النبي ﷺ بيَّن لهم وجه ذلك فقال: "أَرَأيتُم لو وَضَعَها في حَرَامٍ أَكَانَ عَليهِ
стр. 251
وِزر؟ " والجواب: نعم يكون عليه وزر لو وضعها في حرام.
قال ﷺ "فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَها في الحَلالِ كَانَ لَهُ أَجرٌ" فاستغنى عن الحرام فكان مأجوراً بهذا، وهذا ما يسمى عند العلماء بقياس العكس، أي إذا ثبت هذا ثبت ضده في ضده.
من فوائد هذا الحديث:
. ١مسارعة الصحابة ﵃ وتسابقهم إلى العمل الصالح، لأن هؤلاء الذين جاؤوا يقولون للرسول ﷺ : إنه ذهب أهل الدثور بالأجور لا يريدون الحسد، لكن يريدون أن يفتح لهم النبي ﷺ باباً يدركون به هذا السبق.
. ٢أن الصحابة ﵃ يستعملون أموالهم فيما فيه الخير في الدنيا والآخرة، وهو أنهم يتصدقون.
. ٣أن الاعمال البدنية يشترك فيها الغني والفقير، لقولهم: "يُصَلونَ كَمَا نُصَلي، وَيَصومُونَ كَمَا نَصوم" وهو كذلك، وقد يكون أداء الفقير أفضل وأكمل من أداء الغني.
. ٤أن النبي ﷺ فتح للفقراء أبواباً من الخير، لقوله: "أَوَلَيسَ قَد جَعَلَ اللهُ لَكُم مَا تَصَّدَّقونَ بِهِ" وذكر الأبواب.
. ٥تقرير المخاطب بما لا يمكنه إنكاره، لقوله: "أَوَلَيسَ قَد جَعَلَ اللهُ لَكُم مَا تَصَدَّقونَ بِهِ" لأن هذا أبلغ في إقامة الحجة عليه..
٦أن ما ذكره النبي ﷺ من الأعمال كله صدقة، لكن هذه الصدقة منها واجب، ومنها غير واجب، ومنها متعدٍ، ومنها قاصر حسب ما سنذكره.
стр. 252
قال: (إِنَّ بِكُلِّ تَسبيحَةٍ صَدَقَةً، وَبِكُلِّ تَكبيرَةٍ صَدَقَةً، وَبِكُلِّ تَحميدَةٍ صَدَقَةً، وَبِكُلِّ تَهليلَةٍ صَدَقَةً) هذا كله قاصر ومنه واجب، ومنه غير واجب.
فالتكبير منه واجب ومنه غير واجب، فتكبير الصلوات واجب، وتكبير أذكار الصلاة بعدها مستحب، وهكذا يقال في التسبيح والتهليل.
"وَأَمرٌ بِالمَعروفِ صَدَقَةٌ، وَنَهيٌ عَن مُنكَرٍ صَدَقَةٌ" هذا من الواجب، لكن الأمر بالمعروف تارة يكون واجباً وجوب عين على من قدر عليه ولم يوجد غيره، وكذلك النهي عن المنكر، وتارة يكون واجب كفاية لمن قدر عليه ولكن هناك من يقوم مقامه، وتارة يكون مستحباً وذلك في الأمر بالمعروف المستحب، والنهي عن المنكر المكروه إن صح أن يطلق عليه اسم منكر.
والأمر بالمعروف لابد فيه من شرطين:
الشرط الأول: أن يكون الآمر عالماً بأن هذا معروف، فإن كان جاهلاً فإنه لا يجوز أن يتكلم، لأنه إذا أمر بما يجهل فقد قال على الله تعالى ما لا يعلم.
الشرط الثاني: أن يعلم أن هذا المأمور قد ترك المعروف، فإن لم يعلم تركه إياه فليستفصل، ودليل ذلك أن رجلاً دخل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فجلس، فقال له: "أصليت؟ قال: لا، قال: قم فصل ركعتين وتجوز فيهما" (١) فلم يأمره بصلاة ركعتين حتى سأله هل فعلهما أولا، فلابد أن تعلم أنه تارك لهذا المعروف.
والنهي عن المنكر كذلك لابد فيه من شروط:
الشرط الأول: أن تعلم أن هذا منكر بالدليل الشرعي، لا بالذوق ولا بالعادة ولا بالغيرة ولا بالعاطفة، وليس مجرد أن ترى أنه منكر يكون منكراً، فقد ينكر الإنسان ما
стр. 253
كان معروفاً.
الشرط الثاني: أن تعلم أن هذا المخاطب قد وقع في المنكر، فإن لم تعلم فلا يجوز أن تنهى، لأنك لو فعلت لعد ذلك منك تسرعاً ولأكل الناس عرضك، بل لابد أن تعلم أن ما وقع فيه منكر، مثال ذلك:
رأيت رجلاً في البلد يأكل ويشرب في رمضان ولنقل في المسجد الحرام، فليس لك أن تنكر عليه حتى تسأله هل هو مسافر أم لا؟ لأنه قد يكون مسافراً والمسافر يجوز له أن يأكل ويشرب في رمضان، فلابد أن تعلم أن هذا المخاطب قد وقع في هذا المنكر.
الشرط الثالث: أن لا يزول المنكر إلى ما هو أعظم، فإن زال المنكر إلى ما هو أعظم كان إنكاره حراماً، لأن إنكاره يعني أننا حولناه مما هو أخف إلى ما هو أشد.
وتحت هذه المسألة أربعة أقسام:
القسم الأول: أن يزول المنكر بالكلية.
القسم الثاني: أن يخف.
القسم الثالث: أن يتحول إلى منكر مثله.
القسم الرابع: أن يتحول إلى منكر أعظم.
فإذا كان إنكار المنكر يزول فلا شك أن الإنكار واجب.
وإذا كان يخف فالإنكار واجب، لأن تخفيف المنكر أمر واجب.
وإذا كان يتحول إلى ما هو مثله فمحل نظر، هل يُرجَّح الإنكار أو لا، فقد يرجح الإنكار لأن الإنسان إذا تغيرت به الأحوال وانتقل من شيء إلى شيء ربما يكون أخف، وقد يكون الأمر بالعكس بحيث يكون بقاؤه على ما هو عليه أحسن من نقله لأنه إذا تعود التنقل انتقل إلى منكرات أخرى.
стр. 254
وإذا كان يتحول إلى ما هو أعظم فالإنكار حرام.
فإذا قال قائل: علل أو دلل لهذه الأقسام؟
فنقول: أما إذا كان إنكاره يقتضي زواله فوجوبه ظاهر لقول الله تعالى: (وتعاونوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة: الآية٢) وقوله: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (آل عمران: الآية١٠٤) وقول النبي ﷺ : "وَالَّذي نَفسي بيَده لتَأمُرنَّ بِالمَعروفِ وَتَنهَونَّ عَنِ المُنكَر وَلِتَأخُذنَّ عَلى يَدِ الظَالِمِ وَلِتَأطُرَنَّهُ عَلى الحقَِّّ أَطراً" (١) وذكر الحديث وعيداً شديداً.
أما إذا كان الإنكار يؤدي إلى تخفيفه فالتعليل أن تخفيف الشر واجب، وقد يقال: إن الأدلة السابقة دليل على هذا، لأن هذا الزائد منكر يزول بالإنكار فيكون داخلاً فيما سبق.
أما إذا كان يتحول إلى ما هو أنكر فإن الإنكار حرام، ودليل ذلك قول الله : (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) (الأنعام: الآية١٠٨) فنهى عن سب آلهة المشركين مع أنه أمر واجب، لأن سب آلهتهم يؤدي إلى سب من هو منزه عن كل نقص وهو الله ، فنحن إذا سببنا آلهتهم سببنا بحق، وهم إذا سبوا الله سبوه عدواً بغير حق.
ويذكر عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه مر مع صاحب له على قوم من التتر يشربون الخمر ويفسقون، ولم ينههم شيخ الإسلام عن هذا فقال له صاحبه: لماذا لا تنهاهم؟ وكان ﵀ ممن عرف بإنكار المنكر، فقال: لو نهيت هؤلاء لقاموا إلى بيوت الناس ونهبوها وانتهكوا أعراضهم، وهذا أعظم مما هم عليه الآن -
стр. 255
فانظر للفقه في دين الله
"وَفي بُضع أَحَدِكُم صَدَقَةٌ" هذه الصدقة قد تكون من الواجب تارة، ومن المستحب تارة.
