← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21812

شرح الأربعين النووية للعثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (403 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ينتمي إلى أي فرقة إلا إلى طريق السلف الصالح سنة النبي ﷺ والخلفاء الراشدين المهديين. . ١٧الحث على التمسك بسنة النبي ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين تمسكاً تاماً، لقوله: "عضوا عَلَيهَا بالنَّوَاجِذِ". . ١٨التحذير من البدع، أي من محدثات الأمور، لأن (إيَّا) في قوله "وَإيَّاكم" معناها التحذير من محدثات الأمور لكن في الدين، أما في الدنيا إما مطلوب وإما مذموم حسب ما يؤدي إليه من النتائج. فمثلاً: أساليب الحرب وأساليب الاتصالات، وأساليب المواصلات كلها محدثة، لم يوجد لها نوع فيما سبق، ولكن منها صالح ومنها فاسد حسب ما تؤدي إليه، فالمُحَذَّر منه المحدث في الدين عقيدة، أو قولاً، أو عملاً، فكل محدثة في الدين صغرت أو كبرت فإنها بدعة، هكذا قال النبي ﷺ ، فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذه الكلية العامة الواضحة البينة: "كُلَّ مُحدَثَةٍ بدعَةٌ" وبين قوله ﷺ "مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجرُها وَأَجرُ مَن عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوم القِيامَةِ" (١) فالجواب من وجهين: الوجه الأول: أن معنى قوله ﷺ : "مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنَةً" أي من ابتدأ العمل بالسنة، ويدل لهذا أن النبي ﷺ ذكره بعد أن حث على الصدقة للقوم الذين وفدوا إلى المدينة ورغب فيها، فجاء الصحابة كلٌّ بما تيسر له، وجاء رجل من الأنصار بصرة قد أثقلت يده فوضعها في حجر النبي ﷺ فقال: "مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنَةَ فَلَهُ أَجرَها وَأَجرُ مَن عَمِلَ بِهَا إِلَى يَومِ القِيامَةِ" أي ابتدأ العمل سنة ثابتة، وليس أنه يأتي هو بسنة جديدة، بل يبتدئ العمل لأنه إذا ابتدأ العمل سن الطريق للناس وتأسوا

стр. 282

به وأخذوا بما فعل. الوجه الثاني: أن يقال: "مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنَةً" أي سن الوصول إلى شيء مشروع من قبل كجمع الصحابة المصاحف على مصحف واحد، فهذا سنة حسنة لاشك، لأن المقصود من ذلك منع التفرق بين المسلمين وتضليل بعضهم بعضاً. كذلك أيضاً جمع السنة وتبويبها وترتيبها، فهذه سنة حسنة يتوصل بها إلى حفظ السنة. إذاً يُحمَل قوله: "مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنَةَ" على الوسائل إلى أمور ثابتة شرعاً، ووجه هذا أننا نعلم أن كلام النبي ﷺ لا يتناقض، ونعلم أنه لو فُتِحَ الباب لكل شخص أو لكل طائفة أن تبتدع في الدين ما ليس منه لتمزقت الأمة وتفرقت، وقد قال الله : (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (الأنعام: ١٥٩) . ١٩أن جميع البدع ضلالة ليس فيها هدى، بل هي شر محض حتى وإن استحسنها من ابتدعها فإنها ليست حسنى، بل ولا حسنة لقول النبي ﷺ : "كُلَّ بِدعَةٍ ضَلالَة" ولم يستثنِ النبي ﷺ شيئاً. وبناءً على هذا يتبين خطأ من قسم البدع إلى خمسة أقسام أو إلى ثلاثة أقسام، وأنه ليس على صواب، لأننا نعلم علم اليقين أن أعلم الناس بشريعة الله رسول الله ﷺ ، وأن أنصح الخلق لعباد الله رسول الله ﷺ ، وأن أفصح الخلق نطقاً محمد ﷺ ، وأن أصدق الخلق خبراً رسول الله ﷺ ، أربعة أوصاف كلها مجتمعة على الأكمل في قول النبي ﷺ ثم يأتي مَنْ بعده ويقول: البدعة ليست ضلالة، بل هي أقسام: حسنة، ومباحة، ومكروهة، ومحرمة، وواجبة. سبحان الله العظيم، يعني لولا إحسان الظن بهؤلاء العلماء لكانت المسألة كبيرة، أن

стр. 283

يقسموا ما حكم النبي ﷺ بأنه ضلالة إلى أقسام: حسن وقبيح. إذاً نقول: من ابتدع بدعة وقال: إنها حسنة. فإما أن لا تكون بدعة، وإما أن لا تكون حسنة قطعاً. مثال ذلك: قالوا من البدع الحسنة جمع المصاحف في مصحف واحد، ومن البدع الحسنة كتابة الحديث، ومن البدع الحسنة إنشاء الدور لطلاب العلم وهكذا. فنقول هذه ليست بدعة، وهي حسنة لا شك لكن ليست بدعة، هذه وسيلة إلى أمر مقصود شرعاً، نحن لم نبتدع عبادة من عندنا لكن أمرنا بشيء ورأينا أقرب طريق إليه هذا العمل فعملناه. وهناك فرق بين الوسائل والذرائع وبين المقاصد، لأن جميع الأمثلة التي قالوا: إنها حسنة تنطبق على هذا، أي أنها وسائل إلى أمر مشروع مقصود. ومثال آخر قول جماعة: إن الميكرفون الذي يؤدي الصوت إلى البعيد بدعة ولا يجوز العمل به؟ فنقول: هو وسيلة حسنة، لأنه يوصل إلى المقصود، وقد اختار النبي ﷺ للأذان مَنْ هو أندى صوتاً (١) لأنه يبلغ أكثر، وقال للعباس ﵁ في غزوة حنين: نادى يا عباس لأنه كان صيتاً ﵁ (٢) . إذاً رفع الصوت مطلوب، وهذه وسيلة من وسائله، ولهذا لما رُكِّبَ الميكرفون (مكبّر الصوت) في المسجد - الجامع الكبير بعنيزة- أول ما ركب على زمن شيخنا عبد الرحمن بن سعدي ﵀ خطب في ذلك خطبة وأثنى على الذي أتى به وهو

стр. 284

أحد المحسنين- ﵀ وقال: هذا من النعمة. وصدق، وهو من النعمة لأنه وسيلة إلى أمر مقصود. كذلك أيضاً الاتصالات، الآن نتصل عن طريق الهاتف إلى أقصى العالم، فهل نقول استعمال هذا الهاتف بدعة لا تجوز؟ الجواب: لا نقول هذا، لأنه وسيلة، وقد يكون إلى خير أو إلى شر. فعلى كل حال: يجب أن نعرف الفرق بين ما كان غاية وما كان ذريعة. يوجد أناس أحدثوا أذكاراً يذكرون الله فيها على هيئات معينة، وقالوا: إن قلوبنا ترتاح إلى هذا الشيء، فهل نقول: هذا بدعة حسنة أو لا؟ الجواب: لا، لأنهم أحدثوا في دين الله ما ليس منه، فإن النبي ﷺ لم يتعبد الله على هذا الوجه، وعلى هذا فقس. إذاً الواجب علينا أن نقول: سمعنا وآمنا وصدقنا بان كل بدعة ضلالة، وأنه لا حسن في البدع تصديقاً لرسول الله ﷺ ونقول: ما ادعى صاحبه أنه بدعة حسنة فهو إما أن لا يكون حسناً وظنه حسناً، وإما أن لا يكون بدعة، أما أن يكون بدعة وحسناً فهذا لايمكن، ويجب علينا أن نؤمن بهذا عقيدة. ولا يمكن أن نجادل أهل الباطل في بدعهم إلا بهذا الطريق بأن نقول: كل بدعة ضلالة. فإن قال قائل: ماذا تقولون في قول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ حين جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد، وخرج ليلة من الليالي فوجد الناس يصلون بإمام واحد فقال: نعمت البدعة هذه (١) فسماها بدعة؟

стр. 285

أجاب بعض العلماء بأن المراد بالبدعة هنا البدعة اللغوية لاالشرعية، ولكن هذا الجواب لا يستقيم، كيف البدعة اللغوية وهي صلاة؟ والصواب أنها بدعة نسبية بالنسبة لهجران هذا القيام بإمام واحد، وذلك لأن النبي ﷺ أول من سن القيام بإمام واحد - أعني التراويح - فقد صلى بأصحابه ثلاث ليال في رمضان ثم تخلف خشية أن تفرض (١) ، وتُرِكَت، وأصبح الناس يأتون للمسجد يصلي الرجل وحده، والرجلان جميعاً، والثلاثة أوزاعاً، فرأى عمر ﵁ بثاقب سياسته أن يردهم إلى السنة الأولى وهي الاجتماع على إمام واحد فجمعهم على تميم الداري وأُبي بن كعب ﵄ وأمرهما أن يصليا بالناس إحدى عشرة ركعة (٢) ، كما كان النبي ﷺ لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة (٣) . فيكون قوله: نعمت البدعة يعني بالبدعة النسبية، أي بالنسبة إلى أنها هجرت في آخر عهد النبي ﷺ وفي عهد أبي بكر الصديق ﵁ وفي أول خلافة عمر بن الخطاب ﵁، وإلا فنحن نؤمن بأن كل بدعة ضلالة، ثم هذه الضلالات تنقسم إلى: بدع مكفرة، وبدع مفسقة، وبدع يعذر فيها صاحبها. ولكن الذي يعذر صاحبها فيها لا تخرج عن كونها ضلالة، ولكن يعذر الإنسان إذا صدرت منه هذه البدعة عن تأويل وحسن قصد. وأضرب مثلاً بحافظين معتمدين موثوقين بين المسلمين وهما: النووي وابن حجر

