← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21813

شرح تنقيح الفصول

القرافي

Полный текст (458 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

زيد عتبته، فقد أتاك وما عتبته، والثبوت والنفي نحو قولك لو أتاني زيد لم أعتبه يقتضي أنه ما أتاك وقد عتبته. وعلى هذه القاعدة أشكل قوله ﵊ «نعم العبد صهيب؛ لو لم يخف الله لم يعصه» (١) يقتضي أنه خاف وعصى، وذلك ذم والكلام سيق للمدح وإبعاد طوره عن المعصية، وهي قد دخلت على نفيين فيتعين أن يكونا ثبوتين فيلزم ما تقدم، فقال ابن عصفور (لو) هنا بمعنى إن، (وإن) إذا دخلت على نفيين لا يكونان ثبوتين، فلا يلزم المحذور المتقدم. وقال الخسروشاهي: أصل (لو) إنما هي للربط فقط، وانقلاب النفي للثبوت أو الثبوت للنفي، إنما جاء من العرف، والحديث جاء بقاعدة اللغة دون العرف. وقال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام ﵀ إن المسبب الواحد إذا كان له سبب واحد لزم انتفاؤه، لأنه يثبت مع السبب الآخر، وغالب الناس أن طاعتهم لله تعالى للخوف، فإنهم إذا لم يخافوا عصوا ولا يطيعوا، فأخبر ﵊ أن صهيباً اجتمع في حقه سببان: الخوف والإجلال لله تعالى، فلو انتفى الخوف لم تصدر منه المعصية لأجل الإجلال، فلو لم يخف الله لم يعصه، وهذا غاية المدحة، كما تقول لو لم يمرض زيد لمات، أي بالهرم، فإنه سبب آخر للموت، وحيث قلنا يلزم من النفي الثبوت إذا كان للفعل سبب واحد، فكلام النحاة محمول عليه. فائدة: قال ابن يعيش - في شرح المفصل - (لو) تكون بمعنى (إن) تقول أعجبني لو قام زيد؛ أي قيامه، ومنه قوله تعالى «ودوا لو تدهن فيدهنون» (٢) وقوله تعالى «ود كثير من أهل الكتاب لو يردوكم من بعد إيمانكم كفاراً» (٣) ، فالمفعوف هو لو وما بعدها، وكذا الفاعل في المثال الأول وهو غريب.

стр. 107

ولولا تدل على انتفاء الشيء لوجود غيره لأجل أن لا نفت النفي الكائن مع لو فصار ثبوتاً، وإلا فحكم لو لم ينتقض، لقوله ﷺ «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» يدل على انتفاء الأمر لوجود المشقة المرتبة على تقدير ورود الأمر. الأصل فيما تدخل عليه لو مما هو ثابت في ظاهر اللفظ أن يكون منفياً في المعنى، فلما كان منفياً في المعنى (ولا) حرف نفي، والنفي إذا دخل على النفي صار ثبوتاً فلا جرم كان اسم لولا وجوداً؛ فقلنا تدل على انتفاء الشيء الذي هو جوابها لوجود غيره الذي هو اسمها، ونفي جواب لولا يحكم على معناه بالنفي، وإن كان ظاهر اللفظ يقتضي ثبوته، فهذا تقرير كون حكم (لو) لم ينتقض. وقولي على تقدير ورود الأمر: قصدت به التنبيه على أن قول النحاة لوجود غيره ليس هو كما يفهمه أكثر الناس: أن المراد وجوده بالفعل كما في قول عمر ﵁ «لولا علي لهلك عمر» (١) فعليّ موجود حقيقة، والوجود في لولا أعم من كونه واقعاً، فإن المشقة في الحديث ليست واقعة ولا تقع، وإنما هي واقعة على تقدير ورود الأمر، وذلك التقدير لم يقع ولا يقع، فقصدت إفهام هذا العموم. و (بل) لإبطال الحكم عن الأول وإيجابه للثاني نحو جاء زيد بل عمرو، وعكسها (لا) نحو جاء زيد لا عمرو، ولكن للاستدراك بعد الجحد نحو ما جاءني زيد لكن عمرو، ولا بد من أن يتقدمها النفي في المفردات، أو يحصل تناقض بين المركبات. أصل (بل) لإبطال الحكم عن الأول، وقد تستعمل مجازاً للإضراب عن الحديث في الجمل، فهي لإبطال المخبر عنه، وقد تستعمل لقطع الخبر وإبطاله مجازاً لما بين المخبر والخبر من التعلق، والارتباط كقوله تعالى «بل ادّارك علمهم في الآخرة بل هم

стр. 108

في شك منها بل هم منها عمون» (١) لم تبطل شيئاً مما أخبر عنه تعالى، بل معنى، بل يكفي الحديث في هذه القصة ولندخل في قصة أخرى، وكذلك قوله تعالى «بل الذين كفروا في تكذيب» (٢) للإضراب عن الخبر فيما تقدم دون المخبر عنه، والتناقض بين المركبات مثل قولك سافر زيد لكن عمرو مقيم، فالإقامة تناقض السفر، فكأنك قلت ما زيد مقر لكن عمرو، فإن قلنا سافر زيد لكن عمرو فقيه لم يجز لعدم التناقض بين السفر والفقه، فلم يوجد ما يقوم مقام النفي من التناقض (٣) . والعدد يذكر فيه المؤنث ويؤنث فيه المذكر، ولذلك قلنا إن المراد بقوله تعالى «والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء» (٤) الأطهار دون الحيض لأن الطهر مذكر والحيضة مؤنثة، وقد ورد النص بصيغة التأنيث فيكون المعدود مذكراً لا مؤنثاً. هذا من الثلاثة إلى العشرة، أما الواحد والاثنان فاكتفت العرب فيهما بلفظ الجنس والواحد والتثنية، فيحصل لفظ واحد والعدد والمعدود معاص، أعني الوحدة والجنس، والتثنية والجنس، يقولون رجل ورجلان فيتعين المقصود، وأما رجال فيحتمل الثلاثة وغيرها من مراتب الأعداد فلا ينضبط المراد، فأتوا بلفظ العدد مع اللفظ الدال على الجنس فقالو: ثلاثة رجال وثلاث نسوة، فذكروا مع المؤنث لئلا يجتمع تأنيثان أحدهما في العدد والآخر في المعدود، وأنثوا المذكر لضرورة الفرق، والأمر كذلك إلى العشرة، فيجري الأحد عشر والاثني عشر على تأنيث المؤنث وتذكير المذكر، كما كانا قبل الوصول إلى التركيب مع العشرة، ومن الثلاثة عشر إلى التسعة عشر يكون الكلام له صدر وهو ما دون العشرة

стр. 109

وعجز وهو العشرة، فأما الصدر فيجري الحال فيه كما كان قبل العشرة من تذكير المؤنث وتأنيث المذكر فلا تنتقض قاعدته، وأما عجز الكلام وهو العشرة فيخالف صدره، فيؤنث مع المؤنث ويذكر مع المذكر، فنقول جاني خمسة عشر رجلاً وخمس عشرة امرأة، ولا تزال كذلك إلى التسعة عشر، وإذا قلت ثلاثمائة ذكرت، لأنه جمع المائة وهي مؤنثة، وإذا قلت ثلاثة آلاف أنثت، لأن الألف مذكر فأنثت في هذين على قاعدة ما قبل العشرة تذكر المؤنث وتؤنث المذكر.

стр. 110

الباب الثالث في تعارض مقتضيات الألفاظ يحمل اللفظ على الحقيقة دون المجاز، والعموم دون التخصيص، والإفراد دون الاشتراك، والاستقلال دون الإضمار، وعلى الإطلاق دون التقييد، وعلى التأصيل دون الزيادة، وعلى الترتيب دون التقديم والتأخير، وعلى التأسيس دون التأكيد، وعلى البقاء دون النسخ، وعلى الشرعي دون العقلي، وعلى العرفي دون اللغوي، إلا أن يدل دليل على خلاف ذلك، لأن جميع ما ادعينا تقديمه ترجح عند العقل احتمال وقوعه على ما يقابله والعمل بالراجح متعين. مُثل هذه: الأسد حقيقة في الحيوان المفترس مجاز في الرجل الشجاع، وقوله تعالى «وأن تجمعوا بين الأختين» (١) يحمل على عمومه دون التخصيص الذي هو الأختان الحرتان. دون المملوكتين، ولفظ النكاح يجعل لمعنى واحد وهو الوطء أرجح من كونه مشتركاً بينه وبين سببه الذي هو العقد (٢) والاستقلال كقوله تعالى «أن يُقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنفوا من الأرض» (٣) . يقول الشافعي ﵁: يقتلوا إن قتلوا وتقطع أيديهم إن سرقوا، ونحن نقول الأصل عدم الإضمار، والإطلاق كقوله تعالى «لئن أشركت ليحبطن عملك» (٤) قلنا مطلق الشرك محبط للعمل.

стр. 111

قال الشافعي ﵁ بل يقيد بالوفاة على الكفر قلنا الأصل عدم التقييد. ومثال الزيادة: قوله تعالى «لا اقسم بهذا البلد» (١) قيل لا زائدة وأصل الكلام أقسم بهذا البلد، وقيل ليست زائدة وتقدير الكلام لا أقسم بهذا البلد وأنت ليس فيه، بل لا يعظم ويصلح للقسم إلا إذا كنت فيه. والتقديم والتأخير: كقوله تعالى «والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة» (٢) الآية، فظاهرها أنه لا تجب الكفارة غلا بالوصفين المذكورين قبلها وهما الظهار والعود؛ وقيل فيها تقديم وتأخير تقديره والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة ثم يعودون لما كانوا من قبل الظهار سالمين من الإثم بسبب الكفارة، وعلى هذا لا يكون العود شرطاً في كفارة الظهار. ومثال التأكيد: قوله تعالى في سورة الرحمن «فبأي آلاء ربكما تكذبان» من أول السورة إلى آخرها، فإن جعلناه تأكيداً وهو مقتضى ظاهر اللفظ يلزم أن يكون التأكيد قد تكرر أكثر من ثلاث مرات، والعرب لا تزيد في التأكيد على ثلاث، فيحمل الآي في كل موطن على ما تقدم قبل لفظ ذلك التكذيب، ويكون التكذيب ذكر باعتبار ما قبل ذلك اللفظ خاصة فلا يتكرر منها لفظ فلا تأكيد البتة في السورة كلها، فقوله تعالى «يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (٣) ، فبأي آلاء ربكما تكذبان» فالمراد بآلاء خروج اللؤلؤء والمرجان خاصة، وكذلك جميع السورة، وكذلك القول في سورة «والمرسلات» فإن ظاهر تكرير قوله تعالى «ويل يومئذ للمكذبين» إنه تكرار وتأكيد فيلزم الزيادة على الثلاث، فيحمل على المكذبين بما ذكر قبل كل لفظ على حياله، فيكون الجميع تأسيساً لا تأكيداً. ومثال النسخ: اختلاف العلماء في إباحة سباع الطير، فقيل إنها مباحة لقوله تعالى «قل لا أجد فيما أوحي إلى مُحرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو

