← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21813

شرح تنقيح الفصول

القرافي

Полный текст (458 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الذهنيّة الأمور الخارجية، لأن الأصل مطابقتها لها. فإذا قال القائل قام القوم، فهمنا أنه حكم بذلك، ثم يستدل بظاهر حاله على أنه صادق في مقاله؛ فيعتقد أن القوم قاموا في الخارج، فإذا كان اللفظ إنّما يفيد المعاني الخارجية بواسطة إفادته للمعاني الذهنيّة، فهي حينئذ إنّما تستفاد بوسط، وإفادة اللفظ للحكم بغير وسط، فصرف الاستثناء لما هو مستغن عن الوسط أولى من صرفه للأمور الخارجية المحتاجة للوسط، فإذا صرفناه للحكم أفاد رفع ذلك الحكم، وإن صرفناه للقيام في الخارج أفاد عدم القيام في الخارج، والأول أولى لاستغنائه، وهو المطلوب؛ فيكون الاستثناء من النفي ليس بإثبات وهو المطلوب. وجوابه: أن هذا ترجيح لخلاف المتبادر إلى الأفهام من اللغات، والمبادرة أولى، ولربما احتجوا بقوله ﵊: «لا صلاة إلاّ بطهور» و «لا نكاح إلاّ بولي» ونحو ذلك من النصوص، وقالوا لو كان الاستثناء من النفي إثباتاً لزم ثبوت صحة الصلاة عند الطهور، وصحة النكاح عند وجود الولي، وهو خلاف الإجماع، ولأن تخلف المدلول عن الدليل خلاف الأصل، وهذه حجة قويّة في ظاهر الحال (١) . فائدة: قول العلماء الاستثناء من النفي إثبات ليس على إطلاقهن لأن الاستثناء يقع من الأحكام نحو قام القوم إلاّ زيداً، ومن الموانع نحو لا تسقط الصلاة عن المرأة إلاّ بالحيض، ومن الشروط نحو لا صلاة إلاّ بطهور، فالاستثناء من الشروط مستثنى من كلام العلماء، فإنه لا يلزم من القضاء بالنفي لأجل عدم الشرط أن يقضى بالوجود لأجل وجود الشرط، لما تقدم أن الشرط لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم؛ فقول العلماء الاستثناء من النفي إثبات يختص بما عدا الشروط، لأنه لم يقل أحد من العلماء أنه يلزم من وجود الشروط وجود المشروط، وبهذه القاعدة يحصل الجواب عن شبهة الحنفية، فإن النصوص التي ألزمونا إياها كلها من باب الشروط، وهي ليست من صور النزاع فلا تلزمنا. فائدة: قلت لفضلاء الحنفية كيف تقولون في الاستثناء المفرغ نحو ما قام إلاّ

стр. 247

زيد هل هو محكوم عليه بالقيام لضرورة تفرغ العامل له، أو تقولون هو مخرج من الحكم كما تقدم؟ قالوا الكل سواء عندنا، والقيام إنّما نجزم به، وغيره من الأحكام إنّما هو بقرائن الأحوال الدالة على ثبوت ذلك الحكم لذلك المستثنى لا باللفظ لغة، ولذلك قلنا إن كلمة الشهادة تفيد التوحيد بالقرائن الدالة من ظاهر كلّ متلفظ بها، أنه إنّما يقصد التوحيد دون التعطيل. وإذا تعقب الاستثناء الجمل يرجع إلى جملتها عند مالك والشافعي وعند أصحابهما - رحمة الله عليهم - وإلى الأخيرة عند أبي حنيفة ﵀ ومشترك بين الأمرين عن الشريف المرتضى (١) ، ومنهم من فصل فقال إن تنوعت الجملتان بأن تكون إحداهما خبراً والأخرى أمراً عاد إلى الأخير فقط، وإن لم تتنوع الجملتان ولا كان حكم أحدهما في الأخرى، ولا أضمر اسم إحداهما في الأخرى فكذلك أيضاً، وإلا عاد إلى الكل، واختاره الإمام، وتوقف القاضي أبو بكر منا في الجميع. مثال إحداهما خبراً والأخرى أمراً قولك قام الزيدون وأكرم العمرين إلاّ الطوال. ومثال عدم التنوع وحكم إحداهما في الأخرى قام الزيدون والعمرون إلاّ الطوال؛ فإن العمرين ناب مناب الفعل في حقهم العطف، فقد يستغنى بحكم الأولى عن حكم الثانية، فصارت الثانية متعلقة بالأولى من حيث الجملة، وصارت الجملتان كالجملة الواحدة، فناسب العود عليهما. ومثال إضمار الاسم دون الحكم قوله قام الزيدون وخرجوا إلاّ الطوال فإن الضمير الذي هو الواو عائد على الظاهر المتقدم، فقد صارت الثانية مفتقرة للأولى في

стр. 248

اسمها لأجل أنه مضمر يحتاج للتفسير فصارتا كالجملة الواحدة، فناسب العود عليهما. حجتنا من وجوه: أحدها: أن الشرط إذا تعقب جملاً عاد إلى الكل فكذاا لاستثناء بجامع أن كلّ واحد منهما لا يستقل بنفسه، ولأن كلّ واحد منهما مخرج في المعنى، فإن عدم الشرط يخرج ما حصل العدم فيه من المشروط، ولقائل أن يقول على هذا: إن الشروط اللغوية أسباب والسبب مظنة الحكمة والمصلحة فناسب التعميم، والاستثناء إنّما هو لإخراج غير المراد عن المراد، ولعل بقاءه لا يقدح في المراد فهو فضلة مستغنى عنها لعدم الحكمة فيها، فظهر الفرق، ومع الفرق يمتنع الإلحاق. سلمنا عدم الفارق لكنه قياس في اللغات وهو ممنوع عند كثير من المحققين. وثانيها: أن حرف العطف يصيِّر المعطوف والمعطوف عليه كالجملة الواحدة فيعود الاستثناء عليهما كالجملة الواحدة. ولقائل أن يقول: إن كلّ واحد من المعطوف والمعطوف عليه لفظه يدل عليه مطابقة ويمتنع استثناؤه بجملته، فلو قلت قام الزيدون والعمرون إلاّ العمرين لم يجز؛ فظهر الفرق. وثالثها: أن المتكلم قد يكون محتاجاً لذكر الاستثناء من كلّ جملة، فإن ذكره عقيب كلّ واحد تكرر وكان عبثاً: فيتعين أن يذكره عقيب الكل دفعاً للحاجة وركاكة القول. حجة أبي حنيفة من وجوه: أحدها أن الاستثناء على خلاف الأصل لأنه كالإنكار بعد الإقرار دعت الضرورة لاعتباره في جملة لئلا يصير لغواً فيبقى فيما عداها على مقتضى الأصل، ولك من قال باختصاصه بجملة قال هي الأخيرة ترجيحاً (١) للقرب على البعد.

стр. 249

ولقائل أن يقول إنّما يكون إقراراً أن لو لم يتصل به كلام لا يستقل بنفسه، وعادة العرب أنها معه تمنع اعتبار ما تقدم عليه إلاّ به، وكذلك الشرط والغاية والصفة، وقد تقدم تقريرهن فما تقدم إقرار حينئذ. وثاينها: أن العرب اعتبرت القرب فيما يعود عليه فهما كذلك. بيان الأوّل اتفاق البصريين فيما إذا اجتمع على المعمول الواحد عاملان؛ أن القريب يقدم نحو أكرمت وأكرمني زيد، وكذلك أكرم زيد عمراً وأكرمته، يتعين عود الضمير على عمرو، وإذا قلت أكرمت سلمى سعدى أن الفاعل سلمى لقربها لعدم ظهور الإعراب المرجح (١) وكذلك أعطى زيد عمراً بكراً، قالوا الأقرب للفعل الفاعل الآخذ لبكر وهو مفعول في اللفظ، فهذه أربعة أوجه دالة على اعتبار القرب. بيان الثاني عملاً بالمناسبة التي ظهر اعتبارها. وثالثها: أن الاستثناء لو عاد على جميع الجمل فإما أن يضمر عقيب كلّ جملة استثناء أو لا. الأوّل يلزم كثرة الإضمار وهو خلاف الأصل. والثاني يقتضي اجتماع عوامل كثيرة على معمول واحد. وسيبويه يمنعه. ولقائل أن يقول على هذا الوجه: إن سيبويه يرى أن العامل في الاستثناء انتصابه عن تمام الكلام كالتمييز، ولا يعمل الفعل السابق، وفيه مذاهب ومباحث مذكورة في كتاب الاستغناء في أحكام الاستثناء. حجة الشريف على الاشتراك وجوه: أحدها أنه إذا قال أكرمت جيراني وكسوت غلماني قائماً وفي الدار ويوم الجمعة، لم يفهم عود الحال والظرفين على الأوّل والثانية ولا يختص بإحداهما عيناً. وجوابه: منع ذلك بل يختص بالأخيرة. وثانيها: حسن الاستفهام في الاستثناء عقيب الجمل وهو دليل الاشتراك. وجوابه: أن الاستفهام أعم من الاشتراك بل قد يكون لرفع المجاز أو لإبعاده أو لاهتمام المتكلم بالكلام، وقد تقدم تقريره.

стр. 250

وثالثها: أنه ورد في كتاب الله تعالى بالمعنيين، والأصل في الكلام الحقيقة فيلزم الاشتراك. وجوابه: كما أن الأصل في الكلام الحقيقة فالأصل عدم الاشتراك. فائدة: مثال عود ضمير في كتاب الله على الكل قوله تعالى: «كيف يهد الله قوماً كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين، أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون إلاّ الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم» (١) ، هذا في آل عمران، وفي المائدة قوله تعالى: «حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلاّ ما ذكيتم» (٢) فقيل منقطع، لأن ما ذكيتم من غير المذكورات وقيل متصل يعود على الميتة (٣) وما بعدها أي ما أدركتم ذكاته من هذه المذكورات. مثال العائد على جملة واحدة قوله تعالى: «فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلاّ امرأتك» (٤) قرئ بالنصب استثناء من الجملة الأولى، وبالرفع استثناء من الثانية لأنها منفية، وتكون قد خرجت معهم ثم رجعت فهلكت، قاله المفسرون. وقوله تعالى: «إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مي إلاّ من اغترف غرفة بيده» (٥) فهذا يتعين عوده على الجملة الأولى دون الثانية، لأن مناسبة المعنى تقتضيه، ومما يمكن أن يكون من هذا الباب وألا يكون منه قوله تعالى: «والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلاّ بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما،