стр. 286

رحمهما الله تعالى. فالنووي: لا نشك أن الرجل ناصح، وأن له قدم صدق في الإسلام، ويدل لذلك قبول مؤلفاته حتى إنك لا تجد مسجداً من مساجد المسلمين إلا ويقرأ فيه كتاب (رياض الصالحين) وهذا يدل على القبول، ولا شك أنه ناصح، ولكنه ﵀ أخطأ في تأويل آيات الصفات حيث سلك فيها مسلك المؤولة، فهل نقول: إن الرجل مبتدع؟ نقول: قوله بدعة لكن هو غير مبتدع، لأنه في الحقيقة متأول، والمتأول إذا أخطأ مع اجتهاده فله أجر، فكيف نصفه بأنه مبتدع وننفر الناس منه، والقول غير القائل، فقد يقول الإنسان كلمة الكفر ولا يكفر. أرأيتم الرجل الذي أضل راحلته حتى أيس منها، واضطجع تحت شجرة ينتظر الموت، فإذا بالناقة على رأسه، فأخذ بها وقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، وهذه الكلمة كلمة كفر لكن هو لم يكفر، قال النبي ﷺ : "أَخطَأَ مِن شِدَّةِ الفَرَح" (١) أرأيتم الرجل يكره على الكفر قولاً أو فعلاً فهل يكفر؟ الجواب: لا، القول كفر والفعل كفر لكن هذا القائل أو الفاعل ليس بكافر لأنه مكره. أرأيتم الرجل الذي كان مسرفاً على نفسه فقال لأهله: إذا مت فأحرقوني وذرُّوني في اليمِّ - أي البحر - فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين (٢) ، ظن أنه بذلك ينجو من عذاب الله، وهذا شك في قدرة الله ، والشك في قدرة الله كفر، ولكن هذا الرجل لم يكفر.

стр. 287

جمعه الله وسأله لماذا صنعت هذا؟ قال: مخافتك. وفي رواية أخرى: من خشيتك، فغفر الله له. أما الحافظ الثاني: فهو ابن حجر- ﵀ وابن حجر حسب ما بلغ علمي متذبذب في الواقع، أحياناً يسلك مسلك السلف، وأحياناً يمشي على طريقة التأويل التي هي في نظرنا تحريف. مثل هذين الرجلين هل يمكن أن نقدح فيهما؟ أبداً، لكننا لا نقبل خطأهما، خطؤهما شيء واجتهادهما شيء آخر. أقول هذا لأنه نبتت نابتة قبل سنتين أو ثلاث تهاجم هذين الرجلين هجوماً عنيفاً، وتقول: يجب إحراق فتح الباري وإحراق شرح صحيح مسلم، -أعوذ بالله- كيف يجرؤ إنسان على هذا الكلام، لكنه الغرور والإعجاب بالنفس واحتقار الآخرين. والبدعة المكفرة أو المفسقة لا نحكم على صاحبها أنه كافر أو فاسق حتى تقوم عليه الحجة، لقول الله تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) (القصص: ٥٩) وقال : (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الاسراء: الآية١٥) ولو كان الإنسان يكفر ولو لم تقم عليه الحجة لكان يعذب، وقال : (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) (النساء: الآية١٦٥) والآيات في هذه كثيرة. فعلينا أن نتئد وأن لا نتسرع، وأن لا نقول لشخص أتى ببدعة واحدة من آلاف السنن إنه رجل مبتدع. وهل يصح أن ننسب هذين الرجلين وأمثالهما إلى الأشاعرة، ونقول: هما من الأشاعرة؟

стр. 288

الجواب: لا، لأن الأشاعرة لهم مذهب مستقل له كيان في الأسماء والصفات والإيمان وأحوال الآخرة. وما أحسن ما كتبه أخونا سفر الحوالي عما علم من مذهبهم، لأن أكثر الناس لا يفهم عنهم إلا أنهم مخالفون للسلف في باب الأسماء والصفات، ولكن لهم خلافات كثيرة. فإذا قال قائل بمسألة من مسائل الصفات بما يوافق مذهبهم فلا نقول: إنه أشعري. أرأيتم لو أن إنساناً من الحنابلة اختار قولاً للشافعية فهل نقول إنه شافعي؟ الجواب: لا نقول إنه شافعي. فانتبهوا لهذه المسائل الدقيقة، ولا تتسرعوا، ولا تتهاونوا باغتياب العلماء السابقين واللاحقين، لأن غيبة العالم ليست قدحاً في شخصه فقط، بل في شخصه وما يحمله من الشريعة، لأنه إذا ساء ظن الناس فيه فإنهم لن يقبلوا ما يقول من شريعة الله، وتكون المصيبة على الشريعة أكثر. ثم إنكم ستجدون قوماً يسلكون هذا المسلك المشين فعليكم بنصحهم، وإذا وجد فيكم من لسانه منطلق في القول في العلماء فانصحوه وحذروه وقولوا له: اتق الله، أنت لم تُتَعَبَّد بهذا، وما الفائدة من أن تقول فلان فيه فلان فيه، بل قل: هذا القول فيه كذا وكذا بقطع النظر عن الأشخاص. لكن قد يكون من الأفضل أن نذكر الشخص بما فيه لئلا يغتر الناس به، لكن لا على سبيل العموم هكذا في المجالس، لأنه ليس كل إنسان إذا ذكرت القول يفهم القائل، فذكر القائل جائز عند الضرورة، وإلا فالمهم إبطال القول الباطل، والله الموفق.

стр. 289

الحديث التاسع والعشرون عَن مُعَاذ بن جَبَلٍ ﵁ قَالَ: قُلتُ يَا رَسُولَ الله أَخبِرنِي بِعَمَلٍٍ يُدخِلُني الجَنَّةَ وَيُبَاعدني منٍ النار قَالَ: (لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيْمٍ وَإِنَّهُ لَيَسِيْرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ: تَعْبُدُ اللهَ لاَتُشْرِكُ بِهِ شَيْئَا، وَتُقِيْمُ الصَّلاة، وَتُؤتِي الزَّكَاة، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ البَيْتَ. ثُمَّ قَالَ: أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيْئَةَ كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ، وَصَلاةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ ثُمَّ تَلا: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) حَتَّى بَلَغَ: (يَعْلَمُونْ) (السجدة: ١٦-١٧) ثُمَّ قَالَ: أَلا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ؟ قُلْتُ: بَلَى يَارَسُولَ اللهِ، قَالَ: رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامُ وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ وَذروَةُ سَنَامِهِ الجِهَادُ ثُمَّ قَالَ: أَلا أُخبِرُكَ بِملاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ قُلْتُ: بَلَى يَارَسُولَ اللهِ. فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ وَقَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا. قُلْتُ يَانَبِيَّ اللهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَامُعَاذُ. وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَو قَالَ: عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلاَّ حَصَائِدُ أَلسِنَتِهِمْ) (١) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. الشرح هِمَمُ الصحابة ﵃ عالية، فلم يقل: أخبرني بعمل أكسب فيه العشرة

стр. 290

عشرين أو ثلاثين أو ما أشبه بذلك، بل قال: "أَخبِرنِي بِعَمَلٍٍ يُدخِلُني الجَنَّةَ وَيُبَاعدني من النارَ ... " أي يكون سبباً لدخول الجنة والبعد عن النار. فقال النبي ﷺ "لَقَد سَأَلتَ عَنْ عَظيمٍ" أي والله عظيم، هذه هي الحياة، أن تدخل الجنة وتبتعد عن النار، هذا هو الفوز والفلاح، قال الله : (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) (آل عمران: الآية١٨٥) ولهذا وصفه النبي ﷺ بأنه عظيم، ولكن الحمد لله. "وَإِنهُ ليَسيرٌ عَلى مِنْ يَسرَهُ اللهُ عَلَيه" - اللهم يسره علينا يا رب العالمين - وصدق النبي ﷺ فإن الدين الإسلامي مبني على اليسر، قال الله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: الآية١٨٥) ومبني على السمح قال النبي ﷺ لأصحابه وهو يبعثهم إلى الجهات: "يَسِّروا ولا تُعَسِّروا، بَشِّروا وَلاَ تُنَفِّروا" (١) ، "فَإِنَمَا بُعِثتُم مُيَسِّرين وَلَم تُبعَثوا مُعَسِّرين" (٢) وقال ﷺ : "إِنَّ هذا الدينُ يُسر، وَلَن يُشَاد الدينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ" (٣) فهو يسير لكن لمن يسره الله عليه، ثم شرح ذلك فقال: " تَعبُدَ اللهَ" بمعنى تتذلل له بالعبادة حباً وتعظيماً، مأخوذ من قولهم: طريق معبد أي ممهد ومهيأ للسير عليه، لا تعبد الله وأنت تعتقد أن لك الفضل على الله، فتكون كمن قال الله فيهم (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ) (الحجرات: الآية١٧) هذا وهم لم يمنوا على الله تعالى، بل على الرسول ﷺ فقط، اعبد الله تعالى تذللاً له ومحبة وتعظيماً، فبالمحبة تفعل الطاعات، وبالتعظيم تترك المعاصي. "لا تُشرِك بِهِ شيئاً" أي شي يكون حتى الأنبياء، بل الأنبياء ما جاؤوا إلا لمحاربة الشرك، فلا تشرك به شيئاً لا ملكاً مقرباً، ولا نبياً مرسلاً، والعبادة لها شروط نذكرها إن شاء الله في الفوائد.

