النقل فتكون هذه العادة ناسخة للغة أم لم تصل إلى حد النقل؟ فهذا منشأ الخلاف في الحالف هل يحنث بجميع الرؤوس أم الفعلي فلا.
وكذلك لو قال رأيت رأساً لم يختلفوا في أن ذلك صادق على جميع الرؤوس، ولا يختص ذلك برؤوس الأنعام، لأن هذا التركيب لم يحصل فيه نقل وإنما حصل النقل في لفظ أكلت مع الرؤوس، أما إن ركب مع الرأس غيره من الأفعال نحو رأيت وأبصرت وأعلمت فلا يلزم ذلك، فالعرف الفعلي (١) لا مدخل له في الألفاظ البتة، وسببه عدم تعرضه للوضع الأولن بخلاف العرف القولي، فتأمل ذلك.
وعندنا تخصيص الشرط والاستثناء (٢) للعموم مطلقاً، ونص الإمام، ونص الإمام على الغاية والصفة قال وإن تعقبت الصفة جملاً جرى فيها الخلاف الجاري في الاستثناء والغاية، حتى وإلى، فإن اجتمع غايتان كما لو قالوا لا تقربوهن حتى يطهرن حتى يغتسلن، قال الإمام فالغاية في الحقيقة الثانية والأولى سميت غاية لقربها منها.
تقدمت حقيقة الشرط في باب ما توقف عليه الحكم، وأما صورة التخصيص به فكقوله تعالى اقتلوا المشركين إن حاربوا، فهذا الشرط يقتضي إخراج من لم يحارب، وقد كان يقتل لولا هذا الشرط. واعلم أنه على ما تقدم من أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال يقتضي أن يكون الشرط مقيداً لتلك الحالة المطلقة لا مخصصاً، وكذلك الغاية والصفة؛ فإن المقتول عند الغاية الخاصة والصفة الخاصة والشرط الخاص مقتول في حالة ما لأنه مقتول في حالة معينة، والمعين يستلزم المطلق، وكل فرد من العموم يقتل في هذه الحالة فلم يعارض هذه التقييدات العموم، بل قيدت الحالة المطلقة فيها، وأما الاستثناء فيه حالتان إن استثنى نوعاً أو شخصاً وجعلناه لا يقتل في حالة فهذا تخصيص، لأنه لا يقتل في حالة ما، وإن استثنى
стр. 212
موصوفاً بصفة تمكن زوالها فهو مقيد لا مخصص لأن الحاصل اشتراط نقيض تلك الصفة فيئول إلى الشرط، وقد تقدم أنه تقييد لا تخصيص، مثال الأوّل اقتلوا المشركين إلاّ زيداً وإلا بني تميم، مثال الثاني إلاّ من يحارب فهذا غَوْر (١) بعيد لم أره لأحد، ويكاد الناس الكل على خلافه فتأمله.
فائدة: قال الشيخ سيف الدين الشرط شرطان شرط السبب وشرط الحكم، فإن كان عدمه مخلاً بحكمة السبب فهو شرط السبب، كالقدرة على التسليم في البيع، وما كان عدمه مشتملاً على حكمه مقتضاها نقيض حكم السبب مع بقاء حكم المسبب، فهو شرط الحكم كعدم الطهارة مع الصلاة، مع الإتيان بمسمى الصلاة، كما أن المانع مانعان مانع السبب ومانع الحكم، فمانع السبب كلّ وصف يخل وجوده بحكمة السبب نفياً كالدين في باب الزكاة مع ملك النصاب، ومانع الحكم هو كلّ وصف وجودي حكمته مقتضاها نقيض حكمة السبب، كالأبوة في باب القصاص مع القتل العمد العدوان.
فائدة: قال الإمام فخر الدين الشرط الداخل على الجمل، اتفق الإمامان أبو حنيفة والشافعي ﵄ أنه يعم الجمل، قلت والفرق بينه وبين الاستثناء الذي خالف أبو حنيفة على عوده على جميع الجمل وخصصه بالجملة الأخيرة، أن الشروط اللغوية أسباب كما تقدم في باب ما يتوقف عليه الأحكام، والسبب شأنه تضمن الحكم والمقاصد، فيتعين عموم تعلقه بجميع الجمل تكثيراً لتلك المصلحة، بخلاف الاستثناء إنّما هو إخراج ما هو غير مراد، ولعله لو بقي لم يخل بحكمة المذكور المراد فالاستثناء ضعف.
فائدة: قال الإمام فخر الدين: اتفقوا على وجوب اتصال الشرط بالكلام، بخلاف الاستثناء اختلفوا في جواز تأخيره بالزمن، قلت: والفرق ما تقدم من تضمنه للحكمة والمصلحة، فيقوى الاهتمام به فلا يتأخر، بخلاف الاستثناء.
فائدة: قالا لإمام فخر الدين يجوز تقديم الشرط في النطق وتأخيره، قاله
стр. 213
والتقديم أحسن لأنه مؤثر فهو متقدم طبعاً فيتقدم وضعاً، وأجاز بعضهم التأخير لأنه لا يستقل بنفسه فأشبه الاستثناء.
ونص على الحس نحو قوله تعالى: «تدمر كلّ شيء بأمر ربها» (١) .
لأن البصر بشاه بقاء الجبال والسموات فيعلم العقل أنها غير مرادة بالعموم ويقرب من هذا الباب تخصيص يسمونه التخصيص بالواقع وقد لا يتعين ولا يعلم لنا كقوله تعالى: «ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم» (٢) يقطع بأن الواقع أن بعض من صدق عليه العصيان لا يعذب، إما لأنه تاب أو بفضل الله تعالى لقوله تعالى: «ويعفو عن كثير» (٣) أو بالشفاعة، لكن هذا الذي خصص من هذه الأنواع غير معلوم لنا الآن عدده ولا أشخاصه ولا صفته، وكذلك عموم قوله تعالى: «فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره» (٤) بعض عامل الخير لا يرى خيراً لأنه ارتد أو ظلم فأخذ منه ذلك الخير في ظلمه، ومن عمل شراً لا يرى شراً لما تقدم.
وفي المفهوم نظر، وإن قلنا إنه حجة لكونه أضعف من المنطوق، لنا في سائر طرق النزاع أن ما يدعي أنه مخصص لا بد وأن يكون منافياً وأخص من المخصص، فإن أعملا أو ألغيا اجتمع النقيضان، وإن أعمل العام مطلقاً بطلت جملة الخاص، بخلاف العكس فيتعين، وهو المطلوب.
رأيت الجماعة من الأصوليين أن المفهوم يخصص من غير توقف، مثاله قوله ﵊: «في كلّ أربعين شاة شاة» هذا عام، ثم قال: «في الغنم السائمة الزكاة» ومقتضى مفهومه عدم الزكاة في المعلوفة؛ فمنهم من رجح العموم لأنه منطوق، والمنطوق أولى من المفهوم، ويقول بوجوب الزكاة في المعلوفة، ومنهم من يقول المفهوم أخص من العموم لأنه لم يتناول إلاّ المعلوفة والأخص مقدم على العموم، وهو قول الشافعي في خصوص مسألة الزكاة هذه.
стр. 214
الفصل الرابع فيما ليس من مخصصاته
وليس من مخصصات العموم سببه، بل يحمل عندنا على عمومه إذا كان مستقلاً لعدم المنافاة خلافاً للشافعي والمزني، وإن كان السبب يندرج في العموم أولى من غيره، وعلى ذلك أكثر أصحابنا، وعن مالك فيه روايتان.
رأيت في ثلاثة مذاهب يخصص، لا يخصص، الفرق بين المستقل، وبين غير المستقل فلا يخصص، حكاها ابن العربي وغيره، مثال المستقل قصة عويمر في اللعان (١) مثال غير المستقل قوله ﵊: «أينقص الرطب إذا جف قالوا نعم قلا فلا إذن» فقوله: فلا إذن لا يستقل بنفسه فيتعين ضمه إلى الكلام الأوّل بجملته، ويصير التقدير لا يباع الرطب بالتمر لأنه ينقص إذا جف، لأن (إذن) التنوين فيها موضوع للعوض من الجملة أو الجمل السابقة، ومنه قوله تعالى: «إذا زلزلت الأرض زلزالها، وأخرجت الأرض أثقالها، وقال الإنسان مالها، يومئذ تحدث أخبارها» (٢) قوله يومئذ، أي يوم هذه الجمل المتقدمة، فالتنوين بدل منها.
حجة التخصيص به: أن الكلام إنّما سبق لأجله فهو كالجواب له، والجواب شأنه أن يكون مطابقاً للسؤال، ولا يزيد عليهن فيخصص العموم به.
حجة عدم التخصيص: أن الجمع ممكن فيثبت حكم السبب وحكم ما زاد عليه ولا
يتنافيا وإن سلمنا أنه يجري مجرى الجواب، والجواب إذا حصل فيه زيادة اعتبرت، كما سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من ماء البحر فقال «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (٣) وحكمها ثابت مع طورية الماء ولا تنافي في ذلك، ولأنه لو كانت العمومات تختص بأسبابها لاختصت آية اللعان وآية الظهار وآية السرقة بأسبابها وهو خلاف الإجماع، لأن غالب عمومات الشريعة لها أسباب فيلزم تخصيص أكثر العمومات.
стр. 215
فائدة: في قولي المخصص لا بد أن يكون منافياً للنص المخصص وهو الفرق بين النية المخصصة والنية المؤكدة، وأكثر الذين يفتون لا يطلبون الفرق بينهما في الفتاوى، بل يفتون الناس فيهما سواء، وإذا جاء الحالف وقد حلفت لا لبست ثوباً ونويت الكتان فيقولون لا تحنث بغيره، وليس كما قالوا بل يقولون إذا قال لا لبست ثوباً يقتضي حنثه بأي ثوب كان، ثم النية بعد ذلك لها أحوال: أحدها أن يقول نويت حملة الثياب فيقولون له تحنث بكل ثوب باللفظ وبالنية المؤكدة له. وثانيها: أن يقول نويت بعض الثياب وهي الكتان وتركت غيرها لم أتعرض له فيقول له تحنث بثياب الكتان باللفظ المؤكد بالنية، وبغير الكتان بمجرد اللفظ السالم عن معارضة النية، فإن الصريح يقتضي ثبوت حكمه من غير احتياج إلى نية، بدليل أنه، لو لم يكن لي نية البتة إلاّ في البعض ولا في الكل فإنه يحنث باللفظ الصريح ولا يحتاج معه غيره. وثالثها: أن يقول نويت إخراج غير الكتان من اليمين بأن استحضرته وأخرجته منافية لموجب اللفظ، واللفظ يقتضي الاندراج، وأنت نويت عدم الاندراج فحصل التنافي بين هذه النية وبين اللفظ فهي مخصصة بخلاف التي قبلها، إنّما هي مؤكدة للبعض الذي خطر بالبال، والبعض الآخر لم يخطر بالبال فلم تخرجه النية فوقع الحنث بالجميع.