إذا كان الإنسان يخاف على نفسه الزنى إن لم يأت أهله صار من الصدقة الواجبة، وإلا فهو من الصدقة المستحبة.
وظاهر قوله: "وَفي بُضع أَحَدِكُم صَدَقَةٌ" أن ذلك صدقة وإن كان على سبيل الشهوة لا علي سبيل الانكفاف عن الحرام، لأنه إذا كان على سبيل الانكفاف عن الحرام فالأمر واضح أنه صدقة، لأنه يدفع الحرام بالمباح، لكن إذا كان لمجرد الشهوة فظاهر الحديث أن ذلك صدقة، وله وجه، ومن الوجوه:
الأول: أن الإنسان مأمور أن لا يمنع نفسه ما تشتهي إذا كان ذلك في غير معصية الله لقول النبي ﷺ "إِنَّ لِنَفسِكَ عَليكَ حَقًّا" (١) .
والثاني: أنه إذا أتى أهله فقد أحسن إلى أهله، لأن المرأة عندها من الشهوة ما عند الرجل، فهي تشتهي الرجل كما يشتهيها، فإذا أتاها صار محسناً إليها وصار ذلك صدقة.
. ٧أن الصحابة ﵃ لا يتركون شيئاً مشكلاً إلا سألوا عنه، لقولهم
"أَيأتي أَحَدنَا شَهوَتَهُ وَيَكَون لَهُ فيهَا أَجر".
وبه نعلم أن كل شيء لم يسأل عنه الصحابة مما يُظن أنه من أمور الدين فإن السؤال عنه بدعة، لأنه لو كان من دين الله لقيض الله من يسأل عنه حتى يتبين.
ومن ذلك: لما حدث النبي ﷺ عن الدجال أن أول يوم من أيامه كسنة، قالوا يا
стр. 256
رسول الله هذا اليوم الذي كسنة يكفينا فيه صلاة واحدةـ فقال "لاَ، اقدِروا لَهُ قَدرَهُ" فكل شيء يحتاج إليه الناس في دينهم فإما أن يصدر من النبي ﷺ ابتداءً، وإما أن يُسأل عنه، ومالم يرد عن النبي ﷺ ابتداءً ولا جواباً لسؤال وهو مما يتعلق بالدين فالسؤال عنه بدعة.
ومن ذلك ما يفعله بعض المتنطعين في أسماء الله وصفاته، أو بعض المتنطعين فيما جاء الخبر عنه من أحوال يوم القيامة، نقول لهؤلاء: إنكم مبتدعة، أو نقول على الأقل إن هذا بدعة، لأنه قد يكون السائل لا يريد أن يبتدع فنقول: هذا السؤال بدعة وإن كنا لا نصف السائل بأنه مبتدع.
فقد يكون العمل بدعة وفاعله ليس بمبتدع لأنه لا يعلم، أو لتأويل أو ما أشبه ذلك.
. ٨حسن تعليم النبي ﷺ حيث ضرب المثل الذي يقتنع به المخاطب، وهذا من حسن التعليم أن تقرب الأمور الحسيّة بالأمور العقلية، وذلك في قوله: "أَرَأيتُمْ لَو وَضَعَهَا فِي الحَرامِ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزرٌ، فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الحَلالِ كَانَ لَهُ أَجرٌ".
. ٩أن القياس حجة، فقياس الموافقة كثير جداً ولا إشكال فيه بأن تقيس هذا الشيء على هذا الشيء في حكم من الأحكام يجب هذا قياساً على هذا، ويحرم هذا قياساً على هذا.
لكن قياس العكس صحيح أيضاً، لأن النبي ﷺ قاس هذا القياس قياس عكس، يعني فإذا كانت الشهوة الحرام وزراً فالشهوة الحلال أجر، وهذا واضح.
. ١٠أن الاكتفاء بالحلال عن الحرام يجعل الحلال قربة وصدقة، لقوله: "وَفِي بُضْع أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ" والله الموفق.
стр. 257
الحديث السادس والعشرون
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلُّ يَومٍ تَطْلُعُ فِيْهِ الشَّمْسُ: تَعْدِلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِيْنُ الرَّجُلَ في دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُ لَهُ عَلَيْهَا أَو تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ خُطْوَةٍ تَمْشِيْهَا إِلَى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيْطُ الأَذى عَنِ الطَّرِيْقِ صَدَقَةٌ" (١) رواه البخاري ومسلم. .
الشرح
السلامى هي المفاصل، وقيل: العظام، والمعنى واحد لايختلف، لأن كل عظم مفصول عن الآخر بفاصل فإنه يختلف عنه في الشكل، وفي القوة، وفي كل الأمور وهذا من تمام قدرة الله فليس الذراع كالعضد، وليست الأصابع كالكف، فكل ما فصل عن غيره من العظام فله ميزة خاصة، ولذلك كان على كل سلامى صدقة.
وجاء في صحيح مسلم أن السلامى ثلاثمائة وستون مفصلاً، هكذاجاء في الحديث (٢) ، والطب الحديث يوافق هذا - سبحان الله - مما يدل على أن رسالة النبي ﷺ حق.
стр. 258
وقوله: "كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ" (كل سلامى) مبتدأ، و (من الناس) بيان لـ: (كل) أو: لـ (سلامى) ، (عليه صدقة) مبتدأ وخبر (كل) والمعنى: كل مفصل عليه صدقة.
وقوله: "كُلُّ يَومٍ تَطْلُعُ فِيْهِ الشَّمسُ" يعني كل يوم يصبح على كل عضو من أعضائنا صدقة، أي ثلاثمائة وستون في اليوم، فيكون في الأسبوع ألفين وخمسمائة وعشرين.
لكن من نعمة الله أن هذه الصدقة عامة في كل القربات، فكل القربات صدقات، وهذا شيء ليس بصعب على الإنسان، مادام كل قربة صدقة فما أيسر أن يؤدي الإنسان ما يجب عليه.
ثم قال: "تَعْدِلُ بَينَ اثنَيْنِ صَدَقَة" تعدل أي تفصل بينهما إما بصلح وإما بحكم، والأولى العدل بالصلح إذا أمكن ما لم يتبين للرجل أن الحكم لأحدهما، فإن تبين أن الحكم لأحدهما حرم الصلح، وهذا قد يفعله بعض القضاة، يحاول أن يصلح مع علمه أن الحق مع المدعي أو المدعى عليه، وهذا محرم لأنه بالإصلاح لابد أن يتنازل كل واحد عما ادعاه فيحال بينه وبين حقه.
إذاً العدل بين اثنين بالصلح أو بالحكم يكون صدقة، لكن إن علم أن الحق لأحدهما فلا يصلح، بل يحكم بالحق.
"وَتُعِيْنُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ" أي بعيره مثلاً "تَحْمِلُهُ عَلَيْهَا" إذا كان لايستطيع أن يركب تحمله أنت وتضعه على الرحل هذا صدقة "أَو تَحْمِلُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ" متاعه ما يتمتع به في السفر من طعام وشراب وغيرهما، تحمله على البعير وتربطه، هذا صدقة.
"وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ" أي كلمة طيبة سواء طيبة في حق الله كالتسبيح والتكبير والتهليل، أو في حق الناس كحسن الخلق صدقة.
"وَبِكُلِّ خُطوَةٍ تَخْطُوهَا إِلَى الصَّلاةِ صَدَقَة" سواء بعدت المسافة أم قصرت، وإذا
стр. 259
كان قد تطهر في بيته وخرج إلى الصلاة لايخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفع الله له بها درجة، وحطّ عنه بها خطيئة.
فيكتسب شيئين: رفع الدرجة، وحطّ الخطيئة.
وقد استحب بعض العلماء ﵏ أن يقارب الإنسان خطواته إذا ذهب إلى المسجد، ولكن هذا استحباب في غير موضعه، ولادليل عليه، لأن النبي ﷺ لما أخبر أن بكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة لم يقل: فليدن أحدكم خطواته، ولو كان هذا أمراً مقصوداً مشروعاً لبيّنه النبي ﷺ . ولكن لايباعد الخطا قصداً ولايدنيها قصداً، بل يمشي على عادته.