стр. 291

قال: "وَتُقيم الصَلاةَ، وَتُؤتي الزكَاةَ، وَتَصوم رَمَضَانَ، وَتَحُج البَيتَ" هذه أركان الإسلام الخمسة، وقد مرت. ثم قال: "أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى أَبوَابِ الخَيرِ" أبواب أي مسائل، وأبواب تستعمل في الباب الذي يفتح للداخل والخارج، وتستعمل في المسائل، ومن هذا قول العلماء في مؤلفاتهم: هذا الباب في كذا وكذا. وقول المحدثين: لا يصح في هذا الباب شيء، أي لا يصح في هذه المسألة شيء. فقوله: "أَبوَابِ الخَيرِ" أي مسائل الخير، ويجوز أن يكون المراد به الباب المعروف الذي يكون منه الدخول والخروج. "أَلا أَدُلُّكَ عَلَى أَبوَابِ الخَيرِ" والجواب: بلى، لكن حذف للعلم به، لأنه لابد أن يكون الجواب بلى. قال: "الصَّومُ جنةٌ" أي مانع يمنع صاحبه في الدنيا ويمنع صاحبه في الآخرة. أما في الدنيا فإنه يمنع صاحبه من تناول الشهوات الممنوعة في الصوم، ولهذا يُنهى الصائم أن يقابل من اعتدى عليه بمثل ما اعتدى عليه، حتى إنه إذا سابه أحد أو شاتمه يقول: إني صائم. وأما في الآخرة فهو جُنَّةٌ من النار، يقيك من النار يوم القيامة. والصوم: التعبد لله تعالى بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. "وَالصَّدَقَة تُطفِىء الخَطيئَة كَمَا يُطفِىء المَاءُ النَّارَ" الصدقة مطلقاً سواء الزكاة الواجبة أو التطوع، وسواء كانت قليلة أو كثيرة. "تُطفِىء الخَطيئَة" أي خطيئة بني آدم، وهي المعاصي.

стр. 292

"كَمَا يُطفِىء المَاءُ النَّارَ" والماء يطفىء النار بدون تردد، فشبه النبي ﷺ الأمر المعنوي بالأمر الحسي. "وَصَلاةُ الرّجُل في جَوفِ اللَّيلِ" هذه معطوفة على قوله "الصدقة" أي وصلاة الرجل في جوف الليل تطفىء الخطيئة، وجوف الليل وسطه كجوف الإنسان. ثم تلا ﷺ : (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ*) (السجدة: ١٦-١٧) تلا أي قرأ (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) هذا في وصف المؤمنين، أي أنهم لا ينامون (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً) إن ذكروا ذنوبهم خافوا، وإن ذكروا فضل الله طمعوا، فهم بين الخوف والرجاء، (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (من) هنا إما أن تكون للتبعيض والمعنى ينفقون بعضها، أوتكون للبيان، والمعنى ينفقون مما رزقهم الله قليلاً كان أو كثيراً (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (السجدة: ١٧) ، استشهد النبي ﷺ بهذه الآية على فضيلة قيام الليل، ثم قال: "أَلاَ أُخبِرُكَ بِرَأَسِ الأَمرِ، وَعَمودِهِ، وذِروَةِ سِنَامِهِ" ثلاثة أشياء: "قُلتُ: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ: رَأَسُ الأَمرِ الإِسلام " أمر الإنسان الذي من أجله خُلِقَ، رأسه الإسلام، أي أن يسلم لله تعالى ظاهراً وباطناً بقلبه وجوارحه. "وَعَمودِهِ الصلاة" أي عمود الإسلام الصلوات، والمراد بها الصلوات الخمس، وعمود الخيمة ما تقوم عليه، وإذا أزيل سقطت. "وَذِروَةِ سِنَامِهِ الجِهَاد في سَبيلِ الله" ذكر الجهاد أنه ذروة السنام، لأن الذروة أعلى شيء، وبالجهاد يعلو الإسلام، فجعله ذروة سنام الأمر، قال الله تعالى: (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران: ١٣٩) وقال : (فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ) (محمد: ٣٥) وقوله: "الجهاد" يعني في سبيل الله والجهاد في سبيل الله بينه النبي ﷺ أتم بيان، فقد سئل عن الرجل

стр. 293

يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة، ويقاتل ليرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: "مَن قَاتَلَ لِتَكونَ كَلِمَةُ اللهِ هي العُليَا فَهوَ في سَبيلِ اللهِ" (١) فهو لم يجب عن الثلاثة التي سئل عنها بل ذكر عبارة عامة، فقال: "مَن قَاتَلَ لِتَكونَ كَلِمَةُاللهِ هي العُليَا فَهوَ في سَبيلِ اللهِ" ثم قال: "أَلاَ أُخبِرُكَ بِمَلاك ذَلكَ كُله" ملاك الشيء ما يملك به، والمعنى ما تملك به كل هذا. "قُلتُ: بَلَى يَا رَسُول الله، قَالَ: فَأَخذ بِلِسانِهِ وَقَالَ: كُفَّ عَليكَ هَذا" أخذ النبي ﷺ بلسان نفسه وقال: "كُفَّ عَليكَ هَذا" أي لاتطلقه في القيل والقال، وقد تقدم قوله: "مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَليَقُل خَيرَاً أَو ليَصمُت" فلا تتكلم إلا بخير. "قُلتُ: يَا نَبيَّ الله وَإِنَّا لَمؤاخِذونَ بِما نَتَكَلّم بِه" الجملة خبرية لكنها استفهامية والمعنى: أإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ يعني أن معاذاً ﵁ تعجب كيف يؤاخذ الإنسان بما يتكلم به. فقال النبي ﷺ حثاً على أن يفهم: "ثَكِلَتكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذ" أي فقدتك، وهذه الكلمة يقولها العرب للإغراء والحث، ولا يقصدون بها المعنى الظاهر، وهو أن تفقده أمه، لكن المقصود بها الحث والإغراء. وقال بعض العلماء: إن هذه الجملة على تقدير شرط والمعنى: ثكلتك أمك يا معاذ إن لم تكف لسانك، ولكن المعنى الأول أوضح وأظهر، وأنها تدل على الإغراء والحث، ولهذا خاطبه بالنداء فقال: يا معاذ. "وَهَل يَكُبُّ النَّاسَ في النارِ عَلى وجُوهِهم، أَو قَالَ: عَلَى منَاخِرهِم" هذا شك من الراوي "إِلا حَصائدُ أَلسِنَتِهم" أي ما يحصدون بألسنتهم من الأقوال. لما قال هذا الكلام اقتنع معاذ ﵁ وعرف أن ملاك الأمر كف اللسان، لأن

стр. 294

اللسان قد يقول الشرك، وقد يقول الكفر، وقد يقول الفحشاء، فهو ليس له حد. من فوائد هذا الحديث: ١- حرص الصحابة ﵃ على العلم، ولهذا يكثر منهم سؤال النبي ﷺ عن العلم. ولكن هل سؤالهم ﵃ لمجرد أن يعلموا بالحكم، أولأجل أن يطبقوه؟ الجواب: الثاني، عكس ما يفعله بعض الناس اليوم، حيث يسأل ليعرف الحكم فقط، ثم هو بالخيار إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، وهذا غلط، بل اجعل غايتك من العلم العمل به دون الاطلاع على أقوال الناس. ولهذا تجد بعض الناس يسأل هذا العالم وبعد أن يعرف ما عنده، يذهب يسأل عالماً آخراً وثالثاً ورابعاً، لأنه لايريد العمل بالعلم، بل يريد الاطلاع فقط، وهذا غلط، لا تسأل عن العلم إلا لهدف واحد وهو العمل ٢- علو همة معاذ بن جبل ﵁ حيث لم يسأل عن أمور الدنيا، بل عن أمور الآخرة، حيث قال: "أَخْبِرنِي عَنْ عَمَلٍ يُدخِلُني الجَنَّةَ ويُبَاعِدُنِي مِنَ النَّار" وجدير به ﵁ أن يكون بهذه المنزلة العالية، لأنه أحد فقهاء الصحابة ﵃، ولأن النبي ﷺ بعثه إلى اليمن داعياً ومفتياً وحاكماً، فهو ﵁ من أفقه الصحابة. . ٣ إثبات الجنة والنار، والإيمان بهما أحد أركان الإيمان الستة كما سبق. . ٤ أن العمل يدخل الجنة ويباعد عن النار، لأن النبي ﷺ أقره على هذا. وهنا يقع إشكال وهو: أن النبي ﷺ قال: "لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ قَالُوا: وَلاَ

стр. 295

أَنْتَ يَارَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: وَلاَ أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدِنِيَ اللهُ بِرَحْمَتِهِ" (١) فكيف يُجمع بين هذا الحديث وبين النصوص الأخرى الدالة على أن الإنسان يدخل الجنة بعمله؟ أجاب العلماء ﵏، فقهاء الإسلام، أطباء القلوب والأبدان، ممن علمهم الله ذلك - فقالوا: الباء لها معنيان: تارة تكون للسببية، وتارة تكون للعوض. فإذا قلت: بعت عليك هذا الكتاب بدرهم، فهذه للعوض. وإذا قلت: أكرمتك بإكرامك إياي، فهذه للسببية. فالمنفي هو باء العوض، والمثبت باء السببية. فقالوا: معنى قول النبي ﷺ : "لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ" أي على أن ذلك معاوضة، لأنه لوأراد الله أن يعاوض العباد بأعمالهم وجزائهم لكانت نعمة واحدة تقضي على كل ما عمل، وأضرب مثلاً بنعمة النَّفَس، نعمة النفس هذه نعمة عظيمة لايعرف قدرهاإلا من ابتلي بضيق النفس، واسأل من ابتلوا بضيق النفس ماذا يعانون من هذا، والرجل الصحيح الذي ليس مصاباً بضيق النفس لايجد كلفة في التمتع بهذه النعمة، فتجده يتنفس وهو يتكلم، ويتنفس وهويأكل ولايحس بشيء. هذه النعمة لو عملت أي عمل من الأعمال لاتقابلها، لأن هذه نعمة مستمرة دائماً، بل نقول: إذا وفقت للعمل الصالح فهذا نعمة قد أضل الله عنها أمماً، وإذا كان نعمة احتاج إلى شكر، وإذا شكرت فهي نعمة تحتاج إلى شكر آخر، ولهذا قال الشاعر: إذا كانَ شكري نعمةَ اللهِ نعمةً ... عليَّ لهُ في مثلها يجب الشكرُ فكيفَ بلوغُ الشُّكرِ إِلاَّ بفضلهِ ... وإن طالت الأيام واتّصل العمرُ