فالواجب على المفتي أن لا يكتفي بقول المستفتي أردت الكتان، بل حتى يقول له هل أردت إخراج غير الكتان من يمينك فإذا قال نعم حينئذ يفتيه بتخصص حنثه بالكتان، وإلا فلا، فتأمل هذا الموضع فهو عزيز في تخصيصات العمومات في الفتاوى وغيرها.
فإن قلت: هل لو قال والله لا لبست ثوب الكتان لم يحنث بغير الكتان ولم يخطر غير الكتان بباله ولا نفاه بلفظه، وكونه نوى الكتان وذهل عن غيره هو بمنزلة هذا القيد اللفظي، وقد أجمعوا على عدم تحنيثه في هذا القيد اللفظي، وكذلك هذه النية فإنَّها مثله كما تقرر.
قلت: سؤال حسن قويّ، غير أن الجواب عنه حسن جميل؛ وهو أن نقول
стр. 216
المخصصات اللفظية المتصلة من الغاية والشرط والصفة والإضافة ألفاظ لا تستقل بنفسها؛ وقاعدة العرب أن ما لا يستقل بنفسه إذا جاء عقيب ما يستقل بنفسه جعلت العرب ذلك المستقل بنفسه غير مستقل، ولا يعتبر إلاّ المجموع المركب منهما المستقل وما بعده مِمّا لا يستقلن فيصير الجميع كالكلمة الواحدة.
بدليل ما هو أشد الأشياء ضيقاً وهو الإقرار عند الحاكم، فلو قال له عندي الثياب الزرق أو الدراهم الزائفة لم يلزمه الحاكم غير الموصوف بتلك الصفة ولا يقضي عليه بعموم الثياب ولا الدراهم، فغير الإقرار بطريق الأولى، وما سره إلاّ ما تقدم من القاعدة اللغوية، فهذا هو شأن الصفة وغيرها، لا يستقل، وأما النية فليس للعرب فيها هذا الوضع، بل يعتبر ما نوى، فإن كانت مؤكدة له لم تُغير حكماً أو معارضة له قدمت النية، فافترق البابان.
ومن وجه آخر على تقديم تسليم عدم صحة هذه القاعدة وهو أن اللفظ له دلالة والنية لا دلالة لها، فإن الدلالات من خصائص الألفاظ والإرادة مدلول لا دليل، وإذا تقرر هذا فالقيد يدل بمفهومه على عدم دخول غير الكتان في يمينه بطريق المفهوم ودلالة الالتزام؛ فتكون دلالة اللفظ التزاماً معارضة لظاهر العموم مطابقة، فلما حصل التعارض أمكن التخصيص بالمعارض الأخص، كما تقدم تقريره، والنية لما لم تكن لها دلالة لم يوجد ما يعارض العموم في قصده الكتان خاصة وذهوله عن غيره.
فهذان جوابان سديدان، وبهذه المباحثة يفهم معنى قول العلماء إن العام قد يستعمل في الخاص، فإن معناه إرادة إخراج بعض مسماه عن مدلول اللفظ، وليس معناه إرادة بعضه بالحكم، فتأمل ذلك فالفرق بينهما هو في غاية الظهور، وعند أكثر الفقهاء في غاية الخفاء.
والضمير الخاص لا يخصص عموم ظاهره كقوله تعالى: «والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء» (١) وهذا عام ثم قال وبعولتهن أحق بردهن في
стр. 217
ذلك، وهذا خاص بالرجعيات، نقله الباجي عنا خلافاً للشافعي والمزني.
معناه بل يبقى لفظ المطلقات على عمومه، لأنه جمع معرف باللام.
ومذهب الراوي يخصص عند مالك والشافعي ﵄ خلافاً لبعض أصحابنا وبعض أصحاب الشافعي.
هذه المسألة منقولة هكذا على الإطلاق، والذي أعتقده أنه مخصوص بما إذا كان الراوي صحابياً، شأنه الأخذ عن رسول الله ﷺ ، فيقول إنه إذا خالف مذهبه ما رواه يدل ذلك منه على أنه اطلع من رسول الله ﷺ على قرائن حالية تدل على تخصيص ذلك العام،
وأنه ﵊ أطلق العام لإرادة الخاص وحده، فلذلك كان مذهبه مخالفاً لروايته، أما إذا كان الراوي مالكاً أو غيره من المتأخرين الذي لم يشاهدوا رسول الله ﷺ فلا يتأتى ذلك فيه، ومذهبه ليس دليلاً حتى يخصص به كلام صاحب الشرع، والتخصيص بغير دليل لا يجوز إجماعاً.
حجة التخصيص: ما تقدم فإن عدالته تمنعه من ترك بعض العموم إلاّ لمستند من قرائن صاحب الكلام؛ فإذا ثبتت القرائن ثبت التخصيص.
حجة عدم التخصيص: أن عموم كلام صاحب الشرع حجة، والراوي لم يتركه إلاّ لاجتهاد؛ ويجوز أن يكون أصاب أم لا، والأصل بقاء العموم على عمومه، ولو كان كلّ اجتهاد صحيحاً لكان قول كلّ مجتهد حجة وهو خلاف الإجماع.
وذكر بعض العموم لا يخصصه خلافاً لأبي ثور.
ذكر بعض العموم كقوله تعالى: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى» (١) فالإحسان بلام التعريف عام في جميع أنواع الإحسان، فيندرج فيه إيتاء ذي القربى، فذكره بعده ليس تخصيصاً للأول بإيتاء ذي القربى، بل اهتماماً بهذا النوع من هذا العام، وعادة العرب أنها إذا اهتمت ببعض أنواع العام
стр. 218
خصصته بالذكر إبعاداً له عن المجاز، والتخصيص بذلك النوع، فإذا نص عليه ينفى احتمال التخصيص فيه دون غيره فلا ينفي احتمال التخصيص فيه البتة، وكذلك قوله تعالى: «وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي» (١) مع أن المنكر عام للام التعريف فيه فهو بعمومه يشمل البغي (٢) فذكره بعد ذلك إنّما هو إشعار بأنه أقبح المنكر وأهم أنواعه بالذكر، فلا يتوهم تخصيص العام المتقدم بإخراجه منه، وكذلك قوله تعالى: «وملائكته وجبريل» (٣) خص جبريل اهتماماً به، وكثير من العلماء يمثل هذا الباب بقوله تعالى: «فيها فاكهة ونخل ورمان» (٤) وليس منه لأن فاكهة مطلق لا عموم فيه حتى يكون أولاً قد تناول الرمان فيخصص بعد ذلك بالذكر، بخلاف المثل السابقة عامة تناولت ما ذكر بعدها.
إذا علم هذا فاعلم أنه قد وقع في المذهب استدلالات على خلاف هذه القاعدة فينبغي أن يتفطن لها فمن ذلك نهيه ﵊ عن بيع ما لم يقبض، وهو عام في جميع المبيعات؛ ونهى عن بيع الطعام قبل قبضه، والطعام بعض ذلك العموم، فقال مالك - رحمه الله تعالى - لا يحرم إلاّ بيع الطعام قبل قبضه، قال جماعة من المالكية لأن
العموم المتقدم مطلق وهذا مقيد، والمطلق يحمل على المقيد، وهذا غلط، بل هذا تخصيص العام بذكر بعض أنواعه، والصحيح أنه باطل كما تقدم، والمطلق والمقيد، إنّما معناه أن يكون المطلق ماهية كليّة فيذكر معها أو بعدها قيد نحو «فتحرير رقبة» (٥) وفي آية أخرى «فتحرير رقبة مؤمنة» (٦) فهذه هو المطلق والمقيد الذي يحمل فيه المطلق على المقيد؛ لأن المقيد زاد على الثابت أو لا مدلول القيد، أما إذا كان اللفظ عاماً فالقيد يكون منقصاً إن
стр. 219
أخرجنا ماعدا محل القيد، وفي المطلق لا يكون منقصاً، فلذلك كان الصحيح حمل المطلق على المقيد، والصحيح عدم تخصيص العموم بذكر بعضه، فهذا فرق عظيم ينبغي أن تلاحظه فهو نفيس في الأصول والفروع.
وكونه مخاطباً لا يخصص العام إن كان خبراً، وإن كان أمراً جعل جزاء قال الإمام يشبه أن يكون مخصصاً.
المراد المخاطب بكسر الطاء الفاعل للخطاب، مثال الخبر من دخل داري فهو سارق السلعة، هل يقتضي ذلك أنه إذا دخل هو أن يكون مخبراً عن نفسه أنه سارق؟ مثال الأمر الذي هو جزاء قوله من دخل داري فأعطه درهماً، فقوله أعطه أمر وهو جواب الشرط، ووجه الإحالة فيه أنه لا يأمر نفسه ولا يأمر لنفسه بدرهم من ماله، ومن ذلك قول المرأة زوجني ممن شئت، فهل له أن يزوجها من نفسه لاندراجه في العموم؟ أو قال بع سلعتي ممن رأيت فهل له شراؤها لأنه رأى نفسه؟ بين العلماء خلاف، والصحيح أنه مندرج في العموم لأنه متناول له لغة، والأصل عدم التخصيص.
وذكر العام في معرض المدح أو الذم لا يخصص، خلافاً لبعض الفقهاء.
مثاله أن يذكر الله تعالى فاعل المحرم ثم يقول بعد ذكره «إنه لا يفلح الظالمون» (١) فهل يقتضي أنه مخصوص بمن تقدم ذكره أو يكون عاماً ويندرج فيه المتقدم ذكره اندراجاً أولياً، وكذلك إذا ذكر الله تعالى فاعل المأمور به ثم يقول عقبه «إن الله مع المحسنين» (٢) إنه «كان للأوابين غفوراً» (٣) ونحو ذلك فهل يعم اللفظ والحكم كلّ محسن وكل أواب، أو يختص بمن تقدم ذكره، خلاف.
حجة التخصيص به أنه ذكر العام بعده يجري مجرى الجواب عنه، والجواب شأنه أن يكون مطابقاً للسؤال من غير زيادة، وكأنه قال مع المحسنين الذين تقدم ذكرهم، والأوابين الذين (٤) تقدم ذكرهم.
стр. 220
حجة عدم التخصيص أن اللفظ عام ولا ضرورة لتخصيصه بمن تقدم فإن حكم الجميع ثابت بالعموم، والأصل عدم التخصيص فيبقى اللفظ عاماً على حاله.
تنبيه: قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: ليس من هذا الباب العام المرتب على شرط تقدم بل يختص اتفاقاً، كقوله تعالى: «إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفوراً» (١) فالشرط المتقدم هو صلاح المخاطبين الحاضرين، وصلاحهم لا يكون سبباً للمغفرة لمن تقدم من الأمم قبلهم، أو يأتي بعدهم، فإن قواعد الشرع تأبى ذلك، وإن سعى كلّ أحد لا يتعداه لغفران غيره إلاّ أن يكون له فيه تسبب وهنا لا تسبب، فلا يتعدى، فيتعين أن يكون المراد فإنه كان للأوابين منكم غفوراً؛ فإن شرط الجزاء لا يترتب جزاؤه على غيره، وهذه قاعدة لغوية وشرعية، أما إذا لم يكن شرطاً أمكن جريان الخلاف.