стр. 251

يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا، إلاّ من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً» (١) فهذا الاستثناء عائد على من، وهو جملة واحدة، فمن هذا الوجه يمكن أن لا يكون من هذا الباب، ومن جهة أن هذا من عوده على الجمل الثلاث المتقدمة يكون الاستثناء في المعنى عائداً على الجمل الثلاث. فائدة: قول العلماء في هذه المسألة: إن الاستثناء مشترك بين عوده على الكل أو الأخيرة، هو من الاشتراك الواقع في التركيب دون الإفراد؛ أي وضعت العرب (إلاّ) لتركبها عائدة على الكل وتركبها عائدة على الأخيرة، فهو من فروع أن العرب وضعت المركبات كما وضعت المفردات وهي مسألة قولين واختار الإمام المنع. فائدة: اختلفت عبارات العلماء في هذه المسألة، فقال فخر الدين: الاستثناء المذكور عقيب الجمل الكثيرة ولم يذكر العطف. وقال الشيخ سيف الدين: الجمل المعطوفة بالواو. واعلم أن حروف العطف عشرة: الواو، والفاء، وثم، وحتى، وهي يتأتى فيها خلاف العلماء لأنها تجمع بين الشيئين معاً في الحكم، ويمكن الاستثناء منهما أو أحدهما. وأما: بل، ولا، ولكن، فهي لأحد الشيئين بعينه نحو قام القوم لا النساء، وبل النساء، وما قام القوم لكن النساء، فالقائم أحد الفريقين دون الآخر بعينه، فأمكن أن يقال لا يمكن عود الاستثناء عليهما لأنهما لم يندرجا في الحكم، والعود عليهما يقتضي تقدم الحكم عليهما، ويمكن أن يقال إنهما معاص محكوم عليهما: إحداهما بالنفي والأخرى بالإثبات، فالمنفي ما بعد (لا) وما قبل لكن وبل، غير أن هذه الحالة إن صححنا عود الاستثناء عليهما يلزم أن يرفع باعتبار النفي وينصب باعتبار الإيجاب، واجتماع الرفع والنصب معاً محال، إلاّ أن يصرف أحدهما للفظ والآخر للمعنى. وبالجملة فهو موضع تردد. وثلاثة لأحد الشيئين لا بعينه وهي: أو، وأم، وإما، نحو قام القوم أو النساء وإما القوم وإما النساء، أو هل قام القوم أم النساء، فهنا المحكوم عليه واحد

стр. 252

قطعاً، ولم يتعرض بالنفي للآخر ولا بالثبوت، فلا يتأتى الاحتمال الذي في القسم الثاني، بل يتعين ألا تندرج هذه الجمل المعطوفة بهذه الثلاث في صورة النزاع والأولى تندرج قطعاً، والثانية فيها احتمال. فعلى هذا تنتقد عبارة سيف الدين بأن نقول له: ما جمعت عبارتك المسألة، ونقول للإمام فخر الدين: اندرج في عبارتك ما لا يصلح أن يكون من المسألة، فعبارة سيف الدين غير جامعة وعبارة الإمام غير مانعة, ثم يرد على سيف الدين الجمل إذا ذكرت من غير عطف نحو أكرم بني تميم اخلع على مضر ونحو ذلك، فإنَّها لا تندرج في عبارته مع صحة الاستثناء فيها، وتندرج في عبارة الإمام. وإذا عطف استثناء على استثناء، فإن كان الثاني بحرف عطف أو هو أكثر من الاستثناء الأوّل أو مساو له إلى أصل الكلام، لاستحالة العطف في الاستثناء واستحالة إخراج الأكثر والمساوي، وإلا عاد إلى الاستثناء الأوّل ترجيحاً للقرب، ونفياً للغو الكلام. مثال حرف العطف فه عشرة إلاّ ثلاثة وإلا اثنين، مثال الأكثر له عشرة إلاّ ثلاثة إلاّ أربعة، مثال المساوي له عشرة إلاّ ثلاثة إلاّ ثلاثة، مثال الأقل له عشرة إلاّ ثالثة إلاّ اثنين. ونقل الزيدي في هذا القسم الأخير خلافاً فقيل يعود على الاستثناء الأوّل، وقيل يعود على أصل الكلام. وهذه المسألة مبنية على خمس قواعد: الأولى أن العرب لا تجمع بين إلاّ وحرف العطف لأن إلاّ تقتضي الإخراج وحرف العطف يقتضي الضم وهما متناقضان. القاعدة الثانية: أن استثناء الأكثر والمساوي باطل. القاعدة الثالثة: أن القرب يوجب الرجحان. القاعدة الرابعة: أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي. القاعدة الخامسة: إذا دار الكلام بين الإلغاء والإعمال فالإعمال أولى.

стр. 253

إذا ظهرت هذه القواعد فنقول إذا قال له عشرة إلاّ ثلاثة وإلا اثنين يتعين عوده على عوده على أصل الكلام، ويمتنع عوده على الثلاثة لئلا يجتمع الاستثناء والعطف وهي القاعدة الأولى. وإذا قلنا له عشرة إلاّ ثلاثة إلاّ أربعة أو إلاّ ثلاثة، يتعين عوده على أصل الكلام، لأن استثناء المساوي والأكثر باطل للقاعدة الثانية. وإذا قلنا له عشرة إلاّ ثلاثة إلاّ اثنين فالاستثناء الثاني إما أن يعود عليهما أو لا يعود عليهما، أو يعود على أصل الكلام، أو على الاستثناء، والكل باطل إلاّ الأخير؛ أما العود عليهما فلأنه يؤدي إلى لغو الكلام فلا يصح للقاعدة الخامسة. وكذلك لا عليهما بيانه أنه لما قال له عشرة إلاّ ثلاثة فقد اعترف بسبعة، فقوله بعد ذلك إلاّ اثنين باعتبار عوده على أصل الكلام يخرج من السبعة اثنين، وباعتبار عوده على الثلاثة يرد اثنين، لأن الثلاثة منفية وأصل الكلام مثبت، وهي القاعدة الرابعة. فتجبر المنفي بالثابت فيصير الاعتراف بسبعة، وهو الذي كان قبل الاستثناء الثاني فصار لغواً، ولا يمكن عوده على أصل الكلام وحده؛ لأنه يؤدي إلى ترجيح البعيد على القريب، وهي القاعدة الثالثة. فيتعين عوده على الاستثناء لا على أصل الكلام وهو المطلوب. حجة من قال بعوده على أصل الكلام أن أصل الاستثناء أن يكون عائداً في ما صدر به الكلام، فعوده على الاستثناء خلاف الأصل، ولأن أصل الكلام قابل للتنقيح والتخليص والبيان فيرد الاستثناء عليه. أما الاستثناء فقد تعين لأنه غير مراد لإخراجه مِمّا كان ظاهره الإرادة؛ فلو استثنى منه كان ناقصاً لكلامه مرتين: ادعى أولاً أن الكل ثبوت، ثم ادعى أن هذا انفي، فقد نقض الثبوت فيه، قال استثنى منه أيضاً يكون قد نقض النفي فيه فيكون قد نقضه مرتين، بخلاف العود على أصل الكلام يكون فيه فرد نقض، وهو إبطال الثبوت فقط.

стр. 254

فائدة: قال السيرافي في شرح سيبويه: إذا قلت له عشرة إلى تسعة إلاّ ثمانية إلاّ سبعة، إلاّ ستة، إلاّ خمسة إلاّ أربعة إلاّ ثلاثة إلاّ اثنين، إلاّ واحداً يكون الاعتراف قد وقع بخمسة بناءً على عود الاستثناء الأخير على الاستثناء الأوّل والثالث على الثاني وهلم جرا، وأن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي، فيتحصل من الجميع خمسة، واختيار السيرافي والجمهور عود الاستثناء الثاني على الاستثناء الأوّل دون أصل الكلام إذا لم يكن مساوياً، ولا معه حرف العطف على ما تقدم (١) . فائدتان: الأولى قد يكون الاستثناء عبارة عما لولاه لعلم دخوله أو ما لولاه لظن دخوله أو ما لولاه لجاز دخوله أو ما لولاه لقطع بعدم دخوله، فهذه أربعة أقسام: فالأول استثناء من النصوص نحو له عندي عشرة إلاّ اثنين والثاني الاستثناء من الظواهر نحو: اقتلوا المشركين إلاّ زيداً، والثالث الاستثناء من المحال والأزمان والأحوال نحو أكرم رجلاً إلاّ زيداً وعمراً، وصل إلاّ عند الزوال «ولتأتنني إلاّ أن يحاط بكم» (٢) والرابع الاستثناء المنقطع نحو رأيت القوم إلاّ حماراً. يقطع بالاندراج في النصوص لتعذر المجاز فيها، وإن لفظها لا يستعمل إلاّ في مسماها، ويظن في الظواهر بسبب جواز المجاز فيها، ويجوز من غير علم ولا ظن في المحال ونحوها، لأن اللفظ لا يشعر بخصوصها فانتفى العلم والظن، ويقطع بعدم الاندراج في المنقطع لعدم صلاحية اللفظ له فإن لفظ القوم لا يندرج فيه الحمار قطعاً. الثانية: إطلاق العلماء أن الاستثناء من النفي يجب أن يكون مخصوصاً فإن الاستثناء يرد على الأسباب والشروط والموانع والأحكام والأمور العامة

стр. 255

التي لم ينطق بها، فالأول نحو لا عقوبة إلاّ بجناية والثاني نحو لا صلاة إلاّ بطهور، والثالث لا تسقط الصلاة عن المرأة إلاّ بالحيض، والرابع نحو قام القوم إلاّ زيداً، والخامس نحو قوله تعالى: «لتأتنني به إلاّ أن يحاط بكم» (١) ولما كانت الشروط لا يلزم من وجودها الوجود ولا العدم لم يلزم من الحكم بالنفي قبل الاستثناء لعدم الشرط الحكم بالوجود بعد الاستثناء لأجل وجوده فيكون مطرداً فيما عدا الشرط. هذه الفائدة تقدم التنبيه عليها في الاستثناء من النفي إثبات، وأذيلها هنا بأن الاستثناء يقع في عشرة أمور: منها أمران ينطق بهما، وثمانية لا ينطق بها وقع الاستثناء منها، أما اللذان ينطق بهما فهما الأحكام والصفات؛ فالأحكام نحو قام القوم إلاّ زيداً ونحوه من الأفعال والصفات نحو قول الشاعر: قاتل ابن البتول إلاّ علياً يريد الحسين بن فاطمة الزهراء ﵄، والبتول معناه المنقطعة قيل عن النظير والتشبيه، وقيل عن الأزواج وهو مراد الشاعر؛ أي انقطعت عن الأزواج كلها إلاّ عن علي ﵁، فالاستثناء من صفتها لا منها، ومنه قوله تعالى: «وما نحن بميتين إلاّ موتتنا الأولى» (٢) استثنوا من صفتهم الموتة الأولى لا من ذواتهم. والاستثناء من الصفة يقع على ثلاثة أقسام: أحدها عن متعلقها نحو قول الشاعر المتقدم، فإن الأزواج متعلق بالتبتل. وثانيها من بعض أنواعها نحو الآية فإن الموتة الأولى أحد أنواع الموت، وثالثها يستثنى بجملتها لا يترك منها شيء كما تقدم في تقرير قولنا أنت طالق إلاّ واحدة إلاّ واحدة في الاستثناء المستغرق، وما يجوز أن يستثنى تقدم التقرير هنالك وأنه رفع الواحدة في الاستثناء المستغرق، فلزمه طلقتان، ومنه قولك مررت بالمتحرك إلاّ المتحرك، فيكون مررت بالساكن لأنك ذكرت أولاً جسماً متحركاً فهما أمران استثنيت أحدهما وهو الحركة فيتعين السكون: لأن كلّ ضدين لا ثالث لهما إذا رفعت أحدهما تعين الآخر للوقوع.

