← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21813

شرح تنقيح الفصول

القرافي

Полный текст (458 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الفصل الرابع جواز تكليف ما لا يطاق الأمر بالمركب أمر بأجزائه الأمر بالفعل في وقت معين يجوز تكليف ما لا يطاق خلافاً للمعتزلة والغزالي، وإن كان لم يقع في الشرع خلافاً للإمام فخر الدين، لنا قوله تعالى «ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به» (١) فسؤال دفعه يدل على جوازه، وقوله تعالى «لا يكلف الله نفساً إلا وسعها» (٢) يدل على عدم وقوعه، وهنا دقيقة وهي أن ما لا يطاق قد يكون عادياً فقط كالطيران في الهواء، أو عقلياً فقط كإيمان الكافر الذي علم الله تعالى أنه لا يؤمن؛ أو عادياً وعقلياً معاً كالجمع بين الضدين، والأول والثالث هما المرادان هنا، دون الثاني. وافقنا المعتزلة على أن الله تعالى بكل شيء عليم، وأنه يعلم أن خلاف المعلوم محال، فهو يعلم أن الكافر يكفر وأن صدور الإيمان منه محال، مع ذلك كله فقد كلفه بالإيمان، فقد كلفه بما يتعذر وقوعه عقلاً، وهذه المقدمات كلها وافق عليها المعتزلة، فتكليف ما لا يطاق عقلاً قالت به المعتزلة. وإنما الخلاف فيما لا يطاق عادة كالجمع بين البياض والسواد في محال واحد، وجعل الجسم في مكانين في وقت واحد، والجمع بين الحركة والسكون في وقت واحد، والطيران في الهواء تحيله العادة، والعقل يجوزه، وإيمان الكافر العقل يحيله، إذا سئل أهل العادة عنه جوزوه فهو عقلي فقط. ووجه الاستدلال بالآية أن الدعاء بمتعذر الوقوع حرام، فلا يجوز اللهم

стр. 142

اجمع بين الضدين ولا اغفر للكافر ولا غير ذلك من الممتنعات عقلاً وشرعاً، فلما سألوا رفعه وذكر الله تعالى ذلك في سياق المدح لهم، دل على أنهم لم يعصوا بدعائهم فيكون دعاء بما يجوز وهو المطلوب. وأما قول الإمام إنه واقع فاعتمد في ذلك على أن جميع التكاليف إما معلومة الوجود فتكون واجبة الوقوع، أو معلومة العدم فتكون ممتنعة الوقوع، والتكليف بالواجب الوقوع أو الممتنع الوقوع تكليف بما لا يطاق، وهذا إنما يقتضي وقوع تكليف ما لا يطاق عقلاً لا عادة، فإن امتناع خلاف المعلوم إنما هو عقلي والنزاع ليس فيه بل في المحال العادي فقط. فلا يحصل مطلوب الإمام. الفصل الخامس الأمر بالمركب أمر بأجزائه الأمر بالفعل في وقت معين يكون لمصلحة تختص بذلك الوقت فيما ليس من مقتضاه لا يوجب القضاء عند اختلال المأمور به عملاً بالأصل. بال القضاء بأمر جديد خلافاً لأبي بكر الرازي. هذه المسألة مبنية على قاعدتين: القاعدة الأولى أن الأمر بالمركب أمر بأجزائه، القاعدة الثانية أن الأمر بالفعل في وقت معين لا يكون إلا لمصلحة تختص بذلك الوقت، وإلا لكان تخصيص ذلك الفعل بذلك الوقت من بين سائر الأوقات ترجيحاً من غير مرجح. فمن لاحظ القاعدة الأولى قال الأمر في الوقت المعين بالصلاة المعينة يقتضي الأمر بشيئين: بالصلاة وبكونها في ذلك القوت، فهو أمر بمركب، فإذا تعذر أحد جزأي المركب وهو خصوص الوقت بقي الجزء الآخر وهو الفعل؛ فيوقعه في أي وقت شاء. فيكون القضاء بالأمر الأول. ومن لاحظ القاعدة الثانية قال: إن القامة مثلاً اختصت بصلاة الظهر لمصلحة ما في القامة، وما دلنا دليل على مساواة غيرها من الأوقات لها، بل الظاهر عدم

стр. 143

المساواة، وإلا لما اختصت بوجوب الفعل، فلا تثبت الصلاة في غير القامة لعدم المصلحة في غير القامة، فإذا دل الدليل على وجوب القضاء علمنا أن الوقت الثاني يقارب الأول في مصلحة الفعل، وإذا لم يدل دليل فلا. فهذه هو مدرك هذه المسألة، وهذا إذا كان الوقت معيناً، فإن كان وظيفة العمر فقد تقدم أنه لا قضاء فيه، وأن الخلاف فيما هو على الفور في باب أن الأمر للفور. وإذا تعلق بحقيقة كلية لا يكون معلقاً بشيء من جزئياتها، لأن الدال على الأعم غير دال على الأخص. إذا قلنا في الدار جسم، لا يدل على أنه حيوان، لأن الجسم أعم، أو في الدار حيوان، لا يدل على أنه إنسان أو في الدار إنسان لا يدل على أنه زيد، ولهذه القاعدة قلنا إن الوكيل بالبيع لا يملك البيع بثمن المثل دون البخس (١) إلا بالعادة لا باللفظ؛ فإذا قال له بع سلعتي حمل على ثمن المثل بدلالة العادة لأن البيع حقيقة كلية مشترك فيها بين ثمن المثل والمساوي والغبن. ولا يشترك مقارنته للمأمور به بل يجوز تعلقه في الأزل بالشخص الحادث خلافاً لسائر الفرق. لم يقل بالكلام النفسي إلا نحن، فلذلك تصور على مذهبنا تعلقه في الأزل، فالكلام النفسي أزلي ومنه الأمر والنهي وجميع الأحكام، فحرم الله في الأزل المرأة على زيد على تقدير وجوده، ووجوب أسباب التحريم وشرائطه، وانتفاء موانعه فإذا وجدت هذه كلها فقد وجد التقدير الذي تعلق الحكم بالشخص فيه، وكذلك أحلها الله تعالى بتقادير، فالحكم كلام الله تعالى وتعلقه القديم قديم أيضاً، فإن الذي يحيل وجود علم بغير معلوم، يحيل وجود أرم بلا مأمور، ونهي بغير منهي، وإباحة بغير مباح متقرر في العلم لا في الوجود الخارجي، لأن التعلق نسبة، والنسبة يشترط فيها تقرر طرفيها لا وجود طرفيها، كالعلم تعلقه نسبة بينه وبين معلومه، ومعلومه قد يكون

стр. 144

معدوماً، بل مستحيلاً، بلا لتقرر لا بد منه، فالحكم هو الكلام وتعلقه الخاص وهما قديمان، وإنما الحادث المتعلق فقط. ولكنه لا يصير مأموراً إلا حالة الملابسة، خلافاً للمعتزلة. والحاصل قبل ذلك إعلام بأنه سيصير مأموراً لأن كلام الله تعالى قديم، والأمر متعلق بذاته فلا يوجد غير متعلق، والأمر بالشيء حالة عدمه محال للجمع بين النقيضين، وحالة إيقاعه محال لتحصيل الحاصل، فيتعين زمن الحدوث. هذه المسألة لعلها أغمض مسألة في أصول الفقه، والعبارات فيها عسرة التفهم وسر البحث فيها أن الألفاظ اللغوية إنما وضعت لطلب ما هو ممكن من المأمور، فيتعين أن الآمر إنما طلب من المأمور الفعل في زمن ليس فيه عدمه، لأنه لو طلب منه الفعل في زمن فيه عدمه لطلب منه الجمع بين الوجود والعدم وذلك محال. فإذن لم يطلب منه الفعل إلا في زمان ليس فيه عدمه، وكل زمان ليس فيه عدم الفعل فيه وجوده قطعاً؛ لأن الوجود والعدم لا يمكن ارتفاعهما معاً، وزمن وجود الفعل هو زمن الملابسة، وذلك هو المطلوب. ومقصودنا بهذا بيان صفة التعلق، لا أن الملابسة شرط في التعلق، وإلا لتعذرت حقيقة العصيان، ولا يوجد عاص أبداً؛ لأنه يقول الملابسة شرط لكوني مأموراً وأنا لم ألابس، فشرط الأمر مفقود، فلست مأموراً؛ فلا أكون عاصياً بالترك. فحينئذ يتعين أن لا تكون الملابسة شرطاً في تعلق الأمر بالمكلف. بل صفة تعلقه بذلك فقط، أي ما تعلق لما تعلق إلا بإيقاع الفعل في زمان ليس فيه عدمه، وهو عاص إذا ترك؛ لأنه أرم أن يعمر زماناً مستقبلاً بالفعل بدلاً عن عدمه، فلم يفعل. فمعنى قولنا إنه إنما يصير مأموراً في حالة الملابسة، أي تلك الحالة هي التي تعلق بها الأمر، وتعلقه متقدم عليها بالفعل فيها. والمعتزلة يقولون لا ينبغي أن يكون هذا صفة التعلق، لأنه لو تعلق بإيقاع الفعل في زمن الحدوث لتعلق بتحصيل الحاصل، فإن زمن الحدوث زمن وجود، لأنه أول أزمنة الوجود، وأول أزمة الوجود وجود، وطلب الوجود حالة الوجود طلب

стр. 145

تحصيل الحاصل، فيتعين أن يكون متعلقاً بما قبله زمان الوجود، وهو زمان العدم. ونحن نقول لهم تعلقه بإيقاع الفعل حالة العدم يلزم منه اجتماع النقيضين، وأما قولكم يلزم من تعلقه بحالة الملابسة تحصيل الحاصل، فليس كذلك، لأن تحصيل الحاصل يشترط فيه تعدد الزمان بأن يكون الوجود حاصل في زمان، وقيل له بعد ذلك، افعل ذلك الذي وقع في الزمان الأول بعينه، فهذا تحصيل الحاصل، أما مع اتحاد الزمان فلا؛ لأن كل مؤثر، إنما يؤثر في فعله حالة حدوثه، ولا يمكن أن يكتب أحد (١) كتاباً إلا في الزمن الذي يكتبه فيه، ولا يبنى داراً إلا في الزمن الذي يقع البناء فيه، فمن الحدوث هو زمن التأثيرات، فلو منع التأثير لم يبق تأثير؛ فمثار الغلط حينئذ هو الغفلة عن شرط تحصيل الحاصل وهو تعدد الزمان أما مع اتحاده فلا، فهذا مأخذ البحث في هذه المسالة بين الفريقين. ويتفرع عليه أن عند المعتزلة ينقطع تعلق الأمر بالدخول في الملابسة لانتفاء العدم الذي هو زمن التعلق، وعندنا يبقى التعلق حتى تفرغ الملابسة، فبالفراغ من الملابسة ينقطع التعلق إجماعاً، وفي زمن الملابسة قولان؛ عندنا المتعلق موجود، وعند المعتزلة لا، وقبل الملابسة قولان: التعلق حاصل عند المعتزلة وعندنا لا. وأما كون المتقدم قبل ذلك إعلاماً أو أمراً فلم يقل الإمام فخر الدين إلا أنه إعلام معناه بأنه مأمور حالة الملابسة، وهو أمر بما في زمن الملابسة. وقال القاضي عبد الوهاب في الملخص: اختلف الناس هل هو أمر على الحقيقة أم إعلام، فقال كثير: إن الأمر في الحقيقة إنما هو المقارن، أما المتقدم بإعلام، وقال الباقون: هو أمر، واختلف المعتزلة في مقدار ما يتقدم عليه من الأوقات بعد اتفاقهم مع أصحابنا على تقدمه بوقت يحصل به للمأمور السماع والفهم، فمنهم من قال لا يجوز تقدم الأمر على المأمور بأزمنة كثيرة. بل بوقت واحد إلا لمصلحة، والذي اختاره القاضي أبو بكر - رحمه اله - أنه يجب تقدمه بوقتين: وقت السماع، ووقت الفهم. والعلم