وعطف الخاص على العام لا يقتضي تخصيصه خلافاً للحنفية كقوله ﵊ «لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده» فإن الثاني خاص بالحربي، فيكون الأوّل كذلك عندهم.
القاعدة: أن الأدنى يقتل بالأعلى وبمساويه، وهل يقتل الأعلى بالأدنى؟ هو موضع الخلاف؛ فقوله ﵊: «لا يقتل مؤمن بكافر» عام في جميع الكفار فيتناول الذمي فلا يقتل به المسلم إذا قتله عمداً عندنا خلافاً للحنفية. قالوا أول الحديث لكم وآخره عليكم فإن ذا العهد يقتل بالذمي، لأن الذمي أعلى منه لأن عقد الذمة يدون للذرية، والمعاهدة لا تدوم، والأدنى يقتل بالأعلى، فيقتل المعاهد بالذمي، فيتعين أن الذي لا يقتل به المعاهد هو الكافر الحربي، والقاعدة أن العطف يقتضي التسوية، والمعطوف لا يقتل بالحربي، فيكون المعطوف عليه لا يقتل بالحربي عملاً بالتسوية، فيكون الكافر المذكور أول الحديث المراد به الحربي، وهو متفق عليه، إنّما النزاع في الذمي فدخل العام المعطوف عليه التخصيص بسبب عطف الخاص عليه.
стр. 221
والجواب عنه من أربعة أوجه: أحدها أنا نمنع أن الواو عاطفة بل هي للاستئناف فلا يلزم التشريك. وثانيها: سلمناه لكن العطف يقتضي التشريك في أصل الحكم دون توابعه. قالا لنحاة فإذا قال مررت بزيد قائماً وعمرو، لا يلزم أن يكون مررت بعمرو أيضاً قائماً بل في أصل المرور فقط، كذلك جميع التوابع من المتعلقات وغيرها يقتضي العطف هنا لأنه لا يقتل، أما تعيين من يقتل به الآخر فلا؛ لأن الذي يقتل به من توابع الحكم. وثالثها: لا نسلم أن معنى قوله عليه الصالة والسلام «ولا ذو عهد في عهده» معناه بحربي بل معناه التنبيه على السببيّة فإن (في) قد تقدم في باب الحروف تقرير أنها تكون للسببية فيصير معنى
الكلام ولا يقتل ذو عهد بسبب المعاهدة، فيفيدنا ذلك أن المعاهدة سبب يوجب العصمة، وليس المراد أنه يقتص منه ولا غير ذلك. ورابعها: أن معناه نفي الوهم عمن يعتقد أن عقد المعاهدة كعقد الذمة يدون؛ فنبه ﵇ أن أثر ذلك العهد إنّما هو في ذلك الزمان خاصة لا يتعداه لما بعده وتكون (في) على هذا للظرفية، وهو الغالب عليها.
وتعقيب العام باستثناء أو صفة أو حكم لا يتأتى إلاّ في البعض لا يخصصه عند القاضي عبد الجبار، وقيل يخصصه وقبل بالوقف، واختاره الإمام، فالاستثناء كقوله تعالى: «لا جناح عليكم إن طلقتم النساء» إلى قوله «إلاّ أن يعفون» (١) فإنه خاص بالرشيدات، والصفة كقوله تعالى: «يا أيها النبي إذا طلقتم النساء» إلى قوله: «لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا» (٢) أي الرغبة في الرجعة، والحكم كقوله تعالى: «وبعولتهن أحق بردهن» (٣) فإن خاص بالرجعيات، فتبقى العمومات على عمومها، وتختص هذه الأمور بمن يصلح له. ولنا في سائر صور النزاع أن الأصل بقاء العموم على عمومه فمهما أمكن ذلك لا يعدل عنه تغليباً للأصل.
стр. 222
حجة التخصيص: أن الأصل الاتحاد في الضمائر وجميع ما يعود عليه الحكم المتأخر أي شيء كان، وليس يحصل الاتحاد إلاّ إذا اعتقدنا أن المراد بالسابق ما يصلح لذلك الحكم اللاحق، ومتى كان كذلك لزم التخصيص جزماً.
حجة الوقف تعارض الأدلة، وإنما جعلنا الرغبة في الرجعة صفة، وذلك لأنها أمر حقيقي وحالة من أحوال النفوس، والحكم الشرعي قائم بذات الله تعالى لا بنفس الخلق، فهي حينئذ صفة، وأما كون الزوج أولى بالرجعة، فذلك حكم شرعي يرجع إلى الإباحة، والتحريم على غيره أن يمنعه من ذلك، وهذه أحكام شرعية، بخلاف الرغبة، فلذلك اختلفت المثل.
الفصل الخامس فيما يجوز التخصيص إليه
ويجوز عندنا للواحد، هذا إطلاق القاضي عبد الوهاب، وأما الإمام فحكى إجماع أهل السنة على ذلك في (من) و (ما) ونحوهما قال: وقال القفال: ويجب إبقاء أقل الجمع في الجموع المعرفة، وقيل يجوز إلى الواحد فيها. وقال أبو الحسين البصري لا بد من الكثرة في الكل إلاّ إذا استعمله الواحد المعظم نفسه.
أما (من) و (ما) فلفظهما مفرد، ولذلك يجوز أن يعود الضمير عليهما مفرداً كقوله تعالى: «فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره» (١) ومن يعش عن ذكر الرحمن
стр. 223
نقيض له شيطاناً» (١) ، «والسماء وما بناها» (٢) ، «ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم» (٣) فلذلك حسن أن يراد بهما الواحد ويجوز التخصيص إليه ويخالفهما الجمع المعرف كلفظ المشركين، فإن المحافظة على صيغة الجمع تمنع من إرادة الواحد والتخصيص إليه، وحجة الجواز إلى الواحد في الجموع أيضاً أن الجمع قد يطلق ويراد به الواحد كما في قوله تعالى: «الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم» (٤) قيل الجامع أبو سفيان وهو المراد بالناس، وكذلك في قوله تعالى: «أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله» (٥) قيل المحسود رسول الله ﷺ وهو المراد بالناس.
واحتج أبو الحسين أن البيت إذا كان ملآن من الرمان وقال أكلت ما في البيت من الرمان وأراد واحدة أن ذلك يقبح، فحينئذ لا بد من كثرة يحسن إطلاق العموم لأجلها، وإلا امتنع. وقد نص إمام الحرمين وغيره على استقباح تخصيص الحنفية قوله ﵊ «أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل» بالمكاتبة أو بالأمة وأن هذا التخصيص في غاية البعد، ولا يجوز لغة، مع أن نوع المكاتبة أو الأمة أفراده غير متناهية، فكيف إذا لم يبق إلاّ فرد واحد فكان أشد بالقبح.
وأما المعظم نفسه فهو في معنى الجمع العظيم فقد وُزن أبو بكر بالأمة، فرجح، ووُزن عمر بالأمة فرجح ﵄ فكيف بالأنبياء ﵊، فكيف بسيد المرسلين ﷺ .
стр. 224
الفصل السادس في حكمه بعد التخصيص
لنا وللشافعية والحنفية في كونه بعد التخصيص حقيقة أو مجازاً قولان، واختار الإمام وأبو الحسين التفصيل بين تخصيصه بقرينة مستقلة عقلية أو سمعية، فيكون مجازاً، وبين تخصصه بالمتصل كالشرط والاستثناء والصفة، فيكون حقيقة.
الحق أنه مجاز لأنه وضع للعموم واستعمل في الخصوص، فقد استعمل في غير موضوعه، واللفظ المستعمل في غير موضوعه مجاز إجماعاً.
حجة كونه حقيقة أن لفظ المشركين إذا أريد به الحربيون فقط، والحربيون مشركون قطعاً، فيكون اللفظ مستعملاً في موضوعه فيكون حقيقة.
جوابه: أن الحربيين مشركون، غير أن صيغة العموم لم توضع لمفهوم مشركين، بل وضعت للكلية التي هي كلّ فرد فرد، وبحيث لا يبقى فرد، وهذه الكليّة لم يستعمل اللفظ فيها بل في غيرها فيكون مجازاً.
حجة التفريق أن القرينة المتصلة لا تستقل بنفسها، فإن الاستثناء والشرط والصفة لفظ لا يستقل. وقاعدة العرب أن اللفظ المستقل إذا تعقبه ما لا يستقل بنفسه صيره مع اللفظ المستقل كلفظة واحدة، ولا يثبتون للأول حكماً إلاّ به فيكون المجموع حقيقة فيما بقي بعد التخصيص، حتى قال القاضي وجماعة إن الثمانية لها عبارتان (١) ثمانية، وعشرة إلاّ اثنين، وتقول الحنفية الاستثناء تكلُّم بالباقي بعد الثُّنيا ومرادهم ما ذكرناه، وأما التخصيص المنفصل كنهيه ﵊ عن قتل النسوان والصبيان بعد الأمر بقتل المشركين، ونهيه ﵊
стр. 225
عن بيع الغرر، بعد قوله تعالى: «وأحل الله البيع» (١) ، فهذه لأجل استقلاله يستحيل جعله مع الأصل كلاماً واحداً، فيتعين أن اللفظ الأوّل استعمل في غير موضوعه فيكون مجازاً.
وجوابه: أن جعل غير المستقل مع الأصل كلاماً واحداً غير صحيح، فإن (إلاّ) للإخراج إجماعاً واشتقاقاً من الثَّنْي وهو فرع وجود شيء يرجع ويثنى عليه ومتى جعل الجميع كلاماً واحداً بطل هذا كله، بل الحق أن كلام أخرج منه كلام. نعم معنى الكلام الأوّل لا يستقر حتى بتعقبه السكوت، وعدم استقرار حكم الأوّل لا يصيره جزء كلام، ثم إن هذا إذا سلم يتأتى في المخصص اللفظي المتصل وهو لا يتأتى في المخصص العقلي؛ فإن العقلي مستقل.
وهو حجة عند الجميع إلاّ عيسى بن أبان وأبا ثور، وخصص الكرخي التمسك به إذا خصص بالمتصل، وقال الإمام فخر الدين إن خصص تخصيصاً إجمالياً نحو قوله هذا العام مخصوص فليس بحجة، وما أظنه يخالف في هذا التفصيل.
لنا أنه وضع للاستغراق ولم يستعمل فيه فيكون مجازاً ومقتضياً لثبوت الحكم لكل أفراده، وليس البعض شرطاً في البعض، وإلا لزم الدور، فيبقى حجة في الباقي بعد التخصيص.
كونه حجة هو الصحيح، وقد قيل ما من عام إلاّ وقد خص إلاّ قوله تعالى: «والله بكل شيء عليم» وروى ذلك عن ابن عباس، وحينئذ لا يبقى حجة في جميع عمومات الكتاب والسنة، وذلك تعطيل للاستدلال.
حجة عيسى بن أبان بأن حقيقة اللفظ هي الاستغراق وهو غير مراد، وإذا خرجت الحقيقة عن الإرادة لم يتعين مجاز يحمل اللفظ عليه، إذ ليس البعض أولى من البعض، فيتعين الإجمال، فسقط الاستدلال.