стр. 256

والاستثناء من الصفات هو باب غريب في الاستثناء، وقد بسطته هو وغيره في كتاب (الاستغناء في أحكام الاستثناء) الكتاب الكبير الموضوع في الاستثناء. وأما الثمانية التي لا ينطبق بها ويقع الاستثناء منها: الأسباب والشروط والموانع وقد تقدم تمثيلها. الرابع المحال نحو أكرم رجلاً إلاّ زيداً وعمراً وبكراً؛ فإن كلّ شخص هو محل لأعمه. وخامسها الأحوال نحو «لتأتنني به إلاّ أن يحاط بكم» (١) أي لتأتنني به في جميع الأحوال إلاّ في حالة الإحاطة بكم، فإن أعذركم. وسادسها الأزمان نحو صل إلاّ عند الزوال. وسابها الأمكنة نحو صل إلى عند المزبلة والمجزرة ونحو ذلك. وثامنها مطلق الوجود مع قطع النظر عن الخصوصيات نحو قوله تعالى: «إن هي إلاّ أسماء سميتموها أنتم وآباءكم» (٢) أي لا حقيقة للأصنام البتة إلاّ أنها لفظ مجرد؛ فاستثنى اللفظ من مطلق الوجود على سبيل المبالغة في النفي، أي لم يثبت لها وجود البتة إلاّ وجود اللفظ، ولا شيء وراءه. فهذه الثمانية لم تذكر قبل الاستثناء، وإنما تعلم بما يذكر بعد الاستثناء وهو فرد منها، فيستدل بذلك الفرد على جنسه وأن جنسه هو الكائن بعد الاستثناء (٣) وحينئذ ينبغي أن يعلم أن الاستثناء في هذه الأمور التي لم تذكر كلها استثناء متصل، لأنه من الجنس وحكم بالنقيض بعد (إلاّ) وهذان القيدان وافيان بحقيقة المتصل، وكثير من النحاة يعتقد أنه استثناء منقطع لأنه يلاحظ الفعل المتقدم قبل الاستثناء ويجد ما بعده من غير جنسه، فيقضي بانقطاعه؛ لاعتقاده أن ما بعد إلاّ مستثنى من المنطوق، وليس كما ظن، بل الاستثناء واقع من غير مذكور وهو متصل باعتبارها، وهذه الأمور مبسوطة في الكتاب الكبير الموضوع في الاستثناء. ولكل واحد منها باب يخصه بمثله من الكتاب العزيز هنالك فمن أرادها فليطالعه؛ فإنَّها فوائد غريبة وقواعد جليلة، وهي كلها من فضل الله تعالى، له المنة في جميع الأحوال، لا إله إلاّ هو الكبير المتعال.

стр. 257

الباب التاسع في الشروط وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول في أدواته وهي أن وإذا ولو، وما تضمن معنى إن (فإن) تختص بالمشكوك فيه وإذا تدخل على المعلوم والمشكوك (ولو) تدخل على الماضي بخلافهما. المتضمن لمعنى (إن) نحو أين تجلس أجلس، ومهما تصنع أصنع، ومتى تخرج أخرج معك، وأنى تخرج أخرج، وكيفما صنعت صنعت، ومن دخل داري فله درهم، وما تقدم من خير فهو لك، وأي رجل دخل داري فأكرمه، فهذه كلها متضمنة الشروط، وأصل الشرط هو لفظة (إن) فلذلك تضمن معنى إن، ولم أقل غيرها. وخصصت العرب (إن) بما شأنه أن لا يعلم، فلا تقول إن زالت الشمس ائتني أو إن طلعت غداً من المشرق، فإن ذلك معلوم بالعادة، وتقول إن جاء زيد؛ فإن مجيئه غير معلوم بالعادة، ونظيرها (متى) لا يستفهم بها إلاّ عن الزمان المجهول فلا تقول متى تطلع الشمس، وتقول متى يقدم زيد؛ وأما (إذا) فتقول فيها إذا طلعت الشمس فائتين، وإذا جاء زيد فائتني. سؤال: مقتضى هذه القاعدة أن لا تقد (إن) في كتاب الله البتة لأنه تعالى بكل شيء عليم، وهي لا تدخل إلاّ على المشكوك فيه. وجوابه: أن القرآن عربي، وكل ما كان يجوز أن ينطق به العربي جاز في

стр. 258

كتاب الله تعالى، وكل ما لا يجوز لو نطق به عربي لم يجز في كتاب الله تعالى، وخصوص وضع الربوبية لا يدخل في اللغات، فما دخلت إن إلا (١) على ما لو تكلم بها عربي كان شأنها في تلك الحالة أن تكون داخلة على مشكوك فيه جازت في كتاب الله تعالى، وكذلك نجوزها وإن كان المتكلم من العرب والسامع عالمين بما دخلت عليه، إذا كان شأنه أن يكون مشكوكاً فيه، ولا يقدح في حقها حصول العلم لذينك نظراً إلى العادة، وكذلك في حق الله تعالى. وأما (لو) فتدخل على الماضي، نقول لو جاءني زيد أمس أكرمته اليوم، أو كنت أكرمته، فيكون الكلام كله ماضياً وهو عربي، وهذا لا يتحقق في غيرها من أدوات الشرط، وإن وقع شيء كان مؤولاً؛ كقوله تعالى حكاية عن عيسى ﵊: «إن كنت قلته فقد علمته» (٢) فقد علق على (إن) ماضياً، قال ابن السراج معناه أن يثبت في المستقبل أني قلته في الماضي، فالشرط ثبوته في المستقبل، وكل ما وقع من هذا الباب فهو مؤول بالمستقبل. وأما (لو) فلا تأويل فيها، ولذلك قال بعض الفضلاء إنّما سميت حرف شرط مجازاً لشبهها بالشرط من جهة أن فيها ربط جملة بجملة كما في الشرط، فسميت شرطاً لذلك، وإلا فليست شرطاً لأجل المضي، وهو ينافي الشرط من جهة أن معنى الشرط ربط توقع أمر مستقبل بأمر متوقع مستقبل، والواقع لا يتوقع ولا يتوقف دخوله في الوجود على دخول أمر آخر، لأنه قد دخل في الوجود. وأما الزمخشري في المفصل في أقسام الحرف فقد قال: ومن أقسام الحرف حرفا الشرط وهما (إن) و (لو) فسماهما حرفا شرط. فائدة: (إذا) تخالف (إن) من جهة أن إذا اسم وظرف والشرط لها عارض و (إن) على العكس في هذه الثلاثة، وقد تستعمل ظرفاً لا شرط فيه كقوله تعالى:

стр. 259

«والضحى والليل إذا سجى» (١) ، «والليل إذا يغشى» (٢) أي أقسم بالليل حالة غشيانه وحالة سُجوِّه، لأنهما أعظم حالات الليل، وحينئذ يحسن القسم بهما. فهي هنا ظرف محض بغير شرط و (إن) أيضاً تستعمل غير شرط نحو قوله تعالى: «إن يتبعون إلاّ الظن» (٣) معناها هنا معنى ما النافية، أي ما يتبعون إلاّ الظن، ولها أقسم كثيرة مذكورة في كتب النحو، غير أن أصلها الشرط وغيره عارض، وأصل (إذا) الظرفية وغيرها عارض. الفصل الثاني في حقيقته وهو الذي يتوقف عليه تأثير المؤثر. ويلزم من عدمه العدم ولا يلزم وجوده وجود ولا عدم، ثم هو [قد] (٤) لا يوجد إلاّ مندرجاً كدوران الحول وقد يوجد دفعة كالنية، وقد يقبل الأمرين كالسترة، فيعتبر من الأوّل آخر جزء منه، ومن الثاني جملته، وكذلك الثالث لإمكان تحققه، فإن كان الشرط عدمه اعتبر ألو أزمنة عدمه في الثلاثة. نقلت قول الإمام في المحصول؛ فإنه لم يذكر في ضابط الشرط غير قوله هو الذي يتوقف عليه تأثير المؤثر، ولم يزد على هذا، يشير إلى أن الحول مثلاً يتوقف عليه تأثير النصاب في إيجاب الزكاة، والبلوغ في تأثير الزوال في إيجاب الصلاة، ونحو ذلك، وهذا الضابط الذي ذكره ﵀ غير جامع لجميع أنواع الشرط فإن الشرط قد يكون لأجل ذات السبب ووجوده، لا لتأثيره، كما تقول في الفروج، فإنَّها شرط في أصول وجود الزنا في تأثيره، وقد يكون الشرط شرطاً فيما ليس مؤثراً، كما تقول الحياة شرط في العلم، والعلم شرط في الإرادة، مع أن العلم غير مؤثر

стр. 260

والإرادة مخصصة لا مؤثرة، والجوهر شرط لوجود العرض المخصوص، فهذه الأنواع كلها خرجت عن ضابطه. فلذلك زدت أنا من عندي القيود التي بعد هذا القيد، فقلت: ويلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، فبقيت هذه الزيادة مضمومة إلى كلامه، وهو غير جيد مني، بسبب أن القيد الأوّل الذي ذكره يلزم أن يوجد في جميع الشروط، وهو غير لازم الوجود لما ذكرته من الحياة مع العلم ونحوه، فبقي الكلام كله باطلاً. بل ينبغي لي أن أبتدئ حداً مستأنفاً؛ فأقول الشرط ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، فالقيد الأوّل احتراز من المانع فإنه لا يلزم من عدمه شيء، والثاني احتراز من السبب فإنه يلزم من وجود الوجود، والثالث احتراز من مقارنة الشرط وجود السبب، فيلزم الوجود كالحول مع النصاب أو قيام المانع، فيلزم العدم، ولكن ذلك ليس لذاته بل لوجود السبب أو المانع، وبسْط هذه الأمور مذكور في باب ما يتوقف عليه الحكم فيطالع هناك. فهذا هو الحد المستقيم، وأما الذي لي والإمام في الأصل فباطل. وأريد بقولي متدرجاً أي شيئاً بعد شيء، فإنه لا يمكن أن يوجد الحول إلاّ كذلك زماناً بعد زمان، وأما السترة فقد تقدر إن توقع السترة بالثوب في زمن واحد، وقد يستر بعضها في زمان، وبعضها في زمان آخر، فهي تقبل الأمرين. ثم الشرط قد يكون وجود هذه الحقائق وقد يكون عدمهان مثال الأوّل قوله إن نويت فأنت حر، أو إن دار الحول، أو إن سترت عورتك، فيعتبر آخر جزء فيعتق عنده. أما في النية فظاهر، وأما في الحول فلأن اجتماعه متعذر، فالممكن هو آخر أجزائه، فتقدر الأجزاء المتقدمة كالكائنة مع الجزء الأخير. وأما السترة وما هو قابل للأمرين، فقال الإمام لا بد من وجود المجموع لإمكان تحققه فإن ستر عورته مثلاً متدرجاً لا يعتق، وكذلك إذا قال له إن أعطيتني عشرة