стр. 146

والتكليف يقع في الزمن الثالث، لأن إيقاع الفعل قبل العلم بمراد المتكلم محال. قال فهنا أربعة مطالب: أحدها وجوب تقدم الأمر على وقت المأمور، والثاني: أن تقدمه لا يخرجه عن كونه أمراً وإن كان إعلاماً وإنذاراً، والثالث: في وجوب تعلق الأمر بالفعل حالة إيجاده، والرابع: في مقدار ما يتقدم الأمر به على الفعل من الأوقات. وقد أجمع المسلمون على أن أوامر رسول الله ﷺ تتناولنا، وهي متقدمة علينا، وأنها أوامر؛ فالقول بالإعلام باطل، ولأنه لا يحتاج لأرم آخر بعده، ولو كان إعلاماً بأنه سيصير مأموراً لاحتجنا لأمر آخر حالة الملابسة، وليس كذلك. والأمر بالأمر بالشيء لا يكون أمراً بذلك الشيء إلا أن ينص الآمر على ذلك كقوله ﵊ «مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر» . من أمر غيره أن يأمر شخصاً آخر، فهو كمن أمر زيداً أن يصيح على الدابة فإنه لا يصدق عليه أنه أمر الدابة، وكذلك قوله ﵊ «مروهم بالصلاة لسبع» ليس أمراً للصبيان، بل إنما فهمنا أمر الصبيان بالمندوبات، لقوله ﵊ في حديث الخثعمية «لما قالت يا رسول الله ألهذا حج قال نعم ولك أجر» ومن الناس من طرد القاعدة وقال أمر الصبي بالصلاة لا يحصل له فيها أجر، بل أمره بذلك على سبيل الاستصلاح، كاستصلاح البهائم على التفار والشماس لا لأن لها أجوراً، ومتى علم أن الآمر قصد بذلك الأمر التبليغ كان ذلك أمراً للثالث، كما قال ﵊ لعمر بن الخطاب ﵁ في حق ابنه عبد الله لما طلق امرأته في الحيض «مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء» . ومقتضى هذه القاعدة أن ابن عمر ﵄ لا يجب عليه المراجعة، لأن الأمر بالأمر لا يكون أمراً، لكن

стр. 147

علم من الشريعة أن كل من أمره رسول الله b أن يأمر فإنما غيره هو على سبيل التبليغ ومتى كان على سبيل التبليغ صار الثالث مأموراً إجماعاً. وليس من شرطه تحقق العقاب على تركه عند القاضي أبي بكر والإمام خلافاً للغزالي لقوله تعالى «ويعفو عن كثير (١) » . هذه المسألة نقلتها هنا واختصرتها كما وقعت في المحصول، وليست المسألة على هذه الصورة في أصول الفقه، ولا قال القاضي هذه العبارة. ولا الغزالي أيضاً، بل المنقول في كتاب القاضي أنه قال إذا أوجب الله تعالى علينا شيئاً وجب، ولا يشترط في تحقق الوجوب استحقاق العقاب على الترك، بل يكتفى في الوجوب الطلب الجازم وقال غيره الوجوب والندب اشتركا في رجحان الفعل ولم يميز الوجوب إلا باستحقاق الذم أو العقاب، فإذا أسقطناه عن الاعتبار لم يبق فرق البتة، والحق ما قاله القاضي، فإنا إذا دعونا وقلنا الله توفنا مسلمين، فإنا نجد أنفسنا جازمة بهذا الطلب من غير رخصة في تركه، وإذا قلنا الله أعطني عشرة آلاف دينار فإني أجد رخصة في أنها لو كانت خمسة لم أتألم لذلك، فالطلب هنا غير جازم بخلاف الأول فقد تصورنا الطلب منا، في حق الله تعالى جازماً وغير جازم، مع استحالة الذم ونحوه، فإذا تصورنا الطلب الجازم بدون استحقاق الذم صح ما قاله القاضي، والغزالي لم يخالف في لزوم العقاب، بل الغزالي وكل منتمٍ إلى شريعة الإسلام يقول بجواز العفو ولو بعد التوبة، أما عدم الغفران مطلقاً فلم يقل به أحد.

стр. 148

الفصل السادس في متعلقه فالواجب الموسع وهو أن يكون زمان الفعل يسع أكثر منه وقد لا يكون محدوداً بل مغيا بالعمر، وقد يكون محدوداً كأوقات الصلوات، وهذا يعزى للشافعية منعه بناءً على تعلق الوجوب بأول الوقت، والواقع بعد ذلك قضاء يسد مسد الأداء، وللحنفية منعه بناءً على تعلق الوجوب بآخر الوقت الواقع قبله نفل يسد مسد الواجب؛ والكرخي منعه بناءً على أن الواقع من الفعل موقوف؛ فإن كان الفاعل في آخر الوقت من المكلفين فالواقع فرض وإلا فهو نفل. ومذهبنا جوازه مطلقاً والخطاب عندنا متعلق بالقدر المشترك بين أجزاء الزمان الكائنة بين الحدين، فلا جرم صح أول الوقت لوجود المشترك، ولم يأثم بالتأخير، لبقاء المشترك في آخره، ويأثم إذا فوت جملة الوقت لتعطيل المشترك الذي هو متعلق الوجوب، فلا يرد علينا مخالفة قاعدة أببتة، بخلاف غيرنا. من أنكر الواجب الموسع على الإطلاق، رأى أن التوسعة تقتضي جواز الترك، والوجوب يقتضي المنع من الترك، والجمع بينهما محال. وهؤلاء خمس فرق لها خمسة أقوال. الأول: أنه متعلق بأول الوقت؛ لأن الزوال مثلاً سبب لوجوب الظهر، والأصل ترتب المسببات على أسبابها، والشافعية اليوم ينكرون هذا المذهب، غير أنه منقول في عدة كثيرة من كتب الأصول، ويرد على هذا المذهب أن الإذن في تفويت

стр. 149

الأداء لفعل القضاء لغير عذر غير معلوم في الشريعة، وقد أجمعت الأمة على جواز التأخير في الصلوات، وجواز التعجيل، أما الإذن في تفويت الأداء لفعل القضاء لعذر فمعهود، كتفويت الأداء في حق المسافر ويصوم قضاءً، فهذا مدرك هذا المذهب وما يرد عليه. القول الثاني: أن الوجوب متعلق بآخر الوقت، قاله الحنفية، لأن انتفاء خاصية الشيء يقتضي انتفاءه، وثبوت خاصة الشيء يقتضي ثبوته، وخاصية الوجوب الإثم على تقدير الترك، ولم نجد هذا إلا آخر الوقت، فيكون الوجوب متعلقاً بآخر الوقت، ووجدنا هذه الخاصية منفية أول الوقت وسطه فوجب انتفاء الوجوب من أول الوقت ووسطه، ويرد عليهم أنه إذا عجل لم يفعل الواجب على قولهم، وإجزاء غير الواجب عن الواجب خلاف الأصل والقواعد، فهذا مدرك هذا المذهب وما يرد عليه. القول الثالث: قاله الكرخي من الحنفية، أنه موقوف، فإن كان الفاعل آخر الوقت مكلفاً قلت الفعل المتقدم واجب، فما أجزاء عن الواجب إلا واجب، فهذا هو الموجب للوقف، ويرد عليه أن صلاة تقع في الوجود لا توصف بكونها فرضاً ولا نفلاً، خلاف القواعد. القول الرابع: أن الزمن الوجوب هو زمن من الإيقاع، أي وقت كان لا يتعداه حذراً من الإشكالات المتقدمة، ويرد عليه أن الوجوب وصفته ومتعلقه لا بد أن تتقدم الفعل فلا بد من تعيين الوقت قبل الفعل، أما متعلق أو صفة تثبت مع الفعل (١) فغير معهود في الشريعة. القول الخامس: أن إيقاع الفعل قبل آخر الوقت يمنع من تعلق الوجوب المكلف آخر الوقت، فلا يجزى عن الواجب غير الواجب، بل سقط الوجوب في نفسه، ويرد عليه أن رسول الله b وأصحابه رضوان الله عليهم

стр. 150

ما كانوا يصلون آخر الوقت، بل يعجلون، فيلزم أنهم ما صلوا فرضاً قط فيفوتهم أجر الواجبات، وهو في غاية البعد فهذه مدارك هذه المذاهب وما يرد عليها من الإشكالات. وأما القائلون بالتوسعة فقالوا الوجوب عندنا متعلق بالقدر المشترك بين أجزاء القامة الكائنة بين طرفيها فترتب الوجوب على سببه؛ لأن الوجوب في المشترك وجد عقيب الزوال ولم يلزمنا مخالفة شيء من هذه القواعد البتة، وهذه الفرقة لهم قولان في جواز التأخير؛ هل يشترط في جواز التأخير العزم على الفعل آخر الوقت لأن من لم يفعل ولا عزم على الفعل يعد معرضاً عن الأمر، أو لا يشترط لأن اللفظ ما دل إلا على الصلاة دون العزم. فهذه سبعة مذاهب في المسألة حكاها سيف الدين الآمدي في الأحكام، وأبو إسحق في اللمع وغيرهما، والقول بالتوسعة واشترط البدل هو مذهبنا ومذهب الشافعية. وكذلك الواجب المخير قالت المعتزلة أيضاً الوجوب متعلق بجملة الخصال، وعندنا وعند بقية أهل السنة بواحد لا بعينه، ويحكى عن المعتزلة أيضاً أنه متعلق بواحد معين عند الله تعالى، وهو ما علم أن المكلف سيوقعه، وهم ينقلون أيضاً هذا المذهب عنا، والمخير عندنا كالموسع، والوجوب فيه متعلق بمفهوم إحدى الخصال الذي هو قدر مشترك بينهما وخصوصياتها متعلق التخيير، فما هو واجب لا تخيير فيه، وما هو مخير فيه لا وجوب فيه، فلا جرم يجزئه كل معين منها لتضمنه القدر المشترك، وفاعل الأخص فاعل الأعم، ولا يأثم بترك بعضها إذا فعل البعض لأنه تارك للخصوص المباح فاعل للمشترك الواجب، ويأثم بترك الجميع لتعطيله المشترك بينها. عندنا المشترك بين الخصال المخير بينها متعلق به خمسة أحكام: الوجوب ولا يثاب ثواب الواجب إذا فعل إلا على القدر المشترك، ولا يعاقب عقاب تارك الواجب إذا ترك الجميع غلا على القدر المشترك، ولا تبرأ ذمته إذا فعل إلا بالقدر