وهذا نظير قول بعضهم: يستحب لمن دخل المسجد أن ينوي الاعتكاف مدة لبثه فيه ليحصل له انتظار الصلاة والاعتكاف، مثال ذلك:
حضر الإنسان إلى المسجد الجامع في الساعة الواحدة يوم الجمعة، قالوا: ينبغي أن ينوي الاعتكاف مدة لبثه فيه ليحصل له ثواب الاعتكاف وثواب انتظار الصلاة، وهذا في غير محلّه ولاصحة له. لأنه لو كان هذا أمراً محبوباً إلى الله ومشروعاً في الإسلام لبينه النبي ﷺ ، وقد تكلم على ثواب من راح في الساعة الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة ولم يقل للناس: انووا الاعتكاف مدة لبثكم في المسجد.
فهذا مما يستحسنه بعض العلماء، ولكن لايتفطن أن استحباب شيء يتقرب به الإنسان إلى الله بدون أصل يعتبر بدعة لا صحة له.
ثم إن الاعتكاف المشروع الذي يُطلب من الإنسان ويقال اعتكف هو الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان فقط، فلا يقال للإنسان اعتكف في أي وقت إلا في هذه العشر.
والدليل على هذا: أن النبي ﷺ اعتكف العشر الأول من رمضان يتحرى ليلة
стр. 260
القدر، ثم اعتكف العشر الأوسط، ثم قيل له: إنها في العشر الأواخر. فاعتكف العشر الأواخر (١) ، ولم يعد إلى اعتكاف العشر الأول ولا الأوسط في العام القادم مع أنه قد فعله، وكان النبي ﷺ إذا فعل شيئاً أثبته.
فدل هذا على أن الاعتكاف غير مشروع في غير العشر الأواخر من رمضان، ثم إن سبب الاعتكاف هو تحرّي ليلة القدر، وليلة القدر تكون في العشر الأواخر من رمضان.
فالعبادات محددة شرعاً، ولا تكون عبادة إلا إذا وافقت الشريعة في ستة أمور، وقد سبق ذكرها.
"وَتُمِيطُ الأذَى عَنِ الطَّرِيْقِ صَدَقَةٌ" أي تزيل الأذى وهو ما يؤذي المارة من حجر أو زجاج أو قاذورات فأي شيء يؤذي المارين إذا أميط عن طريقهم فإنه صدقة.
من فوائد هذا الحديث:
. ١وجوب الصدقة على كل إنسان كل يوم تطلع فيه الشمس عن كل عضو من أعضائه، لأن قوله: "عَلَيهِ صَدَقَة" وعلى للوجوب، ووجه ذلك: أن كل إنسان يصبح سليماً يجب عليه أن يشكر الله ، سليماً في كفه، في ذراعه، في عضده، في ساقه، في فخذه، في كل عضو من أعضائه عليه نعمة من الله فليشكرها.
فإن قال قائل: قد يكون في إحصاء ذلك صعوبة؟
فالجواب: أنه صح عن النبي ﷺ أنه يجزئ من ذلك - أي بدلاً عنه، لأن (من) هنا
стр. 261
بدليّة بمعنى بدل ذلك - ركعتان يركعهما من الضحى (١) ، فإذا ركعت ركعتين من الضحى صار الباقي نفلاً وتطوعاً. ويؤخذ من هذه الرواية: أنه ينبغي للإنسان أن يداوم على ركعتي الضحى، وجه ذلك: أنها تأتي بدلاً عن هذه الصدقات أي بدلاً عن ثلاثمائة وستين صدقة، وهذا القول هو الراجح: أنه تسن المداومة على ركعتي الضحى.
ووقتها: من ارتفاع الشمس قيد رمح في رأي العين، إلى قبيل الزوال يعني بعد طلوع الشمس بنحو ثلث ساعة إلى قبيل الزوال بعشر أوخمس دقائق، وآخر الوقت أفضل.
وأقلها ركعتان وأكثرها لاحد له، فصلِّ ما شئت فأنت على خير.
. ٢أن الشمس هي التي تدور على الأرض، فيأتي النهار بدل الليل، لقوله: "تَطْلُعُ فِيْهِ الشَّمْسُ" وهذا واضح أن الحركة حركة الشمس، ويدل لهذا قول الله تعالى: (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَال) (الكهف: الآية١٧) أربعة أفعال مضافة إلى الشمس، وقال تعالى عن سليمان: (فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) (صّ: ٣٢)
أي الشمس (بِالْحِجَابِ) أي بالأرض، وقال النبي ﷺ لأبي ذرٍّ ﵁ حين غربت الشمس: أَتَدْرِيْ أَيْنَ تَذْهَبُ؟ قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ (٢) فأضاف الذهاب إليها أي إلى الشمس.
أفبعد هذا يمكن أن نقول: إن الأرض هي التي تدور، ويكون في دورانها اختلاف الليل والنهار؟ لايمكن إلا إذا ثبت عندنا ثبوتاً قطعياً نستطيع به أن نصرف ظاهر النصوص إلى معنى يطابق الواقع، فإذا ثبت فالقرآن والسنة لايخالف الواقع، ولكن
стр. 262
كيف نتصرف مع هذه الأفعال التي ظاهرها أن الشمس هي التي تدور؟
نتصرف فنقول: تطلع في رأي العين، لأنك أنت مثلاً واقف في السطح أو في البر ترى الشمس تطلع وترتفع في رأي العين، نقول هذا: إذا ثبت قطعاً ثبوتاً حسيّاً أن اختلاف الليل والنهار يكون بدوران الأرض، وهذا إلى الآن لم نصل إليه، فيجب إبقاء النص على ما هوعليه.
فإذا قال قائل: كيف يتصور الإنسان أن الكبير يدور على الصغير، لأنك إذا نسبت الأرض إلى الشمس فليست بشيء، أي صغيرة.
نقول: إن الذي أدار الكبير على الصغير هو الله ، وهو على كل شيء قدير، ولامانع.
فهذامانعتقده حول هذه المسألة، ومع ذلك لو قال قائل: هل الدلالة قطعية؟
فالجواب: الدلالةليست قطعية، بل ظنية، ونحن علينا أن نعمل بالدليل الظني الذي هو ظاهر النص حتى يُعارض بدليل قطعي، ولايجوز أن نقول: إن دلالة الآية والحديث على دوران الشمس على الأرض قطعية، لأنه ربما يأتي الوقت الذي نقطع بأن اختلاف الليل والنهار بدوران الأرض، وحينئذ نقول بالمحال، لأن تعارض الدليلين القطعيين محال، إذ تعارضهما يقتضي انتفاء أحدهما، ومادمنا نقول إنهما قطعيان فلا يمكن أن ينتفيا.
وإذا تقرر بالدليل القطعي أن الأرض هي التي تدور فقد يستدل لذلك مستدلّ بقوله تعالى: (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) (النحل: الآية١٥) تميد أي تضطرب، قالوا: وانتفاء الاضطراب يدل على وجود أصل الحركة، كما أن قوله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) (الأنعام: الآية١٠٣) يدل على ثبوت رؤية الله حيث نفى الأخص، ونفي الأخص يدل على ثبوت الأعم ولكن إلى الآن لم نصل إلى القطع بأن
стр. 263
اختلاف الليل والنهار يكون بدوران الأرض لا بدوران الشمس.
. ٣فضيلة العدل بين الاثنين، وقد حث الله على الصلح فقال تعالى: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) (النساء: ١٢٨)
فالصلح خير، والعدل بين الخصمين في الحكم واجب.
. ٤الحث على معونة الرجل أخاه، لأن معونته إياه صدقة، سواء في المثال الذي ذكره الرسول ﷺ أو في غيره.
المثال الذي ذكره هو: أن يعينه في دابته فيحمله عليها أو يرفع له عليها متاعه، ولكنْ هناك أمثال كثيرة ومن ذلك:
لو وجدت إنساناً على الطريق وطلب منك أن تحمله إلى البلد وحملته، فإنه يدخل في هذا من باب أولى.
ولكن هل يجب عليك أن تحمله، أولا يجب؟
الجواب: إن كان في مهلكة وأمنت منه وجب عليك أن تحمله وجوباً لإنقاذه من الهلكة، والمهلكة إما لقلة الماشي فيها، أو لأن فيها قطاع طريق ربما يقضون على هذا الرجل.
فإن لم تأمن من هذا الرجل فلا يلزمك أن تحمله، مثل أن تخاف من أن يغتالك أو يحول مسيرك إلى اتجاه آخر بالقوة فلا يلزمك لقول النبي ﷺ : "لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ" (١) .