стр. 261

دراهم فأعطاه له شيئاً بعد شيء لا يعتق، لأنه لم يعطه عشرة وإنما أعطاه بعضها في كلّ زمان، وهذا يجيء على مراعاة الألفاظ، وأما على مراعاة المقاصد فيعتق؛ أعطاه الدراهم جملة أو متفرقة، وهذا هو الذي عليه الفتيا في مذهب مالك، مع أن في هذا الأصل قولين في المذهب عندنا وعند غيرنا. وأما إذا كان الشرط عدم هذه الأمور فعدم الجميع يمكن التحقق (١) بخلاف الوجود، فإذا مضى زمان لم ينو فيه أو لم يقرأ سورة البقرة، فإنَّها مثل الحول لا يقع إلاّ متدرجاً، أو لم يعطه الدراهم عتق لوجود الشرط، هذا هو كلام الإمام في المحصول، وهو الذي نقلته هنا. والفقه والمذهب يقتضي أنه إذا قال له إن لم يدر الحول عليه وأنت في هذا المنزل أو إن لم تقرأ سورة البقرة فأنت حر، لا يكفي مُضي زمان فرز فيه عدم الحول أو عدم قراءة سورة البقرة، بل ينبغي أن يعتبر مضي زمن يسع قراءة سورة البقرة فلو مضى أحد عشر شهراً، أو أحد عشر شهراً مثلاً وبعض الشهر الثاني عشر، هذا كله لا يعتق فيه العبد، ولا يعتق إلاّ إذا مضى عليه حول، لأن هذا هو مقصد الناس في أيمانهم، نعم إن قال إن مضى زمان فرز فيه عدم أحد هذه الأمور؛ فيكفي مطلق العدم ويعتق بمضي الزمن الفرد، ولكن هذا بالنية أو مصرح كما تقدم، وأما تلك الألفاظ المتقدمة فلا يلزم ذلك. الفصل الثالث في حكمه إذا رتب مشروط على شرطين لا يحصل إلاّ عند حصولهما إن كانا على الجمع، وإن كانا على البدل حصل عند أحدهما وإلى المعلق تعينه لأن الأصل (٢) أن الشرط مشترك بينهما.

стр. 262

مثاله: قوله إن دخلت الدار وكلمت زيداً فأنت حر، فهذا علق عليهما معاً، فلا يحصل إلاّ عند حصولهما. ومثال البدل: إن دخلت الدار أو كلمت زيداً فأنت حر، فالشرط أحدهما لا بعينه. قال الإمام في المحصول: وللمعلق تعينه وهو مشكل، فإن اللفظ إذا أطلق هدراً من غير قصد لزم العتق عند أيهما كان، وليس له بعد ذلك أن يعين أحدهما للشرطية ويبطل الآخر، وإن كان عند الإطلاق نوى أحدهما معيناً (١) فذلك الذي نوى هو الشرط، والذي نوى إلغاءه ليس بشرط، ولا يكفي في إلغائه القصد إلى شريطة الآخر مع الغفلة عنه؛ لأن هذه نية مؤكدة لا ملغية، فيبقى اللفظ صريحاً في الشرطية في المشترك بينهما، والمشترك موجود في كلّ واحد منهما فيعتق بأيهما كان، والنية في أحدهما فقط زائدة خصوصاً على عموم لا مبطلة للعموم في الآخر، فتأمل ذلك، وقد تقدم من ذلك نبذة كثيرة في تخصيص العموم فطالعه هناك. وإن أراد الإمام للمعلق تعينه أي تعيين أحدهما عند التلفظ بالشرطية وتعيين الآخر للإلغاء صح، وإلا لم يصح كلامه لما تقدم. وإذا دخل الشرط على جمل رجع إليها عند إمام الحرمين وإلى ما يليه عند بعض الأدباء، واختار الإمام فخر الدين التوقف، واتفقوا على وجوب اتصال الشرط بالكلام، وعلى حسن التقييد به وإن كان الخارج به أكثر من الباقي، ويجوز تقديمه في اللفظ وتأخيره، واختار الإمام تقديمه، خلافاً للقراء جمعاً بين التقدم والطبعي والوضعي. حجة العود على جميع الجمل ما تقدم من الوجوه الثلاثة المقتضية عود الاستثناء على جميع الجمل بطريق الأولى، لأن التعاليق اللغوية أسباب مقتضية للحكم والمصالح، فعودها على الجميع تكثير للمصلحة، بخلاف الاستثناء إنّما هو إخراج لما ليس بمراد عن المراد فأمره أسهل. حجة عدم العود واختصاصه بما يليه: أنه فضلة في الكلام ومبطل له: فيختص بما يليه، تقليلاً لمخالفة الأصل في رفع ما تقرر بغير شرط.

стр. 263

حجة التوقف تعارض المدارك. وأما اتفاقهم على وجوب اتصاله بالكلام فلأنه فضلة لا يستقل بنفسه فلا يعود لما تقدم في الاستثناء بطريق الأولى، لما تقدم أن الشرط متضمن للمصالح والمصالح تناسب الاهتمام بها فلا تؤخر. وأما حسن التقييد به ولو أخرج أكثر الكلام بل قد يبطله كله، فإنه إذا قال أكرم بني تميم إن أطاعوا الله، فقد لا يطيع منهم أحد فيبطل جميع الكلام الذي كان يثبت لولا هذا الشرط، فإنهم مستحقون الإكرام لولا هذا الشرط، وكذلك قد لا يطيع أكثرهم، فيخرج من الكلام أكثره، ولا يقبح ذلك، ولا يجري فيه الخلاف الذي في الاستثناء. والفرق من وجهين: أحدهما أن الموجب لقبح إخراج الكل أو الأكثر بالاستثناء أن المتكلم به يعد عابثاً في كونه أقدم على النطق بما يعتقد خلافه، وأنه يعود فيبطله بلفظ آخر، ولا يعد عابثاً في الشرط بسبب أن الخارج بالشرط غير متعين حال التلفظ، وإنما ذلك تسفر العاقبة عنه. وثانيهما: أن احتمال إخراج الشرط للأكثر معارض بأنه قد لا يخرج شيئاً ويطيعون كلهم، فيبقى الكلام بجملته لا يبطل منه شيء، فلما تعارضا سقطا، وصار الكلام كأنه لم يدخله تقييد. وأما التقديم فهو في النطق لا غير، والفراء يلاحظ أنه فضله في الكلام، والفضلة شأنها التأخير كالصفة والغاية والنعت والمفعول والتأكيد وغيره، يلاحظ أنه سبب والسبب شأنه التقديم، فهو متقدم في المعنى، فيكون متقدماً في اللفظ، وهو معنى قوله: هو متقدم في الطبع فيقدم في الوضع، وقد غلط بعض الجهال وقال إن العلماء قد جوزوا تقدم المشروط على شرطه، وإن وجود المشروط حالة عدم شرطه فيه خلاف، وإذا سئل أين ذلك؟ يشير إلى تلك المسألة، وهو غلط، ما قال أحد بأن المشروط لا يتوقف على شرطه، بل الخلاف في التقدم في النطق حالة التعليق فقط، هل يقول أنت حر إذا دخلت الدار، أو إن دخلت الدار فأنت حر، أما وقوع الحرية قبل الدخول من جهة أنها معلقة فلم يقل به أحد.

стр. 264

الباب العاشر في المطلق والمقيد والتقيد والإطلاق أمران اعتباريان، فقد يكون المقيد مطلقاً بالنسبة إلى قيد آخر كالرقبة مقيدة بالملك مطلقة بالنسبة إلى الأيمان، وقد يكون المطلق مقيداً كالرقبة مطلقة وهي مقيدة بالرق، والحاصل أن كلّ حقيقة اعتبرت من حيث هي هي فهي مطلقة، وإن اعتبرت مضافة إلى غيرها فهي مقيدة. ضابط الإطلاق أنك تقتصر على مسمى اللفظة المفردة، نحو رقبة أو إنسان أو حيوان، ونحو ذلك من الألفاظ المفردة، فهذه كلها مطلقات، ومتى زدت على مدلول اللفظة مدلولاً آخر بلفظ أو بغير لفظ صار مقيداً كقولك رقبة مؤمنة، أو إنسان صالح، أو حيوان ناطق، وهذه المطلقات هي في أنفسها مقيدات إذا أخذت مسمياتها بالنسبة إلى ألفاظ أخر، فإن الرقبة هي إنسان مملوك وهذا مقيد، والإنسان حيوان ناطق وهذا مقيد، والحيوان جسم حساس وهذا مقيد، فصار التقييد والإطلاق أمرين نسبيين بحسب ما ينسب إليه من الألفاظ، فرب مطلق مقيد، ورب مقيد مطلق. ووقوعه في الشرع على أربعة أقسام متفق الحكم والسبب كإطلاق الغنم في حديث وتقييدها في آخر بالسوم، ومختلف الحكم والسبب كتقييد الشهادة بالعدالة وإطلاق الرقبة في الظهار، ومتحد الحكم مختلف السبب كالعتق مقيد في القتل مطلق في الظهار، ومختلف الحكم متحد السبب كتقييد الوضوء بالمرافق وإطلاق التيمم والسبب واحد هو الحدث، فالأول يحمل فيه المطلق على القيد على الخلاف في دلالة المفهوم، وهو حجة عند مالك ﵀ والثاني لا يحمل فيه إجماعاً. والثالث لا يحمل فيه المطلق على المقيد عند أكثر أصحابنا والحنفية خلافاً لأكثر الشافعية، لأن الأصل في اختلاف الأسباب اختلاف الأحكام، فيقتضي أحدهما التقييد والآخر الإطلاق. والرابع فيه خلاف. سبب وجوب الزكاة واحد وهو نعمة الملك، وهذا المثال عليه إشكال من جهة أن مطلقه عموم، وهو قوله ﵊: «في كلّ أربعين شاة شاة» ومتى

стр. 265

كان المطلق عموماً كان التقييد مخصصاً منقصاً لمقتضى اللفظ، وتخصيص المنطوق بالمفهوم فيه نظر، وتوقف فيه الإمام لضعف المفهوم وقد تقدم بحثه وتحريره في التخصيص، والبحث في المطلق والمقيد إنّما هو موضوع بين العلماء في المطلقات التي هي مفهوم مشترك كليّ كالرقبة المنكرة، أما الكليّة للعامة الشاملة فلا، والفرق أنك في النكرة زائد على مدلول اللفظ ولم تبطل منه شيئاً فلم يعارض التقيد اللفظ السابق، بخلاف صيغة العموم يحصل التعارض، فأحد البابين بعيد من الآخر، مع أن جماعة من العلماء لم يفرقوا وساقوا الجميع مساقة واحدة. والفرق: كما رأيت، فهو موضوع حسن لم أر أحداً تعرض إليه. وسبب الشهادة ضبط الحقوق، وسبب إيجاب إعتاق الرقبة الظهار، ومع اختلاف الأسباب والأحكام تتنافى الأغراض ولا يقال: إن المتكلم كمل غرضه بالتقييد، بخلاف اتحاد أحدهما، أمكن اتحاد الغرض في حق المتكلم وأن يقال إنه قصد تكميل غرضه بالتقييد، فيحمل المطلق على المقيد، والحدث واحد هو سبب والوضوء، وبدله الذي هو التيمم. وقال الله تعالى في الوضوء: «وأيديكم إلى المرافق» (١) ، وقال في التيمم: «فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه» (٢) ولم يقال تعالى إلى أين يمسح، فقيل تيمم إلى المرفقين حملاً للمطلق على المقيد، وقيل إلى الكوعين لأنه عضو أطلق النص فيه فيختص بالكوعين، قياساً على القطع في السرقة، وقيل التيمم إلى الإبطين لأنه موجب اللغة لأن اليد اسم للجارحة من الإبط إلىالأصابع. ومالك وإن قال المفهوم حجة، وقال أيضاً إن المطلق يحمل على المقيد في الظهار وغيره، إلاّ أنه هنا لم يقل به تغليباً لدلالة المنطوق على المفهوم، أو لأن هذا ليس من باب المطلق والمقيد، بل من باب التخصيص بالمفهوم كما تقدم بيانه. وأما إذا اختلف السبب واتحد الحكم فالذي حكاه القاضي عبد الوهاب في كتاب الإفادة وكتاب الملخص عن المذهب: عدم الحمل إلاّ القليل من أصحابنا حجة الحمل أن المطلق في ضمن المقيد؛ فإن الرقبة المؤمنة رقبة مع قيد والثابت مع قيد ثابت قطعاً، فالآتي بالقيد عامل بالدليلين قطعاً؛ فيكون أرجح فيجب المصير إليه، ولأن القرآن كالكلمة الواحدة فيحمل المطلق على المقيد؛ لأن القيد كالمنطوق به مع المطلق، ولأن الشهادة أطلقت في قوله تعالى: «شهيدين من رجالكم» (٣)