стр. 226
جوابه: هذا إنّما يصح إذا كان المجاز أجنبياً عن الحقيقة كالأسد إذا لم تكن الحقيقة فيه مراده، وليس بعض الشجعان، أولى من بعض فيتعين الإجمال، أما المجاز في العام المخصوص فمتعين لأنه ليس أجنبياً بل محرر التجوز ما بقي بعد التخصيص فلا إجمال.
وأما مستند الكرخي في التفصيل، فهو بناء منه على أن المخصص المتصل يصير مع الأصل حقيقة فيما بقي، والحقيقة حجة والمخصص المنفصل لا يمكن جعله حقيقة مع الأصل، فيتعين المجاز والإجمال.
وجوابه ما تقدم.
وأما تفصيل الإمام فخر الدين فليس تفصيلاً في التحقيق بل راجع إلى القول بأنه حجة، فإن الله تعالى إذا قال: «اقتلوا المشركين» ثم قال حرمت عليكم طائفة معينة لا أعينها لكم، فلا شك أنا نتوقف عن القتل قطعاً حتى نعلم الواجب قتله من المحرم قتله، وهذا لا يتصور فيه الخلاف، بل هذا تفريع على أنه بعد التخصيص حجة إلاّ أن يكون التخصيص إجمالياً.
وقولي ليس البعض شرطاً في البعض هذه حجة الإمام في المحصول، وبسطها أن ثبوت الحكم في البعض الباقي بعد التخصيص إما أن يتوقف على ثبوته في البعض المخرج أو لا يتوقف، فإن لم يتوقف كان حجة فيما بقي، فإن عدم ما لا يتوقف عليه لا يضر، وإن كان ثبوت الحكم في هذا البعض متوقفاً على ثبوته في ذلك البعض فإما أن يكون ثبوته في ذلك البعض أيضاً متوقفاً على ثبوته في هذا البعض أو لا، فإن حصل التوقف من الطرفين لزم الدور، وإن حصل من أحد الطرفين دون الآخر لزم الترجيح من غير مرجح وهو محال.
فيتعين أن الحق في هذا التقسيم أن ثبوت الحكم في هذا البعض الباقي غير متوقف على ثبوته في ذلك البعض، وحينئذ يكون حجة، وهو المطلوب. وهذه الحجة ضعيفة بسبب أننا نختار التوقف من الطرفين.
стр. 227
قوله: يلزم الدور.
قلنا: لا نسلم وذلك أن التوقف قسمان: توقف معي وتوقف سبقي، والدور في الثاني دون الأوّل، فإن الإنسان إذا قال لغيره لا أخرج من هذا البيت حتى تخرج معي. وقال الآخر له: وأنا لا أخرج من هذا البيت حتى تخرج أنت معي، خرجا معاً وصدقا معاً فيما
التزماه، ولا دور ولا محال، أما إذا قال لا أخرج من هذا البيت حتى تخرج أنت قبلي، وقال الآخر وأنا لا أخرج حتى تخرج أنت قبلي، فإنهما إذا صدقا في ذلك يستحيل خروج واحد منهما للزوم الدور في توقف خروج كلّ واحد منهما على خروج الآخر توقفاً سبقياً، فعلمنا أن الدور إنّما يلزم من التوقف السبقي دون التوقف المعي، والتوقف في العموم بين بعضيه على وجه المعية دون السبقية، فلا دور.
فالحق حينئذ أن نقول اللفظ اقتضى ثبوت الحكم في جميع الأفراد على وجه واحد ونسبة واحدة، والأصل عدم الشرطية فلا يضر خروج البعض عن الإرادة ويكون اللفظ حجة الباقي، فهذه طريقة حسنة وسالمة عن المنوع.
والقياس على الصورة المخصوصة إذا علمت جائز عند القاضي إسماعيل منا، وجماعة من الفقهاء.
إذا خرجت صورة من العموم بخصص كما خرج بيع البر متفاضلاً من قوله تعالى: «وأحل الله البيع» (١) فهل يجوز قياس الأرز عليها بجامع القوت أو الطعم؟ خلاف.
حجة المنع أن الصورة المخصوصة على خلاف قاعدة العموم، فلو قسنا عليها أفضى ذلك إلى تكثير مخالفة الأصل وكثرة التخصيص، وهو غير جائز.
حجة الجواز أن قواعد الشرائع مراعاة الحكم والمصالح، فإذا استثنى الشارع
стр. 228
صورة لحكمة ثم وجد صورة أخرى تشاركها في تلك الحكمة وجب ثبوت ذلك الحكم، فيها تكثيراً للحكم والمصالح، وهذا مراعاة التخصيص؛ فإن إبقاء العموم على عمومه اعتبار لغوي، ومراعاة المصالح اعتبار شرعي، والشرعي مقدم على اللغة.
الفصل السابع في الفرق بينه وبين النسخ والاستثناء
إن التخصيص لا يكون إلاّ فيما يتناوله اللفظ بخلاف النسخ، ولا يكون إلاّ قبل العمل بخلاف النسخ، فإنه يجوز قبل العمل وبعده، ويجوز نسخ شريعة بأخرى ولا يجوز تخصيصها بها.
والاستثناء مع المستثنى منه كاللفظ الواحدة الدالة على شيء واحد ولا يثبت بالقرينة الحالية ولا يجوز تأخيره، بخلاف التخصيص. وقال الإمام والتخصيص كالجنس للثلاثة لاشتراكها في الإخراج، فالتخصيص والاستثناء إخراج الأشخاص، والنسخ إخراج الأزمان.
كون التخصيص لا يكون إلاّ فيما يتناوله اللفظ، اصطلاح وعبارة، لا معنى من المعاني، فإن القرائن أو غيرها إذا دلت على ثبوت حكم لعدة صور، فإذا خرجت منها صورة من الصور كان ذلك كإخراج صور من صورة تناولها صيغ العموم، غير أنه لا يسمى تخصيصاً اصطلاحاً، ويدخل النسخ فيما يتناوله اللفظ أو ثبت بالقرائن أو الفعل أو الإقرار، ولا يكون التخصيص إلاّ قبل العمل، لأن التخصيص بيان المراد، فإذا عمل به صار الجميع مراداً، فلا يبقى الإخراج بعد ذلك إلاّ نسخاً وإبطالاً لما هو مراد، والتخصيص هو إخراج غير المراد عن المراد، وبعد العمل بالجميع يتعذر ذلك، ويجوز النسخ أيضاً قبل العمل إذا علم أن مدلول اللفظ مراد.
وأما نسخ شريعة بشريعة فذلك لم يقع بين الشرائع في القواعد الكليّة، ولا في العقائد
стр. 229
الدينية، بل في بعض الفروع، مع جوازه في الجميع عقلاً، غير أنه لم يقع، وإذا قيل إن شريعتنا ناسخة لجميع الشرائع؛ فمعناه في بعض الفروع خاصة، فالشريعة الناسخة هي المتأخرة.
وأما تخصيص شريعة بشريعة فيمتنع. أما السابقة باللاحقة فلأن التخصيص بيان وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فلو خصصت المتأخرة المتقدمة لتأخر البيان عن وقت الحاجة، وأما تخصيص المتأخرة بالمتقدمة فلأن عادة الله أن لا يُنزل على قوم ولا يخاطبهم إلاّ بما يتعلق بهم خاصة، فلو نزل في المتقدمة ما يكون بياناً وتخصيصاً للمتأخرة لخوطبوا بما لا يتعلق بهم، وهذا كله عادة ربانية لا وجوب عقلي.
وأما الاستثناء فهو مع اللفظ المستثنى منه كاللفظة الواحدة الدالة على معنى واحد وهو ما بقي. قال القاضي أبو بكر: فالخمسة لها عبارتان: خمسة، وعشرة إلاّ خمسة. واعلم أن تعليلهم ذلك بأن الاستثناء غير مستقل بنفسه يلزم أن يكون التخصيص بالصفة والشرط والغاية كذلك، ولم يذكروه إلاّ في الاستثناء، وهنا فرق آخر يخص الاستثناء وهو أنه يخرج من العدد فتقول له عشرة إلاّ اثنين، وغير الاستثناء لا يمكن ذلك فيه، ولذلك لا يثبت بالقرينة الحالية، فإنه لو قال له عشرة إلاّ اثنين ودلت القرينة على أنه أراد خمسة، لزم أن يكون لفظ العشرة المجاز لا يجوز في لفظ العدد، والتخصيص يجوز بالقرينة، لأن التخصيص مجاز، والمجاز يدخل في العمومات إجماعاً، ولا يجوز أن يتأخر الاستثناء، فلا يقول له عشرة وبعد يوم يقول إلاّ اثنين، لأنه فضْلة في الكلام لا يستقل بنفسه وما لا يستقل بنفسه لا ينفرد بالنطق، وكذلك الشرط والغاية والصفة.
وأما التخصيص بالمخصص المنفصل فلا يمكن جعله مع العام المخصوص لفظاً واحداً؛ لاستقلال كلّ واحد منهما بنفسه. والصواب أن تقول الإخراج جنس للثلاثة: التخصيص والنسخ والاستثناء، فإن الشيء لا يكون جنساً لنفسه، فإذا قلنا التخصيص جنسي للثلاثة لزم أن يكون التخصيص جنساً لنفسه وهو محال. وقولنا التخصيص والاستثناء
стр. 230
إخراج للأشخاص, النسخ إخراج للأزمان ليس على إطلاقه، بل قد يكون التخصيص في الأزمان والاستثناء، فتقول ما رأيته طول الدهر أو جميع الأيام ومرادك عمرك خاصة، وتستثني أيامنا فتقول إلاّ يوم الجمعة مثلاً، وهذا بحسب ما يقع فيه العموم، فإن وقع في الأزمان وقع جواز التخصيص والاستثناء فيها، أو في الأشخاص وقع جواز التخصيص والاستثناء فيها، وقد يقع النسخ ولا إخراج زمان كنسخ الفعلة الواحدة التي لا يتعدد زمانها فلا يقبل الإخراج لأن الإخراج من الشيء فرع تعدده بين المخرج والمخرج عنه كأمر إبراهيم بذبح إسحق (١) ﵊ ولم يخرج منه بعض الأزمنة وبقي بعضها، بل بطل المأمور به بعض الأزمنة، وخرج المستقبل بعدها بالنسخ.
стр. 231
الباب السابع في أقل الجمع
قال القاضي أبو بكر ﵀ مذهب مالك أقل الجمع اثنان ووافقه القاضي أبو بكر على ذلك والأستاذ أبو إسحق وعبد الملك بن الماجشون من أصحابه، وعند الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله ثلاثة وحكاه عبد الوهاب عن مالك، وعندي أن محل النزاع مشكل لأنه إن كان الخلاف في صيغة الجمع التي هي الجيم والميم والعين لم يكن إثبات الحكم لغيرها من الصيغ، وقد اتفقوا على ذلك، وإن كان في غيرها من صيغ الجموع فهي على قسمين، جمع قلة وهو جمع السلامة مذكراً أو مؤنثاً ومن جمع التكسير القلة ما في قول الشاعر:
بأفْعُلٍ وأفعالٍ وأفعِلة وفِعْلة ... يعرف الأدنى من العدد
وجمع كثرة (١)
وهو ماعدا ذلك فجموع القلة المعشرة فما دون ذلك، وجموع الكثرة للأحد عشر فأكثر؛ هذا هو نقل العلماء، ثم قد يستعار كلّ واحد منهما للآخر مجازاً، والخلاف في هذه المسألة إنّما هو في الحقيقة اللغوية، فإن كان الخلاف في جموع الكثرة فأقلها أحد عشر فلا معنى للقول بالاثنين والثلاثة وإن كان في جموع القلة فهو يستقيم، لكنهم لما أثبتوا الأحكام والاستدلال في جموع الكثرة علمنا أنهم غير مقتصرين عليها وأن محل الخلاف ما هو أعم منها لا هي.