стр. 112

دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به» (١) فالحصر في هذه الأربعة يقتضي إباحة ما عداها ومن جملتها السباع، وورد نهيه b عن أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير، فقيل ناسخ للإباحة وقيل ليس ناسخاً والأكل مصدر أضيف للفاعل دون المفعول، وهو الأصل في إضافة المصدر بنص النحاة، فيكون الخبر مثل قوله تعالى «وما أكل السبع» (٢) ويكون حكمها واحداً، وبحثه مستقصى في الفقه في كتاب الذخيرة. ومثال العقلي: قوله ﵊ «الاثنان فما فوقهما جماعة» فإن حملناه على معنى الاجتماع وأنه حصل بهما فذلك معلوم بالعقل، وإن حملناه على حصول فضيلة الجماعة وذلك حكم شرعي وهو أولى، لأن رسول الله b إنما بعث لبيان الشرعيات. ومثال العرفي: قوله b «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» إن حملناه على اللغوي وهو الدعاء لزم أن لا يتقبل الله دعاء بغير طهارة ولم يقل به أحد، فيحمل على الصلاة في العرف وهي العبادة المخصوصة فيستقيم. فروع أربعة: الأول يجوز عند مالك والشافعي ﵄ وجماعةم ن أصحاب مالك استعمال اللفظ في حقائقه إن كان مشتركاص أو مجازاته أو مجازه وحقيقته، خلافاً لقوم، ويشترط فيه دليل يدل على وقوعه، وهذا الفرع مبني على قاعدة وهي أن المجاز ثلاثة أقسام جائز إجماعاً وهو ما اتحد محمله وقربت علاقته، وممتنع إجماعاً وهو مجاز التعقيد، وهو ما افتقر إلى علاقات كثيرة نحو قول القائل تزوجت بنت الأمير، ويفسر ذلك برؤيته لوالد عاقد الأنكحة بالمدينة، معتمداً على أن النكاح ملازم للعقد الذي هو ملازم للعاقد الذي هو ملازم لأبيه، ومجاز مختلف فيه وهو الجمع بين حقيقتين أو

стр. 113

مجازين أو مجاز وحقيقة فإن الجمع بين حقيقتين مجاز، وكذلك النافي، لأن اللفظ لم يوضع للمجموع فهو مجاز فيه، فنحن والشافعية نقول بهذا المجاز، وغيرنا لا يقول به لنا قوله تعالى «إن الله وملائكته يصلون على النبي» والصلاة من الملائكة الدعاء ومن الله الإحسان فقد استعمل في المعنيين احتجوا بأنه يمتنع استعماله حقيقة لعدم الوضع مجازاً لأن العرب لم تجزه والجواب منع الثاني. حرر الشيخ سيف الدين ﵀ هذا الموضع فقال: اللفظة الوحدة من متكلم واحد في وقت واحد إذا كانت مشتركة بين معنيين أو حقيقة في أحدهما مجازاً في الآخر، ولم تكن الفائدة فيهما واحدة هل يجوز أن يريد بها كلا المعنيين؟ خلاف فقصد باللفظة الواحدة الاحتراز عن اللفظتين فإنه يصح أن يريد بهما معنيين إجماعاً، وإن كان مشتركين فيهما، ويجوز للمتكلمين أن يريد أحدهما باللفظ المشترك أحد المعنيين ويريد الآخر المسمى الآخر إجماعاً وفي وقت واحد، احترازاً من إطلاق المتكلم الواحد اللفظ المشترك للمعنيين في وقتين، فإن ذلك جائز إجماعاً، فتقول: رأيت عيناً وتريد الباصرة، وفي وقت آخر رأيت عيناً وتريد الفوارة، وقوله ولم تكن الفائدة فيهما واحدة احترازاً من إطلاق اللفظ المشترك على معنيين مختلفين، والمقصود أمر مشترك بينهما، كما لو أطلقنا لفظ القرء ونريد به معنى الجمع أو الانتقال، أو غير ذلك من الأمور المشتركة بينهما، ولا نريد معه غيره، فهذا جائز إجماعاً بخلاف ما إذا أريد خصوص كل واحد منهما فهو محل الخلاف. وبهذا يظهر بطلان استدلال الحنفية على أن المراد بآية الإقراء في العدة الحيض بقوله ﵊ «اتركي الصلاة أيام إقرائك» فإن المراد الحيض إجماعاً، فيكون هذا بياناً للآية، مع أن المتكلم متعدد وفي وقتين، فجاز أن المتكلم الأول أراد الطهر والثاني أراد الحيض فلا دلالة في الحديث على ذلك قاله الشيخ سيف الدين الآمدي. فوائد: الأولى - القائلون بجواز الجمع اشترطوا أن يا يمتنع الجمع بينهما. الثانية: لم يقل منهم بوجوب الحمل عند التجرد إلا الشافعي والقاضي، ولم يوجب المعتزلة ذلك.

стр. 114

الفائدة الثالثة: اختلفوا في المنع هل هو لأجل الوضع أو القصد، والقائل بأنه للقصد الغزالي وأبو الحسين البصري. الفائدة الرابعة: بعض من منع من التعميم في الإيجاب قاله في النفي كان اللفظ مفرداً أو جمعاً. الفائدة الخامسة: قال ليس اللفظ المشترك عند الشافعي والقاضي إذا أريد به مجموع مسمياته مجازاً بل حقيقة كسائر الألفاظ العامة في صيغة العموم، ولهذا حمله عند التجرد على العموم. قلت: وكون المشترك من صيغ العموم وافق عليه المستصفى والبرهان وجماعة؛ حتى إن سيف الدين والجماعة لم يضعوا هذه المسألة إلا في باب العمومات. وقال الشيخ شرف الدين بن التلمساني في شرح المعالم اختلف المعممون فمنهم من قال حقيقة ويعزى للشافعي وهو بعيد، ومنهم من قال بطريق المجاز، وإليه مال إمام الحرمين. قلت: مسمى العموم واحد كما تقدم والمشترك مسمياته متعددة فليس من صيغ العموم ولأن الفرض في لفظ وضع لكل واحد بخصوصه لا لمشترك بين أفراد بوصف الكلية، ومن شرط العموم أن تكون أفراده غير متناهية والمشترك أفراده متناهية، فإن وضع للمجموع كان المسمى واحداً بغير اشتراك والفرض أنه مشترك، ولعل الشافعي ﵁ يريد بأنه حقيقة: أنه في كل فرد على حياله لا في الجميع، فلما كان مشتملاً على الحقيقة من حيث الجملة سماه حقيقة وسعاً، ويكون مدركه في الحمل على التعميم الاحتياط؛ ليحصل مقصود المتكلم قطعاً، وهو اللائق بمنصب هذا الإمام العظيم. الفائدة السادسة: مثَّل شرف الدين بن التلمساني استعمال المشترك في النفي بقوله لا عين لي فهل يعم جميع مسميات العين أم لا؟ الفائدة السابعة: قال النقشواني اللفظ المشترك إما مفرد أو جمع والمفرد إما معرف باللام أو منكر، والجمع إما مذكور بلفظ الكل والجميع، نحو اعتدي بكل قرء، وعلى التقادير فإما مكرر، نحو اعتدي بقرء قرء أو اعتدي بالإقراء

стр. 115

والإقراء، وكل ذلك إما في الثبوت أو النفي كما في النهي، أما المفرد المنكر غير المتكرر فلا يستعمل في معنييه نفياً ولا إثباتاً؛ لأن التنكير يقتضي التوحيد وهو يضاد الجمع، وإن كرر فقد جوز استعماله في جميع معانيه لاحتمال كل إطلاق لمعنى، والمذكور بلفظ الكل والجمع قالوا يجب الحمل على معانيه جميعاً لأنه لا كل ولا جمع في المفرد الواحد، لأن الحيض والطهر لا يمكن الحمل على جميع أفرادها فتعين الجمع بينهما، أما في مثل العين فقد يتصور ذلك فلا يجب الحمل، وإن كان بصيغة العموم أو مفرداً محلى باللام. قلت: والظاهر أن هذا التقسيم من النقشواني لا أنه منقول ونقلته، لأن فيه مجالاً للنظر والتفصيل، وأقرب ذلك إذا كرر المنكر أمكن أن يقال لا يتعين اللفظ الثاني في معنى ثان لصدق اللفظ على الأول، وأمكن أن يقال بل يتعين لئلا يلزم التأكيد والتكرار وهو خلاف الأصل، وكذلك العطف يثير أيضاً نوعاً من النظر، لأن الشيء لا يعطف على نفسه فيتعين التغاير والجمع بخلاف صورة عدم العطف، وكذلك إذا جاء التعريف بعد التنكير نحو اعتدي بقرء اعتدي بالقرء، هل يجعل اللام للعهد أو للعموم، موضع نظر، وكذلك إذا اجتمع العطف واللام يمكن القول بحصول التعارض؛ لما في العطف من موجب التغاير فيتعدد، وما في اللام من العهد فلا يتعدد؛ فكلها مباحث يمكن ملاحظتها. سؤال: استشكل الإبياري قول القاضي بالعموم في المشترك مع أنه مُنْكِر لصيغ العموم حيث اتحاد المسمى، وإنكار الجمع أقرب في المشترك وهو مشكل كما قاله. تنبه: الذين قالوا المانع من جهة القصد قالوا إنه باعتبار كونه مريداً لهذا الفرد غير مريد لذلك الفرد، وباعتبار كونه مريداً لذلك الفرد يكون مريداً له فيكون مريداً له ولا مريداً له، وكذلك كونه مريداً للحقيقة يقتضي أنه غير مريد للمجاز وكونه مريد للمجاز لا يكون مريداً للحقيقة، فيجتمع النقيضان، وإرادة اجتماع النقيضين محال.