стр. 151

المشترك، ولا ينوي أداء الواجب إلا بالقدر المشترك، فهو متعلق الوجوب والثواب والعقاب وبراءة الذمة والنية. وقول المعتزلة إنه متعلق بالجميع، معناه بالجميع على وجه تبرأ ذمته بفعل البعض فلا يكون خلافاً للمذهب الآخر، وعند التحقيق تستوي المذاهب في هذه المسألة، وتبقى لا خلاف فيها، فإن المذهب الآخر هم ينكرونه، ولم يبق بين الفريقين إلا ما لخصته، فمن أعتق رقبة في كفارة اليمين برئت ذمته بما فيها من مفهوم إحدى الخصال، ومفهوم إحداها هو قدر مشترك بينها، لصدقه على كل واحد منها، والصادق على عدة أمور هو مشترك بينها، وخصوص العتق لا يدخل في الوجوب وإلا لأثم بتركه إذا أطعم وترك العتق، فمفهوم إحدى الخصال هو متعلق الأحكام الخمسة المتقدمة. سؤال: على هذا التقدير يلزم أن الشاة الواجبة في الزكاة والدينار واجب مخير، فإن الله تعالى لم يوجب خصوص شاة بل مفهوم الشاة كيف كانت من غير تعيين، فيلزم أن تكون هذه الأبواب كلها واجباً محيراً لتعلق الخطاب فيها بالقدر المشترك بعين ما قلتموه ولم يقل به أحد. جوابه: إن تعلق الخطاب بالقدر المشترك قسمان: تارة يكون بين أجناس مختلفة من الحقائق كالعتق والكسوة، وتارة بين أفراد جنس متحد الحقيقة. فاصطلح العلماء على الأول يسمى واجباً مخيراً فلا يرد الثاني عليهم، لأنه غير المعنى الذي اصطلح على تسميته، ومن شرط النقض أن يكون بعين الذي يدعيه المتكلم. فائدة: والفرق بين المخير والمرتب أن المخير يجوز العدول عن كل واحدة من الخصال لفعل الأخرى، والمرتب لا يجوز العدول عن الأول غلا عند تعذره، فالأول: ككفارة الحنث. والثاني نحو كفارة الظهار. ثم المرتب إذا شق على المكلف فعل الأول منه مشقة تسقط الوجوب فقط انتقل المرتب للمخير، كما إذا شق عليه الصوم لأنه يضر به، وإن تجشمه وفعله أجزأه؛ فإنه يخير بين الصوم

стр. 152

والإطعام، ويكون أثر المشقة في إسقاط خصوص الصوم وتعينه، ويبقى الواجب واحداً لا بعينه، ثم للتخيير والترتيب ألفاظ تدل عليهما في اللغة، والذي رأيته للفقهاء أن الله تعالى متى قال افعلوا كذا أو كذا فهو للتخيير، وكذلك إما كذا، وإما كذا، ومتى قال فمن لم يجد كذا فليفعل كذا وإن لم يجد كذا فليفعل كذا، كما قال الله تعالى في الظهار «فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين» (١) فصورة الشرط مستند الترتيب، ولفظ (أو) موجب للتخيير. سؤال: يلزم على هذه القاعدة أن قوله تعالى «فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان» (٢) يوجب أن الإنسان يحرم عليه أن يستشهد رجلاً وامرأتين عند القدرة على رجلين، أو يكون ذلك غير مشروع في حقه وإن لم يكن حراماً؛ وهو خلاف الإجماع، فيلزم أحد الأمرين: إما أن تكون هذه الصيغة لا تدل على الترتيب، وهو خلاف ما عليه الفقهاء، أو تدل فيلزم خلاف الإجماع في هذه الصورة. جوابه: أن الحق في هذه المسألة أن هذه الصيغة لا تستقل بالدلالة على الترتيب، بل قد تستعمل للحصر، كقولك إن لم يكن هذا العدد زوجاً فهو فرد، وإن لم يكن زيد متحركاً فهو ساكن، وإن لم يكن حياً فهو ميت. فهذا كلام عربي، والمقصود بيان الحصر في هاتين الحالتين: الزوج والفرد، والحركة والسكون، والحياة والموت، وهو مقصود الآية (٣) ، ومعناها أن الحجة الشرعية الكاملة من الشهادة في الأموال منحصرة في الرجلين والرجل والمرأتين. وأما الشاهد واليمين، والنكول، ويغر ذلك، فليس حجة تامة من الشهادة، بل من الشهادة وغيرها وهو اليمين أو كلها لا شهادة فيها كاليمين والنكول، أما حجة تامة شرعية كلها شهادة ليس إلا هذين القسمين، فإذا تعذر أحدهما تعين الآخر فتصير هذه الآية دليلاً على عدم قبول

стр. 153

أربع نسوة في الأموال كما نقل عن الشافعي ﵁. ومتى استعملت هذه الصيغة لبيان الحصر لا تدل على أن أحد القسمين لا يشرع إلا عند عدم الآخر، بل تدل على أن المشروع محصور فيهما في ذلك الباب الذي سيق الكلام لأجله. وإذا تقرر هذا تعين أن هذه الصيغة تصلح للترتيب ولبيان الحصر، واللفظ الصالح للمختلفات لا يثبت به أحدهما إلا بدليل منفصل، فتحصل أن الحق أنها لا تستقل بالدلالة على الترتيب بمجردها، وحينئذ تقول قرينة كون الوضع لا يصلح للحصر قرينة دالة على أنها للترتيب، فإنه لا يحسن استعمالها لغيرهما، لو قلت إن لم يكن العدد عشرة فهو مائة لم يصح، أو إن لم يكن زيد في البيت فهو في السوق، حيث لا يعلم الحصر، لم يكن كلاماً عربياً، فهذا هو تلخيص هذا الموضع، وهو موضع حسن غريب، وينشأ منه سؤالان: أحدهما في الآية في اقتضائها الترتيب وهو خلاف الإجماع. وثانيهما: على قاعدة الترتيب فيقال قد تستعمل للحصر. وكذلك فرض الكفاية المقصود بالطلب لغة إنما هو إحدى الطوائف الذي هو قدر مشترك بينها، غير أن الخطاب يتعلق بالجميع أول الأمر لتعذر خطاب المجهول، فلا جرم سقط الوجوب بفعل طائفة معينة من الطوائف، لوجود المشترك فيها، ولا تأثم طائفة معينة إذا غلب على الظن فعل غيرها لتحقيق الفعل من المشترك بينها ظناً، ويأثم الجميع، إذا تواطئوا على الترك لتحقق تعطيل الفعل المشترك، بينها ظناً إذا تقرر تعلق الخطاب في الأبواب الثلاثة، بالقدر المشترك، فالفرق بينها أن المشترك في الموسع هو الواجب فيه، وفي الكفاية هو الواجب عليه، وفي المخير الواجب نفسه. سمي فرض الكفاية لأن البعض يكفي فيه، وسمي الآخر فرص الأعيان لتعلقه بكل عين، ولا يكفي البعض، وإنما قلت إن الخطاب متعلق في الكفاية بالمشترك لأن المطلوب فعل إحدى الطوائف، ومفهوم إحدى الطوائف قدر مشترك بينها لصدقه على كل طائفة، والصادق على أشياء مشترك بينها كصدق الحيوان على جميع أنواعه. واللغة لم تقتض إلا ذلك في النصوص الواردة بفرض الكفاية، كقوله

стр. 154

تعالى «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر» (١) وكقوله تعالى «فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين» (٢) الآية، ونحو هذه النصوص إنما مقتضى اللغة فيها غير معين وهو مشترك بين الطوائف المعينات، وفرقت الشريعة بين خطاب غير المعين فمنعت منه لئلا يضيع الواجب فيقول كل شخص إني لم أتعين فيضيع الواجب، بخلاف الخطاب بالفعل الذي ليس بمعين جوزته الشريعة لأن المكلف متمكن من إيقاعه في المعين فلا يتعذر، كما خوطبنا بتحرير رقبة غير معينة ولم يفض ذلك لتعذره، وكذلك شاة من أربعين ودينار من أربعين. فائدة: لا يشترط في فرض الكفاية تحقق الفعل بل ظنه، فإذا غلب على ظن هذه الطائفة أن تلك فعلت سقط عن هذه وإذا غلب على ظن تلك الطائفة أن هذه فعلت سقط عنها، وإذا غلب على ظن الطائفتين فعل كل واحدة منهما سقط عنهما. أصل التكاليف أن لا تكون إلا بعلم لقوله تعالى «ولا تقف ما ليس لك به علم» (٣) وقوله تعالى «وإن الظن لا يغني عن الحق شيئاً» (٤) غير أنه تعذر حصول العلم في أكثر الصور أقام الشرع الظن مقامه لغلبة صوابه وندرة خطئه فأنيطت به التكاليف، فمن غلب على ظنه أن هذه امرأته جاز له وطؤها أو هذا الخمر جلاب (٥) لم يأثم بشربه، أو غلب على ظنه أن زوجته امرأة أجنبية حرمت عليه، أو أن الجلاب خمر، حرم عليه، أو غلب على ظنه أنه متطهر وهو محدث أجزأته الصلاة وبرئت ذمته، وإن كان محدثاً حتى يطلع على أنه محدث،

стр. 155

فكذلك هنا يقع التكليف بالظن ويسقط بالظن، كما تسقط الصلاة مع الحدث، وغيره من النظائر، وغير ذلك قد تعظم مشقته فأسقطه الشارع عن الخلق. سؤال: إذا تقرر الوجوب على جملة الطوائف في فرض الكفاية فكيف يسقط عمن لم يفعل بفعل غيره، مع أن الفعل البدني كصلاة الجنازة والجهاد مثلاً لا يجزئ فيه فعل أحد عن أحد؟ وكيف يسوي الشارع بين من فعل ولم يفعل. جوابه: أن الفاعل يساوي غير الفاعل في سقوط التكليف، واختلف السبب فسبب سقوطه عن الفاعل فعله وعن غير الفاعل تعذر تحصيل تلك المصلحة التي لأجلها وجب الفعل، فانتفى الوجوب لتعذر حكمته. لا يلزم من حصول المساواة في أصل السقوط حصول المساواة مطلقاً في الثواب وغيره، بل حصل التساوي في أصل السقوط لأن الغريق إذا شيل من البحر يبقى التكليف بعد ذلك بنزول البحر لا فائدة فيه، فلا تكليف حينئذ، فيحصل التساوي في أصل السقوط، ويمتاز الفاعل بالثواب عن فعله إن فعله تقرباً. قاعدة: الفعل على قسمين: منه ما تكرر مصلحته بتكرره كالصلوات الخمس، فإن مصلحتها الخضوع لذي الحلال، وهو متكرر بتكرر الصلاة، ومنه ما لا تتكرر مصلحته بتكرره كإنقاذ الغريق، فإنه إذا شل من البحر فالنازل بعد ذلك إلى البحر لا يحصل شيئاً من المصلحة، وكذلك إطعام الجائع، وكذلك كسوة العريان وقتل الكفار، فالقسم الأول جعله الشرع على الأعيان تكثيراً للمصلحة، والقسم الثاني على الكفاية لعدم الفائدة في الأعيان. هذه القاعدة هي سر ما يشرع على الكفاية وما يشرع على الأعيان، تكرار المصلحة وعدم تكررها فمن علم ذلك علم ما هو الذي يكون على الكفاية، وما هو الذي يكون على الأعيان في الشريعة، غير أنه يشكل على هذه القاعدة صلاة الجنازة فإنها على الكفاية مع أن مصلحتها المغفرة للميت وذلك غير معلوم الحصول، فينبغي أن يصلى