إذاً معنى الحديث الحث على معونة إخوانك المسلمين حتى في غير المثال الذي ذكره النبي ﷺ ، وكلما كان أخوك أحوج إلى معونتك كانت المعونة أفضل، وكلما كانت
стр. 264
المعونة أنفع لأخيك كانت أفضل.
وليس من هذا النوع أن تعين زميلك في وقت الاختبار على معرفة الجواب الصحيح، ويقال: هذا منكر وخيانة للأمانة، وأنت لو فعلت فقد أعنته على منكره فلايجوز.
. ٥الحث على الكلمة الطيبة لقوله: "وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ" والله لا أطيب من كلام الله القرآن، كل كلمة في القرآن فهي صدقة.
والكلمة الطيبة تكون طيبة في أسلوبها، وفي موضوعها، وفي إلقائها، وفي نواح أخرى، فإذا رأيت شخصاً وتكلمت معه بكلام طيب مثل: السلام عليكم، حياكم الله، صبحكم الله بالخير فهذه كلمة طيبة لكن بشرط أن لايكون ذلك مملاً بمعنى أن تبقى معه مدة وأنت تقول مثل هذا الكلام، لأنه إذا كان مملاً انقلب إلى غير طيب، ولكل مقام مقال.
المهم القاعدة: كل كلمة طيبة فهي صدقة.
. ٦أن إزالة الأذى عن الطريق صدقة، وبقياس العكس نقول: وضع الأذى في الطريق جريمة وأذية، ويتفرع على هذه الفائدة:
إذا كان إماطة الأذى عن الطريق الحسّي صدقة فإماطة الأذى عن الطريق المعنوي أبلغ وذلك ببيان البدع والمنكرات وغيرها، والمنكرات كسفاسف الأخلاق من الدعارة واللواط وشرب الخمر والدخان وغيرها، فبيان هذه الأشياء لئلا يمارسها الناس تعتبر صدقة وأعظم من إماطة الأذى عن الطريق الحسي.
ومن إماطة الأذى عن الطريق المعنوي قتل داعية الفساد، لكنه ليس إلينا بل إلى ولي الأمر.
. ٧أن كل ما يقرب إلى الله من عبادة وإحسان إلى خلقه فإنه صدقة، وما ذكره النبي ﷺ فهو أمثلة على ذلك. والله الموفق.
стр. 265
الحديث السابع والعشرون
عن النواس بن سمعان ﵄، عن النبي ﷺ قال: ((البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس)) . رواه مسلم (١) . وعن وا بصة بن معبد رضى الله عنه، قال: أتيت رسول الله ﷺ ، فقال: ((جئت تسأل عن البر والإثم؟)) قلت: نعم؛ قال: ((استفت قلبك؛ البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن اليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك)) (٢) .
قال الشيخ ﵀ حديث حسن، رويناه في مسندي الإمام أحمد بن حنبل، والدارمي بإسناد حسن.
الشرح
قوله (البر) أي الذي ذكره الله تعالى في القرآن فقال (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة: الآية٢) والبر كلمة تدل على كثرة الخير.
(حسن الخلق) أي حسن الخلق مع الله، وحسن الخلق مع عباد الله، فأما حسن الخلق مع الله فان تتلقي أحكامه الشرعية بالرضا والتسليم، وأن لا يكون في نفسك حرج منها ولا تضيق بها ذرعا، فإذا أمرك الله بالصلاة والزكاة والصيام وغيرها فإنك تقابل هذا بصدر منشرح.
стр. 266
وأيضا حسن الخلق مع الله في أحكامه القدرية، فالإنسان ليس دائما مسرورا حيث يأتيه ما يحزنه في ماله أو في أهله أو في نفسه أو في مجتمعه والذي قدر ذلك هو الله فتكون حسن الخلق مع الله، وتقوم بما أمرت به وتنزجر عما نهيت عنه.
أما حسن الخلق مع الناس فقد سبق أنه: بذل الندى وكف الأذى والصبر على الأذى، وطلاقة الوجه.
وهذا هو البر والمراد به البر المطلق، وهناك بر خاص كبر الوالدين مثلا وهو الإحسان إليهما بالمال والبدن والجاه وسائر الإحسان.
وهل يدخل بر الوالدين في قوله (حسن الخلق) ؟
فالجواب: نعم يدخل لأن بر الوالدين لا شك أنه خلق حسن محمود كل أحد يحمد فاعله عليه.
(والإثم) هو ضد البر لأن الله تعالى قال: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: الآية٢) فما هو الإثم؟
(الإثم ما حاك في نفسك) أي تردد وصرت منه في قلق ((وكرهت أن يطلع عليه الناس)) لأنه محل ذم وعيب، فتجدك مترددا فيه وتكره أن يطلع الناس عليك وهذه الجملة إنما هي لمن كان قلبه صافيا سليما، فهذا هو الذي يحوك في نفسه ما كان إثما ويكره أن يطلع عليه الناس.
أما المتمردون الخارجون عن طاعة الله الذين قست قلوبهم فهؤلاء لا يبالون، بل ربما يتبجحون بفعل المنكر والإثم، فالكلام هنا ليس عاما لكل أحد بل هو خاص لمن كان قلبه سليما طاهرا نقيا؛ فإنه إذا هم بإثم وإن لم يعلم أنه إثم من قبل الشرع تجده مترددا يكره أن يطلع الناس عليه، وهذا ضابط وليس بقاعدة، أي علامة على الإثم في قلب المؤمن.
стр. 267
من فوائد الحديث:
١. ... أن النبي ﷺ أعطي جوامع الكلم، يتكلم بالكلام اليسير وهو يحمل معاني كثيرة لقوله (البر حسن الخلق) كلمة جامعة مانعة.
٢. ... الحث على حسن الخلق وأنك متى أحسنت خلقك فإنك في بر.
فإن قال قائل: وهل البر ينافي الغضب لله ؟ يعني لو غضبت على إنسان وشددت عليه فهل ذلك ينافي البر وحسن الخلق؟
الجواب: إن ذلك لا ينافي حسن الخلق، بل هذا من حسن الخلق لأن المقصود به التربية والتوجيه، فهو من حسن الخلق؛ ولهذا كان النبي صلي الله عليه وسلم لا ينتقم لنفسه؛ لكن إذا انتهكت محارم الله كان أشد الناس فيها (١) .
٣. ... إن المؤمن الذي قلبه صافٍ سليم يحوك في نفسه الإثم وإن لم يعلم أنه إثم
بل يتردد فيه لقوله ((والإثم ما حاك في نفسك)) وهو يخاطب النواس بن سمعان وأمثاله وموقف الإنسان إذا حاك في نفسه شيء هل هو إثم أو غير إثم أن يدع هذا حتى يتبين لقوله ﷺ (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) (٢) ولا تتجاسر فتقع في الشبهات ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام (٣) كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ .
٤. ... إن الرجل المؤمن يكره أن يطلع الناس على آثامه لقوله ((وكرهت أن يطلع عليه الناس)) أما الرجل الفاجر المتمرد فلا يكره أن يطلع الناس على آثامه، بل من الناس من يفتخر ويفاخر بالمعصية كما يوجد في الفسقة الذين يذهبون
إلى بلاد كلها
стр. 268
فجور وخمور ثم يأتي مفتخرا فيتحدث أنه فجر بكم إمرأة، وأنه شرب كم كأسا من الخمر فتكون السئية عنده حسنة، ويكون مستهترا بأحكام الله ، ومثل هذا يستتاب فإن تاب وإلا قتل. لأن هذا من أعظم السخرية بدين الله ، يأتي يتبجح بما وصفه الله بأنه فاحشة كالزنى ويأتي يتبجح بشرب من لعن النبي صلي الله عليه وسلم شاربه فأين الدين وأين الإيمان.
وإذا عومل مثل هذا بما يستحق ارتدع كثير من الناس عن مثل هذه الأمور. والله المستعان.
عن وابصة الأسدي قال: أتيت رسول الله ﷺ وأنا أريد أن لا أدع شيئا من البر والإثم إلا سألته عنه وحوله عصابة من المسلمين يستفتونه فجعلت أتخطاهم قالوا: إليك يا وابصة عن رسول الله ﷺ قلت: دعوني فأدنوا منه، فإنه أحب الناس إلي أن أدنو منه قال: (دعو وابصة، أدن يا وابصة) مرتين أو ثلاثا قال: فدنوت منه حتى قعدت بين يديه فقال: (يا وابصة أخبرك أو تسألني؟) قلت: لا، بل أخبرني فقال: ((جئت تسأل عن البر والإثم؟)) فقال: نعم؛ فجمع أنامله فجعل ينكت بهن في صدري ويقول: ((يا وابصة استفت قلبك؛ واستفت نفسك) ثلاث مرات (البر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك)) (١) .