стр. 116

وجوابه: أن اجتماع النقيضين باعتبارين ليس محالاً، ولا يكونان نقيضين ولا تناقض بينهما، والإرادة وعدمها هنا باعتبار جهتين. فائدة: احتجاجهم بآية الصلاة يرد عليه أنه يمكن إضمار الخبر عن الأول فلا يحصل مقصودهم، ويكون التقدير أن الله يصلي وملائكته يصلون، وكذلك قوله تعالى «ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض» إلى قوله تعالى «وكثير من الناس» (١) يمكن أن يقال يضمر ويسجد له كثير من الناس، فيكونان لفظين استعملا في معنيين فلا جمع، أو يكون لفظ السجود استعمل مطلق الانقياد دون خصوص الخضوع وخصوص وضع الجهة على الأرض، فيكون المراد واحداً فلا جمع. فائدة: عادة جماعة يقولون: الصلاة من الله تعالى بمعنى الرحمة ومن الملائكة بمعنى الدعاء؛ فقد جمع بين المعنيين، ويفسرون الصلاة في حق الله تعالى بالرحمة والدعاء، والدعاء مستحيل والرحمة مستحيلة لأنها رقة في الطبع، فيفسرون المستحيل بالمستحيل، وذلك غير جائز، فلذلك فسرتها بالإحسان؛ فأنه ممكن في حق الله تعالى، وقولي أول المسألة: وجماعة من أصحابنا أريد أصحاب مالك، وسبق القلم في الأصل إلى المالكية وصوابه ويجوز عند مالك والشافعي وجماعة من أصحاب مالك (٢) . الفرع الثاني: إذا تجرد المشترك عن القرائن كان مجملاً لا يتصرف فيه إلا بدليل بعين أحد مسمياته. وقال الشافعي حمله على الجميع احتياطاً. الفرع الثالث: إذا دار اللفظ بين الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح كلفظ الدابة حقيقة مرجوحة في مطلق ما دب والدابة مجاز في الحمار، فيحمل على الحقيقة عند أبي حنيفة ترجيحاً للحقيقة على المجاز، وعلى المجاز الراجح عند أبي يوسف نظراً للرجحان.

стр. 117

وتوقف الإمام في ذلك كله للتعارض. والظاهر مذهب أبي يوسف فإن كل شيء قُدِّم من الألفاظ إنما قدم لرجحانه والتقدير رجحان المجاز فيجب المصير إليه. وهنا دقيقة وهي أن الكلام إن كان في سياق النفي والمجاز الراجح بعض أفراد الحقيقة كالدابة والطلاق، فيكون الكلام نصاً في نفي المجاز الراجح بالضرورة فلا يتأتى توقف الإمام، وإن كان في سياق الإثبات والمجاز الراجح بعض أفراد الحقيقة فهو نص في إثبات الحقيقة المرجوحة بالضرورة، فلا يتأتى توقف الإمام، وإنما يتأتى له ذلك إن سلم له في نفي الحقيقة، والكلام في سياق النفي أو في إثبات المجاز والكلام في سياق الإثبات أو يكون المجاز الراجح ليس بعض أفراد الحقيقة كالراوية والنجو. وهذه المسألة مرجعها إلى الحنفية وقد سألتهم عنها ورأيتها مسطورة في كتبهم على ما أصف لك. قالوا المجاز إن كان مرجوحاً لا يفهم إلا بقرينة قدمت الحقيقة إجماعاً، وإن غلب استعماله حتى ساوى الحقيقة، ولا راجح ولا مرجوح بالكلية، فالحقيقة مقدمة عند أبي يوسف، ولا خلاف أيضاً، وإن رجح المجاز فله حالتان، تارة تمات الحقيقة بالكلية فيرجح أبو حنيفة إلى أبي يوسف ويقدم المجاز الراجح اتفاقاً، وإن كانت الحقيقة تتعاهد في بعض الأوقات فهذا موضع الخلاف، مثال المساوي لو حلف لا نكح والنكاح حقيقة في الوطء مجاز في العقد، فيحنث بالعقد في تساويهما. ومثال المجاز الراجح والحقيقة لا تراد، حلف لا يأكل من هذه النخلة واللفظ حقيقة في خشبها مجاز راجح في تمرها، وقد أميتت هذه الحقيقة فلا يأكل أحد خشبها فيوافق أبو حنيفة أبا يوسف، ولا يحنث إلا بالتمر. ولا يحنث بالخشب،

стр. 118

ومثال ما يتعاهد مع رجحان المجاز قوله لأشربن من النهر فهو حقيقة بأن يشرب بفيه يكرع من النهر، مجاز راجح إذا شرب من أداة؛ لأنه إذا غرف بالكوز وشرب فقد شرب من الكوز لا من النهر، لكنه المجاز الراجح المتبادر، والحقيقة، قد تراجع فإنه قد يكرع بعض الرعاة وآحاد الناس من النهر بفيه فلا يبر عند أبي يوسف إذا شرب بفيه وكرع، بل من الأدوات لأنه المجاز الراجح، ولا يبر عند أبي حنيفة حتى يشرب بفيه من غير أداة. فهذا صورة المسألة وتحريرها. وأما وجه بيان الحق فيها فقول الحنفية إنه إذا استوى الحقيقة والمجاز تقدم الحقيقة لأن الأصل تقديمها فغير متجه؛ لأن الحقيقة إنما قدمت لأنها أسبق للذهن من المجاز، وهذا السبق هو معنى قولنا الأصل في الكلام الحقيقة أي الراجح، فإذا ذهب هذا الرجحان بالتساوي بطل تقديم الحقيقة وتعين أن يكون الحق الإجمال والتوقف حينئذ؛ فتقديم الحقيقة حينئذ غير متجه، وقول الإمام ومن وافقه باطل بسبب أن المقدر رجحان المجاز، والرجحان موجب لتقدم الراجح في الألفاظ والأدلة والبينات وجميع موارد الشريعة فإهمال الرجحان هنا ليس بجيد. ثم قولهم: إن اللفظ لا ينصرف لأحدهما إلا بالنية، مع أن القاعدة أن النية إنما يحتاج إليها إذا كان اللفظ متردداً بين الإفادة وعدمها، أما ما يفيد معناه أو مقتضاه قطعاً أو ظاهراً فلا يحتاج للنية، ولذلك أجمع الفقهاء على أن صرائح الألفاظ لا تحتاج إلى نية لدلالتها إما قطعاً أو ظاهراً وهو الأكثر، وكذلك النقود إذا غلبت وصارت ألفاظ العقود تنصرف إليها ظاهراً انصرف للنقد الغالب من غير قصد ولا تعيين، وكذلك الأعيان المستأجرة تتعين بظاهرها للمنفعة المقصودة منها عادة، فالبقر ينصرف بظاهره للحرث والفرس للكر والفر وأنواع الركوب، والجمل للحمل، والعمامة للرأس، والقميص للجسد، والقدوم للنجر، والمسحاة للحفر وغير ذلك. والمعتمد في ذلك كله أو الظهور مغنٍ عن القصد والتعيين، إذا تقررت هذه القاعدة فنقول المجاز إن كان أجنبياً عن الحقيقة كالراوية والنجو فإن الرواية ليس بعض

стр. 119

أنواع الجمال، والنجو ليس بعض المواضع المرتفعة، بخلاف الحمار بعض أفراد الدابة، فإذا قال القائل ليس في الدار دابة فليس فيها حمار قطعاً؛ لأنا إن حملنا اللفظ على نفي الحمار انتفى، أو على نفي الحقيقة التي هي مطلق ما دب انتفى الحمار أيضاً؛ لأنه يلزم من نفي الأعم نفي الأخص، فصار الكلام نصاً في نفي المجاز الراجح فلا توقف على النية لانتفائه على كل تقدير، أما الحقيقة المرجوحة فهي منتفية على تقدير وغير منتفية على تقدير، فلما حصل التردد حسن توقيف الحكم عليها بالانتفاء على النية، وإن كان الكلام في سياق الثبوت كان نصاً في ثبوت أو المجاز الراجح ثبتت أيضاً؛ لأنه يلزم من ثبوت الأخص ثبوت الأعم، وإذا ثبت على كل تقدير امتنع توقيف إثبات الحكم لها على النية. والمجاز لما كان ثابتاً على تقدير، وليس ثابتاً على تقدير، حسن توقيف الحكم له على النية، فصارت الصور خمساً يمكن التوقيف على النية في ثلاث إذا سلم التوقيف، وإلا فهو ممنوع للرجحان؛ فالثلاثة: المجاز الأجنبي إذ لا يلزم من ثبوت حقيقته ثبوته ولا من ثبوته ثبوت حقيقته، وكذلك العدم والمجاز الراجح الذي هو بعض أفراد الحقيقة، والكلام في سياق الثبوت، والحقيقة المرجوحة، والكلام في سياق النفي، فهذا وجه البحث في هذه المسألة. المظهر أن الحق مذهب أبي يوسف وحده وإن توقف الإمام، إنما يتأتى في قسمين من الخمسة المتقدمة. الفرع الرابع: إذا دار اللفظ بين احتمالين مرجوحين فيقدم التخصيص والمجاز والإضمار والنقل والاشتراك على النسخ الأربعة الأول على الاشتراك والثلاثة الأول على النقل، والأولان على الإضمار، والأول على الثاني لأن النسخ يحتاط فيه أكثر لكونه يصير اللفظ باطلاً، فتكون مقدماته أكثر فيكون مرجوحاً، فتقدم لرجحانها عليه، والاشتراك مجمل عند عدم القرينة بخلاف الأربعة، والنقل يحتاج إلى اتفاق على إبطال وإنشاء وضع بعد وضع، والثلاثة يكفي فيها مجرد القرينة

стр. 120

فتقدم عليها، ولأن الإضمار أقل فيكون مرجوحاً، ولأن التخصيص في بعض الحقيقة بخلاف المجاز. هذه الأمور مرجوحة بالنسبة إلى أضدادها كما تقدم أول هذا الباب، لكنها إذا تعينت وفقد الراجح الذي هو الأصل، فإن انفرد واحد منها حمل اللفظ عليه، وإن اجتمع منها اثنان فأكثر ولم يتعذر الجمع بينها حمل اللفظ عليه، وإن اجتمع منها اثنان فأكثر ولم يتعذر الجمع بينها حمل اللفظ عليها إن دل على الجمع قرينة وإلا اقتصر على واحد منها تقليلاً لمخالفة الدليل بحسب الإمكان؛ لأن (١) أسباب الترجيح ما تقدم ذكره، فأولى الكل التخصيص، ثم المجاز، ثم الإضمار، ثم النقل، ثم النسخ، فالتخصيص يرجح بأن اللفظ يبقى في بعض الحقيقة كلفظ المشركين إذا بقي في الحربيين، وخرج غيرهم، والحربيون هم بعض المشركين، فهو مجاز أقرب للحقيقة. الوجه الثاني: أن البعض إذا خرج بالتخصيص بقي اللفظ مستصحباً في الباقي من غير احتياج إلى قرينة وهذان الوجهان لا يوجدان في غير التخصيص، والمجاز والإضمار كلاهما يحتاج إلى قرينة. واختلف قول الإمام فخر الدين فقال في المحصول: هما سواء، لأن كل واحد محتاج للقرينة. وقال في المعالم: المجاز أرجح من الإضمار لكثرة المجاز في اللسان، والإضمار أقل منه، والكثرة تدل على الرجحان، وهما يقدمان على النقل، لأن النقل لا يحصل إلا بعد اتفاق الكل على إبطال الوضع الأول وإنشاء وضع آخر وذلك متعذر أو متعسر، والمجاز والإضمار والتخصيص تكفي فيها القرينة فقدمت عليه، وقدم النقل على الاشتراك؛ لأن النقل إن عُلم حمل اللفظ على المعنى الثاني، وإلا حمل اللفظ على المسمى الأول، فلا يوجد اللفظ معطلاً أصلاً، وأما الاشتراك فإنه إن فقدت فيه القرينة بقي معطلاً مجملاً، فكان مرجوحاً بالنسبة إلى تلك الأربعة والنسخ إبطال الحكم بعد إرادته فيحتاط فيه أكثر، فلا ينسخ المتواتر بالآحاد، وتخصيصه بها وبالقرائن.