стр. 156

عليه أبداً ويكون على الأعيان، بخلاف إنقاذ الغريق فإن مصلحته حصلت ويتعذر تكررها. والجواب: أن مصلحة صلاة الجنازة حصول المغفرة ظناً، وقد حصل ظن المغفرة بالدعاء في المرة الأولى لقوله تعالى «ادعوني أستجب لكم» (١) ولأنه لا يحصل القطع أبداً والشرع إنما يكلف بالمصالح التي يمكن تحصيلها قطعاً أو ظناً، وهذا لا يمكن أن يحصل فيه القطع، فلو لم يكن الظن كافياً لتعذر التكليف. فوائد ثلاث: الأولى الكفاية والأعيان كما يتصوران في الواجبات يتصوران في المندوبات، كالأذان والإقامة والتسليم والتشميت وما يفعل بالأموات من المندوبات، فهذه على الكفاية وعلى الأعيان، كالوتر والفجر وصيام الأيام الفاضلة وصلاة العيدين والطواف في غير النسك والصدقات. هذه مندوبات يكتفى فيها ببعض الناس، كما اكتفى في الواجبات بالبعض، وقصدت بهذه الفائدة التنبيه على أن الندب يوصف بالكفاية، وأكثر الناس إنما يتخيلون ذلك في الفروض الواجبة، فلذلك نبهت عليه. الثانية: نقل صاحب الطراز وغيره أن اللاحق بالمجاهدين وقد كان سقط عنه الفرض يقع فعله فرضاً بعد ما لم يكن واجباً عليه، وطرد غيره من العلماء في سائر فروض الكفاية، كمن يلحق بمجهزي الأموات من الأحياء، وبالساعين في تحصيل العلم من العلماء، فإن ذلك الطالب للعلم يقع فعله واجباً، معللاً لذلك بأن مصلحة الوجوب لم تتحقق ولم تحصل إلا بفعل الجميع، فوجب أن يكون فعل الجميع واجباً ويختلف ثوابهم بحسب مساعيهم. الوجوب يتبع المصلحة، فإذا لم تحصل المصلحة بقي الخطاب بالوجوب ومن أوقع مصلحة الوجوب استحق ثواب الواجب، والجميع موقع لمصلحة الوجوب، فوجب اشتراكهم في ثواب الواجب، والكلام حيث لم تتحقق المصلحة، أما من جاء بعد تحققها فلا.

стр. 157

الثالثة: الأشياء المأمور بها على الترتيب أو على البدل قد يحرم الجمع بينها، كالمباح والميتة من المرتبات وتزويج المرأة من أحد الكفؤين من المشروع على سبيل البدل، وقد يباح كالوضوء والتيمم من المرتبات والسترة بأحد الثوبين من باب البدل، وقد تستحب كخصال الكفارة في الظهار وخصال كفارة الحنث فيما يشرع على البذل. المرتبات هي التي لا يجوز فعل الثاني إلا عند تعذر الأول حساً أو شرعاً وذوات البدل هي التي يتخير المكلف بينها كثياب السترة وإباحة التيمم مع الوضوء، إذ معناه صورة التيمم، أما التيمم الشرعي المبيح للصلاة فلا تتصور حقيقته مع الوضوء، لأنه حينئذ غير مشروع طهارة، وإن أبيحت صورته، وكفارة الظهار مرتبة، وكفارة حنث اليمين مخير فيها على البدل، والكل يستحب الجمع بين خصالها من العتق والكسوة والإطعام والصيام، لأنها مصالح وقربات تكثر وتجمع، وإن كان بعضها إذا انفرد لا يجزئ في المرتبة. فرع: اختار القاضي عبد الوهاب أن الأمر المعلق على الاسم يقتضي الاقتصار على أوله، والزائد على ذلك إما مندوب أو قساط. هذه المسألة مشهورة بالأخذ بأوائل الأسماء أو بأواخرها، قولان للعلماء، وكثير من الفقهاء غلط في تصويرها حتى خرَّج عليها ما ليس من فروعها، ظاناً أنه من فروعها، فقال أبو الطاهر وغيره في قول الفقهاء. التيمم إلى الكوعين أو إلى المرفقين أو إلى الإبطين ثلاثة أقوال أن ذلك يتخرج على هذه القاعدة، هل يؤخذ بأوائل الأسماء فيقتصر على الكوع أو بأواخرها فيصل إلى الإبط؟ ويجعلون كل ما هو من هذا الباب مخرَّجاً على هذه القاعدة، وهذا باطل إجماعاً، ومنشأ الغلط إجراء أحكام الجزئيات على الأجزاء والتسوية بينهما، ولا خلاف أن الحكم في الكل لا يقتصر به على جزئه، فلا تجزئ ركعة عن ركعتين في الصبح، ولا يوم عن شهر رمضان في الصوم ونظائره كثيرة. إنما معنى هذه القاعدة إذا علق الحكم على معنى كلي له محال كثيرة وجزئيات

стр. 158

متباينة في العلو والدناءة والكثرة والقلة، هل يقتصر بذلك الحكم على أدنى المراتب لتحقق المسمى بجملته فيه أو يسلك طريق الاحتياط فيقصد في ذلك المعنى الكلي أعلى المراتب؟ هذا موضع الخلاف، ومثاله إذا قال رسول الله b «إذا ركعت فاطمئن راكعاً» فأمر بالطمأنينة، فهل يكتفى بأدنى رتبة تصدق فيه الطمأنينة، أو يقصد أعلاها؟ وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام «خللوا الشعر وأنقوا البشرة» يقتضي التدليك، هل يقتصر على أدنى رتبة التدليك أو أعلاها؟ فهذه صورة هذه القاعدة في الجزئيات في المحل لا في الأجزاء، ثم الفرق أن الجزء لا يستلزم الكل، والجزئي يستلزم الكلي، فلذلك أجزأ الثاني دون الأول؛ فأدنى رتب الموالاة موالاة، وليست الركعة ركعتين، ولا اليوم شهراً. وعبارة القاضي صحيحة في قوله يقتضي على أوله، أي أول رتبة، فمن فهم أول أجزائه فقد غلط. وقوله: والزائد على ذلك إما مندوب أو ساقط، فالمندوب كزيادة الطمأنينة، والساقط كزيادة التدلك، فإن الشرع لم يندب لزيادة التدلك كما ندب لزيادة الطمأنينة، ووجب الاقتصار على أول الرتب جمعاً بين الدال على الوجوب، وأن الأصل براءة الذمة. كما أنه لو وجب عتق رقبة واقتصرنا على ما يسمى رقبة أجزأ وإن كانت أدنى الرقاب، ولا يجب علينا أن تعتق رقبة بألف دينار. فهذه صورة القاعدة ومدركها من حيث النظر. الفصل السابع في وسيلته وعندنا وعند جمهور العلماء ما لا يتم الواجب المطلق إلا به وهو مقدور للمكلف فهو واجب، لتوقف الواجب عليه، فالقيد الأول احتراز من أسباب الوجوب وشروطه وانتفاء موانعه، فإنها لا تجب إجماعاً مع التوقف عليها، وإنما الخلاف فيما تتوقف عليه الصحة بعد الوجوب، والقيد الثاني احترازاً من توقف فعل العبد بعد وجوبه على تعلق علم الله تعالى وإرادته وقدرته بإيجاده، ولا يجب على المكلف تحصيل ذلك إجماعاً.

стр. 159

وقالت الواقفية إن كانت الوسيلة سبب المأمور به وجبت وإلا فلا، لم الوسيلة إما أن يتوقف عليها المقصد في ذاته أو لا يتوقف. والأول إما شرعي كالصلاة على الطهارة، أو عرفي كنصب السلم لصعود السطح، أو عقلي كترك الاستدبار لفعل الاستقبال. والثاني نجعله وسيلة إما بسبب الاشتباه نحو إيجاب خمس صلوات لتحصيل صلاة منسية، أو كاختلاط النجس بالطاهر والمذكاة بالميتة والمنكوحة بالأخت، أو لتيقن الاستيفاء كغسل جزء من الرأس مع الوجه، أو إمساك جزء من آخر الليل مع نهار الصوم. أجمع المسلمون على أن ما يتوقف الوجوب عليه من سبب أو شرط أو انتفاء مانع لا يجب تحصيله إجماعاً، فالسبب كالنصاب يتوقف عليه وجوب الزكاة ولا يجب تحصيله إجماعاً وإلا فإنه يتوقف عليها وجوب الصوم، ولا يجب الإقامة لأجله إجماعاً وكالدين يمنع وجوب الزكاة ولا يجب دفعه حتى تجب الزكاة إجماعاً، فكل ما يتوقف عليه الوجوب لا يجب تحصيله إجماعاً. وإنما النزاع فيما يتوقف عليه إيقاع الواجب بعد تحقق الوجوب فقيل يجب لتوقف الواجب عليه، وقيل لا يجب لأن الأمر ما اقتضى إلا تحصيل المقصد، أما الوسيلة فلا، ولأنه إذا ترك المقصد كصلاة الجمعة أو الحج فإنه يعاقب عليه، أما المشي إلى الجمعة أو الحج فلم يدل على دليل على أنه يعاقب عليه مع عقابه على المقصد، وإذا لم يستحق عقاباً عليه لم يكن واجباً، لأن استحقاق العقاب من خصائص الوجوب، فمعنى قولنا مطلقاً، أي أطلق الوجوب فيه فيصير معنى الكلام الواجب المطلق إيجابه، ففرق بين قول السيد لعبده اصعد السطح، وبين قوله إذا نصب السلم اصعد السطح، فالأول: مطلق في إيجابه فهو موضع الخلاف، والثاني: مقيد في إيجابه فلا يجب تحصيل الشرط فيه إجماعاً. وأما قولنا إذا كان مقدوراً فاحتراز عن المعجوز عنه، فإنه لا يجب بناءً على نفي التكليف بما لا يطاق وإن كنا نجوزه، ومن الشرط المعجوز عنها تعلق صفات الله تعالى بفعل العبد من المحال أن يصلي حتى يقدر الله تعالى له أن يصلي،