стр. 266

وقيدت في قوله تعالى: «ذوى عدل منكم» (١) وبقوله تعالى: «ممن ترضون من الشهداء» (٢) فحمل المطلق على المقيد، وكذلك في سائر صور النزاع طرداً للقاعدة. والجواب عن الأوّل: أنا نسلم أن المطلق في ضمن المقيد، ولكن التقدير أن السبب مختلف، فلعل القتل لعظم مفسدته يقتضي زيادة الزاجر أو الجابر فيغلظ عليه باشتراطه الإيمان، والظهار لخفة مفسدته لا يشترط فيه ذلك، لاسيما قاعدة الشرع اختلاف الآثار مع اختلاف المؤثرات، واختلاف العقوبات إذا اختلفت الجنايات، والجوابر إذا اختلفت المجبورات. وعن الثاني أن القرآن كالكلمة الواحدة باعتبار عدم التناقض باعتبار الأحكام بل هو مختلف قطعاً فبعضه خبر وبعضه حكم وبعضه نهي وبعضه أمر. إلى غير ذلك من التنوعات. وعن الثالث: أن ذلك حاصل لكن كونه باللفظ ممنوع بل بالإجماع. فائدة: قال المازري في شرح البرهان ورد على أبي حنيفة نقوض: أحدها اشترط السلامة من العيوب في الرقبة. وثانيها: اشتراط الفقر في ذوي القربى. وثالثها: أنه يجزئ عنده عتق الأقطع دون الأخرس. ورابعها: لو حلف لا يشتري رقبة فاشترى رقبة معيبة حنث فلم يعتبر السلامة في الحنث، وخالف قاعدة النسخ، فإن الزيادة عنده نسخ، وهنا نسخ القرآن بغير دليل قاطع. فائدة: ينبغي أن يعلم أن قولهم: ينبغي أن يحمل المطلق على المقيد مطلق يندرج في كلامهم النهي والأمر وغيرهما، وقد صرح الإمام فخر الدين بذلك وسوى بينه وبين الأمر وليسا سواء، فإن العامل بالمطلق والمقيد معاً جمع بين الدليلين فإنه يحصل المقيد، ويلزم من تحصيل المقيد تحصيل المطلق، أما في النهي فلا، بسبب أنه إذا قال لا تشرب مائعاً هو خمر، إن حملنا المطلق على المقيد هذا خرج كلّ مائع ليس بخمر، فيقع التعارض، والتخصيص بخلاف الأمر، فمتى اعتبرنا المقيد

стр. 267

في النهي أو خبر النفي تعذر علينا اعتبار المطلق من حيث هو مطلق، بخلاف الأمر وخبر الثبوت لا يحمل من أمر المطلق شيء، بل التقييد زائد عليه، فتأمل الفرق فلم أر أحداً يفرق، مع أن الفرق في غاية القوّة، بل يصرحون بالتسوية. فائدة: الإطلاق والتقييد اسمان للفظ دون المعنى، فهما من أسماء الألفاظ. فإن قيد بقيدين مختلفين في موضعين حمل على الأقيس منهما عند الإمام ويبقى على إطلاقه عند الحنفية ومتقدمي الشافعية. ما أظن بين الفريقين خلافاً، لأن القياس إذا وجد قال به الحنفية والشافعية وغيرهم؛ فيحمل قولهم يبقى على إطلاقه على ما إذا لم يوجد قياس أو استوى القياسان. مثاله قوله تعالى في كفارة الحنث «فصيام ثلاثة أيام» (١) ولم يذكر التتابع ولا عدمه فهو مطلق، وذكر الصوم متتابعاً في الظهار ومفرقاً في صيام التمتع؛ فقد دار بين قيدين متضادين فيبقى على إطلاقه، يخير فيه أو يقاس على الظهار بجامع الكفارة أو يقال لا يصح القياس لأن الظهار معصية تناسب التغليظ بخلاف الحنث في اليمين، وأمكن القياس على صوم التمتع لأنه جابر لنقص الحج وخلله، وكفارة الحنث جابرة لما فات من البر، أو يقال الحج من باب العبادات وهذا من باب الكفارات، فالباب مختلف، فيختلف الحكم، فلا يصح القياسز فائدة: قال صدر الدين قاضي قضاة الحنفية يوماً نقض الشافعية أصلهم فإنهم يقولون يحمل المطلق على المقيد وقد ورد قوله عليه الصالة والسلام: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً» وهذا مطلق وروي «أولاهن بالتراب - وإحداهن بالتراب» فإحداهن مطلق ولم يحملوه على المقيد الذي هو أولاهن، قال وناظرت جماعة منهم من جملته شمس الدين الأرموي قاضي العسكر ولم يجدوا له جواباً قلت له: جوابه إن هذا الحديث تعارض فيه قيدان (أولاهن وأخراهن) فليس حمل المطلق الذي هو (إحداهن) على أحدهما بأولى من الآخر، وقاعدة القائلين بالحمل أنه إذا تعارض قيدان بقي المطلق على إطلاقه، فلم يتركوا أصلهمن بل اعتبروا أصلهم.

стр. 268

الباب الحادي عشر في دليل الخطاب وهو مفهوم المخالفة وقد تقدمت حقيقته، وأنواعه العشرة، وهو حجة عند مالك ﵀ وجماعة من أصحابه وأصحاب الشافعي، وخالف في مفهوم الشرط القاضي أبو بكر منا وأكثر المعتزلة، وليس معنى ذلك أن المشروط لا يجب انتفاؤه عند انتفاء الشرط فإنه متفق عليه، بل معناه أن هذا الانتفاء ليس مدلولاً للفظ، وخالف في مفهوم الصفة أبو حنيفة وابن سريج والقاضي وإمام الحرمين وجمهور المعتزلة، ووافقنا الشافعي والأشعري. وحكى الإمام أن مفهوم اللقب لم يقل به إلاّ القاق. لنا أن التخصيص لو لم يقتض سلب الحكم عن المسكوت عنه للزم الترجيح من غير مرجح وهو محال. الحاصل في الشرط أربعة أمور: إذا قال أنت طالق إن دخلت الدار مثلاً. أحدها: ارتباط الطلاق بالدخول. وثانيها ارتباط عدم الطلاق بعدم الدخول. وثالثها: دلالة لفظ التعليق على ارتباط الطلاق بالدخول. ورابعها: دلالة لفظ التعليق على ارتباط عدم الطلاق بعدم الدخول. فالأقسام الثلاثة متفق عليها بين القاضي وغيره، وإنما الخلاف في الرابع وهو دلالة لفظ التعليق على ارتباط عدم الطلاق بعدم الدخول. فيقول القاضي ﵀ أنا أقول إنها لا تطلق إذا لم تدخل الدار لكن استصحاباً للعصمة السابقة. وغيره يقول لأمرين: الاستصحاب ودلالة لفظ التعليق. وهذا معنى قولنا إن المفهوم حجة، ولويس معناه إن عدم المشروط لا يتحقق عند عدم الشرط، بل ذلك مجمع عليه. والفرق بين مفهوم اللقب في كونه لم يقل به إلاّ الدقاق، وبين غيره من المفهومات، أن غيره من المفهومات نحو مفهوم الصفة وغيرها فيه رائحة التعليل، فإن الصفة والشرط ونحوهما يشعران

стр. 269

بالتعليل، ويلزم من عدم العلة عدم المعلوم، فيلزم عدم الحكم في صورة المسكوت عنه، وذلك هو المفهوم. وأما اللقب فهو العَلم قاله التبريزي. قال ويلحق به أسماء الأجناس، ففرق بين قوله ﵇: «في سائمة الغنم الزكاة» ، وبين قوله: «في الغنم الزكاة» فإن الأوّل مشعر بالتعليل دون الثاني. هذا هو السبب في اهتضامه (١) والدقاق يقول لا بد للتخصيص بهذا الشخص من فائدة، فلو كان الحكم ثابتاً له ولغيره وتخصص هو بالذكر لزم الترجيح من غير مرجح كما قلناه نحن في مفهوم الصفة وغيرها. حجة المنع من المفهوم: أنه يجوز أن تشترك الصورتان في الحكم، وتخصص إحداهما بالذكر لأمور: أحدها أن بيان الصورة الأخرى قد تقدم. وثانيها أن الحاضر الآن هو صاحب السائمة مثلاً دون المعلوفة فلذلك خصص بالذكر. وثالثها أن المتكلم سكت عن الصورة الأخرى ليفوز المجتهد بثواب الاجتهاد في التسوية بين الصورتين بالقياس، كما نص ﵊ على الأشياء الستة، وحكم غيرها من الربويات مثلها، غير أنها فوضت لاجتهاد المجتهدين. ورابعها أن مقصود المتكلم أن ينص على كلّ واحد منها نصاً خاصاً ليكون ذلك أبعد عن احتمال التخصيص. وخامسها أن مقصود الشارع تكثير الألفاظ بتعديد النصوص حتى يكثر ثواب القارئ والحافظ والضابط لها، وبالجملة فالمرجحات كثيرة، فما تعين سلب الحكم عن المسكوت ولا يلزم الترجيح من غير مرجح. فائدة: قد تقدم أن دلالة المفهوم من باب دلالة الالتزام وأنها من دلالة اللفظ لا من باب الدلالة باللفظ، فلا يدخل المفهوم الحقيقة ولا المجاز، ولا يوصف بهما، وإن المفهوم هو إثبات نقيض حكم المنطوق للمسكوت عنه لا ضده، وتقدم هذا عند الكلام على دليل الخطاب وفحوى الخطاب وما معهما. فرعان: الأوّل أن المفهوم متى خرج مخرج الغالب فليس بحجة إجماعاً