стр. 121

مثال تعارض الاشتراك والنقل قوله b «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً» يقول الشافعي ﵁: الطهارة في عرف الشرع منقولة إلى إزالة الحدث أو الخبث، ولا حدث، فيتعين الخبث. يقول المالكي: الطهارة لفظها مشترك في اللغة بين إزالة الأقذار والغسل على وجه التقرب إلى الله تعالى؛ لأنه مستعمل فيها حقيقة إجماعاً، والأصل عدم التغيير. مثال الاشتراك والإضمار قوله تعالى «امسحوا برءوسكم» (١) يقول الشافعي ﵁ يجوز الاقتصار على مسح بعض الرأس، لأن الباء مشتركة بين الإلصاق في الفعل القاصر وبين التبعيض في الفعل المتعدي، فتكون هنا للتبعيض لأنه فعل متعد؛ فلو قال امسحوا رءوسكم لصح، يقول المالكي هنا مضمر تقديره امسحوا ماء أيديكم برءوسكم، فالرأس ممسوح بها، والفعل لا يتعدى للآلة بغير باء وقد تقدم في باب الحروف بسطه (٢) مثال الاشتراك والمجاز يقولا لمالكي لا تحل المبتوتة (٣) إلا بالوطء لقوله تعالى «حتى تنكح زوجاً غيره» (٤) والنكاح حقيقة في التداخل مجاز في العقد، والأصل عدم المجاز، يقول سعيد بن المسيب ﵁: بل هو مشترك بين التداخل، والعقد، لأنه مستعمل فيهما، والأصل في الاستعمال الحقيقة فيكون مجملاً، فيسقط الاستدلال به، مثال تعارض الاشتراك والتخصيص قوله تعالى «فانكحوا ما طاب لكم من النسا» (٥) يقول المالكي: الطيب ميل النفس، وقد مالت نفس العقد على الأربع فيجوز له زواجهن، يقول الشافعي لو حمل على ميل النفس لزم التخصيص بالنساء اللاتي تحرم عليه، بل المراد بالطيب: الحلال، والنزاع في كون الأربع حلالاً، مثال تعارض النقل والإضمار قوله ﷺ

стр. 122

«والصائم المتطوع أمير نفسه» يقول الشافعي: يجوز إبطال الصوم المتطوع به لأنه وكله إلى مشيئته بعد نقله للصوم الشرعي، فيقول المالكي ليس منقولاً بل هو في مسماه اللغو، ومعنى الكلام الذي من شأنه أن يتطوع أمير نفسه، وسماه متطوعاً باعتبار ما يؤول إليه، وهذا الإضمار أولى من النقل. مثال تعارض النقل والمجاز قوله b «بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة» ويقول الحنبلي الصلاة منقولة للعبادة المخصوصة فمن تركها كفر، يقول المالكي الصلاة الدعاء لغة والدعاء طلب، ومن أعرض عن طلب الله فهو كافر، واستعمالها في هذه العبادة مجاز، والمجاز أولى من النقل. مثال تعارض النقل والتخصيص قوله تعالى «الذين يظاهرون من نسائهم» (١) الآية يقول المالكي فيلزم الظهار من الأمة لأنها من نسائه يقول الشافعي لفظ النساء صار منقولاً في عرف الشرع للحرائر المباحة فلا يتناول الأمة محل النزاع، ولو لم يكن منقولاً لزم التخصيص بذوات المحارم فإنهن من نسائه. مثال تعارض الإضمار والمجاز قوله تعالى «إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم (٢) » الآية يقول المالكي والشافعي: تقديره إذا قمتم محدثين، ولولا هذا الإضمار لكان الأمر بالطهارة بعد الصلاة، يقول السائل هذا المحذور يزول بجعل القيام مجازاً عبر به عن إرادة القيام. مثال تعارض الإضمار والتخصيص قوله تعالى «فكلوا مما أمسكن عليكم» (٣) والضمير في أمسكن عام، فيقول المالكي الكلب طاهر لاندراجه فيها مع جواز أكل ما أمسك ولو كان نجساً لحرم حتى يغسل والأصل عدم ذلك. يقول الشافعي: يلزم جواز أكل كل ما أمسك بعد القدرة عليه من غير ذكاة، وليس كذلك، فيلزم التخصيص، بل هنا إضمار تقديره كلوا من حلال ما أمسكن عليكم، وكون موضع فمه حلالاً محل النزاع.

стр. 123

مثال تعارض المجاز والتخصيص قوله تعالى «وأتموا الحج والعمرة لله» (١) يقول الشافعي الأمر للوجوب فتجب العمرة، يقول المالكي تخصيص النص بالحج والعمرة المشروع فيهما، لأن استعمال الإتمام في الابتداء مجاز. وفي هذه المواطن مباحث ومثل كثيرة نقلتها في كتاب شرح المحصول وجعلتها مسائل خلاف مستقلة ومعها مباحث شريفة هنالك لا يحتمل هذا الشرح المختصر ذلك.

стр. 124

الباب الرابع في الأوامر وفيه ثمانية فصول الفصل الأول في مسماه ما هو أما لفظ الأمر فالصحيح أنه أهم لمطلق الصيغة الدالة على الطلب من سائر اللغات لأنه المتبادر للذهن منها، هذا مذهب الجمهور، وعند بعض الفقهاء مشترك بين القول والفعل، وعند أبي الحسين مشترك بينه وبين الشأن والشيء والصفة، وقبل هو موضوع للكلام النفساني دون اللساني وقيل هو مشترك بينهما. يتحصل أن الأمر والهي وما سواهما مما يتعلق بالكلام هل ذلك موضوع للساني أو النفساني، أو مشترك بينهما؟ ثلاثة مذاهب. حجة الأول المبادرة للفهم، وحجة الثاني بيت الأخطل وهو: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليل وحجة الاشتراك الجمع بين الأدلة، والاشتراك هو المشهور، وإذا قلنا بأنها حقيقة في اللساني فقط فيكون مدلولها لفظاً وهو القدر المشترك بين جميع صيغ الأوامر، وعلى هذا اختلفوا هل هي مشتركة بين القول المذكور وبين الفعل؟ نحو قولنا: كنا في أمر عظيم إذا كنا في الصلاة - وقال أبو الحسين هو موضوع مع القول المذكور للشيء أيضاً نحو قولنا ائتني بأمر ما، أي شيء، وللشأن نحو قوله

стр. 125

تعالى «وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر» (١) معناه ما شأننا في إيجادنا إلا ترتب مقدورنا على قدرتنا وإرادتنا من غير تأخر كلمح بالبصر، والصفة كقول الشاعر: عزمت على إقامة ذي صباح ... لأمر ما يُسوِّد من يَسُود أي لصفة ما يسود من يسود. وأما اللفظ الذي هو مدلول الأمر فهو موضوع عند مالك ﵀، وعند أصحابه للوجوب، وعند أبي هاشم للندب، وللقدر المشترك بينهما عند قوم، وعند آخرين لا يعلم حاله. في الأمر سبعة مذاهب: للوجوب، للندب، للقدر المشترك بينهما - اللفظ مشترك بينهما، لأحدهما، لا يعلم حاله، للإباحة، الوقف في ذلك كله، ذكرها الإمام فخر الدين في المحصول، والمعالم بعضها هنا وبعضها هنا، حجة الوجوب قوله ﵊ «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» ولفظة (لولا) تفيد انتفاء الأمر لوجود المشقة، والندب في السواك ثابت، فدل على أن الأمر لا يصدق على الندب بل ما فيه مشقة، وذلك إنما يتحقق في الوجوب. وقوله تعالى لإبليس «ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك» (٢) ذمه على ترك المأمور به، وذلك يقتضي الوجوب، لأن الذم لا يكون إلا في ترك واجب أو فعل محرم. وقوله تعالى «وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون» (٣) ذمهم على ترك الركوع إذ أمروا به، هو دليل الوجوب. حجة الندب: أن الأمر ورد تارة للوجوب كما في الصلوات الخمس وتارة للندب كصلاة الضحى، ومن القسمين صور كثيرة في الشريعة، والاشتراك والمجاز خلاف الأصل، فوجب جعله حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو رجحان الفعل وجواز

стр. 126

الترك، لأنه الأصل من جهة براءة الذمة، وهذا بعينه هو مدرك القدر المشترك بينهما، إلا أنا نسكت عن جواز الترك ونقول هو مستفاد من الأصل لا من اللفظ، وحجة أنه لأحدهما لا بعينه وروده في القسمين، والأصل عدم الاشتراك، ولم يدل دليل على أنه أخص بأحدهما، فيجزم بالوضع، ويتوقف في تعيين الموضوع له حجة الإباحة أن الأقسام كلها مشتركة في جواز الإقدام، فوجب القول به حتى يكون اللفظ حقيقة في الجميع، والأصل عدم اعتبار الخصوصيات. وحجة القاضي في التوقف في جميع الأقسام: تردد الصيغة بينهما، فلو علم أنه موضوع لأحدهما بعينه فإما بالعقل ولا مجال له في اللغات، أو بالنقل وهو إما تواتر أو آحاد، والأول باطل، وإلا لحصل العلم وارتفع الخلاف. والثاني لا يفيد إلا الظن، وهو لا يكفي في القواعد الأصولية. والجواب أن المعلوم من حال الصحابة رضوان الله عليهم المبادرة لحمله على الوجوب كقوله ﵊ في المجوس «سنّوا بهم سنة أهل الكتاب» لما رواه عبد الرحمن بن عوف، ولم يتوقفوا في حمله على الوجوب، وكذلك قوله ﵊ «خذوا عني مناسككم» ، «صلوا كما رأيتموني أصلي» وغير ذلك من أوامره ﵊. وقال الله تعال «وما آتاكم الرسول فخذوه» (١) ، وأما قول القاضي لو علم بالتواتر لحصل العلم فمسلم. قوله: وارتفع الخلاف ممنوع؛ فإن التواتر لا يلزم عمومه لجميع الناس، فقد تتواتر قضية في الجامع يوم الجمعة بأن المؤذن سقط من أعلى المنار ولا يعلم بقية أهل البلد ذلك فضلاً عن البلاد النائية، وإذا لم يعلم أمكن الخلاف ممن لا يبلغه ذلك التواتر. وهو عنده أيضاً للفور وعد الحنفية، خلافاً لأصحابنا المغاربة والشافعية وقيل بالوقف. قال القاضي عبد الوهاب في الملخص: الذي ينصره أصحابنا أنه على الفور، وأخذ