стр. 160

ويعلم أنه يصلي، ويخلق له حركات الصلاة وسكناتها، فتعلق هذه الصفات شرط في إيقاع الواجب، ولا يمكن إيجابها على العبد لعجزه عن التصرف في صفات الله تعالى، وأما وجه الفرق بين الأسباب فتجب وغيرها من الشروط وانتفاء الموانع فلا تجب عند الواقفية، فلأن السبب يلزم من وجوده الوجود، بخلاف الشرط، وعدم المانع لا يلزم منهما وجود الواجب كما تقدم بيانه فيما يتوقف عليه الأحكام فإذا أوجبوا تحصيل السبب فقد أوجبوا وجود ما يلزم منه وجود الواجب، بخلاف ذينك. وقولي المتوقف عليه شرعاً، كالصلاة مع الطهارة أريد كما قال إمام الحرمين أنه إذا تقرر أن الطهارة شرط، ثم ورد الأمر بعد ذلك بصلاة ركعتين، فإنه تجب الطهارة، أما من غير هذا الوجه فلا، فلو قال اله تعالى: صلوا ابتداءً، صلينا بغير وضوء، حتى يدل دليل على اشتراط الطهارة، وإيجاب خمس صلوات لأجل صلاة أنسيها مجهولة العين فيها فما ذاك لتوقف الصلاة في ذاتها على أربعة تضاف إليها؛ بل لعله الاشتباه، بخلاف السلم في صعود السطح، هو متوقف عليه في ذاته عادة، وكذلك بقية النظائر إنما حصل التوقف فيها لأمر غير الذات من أمور خارجة. الفصل الثامن في خطاب الكفار أجمعت الأمة على أنهم مخاطبون بالإيمان، واختلفوا في خطابهم بالفروع، قال الباجي وظاهر مذهب مالك خطابهم بها خلافاً لجمهور الحنفية وأبي حامد الإسفرائيني، لقوله تعالى حكاية عنهم «قالوا لم نك من المصلين» (١) ولأن العمومات تتناولهم، وقيل مخاطبون بالنواهي دون

стр. 161

الأوامر، وفائدة الخلاف، ترجع إلى مضاعفة العذاب في الآخرة، وعينه الإمام أو على غير ذلك، وبسطه في غير هذا الكتاب. في خطاب الكفار بالفروع ثلاثة أقوال، ثالثها: الفرق بين النواهي والأوامر كما تقدم، وسبب الخلاف يحتمل أن يكون عند من منع أن التقرب بالفعل فرع اعتقاد صدق المخبر بالتكليف به، ومن لم يصدق تعذر عليه أن يتقرب، فلا يكلف بالتقرب، وعلى هذا المدرك تكون هذه المسالة من فروع مسألة منع التكليف مما لا يطاق، ويحتمل أن يكون المدرك تكون هذه المسألة من فروع مسألة منع التكليف مما لا يطاق، ويحتمل أن يكون المدرك إنما هو أن الله تعالى لا يقبل الفروع منهم لأجل كفرهم، فلا يكلفهم بها، لأن الله تعالى لا يقبلها، والاحتمال الأول هو الظاهر من احتجاجات العلماء في هذه المسألة ومن أقوالهم، ومنه يظهر سر الفرق بين النواهي والأوامر. فإن النواهي يخرج المكلف عن عهدتها بمجرد تركها، وإن لم يشعر بها فضلاً عن القصد غليها، فإذا لم يعتقد التكليف وترك خرج عن عهدة العقوبة. وأما الأمر فلا يخرج عن عهدته حتى يعتقد وجوبه، وهذا أيضاً سر إلزام القائل بعدم التكليف أن الدهري مكلف بالإيمان بالرسول ﵊، وذلك متعذر عليه حتى يعتقد وجود الصانع، وأن المحدث مكلف بالصلاة حالة الحدث مع تعذرها في تلك الحالة، فإلزام هذين المتعذرين لمن نفى التكليف يقتضي أن مدرك العدم إنما هو التعذر، وإذا كان هذا هو المدرك فهو مشكل، لأن الكفار أربعة اسم: منهم من كفر بظاهره وباطنه كجمهور الحربيين، ومنهم من آمن بظاهره وباطنه وكفر بعدم الإذعان للفروع، كما يحكى عن أبي طالب أنه كان يقول إني لأعلم ما تقوله - يا ابن أخي - لحق، ولولا أني أخاف أن يعيرني نساء قريش على المغازل لاتبعتك، وفي شعره يقول: لقد علموا أن ابننا لا مُكذَّب ... لدينا ولا يعزى لقول الأباطل فهذا تصريح باللسان واعتقاد بالجنان، غير أنه لم يذعن، وكذلك من يقول من الكفار: إني لأعلم أن دين الإسلام حق ولكني أخاف من الإسلام فوات منصب

стр. 162

أو ميراث، فهو معترف بلسانه وجنانه، وكافر ببطانه دون ظاهره وهو المنافق وكافر بظاهره دون باطنه وهو المعاند كأحبار اليهود الذين قال الله تعالى فيهم وفي نظائرهم «وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم» (١) . إذا تقررت هذه الأقسام الأربعة فمن آمن بظاهره وباطنه منهم، أو بظاهره فقط، معتقد صدق التكليف فالتعذر في حقه ساقط، وكذلك من كان كفره بالفعل كلقي المصحف في القاذورات أو باني كنيسة مريداً للكفر فيها، أو كان كفره مجحده آية من كتاب الله تعالى فقط، أو يجحد سليمان النبي ﵊ فقط، فإن هؤلاء كلهم يعتقدون صحة الفروع، فلا يتعذر منهم التقرب بالفروع فلا يتجه التعليل بتعذر التقرب، ثم إذا فرعنا أيضاً على الفريق الذي كفره بظاهره وباطنه، فلا يتم المقصود أيضاً، لأن من الفروع ما اجتمعت الشرائع عليه نحو الكليات الخمس: حفظ الدماء والأعراض والأنساب والعقول والأموال، وأنواع الإحسان كإطعام الجوعان وكسوة العريان، وغير ذلك مما لم تختلف فيه الشرائع، فيصح منه التقرب به عادة، بناءً على اعتقاده إياه من دينه وإن كفر بديننا، فهذا وجه الإشكال في هذه المسألة. وأما حجة الخطاب من حيث الجملة فقوله تعالى «ولله على الناس حج البيت» (٢) وهو عام فيتناول الكافر: الأمر بالحج، وإذا تناوله الأمر تناوله النهي، لأن كل من قال بالأمر قال بالنهي، بخلاف العكس، وكقوله تعالى «وويل للمشركين، الذين لا يؤتون الزكاة» وكقوله تعالى «والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق أثاما» (٣) فقوله تعالى: ومن يفعل ذلك، يتناول جميع ما تقدم، فيكون القتل والزنا يعاقب عليهما كما يعاقب على دعوى الإله مع الله تعالى، ولولا الكافر مخاطب بفروع الشرائع وإلا لما انتظم هذا الكلام.

стр. 163

وحجة عدم الخطاب أنه لو أمر بالفروع لأمر بها إما حالة الكفر وهو خلاف الإجماع فإن الأمة مجمعة على أنه لا يقال صل وأنت كافر، وإما بعد الكفر، وهو أيضاً خلاف الإجماع لقوله ﵊ «الإسلام يجبُّ ما قبله» . وجواب هذه النكتة أن زمن الكفر ظرف للتكليف لا لوقوع المكلف به، كما نقول المحدث مأمور بالصلاة إجماعاً ومعناه أن زمن الحدث ظرف للخطاب للصلاة والتكليف بها لا لإيقاع الصلاة، فلا نقول له صل وأنت محدث، بل يجب عليك أن تزيل الحدث وتصلي، وأنت الآن مكلف بذلك، كذلك نقول للكافر أنت الآن مكلف بإزالة الكفر ثم إيقاع الفروع، لا أنك مكلف بإيقاع الفروع في زمن الكفر؛ فزمن الكفر ظرف للتكليف لا لوقوع المكلف به، فقوله أما أن يكلف حالة الكفر أو بعده، قلنا حالة الكفر قوله لا يصح منه، قلنا لم ندَّع أن ذلك الزمان ظرف لإيقاع المكلف به حتى نلزم صحته، أو نقول بعده على سبيل التسليم والحديث حجة على الخصم، لأن الجب القطع، وإنما يقطع ما هو متصل، فهذا يدل على أنه لولا القاطع اتصل التكليف فبقي التكليف مستمراً. وأما قولي: فائدة الخلاف ترجع إلى مضاعفة العذاب في الآخرة، وعيّنه الإمام أو إلى غير ذلك، فمعناه أن الإمام فخر الدين أجاب عن هذه النكتة المتقدمة بأن فائدة التكليف إنما هو مضاعفة العذاب في الآخرة لا الوجوب قبل ولا بعد، واكتفى بهذا الجواب، وهو لا يتم له بسبب أن العقاب في الدار الآخرة إنما يتضاعف ويعذب الكافر عذابين أحدهما: وهو الأعظم لأجل الكفر، والثاني للفروع، إذا قلنا بتقدم التكليف في الدنيا، أما عقابه في الآخرة من غير تقديم تكليف فغير معقول، فإذا تعين تقدم التكليف فيتعين أن نختار أحد القسمين، وهو إما حالة الكفر أو بعد؛ ويذكر الجواب مفصلاً محرراً كما تقدم، فظهر أن جوابه ﵀ غير تام. وأما أن فائدة الخلاف ترجع على غير مضاعفة العذاب فقد ذكرت وجوهاً كثيرة في شرح المحصول، وأذكر منها هنا نبذاً أحدها تيسير الإسلام عليه، فإنه إذا كان مخاطباً وهو خير النفس بفعل الخيرات من الصدقات وأنواع البر وغيرها

стр. 164

كان ذلك سبباً في تيسير إسلامه استنباطاً من قوله ﵊ «إن المؤمن ليختم له بالكفر بسبب كثرة ذنوبه» فيناسب أن يختم للكافر بالإيمان بسبب كثرة إحسانه وحسناته، وإن أجمعنا على أنه لا يثاب عليها في الآخرة إلا أنه ورد الحديث الصحيح، أنه يطعم بها في الدنيا، ولم يرد دليل على أنها لا تكون سبباً لتيسير الإسلام فبقي استنباطه لا مانع منه. وثانيها: الترغيب في الإسلام، فإنه إذا كان كثير القتل والفتك والفساد وقيل إن الإسلام من شرفه أن يهدم جميع آثام هذه الأفعال كان ذلك أوقع في نفسه، من قولنا إن الإسلام لا ينهض إلا بالكفر وحده. ثالثها: تخفيف العذاب في الدار الآخرة؛ فإن الدليل ما دل إلا على تخليد الكافر في العذاب وأما مقداره في الكمية فالتفاوت واقع فيه قطعاً، لذلك قال تعالى «إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار» (١) واليهود أسفل من النصارى كما جاء في الحديث الصحيح من ترتيب طبقات النار - أجارنا الله منها - فإذا قلنا هو مخاطب وفعل ذلك كان سبباً لتخفيف العذاب عنه مع الخلود، فهذه فوائد تظهر من ثمرة الخلاف في كونهم مخاطبين. فائدة: القاضي عبد الوهاب في الملخص الخلاف في هذه المسألة في فصلين: أحدهما أن العموم هل هو صالح لتناول الكافر كتناوله للمسلم؟ خلاف كما جرى في صلاحية العموم للعبد، الفصل الثاني: أنهم هل يتناولهم التكليف بالفروع أم لا؟ فقال: منهم من فرق بين المرتد فيخاطب، وبين غير المرتد فلا يخاطب، فيتحصل من نقله ونقل الإمام فخر الدين في المسألة أربعة أقوال. ثالثها: الفرق بين النواهي وغيرها، ورابعها الفرق بين المرتد وغيره، ومر بي في بعض الكتب - لست أذكره الآن - أن لكفار وإن كانوا مخاطبين بفروع الشريعة، فالجهاد خاص بالمؤمنين، لم يخاطب الله تعالى بوجوب الجهاد كافراً، وهو متجه أن يكون وجوب الجهاد مستثنى من الفروع لعدم حصول مصلحته من الكفار، أو يقال إن الله تعالى حيث ذكر الجهاد لم يذكر صيغة يندرج فيها الكفار، بل «يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين» (٢) ويا أيها

стр. 165

الذين آمنوا فقط، ويمكن أن يقال: لنا عمومات تتناولهم كقوله تعالى «يا أيها الناس اتقوا ربكم» (١) والتقوى يندرج فيها جميع الواجبات وكذلك قوله تعالى «وما أتاكم الرسول فخذوه» (٢) ومن جملة ما أتى به الجهاد، وهذه العمومات كثيرة فيمكن اندراج الكافر فيها، وأما حصول المصلحة منه. فجوابه: أنا لم نكلفه بالجهاد وهو كافر، بل كُلف بأن يسلم ثم يجاهد، كما قلنا في الصلاة؛ فإذا لم يسلم عوقب في الآخرة على الكفر وعلى ترك الجهاد مع جملة الفروع.