стр. 296

٥ أن هذا السؤال الذي صدر من معاذ ﵁ سؤال عظيم، لأنه في الحقيقة هو سر الحياة والوجود، فكل موجود في هذه الدنيا من بني آدم أو من الجنّ غايته إما الجنة وإما النار، فلذلك كان هذا السؤال عظيماً. . ٦ أن هذا وإن كان عظيماً فهو يسير على من يسره الله عليه. . ٧ أنه ينبغي للإنسان أن يسأل الله تعالى التيسير، أن ييسر أموره في دينه ودنياه، لأن من لم ييسر الله عليه فإنه يصعب عليه كل شيء. . ٨ ذكر أركان الإسلام الخمسة، في قوله: "تَعْبُدَ اللهَ لاتُشرِكْ بهِ شَيئاً، وَتُقِيْمَ الصّلاةَ، وَتُؤتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ البَيْتَ" ولم يذكر الرسالة، لأن عبادة الله تتضمن الرسالة، إذ لايمكن أن يعبد الإنسان ربه إلا بما شرع نبيه.. ٩ أن أغلى المهمّات وأعلى الواجبات عبادة الله وحده لاشريك له، أي التوحيد. . ١٠-فضل النبي ﷺ في التعليم حيث يأتي بما لم يتحمله السؤال لقوله: "أَلا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الخَيْرِ" وهذا من عادته أنه إذا دعت الحاجة إلى ذكر شيء يضاف إلى الجواب أضافه، مثال ذلك: سُئل عن ماء البحر أنتوضّأ به؟ فقال النبي ﷺ في البحر: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الحِلُّ مَيتَتُهُ" (١) الطهور ماؤه هذا جواب السؤال والحل ميتته زائد، لكن لماكان الناس في البحر يحتاجون إلى الأكل بين لهم أن ميتته حلال. وقد عاب قوم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقالوا: إنه إذا سئل عن المسألة أتى بمسائل كثيرة، فأجاب عن ذلك بعض تلاميذه وقال: إن هذا من جوده

стр. 297

وكرمه في بذل العلم، واستشهد بقول النبي ﷺ في البحر: "هوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيتَتُهُ" وهو لم يسأل إلا عن الوضوء بماء البحر. . ١١ أن الصوم جنة، وسبق معناها في الشرح، وبناء على هذا فمن لم يكن صومه جنة له فإنه ناقص، ولهذا يحرم على الإنسان تناول المعاصي في حال الصوم. ولكن هل المعاصي تبطل الصوم أو لا؟ فالجواب: إن كان هذا المحرم خاصاً بالصوم أفسد الصوم، وإن كان عاماً لم يفسده. مثال الأول: يحرم على الصائم الأكل والشرب، فلو أكل أو شرب فسد صومه، كما يحرم على الصائم وغيره الغيبة وهي "ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَه" (١) فلو اغتاب الصائم أحداً تحرم غيبته لم يفسد صومه، لأن هذا النهي لايختص بالصوم. هذه القاعدة عند جمهور أهل العلم، وقال بعض أهل العلم: إذا أتى الصائم بما يحرم ولو على سبيل العموم فسد صومه، واستدل بقول النبي ﷺ : "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَولَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ وَالجَهْلَ فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ" (٢) لكن ما ذهب إليه الجمهور أصحّ، والحديث إنما أراد النبي ﷺ به أن يبين الحكمة من الصوم، لا أن يبين فساد الصوم بقول الزور والعمل بالزور والجهل.. ١٢ أن الصدقة تطفئ الخطيئة، ففيه الحث على الصدقة فإذا كثرت خطاياك فأكثر من الصدقة فإنها تطفئ الخطيئة، وقد قال النبي ﷺ : "كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ" (٣) وقال النبي ﷺ : "سبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: إمَامٌ عَادِلٌ،.. إلى أَنْ قَالَ: وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاتَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِيْنُهُ" (٤)

стр. 298

ومعنى الحديث: أنه في يوم القيامة ليس هناك شجر ولامغارات ولاجبال ولابناء يستظل به الناس إلا الظل الذي يخلقه الله فيظل به عباده، وهو إما ظل العرش كما قيل به، أو غيره. المهم أنه لايجوز أن نعتقد أن المعنى: ظل الله تعالى نفسه، فإن الله تعالى نور السموات والأرض، وحجابه النور، والظل يقتضي ثلاثة أشياء: مُتَظَلَّلٌ عَنْهُ، وَظِلٌّ، وَمُظَلَّلٌ. والأعلى منها المظلل عنه، ولايمكن أن يكون فوق الله تعالىشيء، بأن يكون الله تعالى هو الوسط بين الشمس وبين العباد، فهذا شيء مستحيل. وليس هذا من باب التأويل كما قيل به، لأن جوابنا على هذا من وجهين: الوجه الأول: أن التأويل إذا دل عليه الدليل فلا مانع منه، فهاهم السلف أولوا المعيّة بالعلم خوفاً بأن يُظن أن المعيّة بالذات في نفس الأرض. وأول الفقهاء قول الله : (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (النحل: ٩٨) بأن المراد إذا أردت أن تقرأ. فالتأويل الذي دل عليه الدليل ليس تحريفاً، بل هو تفسير الكلام. الوجه الثاني: أن التأويل المذموم هو التحريف، بأن يصرف الكلام عن ظاهره إلى معنى يخالف الظاهر بلا دليل. . ١٣ أن الخطيئة فيها شيء من الحرارة لأنه يعذب عليها الإنسان بالنار، والماء فيه شيء من البرودة، ولهذا شبه النبي ﷺ ذلك بالماء يطفىء النار. . ١٤ حسن تعليم النبي ﷺ ، وما أكثر ما يمر علينا حسن تعليمه صلوات الله وسلامه عليه، لأن حسن تعليمه من تمام تبليغه وذلك بقياس الأشياء المعنوية على الأشياء الحسية، كما في قوله: "تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ". . ١٥ الحث على صلاة الليل، وبيان أنها تطفئ الخطايا كما يطفئ الماء النار.

стр. 299

١٦-استدلال النبي ﷺ بالقرآن مع أن القرآن أنزل عليه، لكن القرآن يستدل به لأن كلام الله تعالى مقنع لكل أحد، ولهذا تلا هذه الآية: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ) (السجدة: الآية١٦) فإن قال قائل: لم يذكر في الحديث أنه استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، وقد قال الله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (النحل: ٩٨) فالجواب: أن هذه الآية لا يراد بها التلاوة، وإنما يراد بها الاستدلال، والآية الكريمة: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ) يعني للتلاوة، وأحاديث كثيرة من هذا النوع يُذكر فيها الاستشهاد بالآيات، ولا يذكر فيها الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم. مسألة: كثير من الأخوة إذا أراد أن يقرأ قال: قال الله أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) (القدر: ١) وهذا تخليط، لأنه إذا قال: قال الله تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أدخل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم في مقول القول، وهذا غلط، وإذا كان ولابد أن تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فقلها قبل، أي قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى. ولكن الذي مرّ علينا كثيراً أن ما قصد به الاستدلال فإنه لايتعوّذ فيه بخلاف ما قصد فيه التلاوة، والآية ظاهرة: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (النحل: ٩٨) . . ١٧ فضيلة أولئك القوم الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع، لأنهم يشتغلون بالصلاة يدعون ربهم خوفاً وطمعاً، وليس الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع في اللهو واللغو والحرام، فإن هؤلاء بقاؤهم ساهرين إما مكروه، وإما محرّم حسب مايشتغلون به. . ١٨-ومن فوائد الآية التي استشهد بها النبي ﷺ : أنه ينبغي للإنسان أن يكون عند دعوة الله خائفاً راجياً، لقوله: (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً) (السجدة: الآية١٦) والمراد دعاء العبادة ودعاء المسألة، فأنت إذا عبدت الله كن خائفاً راجياً، تخاف أن

стр. 300

لايقبل منك، كما قال الله : (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) (المؤمنون: الآية٦٠) أي خائفة أن لا يقبل منها، ولكن أحسن الظن بالله. وأيضاً: كن راجياً ربك حتى تسير إلى الله بين الخوف والرجاء. وهذه مسألة اختلف فيها أرباب السلوك: هل الأولى أن يغلب الإنسان جانب الرجاء، أو الأولى أن يغلب جانب الخوف، أو يجعلهما سواء؟ فقال الإمام أحمد ﵀: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحداً، فأيهما غلب هلك صاحبه. وقال بعض أهل العلم: ينبغي عند الموت أن يغلب جانب الرجاء، وفي حال الصحة يغلب جانب الخوف، قال: لأن النبي ﷺ قال: "لايَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ باللهِ" (١) أما في حال الصحة فيغلب جانب الخوف لأجل أن يحمله خوفه على الاستقامة. وقال بعض أهل العلم: في حال فعل الطاعة يغلب جانب الرجاء، وفي حال الهمّ بالمعصية يغلب جانب الخوف، وهذا حسن. ووجه الأول أنه في حال الطاعة يغلب جانب الرجاء هو أنه يقول: إن الذي منَّ عليَّ بهذه الطاعة سيمنُّ عليَّ بقبولها، فيجعل منّة الله تعالى عليه بها دليلاً على منّة الله تعالى عليه بقبولها، ويغلب جانب الرجاء، ويقول: قمت بما أمرت به وأرجو من الله الثواب. أما إذا همّ بالمعصية فيغلب جانب الخوف لئلا يقع في المعصية، وهذا القول من حيث المعنى أحسن الأقوال، لكن مع ذلك لانحكم به على كل فرد، إذ قد يعرض