стр. 270

نحو قوله تعالى: «ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق» (١) ولذلك يرد على الشافعية في قوله ﵊: «في سائمة الغنم الزكاة» إنه خرج مخرج الغالب، فإن غالب أنعام الحجاز وغيرها السوم. إنّما قال العلماء إن مفهوم الصفة إذا خرجت مخرج الغالب لا يكون حجة ولا دالاً على انتفاء الحكم عن المسكوت عنه، بسبب أن الصفة الغالبة على الحقيقة تكون لازمة في الذهن بسبب الغلبة، فإذا استحضرها المتكلم ليحكم عليها حضرت معها تلك الصفة، فنطق بها المتكلم لحضورها في الذهن مع المحكوم عليه، لا أنه استحضرها ليفيد بها انتفاء الحكم عن المسكوت عنه، أما إذا لم تكن غالبة لا تكون لازمة للحقيقة في الذهن، فيكون المتكلم قد قصد حضورها في ذهنه ليفيد بها سلب الحكم عن المسكوت عنه، فلذلك لا تكون الصفة الغالبة دالة على نفي الحكم، وغير الغالبة دالة على نفي الحكم عن المسكوت عنه. سؤال: كان الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀ يقول إذا كانت الصفة غالبة هي أولى بالدلالة على نفي الحكم عن المسكوت عنه، بسبب أنها إذا كانت غالبة كانت العادة والغلبة تفيدها للسامع وإنما هي صفة هذه الحقيقة فلا يحتاج المتكلم إلى لفظ يدل به عليها اكتفاء بالعادة، فما نطق بها حينئذ إلاّ لقصد عدم الإعلام بها، وهو سلب الحكم عن المسكوت عنه، أما غير الغالبة فلم تكن العادة دالة عليها فأمكن (٢) أن يقال نطق بها المتكلم ليفيد السامع أن هذه الحقيقة هي الصفة تعرض لهان فيكون هذا مقصوده دون قصد سلب الحكم عن المسكوت عنه، فعلم أن ما قالوه يمكن أن يكون بالعكس وهو سؤال حسن. وجوابه: ما تقدم في التعليل. الثاني أن التقييد بالصفة في جنس هل يقتضي نفي ذلك الحكم عن سائر الأجناس فيقتضي الحديث مثلاً في نفي وجوب الزكاة عن سائر الأنعام وغيرها أو لا يقتضي نفيه إلاّ عن ذلك الجنس خاصة وهو اختيار الإمام.

стр. 271

البحث في هذا النوع مبني على أن نقيض المركب في اللغة إنّما هو سلب الحكم عن ذلك المركب لا مطلقاً، فنقيض قولنا زيد في الدار، أن زيداً ليس في الدار، هذا هو الذي يستعمل نقيضاً في اللغة، ويكذب به القول الأوّل، وإن كان عدم زيد من حيث هو زيد يناقض أنه في الدار، وكذلك إذا قلنا في الخبر من الحنطة غذاء، فالذي يقصد مناقضته يقول ليس في الخبز من الحنطة غذاء فلا بد أن ينطق في المناقضة بقوله من الحنطة، مع أنه لو قال ليس في الخبز غذاء مطلقاً حصل التناقض عقلاً لاندراج الخبز الخاص بالحنطة في مطلق الخبز نصاً، غير أن عرف اللغة ما ذكرته لك، فمن لاحظ هذه القاعدة وهم الجمهور قال إذا قال صاحب الشرع في سائمة من الغنم الزكاة يكون نقيضه ليس في السائمة من الغنم زكاة، هذا نقيض المنطوق الذي لا يثبت معه المنطوق، والمفهوم الذي هو النقيض اللازم للمنطوق، فيكون تقديره ما ليس بسائمة من الغنم لا زكاة فيها، هذا إذا أخذنا خصوص المحل، وما ليس بسائمة مطلقاً يتناول البقر والمعلوفة والإبل، بل العقار بل الحلي المتخذ لاستعمال مباح، يجوز أن يستدل به على عدم وجوب الزكاة فيه بقوله ﵊ في سائمة الغنم الزكاة، ومفهومه يقتضي عدم وجوب الزكاة في الحُبلى، لأن الحبلى ليس بغنم سائمة، هذا منشأ الخلاف بين الفريقين، هل يؤخذ خصوص المحل في النقيض نظراً لعرف اللغة أو لا يؤخذ نظراً للتناقض العقلي من حيث الجملة؟

стр. 272

الباب الثاني عشر في المجمل والمبين وفيه ستة فصول الفصل الأول في معنى ألفاظه فالمبين هو اللفظ الدال بالوضع على معنى إما بالأصالة وإما بعد البيان. والمجمل هو الدائر بين احتمالين فصاعداً إما بسبب الوضع وهو المشترك أو من جهة العقل كالمتواطئ بالنسبة إلى جزئياته، فكل مشترك مجمل وليس كلّ مجمل مشتركاً، وقد يكون اللفظ مبيناً من وجه كقوله تعالى: «وآتوا حقه يوم حصاده» (١) فإنه ميز في الحق مجمل في مقداره. تقدم أن المجمل مشتق من الجمل الذي هو الخلط في الباب الأوّل، والمبين من البيان، يقال لفظ مبين إذا كان نصاً في معناه، بمعنى أن واضعه ومستعمله وصلاه إلى أقصى غايات البيان، فهو مبين، فإذا كان اللفظ مجملاً، ثم بين قيل له مبين. كما تقول إن آية الزكاة مجملة في مقدارها، يقول ﵊: «فيما سقت السماء العشر» . ولفظ الفرس الآن لا إجمال فيه من جهة الاشتراك، بل يفهم جنسه عند سماع لفظه، فلو وضع لنوع آخر من الحيوان صار مشتركاً مجملاً لا يفهم منه خصوص الفرس إلاّ بقرينة، فهذا هو الإجمال الناشئ عن الوضع، وأما الناشئ عن العقل فإن اللفظ الموضوع لمعنى كليّ كالإنسان إذا قلنا في الدار إنسان كان هذا اللفظ دائراً بين جزئيات الإنسان، بحيث لا يتعين له منهم فرد،

стр. 273

فهذا الإجمال إنّما جاءنا من جهة تجويز العقل لا من جهة الوضع، فالمجمل أعم من المشترك عموماً مطلقاً، وكانت آية الزكاة مجملة في المقادير لاحتمالها أن هذا الحق هو النصف أو الربع أو الثمن، أو غير ذلك من المقادير. والمؤول هو الاحتمال الخفي مع الظاهر، مأخوذ من المآل إما لأنه يؤول إلى الظهور بسبب الدليل العاضد، أو لأن العقل يؤول إلى فهمه بعد فهم الظاهر، وهذا وصف له بما هو موصوف به في الوقت الحاضر، فيكون حقيقة، وفي الأوّل باعتبار ما يصير إليه وقد لا يقع فيكون مجازاً مطلقاً. العقل إذا سمع اللفظ أول ما يسبق إليه الظاهر الذي هو الحقيقة مثلاً ثم ينتقل بعد ذلك إلى احتمال المجاز، ويجوز أن يكون مراداًن فهذا قد وقع للفظ، أما الدليل العاضد فلم يقع بعدن وقد لا يقع البتة، فيكون الأوّل إطلاقاً بما هو موصوف به في الحال فيكون حقيقة كما تقدم في المشتق، والثاني باعتبار ما يقبله في الاستقبال، فيكون مجازاً. الفصل الثاني فيما ليس مجملاً إضافة التحليل والتحريم إلى الأعيان ليس مجملاً فيحمل على ما يدل العرف عليه في كلّ عين خلافاً للكرخي، فيحمل في الميتة على الأكل وفي الأمهات على وجوه الاستمتاع. يقول الكرخي الحقائق غير مكتسبة إيجاداً ولا إعداماً، وما ليس مكتسباً لا يتعلق به تكليف، لأنا إنّما نكلف بما نقدر على كسبه من أفعالنا، وأما الأعيان فلا تُكتسب لنا، فيكون المنطوق به وهو الأعيان غير مراده، والمراد غير منطوق به، فليس تقدير بعض ما يصلح أولى من البعض فيتعين الإجمال. والجماعة يجيبونه ويقولون: العرف عين المقصود بالتكليف في كلّ عين، حتى صار ذلك المركب في العرف موضوعاً لذلك الفعل المخاطب به في تلك العين،

стр. 274

والمركب حينئذ حقيقة عرفية، ولا يحتاج في هذه الحقيقة العرفية إلى تقدير شيء غير المتبادر من هذه الحقيقة، وقد تقدم أن النقل كما يحصل في المفردات يحصل في المركبات، ويكون ذلك المركب حقيقة عرفية مجازاً لغوياً، وهو مجاز في التركيب اشتهر حتى صار حقيقة عرفية، فإذا قال ﵊: «ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم» فُهم من الأوّل السفك، ومن الثاني الأكل، ومن الثالث التكلم والسب، وكذلك يفهم من الخمر الشرب، ومن الثوب اللبس، ومن الخنزير الأكل، وهلم جرا، فلا إجمال. وإذا دخل النفي على الفعل كان مجملاً عند أبي عبد الله البصري، نحو قوله ﵊: «لا صلاة إلاّ بطهور» ، «ولا نكاح إلاّ بولي» لدوران النفي بين الكمال والصحة، وقيل إن كان المسمى شرعياً انتفى ولا إجمال، وقولنا هذه صلاة فاسدة محمول على اللغوي وإن كان حقيقياً نحو الخطأ والنسيان، وله حكم واحد وانتفى، ولا إجمال، وإلا تحقق الإجمال، وهو قول الأكثرين. كما ورد «لا صلاة إلاّ بطهور» ولزم نفي الإجزاء ورد «لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد» ولزم نفي الكمال فقط، فصار النفي متردداً بين هذين الأمرين، فلزم الإجمال. وقال غيره: لا يكون مجملاً بل يحمل على نفي الصحة، لأن ظاهر النفي يقتضي نفي الذات الواقعة في الماضي، لأن معنى - لا صلاة - معناه إذا وقعت صلاة تكون باطلة، فالنفي في المعنى إنّما توجه لواقعن لكن نفي الواقع محال، فيتعين النفي لما هو أقرب لنفي الحقيقة وهو نفي الإجزاء، لأن المشابهة بين نفي الإجزاء ونفي الذات أشد من المشابهة بين نفي الكمال ونفي الذات، فإن منفي الصحة معدوم شرعاً بخلاف منفي الكمال، والمشابهة إحدى علاقات المجاز، وإذا كان الشبه أقوى كان المصير إليه أولى؛ ولأن النفي عام في الذات والصفات؛ أما في الذات فلظاهر اللفظ، وأما في الصفات فلأن الدال على نفي الذات مطابقة دال على نفي الصفات التزاماً، وإذا ثبت العموم في الجميع - وقد

стр. 275

أجمعنا على تخصيصه بالذات - يبقى على نفي العموم في الصفات كلها، فينتفي الإجزاء وهو المطلوب. وأما الفرق بين أن يكون المسمى شرعياً فينتفي، لأن الحقيقة الشرعية ليست واقعة في صورة النهي أو النفي فأمكن أن يضاف النفي إليها، ويقول صاحب الشرع هذه الحقيقة منفية لفقدان هذا الشرط، وأما الحقيقي كالخطأ والنسيان لأنهما ليسا باصطلاح الشرائع وأوضاعها بل الفعل بوصف كونه خطأ أو نسياناً أمر معقول فرض وجود الشرائع أم لا، فلذلك قلنا هو أمر حقيقي، فهذا إذا فرض وقوعه تعذر نفيه؛ فقوله ﵊: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» معناه إذا وقعت منهم هذه الأمور لا إثم عليهم فيه، فما دخل النفي إلاّ على واقع، والواقع يستحيل نفيه، فيتعين العدول إلى حكمه، فإذا كان واحداً انتفى، ومثلوه بالشهادة على الزنا ليس لها صحة وكمال بل الجواز فقط. وإذا قال ﵊: «لا شهادة لمقذوف» ، معناه لا تجوز، وليس للشهادة حكم آخر سوى الجواز، وأما ماله حكمان كالفعل الخطأ، فإن فيه الإثم وإلزام الضمان؛ فيتعين الإجمال حتى يدل دليل على أن المراد الإثم دون الضمان، وإذا فرعنا على هذه الطريقة وقلتم إن المسمى الشرعي ينتفي، فكيف يقول صاحب الشرع هذه صلاة فاسدة، فنجمع بين قولنا صلاة وفاسدة، مع أن الصلاة الفرض انتفت. وأجابوا عن هذا بأن المراد الصلاة اللغوية، بمعنى أن الصلاة اللغوية التي هي الدعاء فسدت عن أن تكون شرعية، فهذا معنى فسادها، وإلا فالدعاء في نفسه لم يفسد حيث يقضى بالفساد لعدم الطهارة مثلاً، فهذا جواب عن سؤال مقدر.