قوله: (جئت تسأل عن البر) قلت: نعم هذه جملة خبرية في ظاهرها ولكنها استفهامية في معناها فمعنى (جئت تسأل عن البر) يعني أجئت تسال عن البر؟
والجملة الخبرية تأتي بمعني الأستفهام كثيرا قال الله : (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ) (الأنبياء: ٢١) فجمله (هُمْ يُنْشِرُونَ) جملة استفهامية حذفت منها همزة الإستفهام والتقدير: أهم ينشرون حتى يتخذوهم آلهة ولهذا ينبغي
стр. 269
للقارئ ألا يصل قوله (هُمْ يُنْشِرُونَ) بقوله (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ) (الأنبياء: ٢١) يقول: (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ) (هُمْ يُنْشِرُونَ) حتى يتبين المعنى لأنك لو وصلت لظن السامع أنها صفة لـ: آلهة.
فإن قال قائل: كيف وقع في قلب النبي صلي الله عليه وسلم أن هذا الرجل جاء يسأل عن البر؟
فالجواب: قضايا الأعيان لا يسأل عنها، هذه قضية عين يحتمل أن النبي ﷺ بلغه أن وابصة ﵁ يسأل عن البر، فلما أتى إليه قال له: (أجئت تسأل عن البر) ويحتمل أن هذا من فراسة النبي ﷺ فالمهم: أن قضايا الأعيان يصعب جدا أن يدرك الإنسان أسبابها.
(قلت نعم قال: استفت قلبك) أي اسأل والاستفتاء طلب الافتاء وهو بمعنى الخبر لأن الافتاء إخبار عن حكم شرعي فأحاله النبي ﷺ على قلبه.
(البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس) اطمأن يعني: استقر ومنه الحديث: (اركع حتى تطمئن راكعا) (١) أي تستقر فما استقر إليه القلب ورضي به وانشرح به واطمأنت إليه النفس أيضا لا تحدثك نفسك بالخروج عنه فهذا هو البر ولكن لمن قلبه سليم ونيته صادقه. أما من ليس كذلك فقلبه لا يطمئن للبر ولا تطمئن إليه نفسه ولهذا تجده إذا شرع في البر يضيق ذرعا ويسرع هربا حتى كأنه مطرود، لكن المؤمن يطمئن قلبه وتطمئن نفسه إلى البر.
(والإثم ما حاك في النفس) أي تردد فيها (وتردد في الصدر) يعني في القلب لأنه قال: (البر ما اطمأنت إليه نفسك وأطمأن إليه القلب) .
(وإن أفتاك الناس وأفتوك) هذا من باب التوكيد يعني حتى لو أفتاك وأفتاك وأفتاك
стр. 270
فلا ترجع إلى فتواهم ما دام قلبك لم يطمئن ولم يستقر فلا تلتفت للفتوى.
من فوائد الحديث:
١. ... حسن خلق النبي ﷺ حيث يتقدم للسائل بما في نفسه ليستريح ويطمئن لقوله (جئت تسأل عن البر؟) .
٢. ... جواز حذف همزة الإستفهام إذا دل عليها الدليل، لكن هذا ليس حكما شرعيا إنما هو حكم لغوي.
٣. ... أن (نعم) جواب لإثبات ما سئل عنه فقول وابصة ﵁ (نعم) أي جئت أسأل عن البر؛ ولهذا لو أجاب الإنسان بها من سأله عن شيء فمعناها إثبات ذلك الشيء.
٤. ... جواز الرجوع إلى القلب والنفس لكن بشرط أن يكون هذا الذي رجع إلى قلبه ونفسه ممن استقام دينه؛ فإن الله يؤيد من علم الله منه صدق النية.
٥. ... أن الصوفية وأشباههم استدلوا بهذا الحديث على أن الذوق دليل شرعي يرجع إليه لأنه قال: (استفت قلبك) فما وافق عليه القلب فهو بر.
فيقال: هذا لا يمكن لأن الله تعالى أنكر على من شرعوا دينا لم يأذن به الله، ولا يمكن أن يكون ما أنكره الله حقا أبدا.
ثم إن الخطاب هنا لرجل صحابي حريص على تطبيق الشريعة فمثل هذا يؤيده الله ويهدي قلبه حتى لا يطمئن إلا إلى أمر محبوب إلى الله
٦. ... أن لا يغتر الإنسان بإفتاء الناس لا سيما إذا وجد في نفسه ترددا؛ فإن كثيراً
من الناس يستفتي عالما أو طالب علم فيفتيه ثم يتردد ويشك؛ فهل لهذا الذي تردد وشك
стр. 271
أن يسأل عالما آخر؟
الجواب: نعم بل يجب عليه أن يسأل عالما آخر إذا تردد في جواب الأول.
٧. ... أن المدار في الشرعية على الأدلة لا على ما أشتهر بين الناس لأن الناس
قد يشتهر عندهم شيء ويفتون به وليس بحق فالمدار على الأدلة الشرعية والله الموفق.
стр. 272
الحديث الثامن والعشرون
عَن أَبي نَجِيحٍ العربَاضِ بنِ سَاريَةَ ﵁ قَالَ: وَعَظَنا رَسُولُ اللهِ مَوعِظَةً وَجِلَت مِنهَا القُلُوبُ وَذَرَفَت مِنهَا العُيون. فَقُلْنَا: يَارَسُولَ اللهِ كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوصِنَا، قَالَ: (أُوْصِيْكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَالسَّمعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلافَاً كَثِيرَاً؛ فَعَلَيكُمْ بِسُنَّتِيْ وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المّهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فإنَّ كلّ مُحدثةٍ بدعة، وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ) (١) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
الشرح
قوله: "وَعَظَنا" الوعظ: التذكير بما يلين القلب سواء كانت الموعظة ترغيباً أو ترهيباً، وكان النبي ﷺ يتخول أصحابه بالموعظة أحياناً.
وقوله: "وَجلَت مِنهَا القُلُوبُ" أي خافت منها القلوب كما قال الله تعالى: (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) (الأنفال: الآية٢) .
" وَذَرَفَت مِنهَا العُيون" أي ذرفت الدموع، وهو كناية عن البكاء.
" فَقُلنَا يَا رَسُول الله: كَأنَّها" أي هذه الموعظة "مَوعِظَةَ مُوَدِِّعٍ" وذلك لتأثيرها في إلقائها، وفي موضوعها، وفي هيئة الواعظ لأن كل هذا مؤثر، حتى إننا في عصرنا الآن
стр. 273
تسمع الخطيب فيلين قلبك وتخاف وتبكي، فإذا سمعته مسجلاً لم تتأثر، فتأثير المواعظ له أسباب منها: الموضوع، وحال الواعظ، وانفعاله.
" قَالَ أوصيكُم بِتَقوَى الله " هذه الوصية مأخوذة من قول الله تعالى: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) (النساء: الآية١٣١) فتقوى الله رأس كل شيء.
ومعنى التقوى: طاعة الله بامتثال أمره واجتناب نهيه على علم وبصيرة.
ولهذا قال بعضهم في تفسيرها: أن تعبد الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما حرم الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله.
وقال بعضهم:
خل الذنوب صغيرها ... وكبيرها ذاك التقى
واعمل كماش فوق أر ... ض الشوك يحذر ما يرى
لاتحقرن صغيرة إن ... الجبال من الحصى
" وَالسَّمعُ والطَّاعَة" أي لولاة الأمر بدليل قوله وَإِن تَأمَّر عَليكُم والسمع والطاعة بأن تسمع إذا تكلم، وأن تطيع إذا أمر، وسيأتي إن شاء الله في بيان الفوائد حكم هذه الجملة العظيمة، لكن انظر أن النبي ﷺ خصها بالذكر بعد ذكر التقوى مع أن السمع والطاعة من تقوى الله لأهميتها ولعظم التمرد عليها.
" وَإن تَأمَّر عَلَيكُم" أي صار أميراً "عبد" أي مملوكاً.