стр. 127

من (١) قول مالك إنه للفور من أمره بتعجيل الحج، ومنعه من تفرقة الوضوء، وعدة مسائل في مذهبه، ووافق القاضي أبو بكر الشافعية في التراخي؛ واختلف العلماء هل صح في الوجوب فقط أو يعمهما؟ قال وهو الصحيح، واتفقوا على أن الخلاف لا يتصور إذا قلنا إنه للتكرار والدوام؛ بل يتعين الفور. واختلف القائلون بالفور فقيل لا يتصور ذلك إلا إذا تعلق الأمر بفعل واحد، وقيل يتصور ذلك إذا تعلق مجمله أفعال. ثم اختلف القائلون بأنه يقتضي فعلاً واحداً فتركه، هل يجب عليه الإتيان بدله بنفس الأمر الأول أو لا يجب إلا بنص آخر؟ فأكثرهم على الأول. والقائلون بالتراخي اختلفوا هل يجوز تأخيره إلى غير غاية، فقال بعضهم إلى غير غاية على الإطلاق، وقيل إلى غير غاية بشرط السلامة، فإن مات قبل الفعل أثم، وقيل لا إثم عليه إلا أن يغلب على ظنه فواته ولم يفعله، وفصَّل آخرون فقالوا إ، غلب على ظنه أنه لا يموت فمات لم يأثم كرامي السهم يغلب على ظنه السلامة، وهو مختار القاضي أبي بكر، والقائلون بالتأخير اختلفوا، فمنهم من قال لا يجوز التأخير إلا إلى بدل، وهو العزم على أدائه في المستقبل ليفارق المندوب، وقيل العزم ليس ببدل بل هو شرط في جواز التأخير. والقائلون بأنه بدل اختلفوا، فمنهم من قال بدل من نفس الفعل، وقيل بدل من تقديمه، واحتج من قال بأن التراخي لا يتأتى إلا في الواجب أن التراخي معناه لا يأثم بالتأخير، وذلك متعذر في المندوب، لتعذر الإثم في نفسه في المندوب، وجوابه: أنه قد يندب على التراخي كما في صدقة التطور، وقد يكون على الفور كما في تحية المسجد. حجة التراخي في الواجب: أن الأمر إنما يدل على الطلب وهو أعم من الوجوب على التعجيل، فوجب أن لا يدل على الفور إلا بدليل فيكون مخيراً وهو التراخي.

стр. 128

حجة الفور قوله لإبليس «ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك» (١) فلولا الفور لكان من حجة إبليس أن يقول إنك أمرتني بالسجود ولم توجب على الفور فلا أعتب، وحجة القول بأنه إذا فات لا يلزم مثله في وقت آخر إلا بدليل منفصل: إن الأوامر تابعة للمصالح، وكون الأوقات المستقبلة مساوية للوقت الحاضر أمراً مشكوكاً فيه، فوجب أن لا يجب إلا بأمر جديد يدل على مساواة الزمن الثاني للأول في المصلحة. فإن الأصل عدمها فضلاً عن مساواتها. حجة القول بأنه يلمه في الزمن الثاني بالأمر الأول: أن الأمر دل على أصل الفعل والزمن الفوري والدال على المركب دال على مفرداته بالتضمن، وقد تعذر أحد الجزئين وهو الزمن الفوري، فيوجب أن يبقى الأمر متعلقاً بالجزء الآخر، وهو أصل الفعل، فيفعله المأمور في أي زمان شاء بعد ذلك. وهو عنده للتكرار، قاله ابن القصار من استقراء كلامه، وخاله أصحابه وقيل بالوقف، لنا قوله تعالى لإبليس ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك رتب الذم على ترك المأمور به في الحال، وذلك دليل الوجوب والفور، وأما التكرار للصحة للاستثناء في كل زمان من الفعل. قال القاضي عبد الوهاب في الملخص: مذهب أصحابنا للمرة الواحدة، وقاله كثير من الحنفية والشافعية، قلت: وقال الشيخ أبو إسحق الشيرازي في كتاب اللمع: إن القائلين بالتكرار قالوا بذلك في أزمنة الإمكان دون أوقات الضرورات، فيكون على هذا إطلاق غيره محمولاً على تقييده، وقولي في أصل الكتاب: عنده، أريد مالكاً، ويدل على التكرار أنه لو لم يكن للتكرار لامتنع ورود النسخ عليه بعد الفعل، ولأنه ضد النهي، وهو لتكرار، فيكون للتكرار؛ لأن العرب تحمل الشيء على ضده كما تحمله على مثله، كما نصبوا (بلا) قياساً على (أن) وهي ضدها، وحجة المرة الواحدة أنه ورد التكرار كما في الصلوات الخمس، وللمرة الواحدة كما في الصلاة على رسول الله محمد ﷺ ، والأصل عدم المجاز

стр. 129

والاشتراك، فوجب جعله حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو أصل الفعل حجة الوقف تعارض الأدلة. فإن علق على شرط فهو عنده وعند جمهور أصحابه، والشافعية للتكرار، خلافاً للحنفية. القائلون بالتكرار عند عدم الشروط قائلون به مع الشرط بطريق الأولى، لأن الشروط اللغوية أسباب، والحكم يتكرر بتكرر سببه، فيجتمع أمران لتكرار الوضع والسببية. وأما من قال بعدم التكرار عد عدم التعليق، فاختلفوا عند التعليق، فمنهم من طرد أصله وقال بعدم التكرار، ومنهم من خالف أصله لأجل السببية الناشئة من التعليق. قال القاضي عبد الوهاب: القائلون بعدم التكرار في الأمر المطلق قالوا به عند تكرار الشرط والصفة وهو قول كثير من أصحابنا وأصحاب الشافعي، وقال الباقون من أصحابنا وأصحاب الشافعي وأبي حنيفة: لا يقتضيه، قال وهو الصحيح. واختلف في النهي إذا قلنا إنه لا يقتضي التكرار، فهل يتكرر عند تكرر الشرط والصفة؟ وقال الصحيح تكرار النهي عند التعليق بخلاف الأمر. حجة القول بعدم التكرار عند وجود الشرط كقوله: إن زالت الشمس فصل، أو الصفة كقوله تعالى «الزانية الزاني فاجلدوا» أن هذا ليس فيه إلا الربط بالشرط. والصفة، والربط أعم من كونه يوصف بالدوام، والدال على الأعم غير دال على الأخص، فوجب أن لا يدل على التعليق على التكرار، حجة التكرار أن الصفة والشرط يجريان مجرى العلة، والحكم يتكرر بتكرر علته. مسألة: قال القاضي عبد الوهاب: فإن كرر الأمر كقوله اضرب زيداً اضرب زيداً أو صل ركعتين صل ركعتين. قال: فالصحيح التكرار؛ كأن الأمر أوجب أو الندب، ما لم يمنع مانع، وقيل لا يتكرر. وقال بعد الواقفية بالوقف، قال والخلاف في ذلك إنما يتصور في الأمر الثاني إذا كان من جنس الأمر، أما غير الجنس فيتعين أن يكون مستأنفاً، وهو متفق عليه نحو صل صم، وكذلك لا يتصور الخلاف أيضاً إلا قبل صدور الفعل الأول، فإذا قال له صم بعد أن صام

стр. 130

يوماً تعين الاستئناف، حجة التكرار أن الأصل أن الفظ يحقق مقتضاه وأن يفيد معناه، وقد تكرر فيتكرر المعنى، حجة عدم التكرار أن الأول محقق والثاني يحتمل أن يكون إنشاء ويحتمل التأكيد، فلا يحمل على الإنشاء إلا بدليل (١) لأن الأصل براءة الذمة. مسألة: قال القاضي عبد الوهاب: موانع التكرار أمور: أحدها إنه يمتنع التكرار إما عقلاً كقتل المقتول وكسر المكسور، وكذلك صم هذا اليوم، أو شرعاً كتكرار العتق في عبد فإنه كان يمكن أن يكون العتق كالطلاق. يتكرر ويكمل بالثلاث، وثانيها أن يكون الأمر الأول مستغرقاً للجنس فيتعين حمل الثاني على الأول، وكذلك الخبر كقوله: اجلدوا الزناة، أو خلقت الخلق فيتعين حمل الثاني على الأول وثالثها أن يكون هنالك عهد أو قرينة حال يقتضي الصرف للأول. مسألة: قال: وإذا عطف على الأول أمر آخر ليس ضد الأول بل خلافه حمل على التكرار نحو: اركعوا واسجدوا، وإن كان ضده فكذلك؛ لأن الشيء لا يؤكد بضده، ويشترط في ذلك أن يكون في وقتين نحو أكرم زيداً وأهنه (٢) ، وإن اتحد الوقت حمل على التخيير، ولا يحمل على النسخ، لأن من شرطه التراخي حتى يستقر الأمر الأول ويقع التكليف والامتحان به، وتكون الواو حينئذ بمعنى (أو) حتى يحصل التخيير، وإن ورد الثاني بمثل الأول، لأن العطف يقتضي التغاير، واختاره القاضي أبو بكر، وهو الذي يجيء على قول أصحابنا. وقيل يكون الثاني هو عين الأول، وكما أن العطف يقتضي التغاير فالأصل براءة الذمة، ولا بد في هذا المذهب من التفصيل المتقدم من إمكان التكرار واستحالته. لنا اتفاق النحاة على أن الشيء لا يعطف على نفسه، ولذلك منعوا العطف في التأكيد نحو رأيت زيداً نفسه وعينه، لأن التأكيد غير المؤكد، ولم يمنعوه في النعت لأن النعت غير المنعوت نحو رأيت زيداً الظريف والعاقل.