стр. 166

الباب الخامس في النواهي وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول في مسماه وهو عندنا التحريم وفيه من الخلاف ما سبق في الأمر. نظير تلك المذاهب السبعة هنا أن نقول إنه موضوع: للتحريم، للكراهة، للقدر المشترك بينهما وهو مطلق الترك، اللفظ مشترك بينهما، هو موضوع لأحدهما لا يعلم بعينه، موضوع للإباحة، الوقف. فهذه سبعة مذاهب في الأمر والنهي، وحكى القاضي عبد الوهاب في الملخص أن من العلماء من فرق بين النهي فحمله على التحريم، وبين الأمر فحمله على الندب، لأن عناية العقلاء وصاحب الشرع بدرء المفاسد أشد من عنايتهم بالمصالح، والنهي يعتمد المفاسد، والأمر يعتمد المصالح؛ فإذا جمعت البابين قلت ثمانية أقوال، الثامن الفرق بين الأوامر والنواهي. واختلف العلماء في إفادته التكرار وهو المشهور من مذهب العلماء وعلى القول بعدم إفادته وهو مذهب الإمام فخر الدين لا يفيد الفور عنده. قال القاضي عبد الوهاب: واختلف في النهي المعلق بما يتكرر، فمن قال إن

стр. 167

النهي لا يقتضي بمجرده الدوام والتكرار، قال به أيضاً إذا علق بما يتكرر، وقيل يتكرر، قال وهو آكد من مطلقه، وهو الصحيح بخلاف الأمر. قلت للشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀ يوماً إن القائل بأن النهي لا يقتضي التكرار يلزمه أن لا يوجد عاص البتة في الدنيا بمنهي، وذلك أن النهي عنده لا يقتضي إلا مطلق الترك كما أن الأمر لا يقتضي إلا مطلق الفعل، فكما يخرج عن عهدة الأمر فعل ما في زمن ما، كذلك يخرج عن عهدة النهي بمطلق الترك في زمن ما، وأشد الناس عصياناً وفسوقاً لا بد أن يترك تلك المعصية في زمن ما فيخرج عن عهدة النهي بذلك الزمن الفرد، فلا يكون عاصياً أبداً، وما رأينا أحداً في العالم واظب على معصية فلم يفتر عنها إلى أن مات، بل لا بد من فترات ولو لضرورات الحياة من النوم والاغتداء وغير ذلك، فلزم السؤال. قال لي ﵀ هذه المسألة تتخرج على قاعدة، وهي أن القاعدة أنه قد يكون عام في مطلق، نحو أكرم الناس كلهم في يوم، أو مطلق في عام نحو أكرم زيداً في جميع الأيام، أو عام في عام نحو أكرم الناس في جميع الأيام، أو مطلق في مطلق نحو أكرم رجلاً في يوم، إذا تقررت هذه القاعدة فالقائل بأن النهي يقتضي التكرار يقول هو عموم في عموم أمر بجميع التروك في جميع الأزمان، والذي يقول النهي لا يقتضي التكرار يقول المطلوب ترك واحد في جميع الأزمان [فهو مطلق في عام] (١) فلا يجوز أن يلابس المنهي عنه في زمن ما فيتحقق العصيان حينئذ بملابسة المنهي متى وقعت، فهذه صورة هذه المسألة. ثم بعد وفاته ﵀ رأيت أن هذا الجواب لا يتم لوجهين. أحدهما: أن هذا التقدير يقتضي أن لا يتحقق مذهب القائل أنه يقتضي التكرار بسبب أن القائل بالتكرار لا يمكن أن يقول بجمع بين تركين في زمن

стр. 168

واحد، لأن الجمع بين المثلين محال، بل يقول: إن الثابت في كل زمان إنما هو ترك واحد، وهذا هو مذهب القائل بعدم التكرار على تفسير الشيخ؛ فإن المطلق إذا عممناه في الأزمان لا بد أن يحصل في كل زمن من فرد غير الفرد الحاصل في الزمن الآخر، فهي أمثال تتوالى، فلا يبقى إلا مذهب واحد، فلا يتحقق المذهبان. وثانيهما: أن القائلين بعدم التكرار قالوا في حجتهم إنه ورد للتكرار كالسرقة والزنا ونحوهما، وورد أيضاً لعدم التكرار كقول الطبيب للمريض لا تأكل اللحم ولا تقصد، أي في هذا الزمان، والمجاز والاشتراك خلاف الأصل، فوجب جعله حقيقة في القدر المشترك بين القسمين وهو مطلق الترك، وهذا يدل منهم على أنهم لا يستوعبون الأزمنة بمطلق الترك، لأن المشترك بين بعض الأزمنة المعينة والتكرار يجب أن يكون مساوياً لأحد القسمين، وهو ذلك البعض المعين، فتفسير الشيخ - رحمه الله تعالى - لا ينطبق على مذهبهم بمقتضى حجتهم وظواهر ألفاظهم. والذي أراه في دفع هذا الإشكال العظيم أن نقول مطلق الترك مشترك بين جميع الأقسام ولنا أخص منه، وهو مشترك أيضاً، وهو مطلق الترك بقيد كونه لا يقع إلاّ في أحد هذين النوعين، فكونه بقيد لا يتعدى النوعين، وهو إما التكرار أو الزمن المعين، كما في مثال الطبيب، فوجب كون هذا المشترك أخص من مطلق الترك. والقاعدة: أن كلّ مشترك ليس له إلاّ نوعان، إذا فقد أحدهما تعين الآخر، كالعدد ليس له إلاّ الزوج والفرد، فإذا تعذر الزوج تعين الفرد، أو الفرد تعين الزوج، كذلك هنا إذا فرعنا على عدم إفادته التكرار يكون موضوعاً لهذا المشترك الخاص بهذين النوعين، لا أنه موضوع لمطلق الترك، وحينئذ تصح جميع هذه المباحث، ويذهب الإشكال بأن نقول إن وجد دليل يدل على وقت معين كان التكليف خاصة به، ومتى خالف فيه عصى، ومتى لم يوجد ذلك تعين النوع الآخر بدليل بعينه، وحينئذ يتعين استغراق الأزمنة، فيعصى بملابسة المنهي عنه في أي زمان كان، وإذا عرى عن دليل على هذا وعلى النوع الآخر كان محتاجاً

стр. 169

للبيان، ويجب تعجيل البيان قبل وقت العمل، فصح المذهب وتحقق العصيان من كلّ عاص في العالم، وانتظم الاستدلال الذي قالوه من مثال الطبيب والمنجم، كما قالوا بقول المنجم: لا تخرج إلى الصحراء، ولا تفصل جديداً، أي في هذا اليوم، واندفعت الإشكالات كلها. وإذا فرَّعنا على التكرار اقتضى الفور قطعاً، لأن الزمان الحاضر يندرج في التكرار، وإن فرعنا على عدم التكرار لا يتعين اقتضاؤه للفور فيجري فيه قولان، فقيل يتعين الترك بذلك المعين في الزمن الحاضر، وقيل لا يتعين إلاّ بدليل منفصل، وهو موضع مشكل جداً فتأمله. حجة القائلين بالتكرار أن النهي يعتمد المفاسد، واجتناب المفسدة إنّما يحصل إذا اجتنبها دائماً، كما إذا قلت لولدك لا تقرب الأسد فمقصوده لا يحصل إلاّ بالاجتناب دائماً، ولأن النهي منع من إدخال الماهية في الوجود، وذلك إنّما يتحقق إذا امتنع منها دائماً، ولأنه يصح استثناء أي زمن شاء، والاستثناء عبارة عما لولاه لاندرج المستثنى في الحكم، فيندرج جميع الأزمنة في الحكم وهو المطلوب. وأما حجة عدم التكرار فقد تقدمت. ومتعلقة فعل ضد المنهي عنه، لأن العدم غير مقدور، وعن أبي هاشم عدم المنهي عنه. منشأ الخلاف في هذه المسألة النظر إلى صورة اللفظ وليس فيه إلاّ العدم، فإذا قال له لا تتحرك فعدم الحركة هو متعلق النهي عند أبي هاشم، أو يلاحظ أن الطلب إنّما وضع لما هو مقدور، فما ليس بمقدور، لا يطلب عدمه، فلا يقال للنازل من شاهق لا تصعد إلى فوق فإن الصعود غير مقدور، فلا ينهى عنه، والعدم نفي صرف، فلا يكون مقدوراً، لأن القدرة لا بد لها من أثر وجودي، فلا فرق بين قولنا ما أثرت القدرة أو أثرت عدماً صرفاً إلاّ في العبارة، وإذا لم يمكن جعل العدم أثراً لا يكون العدم مقدوراً فلا يتعلق به الطلب، فيتعين تعلق الطلب بالضد، وإذا قال له لا تتحرك فمعناه اسكن، فملاحظة المعنى مدرك الجمهور. وملاحظة صورة اللفظ هو مدرك

стр. 170

أبي هاشم، والمعنى أتم اعتباراً من صورة اللفظ. احتج أبو هاشم بأن من دعاء الداعي إلى القتل فلم يفعل أجمع العقلاء على مدحه، وتعليل ذلك المدح بأنه لم يفعل، ولا يذكرون الضد. جوابه: أنهم إنّما يمدحون بما هو من صنعه، والعدم الصرف ليس من صنعه، فلا يمدحونه به. سؤال: ما الفرق بين هذه المسألة وبين قولهم النهي عن الشيء أمر بضده، فإن هذه هو كقولكم متعلق النهي ضد المنهي عنه؟ جوابه: أن الأمر والنهي متعلقان - بكسر اللام - والمنهي وضده متعلِّقان - بفتح اللام - فإذا قلنا النهي عن الشيء أمر بضده هو بحث في المتعلقات بكسر اللام -، هل هو ذاك أو غيره، ثم إذا تقرر بيننا شيء من المتعلِّقات بكسر اللام من اتحاد أو تعدد أمكننا بعد ذلك أن نختلف في المتعلِّقات - بفتح اللام - هل المتعلق نفس العدم أو الضد، فهذه مسألة أخرى وليست عين المسألة الأولى. فهذا هو الفرق. الفصل الثاني في أقسامه وإذا تعلق بأشياء فإما على الجمع نحو الخمر والخنزير، وإما عن الجمع نحو الأختين، أو على البدل مثل إن فعلت ذا فلا تفعل ذاك كنكاح الأم بعد ابنتها، أو على البدل كجعل الصلاة بدلاً عن الصوم. المعنى بالنهي عن الجمع، أي على الجمع في النهي، أي كلّ واحد منهما منهي عنه، ومعنى النهي عن الجمع أن متعلق النهي هو الجمع بينهما، وكل واحد منهما ليس منهياً عنه، كالأختين فإن كلّ واحدة منهما في نفسها ليست محرمة، بل المحرم هو الجمع فقط، ونظير هذين قول النحاة تقول العرب: لا تأكل السمك، وتشرب