"فَإِنَّهُ مَن يَعِش مِنكُم" أي تطول به الحياة "فَسَيَرى" والسين هنا للتحقيق اختِلاَفاً كَثيراً في العقيدة، وفي العمل، وفي المنهج، وهذا الذي حصل، فالصحابة ﵃ الذين عاشوا طويلاً وجدوا من الاختلاف والفتن والشرور ما لم يكن لهم في الحسبان.
стр. 274
ثم أرشدهم ﷺ إلى ما يلزمونه عند هذا الاختلاف، فقال: "فَعَلَيكُم بِسَّنتي" أي الزموا سنتي، والمراد بالسنة هنا: الطريقة التي هو عليها، فلا تبتدعوا في دين الله ما ليس منه، ولا تخرجوا عن شريعته.
" وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَاشِدين" الخلفاء الذين يخلفون رسول الله ﷺ في أمته، وعلى رأسهم أبو بكر الصديق ﵁.
فإن أبا بكر الصديق ﵁ هو الخليفة الأول لهذه الأمة، نص النبي ﷺ على خلافته نصاً يقرب من اليقين، وعامله بأمور تشير إلى أنه الخليفة بعده.
مثال ذلك: أتته امرأة في حاجة لها فوعدها وعداً، فقالت: يا رسول الله إن لم أجدك؟ قال: "ائتِي أَبَا بَكر" (١) وقال: "يَأَبَى اللهُ وَرَسُولُهُ وَالمُؤمِنونَ إِلا أَبَا بَكرٍ" (٢) وأمر أن تسد جميع الأبواب المشرَّعة على المسجد إلا باب أبي بكر (٣) ، وجعله خليفته في الصلاة بالمسلمين حين مرض (٤) ، وهذه إمامة صغرى، يشير بذلك إلى أنه يتولى الإمامة الكبرى، وجعله أميراً على الحجيج في السنة التاسعة خلفاً عنه. فهو الخليفة بالنص الذي يقرب من اليقين.
ثم الخليفة من بعده عمر بن الخطاب ﵁ لأنه أولى الناس بالخلافة بعد أبي بكر الصديق ﵁ فإنهما صاحبا رسول الله ﷺ وكان كثيراً ما يقول: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، وجئت أنا وأبو بكر وعمر، فرأى أبو بكر ﵁ أن
стр. 275
أحق الناس بالخلافة عمر ﵁.
وخلافة عمر ﵁ ثابتة شرعاً لأنها وقعت من خليفة، ثم صارت الخلافة لعثمان ﵁ بمشورة معروفة رتبها عمر ﵁، ثم صارت بعد ذلك لعلي ﵁ هؤلاء هم الخلفاء الراشدون لا إشكال فيهم.
وقوله: "المهديين" صفة مؤكدة لما سبق، لأنه يلزم من كونهم راشدين أن يكونوا مهديين، إذ لا يمكن رشد إلا بهداية، وعليه فالصفة هنا ليست صفة احتراز ولكنها صفة توكيد وبيان علة، يعني أنهم رشدوا لأنهم مهديون.
"عَضُّوا عَلَيهَا" أي على سنتي وسنة الخلفاء "بالنَّوَاجِذِ" وهي أقصى الأضراس ومن المعلوم أن السنة ليست جسماً يؤكل، لكن هذا كناية عن شدة التمسك بها، أي أن الإنسان يتمسك بهذه السنة حتى يعض عليها بأقصى أضراسه.
"وَإيَّاكُم" لما حث على التمسك بالسنة حذر من البدعة.
"وَإيَّاكُم وَمُحدَثَاتِ الأُمور" أي اجتنبوها، والمراد بالأمور هنا الشؤون، والمراد بالشؤون شؤون الدين، لا المحدثات في أمور الدنيا، لأن المحدثات في أمور الدنيا منها ما هو نافع فهو خير، ومنها ما هو ضار فهو شر، لكن المحدثات في أمور الدين كلها شر، ولهذا قال: "فَإِنَّ كُلَّ مُحدَثَةٍ بِدعَة" لأنها ابتدعت وأنشئت من جديد.
"كُل بِدعَةٍ ضَلالَة" أي كل بدعة في دين الله فهي ضلالة.
من فوائد هذا الحديث: .
١مشروعية الموعظة، ولكن ينبغي أن تكون في محلها، وأن لا يكثر فيُمِل، لأن الناس إذا ملوا ملوا الواعظ والموعظة، وتقاصرت هممهم عن الحضور، ولهذا كان النبي ﷺ يتخول أصحابه بالموعظة، وكان بعض الصحابة يعظ أصحابه كل يوم خميس، يعني
стр. 276
في الأسبوع مرة.
. ٢أنه ينبغي للواعظ أن تكون موعظته مؤثرة باختيار الألفاظ الجزلة المثيرة، وهذا على حسب الموضوع، فإن كان يريد أن يعظ الناس لمشاركة في جهاد أو نحوه فالموعظة تكون حماسية، وإن كان لعمل الآخرة فإن الموعظة تكون مرققة للقلوب.
. ٣أن المخاطب بالموعظة إذا كانت بليغة فسوف يتأثر لقوله: "وَجِلَت مِنهَا القُلُوبُ، وَذَرَفَت مِنهَا العُيونُ".
. ٤أن القلب إذا خاف بكت العين، وإذا كان قاسياً، نسأل الله أن يبعدنا وإياكم من قسوة القلب، لم تدمع العين.
. ٥أنه جرت العادة أن موعظة المودع تكون بليغة مؤثرة، لأن المودع لن يبقى عند قومه حتى يكرر عليهم الموعظة فيأتي بموعظة مؤثرة يُذَكر بها بعد ذلك لقولهم: "كَأَنَّهَا مَوعِظَةُ موَدِِّعٍ".
. ٦طلب الإنسان من العالم أن يوصيه، لقولهم ﵃ "فَأَوصِنَا".
ولكن هل هذا يكون بدون سبب، أو إذا وجد سبب لذلك؟
الظاهر الثاني: بمعنى أنه ليس كلما قابلت أحداً تقول: أوصني، فإن هذا مخالف لهدي الصحابة فيما يظهر، لكن إذا وجد سبب كإنسان قام وعظ وبيَّن فلك أن تقول أوصنا وأما بدون سبب فلا، ومن ذلك السفر، أي إذا أراد الإنسان أن يسافر وقال مثلاً للعالِم أوصني، فهذا مشروع.
. ٧أن أهم ما يوصى به العبد تقوى الله لقوله: "أُوصيكُم بِتَقوَى الله".
. ٨فضيلة التقوى حيث كانت أهم وأولى وأول ما يوصى به العبد..
٩وصية النبي ﷺ بالسمع والطاعة لولاة الأمور، والسمع والطاعة لهم واجب
стр. 277
بالكتاب والسنة، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (النساء: الآية٥٩) فجعل طاعة أولي الأمر في المرتبة الثالثة ولكنه لم يأت بالفعل (أطيعوا) لأن طاعة ولاة الأمور تابعة لطاعة الله تعالى ورسوله ﷺ ، ولهذا لو أمر ولاة الأمور بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة.
وظاهر الحديث وجوب السمع والطاعة لولي الأمر وإن كان يعصي الله إذا لم يأمرك بمعصية الله ، لأن النبي ﷺ قال: "اسمَع وَأَطِع وَإِن ضَرَبَ ظَهرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ" (١) وضرب الظهر وأخذ المال بلا سبب شرعي معصية لا شك، فلا يقول الإنسان لولي الأمر: أنا لا أطيعك حتى تطيع ربك، فهذا حرام، بل يجب أن يطيعه وإن لم يطع ربه.
أما لو أمر بالمعصية فلا سمع ولا طاعة، لأن رب ولي الأمر ورب الرعية واحد ، فكلهم يجب أن يخضعوا له ، فإذا أمرنا بمعصية الله قلنا: لا سمع ولا طاعة.
. ١٠ثبوت إمرة العبد، لقوله: "وَإِن تَأَمرَ عَلَيكُم عَبدٌ" ولكن هل يلزم طاعة الأمير في كل شيء، أو فيما يتعلق بالحكم؟
الجواب: الثاني، أي فيما يتعلق بالحكم ورعاية الناس، فلو قال لك الأمير مثلاً: لا تأكل اليوم إلا وجبتين. أو ما أشبه ذلك فلم يجب عليك أن توافق إلا أنه يحرم عليك أن تنابذ، بمعنى أن تعصيه جهاراً لأن هذا يفسد الناس عليه..