стр. 301

للإنسان حالات يغلب فيها الرجاء وحالات يغلب فيها الخوف، لكن نحن نتكلم عن الخوف والرجاء من حيث هما، لا باعتبار كل واحد من الناس. . ١٩ ومن فوائد الحديث في ضمن الآية: فضيلة الإنفاق مما رزق الله العبد، لقوله:) وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (السجدة: من الآية١٦) . وهل المراد الرزق الطيب أو مطلق الرزق؟ الآية مطلقة، ولكن من اكتسب مالاً محرّماً، أو أنفق مالاً محرّماً فلا مدح له، كمن سرق مالاً ثم ذهب يتصدق به، فلا يستقيم. أو تصدق بخنزير فلا يستقيم. وعلى هذا يكون المراد بالرزق في الآية الرزق الطيب. ٢٠- ومن فوائد الحديث: أن رأس الأمر - أي أمر الدنيا والآخرة- الإسلام. والإسلام هوما بعث به النبي ﷺ ، إذ بعد بعثته لا إسلام إلا ما كان على شريعته، وعلى هذا فلو سألك سائل: هل اليهود مسلمون؟ هل النصارى مسلمون؟ فالجواب: أن اليهود في حال قيام شريعة التوراة إذا اتبعوها فهم مسلمون، وكذلك النصارى في حال قيام الإنجيل إذا اتبعوه فهم مسلمون، ولهذا في القرآن الكريم ذكر الإسلام لهؤلاء وهؤلاء. وأما بعد بعثة النبي ﷺ فإن كل من كفر به ليس بمسلم حتى لو قال: أني أسلمت. . ٢١ أن الصلاة عمود الدين، والعمود لا يستقيم البناء إلا به. ويتفرّع على هذا: أن من ترك الصلاة فهو كافر، لأن العمود إذا سقط لم يستقم البناء، وهذا القول هو القول الراجح الذي دل عليه كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وأقوال الصحابة ﵃ حتى حكي هذا القول إجماعاً من الصحابة، وهو مقتضى النظر والقياس، إذ كيف يمكن لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يحافظ على ترك الصلاة؟ لايمكن هذا أبداً.

стр. 302

وقد كتبنا في هذا رسالة موجزة - والحمد لله - لكنها تضمنت ذكر الأدلة على كفر تارك الصلاة والجواب عن قول من يقول: إنه لايكفر. وليس عند من يقول إنه لايكفر دليل، إلا نصوصاً عامة تخص بنصوص كفر تارك الصلاة، أو نصوص قيدت بما لايمكن مع هذا القيد أن يترك الصلاة، أو نصوص قيدت بقيود لا يمكن معها ترك الصلاة. المهم على كل حال هذه الرسالة ينبغي لكل إنسان أن يقرأها متجرداً عن الهوى، وفي ظني أنه لو شاع هذا القول بين الناس لارتدع كثير من الناس عن ترك الصلاة، وأما إذا قيل: ترك الصلاة فسق من الفسوق فكثير من الناس لا يبالي أن يكون فاسقاً أو مستقيماً. ويرى بعض أهل العلم من السابقين واللاحقين أن ترك صلاة واحدة حتى يخرج وقتها بلا عذر كفر. ولكن الذي أرى: أنه لا يكفر إلا إذا ترك الصلاة نهائياً. . ٢٢ أن الجهاد ذروة سنام الإسلام، والذروة هو الشيء العالي، لأنه إذا استقام الجهاد فمقتضاه أن المسلمين تكون كلمتهم هي العليا، وهذا ذروة السنام. ولكن يقيد هذا الإطلاق بما إذا كان الجهاد في سبيل الله يتعيّن؛ لأن النبي ﷺ سئل عن الرجل يقاتل حمية - أي حمية لقومه وعصبية - ويقاتل شجاعة - أي لأنه شجاع، والشجاع يحب القتال، ويقاتل ليرى مكانه، وفي لفظ: ويقاتل رياءً، أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فعدل النبي ﷺ عن هذا كله وقال: "مَنْ قَاتَل لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُليَا فَهُوَ فِي سَبِيْلِ اللهِ" هذا الميزان. ولذلك نجد الذين قاتلوا حميّة ممن ينتسبون للإسلام لم ينجحوا، ولن ينجحوا، فماذا حصل من قتال العرب لليهود؟ حصل الفشل، وحصلت الهزيمةلأنهم لايقاتلون لتكون

стр. 303

كلمة الله هي العليا، بل يقاتلون: للقومية العربية، هذه القومية حصل بسببها من المفاسد بأن دخل فيهم النصارى واليهود العرب مادام مناط الحكم هو العروبة، كما دخل فيهم الشيوعيون وغيرهم إذا كانوا عرباً، ولايعقل أن يهودياً أو نصرانياً أو شيوعياً يقاتل لحماية الإسلام. وخرج الملايين من المسلمين من غير العرب وصار في نفوسهم شيء وقالوا: لماذا تخرجوننا من القتال؟ ولهذا صارت الهزيمة والفشل الذي ليس بعده استرداد للعزة والعلو، وإلا قد يكون هزيمة يبتلي الله بها كما حصل في أحد ولكن استردّ المسلمون عزهم وعلوّهم. أما نحن فلن نزال في أرجوحة، كان الناس في عنفوان العروبة - كما يقولون- عندهم ثلاث لاءات يسمّونها اللاءات الثلاث: لاصلح، لاسلام، ولا استسلام. والآن يهود براك الخبيث جاء بخمس لاءات، والعرب الآن يلهثون وراءهم يطلبون الصلح، ولكنه ليس بحاصل إلا على ثروات العرب، وربما دمائهم أيضاً. فالمهم: أن الجهاد المحمود المفروض على المسلمين هو: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا. . ٢٣-أن ملاك هذا كله كف اللسان، لقول النبي ﷺ : "أَلا أُخْبِرُكَ بِملاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ" . ٢٤ خطورة اللسان، فاللسان من أخطر ما يكون، فإن الإنسان ربما يتكلم بالكلمة من غضب الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار كذا وكذا، سنوات، وهو لم يلق لها بالاً، يتكلم بكلمة الكفر لا يلقي لها بالاً فيكفر ويرتد - والعياذ بالله -. والغيبة الآن ملأت المجالس إلا ماشاء الله، وهي من آفات اللسان. والكذب من آفات اللسان، والسبّ مقابلة وجهاً لوجه من آفات اللسان، والنميمة من آفات اللسان، فإذا حفظ الإنسان لسانه حفظه الله ، ولهذا جاء في الحديث:

стр. 304

"مَنْ يَضْمَنُ لِي مَابَيْنَ لَحْيَيْهِ وفَخِذَيْهِ أَضمَنُ لَهُ الجَنَّةَ" (١) أي من كفَّ عن الزنا وعن القول المحرّم فإنه يدخل الجنة. . ٢٥ التعليم بالقول وبالفعل، لقوله: "أَخَذَ بِلِسَانِهِ وَقَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا" ولم يقل: كفّ عليك لسانك، بل أخذ بلسانه وقال: كفّ عليك هذا، لأنه إذا حصل الفعل رأت العين وانطبعت الصورة في القلب بحيث لاينسى، والمسموع ينسى لكن المرئي لاينسى، بل يبقى في صفحة الذهن إلى ماشاء الله . ولهذا كان الصحابة ﵃ أحياناً يعلمون الناس بالفعل، ومن ذلك لما سئل أمير المؤمنين عثمان ﵁ عن وضوء النبي ﷺ ، دعا بماء وتوضّأ أمام الناس (٢) ، حتى يفقهوا ذلك بالفعل. . ٢٦-أن الصحابة ﵃ لايبقون في نفوسهم إشكالاً ولاقلقاً، بل يسألون عنه حتى ينكشف الأمر، قال معاذ ﵁: "وإنَّا لمؤاخذون بما نتكلّم به؟ " وهذا إشكال يرد، لأن الإنسان إذا كان مؤاخذاً بما يتكلّم به فما أكثر المؤاخذة لكثرة الكلام فأجابه النبي ﷺ . ومن هنا نأخذ فائدة عظيمة وهي: أن ما لم يسأل عنه الصحابة ﵃ ولم يرد في الكتاب والسنة من مسائل الاعتقاد فالواجب الكفّ عنها، فإذا سألك إنسان عن شيء في الاعتقاد، سواء في أسماء الله، أو صفات الله أو أفعال الله، أو في اليوم الآخر أو غيره ولم يسأل عنه الصحابة فقل له: هذا بدعة، لو كان خيراً لسبقونا إليه لأنهم - والله - أحرص منا علىالعلم، وأشد منا خشية لله تعالى.. ٢٧ جواز إطلاق القول الذي لايقصد وإنما يدرج علىاللسان، لقوله: "ثَكِلَتْكَ