مثال جمع السلامة ما جمع بالواو والنون أو الياء والنون نحو مسلمون ومسلمين، أو بالألف والتاء وهو المؤنث، نحو مسلمات وعرفات، ومثال أفعل أفلس،
стр. 232
ومثال أفعال أجمال وأحمال، ومثال أفعلة أرغفة وفعلة نحو صبية وغِلمة، فهذه هي جموع القلة إذا كانت منكرة يكون للعشرة فدونها إلى الاثنين أو الثلاثة على الخلاف، وإن كانت معرفة صارت لما لا يتناهى وهو العموم، ولا يبقى لمسماها أقل ولا أكثر، بل رتبة واحدة وهي العموم بخلاف المنكر، فإن مسماه، وهو كونه جمعاً متردد بين مراتب مختلفة، وكل تلك
المراتب يصدق عليها أنها جمع فألف رجل جمع، ورجال وثلاثة جمع.
قال صاحب المفصل قد يستعار لفظ الجمع الموضوع للقلة للكثرة، والموضوع للكثرة للقلة، وقوله قد يستعار كلّ واحد منهما للآخر يدل على أنه ليس موضوعاً له فإن المستعار مجاز إجماعاً، وكذلك قال ابن الأنباري قد يستعار كلّ واحد منهما للآخر بسبب اشتراكهما في معنى الجمع، فإبداؤه للعلاقة المصححة للمجاز دليل المجاز، وكذلك قال غيرهما.
واستشكل جماعة من المفسرين والنحاة قوله تعالى: «ثلاثة قروء» (١) فقالوا ثلاثة دون العشرة، فكان المنطبق عليها أقراء الذي هو أفعال لأنه من صيغ جموع القلة أما قروء [الذي على وزن (٢) ] فعول فهو من جموع الكثرة فلم يعبر به عن الثلاثة، مع إمكان التعبير بما ينطبق على الثلاثة، وهذا كله يقتضي أن جمع الكثرة لم يتناول ما دون العشرة إلاّ مجازاً ولا يتناوله حقيقة، ويشكل جعل أقل مسماه ثلاثة بل أحد عشر، وهذا موضع صعب وأجاب عنه بعض الفضلاء.
قال: الجواب عنه أن الكلام في هذه المسألة إنّما هو في الحقيقة العرفية دون اللغوية والعرف سوى بين القسمين القلة والكثرة، فلذلك أطلقت الفتيا في القسمين.
وهو جواب لا يصح لأن بحث العلماء في أصول الفقه المهم منه الحقيقة اللغوية دون غيرها وهي المراد بقولنا الأمر للوجوب، والأمر للتكرار، والصيغة العموم، والأمر للفور، والنهي للتحريم، وغير ذلك من المباحث إنّما يريدون الحقيقة اللغوية وهي المهمة في أصول الفقه، حتى إذا تقررت حمل عليها الكتاب والسنة.
وثانيها: إذا سلم له أن بحثهم في الحقيقة العرفية فلم لا ذكروا اللغوية، وكيف يليق أن يعتقد فيهم أنهم تركوا المهم أبداً ولم يذكروا إلاّ غير المهم؟!
стр. 233
وثالثها: أن الكلام لو كان في الحقيقة العرفية لكان استدلالهم بالعرفيات، وكانوا يقولون: لأن أهل العرف يقولون، وهم لا يقولون ذلك، بل يقولون في استدلالهم: فرقت العرب بين ضمير المفرد وضمير التثنية وضمير الجمع فقالوا اضرب ضرباً ضربوا، وقالوا رجلان ورجل، ففرقوا بين التثنية والجمع، ويستدلون بآيات الكتاب العزيز، وذلك كله يقتضي أنهم لا يريدون العرف، فإن من ادعى العرف غير اللغة لا يمكنه التمسك بالقرآن؛ فإنه لم ينزل بالعرف بل باللغة، وهذا واضح وحينئذ يتعين أنهم يريدون الحقيقة اللغوية وهي مشكلة كما تقدم.
بل الذي تقتضيه القواعد أن يقولوا أقل مسمى الجمع المنكر من جموع القلة اثنان أو ثلاثة وأقل جموع الكثرة المنكرة أحد عشر، هذا متجه لا خفاء فيه. أما التعميم فمشكل جداً.
ومقتضى القواعد أن القائل إذا قال لله عليّ صوم شهور، أن يلزمه أحد عشر شهراً لأنه جمع كثرة، أو صوم أيام أن يلزمه ثلاثة لأنه جمع قلة، أو قال عليّ له دراهم أو دنانير أن يلزمه أحد عشر لأنه جمع كثرة، وتتقرر الفتاوى وأقضية الحكام على هذه الصورة حتى يثبت لهذه القواعد ناسخ عرفي أو شرعي. فهذه وجه الإشكال.
وأنا الآن أجري على عادتهم في الحجاج فأقول حجة القول بالثلاثة ما تقدم من تفرقة العرب بين التثنية والجمع ضميراً وظاهراً والأصل في الاستعمال الحقيقة ولأنه المتبادر للفهم عرفاً فوجب أن يكون لغة كذلك، لأن الأصل عدم النقل والتغيير، فمن قال معي دراهم لا يفهم السامع إلاّ ثلاثة فأكثر، حجة الاثنين قوله تعالى: «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا» (١) فأطلق ضمير الجمع الذي هو الواو على الطائفتين وهو تثنية، وقوله تعالى: «وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين» (٢) فقوله لحكمهم ضمير جمع عائد على داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام، فدل على أن الاثنين يصدق عليهما الجمع. وقوله تعالى: «وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب» إلى قوله: «إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة» (٣) فقوله إن هذا أخي يقتضي أنهما كانا اثنين مع ذلك فقال تعالى:
стр. 234
«إذ تسوروا المحراب» وهو ضمير جمع، وكذلك قوله تعالى: «قالوا لا تخف» (١) يدل على أن الاثنين يصدق عليهما لفظ الجمع.
والجواب عن الأوّل أن الطائفة جماعة والجماعتان جمع بالضرورة، فلذلك عاد عليه ضمير الواو.
وقوله تعالى: «لحكمهم» عائد على الحكمين والمحكوم له والمحكوم عليه فهم أربعة والمصدر كما يضاف للفاعل يضاف للمفعول فأضيف للجمع (٢) .
وعن الثالث أن الخصم في اللغة يصدق على الفرد والمثنى والجمع تقولا لعرب رجل خصم ورجلان خصم ورجال خصم، كما تقول رجل ضيف ورجلان ضيف ورجال ضيف فلما كان الخصم يطلق واحده على الجمع أطلق تثنيته على الجمع كما تقدم في التثنية
وربما استدلوا بقوله ﵊: «والاثنيان فما فوقهما جماعة» فسمى الاثنين جماعة وبأن معنى الجمع حاصل في الاثنين فوجب صدق الجمع عليهما.
والجواب عن الأوّل أن معناه فضيلة الجماعة تحصل للاثنين فالمراد الحكم الشرعي لا اللغوي فإنه ﵊ إنّما بعث لبيان الشرعيات.
وعن الثاني أن معنى الضم والاجتماع صادق على التثنية والاثنين إجماعاً إنّما الكلام في ألفاظ الجموع هل تصدق على الاثنين حقيقة أم لا فأين أحدهما من الآخر؟!
فائدة: على ما تقدم نم لفظ جمع القلة والكثرة يكون ضابط جمع القلة هو اللفظ الموضوع للاثنين فأكثر، أو الثلاثة فأكثر على الخلاف بقيد كونه لا يتعدى العشرة فهو موضوع للقدر المشترك بين هذه الرتب الحاصلة من الثلاثة إلى العشرة وجمع الكثرة هو اللفظ الموضوع للأحد عشر فأكثر من غير حصر، فهو للقدر المشترك بين هذه الرتب التي لا نهاية لها بقيد كونها لا تنقص عن الأحد عشر فسماها غير محصور، بخلاف مسمى جموع القلة.
فائدة: معنى قول العلماء أقل الجمع اثنان أو ثلاثة، معناه أن مسمى الجمع مشترك فيه (٣) بين رتب كثيرة وأقل مرتبة يصدق فيها المسمى هي الاثنان فيصير معنى الكلام أقل مراتب مسمى الجمع اثنان أو ثلاثة.
стр. 235
الباب الثامن في الاستثناء
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول في حده
وهو عبارة عن إخراج بعض ما دل اللفظ عليه ذاتاً كان أو عدداً أو ما لم يدل عليه، وهو إما محل المدلول أو أمر عام بلفظ إلاّ أو ما يقوم مقامها، فالذات نحو رأيت زيداً إلاّ يده، والعدد أما متناه نحو له عندي عشرة إلاّ اثنين، أو غير متناه نحو اقتلوا المشركين إلاّ أهل الذمة، ومحل المدلول نحو أعتق رقبة إلاّ الكفار، وصل إلاّ عند زوال الشمس.
إن قلنا إن الأمر ليس للتكرار، فإن الرقبة أمر مشترك عام يقبل أن يعين في محال كثيرة من الأشخاص، فإن كلّ شخص هو محل لأعمه، وكذلك العمل حقيقة كليّة تقبل الوقوع في أي زمان كان، والأزمان محل الأفعال والأشخاص محل الحقائق. والأمر العام نحو قوله تعالى: «لتأتنني به إلاّ أن يحاط بكم» (١) أي لتأتنني به في كلّ حالة من الحالات إلاّ في حالة الإحاطة بكم، فالحالة أمر عام لم يدل عليها اللفظ وكذلك محال المدلول ليس مدلولة اللفظ فإن فرعت على أن الاستثناء المنقطع مجاز فقط كمل الحد، فأنا إنّما نحد الحقيقة، وإن قلت هو حقيقة ردت بعد قولك أو أمر عام أو ما يعرض في نفس المتمم فتكون أو للتنويع، كأنك قلت أي شيء وقع على وجه من هذه الوجوه فهو استثناء.
стр. 236
قولي أو ما يقوم مقامها لا يصح بسبب أن الذي يقوم مقامها إنّما يعرف من يعرف الاستثناء، فقد عرفنا الاستثناء بما لا يعرف إلاّ بعد معرفته وهو دور، ثم نقول الصفة والشرط والغاية تقوم مقام (إلاّ) في الإخراج وليست استثناء اتفاقاً، وهذا الحد ذكره الإمام أعني هذا القيد على هذه الصورة من الإشكال، بل ينبغي أن يقال في حده هو ما لا يدخل في الكلام إلاّ الإخراج بعضه أو بعض أحواله أو متعلقاته، مع ذكر لفظ المخرج، ولا يستقل بنفسه.