١١وجوب طاعة الأمير وإن لم يكن السلطان، لقوله: "وَإِن تَأَمرَ عَلَيكُم" ومعلوم أن الأمة الإسلامية من قديم الزمان فيها خليفة وهو السلطان، وهناك أمراء للبلدان، وإذا وجبت طاعة الأمير فطاعة السلطان من باب أولى.
стр. 278
وهنا سؤال يكثر: إذا أمَّر الناس عليهم أميراً في السفر، فهل تلزمهم طاعته؟
فالجواب: نعم، تلزمهم طاعته، وإذا لم نقل بذلك لم يكن هناك فائدة من تأميره، لكن طاعته فيما يتعلق بأمور السفر لا في كل شيء، إلا أن الشيء الذي لا يتعلق بأمور السفر لا تجوز منابذته فيه، مثال ذلك:
لو قال أمير السفر: اليوم كل واحد منكم يلبس ثوبين لأنه سيكون الجو بارداً. فهنا لا تلزم طاعته، لكن لا تجوز منابذته بمعنى: لا يجوز لأحد أن يقول لن ألبس ثوبين، لأن مجرد منابذة ولاة الأمور تعتبر معصية.
. ١٢ظهور آية من آيات النبي ﷺ في قوله: "فَإِنَّهُ مَن يَعِش مِنكُم فَسَيَرَى اختِلافاً كَثيرَاً" فقد وقع الأمر كما أخبر به النبي ﷺ .
فإن قيل: وهل يمكن أن نطبق هذه الجملة في كل زمان، بمعنى أن نقول: من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً؟
فالجواب: لا نستطيع أن نطبقها في كل زمان، لكن الواقع أن من طال عمره رأى اختلافاً كثيراً.
كان الناس فيما سبق أمة واحدة، حزباً واحداً، ليس هناك تشتت ولا تفرق ثم اختلفوا، في بلادنا هذه كان الناس منقادين لأمرائهم، منقادين لعلمائهم حتى إن الرجل يأتي مع خصمه إلى القاضي وهو يرى أن الحق له فيحكم القاضي عليه، ثم يذهب مطمئن القلب مستريحاً، وإذا قيل له: يا فلان كيف غلبك خصمك؟ قال: الشرع يُخْلِفُ. والآن الأمر بالعكس، تجد الخصم إذا حُكِم عليه والحكم حق ذهب يماطل، ويطالب برفع المعاملة للتمييز، ومجلس القضاء الأعلى وإن كان يرى الحق عليه وليس له لكن يريد أن يضر بصاحبه، والاختلاف الآن وقع، أحص مثلاً أفكار الناس لا تكاد تحصيها، منهم من فكره إلحاد، ومنهم من فكره دون ذلك، ومنهم من فكره سيء في الأخلاق،
стр. 279
ومنهم من دون ذلك.
. ١٣وجوب التمسك بسنة النبي ﷺ عند الاختلاف، لقوله: "فَعَلَيكُم بِسنَّتي" والتمسك بها واجب في كل حال لكن يتأكد عند وجود الاختلاف.
. ١٤أنه يجب على الإنسان أن يتعلم سنة النبي ﷺ ، وجه ذلك: أنه لا يمكن لزومها إلا بعد علمها وإلا فلا يمكن.
. ١٥أن للخلفاء سنة متبعة بقول النبي ﷺ ، وعلى هذا فما سنه الخلفاء الراشدون أُعتبر سنة للرسول ﷺ بإقراره إياهم، ووجه كونه أقره أنه أوصى باتباع سنة الخلفاء الراشدين.
وبهذا نعرف سفه هؤلاء القوم الذين يدعون أنهم متبعون للسنة وهم منكرون لها، ومن أمثلة ذلك:
قالوا: إن الأذان الأول يوم الجمعة بدعة، لأنه ليس معروفاً في عهد النبي ﷺ إنما هو من سنة عثمان ﵁، فيقال لهم: وسنة عثمان ﵁ هل هي هدر أو يؤخذ بها مالم تخالف سنة الرسول ﷺ ؟
الجواب: الثاني لا شك، عثمان ﵁ لم يخالف الرسول ﷺ في إحداث الأذان الأول، لأن السبب الذي من أجله أحدثه عثمان ﵁ ليس موجوداً في عهد النبي ﷺ ، ففي عهد النبي ﷺ كانت المدينة صغيرة، متقاربة، لا تحتاج إلى أذان أول، أما في عهد عثمان ﵁ اتسعت المدينة وكثر الناس وصار منهم شيء من التهاون فاحتيج إلى أذان آخر قبل الأذان الذي عند مجيء الإمام.
وهذا الذي فعله عثمان ﵁ حق وسنة النبي ﷺ ، ثم إن له أصلاً من سنة النبي ﷺ وهو أنه في رمضان كان يؤذن بلال وابن أم مكتوم ﵁، بلال ﵁ يؤذن قبل الفجر، وبيَّن النبي ﷺ أن أذانه لا لصلاة الفجر ولكن ليوقظ النائم،
стр. 280
ويرجع القائم للسحور (١) ، فعثمان ﵁ زاد الأذان الأول من أجل أن يقبل الناس البعيدون إلى المسجد ويتأهبوا فهو إذاً سنة من وجهين:
من جهة أن النبي ﷺ أمر باتباع سنة الخلفاء ورأي عثمان ﵁ خير من رأينا.
ومن جهة أخرى أن له أصلاً في سنة النبي ﷺ .
. ١٦أنه إذا كثرت الأحزاب في الأمة فلا تنتم إلى حزب، فقد ظهرت طوائف من قديم الزمان مثل الخوارج والمعتزلة والجهمية والرافضة، ثم ظهرت أخيراً إخوانيون وسلفيون وتبليغيون وما أشبه ذلك، فكل هذه الفرق اجعلها على اليسار وعليك بالأمام وهو ما أرشد إليه النبي ﷺ في قوله: "عَلَيكُم بِسُنَّتي وَسُنََّة الخُلَفَاء الرَاشِدين"
ولا شك أن الواجب على جميع المسلمين أن يكون مذهبهم مذهب السلف لا الانتماء إلى حزب معين يسمى السلفيين، والواجب أن تكون الأمة الاسلامية مذهبها مذهب السلف الصالح لا التحزب إلى من يسمى (السلفيون) فهناك طريق السلف وهناك حزب يسمى (السلفيون) والمطلوب اتباع السلف، إلا أن الإخوة السلفيين هم أقرب الفرق إلى الصواب ولكن مشكلتهم كغيرهم أن بعض هذه الفرق يضلل بعضاً ويبدعه ويفسقه، ونحن لا ننكر هذا إذا كانوا مستحقين، لكننا ننكر معالجة هذه البدع بهذه الطريقة، والواجب أن يجتمع رؤساء هذه الفرق، ويقولون: بيننا كتاب الله وسنة رسوله فلنتحاكم إليهما لا إلى الأهواء والآراء، ولا إلى فلان أو فلان، فكلٌّ يخطئ ويصيب مهما بلغ من العلم والعبادة ولكن العصمة في دين الإسلام.
فهذا الحديث أرشد فيه النبي ﷺ إلى سلوك طريق مستقيم يسلم فيه الإنسان، ولا
стр. 281
ينتمي إلى أي فرقة إلا إلى طريق السلف الصالح سنة النبي ﷺ والخلفاء الراشدين المهديين.
. ١٧الحث على التمسك بسنة النبي ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين تمسكاً تاماً، لقوله: "عضوا عَلَيهَا بالنَّوَاجِذِ".
. ١٨التحذير من البدع، أي من محدثات الأمور، لأن (إيَّا) في قوله "وَإيَّاكم" معناها التحذير من محدثات الأمور لكن في الدين، أما في الدنيا إما مطلوب وإما مذموم حسب ما يؤدي إليه من النتائج.