стр. 305

أُمُّكَ يَامُعَاذُ" هذه الكلمة دعاء، لكنها تجري على الألسن لقصد الحث لا للدعاء، وهي موافقة للقاعدة الشرعية، وهي أن الله تعالى لا يؤاخذ باللغو كما قال الله تعالى: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ) (المائدة: الآية٨٩) وفي الآية الأخرى: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) (البقرة: الآية٢٢٥) وعلى هذا فما يجري على اللسان من الأيمان لا يؤاخذ به الإنسان، فمثلاً: دائماً يقول لك صاحبك: هل ستذهب إلى فلان؟ فتقول: لا والله لن أذهب إليه، ثم تذهب، فلا كفارة عليك، لأن هذا جرى علىاللسان بلا قصد، فما لايعقد عليه القلب فإنه ليس بشيء، ولا يؤاخذ به الإنسان. . ٢٨ أن أهل النار - والعياذ بالله - قد يكبون في النار على وجوههم، لقوله: "وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّار عَلَى وُجُوهِهِم أوقال: عَلَى مَنَاخِرِهِم" وهذا اختلاف لفظ والمعنىواحد، لأن المنخر في الوجه، واسمع قول الله : (أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ) (الزمر: الآية٢٤) العادة أن الإنسان يتقي العذاب بيده، لكن أهل النار - أجارنا الله منها بمنّه وكرمه - لا يستطيعون، تلفح وجوههم النار، يتقي بوجهه سوء العذاب وهذا دليل على كمال الإهانة، لأن الوجه محل الإكرام، فإذا أهين إلى هذا الحد فهذا غاية ما يكون من الذلّ، قال الله تعالى: (وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ) (الشورى: الآية٤٥) . ٢٩ الحذر من إطلاق اللسان، وقد مرّ علينا في الأحاديث السابقة "مَنْ كَان يُؤمِنُ باللهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيرَاً أَو لِيَصْمُتْ" والله لو سرنا على هذا لسلمنا من أشياء كثيرة، وما أكثر ما يقول الإنسان شيئاً ثم يندم في الحال، لكن الكلمة إذاخرجت فهي كالرصاصة تخرج من البندق، لايمكن ردّها، لكن مادامت في قلبك يمكنك أن تتحكّم فيها.

стр. 306

٣٠- تحرّي مانقل في الحديث من أقوال رسول الله حيث قال: "عَلَى وُجُوهِهِم أو مَنَاخِرِهِم" وهذا يدلّ على الأمانة التامّة في نقل الأحاديث. ولله الحمد.

стр. 307

الحديث الثلاثون عَنْ أَبِيْ ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ جُرثُومِ بنِ نَاشِرٍ ﵁ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّ اللهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودَاً فَلا تَعْتَدُوهَا وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ فَلا تَبْحَثُوا عَنْهَا) (١) حديث حسن رواه الدارقطني وغيره. الشرح " فَرَضَ" أي أوجب قطعاً، لأنه من الفرض وهو القطع. " فَرَائِضَ" ولا نقول: (فرائضاً) لأنها اسم لا ينصرف من أجل صيغة منتهى الجموع. " فَرَضَ فَرَائِضَ" مثل الصلوات الخمس، والزكاة، والصيام، والحج، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، ومالا يحصى. " فَلا تُضَيِّعُوهَا" أي تهملوها فتضيع، بل حافظوا عليها. "وَحَدَّ حُدودَاً فَلا تَعتَدوها" الحد في اللغة المنع، ومنه الحد بين الأراضي لمنعه من دخول أحد الجارين على الآخر، وفي الاصطلاح قيل: إن المراد بالحدود الواجبات والمحرمات. فالواجبات حدود لا تُتعدى، والمحرمات حدود لا تقرب.

стр. 308

وقال بعضهم: المراد بالحدود العقوبات الشرعية كعقوبة الزنا، وعقوبة السرقة وما أشبه ذلك. ولكن الصواب الأول، أن المراد بالحدود في الحديث محارم الله الواجبات والمحرمات، لكن الواجب نقول: لا تعتده أي لاتتجاوزه، والمحرم نقول: لا تقربه، هكذا في القرآن الكريم لما ذكر الله تعالى تحريم الأكل والشرب على الصائم قال: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا) (البقرة: الآية٢٢٩) ولما ذكر العدة وما يجب فيها قال: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقرَبُوهَا) (البقرة: ١٨٧) . "وَحَرَّمَ أَشيَاء" (أشياء) منصوبة بدون تنوين لوجود ألف التأنيث الممدودة. "فَلا تَنتَهِكوهَا" أي فلا تفعلوها، مثل: الزنا، وشرب الخمر، والقذف، وأشياء كثيرة لا تحصى. "وَسَكَتَ عَنْ أَشيَاء رَحمَةً لَكُمْ غَيرَ نسيَان فَلا تَبحَثوا عَنهَا" سكت عن أشياء أي لم يحرمها ولم يفرضها. قال: سكت بمعنى لم يقل فيها شيئاً، ولا أوجبها ولا حرمها. وقوله: "غَيْرَ نسيَان" أي أنه لم يتركها ناسياً (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً) (مريم: الآية٦٤) ولكن رحمة بالخلق حتى لا يضيق عليهم. "فَلا تَبحَثوا عَنهَا" أي لا تسألوا، مأخوذ من بحث الطائر في الأرض، أي لا تُنَقِّبُوا عنها، بل دعوها. الفوائد من هذا الحديث: ١-إثبات أن الأمر لله وحده، فهو الذي يفرض، وهو

стр. 309

الذي يوجب، وهو الذي يحرم، فالأمر بيده، لا أحد يستطيع أن يوجب مالم يوجبه الله، أو يحرم مالم يحرمه الله، لقوله: "إِنَّ اللهَ فَرَضَ فَرَائض" ... وقَالَ: "وَحَرمَ أَشيَاء" فإن قال قائل: هل الفرض والواجب بمعنى واحد، أو الفرض غير الواجب؟ فالجواب: أما من حيث التأثيم بترك ذلك فهما واحد. وأما من حيث الوصف: هل هذا فرض أو واجب؟ فقد اختلف العلماء- ﵏ في هذا، فقال بعضهم: الفرض ما كان دليله قطعياً، والواجب ما كان دليله ظنياً. وقال آخرون: الفرض ما ثبت بالقرآن، والواجب ما ثبت بالسنة. وكلا القولين ضعيف، والصواب: أن الفرض والواجب بمعنى واحد، ولكن إذا تأكد صار فريضة، وإذا كان دون ذلك فهو واجب، هذا هو القول الراجح في هذه المسألة. . ٢أن الدين الإسلامي ينقسم إلى فرائض ومحرمات. . ٣وجوب المحافظة على فرائض الله ، مأخوذ من النهي عن إضاعتها، فإن مفهومه وجوب المحافظة عليها. . ٤أن الله حد حدوداً، بمعنى أنه جعل الواجب بيناً والحرام بيناً: كالحد الفاصل بين أراضي الناس، وقد سبق في حديث النعمان بن بشير ﵄ أن الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات. . ٥تحريم تعدي حدود الله، لقوله: "فَلاَ تَعتَدوهَا". وانظر كيف كرر الله النهي عن التعدي إلى حدود الله في مسألة الطلاق، يتبين لك أهمية النكاح عقداً وإطلاقاً.

стр. 310

٦أنه لا يجوز تجاوز الحد في العقوبات، فالزاني مثلاً إذا زنا وكان بكراً فإنه يجلد مائة جلدة ويغرّب عاماً، ولا يجوز أن نزيد على مائة جلدة، ونقول يجلد مائة وخمسين مثلاً، فإن هذا محرم. فإن قال قائل: إذا اقتصرنا على مائة جلدة ربما يكثر الزنا، وإذا زدنا يقل؟ فالجواب: أأنتم أعلم أم الله؟ وما دام الله فرض مائة جلدة فلا نتجاوزها، بالاضافة إلى تغريب عام على خلاف بين العلماء في ذلك، هل يغرب أو لا، لأنه ثبت بالسنة، والخلاف في هذا معروف. ومن هنا نعرف أن عقوبة شارب الخمر ليست حداً، ولا يمكن أن نقول: إنها حد فلو كانت حداً ما تجاوزها عمر والصحابة ﵃، ثم هناك دليل آخر من نفس القضية، لما استشار عمر الصحابة ﵃، قال عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين أخف الحدود ثمانون، ويعني بذلك حد القذف. ولو كانت عقوبة شارب الخمر حداً لكان أخف الحدود أربعين، وهذا شيء واضح، لكن - سبحان الله - الفقهاء ﵏ يرونه حداً، وعند التأمل يتبين أن القول بأنه حد ضعيف، ولا يمكن لعمر ﵁ ولا لغيره أن يتجاوز حد الله . . ٧وصف الله بالسكوت، هذا من تمام كماله ، أنه إذا شاء تكلم وإذا شاء لم يتكلم. . ٨أنه يحرم على الإنسان أن ينتهك محارم الله ، لقوله: "حَرَّمَ أَشيَاء فَلا تَنتَهِكُوهَا". وطرق التحريم كثيرة، منها: النهي، ومنها: التصريح بالتحريم، ومنها: ذكر العقوبة