فقولنا الإخراج بعضه احترازاً من النسخ، فإنه قد يبطل الكل، وقولنا أو بعض متعلقاته يريد ما يجوز استثناؤه مِمّا لم يدل اللفظ عليه، وهي ثمانية، سيأتي - إن شاء الله تعالى - بيانها.
وقولي مع ذكر لفظ المخرج احترازاً من الصفة والغاية والشرط، فإن الخارج بسببها لم يذكر لفظه نحو: اقتلوا المشركين إن حاربوا، خرج أهل الذمة ولم يذكر لفظهم، وحتى يتركوا الحرابة خرج أهل الذمة ولم يذكروا، أو المحاربين، خرج بالصفة أهل الذمة ولم يذكروا، بخلاف قولنا إلاّ أهل الذمة، المستثنى المخرج مذكور بلفظه.
وقولي لا يستقل بنفسه احترازاً من قولنا اقتلوا المشركين لا تقتلوا أهل الذمة، فإنه ليس استثناءً لكونه جملة مستقلة بنفسها، وكذلك قولنا قام زيد لا عمرو، وأخرجنا عمراً مِمّا دخل فيه زيد، ولكن ليس بعض زيد ولا من متعلقاته وحينئذ ينطبق الحد على الاستثناء.
فائدة: أدواته أحد عشر (إلاّ) وهي أم الباب، وغير وليس ولا يكون وحاشا وخلا وعدا وسوى وسُوى وسواء واعدا وما خلا ولاسيما على خلاف فيها.
стр. 237
الفصل الثاني في أقسامه
وهو ينقسم إلى الإثبات والنفي والمتصل والمنقطع وضبطهما مشكل فينبغي أن تتأمله، فإن كثيراً من الفضلاء يعتقد أن المنقطع هو الاستثناء من غير الجنس، وليس كذلك، فإن قوله تعالى: «لا يذوقون فيها الموت إلاّ الموتة الأولى» (١) منقطع على الأصح مع أن المحكوم عليه بعد إلاّ هو بعض المحكوم عليه أولاً ومن جنسه، وكذلك قوله تعالى: «لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاّ أن تكون تجارة» (٢) منقطع مع أن المحكوم عليه بعد إلاّ هو عين الأموال التي حكم عليها قبل إلاّ، بل ينبغي أن تعلم أن المتصل عبارة عن أن تحكم على جنس ما حكمت عليه أولاً بنقيض ما حكمت به أولاً فمتى انخرم قيد من هذين القيدين كان منقطعاً فيكون المنقطع هو أن تحكم على غير جنس ما حكمت عليه أولاً بغير نقيض ما حكمت به أولاً، وعلى هذا يكون الاستثناء في الآيتين منقطعاً للحكم فيهما بغير النقيض، فإن نقيض لا يذوقون فيها الموت، يذوقون فيها الموت، ولم يحكم به، بل بالذوق في الدنيا، ونقيض ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل كلوها بالباطل، ولم يحكم به، وعلى هذا الضابط يخرج جميع أقوال العلماء في الكتاب والسنة ولسان العرب.
يكون الاستثناء المتصل مركباً من قيدين، الاستثناء من الجنس والحكم بالنقيض، والمنقطع نقيض ذاك المركب، فأي قيد انعدم حصل نقيض ذلك المركب فحصل المنقطع، ويكون الانقطاع قسمين: تارة يحصل بسبب الحكم على
стр. 238
غير الجنس، نحو رأيت إخوتك
إلاّ ثوباً، وتارة بسبب الحكم بغير النقيض نحو رأيت إخوتك إلاّ زيداً لم يسافر.
وقولي «لا يذوقون فيها الموت» منقطع على الأصح، أريد أن أصل الذوق هو إدراك الطعوم خاصة، وهو في مجرى العادة باللسان، ثم أستعمل مجازاً في إدراك ما قام بالذائق، حو ذاق الفقر وذاق الغنى وذاق الولاية، فهذا مجاز، فإذا لاحظناه وهو لا يدركون الموتة قائمة بهم في الجنة، بل كان ذلك في الدنيا فتعين الانقطاع.
ولنا أن نتجوز بلفظ الذوق إلى أصل الإدراك الذي هو الشعور والعلم، ويصير معنى الكلام لا يعلمون فيها الموت إلاّ الموتة الأولى فإنهم لا يعلمونها في الجنة، فيصير الاستثناء متصلاً، والعلم حاصل لهم في الجنة بأنهم ماتوا في الدنيا، وهذا مجاز، والأول أيضاً مجاز، لأن الموت ليس من ذوات الطعوم، لكن الأوّل أقرب إلى الحقيقة؛ لأن القيام حاصل في الطعوم، وفي الموت حالة حصوله، ففي وصف القيام خصوص أوجب قرب الأوّل للحقيقة وبعد الثاني، والعلاقة في الآيتين التعبير بالأخص عن الأعم، فإن إدراك الطعوم هو إدراك مع خصوص كون المدرك طعماً وقيامه بالذائق، فإن أحد الخصوصين في المجاز الأوّل بالخصوصان منفيان في المجاز معاً في المجاز الثاني فلذلك كان أبعد.
فائدة: قال الله تعالى في الآية الأخرى: «قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين» (١) ، وذلك يقتضي أنهم ماتوا مرتين، وهذه الآية تقتضي أنهم ماتوا مرة واحدة، فكيف الجمع بينهما.
الجواب أن هذه الآية يمكن حملها على الأرواح، وهي لا تموت إلاّ مرة واحدة عند الصعقة الأولى، لقوله تعالى: «فصعق من في السموات ومن في الأرض إلاّ من شاء الله» (٢) قيل المستثنى أرواح الشهداء، وقيل أرواح الأنبياء، وقيل
стр. 239
طائفة من الملائكة، والموتتان للجسد. قال المفسرون: الإنسان قبل أن يصير منِيًّا كان متصلاً بجسد أبيه، فهو حينئذ أجزاء حية، وإذا انفصل منيا مات، ثم ينفخ فيه الروح وهو جنين، ثم يموت عند أجله، فهاتان موتتان للجسد والموتة الواحدة للروح، فحصل الجمع بين الآيتين.
الفصل الثالث في أحكامه
اختار الإمام أن المنقطع مجاز، ووافقه القاضي عبد الوهاب، وفيه خلاف، وذكر القاضي أن قول القائل له عندي مائة دينار إلاّ ثوباً من هذا الباب، فإنه جائز على المجاز، وإنه يرجع إلى المعنى بطريق القيمة قال خلافاً لمن قال إنه مقدر بلكن، ولمن قال أنه كالمتصل.
منشأ الخلاف في هذه المسألة أن العرب هل وضعت (إلاّ) لتركبها مع جنس ما قبلها، أو تركيبها مع الجنس وغيره؛ فيكون الخلاف في أنه مجاز يرجع إلى هذا؛ فإن قلنا بالقول الأوّل تعين أن يكون المنقطع مجازاً في التركيب، ويتوقف كون المتصل حقيقة لغوية، على أن العرب وضعت المركبات كما وضعت المفردات وهذه مسألة خلاف.
واختار الإمام أن المجاز المركب عقلي، ومعناه ليس حقيقة لغوية، فلم تضع المركبات، وأما له عندي مائة دينار إلاّ ثوباً، فمعناه إلاّ قيمة ثوب، فهو استثناء من لازم المنطوق، لأن من لازم المائة دينار قيمة ثوب.
واختلفت عبارات الأصوليين في هذا الموضع، فمنهم من يقول عبر بالثوب عن قيمة من غير حذف، فيكون لفظ الثوب على هذا مجازاً، ومنهم من يقول
стр. 240
نَمَّ مضاف محذوف تقديره إلاّ قيمة ثوب؛ فيكون لفظ الثوب على هذا مستعملاً في موضوعه حقيقة والمعنى واحد.
وأما قوله خلافاً لمن قال إنه مقدر بلكن، فقد وافقه الإمام على هذه العبارة، وهي باطلة، بسبب أن الاستثناء المنقطع عند الناس أجمعين مقدر بلكن، ومعنى هذا التقدير أن (إلاّ) في هذا المقام تشبه (لكن) من جهة أن (لكن) يكون ما بعدها مخالفاً لما قبلها (وإلا) كذلكن فأطلق على لفظ (إلاّ) (لكن) لهذه المشابهة، هذا تقدير البصريين. وقدرها الكوفيون بسوى، لأن سوى أيضاً فيها معنى المغايرة فيما بعدها لما قبلها، ورجَّح البصريون تقديرهم بأن لكن حرف، وسوى اسم، وتقدير الحرف بالحرف أولى من تقديره بالاسم. فإن قلت معنى المخالفة حاصل في (إلاّ) في الاستثناء المتصل كما هي حاصلة في المنقطع فينبغي أن تقدر في الموطنين بلكن. قلت: ليس كذلك، بل المنقطع ما بعد إلاّ لم يتناوله ما قبلها، وكذلك (لكن) لا يكون ما بعدها دل عليه ما قبلها، فهذه خصوصية المنقطع، وهي في لكن، وليست في المتصل.
وأما قوله وخلافاً لمن قال إنه كالمتصل، يريد خلافاً لمن قال إنه حقيقة لا مجاز وإلا لم يقل أحد: إنه إذا كان من غير الجنس يكون من الجنس، فإن ذلك خلاف الفرض وخلاف الواقع.
ويجب اتصال الاستثناء بالمستثنى منه عادة، خلافاً لابن عباس ﵄، قال الإمام إن صح النقل عنه يحمل على ما إذا نوى عند التلفظ ثم أظهره بعد ذلك.
قولنا: عادة: احتراز من انقطاع بسعال أو عطاس، أو يعطف الجمل بعضها على بعض ثم يستثنى بعد ذلك، فإن ذلك لا يقدح في الاتصال؛ لأنه متصل عادة.
وقولنا: خلافاً لابن عباس. اعلم أن الاستثناء مشتق من الثَّنْي، ووجه مشابهته به أن الذي يثني الثوب ينقص في رأي العين مساحته، والمستثنى ينقص كلامه بسبب الاستثناء عما كان عليه قبل الاستثناء، فهذا وجه الشبه، ومقتضاه أن إطلاق
стр. 241
لفظ الاستثناء على هذه الصيغة مجاز، وأن الثنْي حقيقة في الأجسام، فاستعماله في المعاني ينبغي أن يكون مجازاً، ويقال ثنيا وثنوا واستثناء، وهذه الألفاظ تطلق على معنيين بطريق الاشتراك أو المجاز في أحدهما، والحقيقة في الآخر؛ فإخراج بعض من كلّ بلفظ (إلاّ) ونحوها يسمى استثناء أيضاً؛ لقوله ﵊ «من حلف واستثنى عاد كمن لم يحلف» أي قال إن شاء الله تعالى، وهذا تعليق، وكذلك نهيه ﵊ عن بيع الثُّنيا. قال العلماء معناه بيع وشرط، مع أن صاحب المحكم في اللغة وغيره نقل أن الاستثناء والثنيا والثنو بمعنى واحد، فاحتمل أن تكون هذه الألفاظ مشتركة بين المعنيين، واحتمل أن تكون حقيقة في أحدهما مجازاً في الآخر هو محل نظر، وعلى التقديرين المعنيان مختلفان وليس معنى واحداً.