стр. 171

اللبن فيه ثلاثة أوجه إن جزمنا الفعلين (تأكل وتشرب) كان كلّ واحد منهما متعلق النهي، وإن نصبنا الثاني وجزمنا الأوّل لكان متعلق النهي هو الجمع بينهما فقط وكل واحد منهما غير منهي عنه، وإن جزمنا الأوّل ورفعنا الثاني كان الأوّل هو متعلق النهي فقط في حال ملابسة الثاني، أي لا تأكل السمك في حالة شربك اللبن، فالحال ليس منهياً عنها، فإذا قلت لا تسافر والبحر هائج، ولا تصل والشمس طالعة، فلست تنهى عن هيجان البحر ولا عن طلوع الشمس، بل عن الأوّل فقط، كذلك هنا، فتختلف المعاني باختلاف رفع الثاني ونصبه وجزمه، والأول فيا لأحوال الثلاثة مجزوم، والنهي عن البدل يرجع إلى النهي عن الجمع، فإن معنى قولنا إن فعلت ذا فلا تفعل ذاك، أن الجمع بينهما محرم. والنهي عن البدل له صورتان: أن تجعل غير الواجب بدلاً عن الواجب، كجعل التصدق بدرهم بدلاً عن الصلاة، وأن تجعل بعض الواجب بدلاً عن كله؛ كجعل ركعة بدلاً عن ركعتين. الفصل الثالث في لازمه هو عندنا يقتضي الفساد خلافاً لأكثر الشافعية والقاضي أبي بكر هنا، وفرق أبو الحسين البصري والإمام بين العبادات فيقتضي وبين المعاملات فلا يقتضي، لنا أن النهي إنّما يكون لدرء المفسدة الكائنة في المنهي عنه، والمتضمن للمفسدة فاسد، ومعنى الفساد في العبادات وقوعها على نوع من الخلل يوجب بقاء الذمة مشغولة بها وفي المعاملات عدم ترتب آثارها عليها، إلاّ أن يتصل بها ما يقرر آثارها على أصولنا في البيع وغيره، وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن لا يدل على الفساد مطلقاً ويدل على الصحة لاستحالة النهي عن المستحيل. هذا الفصل في آثار النهي، وأثر الشيء لازم له، فلذلك قال في لازمه،

стр. 172

ويتحصل في اقتضائه للفساد أربعة مذاهب: يقتضي الفساد، لا يقتضيه، الفرق بين المعاملات والعبادات، يفيد الفساد على وجه تثبت مع شبهة الملك وهو مذهب مالك. حجة اقتضائه للفساد مطلقاً أما في العبادات فلأنه أتى بالمنهي عنه، والمنهي عنه غير المأمور به؛ فلم يأتي بالمأمور به، ومن لم يأت بالمأمور به بقي في عهدة التكليف، وهو المعنى بقولنا: النهي يقتضي الفساد في العبادات، وأما في المعاملات فلأن النهي يعتمد وجود المفسدة الخالصة أو الراجحة في المنهي عنه، فلو ثبت الملك والإذن في التصرف لكان ذلك تقريراً لتلك المفسدة، والمفسدة لا ينبغي أن تقرر، وإلا لما ورد النهي عنها. والمقدر ورود النهي عنها، هذا خلف، وقياساً على العبادات. حجة عدم اقتضائه مطلقاً، أما في العبادات فإنه لا تنافي بين قول صاحب الشرع نهيتك عن الصلاة في الدار المغصوبة، وإذا أتيت بها جعلتها سبباً لبراءة ذمتك، كما حكى فيها الإجماع، وعن الوضوء بالماء المغصوب، والصلاة في الثوب المغصوب، والحج بالمال المغصوب، وإذا أتيت بهذه العبادات جعلتها سبباً لبراءة ذمتك، فإن مصالح العبادات حاصلة في تلك الصور، وإنما قارنتها مفسدة، ومقصد البراءة حصول المصلحة لا عدم مقارنة المفسدة، لأنه لو أعطاه دينه وضربه لم يقدح ذلك في براءة الذمة من الدين، ولا في مصلحة الدراهم المأخوذة. وأما الإمام أحمد بن حنبل ﵁ فقد طرد أصله وأبطل العبادات في هذه الصور كلها، فيتعذر القياس معه، ويبقى الاستدلال بحصول المصلحة. وأما في المعاملات فلأن الأسباب الشرعية ليس من شرط إفادتها للملك أن تكون مشروعة في نفسها، فالسرقة محرمة، وهي سبب القطع والغرم وسقوط العدالة غير ذلك، وكذلك الزنا والحرابة والقذف محرمات. وهي أسباب لأحكام إجماعاً، وكذلك الطلاق في زمن الحيض حرام، ويترتب عليه أثره الذي هو إزالة العصمة، فقد يكون السبب حراماً، وقد يكون واجباً كالزواج في حق من وجب عليه، ويكون ذلك سبباً لوجوب النفقة وغيرها، والإعتاق واجب للولاء وغيره، وقد

стр. 173

يكون مندوباً كالزواج المندوب والعتق المندوب، وقد يكون مباحاً كالزواج المباح، وقد يكون مكروهاً كالزواج المكروه. فقواعد الشريعة تشهد أنه ليس من شرط السبب أن يكون مشروعاً ولا مساوياً لمسببه في الحكم، بل يكون السبب حراماً وللمترتب عليه واجباً. وبهذا يظهر بطلان التشنيع على المالكية حيث جعلوا ترك السنة في الصلاة سبباً لوجوب السجود، فقل لهم كيف يكون ترك المندوب سبب الوجوب، وكيف يكون الفرع أقوى من أصله وجوابهم ما تقدم. حجة الفرق: أن البراءة تعتمد الإتيان بالمأمور به ولم يأت به، فتبقى العهدة، وإذا كان المندوب لا يجزئ عن العبادة الواجبة فأولى المحرم، فلو صلى ألف ركعة ما نابت عن صلاة الصبح، وأما المعاملات فهي أسبا، والسبب ليس من شرطه أن يكون مأموراً به، حجة شبهة الملك مراعاة الخلاف، وأما ما يتصل به على أصولنا فلأن البيع المحرم إذا اتصل به عندنا أحد أمور أربعة تقرر الملك فيه بالقيمة: وهو تغير الأسواق أو تغير العين أو هلاكها، أو تعلق حق الغير بها على تفصيل مذكور في كتب الفقه. وأما قول أبي حنيفة في الصحة فحجته أن الصحة لو كانت مفقودة لامتنع النهي، لأنه لا يقال للأعمى لا تبصر، ولا للزمن لا تطير، وما ذاك إلاّ لعدم صحة ذلك منهما، فدل على أن النهي يدل على حصول الصحة، والصحة عبارة عن ترتب الملك والآثار والمكنة من التصرفات، فلهذه القاعدة قالوا إنه إذا باع درهماً بدرهمين أو غيره من الربويات متفاضلاً حصل الملك في أحد الدرهمين ورد الدرهم الزائد، وكذلك إذا اشترى أمة شراءً فاسداً يجوز له وطئها ابتداءً، ويجوز له أكل الطعام وغير ذلك مِمّا اشتراه شراءً فاسداً، بناءً على حصول الصحة المفسرة بالإذن في التصرف. القاعدة: الصحة ثلاثة أقسام: صحة عقلية، وهو إمكان الشيء وقبوله للوجود والعدم في نظر العقل، كإمكان العالم والأجسام والأعراض، وصحة عادية كالمشي

стр. 174

أماماً ويميناً ويساراً دون الصعود في الهواء. وصحة شرعية وهو الإذن الشرعي في جواز الإقدام على الفعل، وهو يشمل الأحكام الشرعية إلاّ التحريم، فلا إذن فيه، والأربعة الباقية فيها الإذن. إذا تقررت هذه القاعدة فالنزاع مع الحنفية إنّما هو في الصحة الشرعية، وهو الإذن في جواز الإقدام، واستدلُّوا بحديث الأعمى والمقعد، وذلك إنّما يوجب اشتراك الصحة العادية وهي مجمع عليها، اتفق الناس على أنه ليس في الشريعة منهي عنه، ولا مأمور به، ولا مشروع على الإطلاق إلاّ وفيه الصحة العادية، وكذلك حصل الاتفاق أيضاً على أن اللغة لم يقع فيها طلب وجود ولا عدم إلاّ فيما يصح عادة، وإن جوزنا تكليف ما لا يطلق فذلك بحسب ما يجوز على الله تعالى لا بحسب ما يجوز في اللغة، فاللغات موضع إجماع؛ فعلى هذا دليلهم لا يمس صورة النزاع. قال الإمام فخر الدين ﵀: سلمنا أن دليلكم يدل على الصحة الشرعية لكن تلك الصحة متقدمة على النهي لا متأخرة عنه. وتقرير ذلك أن الموكل إذا عزل وكيله بقوله لا تبع هذه السلعة التي وكلتك على بيعها، فيكون هذا النهي عزلاً له ونسخاً لتلك الصحة السابقة، وكذلك الخلائق وكلاء الله في أرضه، لقوله تعالى: «ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون» (١) ، وقوله تعالى: «وأنفقوا مِمّا جعلكم مستخلفين فيه» (٢) ، وإذا ورد النهي بعد ذلك عليهم كان ناسخاً لتلك الصحة السابقة، وأنتم تطلقون على أنه يدل على صحة لاحقة حتى تثبتون الملك في عقود الربا بناءً على النهي. تنبيه: قال مالك الشافعي وابن حنبل: «إن النهي يدل على الفساد» ، وقال أبو حنيفة: «ويدل على الصحة» فالكل طردوا أصولهم إلاّ مالكاً. فقال أبو حنيفة: «يجوز التصرف في المبيع بيعاً فاسداً ابتداءً وهذا هو الصحة» . وقال الشافعي ومن وافقه: «إن الملك لا يثبت أصلاً ولو تداولته الأملاك وهذا هو الفساد» . وقال مالك

стр. 175

بالفساد في حالة عدم الأمور الأربعة المتقدم ذكرها وبعدمه، وتقرر الملك إذا طرأ أحدها، فلم يطرد أصله. ويقضي الأمر بضد من أضداد المنهي عنه. قد تقدم أن النهي أمر بأحد الأضداد، والأمر بالشيء نهي عن جميع الأضداد، كقوله اجلس في البيت؛ فإنه نهى عن الجلوس في السوق والحمام وجميع البقاع، وكقوله لا تجلس في البيت، أمر بالجلوس في أحد المواضع، أما جميع المواضع المضادة للبيت فلا؛ لأنه نهي.