стр. 131

فرع غريب: (١) إذا كان الأول مستغرقاً للجنس والثاني يتناول بعضه كقوله تعالى «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى (٢) قيل يكون الثاني نقضاً للأول. قال القاضي عبد الوهاب: والصحيح أن ذلك محمول على ما سبق للوهم عند السامع من التفخيم والتعظيم للاسم المذكور، ثانياً اهتماماً به، فأفرد بالذكر؛ لأن العرب إذا اهتمت بنوع من جنس أو فرد منه أفردته بالذكر اهتماماً، ومنعاً له من أن يعتقد أن العموم مخصوص به وأنه يجوز خروجه منه، فمع التنصيص يمتنع ذلك، وإن كان الثاني أعم من الأول نحو: اقتلوا أهل الأوثان، واقتلوا جميع المشركين ففيه الخلاف المتقدم. قال: والصحيح التفخيم أيضاً والبداءة بما هو أهم، وإن كان غالب الكلام أن يؤخر، فقد تقدم. فرع: قال الإمام فخر الدين: إذا تكرر الأمر والأول منكَّر والثاني معرَّف، نحو صل ركعتي صل الركعتين، أو صل الصلاة. يصرف للأول لأنها لام العهد، فإن عطف نحو صل ركعتين وصل الركعتين أو صل الصلاة فعند أبي الحسين الأشبه الوقف لأن العطف يعارضه لام العهد، فيجب الوقف. قال: وعندي يحمل على التغاير، لأن لام الجنس كما تستعمل للعهد تستعمل لبيان حقيقة الجنس؛ كقول السيد لعبد اشتر لنا الخبز واللحم، فما تعينت معارضتها للعطف، قال والأشبه إذا عطف العام على الخاص الوقف لأنه ليس ترك ظاهر العموم أولى من ترك ظاهر العطف. ويدل على الإجزاء عند أصحابه خلافاً لأبي هاشم؛ لأنه لو بقيت الذمة مشغولة بالفعل لم يكن أتى بما أمر به؛ والمقدر خلافه؛ وهذا خلف. الكلام في هذه المسألة شبيه بالكلام في مفهوم الشرط، فإذا قال لامرأته أنت طالق إن دخلت الدار فلم تدخل، يقول القاضي الشرط لا مفهوم له يدل على

стр. 132

عدم طلاقها عند عدم الدخول، بل عدم طلاقها مأخوذ من الاستصحاب في العصمة السابقة، والقائلون بالمفهوم يقولون عدم الطلاق من ذلك ومن مفهوم الشرط كذلك هنا الإنسان ولد بريئاً من الحقوق كلها، ورد الأمر باقتضاء شغل الذمة بذلك الفعل، فإذا أتى به كان الإجزاء وهو براءة ذمته بعد ذلك مستفاداً من الاستصحاب للبراءة لا من الإتيان بالمأمور به، وغيره يقول بل بالأمرين، والإجزاء عبارة عن سقوط التكليف. وقولي عند أصحابه، أعني مالكاً ﵀، وما ذكرته من الدليل هو مستند الإمام في المحصول وليس بشيء؛ لأنه قال إن الأمر لو لم يدل على الإجزاء لبقي الأمر إما متعلقاً بذلك الفعل الواقع أو بغيره، والأول محال، لئلا يلزم تحصيل الحاصل، والثاني يقتضي أنه ما أتى بما أمر به، والمقدر خلافه فلا يبقى الأمر متعلقاً بعد الإتيان بالمأمور به. هذا هو بسط ما ذكرته في الأصل، وهو قول الإمام في المحصول، غير أنه جعل عدم الدلالة نفس الدلالة على العدم، فإنه أنما بين أن الأمر لم يبق متعلقاً، وعدم تعلقه عدم دلالته، ومقصود هذه المسألة الدلالة على البراءة، وهي الدلالة على العدم وأين أحدهما من الآخر؟! فسورة الإخلاص فيها عدم الدلالة على وجوب الزكاة، وليس فيها دلالة على عدم وجوب الزكاة، فتأمل ذلك. واختلفت عبارة العلماء في هذه المسألة فبعضهم يقول الأمر يدل على الإجزاء بمعنى أنه يدل على وجوب فعل لو فعل أجزأ وبرئت الذمة، والأمر يدل بوسط، وبعضهم يقول الإتيان بالمأمور به يقتضي الإجزاء وهذا بغير وسط فهو أولى، قال القاضي عبد الوهاب: والذي يقتضيه مذهب أصحابنا المالكية أن الأمر يقتضي إجزاء المأمور به وهو قول جميع الفقهاء، قال وذهب أكثر من تكلم في الأصول إلى أنه لا يقتضي الإجزاء ومرادهم أنه لا يفيد بمجرده (١) أنه لا يلزم المكلف فعل مثله على وجه القضاء، لنا أنه يمتنع من العاقل الحكيم أن يقول لعبده افعل كذا فإذا فعلته على الوجه

стр. 133

المعتبر لا يجزى عنك ويجب عليك الإتيان بمثله، ثم يلزم ذلك في المثل أيضاً، وذلك مخالف لطريقة العقلاء، بل المقصود حصول المصلحة، فإذا حصلت اكتفى العقلاء بها، هذه هو شأن اللغة. وأما جواز تكليف ما لا يطاق وعدم اعتبار حصول المصالح حصلت أم لا فهذا إنما يبحث (١) بالنسبة إلى ما لا يحوز على الله تعالى، لا بالنسبة إلى اللغة، وكلامنا في اللغة من حيث هي لغة هل هي من هذا القبيل أم لا، لا في جهة الربوبية وما كان يجوز عليها. والجواب عن الأول: أن كلامنا في الفعل المستجمع للشرائط في نفس الأمر لا في ظن المكلف فقط. وعن الثاني: أن تلك الأفعال مجزئة عن الأمر الوارد بالتمادي. وعن الثالث: أنا لا نسلم أن النهي لا يدل شرعاً على الفساد بل يدل عليه. وعل النهي عن أضداد المأمور به عند أكثر أصحابه من المعنى لا من اللفظ خلافاً لجمهور المعتزلة وكثير من أهل السنة. أريد بالضمير في قولي وأصحابه: مالكاً ﵁، وقولي من المعنى أريد به أن الأمر يدل بالالتزام لا بالمطابقة، قال القاضي عبد الوهاب في الملخص: قال المتكلمون ومن وافقهم في إثبات الصفات ونفي خلق القرآن أن الأمر بالشيء نهي عن ضده إذا كان ذا ضد واحد، وعن جميع أضداده إذا كان له أضداد، وقاله الأشعري

стр. 134

وغيره، وقيل يشترط في ذلك أن يكون وجوباً لا ندباً، حكاه القاضي أبو بكر، وقال: ويشترط فيه أيضاً أن يكون مضيقاً لأن الموسع لا ينهى عن ضده لقبول الوقت لهما، وقال القاضي هو نهي عن ضده كان وجوباً أو ندباً، وقالت إن كان وجوباً نظاهر وإن كان ندباً يكون النهي عن الضد على سبيل الكراهة، وفي الأول على سبيل التحريم. ومن محاسن العبارة في هذه المسألة أن يقال: إن الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده، والنهي عن الشيء أمر بأحد أضداده، فإذا قال له اجلس في البيت فقد نهاه عن الجلوس في السوق والحمام والمسجد والطريق وجميع المواضع، فإذا قال لا تجلس في البيت؛ فقد أمره بالجلوس في أحد المواضع ولم يأمره بالجلوس في كلها. لنا أن الأمر بالشيء يدل على الوجوب؛ ومن لوازم الوجوب ترك جميع الأضداد، والدال على الشيء دال على لوازمه؛ فالأمر دال بالالتزام على ترك جميع الأضداد. احتجوا بأن الآمر بالشيء قد يكون غافلاً عن ضده والغافل عن الشيء لا ينهى عنه. وجوابه: أن القصد إنما يشترط في الدلالة باللفظ التي هي استعمال اللفظ، أما دلالة اللفظ فلا، وهذا من قبيل دلالة اللفظ لا من قبيل الدلالة باللفظ، وقد تقدم الفرق بينهما، وأن دلالة الالتزام من هذه دون تلك. واعلم أن هذه المباحث تتعلق بالكلام اللساني. أما الكلام القديم النفساني فنفس الأمر هو نفس ما هو نهي؛ لأن كلام الله تعالى واحد، ولا يقال بالالتزام بل هو هو، ولا دلالة للنفساني توصف بالتزام (١) ولا مطابقة، بل الفرق بينهما من حيث التعلق فقط والحقيقة واحدة. ولا يشترط فيه علو الآمر، خلافاً للمعتزلة، واختار الباجي من المالكية والإمام فخر الدين وأبو الحسين والمعتزلة الاستعلاء، ولم يشترط غيرهم

стр. 135

الاستعلاء ولا العلو، والاستعلاء في هيئة الأمر من الترفع وإظهار القهر؛ والعلو يرجع على هيئة الآمر من شرفه وعلو منزلته بالنسبة إلى المأمور. قال القاضي عقد الوهاب في الملخص: الذي عليه أهل اللغة وجمهور أهل العلم اشتراط العلو واختاره هو أيضاً أعني القاضي عبد الوهاب، وقال الإمام فخر الدين إن الذي عليه المتكلمون أنه لا يشترط لا علو ولا استعلاء لأنه صيغة موضوعة لمعنى، فيصح مع هذه الصفات وأضدادها كالخبر والاستفهام والترجي والتمني، فإنها تصدق مع العلو والدنو والاستعلاء والتواضع، ولا يختلف الحال بحسب اختلاف حال المتكلمين بها، حجة العلو أنه لا يحسن في العادة أمرت الله إذا دعوته، ولا أمرت الملك ولا أمير المدينة، مع أن قولنا اهدنا واغفر لنا يا ربنا هي صيغة الأمر، وكذلك مخاطبات الملوك والأمراء، ولما تعذر تسمية ذلك أمراً في العرف وجب أن يقال إنه لغة كذلك، لأن الأصل عدم النقل والتغيير، فوجب أن يكون العلو شرطاً وتكون هذه الصيغة مع الدنو مسألة، وفي حق الله تعالى خاصة تسمى دعاء، ومع التساوي تسمى التماساً. حجة الاستعلاء في أن من صدر منه الأمر برفق لا يقال آمر ومع الاستعلاء يقال له آمر، ولذلك يصفون من فعل ذلك بالحمق، ويقولون للعبد أتأمر سيدك إذا استعلى في لفظه، وإذا لم يستعل لا يقولون له ذلك، فدل على أن الاستعلاء شرط، ويرد على الفريقين أن الله تعالى يقال لهذه الصيغة في كتابه أمر إجماعاً، مع أن الله تعالى خاطب عباده أحسن الخطاب وألينه، فقال «اتفقوا الله الذي تساءلون به» (١) وفي موضع آخر «الذي خلقكم من نفس واحدة» إلى غير ذلك من التذكير بجميل نعمه وجزيل إحسانه، ومعلوم أن هذا ضد الاستعلاء، وقالت بلقيس لقومها «ماذا تأمرون» (٢) وهي أعلى منهم، وقال دريد بن الصمة:

стр. 136

أمرتهمُ أمري بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد وكان المأمور من هو أعظم منه في قومه، وقال عمرو بن العاص لمعاوية ﵄: أمرتك أمراً جازماً فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادماً ومعاوية أعلى منه؛ فدل على عدم اشتراط العلو. وأما كوننا لا نسمي طلبنا من الله تعالى أمراً فللأدب، وكذلك مع الملك وغيرهم، ولا يلزم من ترك إطلاق اللفظ للأدب أن لا يكون لغة كذلك، كما أنا لا نسمي الله تعالى علامة ولا سبحيا وإن كانت المسميات بذلك موجودة، ولكن حصل المنع لأجل إيهام التأنيث في العلامة (١) وأن العطاء بالسبحية التي لا تكون إلى في جسم؛ فكذلك هنا. ولا يشترط فيه إرادة المأمور به ولا إرادة الطلب خلافاً لأبي علي وأبي هاشم من المعتزلة؛ لنا أنها معنى خفي يتوقف العلم به على اللفظ فلو توقف اللفظ عليها لزم الدور. الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة في الإرادة ثلاثة مواطن: أحدها أنه هل يشترط إرادة استعمال اللفظ في الوجوب أم لا؟ فقالوا صيغة الأمر تستعمل في خمسة عشر محملاً. منها الوجوب، والندب، والتهديد، والتخيير، وغير ذلك، فلا يتعين الوجوب إلا بالإرادة. وأجيبوا بأنها موضوعة للوجوب، فينصرف للوجوب بمجرد الوضع كسائر الألفاظ، والمحتاج للنية إنما هو المجاز. وثانيها: إرادة المأمور به فعندهم لا يأمر الله تعالى إلا بما يريد وعندنا ليس بين الأمر والإرادة ملازمة بل يأمر بما يريد في حق الطائع وربما لا يريد في حق

стр. 137

العاصي وبسط هذا في كتاب أصول الدين (١) . ونقول الآن: إن الله تعالى علم أن الكافر لا يؤمن وعلم أن خلاف معلومه تعالى محال، وعلم أن الإرادة لا تتعلق بالمحال، فمن المحال إرادته تعالى الإيمان للكافر مع أنه مأمور به إجماعاً، فقد وجد الأمر بدون الإرادة. وثالثها: أن هذه الإرادة التي هي إرادة المأمور به هل تفيد الصيغة أمرية فتصير أمراً، ومع غير هذه الإرادة الصيغة تكون تهديداً أو غيره، فقيل لهم هذه الصيغة التي هي الأمرية إن قامت بحرف واحد كان ذلك الحرف وحده أمراً وإن قامت بأكثر من حرف قام الشيء الواحد بمحلين وهو محال. الفصل الثاني ورود الأمر بعض الحظر إن ورد بعض الحظر اقتضي الوجوب عند الباجي ومتقدمي أصحاب مالك وأصحاب الشافعي والإمام فخر الدين، خلافاً لبعض أصحابنا وأصحاب الشافعي في قولهم بالإباحة، كقوله تعالى «وإذا حللتم فاصطادوا» (٢) بعد قوله تعالى «لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم» (٣) لأن الأصل استعمال الصيغة في مسماها. قال القاضي عبد الوهاب في الملخص الحظر قسمان تارة يرد معلقاً بغاية أو شرط

стр. 138

أو علة، فإذا ورد الأمر بعد زوال ما علق الحظر عليه أفاد الإباحة عند جمهور أهل العلم، كقوله ﵊ «كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث من أجل الرأفة، (١) فكلوا منها وادخروا» وكالآية المتقدمة وكذلك «فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض» (٢) بعد قوله تعالى «وذروا البيع» (٣) وتارة يرد غير معلل بعلة عارضة ولا معلق بشرط، فمذهب مالك وأصحابه أنه للإباحة ولذلك احتج على عدم لزوم الكتابة بقوله إنما ذلك توسعة من الله على عباده. وقال أكثر أهل الأصول أنه يقتضي الوجوب، وأنه يحمل على ما كان يحمل عليه ابتداءً من وجوب أو ندب، إن قلنا إنه موضوع للندب، أو على الوقف إن قلنا بالوقف. وحكى الإمام فخر الدين أن الحظر إذا ورد بعد الأمر هل يحمل على التحريم أم لا؟ قولان. وتقرير هذا الفصل أن الوجود والعدم مستويان بالنسبة إلى الفعل لأنه ممكن وكل ممكن يستوي الوجود والعدم بالنسبة إليه، والأمر يرجح جهة الوجود، والنهي يرجح جهة العدم؛ فالوجود والعدم بالنسبة إلى الفعل ككفتي الميزان، والأمر والنهي يرجحان، فإذا ورد الأمر ابتداءً ورد على استواء من الكفتين فيحصل به الرجحان في كفة الوجود، وإذا ورد بعد الحظر ورد بعد ترجيح كفة العدم بالنهي فيحص هو في الكفة الأخرى فيحصل التساوي فهذا هو الفرق بين حصول الأمر ابتداء وبعد الحظر عند من فرَّق، ومقتضي هذا الفرق أن يحمل النهي على الإباحة إذا ورد بعد الوجوب، فمنهم من طرد أصله في الفرق، ومنهم من ترك الفرق وفرَّق بين الأمر والنهي، فقال إن النهي يعتمد المفاسد والأمر يعتمد المصالح، وعناية صاحب الشرع والعقلاء بدرء المفاسد أعظم من غايتهم بتحصيل المصالح، فلذلك راعينا هذا الفرق في الأمر وحملنا الأمر على الإباحة

стр. 139

وألغينا المصلحة، ولم نفعل ذلك في النهي اهتماماً بدرء المفاسد، ولأنا إذا قلنا يحمل النهي على التحريم أوجبنا الترك وهو على وفق الأصل؛ لأن الأصل عدم الفعل، وإذا حملنا الأمر على الوجوب قلنا بالفعل وهو على خلاف الأصل. فهذان فرقان عظيمان بين الأمر والنهي لمن خالف أصله في الأمر، أما من طرد أصله فلا يحتاج لهذين الفرقين، ثم استقراء النصوص بعد هذا الكتاب والسنة يحكم بين الفِرَق (١) . الفصل الثالث في عوارضه مذهب الباجي والإمام فخر الدين وجماعة من أصحابنا أنه إذا نسخ الوجوب يحتج به على الجواز لأنه من لوازمه، ومنع من ذك بعض الشافعية وبعض أصحابنا. الجواز يطلق بتفسيرين أحدهما: جواز الإقدام كيف كان حتى يندرج تحته الوجوب وغيره، وثانيهما استواء الطرفين وهو المباح في اصطلاح المتأخرين، والأول لا شك أنه لازم للوجوب، والثاني ضده، فلا يكون لازماً له. وظاهر كلام العلماء أنهم يريدونه، ووجه تقريره أنا نجعله لازماً من الأمر والناسخ، فالأمر دال على جواز الإقدام، والنسخ دال على جواز الإحجام؛ فيحصل مجموع الجوازين من الأمر وناسخه، غير أن مجموع الجوازين لا يتعين للإباحة بمعنى استواء الطرفين، بل يقبل الندب، وأيضاً فينبغي أن تكون الدعوى هكذا: إذا نسخ بقي إما للإباحة أو الندب من الأمر وناسخه لا من الأمر فقط. ومن هذه المسألة أن يرد الأمر ثم يقول الآمر رفعت الوجوب عنكم فقط

стр. 140

لا يزيد على ذلك أما إن نسخ الأمر بالتحريم ثبت التحريم قطعاً، أو قال رفعت جملة ما دل عليه الأمر السابق من جواز وغيره، فإنه لا يستدل به على الجواز، والمدرك في هذه المسألة مبني على حرفين: أحدهما أن الدال على المركب دال على أجزائه والوجوب مركب من جواز الإقدام والمنع من الترك، فإذا ارتفع أحد الجزأين بقي الآخر، وثانيهما: أن الخصوص في الشيء قد يكون شرطاً كالطلاق المعلق فإنه أخص من مطلق الطلاق، ويلزم من انتفاء الخصوص الذي هو الشرط أن لا يثبت مطلق الطلاق لازماً للمعلق، لأن الخصوص هنا شرط، وقد لا يكون شرطاً كالناطق مع الحيوان، لا يلزم من انتفاء الناطق انتفاء الحيوان، فمن قال بالمعنى الأولى قال إنه يدل على الجواز، ومن لاحظ الثاني قال الخصوص قد يكون شرطاً وقد لا يكون، فإذا حصل الشك توقفنا. ويجوز أن يرد خبراً لا طلب فيه، كقوله تعالى «قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا» (١) أو أن يرد الخبر بمعناه كقوله تعالى «والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين» (٢) وهو كثير. فائدة: ورود الخبر بلفظ الأمر أن الأمر شأنه أن يكون مما فيه داعية للمر، والخبر ليس كذلك، فإذا عبر بلفظ الأمر أشعر بالداعية فيكون ثبوت صدقه أقرب. وفائدة التعبير عن الأمر بلفظ الخبر: أن الخبر يستلزم ثبوت مخبره وقوعه، بخلاف الأمر، فإن عبر عن الأمر بلفظ الخبر كان آكد في اقتضاء الوقوع حتى كأنه واقع، ولذلك اختير للدعاء لفظ الخبر تفاؤلاً بالوقوع.