стр. 311

على الفعل، ولإثبات التحريم طرق. . ٩أن ما سكت الله عنه فلم يفرضه، ولم يحده، ولم ينه عنه فهو الحلال، لكن هذا في غير العبادات، فالعبادات قد حرم الله أن يشرع أحد الناس عبادة لم يأذن بها الله ، فتدخل في قوله: "حَرَّمَ أَشيَاء فَلاَ تَنتَهِكُوهَا". ولهذا نقول: إن من ابتدع في دين الله ما ليس منه من عقيدة أو قول أو عمل فقد انتهك حرمات الله، ولا يقال هذا مما سكت الله عنه، لأن الأصل في العبادات المنع حتى يقوم دليل عليها، وغير ذلك الأصل فيه الإباحة، فما سُكِتَ عنه فهو مباح. وحينئذ نذكر مسألة يكثر السؤال عنها، ربما نعرف حكمها من هذا الحديث: يسأل بعض الناس ولاسيما النساء: هل يجوز للإنسان أن يزيل شعر الساق، أو شعر الذراع أو لا يجوز؟ فالجواب: الشعور ثلاثة أقسام: الأول: ما نهي عن إزالته. الثاني: ما أمر بإزالته. الثالث: ما سكت عنه. فأما ما أمر بإزالته فمعروف: كالعانة والإبط للرجال والنساء والشارب بالنسبة للرجال، فهذا مأمور بإزالته، لكن الشارب لا يؤمر بإزالته نهائياً كالحلق مثلاً، حتى إن الإمام مالك- ﵀ قال: ينبغي أن يؤدب من حلق شاربه، لأن الحديث أحفوا الشوَارب (١) والثاني: ما نهي عن إزالته كشعر اللحية بالنسبة للرجال، فإن النبي ﷺ أمر بإعفائها

стр. 312

وقال: خَالِفُوا المَجوسَ (١) خَالِفُوا المُشرِكينَ (٢) فلا يحل لأحد أن يحلق لحيته، بل ولا أن ينقص منها على القول الراجح حتى لو زادت على القبضة. وأما إجازة الفقهاء- ﵏ قص ما زاد على القبضة واستدلالهم بفعل ابن عمر ﵄ (٣) ، فهذا رأي لكنه مخالف لظاهر الحديث. وابن عمر ﵄ ليس يقص ما زاد على القبضة في كل السنة، إنما يفعل ذلك إذا حج أو اعتمر فقط، وهذا فرق بين ما شغف به بعض الناس وقالوا: إن ابن عمر ﵄ يرى جواز أخذ ما زاد على القبضة. وكأنه - والله أعلم - رأى أن هذا من كمال التقصير أو الحلق. ومع ذلك فرأيه ﵁ غير صواب، فالصواب فيما قاله النبي ﷺ . والعجب أن ابن عمر ﵄ ممن روى حديث الأمر بإعفاء اللحية وهو يفعله، لكن نعلم أن ابن عمر ﵄ عنده من العبادة ما فات كثيراً من الناس إلا أنه تأول، والمتأول مجتهد إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر. القسم الثالث: بقية الشعور التي ليس فيها أمر ولا نهي، فقال بعض الناس: إن أخذها حرام، لقول الله تعالى عن إبليس: (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) (النساء: الآية١١٩) هذا يستثنى منه ما أمر بإزالته كالختان وما أشبه ذلك. قالوا: وهذا مغير لخلق الله، بينما كان ساقه فيه الشعر أو ذراعه فيه الشعر أصبح الآن ليس فيه شعر. ولاشك أن هذا القول والاستدلال وجيه، لكن إذا رأينا أن النبي ﷺ قسم الأشياء

стр. 313

إلى ثلاثة أقسام قلنا: هذا مما سكت عنه، لأنه لو كان ينهى عنه لألحق بما نهي عنه، وهذه قرينة تمنع أن يكون هذا من باب تغيير خلق الله أو يقال: هو من التغيير المباح. والذي نرى في هذه المسالة: أن الشعر يبقى ولا يحلق ولا يقص، اللهم إلا إذا كثر بالنسبة للنساء حتى شوه الخلقة، فالمرأة محتاجة إلى الجمال والتجمل، فلا بأس. وأما الرجال فيقال: كلما كثر الشعر دلّ ذلك على قوة الرجل. . ١٠أنه لا ينبغي البحث عما سكت الله تعالى عنه ورسوله. وهل هذا النهي في عهد الرسالة، أم إلى الآن؟ في هذا قولان للعلماء منهم من قال: هذا خاص في عهد الرسالة، لأن ذلك عهد نزول الوحي، فقد يسأل الإنسان عن شيء لم يُحرم فيحرم من أجله، أو عن شيء لم يجب فيوجب من أجله، كما سأل الأقرع بن حابس النبي ﷺ حين قال النبي ﷺ : "إِنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيكُم الحَجَّ" فقام الأقرع وقال: يا رسول الله أفي كل عام؟ وهذا سؤال في غير محله، اللهم إلا إذا كان الأقرع بن حابس أراد أن يزيل الوهم الذي قد يعلق في أفهام بعض الناس، فالله أعلم بنيته، لكن النبي ﷺ قال: "لَو قُلتُ نَعَم لَوَجَبَت وَمَا استَطَعتُم، الحَجَّ مَرَةً فَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوع" (١) ، من أعظم الناس جرماً من يسأل عن شيء لم يحرم فيحرم من أجل مسألته، أو لم يوجب فيوجب من أجل مسألته. أما بعد عهد الرسالة فلا بأس أن يبحث الإنسان. ولكن الصواب في هذه المسالة أن النهي حتى بعد عهد الرسالة إلا أنه إذا كان المراد

стр. 314

بالبحث الاتساع في العلم كما يفعله طلبة العلم، فهذا لا بأس به، لأن طالب العلم ينبغي أن يعرف كل مسألة يحتمل وقوعها حتى يعرف الجواب، وأما إذا لم يكن كذلك فلا يبحث، بل يمشي على ما كان عليه الناس. ومن ذلك: البحث عن اللحوم وعن الأجبان وعما يرد إلى البلاد من بلاد الكفار فلا تبحث، ولا تقل: هل هذا حلال أو حرام؟ ولهذا قال ابن عمر ﵄ لما سئل عن اللحم في السوق، ما كان من لحم في سوقنا فسوف نشتريه ولا نسأل. كذلك أيضاً لا نبحث عن مسائل الغيب ونتعمق فيها، ولا نبحث في صفات الله عن كيفيتها، لأن هذا من التعمق، ولا نأتي بمعضلات المسائل التي فيها: أرأيت إن كان كذا، ولو كان كذا، ولو كان كذا كما يوجد من بعض طلبة العلم الآن، يوجد أناس يفرضون مسائل ليست واقعة ولن تقع فيما يظهر، ومع ذلك يسألون، وهم ليسوا في مكان البحث، بل يسألون سؤالاً عاماً، فهذا لا ينبغي. ومن ذلك أيضاً: ما كان الناس قد عاشوا عليه لا تبحث عنه إلا إذا علمت أنه حرام، فيجب بيان الحكم. من ذلك: الذين قالوا: إن أذان الجمعة الثاني الذي زاده عثمان ﵁ هذا بدعة لا يجوز، فنقول لهم: أين الدليل؟ ثم يأتي إنسان آخر، ويقول: ليس بين أذان الجمعة الأول والثاني إلا دقائق، فنقول له: من الذي قال لك ابحث عن هذا؟ فالناس من أزمنة كثيرة تتوالى عليهم العلماء والأذان الأول يكون قبل الثاني بخمس وأربعين دقيقة أو ستين دقيقة، والناس يمشون على هذا، فلا تبحث، دع الناس على ما هم عليه. ثم لو فرض أنه ثبت أن بين الأذان الثاني والأول في زمن عثمان ﵁ خمس أو عشر دقائق، فالوقت اختلف الآن، كانت المدينة صغيرة أقل من قرية من قرانا اليوم، أما اليوم فتباعدت الأقطار حيث يحتاج الإنسان أن يأتي من أقصى المدينة إلى

стр. 315

المسجد إلى وقت، فليقدم الأذان الأول بحيث يتأهب الناس ويحضرون. أشياء كثيرة من هذا النوع، ولكن هذا الحديث ميزان "فلا تَبحَثُوا عَنهَا". . ١١إثبات رحمة الله في شرعه، لقوله: "رَحمَةً بِكُم" وكل الشرع رحمة، لأن جزاءه أكثر بكثير من العمل، فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومع ذلك فالله خفف عن العباد، وسكت عن أشياء كثيرة لم يمنعهم منها ولم يلزمهم بها.. ١٢انتفاء النسيان عن الله ، لقوله "غَيرَ نسيَان" وقد جاء ذلك في القرآن الكريم، فقال الله : (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً) (مريم: ٦٤) وقال موسى ﵊ لفرعون لما سأله ما بال القرون الأولى: (قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى) (طه: ٥٢) فإن قال قائل: ما الجواب عن قول الله تعالى: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) (التوبة: الآية٦٧) فأثبت لنفسه النسيان؟ فالجواب: أن المراد: النسيان هنا نسيان الترك، يعني تركوا الله فتركهم. فهؤلاء تعمدوا الشرك وترك الواجب، ولم يفعلوا ذلك نسياناً. إذاً: (نَسُوا اللَّهَ) (التوبة: ٦٧) أي تركوا دين الله (فَنَسِيَهُمْ) أي فتركهم. أما النسيان الذي هو الذهول عن شيء معلوم فهذا لا يمكن أن يوصف الله به، بل يوصف به الإنسان، لأن الإنسان ينسى، ومع ذلك لا يؤاخذ بالنسيان لأنه وقع بغير اختيار. . ١٣حسن بيان النبي ﷺ حيث ساق الحديث بهذا التقسيم الواضح البين والله أعلم.