стр. 276

الفصل الثالث في أقسامه المبين إما بنفسه كالنصوص والظواهر وإما بالتعليل كفحوى الخطاب أي باللزوم كالدالة على الشروط والأسباب والبيان، إما بالقول أو بالفعل كالكتابة أو الإشارة، أو بالدليل العقلي أو بالترك، فيعلم أنه ليس واجباً، أو بالسكوت بعد السؤال، فيعلم عدم الحكم الشرعي في تلك الحادثة. وجه التعليل أن الله تعالى لما قال: «ولا تقل لهما أف» (١) فهمنا أن علة هذا النهي هو العقوق، ونحن نعلم أن العقوق بالضرب أشد فنأخذ من تحريم التأفيف تحريم الضرب بطريق الأولى، فصار تحريم الضرب بيناً بسبب التعليل، وقد تقدم بيان تسميته فحوى الخطاب. والشرط المدلول عليه التزاماً كما تقول فلان صلى صلاة شرعية، يفهم بطريق اللزوم حصول الطهارة والسترة وغيرهما مِمّا هو متعين في الصلاة. والدلالة على الأسباب كدلالة الاحتراق على وجود النار، والري على وجود الماء، والشبع على وجود الأكل دلالة ظاهرة. مثال البيان بالقول قوله ﵊: «فيما سقت السماء العشر» في بيان قوله تعالى: «وآتوا حقه يوم حصاده» (٢) . مثال البيان بالفعل تبيينه عليه الصلاة السلام قوله تعالى: «ولله على الناس حج البيت» (٣) بحجه ﵊. وبيان جبريل ﵊ لرسول الله ﷺ أوقات الصلاة، بأن صلى به، وبيانه ﵊ الشهر وقال: «الشهر هكذا وهكذا وهكذا وقبض أصبعه في الثالثة» أي تسع وعشرون.

стр. 277

ومثال البيان بالإشارة ما جاء أن رسول الله ﷺ أشار بيده نحو المشرق وقال: «الفتنة من هنا من حيث يطلع قرن الشيطان» . وأشار ﵊ إلى الحرير في يده وقال: «هذا حرام على ذكور أمتي» . ومثال البيان بالكتابة تبيينه عليه الصالة والسلام نصب الزكاة في كتاب عمر ابن حزم وغيره من الكتب في مقادير الزكاة ومقادير الديات. ومثال البيان بالدليل العقلي تبيين قوله تعالى: «الله خالق كلّ شيء» (١) بما دل العقل عليه من استحالة تعلق هذا النص بذات الله تعالى وصفاته، ومنه التخصيص بالقياس فإنه من أدلة العقل. ومثال البيان بالترك ما روي عنه ﵊ أنه نهى عن الشرب قائماً ثم فعله وترك الجلوس، فدل ذلك على أن الجلوس في الشرب ليس واجباً بل مندوباً، وكتركه ﵊ للجلسة الوسطى لما قام من اثنتين، فيعلم عدم وجوبها. ومثال السكوت بعد السؤال قصة عويمر العجلاني لما سأل رسول الله ﷺ عن شأن امرأته وأنه رأى منها ما يسوءه فلم يجبه رسول الله ﷺ وسكت، فدل ذلك على عدم حكم اللعان، ثم نزلت آية اللعان، فقال ﵊: «قد أنزل فيك وفي صاحبتك قرآن» ولاعن بينهما. فائدة: يمكن البيان من الله تعالى بالقول، وأما بالفعل والكتابة والإشارة، فقد صرح الإمام فخر الدين على استحالة البيان بها على الله تعالى، لأنه ذكره في الإشارة بمعنى يشمل الثلاثة، وفيما قاله نظر، بسبب أنه صرح بإمكان البيان بالقول من الله تعالى، والقول يستحيل عليه تعالى، لأن المراد به الحروف والأصوات الدالة على الكلام النفسيّ، وهذا يستحيل قيامه بذات الله تعالى، وإنما يبين به إذا خلقه في بعض مخلوقاته كجبريل ﵊، أو مَن

стр. 278

شاء الله تعالى، وأما الكلام النفساني الذي هو قائم بذات الله تعالى فلا يمكن البيان به، لأن الصفات الربانية كلها مدلولة دلالة، وإنما يدلنا ما ظهر لحواسنا، والذي يظهر لحواسنا في مجاري العادات إنّما هو اللساني لا النفساني، وإذا تعذر تجويز البيان على الله تعالى بالبيان القولي وأنه يخلقه في بعض عباده، جاز أن يبين تعالى بالفعل والكتابة والإشارة، بأن يخلق هذه الأمور في بعض مخلوقاته، ويقع بياناً كما قلناه في الأصوات، ولا فرق بينهما إلاّ في الصورة. الفصل الرابع في حكمه يجوز ورود المجمل في كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ خلافاً لقوم، لنا أن آية الجمعة وآية الزكاة مجملتان وهما في كتاب الله تعالى. حجة المنع أن الوارد في الكتاب والسنة إما أن يكون المراد به الإفهام أو لا، والثاني عبث، والأول إما أن يكون مع ذلك المجمل بيانه أو لا، والأول تطويل بغير فائدة، وإن لم يكن معه بيانه جاز أن لا يصل إلى السامع فيلزم التضليل وكل ذلك مفسدة ينزه الكتاب والسنة عنها. وجوابه: أن عندنا يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا يستحيل عليه تعالى إيقاع المكلف في الجهالة والضلالة، وأما على أصول المعتزلة ونحن أيضاً - إذا سلمنا ذلك - فلنا أن نقول في ذلك فوائد ومصالح: إحداها امتحان العبد حتى يظهر تثبته وفحصه عن البيان فيعظم أجره، أو إعراضه فيظهر تخلفه وعصيانه. وثانيتها: إذا ورد المجمل وورد بعده البيان ازداد شرف العبد بكثرة مخاطبة سيده له. وثالثتها: أن الحروف إذا كثرت الأجور لقوله ﵊: «من قرأ القرآن وأعربه كان له بكل حرف عشر حسنات» ، ويعظم أيضاً أجر الحفظ والضبط والكتابة وغير ذلك. فهذه مصالح تترتب على الإجمال.

стр. 279

ويجوز البيان بالفعل خلافاً لقوم. وإذا تطابق القول والفعل فالبين القول والفعل مؤكد له، وإن تنافيا نحو قوله ﵊: «من قرن الحج إلى العمرة فليطف لهما طوافاً واحداً» وطاف ﵊ لهما طوافين، فالقول مقدم لكونه يدل بنفسه، ويجوز بيان المعلوم بالمظنون خلافاً للكرخي. حجة المنع من البيان بالفعل أن الفعل تطويل، وتأخير البيان مع إمكانه وتيسره عبث من المبين وهو على الله تعالى محال. جوابه: أن البيان بالقول قد يكون أطول من البيان بالفعل كالأشياء الغامضة الدقيقة فإنَّها لا تظهر بألفاظ كثيرة وتكرار كثير جداً، ومجرد الفعل مرة واحدة يصير ضرورية عند من شاهد ذلك الفعل، سلمنا أنه أطول لكنه قد وقع كما تقدم بيانه في الحج وغيره، ثم ما فيه من التطويل معارض بأن البيان بالفعل أقوى عند النفس وأثبتن ولذلك أن الصنائع تنضبط بمشاهدة الأفعال دون الأقوال المجردة، كالتجارة والصياغة وغيرهما، وإنما قدم القول على الفعل في البيان، لأن القول يدل بمجرد الوضع، والفعل لا يدل إلاّ بالقول الدال على كونه دليلاً، كما دل قوله تعالى: «وما آتاكم الرسول فخذوه» (١) ولولا ذلك لم يكن الفعل حجة، وما هو حجة بنفسه أولى مِمّا لا يكون حجة بنفسه. وتمثيلي بكونه عليه الصالة والسالم طاف لهما طوافين، مبني على أنه ﵊ كان في حجة الوداع متمتعاً، وهي مسألة ثلاثة أقوال: قيل متمتعاً، وقيل مفرداً، وقيل قارناً. والإمام فخر الدين مثَّل بذلك فاتبعته. وأما بيان المعلوم بالمظنون فيريد به بيان المتواتر بالآحاد، وذلك كما بين ﵊: «فيما سقت السماء العشر» ومعنى ذلك أن الحديث إذا بلغ إلينا جاز أن نعتمد عليه في البيان، وإن

стр. 280

كان بالنسبة إلينا مظنوناً لأنه في زماننا خبر واحد، وأما من سمع هذا الحديث من الصحابة - رضوان الله عليهم - فهو عندهم مقطوع لا مظنون، لأن التواتر لا يزيد على المباشرة. حجة الكرخي أن المظنون يقصر على المقطوع فلا يعتمد عليه، وكذلك تخصيص القرآن بالقياس. وجوابه: أن المقطوع في سنده قد يكون مظنوناً في دلالته، كما تقول في عمومات القرآن مقطوعة السند مظنونة الدلالة، فقد اشتركا في الظن، والبيان أخص، والأخص أقوى من الأعم، فما قدمنا إلاّ ما هو أقوى لا ما هو أضعف. الفصل الخامس في ورقته من جوز تكليف ما لا يطاق، جوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وتأخيره عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة جائز عندنا، سواء كان الخطاب ظاهراً وأريد خلافه، أو لم يكن، خلافاً لجمهور المعتزلة إلاّ في النسخ، لأنهم وافقوا على النسخ، ومنع أبو الحسين منه فيما له ظاهر أريد خلافه، وأوجب تقديم البيان الإجمالي دون التفصيلي، بأن يقول هذا الظاهر ليس مراداً. مثال هذه المسألة أن يقول الله تعالى في رمضان: «فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين» (١) فرمضان وقت الخطاب، وأول صفر هو وقت الحاجة، فلا يجوز تأخيره عن المحرم إلاّ إذا جوزنا تكليف ما لا يطلق، ومذهبنا لا يحيله، بهذا العام الخصوص، وأن لا نقتل النسوان والرهبان وغيرهم، ومع ذلك نقتلهم لعدم البيان، ونأثم لعدم الإذن في نفس الأمر في قتلهم، فيكون هذا تكليف ما لا يطاق، وهو أن نأثم بما لا نعلمه.