стр. 176

الباب السادس في العمومات وفيه سبعة فصول الفصل الأول في أدوات العموم وهي نحو عشرين صيغة، قال الإمام: «وهي إما أن تكون موضوعة للعموم بذاتها نحو كلّ، أو بلفظ يضاف إليها كالنفي ولام التعريف والإضافة وفيه نظر» . قد تقدم في الباب الأوّل حد صيغة العموم والكلام عليها تحريراً وإشكالاً وجواباً، وأما تقسيم الإمام فخر الدين إياها إلى ما يفيد العموم بنفسه نحو كلّ، وجميع، ومن، وما وإلى ما لا يفيد العموم إلاّ بلفظ يضاف إليها نحو النفي، كقولنا لا رجل في الدار، فإنه لولا النفي لم يبق إلاّ مطلق النكرة، وهي لا تفيد العموم بنفسها، أو لام التعريف نحو «اقتلوا المشركين» (١) ، فإنه لولا لام التعريف لم يبق إلاّ الجمع المنكر، وهو لا يفيد العموم، أو الإضافة نحو عبيدي أحرار، فلولا الإضافة لم يحصل العموم، ولم يعمم العتق، بل كان يلزمه عتق ثلاثة أعبد فقط، هذا معنى كلامه. ومعنى قولي فيه نظر أن: من، وما، أيضاً لا يفيدان العموم إلاّ بإضافة آخر يضاف إليهما، وهي الصلة في الخبرية، نحو رأت من في الدار، أو لفظ هو شرط نحو من دخل داري فله درهم، أو لفظ مستفهم عنه نحو من عندك، فلو نطقنا: ممن

стр. 177

وما، وحدهما لم يحصل عموم، بل قد يكون كلّ واحد منهما نكرة موصوفة أو غير ذلك، وكذلك: كلّ، وجميع، لا بد من إضافة كلّ واحد منهما للفظ آخر حتى يحصل العموم فيه، نحو كلّ رجل إنسان، أو جميع العالم ممكن فتخصيصه المحتاج للفظ آخر بتلك الثلاثة لا يتجه. فمنها: كلّ، وجميع، ومن، وما، والمعرف باللام جمعاً مفرداً، والذي، والتي، وتثنيتهما، وجمعهما، وأي، ومتى في الزمان، وأين وحيث في المكان، قال القاضي عبد الوهاب، واسم الجنس إذا أضيف والنكرة في سياق النفي، فهذه عندنا للعموم، واختلف في الفعل في سياق النفي كقولك والله لا آكل، فعند الشافعي للعموم في المواكيل، فله تخصيصه بنيته في بعضها، وهذا هو الظاهر من مذهبنا. وقال أبو حنيفة لا يصح لأن الفعل يدل على المصدر وهو لا واحد ولا كثير، فلا تعميم ولا تخصيص، واتفق الإمامان على قوله: لا أكلت أكلاً إنه عام يصح تخصيصه؛ وعلى عدم تخصيص الأوّل ببعض الأزمنة أو البقاع، لنا أنه إن كان عاماً صح التخصيص وإلا فمطلق يصح تقييده ببعض خاله، وهو المطلوب. أما كلّ وجميع فيعمان فيما أضيفا إليه، وأما من وما، فاشترط الإمامان فخر الدين وجماعة معه أن يكونا في الشرط والاستفهام، واحترزوا بهذا الشرط عنهما إذا كانا نكرتين نحو مررت بما معجب لك، أو بمن معجب لك، فتخفض معجباً على الصفة، وفي هذه الحالة من، وما، ليستا للعموم، فخرجتا بقولهم إذا كانتا في الشرط والاستفهام، فنفعهم هذا التقييد في إخراج هذا. وهو ليس للعموم، وأضرهم هذا التقييد في إخراج: ما، ومن الخبريتين وهما للعموم، نحو قوله تعالى: «إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم (١) » ، وقوله تعالى: «كلّ من عليها فان» فإن هذين للعموم ولا شرط فيهما، ولا استفهام، فخرج من الحد فيكون غير جامع فلا بد من

стр. 178

عبارة تخرج النكرة وتدخل الخبرية، بأن يقول إذا كانتا شرط أو استفهام ما، أو موصولاً، وحينئذ يصير الحد جامعاً. والمعرف باللام جمعاً ومفرداً فيه إشكال، من جهة أن لام التعريف تعم أفراد ما دخلت عليه، فإن دخلت على الدرهم عمت أفراده، أو الفرس عمت أفراده، فكذلك ينبغي إذا دخلت على الجمع تعم أفراد الجموع وحينئذ يتعذر الاستدلال به حالة النفي أو النهي على ثبوت حكمه لفرد من أفراده، فإذا قال الله تعالى: «لا تقتلوا الصيد (١) » يجوز أن تقتل واحداً فإنا إنّما نهينا عن أفراد الجموع، والواحد ليس بجمع، وكذلك إذا قلنا لم أر إخوتك، يجوز أن تصدق وقد رأينا منهم واحداً وهو خلاف المعهود من صيغة العموم، وإنما يقتضي ثبوت حكمها لكل فرد من أفرادها أمراً ونهياً وثبوتاً ونفياً، ولا يختلف الحال في شيء من الوارد، وحينئذ لأجل هذا الإشكال يتعين أن يعتقد أن لام التعريف إذا دخلت على الجمع تبطل حقيقة الجمعية ويصير الجمع كالمفرد، وأن الحكم ثابت لكل فرد من الأفراد، كانت الصيغة مفرداً أو جمعاً، وأي: تعم فيما أضيفت إليه نحو أي رجل جاءني أكرمته، ومتى، وأين، وحيث للعموم، والمعلق عليها مطلق. وبهذا نجيب عمن يقول إذا كانت هذه للعموم، فينبغي إذا قال متى دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت مراراً ينبغي أن يلزمه ثلاث تطليقات عملاً بالعموم، وليس كذلك، فلا يكن للعموم، وكذلك أين وجدتك فأنت طالق، أو حيث وجدتك فأنت طالق، لأنا نقول المعلق عليه عام وهو: متى، وأين، وحيث، والمعلق مطلق، وهو مطلق الطلاق، فهو التزام مطلق الطلاق في جميع الأزمنة أو البقاع، فإذا لزمه طلقة واحدة فقط وقع ما التزمه من مطلق الطلاق فلا تلزمه طلقة أخرى، بل تنحل اليمين، كما لو قال أنت طالق في جميع الأيام طلقة؛ فالظرف عام والمظروف مطلق، كذلك هنا المعلق عليه عام والمعلق مطلق، فاندفع الإشكال. واسم الجنس إذا أضيف، قال صاحب الروضة: سواء كان مفرداً أو تثنية أو

стр. 179

جمعاً، وأما الإمام فخر الدين فلم يذكر في المحصلو سوى الجمع، كقوله عبيدي أحرار، ومثال المفرد قوله ﵊ «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (١) فحصل العموم في جميع أفراد الماء والميتة، فالمضاف مفرد، وكذلك قوله ﵇ «إلاّ بحقها» (٢) ، يعم جميع حقوق الشهادة، مع أنه مفرد مضاف، والتثنية كقول الأعرابي المفسد لصومه لرسول الله ﷺ «ما بين لابتيها أحوج مني (٣) » واللابة الحجارة السود، فعم ذلك جميع الحجارة السود. تنبيه: اسم الجنس قسمان، منه ما يصدق على القليل والكثير نحو ماء ومال وذهب وفضة، ومنه ما لا يصدق إلاّ على الواحد نحو: درهم ودينار ورجل وعبد، فلا يصدق على جماعة الدراهم أنها درهم، ولا الدنانير أنها دينار، ولا الرجال أنهم رجل، ولا العبيد أنهم عبد. فهذا الذي لا يصدق على الكثير ينبغي أن لا يعم بخلاف عبيدي أحرار ونسائي طوالق، فكان ينبغي أن يفصل بين القسمين في اسم الجنس إذا أضيف ويدعى العموم في أحدهما دون الآخر، لكني لم أره منقولاً، والاستعمالات العربية والعرفية تقتضيه. وكذلك فرق الغزالي بين المفرد الذي فيه هاء التأنيث يمتاز بها عن الجنس نحو برة وبين ما ليس كذلك، فجعل لام التعريف تعم في الثاني دون الأوّل، فتعم في البر دون البرة، وفي التمر دون التمرة، وهو تفصيل حسن، وهو يعضد هذا الموضع أيضاً في اسم الجنس إذا أضيف. وأما النكرة في سياق النفي فهي من العجائب في إطلاق العلماء من النحاة والأصوليين يقولون النكرة في سياق النفي تعم، وأكثر هذا الإطلاق باطل.

стр. 180

قال سيبويه ﵀ وابن السيد البطليوسي (١) في شرح الجمل: إذا قلت لا رجل في الدار بالرفع لا تعم بل هو نفي للرجل بوصف الوحدة، فتقول العرب لا رجل في الدار بل اثنان، فهذه نكرة في سياق النفي وهي لا تعم إجماعاً، وكذلك سلب الحكم على العموم حيث وقع، كقولك ما كلّ عدد زوج؛ فإن هذا ليس حكماً بالسلب على كلّ فرد من أفراد العدد، وإلا لم يكن فيه زوج وذلك باطل، بل مقصودك إبطال قول من قال كلّ عدد زوج، فقلت له أنت ليس كلّ عدد زوجاً، أي ليست الكليّة صادقة بل بعضها ليس كذلك، فهو سلب الحكم على العموم لا حكم بالسلب على العموم، فتأمل الفرق بينهما. فهذان نوعان من النكرة في سياق النفي ليسا للعموم. ونص الجرجاني في أول شرح الإيضاح على أن الحرف قد يكون زائداً من حيث العمل دون المعنى، كقولك ما جاءني من رجل، فإن (من) هنا تفيد العموم، ولو قلت ما جاءني رجل لم يحصل العموم وهذه نكرة في سياق النفي، وكذلك قال الزمخشري وغيره في قوله تعالى: «ما لكم من إله غيره» (٢) لو قال ما لكم إله غيره بحذف (من) لم يحصل العموم، وكذلك قوله تعالى: «ما يأتيهم من آية من آيات ربهم» (٣) ، ولو قال ما يأتيهم آية بحذف (من) لم يحصل العموم، وهذا يقتضي أن هذه الصيغ الخاصة كلها إذا كانت في سياق النفي لا تفيد العموم؛ وإنما تفيده النكرات العامة، نحو أحد وشيء؛ فإذا قلت ما جاءني أحد حصل العموم، وكذلك نقله النحاة، وإذا قلت ما جاءني من أحد كانت (من) مؤكدة للعموم لا منشئة له. هذا نقل النحاة والمفسرين. ونقل صاحب إصلاح المنطق وغيره أن اللفظ الذي يستعمل في النفي فقط وهو الذي في قولنا ما بها أحد ولا وابر، ولا صافر، ولا عريب، ولا كتيع،
следующие страницы →