стр. 316

الحديث الحادي والثلاثون عَنْ أَبي العَباس سَعدِ بنِ سَهلٍ السَّاعِدي ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله: دُلَّني عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمَلتُهُ أَحَبَّني اللهُ، وَأَحبَّني النَاسُ؟ فَقَالَ: (ازهَد في الدُّنيَا يُحِبَّكَ اللهُ، وازهَد فيمَا عِندَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ) (١) حديث حسن رواه ابن ماجة وغيره بأسانيد حسنة. الشرح قوله "جَاءَ رَجُلٌ" لم يعين اسمه، ومثل هذا لا حاجة إليه، ولاينبغي أن نتكلف بإضاعة الوقت في معرفة هذا الرجل، وهذا يأتي في أحاديث كثيرة، إلا إذا كان يترتب على معرفته بعينه اختلاف الحكم فلابد من معرفته. وقوله: "دُلني عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَملتُهُ أَحَبَّني الله، وَأَحبَّني النَّاس" هذا الرجل طلب حاجتين عظيمتين، أولهما محبة الله والثانية محبة الناس. فدله النبي ﷺ على عمل معين محدد، فقال: "ازهَد في الدُّنيَا" والزهد في الدنيا الرغبة عنها، وأن لا يتناول الإنسان منها إلا ما ينفعه في الآخرة، وهو أعلى من الورع، لأن الورع: ترك ما يضر من أمور الدنيا، والزهد: ترك مالا ينفع في الآخرة، وترك ما لا ينفع أعلى من ترك ما يضر، لأنه يدخل في الزهد الطبقة الوسطى التي ليس فيها ضرر ولا نفع، فالزهد يتجنب مالا نفع فيه، وأما الوَرَع فيفعل ما أبيح له، لكن يترك ما يضره.

стр. 317

وقوله: "يُحِبكَ الله" هو بالجزم على أنه جواب: ازهَد والدنيا: هي هذه الدار التي نحن فيها، وسميت بذلك لوجهين: الوجه الأول: دنيا في الزمن. الوجه الثاني: دنيا في المرتبة. فهي دنيا في الزمن لأنها قبل الآخرة، ودنيا في المرتبة لأنها دون الآخرة بكثير جداً، قال النبي ﷺ : "لَمَوضِعُ سوطِ أَحَدِكُم في الجَنَّةِ خَيرٌ مِنَ الدُّنيَا وَمَا فيهَا" (١) وقال النبي ﷺ "ركعَتَا الفَجرِ خَيرٌ مِنَ الدُّنيَا وَمَا فيهَا" (٢) إذاً الدنيا ليست بشيء. ولذلك لا تكاد تجد أنه يمر عليك شهر أو شهران أو أكثر إلا وقد أصبت بالسرور ثم أعقبه حزن، وما أصدق وصف الدنيا في قول الشاعر: فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نساء ويوم نسر وقوله: "وازهَد فيمَا عِندَ النَاس يُحِبكَ النَّاس" أي لا تتطلع لما في أيديهم، ارغب عما في أيدي الناس يحبك الناس، وهذا يتضمن ترك سؤال الناس أي أن لا تسأل الناس شيئاً، لأنك إذا سألت أثقلت عليهم، وكنت دانياً سافلاً بالنسبة لهم، فإن اليد العليا المعطية خير من اليد السفلى الآخذة.

стр. 318

من فوائد هذا الحديث: ١-علو-همم الصحابة ﵃، فلا تكاد تجد أسئلتهم إلا لما فيه خير في الدنيا أو الآخرة أو فيهما جميعاً. وهنا السؤال: هل الصحابة ﵃ إذا سألوا مثل هذا السؤال يريدون أن يطلعوا فقط، أو يريدون أن يطلعوا ويعملوا؟ الجواب: الثاني، بخلاف كثير من الناس اليوم-نسأل الله أن لايجعلنا منهم- يسألون ليطلعوا على الحكم فقط لا ليعملوا به، ولذلك تجدهم يسألون عالماً ثم عالماً ثم عالماً حتى يستقروا على فتوى العالم التي توافق أهواءهم، ومع ذلك قد يستقبلونها بنشاط وقد يستقبلونها بفتور. . ٢إثبات محبة الله ، أي أن الله تعالى يحب محبة حقيقية. ولكن هل هي كمحبتنا للشيء؟ الجواب: لا، حتى محبة الله لنا ليست كمحبتنا لله، بل هي أعلى وأعظم، وإذا كنا الآن نشعر بأن أسباب المحبة متنوعة، وأن المحبة تتبع تلك الأسباب وتتكيف بكيفيتها فكيف بمحبة الخالق؟!! لا يمكن إدراكها. الآن نحب الأكل، ونحب من الأكل نوعاً نقدمه على نوع، وكذلك يقال في الشرب، ونحب الجلوس إلى الأصحاب، ونحب الوالدين، ونحب النساء، فهل هذه المحبات في كيفيتها وحقيقتها واحدة؟ الجواب: لا، تختلف. فمحبة الخالق لنا-ليست كمحبتنا إياه، بل هي أعظم وأعظم، لكنها حقيقية.

стр. 319

زعم أهل التعطيل الذين حكموا على الله بعقولهم وقالوا: ما وافق عقولنا من صفات الله تعالى أثبتناه وما لا فلا، ولهذا قاعدتهم في هذا، يقولون: ما أقرته عقولنا من صفات الله أقررناه، وما خالف عقولنا نفيناه، وما لم توافقه ولم تخالفه فأكثرهم نفاه وقالوا: لا يمكن أن نثبته حتى يشهد العقل بثبوته، وبعضهم توقف فيه. وأقربهم إلى الورع الذين توقفوا ومع ذلك فلم يسلكوا سبيل الورع، إذ سبيل الورع أن نثبت ما أثبته الله تعالى لنفسه مطلقاً، سواء أدركته عقولنا أم لا، وأن ننفي ما نفاه الله تعالى عن نفسه مطلقاً، سواء أثبتته عقولنا أو لا، وما لم ترد عقولنا بإثباته أو نفيه نثبته إن أثبته الله تعالى لنفسه، وننفيه إن نفاه الله تعالى عن نفسه. وعلى هذا فمحبة الله تعالى للعباد ثابتة بالقرآن والسنة وإجماع السلف الصالح، قال الله تعالى: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) (المائدة: الآية٥٤) وقال : (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (التوبة: الآية٤) (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً) (الصف: ٤) وآيات متعددة. فيقول أهل العقل الذين حكموا على الله بعقولهم: محبة الله يعني إثابته على العمل. فنقول: الإثابة على العمل أليس من لازمها المحبة؟ لأنه لا يمكن أن يثيب على عمل إلا وهو يحبه، إذ العقل لا يمكن أن يحكم بأن أحداً يثيب على عمل وهو لا يحب العمل، العقل ينفي هذا، فإذا رجعنا إلى العقل صار العقل دليلاً عليه. وحينئذ يجب أن نثبت المحبة بدون واسطة، فنقول: هي محبة حقيقية. فلو أنكروا المحبة وقالوا: إن الله لا يحب فقد كذبوا القرآن، ولذلك نقول: إنكار حقيقة الصفات إن كان إنكار تكذيب وجحد فهو كفر، وإن كان إنكار تأويل فهذا فيه تفصيل: ١-إن كان للتأويل مساغ لم يكفر، لكنه خالف طريق السلف، فيكون بهذا الاعتبار فاسقاً مبتدعاً.

стр. 320

٢وإن كان التأويل لا مساغ له لم يقبل منه أبداً، ولهذا قال العلماء في الأيمان لو قال شخص: والله لا أشتري الخبز، وذهب واشترى خبزاً، فقلنا له: عليك كفارة، فقال: لا، أنا أردت بالخبز الثوب، فلا يقبل منه، لأن هذا ليس له مساغ في اللغة. لكن لو قال: والله لا أنام إلا على فراش ثم خرج إلى الصحراء ونام عليها، وقلنا له: حنثت لأنك لم تنم على فراش، قال: أردت بالفراش الأرض كما قال الله : (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً) (البقرة: الآية٢٢) فإنه يقبل، لأن هذا سائغ. وعلى كل حال: طريق السلامة، وطريق الأدب مع الله، وطريق الحكمة أن نثبت لله ما أثبته لنفسه، سواء أدركته عقولنا أم لم تدركه، وأن ننفي ما نفاه الله عن نفسه سواء أدركته عقولنا أم لم تدركه، وأن نسكت عما سكت الله عنه. . ٣أن الإنسان لا حرج عليه أن يطلب محبة الناس، أي أن يحبوه، سواء كانوا مسلمين أو كفاراً حتى نقول: لا حرج عليه أن يطلب محبة الكفار له، لأن الله قال: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) (الممتحنة: الآية٨) ومن المعلوم أنه إذا برهم بالهدايا أو الصدقات فسوف يحبونه، أو عدل فيهم فسوف يحبونه، والمحذور أن تحبهم أنت، ولهذا جاء في الحديث وإن كان ضعيفاً أن النبي ﷺ إذا أقبل على البلد قال: "اللَّهمَّ حَبِّبْنَا إِلَىأَهْلِهَا، وَحبَب صَالِحي أَهْلِهَا إِلَينَا"، فلما أراد المحبة الصادرة منه قال: "صَالِحي أَهْلِهَا" ولما أراد المحبة الصادرة من الناس قال: حَبِّبنَا إِلَى أَهْلِهَا مطلقاً. . ٤فضيلة الزهد في الدنيا، ومعنى الزهد: أن يترك مالا ينفعه في الآخرة. وليس الزهد أنه لا يلبس الثياب الجميلة، ولا يركب السيارات الفخمة، وإنما يتقشف ويأكل الخبز بلا إدام وما أشبه ذلك، ولكن يتمتع بما أنعم الله عليه، لأن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، وإذا تمتع بالملاذ على هذا الوجه صار نافعاً له في الآخرة، ولهذا لا تغتر بتقشف الرجل ولبسه رديء الثياب، فربَّ حية تحت القش، ولكن
следующие страницы →