والذي أحفظه عن ابن عباس ﵄ إنّما هو في التعليق على مشيئة الله، وأن مستنده في ذلك قوله تعالى: «ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلاّ أن يشاء الله، واذكر ربك إذا نسيت» (١) أي إذا نسيت أن تستثني عند القول فاستثن بعد ذلك، ولم يحدد تعالى لذلك غاية، فروى عنه جواز النطق بالمشيئة استثناءً أبدا، وروى عنه أيضاً سنة، وهذا كله في غير إلاّ وأخواتها، فحكاية الخلاف عنه في إلاّ وأخواتها لم أتحققه. والمروي عنه ما ذكرته لك؛ فأخشى أن يكون النقل اغتر بلفظ الاستثناء، وأنه وجد ابن عباس يخالف في الاستثناء وهذا استثناء فنقل الخلاف إليه، وليس هو فيه اغتراراً باللفظن مع أن المعاني مختلفة، فهذا ينبغي أن يُتأمل.
وبالجملة فتجري على العادة من غير تفصيل، فتقول حجة الانفصال أمور: أحدها قوله تعالى: «غير أولي الضرر» (٢) فإنَّها نزلت بعد قوله تعالى: «لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون» (٣) فشكا ابن أم مكتوم ذلك لرسول الله - صلى
стр. 242
الله عليه وسلم -، لعجزه عن الجهاد بسبب كونه أعمى؛ فنزل قوله تعالى: «غير أولي الضرر» وهذا استثناء وقد تأخر عن أصل الكلام، والآية المتقدمة أيضاً وهي قوله تعالى: «واذكر ربك إذا نسيت» حجة المنع أنه يقبح قول القائل لغيره بع ثوبي ثم يقول بعد غد إلاّ من زيد، وإذا كان قبيحاً عُرفاً قَبُح لغة، لأن الأصل عدم النقل والتغيير وقياساً على الشرط والغاية والصفة، فإنه لا يجوز تأخيرها، والجامع كون كلّ واحد منهما فضلة في الكلام غير مستقلة.
واختار القاضي عبد الوهاب والإمام جواز استثناء الأكثر، وقال القاضي أبو بكر
يجب أن يكون أقل، وقيل يجوز المساوي دون الأكثر لقوله تعالى: «إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلاّ من اتبعك من الغاوين» (١) ومعلوم أنه أكثر.
في هذه المسألة خمسة مذاهب: يجوز الأكثر، لا يجوز إلاّ المساوي، لا يجوز إلاّ الأقل، لا يجوز إلاّ الكسر، ويمتنع عقد تام فلا يجوز عشرة إلاّ واحداً بل إلاّ نصف واحد، أو كسراً من كسوره، أما الواحد التام فلا، وكذلك لا يجوز مائة إلاّ عشرة، ولا ألف إلاّ مائة، لأن نسبة الواحد إلى العشرة كنسبة العشرة إلى المائة والمائة إلى الألف؛ فإن الجميع عقد صحيح، بل يستثنى بعض العشرة من المائة، وبعض المائة من الألف فقط.
قال أرباب هذا المذهب: ولم يقع في الكتاب والسنة إلاّ مذهبنا، قال الله تعالى: «ألف سنة إلاّ خمسين عاماً» (٢) وخمسين من الألف بعض عقد، وقال ﵊ «إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلاّ واحداً» فاستثنى من المائة واحداً وهو بعض عقد المائة، فإن عقدها عشرة، حكى هذا المذهب سيف الدين الآمدي والمازري في شرح البرهان والزيدي في شرح الجزولية، فهذه أربعة مذاهب.
وحكى ابن طلحة الأندلسي في كتاب المدخل له في الفقه: إذا قال لامرأته أنت طالق ثلاثاً إلاّ ثلاثاً، في لزوم الثلاث له قولان، نعدم اللزوم يقتضي جواز استثناء
стр. 243
الكل من الكل، مع أنه قد حكى في منعه الإجماع فهذه خمسة مذاهب.
قال الزيدي وغيره أن قصر الاستثناء على الأقل (١) هو مذهب أكثر النحاة والفقهاء والقاضي أبي بكر ومالك وغيره من الفقهاء، وهو مذهب البصريين.
حجة جواز الأكثر ما تقدم من الآية، وأن القائل إذا قال له عندي عشرة إلاّ تسعة لا يلزمه إلاّ واحداً اتفاقاً، ولأنه إخراج بعض من كلّ فيجوز كغيره.
والجواب عن الآية: أن المحذور في استثناء الأكثر المتكلم به يعد عابثاً وخارجاً عن نمط العقلاء في نطقه بشيء لا يعتقد أكثره، بخلاف الشيء اليسير ربما نُسي لقلته فيذكره في أثناء كلامه أو آخره، وإذا قال القائل إن عبيدي لا تقدر عليهم إلاّ من وافقك، فوافقه أكثرهم أو كلهم لا يعد المتكلم عابثاً لكون البعض المخرج لم يتعين، وإنما يوجب العبث تعين الخارج من الكلام عند النطق. والآية الخارج منها غير متعين عند النطق، فإن قلت الله تعالى يعلم ذلك، فهو متعين عنده وهو المتكلم بهذه الآية. قلت: القرآن عربي كما وصفه الله تعالى بذلك، فكل ما كان حسناً في لغة العرب حَسَن في القرآن، وما امتنع
امتنع فيه، ولا تأخذ نصوص الربوبية في ذلك، بل اللغة العربية فقط، ولو تكلم بهذه الآية عربي لعدَّ غير عابث، فكذلك إذا وردت في القرآن.
وعن الثاني: أنه ممنوع.
وقال الحنابلة في الخرقى وغيره من كتبهم: إنه تلزمه العشرة لعدم صحة استثنائه.
وعن الثالث الفرق أن الحاجة تدعو لليسير دون الكثير.
وقد ظهر بهذه الكلام مستند الأقوال، فإن الدال على جواز الأكثر دال على المساوي والأقل. والأجوبة يؤخذ منها مستند المذهب الآخر.
стр. 244
فائدة: إذا قلنا يمتنع استثناء الكل من الكل فقد وقعت في المذاهب أمور على خلافه.
أحدها: نَقْلُ ابن طلحة المتقدم.
وثانيها: نقل صاحب الجواهر وغيره إذا قال أنت طالق ثلاثاً إلاّ ثلاثاً إلاّ اثنتين أو إلاّ واحدة قولين في لزوم الثلاث له، بناء على أنه استثنى ثلاثاً من ثلاث فيكون استثناؤه باطلاً، أو يقال استثناء يعقبه استثناء آخر يصره أقل من الثلاث وهو قوله إلاّ اثنتين، فبقي من الثلاث المخرجة واحدة فيلزمه اثنتان، لأن الثلاث الأولى كانت مثبتة، والثلاثة الباقية المستثناة منفية، والاستثناء الثاني وهو الاثنتان مثبت لأنه من نفى فتبقى واحدة منفية فقط، فيلزمه اثنتان.
وثالثها: نقل أصحابنا إذا قال أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلاّ واحدة أنه تلزمه اثنتان لاستثنائه الثالثة، مع أن الثالثة قد نطق بها بلفظ يخصها، فقد استثنى جملة ما نطق به فيها، ومع ذلك نفعه، وعللوا ذلك بأن خصوص الوحدات لا يتعلق بها غرض، فهو كقوله: أنت طالق ثلاثاً إلاّ واحدة، وهذا بخلاف ما إذا قال: قام زيد وعمرو وخالد إلاّ زيداً، فإنه استثنى جملة ما نطق به فيها، وشأنه أن يتعلق به غرض بخصوصه، ويلزم الأصحاب على هذه المسألة أن يقولوا إذا قال له عندي درهم ودرهم ودرهم إلاّ درهماً، أنه يلزمه درهمان فقط، فإن خصوص الدراهم غير مقصودة لاسيما والنقدان لا يتعينان عندنا، وكذلك الدنانير.
ورابعها: قال ابن أبي زيد في النوادر: إذا قال أنت طالق واحدة إلاّ واحدة لزمه واحدة إلاّ أن يعيد الاستثناء على الواحدة فيلزمه اثنتان، وتقريره أن الواحدة صفة والموصوف طالق وصفته الواحدةن فإذا رفع صفة الواحدة فقد رفع بعض ما نطق به، وإذا رفع الواحدة تعينت الكثرة، لأنه لا واسطة بينهما، وأقل مراتب الكثرة اثنتان فتلزمه اثنتان، لأن الأصل براءة الذمة من الزائد.
وقد ذكرت في هذه المسألة ستة أحوال لكل حالة حكم يخصها مستوعباً ذلك في كتاب الاستغناء في أحكام الاستثناء، وهو كتاب يسره الله تعالى: مجلداً كبيراً، نحو
стр. 245
الجلاب، كله في الاستثناء، فيه أحد وخمسون باباً، ونحو أربعمائة مسألة، فهذه المسألة في ظاهرها تقتضي أنها على خلاف هذه القاعدة، وفي الحقيقة لم يجر فيها استثناء الكل من الكل، لما تقدم أنه إنّما استثنى الصفة وهو بعض ما نطق به.
والاستثناء من الإثبات نفي اتفاقاً، ومن النفي إثبات خلافاً لأبي حنيفة ﵀ ومن أصحابه المتأخرين من يحكي التسوية بينهما في عدم إثبات نقيض المحكوم به بعد إلاّ.
لنا أنه المتبادر عرفاً فيكون لغة، لأن الأصل عدم النقل والتغيير، واعلم أن الكل اتفقوا على إثبات نقيض ما قبل الاستثناء لما بعده، ولكنهم اختلفوا، فنحن نثبت نقيض المحكوم به، والحنفية يثبتون نقيض الحكم، فيصير ما بعد الاستثناء غير محكوم عليه بنفي ولا إثبات.
إذا قلنا قام القوم إلاّ زيداً، فقد اتفقوا على أن إلاّ مخرجة وزيداً مخرَج وما قبل إلاّ مخرج منه، غير أنه قد تقدم قبل إلاّ (القيام) والحكم به. والقاعدة أن ما خرج من نقيض دخل في النقيض الآخر، فما خرج من العدم دخل في الوجود وما خرج ن الوجود دخل في العدم.
واختلفوا في أن زيداً هل هو مخرج من القيام وهو مذهبنا، أو من الحكم به وهو مذهبهم. فعندما لما خرج من القيام دخل في عدم القيام فهو غير قائم، وعندهم خرج من الحكم فدخل في عدم الحكم فهو غير محكوم عليه.