стр. 281

وأما تأخيره عن وقت الخطاب ففيه ثلاثة مذاهب: الجواز لنا، والمنع للمعتزلة، والتفصيل لأبي الحسين كما تقدم. ومنشأ الخلاف بين الفرق أن الجهل مفسدة إجماعاً، فعند المعتزلة أن الله تعالى يستحيل عليه أن يوقع عبده في مفسدة فلا يؤخر البيان عن وقت الخطاب نفياً لهذه المفسدة، وعندنا لله تعالى أن يفعل في ملكه ما يشاء، وأبو الحسين توسط بيننا وبين فرقة المعتزلة فقال: الجهل قسمان بسيط ومركب، فالبسيط أن يجهل ويعلم أنه جاهل، كما إذا سئلنا عن عدد شعر رؤوسنا فإنا نقول نحن نعلم جهلنا به. والمركب: كاعتقاد الكفار والضلال، فإنهم جهلوا الحق في نفس الأمر، وجهلوا أنهم جاهلون، بل يعتقدون أنهم على بصيرة، والمركب أعظم مفسدة م البسيط لتركبه من جهلين، وهو يمكن سلامة البشر منه، أما البسيط فيستحيل خلو الخلق عنه لأن الإحاطة صفة لله وحده. فيقول أبو الحسين أجوز على الله تعالى إيقاع عباده في الجهل البسيط لخفته دون المركب لفرط قبحه فيما لا ظاهر له، كاللفظ المشترك إذا تأخر فيه البيان إلى وقت الحاجة، إنّما يقع العبد في الجهل البسيط، وهو كونه لا يعلم مراد الله تعالى وذلك لا ضرر فيه لأنه من لوازم العبد، وأما ماله ظاهر كالعموم الذي أريد به الخصوص، فمتى تأخر البيان فيه عن وقت الخطاب اعتقد السامع أنه مراد الله تعالى، مع أنه ليس مراده، وذلك جهل مركب أحيله على الله تعالى، فيجب تعجيل البيان الإجمالي؛ بأن يقول الله تعالى الظاهر ليس مراد، فيذهب الجهل المركب ويبقى البسيط فقط، فتأخر بيانه التفصيلي إلى وقت الحاجة، فهذا هو منشأ الخلاف بين الفرق. وأما اتفاقهم معنا على جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة عن وقت الخطاب، فسببه أن النسخ يستحيل أن يقع إلاّ هكذا، فإنه لو تعجل بيانه وقت الخطاب، ويقول الله تعالى: سأنسخ عنكم وقوف والواحد للعشرة بعد سنة، صار هذا الخطاب مُغيًّا بهذه الغاية وينتهي بوصوله إلى غايته، ولا يكون

стр. 282

نسخاً، كما ينتهي الصوم بوصوله إلى غايته التي هي الليل، ولا يكون نسخاً لقوله تعالى: «ثم أتموا الصيام إلى الليل» (١) فمن ضرورة النسخ تأخير البيان عنه، لذلك وافقوا عليه، وغيره من البيانات ليس ذلك من ضروراته، وبهذا الفرق يجيبون إذا قسنا نحن تأخير غيره من البيانات عليه، وألزمناهم إياه. حجتنا في جواز تأخير البيان مطلقاً قوله تعالى: «فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إن عليا بيانه» (٢) وكلمة (ثم) للتراخي، فدل ذلك على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة. وثانيها: قوله تعالى في قصة بقرة بني إسرائيل: «إنها بقرة لا فارض - إنها بقرة صفراء - إنها بقرة ذلول» (٣) فتصرف إلى ما أمروا به من ذبح البقرة، وهم لم يؤمروا إلاّ ببقرة منكرة والمراد بها معينة، فيحتاج إلى البيان، ويدل على أنها كانت معينة قوله تعالى: «إنها إنها» والأصل في الضمائر أن تعود إلى الظواهر، فهذا بيان تأخَّر عن وقت الخطاب، بل عن وقت الحاجة، لأنهم كانوا محتاجين إلى ذبح البقرة ليتبين أمر القتيل، وترتفع الفتنة التي كانت بينهم، والخصومات في أمر القتيل. وثالثها: قوله تعالى: «إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون» (٤) لما نزلت قال ابن الزبعري لأخصمن اليوم محمداً، فقال يا محمد قد عبدت الملائكة وعبد المسيح، فنزل قوله تعالى: «إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون» (٥) فهذا تخصيص وبيان لم يتقدم فيه بيان إجمالي ولا تفصيلي. ورابعها: أن الله تعالى يأمر المكلفين بأمر في المستقبل، مع أن بعضهم قد يموت قبل الفعل، فذلك الشخص لم يكن مراداً بالعموم ولم يتقدم بيانه، احتج أبو الحسين بأن العموم خطاب لما في الحال، فإن لم يقصد إفهامنا في الحال فهو عبث، وإن

стр. 283

قصدوا إفهامنا الظاهر فهو إغراء بالجهل وهو لا يجوز على الله تعالى، أو غير الظاهر وهو تكليف ما لا يطاق، لأن فهم غير الظاهر بغير بيان محال، فتعين تقديم الباين الإجمالي خلوصاً من الجهل. الثاني لو جوزنا تأخير البيان مطلقاً فيما له ظاهر لم يكن لنا طريق إلى معرفة وقت الفعل، فإنه إذا قال افعلوا غداً فيجوز أن يريد بقوله غدا ما بعده مجازاً، ولم يبينه لنا فلا نثق بوقت البتة. والجواب عن الأوّل: أن الجهل لا يستحيل امتحان الله تعالى الخلق به على أصولنا. وعن الثاني: أنا نكتفي بالظاهر المفيد للظن طابق أم لا، فإن ادعيت أنه لا بد من اليقين فممنوع. ويجوز له ﵊ تأخير ما يوحى إليه إلى وقت الحاجة، لنا قوله تعالى: «فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه» (١) وكلمة ثم للتراخي فيجوز التأخير وهو المطلوب. لنا أن التبليغ يقتضي المصلحة فقد تكون في التعجيل وقد تكون في التأخير، ألا ترى أنه ﵊ لو أوحي إليه بقتال أهل مكة بعد سنة كانت المصلحة تتقاضى تأخير ذلك إلى وقته لئلا يستعد العدو للقتال ويعظم الفساد، ولذلك أنه ﵇ لما أراد قتالهم قطع الأخبار عنهم وسد الطرق حتى دهمهم، وكان ذلك أيسر لأخذهم وقهرهم، فكذلك يجوز تأخير الإبلاغ في بعض الصور بل يجب. الفصل السادس في المبين يجب البيان لمن أريد إفهامه فقط، ثم المطلوب قد يكون عِلماً فقط كالعلماء بالنسبة إلى الحيضن أو عملاً فقط كالنساء بالنسبة إلى أحكام الحيض

стр. 284

وفقهه، أو العلم والعمل كالعلماء بالنسبة إلى أحوالهم، أو لا علم ولا عمل كالعلماء بالنسبة إلى الكتب السالفة، ويجوز إسماع المخصوص بالعقل من غير التنبيه عليه وفاقاً، والمخصوص بالسمع بدون بيان مخصص عن النظام وأبي هاشم، واختاره الإمام، خلافاً للجبائي وأبي الهذيل. من لم يرد إفهامه لا حاجة إلى البيان له، ولا يمتنع، وقولهم إن النساء أردن بالعمل فقط، غير متجه بسبب أن النساء أيضاً مأمورات بتحصيل العلم، فكذلك من سلف هذه الأمة عائشة ﵂ التي قال فيها ﵊: «خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء» وكانت من سادات الفقهاء، وكذلك جماعة من نساء التابعين وغيرهم، غاية ما في الباب أن التقصير عن رتبة العلم ظهر في النساء أكثر، وذلك لا يبعثنا على أن نقول المطلوب منهن العمل فقط، بل الواقع اليوم ذلك، إما أنه حكم الله فغير ظاهر، وقولي أو العلم والعمل كالعلماء بالنسبة إلى أحوالهم مبني على أن المجتهد لا يجوز له أن يقلد، بل يحصل العلم بتلك المسألة، ويعمل بمقتضى ما حصل له، فإن قلت المتحصل بالاجتهاد إنّما هو الظن فقط، فلم سميته علماً؟ قلت تقدم أن الحكم الشرعي معلوم من جهة انعقاد الإجماع، على أن ما غلب على ظنه فهو حكم الله في حقه وحق من قلده إذا حصل له سببه، فصار الحاصل له علماً بهذا الطريق، وأما الكتب السالفة فلم يؤمر بتعلمها لعدم صحتها وأدباً مع الأفضل منها وهو القرآن، ولا العمل بما فيها من حيث هو فيها لعدم الصحة، وإنما نعمل بما فيها من حيث دلالة شرعنا على اعتباره من العقائد والقواعد الكليّة وغيرها من الفروع، أما من جهة تلك الكتب فلا وإنما حصل الاتفاق على إسماع المخصوص بالفعل، من جهة تلك الكتب فلا وإنما حصل الاتفاق على إسماع المخصوص بالفعل، من جهة أن العقل حاصل في الطباع فيحصل البيان بالتأمل، فتأخره إنّما هو من جهة تفريط المكلف، لا من جهة المتكلم، وأما المخصص السمعي فليس في الطباع، والمكلف إذاً لم يسمعه معذور. سؤال: ما الفرق بين هذه المسألة، وبين مسألة تأخير البيان دون وقت الخطاب المتقدمة.

стр. 285

جوابه: أن تلك المسألة مفروضة فيما إذا لم ينزل البيان البتة، وهذه إذا نزل، ولكن سمعه البعض فقط والذي لم يسمعه هو صورة النزاع. لنا أن أحدنا قد يسمع العموم ولا يسمع مخصصه، وذلك معلوم من الدين بالضرورة، ولأن رسول الله ﷺ لم يكن في تبليغه يطوف على القبائل حتى يستوعب أنواعهم وأشخاصهم بكل حكم، بل يبلغ من حيث الجملة، ويقول: «بلغوا عني ولو آية، فرحم الله أمرءا سمع مقالتي فوعاها فأدها كما سمعها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» ، وهذا يدل على أنه كان يُسمع البعض فقط، وذلك معلوم من حاله ﵊ بالضرورة، فيكون أكثر المكلفين لم يسمع المخصص وهو صورة النزاع. احتج الخصم بأن ذلك يفضي إلى اعتقاد السامع الحكم على خلاف ما هو عليه، وأنه مفسدة لا تليق بالحكيم. وجوابه: أن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
следующие страницы →