стр. 141

الفصل الرابع جواز تكليف ما لا يطاق الأمر بالمركب أمر بأجزائه الأمر بالفعل في وقت معين يجوز تكليف ما لا يطاق خلافاً للمعتزلة والغزالي، وإن كان لم يقع في الشرع خلافاً للإمام فخر الدين، لنا قوله تعالى «ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به» (١) فسؤال دفعه يدل على جوازه، وقوله تعالى «لا يكلف الله نفساً إلا وسعها» (٢) يدل على عدم وقوعه، وهنا دقيقة وهي أن ما لا يطاق قد يكون عادياً فقط كالطيران في الهواء، أو عقلياً فقط كإيمان الكافر الذي علم الله تعالى أنه لا يؤمن؛ أو عادياً وعقلياً معاً كالجمع بين الضدين، والأول والثالث هما المرادان هنا، دون الثاني. وافقنا المعتزلة على أن الله تعالى بكل شيء عليم، وأنه يعلم أن خلاف المعلوم محال، فهو يعلم أن الكافر يكفر وأن صدور الإيمان منه محال، مع ذلك كله فقد كلفه بالإيمان، فقد كلفه بما يتعذر وقوعه عقلاً، وهذه المقدمات كلها وافق عليها المعتزلة، فتكليف ما لا يطاق عقلاً قالت به المعتزلة. وإنما الخلاف فيما لا يطاق عادة كالجمع بين البياض والسواد في محال واحد، وجعل الجسم في مكانين في وقت واحد، والجمع بين الحركة والسكون في وقت واحد، والطيران في الهواء تحيله العادة، والعقل يجوزه، وإيمان الكافر العقل يحيله، إذا سئل أهل العادة عنه جوزوه فهو عقلي فقط. ووجه الاستدلال بالآية أن الدعاء بمتعذر الوقوع حرام، فلا يجوز اللهم

стр. 142

اجمع بين الضدين ولا اغفر للكافر ولا غير ذلك من الممتنعات عقلاً وشرعاً، فلما سألوا رفعه وذكر الله تعالى ذلك في سياق المدح لهم، دل على أنهم لم يعصوا بدعائهم فيكون دعاء بما يجوز وهو المطلوب. وأما قول الإمام إنه واقع فاعتمد في ذلك على أن جميع التكاليف إما معلومة الوجود فتكون واجبة الوقوع، أو معلومة العدم فتكون ممتنعة الوقوع، والتكليف بالواجب الوقوع أو الممتنع الوقوع تكليف بما لا يطاق، وهذا إنما يقتضي وقوع تكليف ما لا يطاق عقلاً لا عادة، فإن امتناع خلاف المعلوم إنما هو عقلي والنزاع ليس فيه بل في المحال العادي فقط. فلا يحصل مطلوب الإمام. الفصل الخامس الأمر بالمركب أمر بأجزائه الأمر بالفعل في وقت معين يكون لمصلحة تختص بذلك الوقت فيما ليس من مقتضاه لا يوجب القضاء عند اختلال المأمور به عملاً بالأصل. بال القضاء بأمر جديد خلافاً لأبي بكر الرازي. هذه المسألة مبنية على قاعدتين: القاعدة الأولى أن الأمر بالمركب أمر بأجزائه، القاعدة الثانية أن الأمر بالفعل في وقت معين لا يكون إلا لمصلحة تختص بذلك الوقت، وإلا لكان تخصيص ذلك الفعل بذلك الوقت من بين سائر الأوقات ترجيحاً من غير مرجح. فمن لاحظ القاعدة الأولى قال الأمر في الوقت المعين بالصلاة المعينة يقتضي الأمر بشيئين: بالصلاة وبكونها في ذلك القوت، فهو أمر بمركب، فإذا تعذر أحد جزأي المركب وهو خصوص الوقت بقي الجزء الآخر وهو الفعل؛ فيوقعه في أي وقت شاء. فيكون القضاء بالأمر الأول. ومن لاحظ القاعدة الثانية قال: إن القامة مثلاً اختصت بصلاة الظهر لمصلحة ما في القامة، وما دلنا دليل على مساواة غيرها من الأوقات لها، بل الظاهر عدم

стр. 143

المساواة، وإلا لما اختصت بوجوب الفعل، فلا تثبت الصلاة في غير القامة لعدم المصلحة في غير القامة، فإذا دل الدليل على وجوب القضاء علمنا أن الوقت الثاني يقارب الأول في مصلحة الفعل، وإذا لم يدل دليل فلا. فهذه هو مدرك هذه المسألة، وهذا إذا كان الوقت معيناً، فإن كان وظيفة العمر فقد تقدم أنه لا قضاء فيه، وأن الخلاف فيما هو على الفور في باب أن الأمر للفور. وإذا تعلق بحقيقة كلية لا يكون معلقاً بشيء من جزئياتها، لأن الدال على الأعم غير دال على الأخص. إذا قلنا في الدار جسم، لا يدل على أنه حيوان، لأن الجسم أعم، أو في الدار حيوان، لا يدل على أنه إنسان أو في الدار إنسان لا يدل على أنه زيد، ولهذه القاعدة قلنا إن الوكيل بالبيع لا يملك البيع بثمن المثل دون البخس (١) إلا بالعادة لا باللفظ؛ فإذا قال له بع سلعتي حمل على ثمن المثل بدلالة العادة لأن البيع حقيقة كلية مشترك فيها بين ثمن المثل والمساوي والغبن. ولا يشترك مقارنته للمأمور به بل يجوز تعلقه في الأزل بالشخص الحادث خلافاً لسائر الفرق. لم يقل بالكلام النفسي إلا نحن، فلذلك تصور على مذهبنا تعلقه في الأزل، فالكلام النفسي أزلي ومنه الأمر والنهي وجميع الأحكام، فحرم الله في الأزل المرأة على زيد على تقدير وجوده، ووجوب أسباب التحريم وشرائطه، وانتفاء موانعه فإذا وجدت هذه كلها فقد وجد التقدير الذي تعلق الحكم بالشخص فيه، وكذلك أحلها الله تعالى بتقادير، فالحكم كلام الله تعالى وتعلقه القديم قديم أيضاً، فإن الذي يحيل وجود علم بغير معلوم، يحيل وجود أرم بلا مأمور، ونهي بغير منهي، وإباحة بغير مباح متقرر في العلم لا في الوجود الخارجي، لأن التعلق نسبة، والنسبة يشترط فيها تقرر طرفيها لا وجود طرفيها، كالعلم تعلقه نسبة بينه وبين معلومه، ومعلومه قد يكون

стр. 144

معدوماً، بل مستحيلاً، بلا لتقرر لا بد منه، فالحكم هو الكلام وتعلقه الخاص وهما قديمان، وإنما الحادث المتعلق فقط. ولكنه لا يصير مأموراً إلا حالة الملابسة، خلافاً للمعتزلة. والحاصل قبل ذلك إعلام بأنه سيصير مأموراً لأن كلام الله تعالى قديم، والأمر متعلق بذاته فلا يوجد غير متعلق، والأمر بالشيء حالة عدمه محال للجمع بين النقيضين، وحالة إيقاعه محال لتحصيل الحاصل، فيتعين زمن الحدوث. هذه المسألة لعلها أغمض مسألة في أصول الفقه، والعبارات فيها عسرة التفهم وسر البحث فيها أن الألفاظ اللغوية إنما وضعت لطلب ما هو ممكن من المأمور، فيتعين أن الآمر إنما طلب من المأمور الفعل في زمن ليس فيه عدمه، لأنه لو طلب منه الفعل في زمن فيه عدمه لطلب منه الجمع بين الوجود والعدم وذلك محال. فإذن لم يطلب منه الفعل إلا في زمان ليس فيه عدمه، وكل زمان ليس فيه عدم الفعل فيه وجوده قطعاً؛ لأن الوجود والعدم لا يمكن ارتفاعهما معاً، وزمن وجود الفعل هو زمن الملابسة، وذلك هو المطلوب. ومقصودنا بهذا بيان صفة التعلق، لا أن الملابسة شرط في التعلق، وإلا لتعذرت حقيقة العصيان، ولا يوجد عاص أبداً؛ لأنه يقول الملابسة شرط لكوني مأموراً وأنا لم ألابس، فشرط الأمر مفقود، فلست مأموراً؛ فلا أكون عاصياً بالترك. فحينئذ يتعين أن لا تكون الملابسة شرطاً في تعلق الأمر بالمكلف. بل صفة تعلقه بذلك فقط، أي ما تعلق لما تعلق إلا بإيقاع الفعل في زمان ليس فيه عدمه، وهو عاص إذا ترك؛ لأنه أرم أن يعمر زماناً مستقبلاً بالفعل بدلاً عن عدمه، فلم يفعل. فمعنى قولنا إنه إنما يصير مأموراً في حالة الملابسة، أي تلك الحالة هي التي تعلق بها الأمر، وتعلقه متقدم عليها بالفعل فيها. والمعتزلة يقولون لا ينبغي أن يكون هذا صفة التعلق، لأنه لو تعلق بإيقاع الفعل في زمن الحدوث لتعلق بتحصيل الحاصل، فإن زمن الحدوث زمن وجود، لأنه أول أزمنة الوجود، وأول أزمة الوجود وجود، وطلب الوجود حالة الوجود طلب

стр. 145

تحصيل الحاصل، فيتعين أن يكون متعلقاً بما قبله زمان الوجود، وهو زمان العدم. ونحن نقول لهم تعلقه بإيقاع الفعل حالة العدم يلزم منه اجتماع النقيضين، وأما قولكم يلزم من تعلقه بحالة الملابسة تحصيل الحاصل، فليس كذلك، لأن تحصيل الحاصل يشترط فيه تعدد الزمان بأن يكون الوجود حاصل في زمان، وقيل له بعد ذلك، افعل ذلك الذي وقع في الزمان الأول بعينه، فهذا تحصيل الحاصل، أما مع اتحاد الزمان فلا؛ لأن كل مؤثر، إنما يؤثر في فعله حالة حدوثه، ولا يمكن أن يكتب أحد (١) كتاباً إلا في الزمن الذي يكتبه فيه، ولا يبنى داراً إلا في الزمن الذي يقع البناء فيه، فمن الحدوث هو زمن التأثيرات، فلو منع التأثير لم يبق تأثير؛ فمثار الغلط حينئذ هو الغفلة عن شرط تحصيل الحاصل وهو تعدد الزمان أما مع اتحاده فلا، فهذا مأخذ البحث في هذه المسالة بين الفريقين. ويتفرع عليه أن عند المعتزلة ينقطع تعلق الأمر بالدخول في الملابسة لانتفاء العدم الذي هو زمن التعلق، وعندنا يبقى التعلق حتى تفرغ الملابسة، فبالفراغ من الملابسة ينقطع التعلق إجماعاً، وفي زمن الملابسة قولان؛ عندنا المتعلق موجود، وعند المعتزلة لا، وقبل الملابسة قولان: التعلق حاصل عند المعتزلة وعندنا لا. وأما كون المتقدم قبل ذلك إعلاماً أو أمراً فلم يقل الإمام فخر الدين إلا أنه إعلام معناه بأنه مأمور حالة الملابسة، وهو أمر بما في زمن الملابسة. وقال القاضي عبد الوهاب في الملخص: اختلف الناس هل هو أمر على الحقيقة أم إعلام، فقال كثير: إن الأمر في الحقيقة إنما هو المقارن، أما المتقدم بإعلام، وقال الباقون: هو أمر، واختلف المعتزلة في مقدار ما يتقدم عليه من الأوقات بعد اتفاقهم مع أصحابنا على تقدمه بوقت يحصل به للمأمور السماع والفهم، فمنهم من قال لا يجوز تقدم الأمر على المأمور بأزمنة كثيرة. بل بوقت واحد إلا لمصلحة، والذي اختاره القاضي أبو بكر - رحمه اله - أنه يجب تقدمه بوقتين: وقت السماع، ووقت الفهم. والعلم
следующие страницы →