فمثلاً: أساليب الحرب وأساليب الاتصالات، وأساليب المواصلات كلها محدثة، لم يوجد لها نوع فيما سبق، ولكن منها صالح ومنها فاسد حسب ما تؤدي إليه، فالمُحَذَّر منه المحدث في الدين عقيدة، أو قولاً، أو عملاً، فكل محدثة في الدين صغرت أو كبرت فإنها بدعة، هكذا قال النبي ﷺ ، فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذه الكلية العامة الواضحة البينة: "كُلَّ مُحدَثَةٍ بدعَةٌ" وبين قوله ﷺ "مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجرُها وَأَجرُ مَن عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوم القِيامَةِ" (١)
فالجواب من وجهين:
الوجه الأول: أن معنى قوله ﷺ : "مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنَةً" أي من ابتدأ العمل بالسنة، ويدل لهذا أن النبي ﷺ ذكره بعد أن حث على الصدقة للقوم الذين وفدوا إلى المدينة ورغب فيها، فجاء الصحابة كلٌّ بما تيسر له، وجاء رجل من الأنصار بصرة قد أثقلت يده فوضعها في حجر النبي ﷺ فقال: "مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنَةَ فَلَهُ أَجرَها وَأَجرُ مَن عَمِلَ بِهَا إِلَى يَومِ القِيامَةِ" أي ابتدأ العمل سنة ثابتة، وليس أنه يأتي هو بسنة جديدة، بل يبتدئ العمل لأنه إذا ابتدأ العمل سن الطريق للناس وتأسوا
стр. 282
به وأخذوا بما فعل.
الوجه الثاني: أن يقال: "مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنَةً" أي سن الوصول إلى شيء مشروع من قبل كجمع الصحابة المصاحف على مصحف واحد، فهذا سنة حسنة لاشك، لأن المقصود من ذلك منع التفرق بين المسلمين وتضليل بعضهم بعضاً.
كذلك أيضاً جمع السنة وتبويبها وترتيبها، فهذه سنة حسنة يتوصل بها إلى حفظ السنة.
إذاً يُحمَل قوله: "مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنَةَ" على الوسائل إلى أمور ثابتة شرعاً، ووجه هذا أننا نعلم أن كلام النبي ﷺ لا يتناقض، ونعلم أنه لو فُتِحَ الباب لكل شخص أو لكل طائفة أن تبتدع في الدين ما ليس منه لتمزقت الأمة وتفرقت، وقد قال الله : (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (الأنعام: ١٥٩)
. ١٩أن جميع البدع ضلالة ليس فيها هدى، بل هي شر محض حتى وإن استحسنها من ابتدعها فإنها ليست حسنى، بل ولا حسنة لقول النبي ﷺ : "كُلَّ بِدعَةٍ ضَلالَة" ولم يستثنِ النبي ﷺ شيئاً.
وبناءً على هذا يتبين خطأ من قسم البدع إلى خمسة أقسام أو إلى ثلاثة أقسام، وأنه ليس على صواب، لأننا نعلم علم اليقين أن أعلم الناس بشريعة الله رسول الله ﷺ ، وأن أنصح الخلق لعباد الله رسول الله ﷺ ، وأن أفصح الخلق نطقاً محمد ﷺ ، وأن أصدق الخلق خبراً رسول الله ﷺ ، أربعة أوصاف كلها مجتمعة على الأكمل في قول النبي ﷺ ثم يأتي مَنْ بعده ويقول: البدعة ليست ضلالة، بل هي أقسام: حسنة، ومباحة، ومكروهة، ومحرمة، وواجبة.
سبحان الله العظيم، يعني لولا إحسان الظن بهؤلاء العلماء لكانت المسألة كبيرة، أن
стр. 283
يقسموا ما حكم النبي ﷺ بأنه ضلالة إلى أقسام: حسن وقبيح.
إذاً نقول: من ابتدع بدعة وقال: إنها حسنة. فإما أن لا تكون بدعة، وإما أن لا تكون حسنة قطعاً.
مثال ذلك: قالوا من البدع الحسنة جمع المصاحف في مصحف واحد، ومن البدع الحسنة كتابة الحديث، ومن البدع الحسنة إنشاء الدور لطلاب العلم وهكذا.
فنقول هذه ليست بدعة، وهي حسنة لا شك لكن ليست بدعة، هذه وسيلة إلى أمر مقصود شرعاً، نحن لم نبتدع عبادة من عندنا لكن أمرنا بشيء ورأينا أقرب طريق إليه هذا العمل فعملناه.
وهناك فرق بين الوسائل والذرائع وبين المقاصد، لأن جميع الأمثلة التي قالوا: إنها حسنة تنطبق على هذا، أي أنها وسائل إلى أمر مشروع مقصود.
ومثال آخر قول جماعة: إن الميكرفون الذي يؤدي الصوت إلى البعيد بدعة ولا يجوز العمل به؟
فنقول: هو وسيلة حسنة، لأنه يوصل إلى المقصود، وقد اختار النبي ﷺ للأذان مَنْ هو أندى صوتاً (١) لأنه يبلغ أكثر، وقال للعباس ﵁ في غزوة حنين: نادى يا عباس لأنه كان صيتاً ﵁ (٢) .
إذاً رفع الصوت مطلوب، وهذه وسيلة من وسائله، ولهذا لما رُكِّبَ الميكرفون (مكبّر الصوت) في المسجد - الجامع الكبير بعنيزة- أول ما ركب على زمن شيخنا عبد الرحمن بن سعدي ﵀ خطب في ذلك خطبة وأثنى على الذي أتى به وهو
стр. 284
أحد المحسنين- ﵀ وقال: هذا من النعمة. وصدق، وهو من النعمة لأنه وسيلة إلى أمر مقصود.
كذلك أيضاً الاتصالات، الآن نتصل عن طريق الهاتف إلى أقصى العالم، فهل نقول استعمال هذا الهاتف بدعة لا تجوز؟
الجواب: لا نقول هذا، لأنه وسيلة، وقد يكون إلى خير أو إلى شر.
فعلى كل حال: يجب أن نعرف الفرق بين ما كان غاية وما كان ذريعة.
يوجد أناس أحدثوا أذكاراً يذكرون الله فيها على هيئات معينة، وقالوا: إن قلوبنا ترتاح إلى هذا الشيء، فهل نقول: هذا بدعة حسنة أو لا؟
الجواب: لا، لأنهم أحدثوا في دين الله ما ليس منه، فإن النبي ﷺ لم يتعبد الله على هذا الوجه، وعلى هذا فقس.
إذاً الواجب علينا أن نقول: سمعنا وآمنا وصدقنا بان كل بدعة ضلالة، وأنه لا حسن في البدع تصديقاً لرسول الله ﷺ ونقول: ما ادعى صاحبه أنه بدعة حسنة فهو إما أن لا يكون حسناً وظنه حسناً، وإما أن لا يكون بدعة، أما أن يكون بدعة وحسناً فهذا لايمكن، ويجب علينا أن نؤمن بهذا عقيدة.
ولا يمكن أن نجادل أهل الباطل في بدعهم إلا بهذا الطريق بأن نقول: كل بدعة ضلالة.
فإن قال قائل: ماذا تقولون في قول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ حين جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد، وخرج ليلة من الليالي فوجد الناس يصلون بإمام واحد فقال: نعمت البدعة هذه (١) فسماها بدعة؟
стр. 285
أجاب بعض العلماء بأن المراد بالبدعة هنا البدعة اللغوية لاالشرعية، ولكن هذا الجواب لا يستقيم، كيف البدعة اللغوية وهي صلاة؟
والصواب أنها بدعة نسبية بالنسبة لهجران هذا القيام بإمام واحد، وذلك لأن النبي ﷺ أول من سن القيام بإمام واحد - أعني التراويح - فقد صلى بأصحابه ثلاث ليال في رمضان ثم تخلف خشية أن تفرض (١) ، وتُرِكَت، وأصبح الناس يأتون للمسجد يصلي الرجل وحده، والرجلان جميعاً، والثلاثة أوزاعاً، فرأى عمر ﵁ بثاقب سياسته أن يردهم إلى السنة الأولى وهي الاجتماع على إمام واحد فجمعهم على تميم الداري وأُبي بن كعب ﵄ وأمرهما أن يصليا بالناس إحدى عشرة ركعة (٢) ، كما كان النبي ﷺ لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة (٣) .
فيكون قوله: نعمت البدعة يعني بالبدعة النسبية، أي بالنسبة إلى أنها هجرت في آخر عهد النبي ﷺ وفي عهد أبي بكر الصديق ﵁ وفي أول خلافة عمر بن الخطاب ﵁، وإلا فنحن نؤمن بأن كل بدعة ضلالة، ثم هذه الضلالات تنقسم إلى: بدع مكفرة، وبدع مفسقة، وبدع يعذر فيها صاحبها.
ولكن الذي يعذر صاحبها فيها لا تخرج عن كونها ضلالة، ولكن يعذر الإنسان إذا صدرت منه هذه البدعة عن تأويل وحسن قصد.
وأضرب مثلاً بحافظين معتمدين موثوقين بين المسلمين وهما: النووي وابن حجر