لنا أنه لو كان الاستثناء من النفي ليس إثباتاً لم تفد كلمة الشهادة الإسلام، لأنه لا يلزم أن يكون الله تعالى محكوماً له باستحقاق العبادة؛ لأنه حينئذ مستثنى من الحكم فهو غير محكوم عليه بشيء. ولأنه لو قال عند الحاكم ليس له عندي إلاّ مائة درهم، لم يفهم الحاكم إلاّ أنه اعترف بالمائة، وعلى رأيهم لا يكون اعترافاً بشيء، بل حكم على غير المائة بالنفي والمائة مسكوت عنها.
احتجوا بأن الألفاظ اللغوية إنّما تفيد الأحكام الذهنيّة، وتفيد الأحكام
стр. 246
الذهنيّة الأمور الخارجية، لأن الأصل مطابقتها لها. فإذا قال القائل قام القوم، فهمنا أنه حكم بذلك، ثم يستدل بظاهر حاله على أنه صادق في مقاله؛ فيعتقد أن القوم قاموا في الخارج، فإذا كان اللفظ إنّما يفيد المعاني الخارجية بواسطة إفادته للمعاني الذهنيّة، فهي حينئذ إنّما تستفاد
بوسط، وإفادة اللفظ للحكم بغير وسط، فصرف الاستثناء لما هو مستغن عن الوسط أولى من صرفه للأمور الخارجية المحتاجة للوسط، فإذا صرفناه للحكم أفاد رفع ذلك الحكم، وإن صرفناه للقيام في الخارج أفاد عدم القيام في الخارج، والأول أولى لاستغنائه، وهو المطلوب؛ فيكون الاستثناء من النفي ليس بإثبات وهو المطلوب.
وجوابه: أن هذا ترجيح لخلاف المتبادر إلى الأفهام من اللغات، والمبادرة أولى، ولربما احتجوا بقوله ﵊: «لا صلاة إلاّ بطهور» و «لا نكاح إلاّ بولي» ونحو ذلك من النصوص، وقالوا لو كان الاستثناء من النفي إثباتاً لزم ثبوت صحة الصلاة عند الطهور، وصحة النكاح عند وجود الولي، وهو خلاف الإجماع، ولأن تخلف المدلول عن الدليل خلاف الأصل، وهذه حجة قويّة في ظاهر الحال (١) .
فائدة: قول العلماء الاستثناء من النفي إثبات ليس على إطلاقهن لأن الاستثناء يقع من الأحكام نحو قام القوم إلاّ زيداً، ومن الموانع نحو لا تسقط الصلاة عن المرأة إلاّ بالحيض، ومن الشروط نحو لا صلاة إلاّ بطهور، فالاستثناء من الشروط مستثنى من كلام العلماء، فإنه لا يلزم من القضاء بالنفي لأجل عدم الشرط أن يقضى بالوجود لأجل وجود الشرط، لما تقدم أن الشرط لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم؛ فقول العلماء الاستثناء من النفي إثبات يختص بما عدا الشروط، لأنه لم يقل أحد من العلماء أنه يلزم من وجود الشروط وجود المشروط، وبهذه القاعدة يحصل الجواب عن شبهة الحنفية، فإن النصوص التي ألزمونا إياها كلها من باب الشروط، وهي ليست من صور النزاع فلا تلزمنا.
فائدة: قلت لفضلاء الحنفية كيف تقولون في الاستثناء المفرغ نحو ما قام إلاّ
стр. 247
زيد هل هو محكوم عليه بالقيام لضرورة تفرغ العامل له، أو تقولون هو مخرج من الحكم كما تقدم؟ قالوا الكل سواء عندنا، والقيام إنّما نجزم به، وغيره من الأحكام إنّما هو بقرائن الأحوال الدالة على ثبوت ذلك الحكم لذلك المستثنى لا باللفظ لغة، ولذلك قلنا إن كلمة الشهادة تفيد التوحيد بالقرائن الدالة من ظاهر كلّ متلفظ بها، أنه إنّما يقصد التوحيد دون التعطيل.
وإذا تعقب الاستثناء الجمل يرجع إلى جملتها عند مالك والشافعي وعند أصحابهما - رحمة الله عليهم - وإلى الأخيرة عند أبي حنيفة ﵀ ومشترك بين الأمرين عن الشريف المرتضى (١) ، ومنهم من فصل فقال إن تنوعت الجملتان بأن تكون إحداهما
خبراً والأخرى أمراً عاد إلى الأخير فقط، وإن لم تتنوع الجملتان ولا كان حكم أحدهما في الأخرى، ولا أضمر اسم إحداهما في الأخرى فكذلك أيضاً، وإلا عاد إلى الكل، واختاره الإمام، وتوقف القاضي أبو بكر منا في الجميع.
مثال إحداهما خبراً والأخرى أمراً قولك قام الزيدون وأكرم العمرين إلاّ الطوال.
ومثال عدم التنوع وحكم إحداهما في الأخرى قام الزيدون والعمرون إلاّ الطوال؛ فإن العمرين ناب مناب الفعل في حقهم العطف، فقد يستغنى بحكم الأولى عن حكم الثانية، فصارت الثانية متعلقة بالأولى من حيث الجملة، وصارت الجملتان كالجملة الواحدة، فناسب العود عليهما.
ومثال إضمار الاسم دون الحكم قوله قام الزيدون وخرجوا إلاّ الطوال فإن الضمير الذي هو الواو عائد على الظاهر المتقدم، فقد صارت الثانية مفتقرة للأولى في
стр. 248
اسمها لأجل أنه مضمر يحتاج للتفسير فصارتا كالجملة الواحدة، فناسب العود عليهما.
حجتنا من وجوه: أحدها: أن الشرط إذا تعقب جملاً عاد إلى الكل فكذاا لاستثناء بجامع أن كلّ واحد منهما لا يستقل بنفسه، ولأن كلّ واحد منهما مخرج في المعنى، فإن عدم الشرط يخرج ما حصل العدم فيه من المشروط، ولقائل أن يقول على هذا: إن الشروط اللغوية أسباب والسبب مظنة الحكمة والمصلحة فناسب التعميم، والاستثناء إنّما هو لإخراج غير المراد عن المراد، ولعل بقاءه لا يقدح في المراد فهو فضلة مستغنى عنها لعدم الحكمة فيها، فظهر الفرق، ومع الفرق يمتنع الإلحاق.
سلمنا عدم الفارق لكنه قياس في اللغات وهو ممنوع عند كثير من المحققين.
وثانيها: أن حرف العطف يصيِّر المعطوف والمعطوف عليه كالجملة الواحدة فيعود الاستثناء عليهما كالجملة الواحدة.
ولقائل أن يقول: إن كلّ واحد من المعطوف والمعطوف عليه لفظه يدل عليه مطابقة ويمتنع استثناؤه بجملته، فلو قلت قام الزيدون والعمرون إلاّ العمرين لم يجز؛ فظهر الفرق.
وثالثها: أن المتكلم قد يكون محتاجاً لذكر الاستثناء من كلّ جملة، فإن ذكره عقيب كلّ واحد تكرر وكان عبثاً: فيتعين أن يذكره عقيب الكل دفعاً للحاجة وركاكة القول.
حجة أبي حنيفة من وجوه: أحدها أن الاستثناء على خلاف الأصل لأنه كالإنكار بعد الإقرار دعت الضرورة لاعتباره في جملة لئلا يصير لغواً فيبقى فيما عداها على مقتضى الأصل، ولك من قال باختصاصه بجملة قال هي الأخيرة ترجيحاً (١) للقرب على البعد.
стр. 249
ولقائل أن يقول إنّما يكون إقراراً أن لو لم يتصل به كلام لا يستقل بنفسه، وعادة العرب أنها معه تمنع اعتبار ما تقدم عليه إلاّ به، وكذلك الشرط والغاية والصفة، وقد تقدم تقريرهن فما تقدم إقرار حينئذ.
وثاينها: أن العرب اعتبرت القرب فيما يعود عليه فهما كذلك.
بيان الأوّل اتفاق البصريين فيما إذا اجتمع على المعمول الواحد عاملان؛ أن القريب يقدم نحو أكرمت وأكرمني زيد، وكذلك أكرم زيد عمراً وأكرمته، يتعين عود الضمير على عمرو، وإذا قلت أكرمت سلمى سعدى أن الفاعل سلمى لقربها لعدم ظهور الإعراب المرجح (١) وكذلك أعطى زيد عمراً بكراً، قالوا الأقرب للفعل الفاعل الآخذ لبكر وهو مفعول في اللفظ، فهذه أربعة أوجه دالة على اعتبار القرب.
بيان الثاني عملاً بالمناسبة التي ظهر اعتبارها.
وثالثها: أن الاستثناء لو عاد على جميع الجمل فإما أن يضمر عقيب كلّ جملة استثناء أو لا. الأوّل يلزم كثرة الإضمار وهو خلاف الأصل. والثاني يقتضي اجتماع عوامل كثيرة على معمول واحد. وسيبويه يمنعه.
ولقائل أن يقول على هذا الوجه: إن سيبويه يرى أن العامل في الاستثناء انتصابه عن تمام الكلام كالتمييز، ولا يعمل الفعل السابق، وفيه مذاهب ومباحث مذكورة في كتاب الاستغناء في أحكام الاستثناء.
حجة الشريف على الاشتراك وجوه: أحدها أنه إذا قال أكرمت جيراني وكسوت غلماني قائماً وفي الدار ويوم الجمعة، لم يفهم عود الحال والظرفين على الأوّل والثانية ولا يختص بإحداهما عيناً.
وجوابه: منع ذلك بل يختص بالأخيرة.
وثانيها: حسن الاستفهام في الاستثناء عقيب الجمل وهو دليل الاشتراك.
وجوابه: أن الاستفهام أعم من الاشتراك بل قد يكون لرفع المجاز أو لإبعاده أو لاهتمام المتكلم بالكلام، وقد تقدم تقريره.
стр. 250
وثالثها: أنه ورد في كتاب الله تعالى بالمعنيين، والأصل في الكلام الحقيقة فيلزم الاشتراك.
وجوابه: كما أن الأصل في الكلام الحقيقة فالأصل عدم الاشتراك.
فائدة: مثال عود ضمير في كتاب الله على الكل قوله تعالى: «كيف يهد الله قوماً كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين، أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون إلاّ الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم» (١) ، هذا في آل عمران، وفي المائدة قوله تعالى: «حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلاّ ما ذكيتم» (٢) فقيل منقطع، لأن ما ذكيتم من غير المذكورات وقيل متصل يعود على الميتة (٣) وما بعدها أي ما أدركتم ذكاته من هذه المذكورات.
مثال العائد على جملة واحدة قوله تعالى: «فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلاّ امرأتك» (٤) قرئ بالنصب استثناء من الجملة الأولى، وبالرفع استثناء من الثانية لأنها منفية، وتكون قد خرجت معهم ثم رجعت فهلكت، قاله المفسرون. وقوله تعالى: «إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مي إلاّ من اغترف غرفة بيده» (٥) فهذا يتعين عوده على الجملة الأولى دون الثانية، لأن مناسبة المعنى تقتضيه، ومما يمكن أن يكون من هذا الباب وألا يكون منه قوله تعالى: «والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلاّ بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما،