← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21813

شرح تنقيح الفصول

القرافي

Полный текст (458 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

حجتنا أن الله تعالى إذا أوجب الصلاة ركعتين ركعتين ثم جعلها أربعاً فإن هذه الزيادة لم تبطل وجوب الركعتين الأوليين ولا تنافيهما، وما لا ينافي لا يكون نسخاً. فإن قلت: التشهد يجب عقيب ركعتين والسلام بآخر ذلك، فبطل ذلك وصار في موضع آخر وهو بعد الأربع، فقد بطل حكم شرعي فيكون نسخاً. قلت: لا نسلم أن الله تعالى أوجب السلام عقيب الركعتين لكونهما ركعتين بل أوجبه آخر الصلاة كيف كانت ثنائية أو ثلاثية أو رباعية، ولا مدخل للعدد في إيجاب السلام، بل كونه آخر الصلاة فقط، وكون السلام آخر الصلاة لم يبطل، بل هو على حاله فهو لا نسخ. وهذا السؤال هو مدرك الحنفية، واحتجوا أيضاً بأن الركعتين كانتا مجزئتين والآن هما غير مجزئتين، والإجزاء حكم شرعي فيكون نسخاً، ولأن إباحة الأفعال بعد الركعتين كانت حاصلة مع الزيادة بطلت هذه الإباحة، والإباحة حكم شرعي ارتفع فيكون نسخاً. والجواب عن الأوّل: أن معنى قولنا هما مجزئتان أنه لم يبق شيء آخر يجب على المكلف، وقولنا لم يجب عليه شيء إشارة إلى عدم التكليف، وعدم التكليف حكم عقلي لا شرعي والحكم العقلي رفعه ليس نسخاً إجماعاً. وعن الثاني: أن إباحة الأفعال بعد الركعتين تابع لكونه ما وجب عليه شيء آخر، وقولنا ما وجب عليه، إشارة إلى نفي الحكم الشرعي، وبراءة الذمة التي هي حكم عقلي، والتابع للعقلي عقلين فلا يكون رفعه نسخاً. ومثال نفي الزيادة بالشرط أن يقوم صاحب الشرع: إن كانت الغنم سائمة ففيها الزكاة، ثم يقول في الغنم مطلقاً الزكاة، فإن هذا العموم ينفيه مفهوم الشرط المتقدم. ومثال المفهوم أن يقول: في الغنم السائمة الزكاة، ثم يقول في الغنم الزكاة،

стр. 317

فإن هذا العموم رافع للمفهوم المتقدم فيكون نسخاً، فإنه ما هو ثابت بدليل شرعي وهو الشرط أو المفهوم، وهذا التفريق مبني على أن النفي الأصلي قد تقرر بمفهوم الشرط ومفهوم الصفة، وأن تقرير النفي الأصلي حكم شرعي، وليس كذلك، لأن الله تعالى لو قال لا أشرع لكم في هذه السنة حكماً ولا أكلفكم بشيء، لم يكن لله تعالى فيه هذه السنة شريعة عملاً بتنصيصه تعالى على ذلك، مع أنه تعالى قد قرر النفي الأصلي، وكذلك لما قرر رفع التكليف عن المجنون والنائم وغيرهما لم يكن ذلك حكماً شرعياً بل إخبار عن عدم الحكم. والجنوح إلى مفهوم الصفة هو قول القاضي عبد الجبار، وهو مع تدقيقه قد فاته هذا الموضع. ومثال ما لا يجزئ بعد الزيادة أن الصلاة فرضت مثنى مثنى كما جاء في الحديث، فلما زيد في صلاة الحضر ركعتان، بقيت الركعتان الأوليان لا يجزئان بدون هذه الزيادة، ومثال ما يجزئ منفرداً بعد الزيادة زيادة التغريب بعد الجلد؛ فإن الإمام لو اقتصر على الجلد واستفتى بعد ذلك، فقيل له لا بد من التغريب، فإنه لا يحتاج إلى إعادة الجلد مرة أخرى، بخلاف المصلي يحتاج إلى إعادة الجميع، ووجه الفرق على هذا المذهب أن الأصل إذا لم يجز بعد الزيادة اشتد التغيير فكان نسخاً، بخلاف القسم الآخر، التغيير فيه قليل. وأما عن أصلنا فهذه الصور كلها ليست نسخاً، أما التغريب فلأنه رافع لعدم وجوبه، وعدم الوجوب حكم عقلي، ورافع الحكم العقلي ليس نسخاً. وتقييد الرقبة بالإيمان رافع لعدم لزوم تحصيل الإيمان فيها، وذلك حكم عقلي، وإباحة قطع السارق في الثانية ليست نسخاً، لأنه رافع لعدم الإباحة وهو حكم عقلي فلا يكون نسخاً. فإن قلت: الآدمي أجزاؤه محرمة مطلقاً، وهذا التحريم حكم شرعي فيكون نسخاً لما رفع. قلت: لنا هنا مقامان أحدهما أن ندعي أن الأصل في الآدمي وغيره عدم الحكم لا تحريم ولا إباحة؛ لأن الأصل في أجزاء العالم كلها عدم الحكم حتى وردت الشرائع، كما تقرر أنه لا حكم للأشياء قبل الشرائع، فعلى هذا الإباحة

стр. 318

رافعة لعدم الحكم لا للتحريم فلا يكون نسخاً، أو نسلم التحريم، ونقول حكم التحريم بمقتضى آدميته وشرفه من غير نظر إلى الجنايات، وهذا التحريم باق، ولا تنافي بين التحريم له من حيث هو هو، وإباحته من جهة الجنايات، كما أن إباحة الميتة من جهة الاضطرار لا يكون نسخاً للتحريم الثابت لها من حيث هي هي، وإنما يحصل التنافي أن لو أبحناه من حيث هو هو، أو أبحنا الميتة من حيث هي ميتة، وإذا لم يحصل التناقض لا يكون نسخاً فلا يكون إباحة يده مع الجناية نسخاً بل رفعاً لعدم الحكم، فإن أحكام الجناية لم تكن مترتبة، بل صارت مترتبة، وكذلك التخيير بين الواجب وغيره ليس نسخاً لأنه إن قيل لك لمَ لا تتخير بين صلاة الظهر وصدقة درهم؟ نقول لأن البدل لم يشرع، فيشير إلى عدم المشروعية، وعدم المشروعية حكم عقلي، فمتى خير بين واجب وغيره، فقد رفع عدم مشروعية ذلك البدل فقط، ووجوب الصوم إلى الشفق يرفع عدم الوجوب من المغرب إلى الشفق، فهو حكم عقلي، ولهذه التقيرات يتضح لك ما هو نسخ مِمّا ليس بنسخ فتأملها!. ونقصان العبادة نسخ لما سقط دون الباقي إن لم يتوقف، وإن توقف قال القاضي عبد الجبار هو نسخ في الجزء دون الشرط، واخترا فخر الدين والكرخي عدم النسخ. مثال نسخ ما لا يتوقف عليه العبادة نسخ الزكاة بالنسبة إلى الصلاة، فإنه لا يكون نسخاً، مثال الجزء ركعة من الصلاة، مثال الشرط الطهارة مع الصلاة. لنا أن إيجاب ذلك كله يجري مجرى إثبات الحكم للعموم، وكما أن إخراج بعض صور العموم لا يقدح، فكذلك هنا. احتجوا بأن نسخ هذه الركعة مثلاً يقتضي نفي عدم إجزاء الركعة الباقية، فإنَّها كانت لا تجزئ صارت تجزئ، ويقتضي رفع وجوب تأخير التشهد إلى بعد الركعة المنسوخة، فإنه ما بقي ذلك بعد النسخ، بل يتعجل التشهد عقيب الباقي بعد النسخ، وكانت الركعة الباقية تجزئ إذا فعل معها المنسوخة، والآن وجب علينا إخلاء الصلاة منها، والإجزاء حكم شرعي.

стр. 319

والجواب: أن عدم الإجزاء يرجع إلى إيجاب الركعة الثانية، ونحن قد سلمنا أنه انتسخ، إنّما نتكلم في الركعة الباقية، وأما تأخير التشهد، فالتشهد لم يشرع عقيب ركعتين، ولا ركعة بل آخر الصلاة، وما زال يجب آخر الصلاة، فما حصل نسخ، وكذلك إجزاء الصلاة مع المنسوخة كان تابعاً لوجوبها، ونحن نسلم أن وجوبها نسخ، إنّما النزاع فيما بقي. الفصل الخامس فيما يعرف به النسخ يعرف النسخ بالنص على الرفع أو على ثبوت النقيض أو الضد، ويعلم التاريخ بالنص على التأخير أو السنة أو الغزوة أو الهجرة، ويعلم نسبة ذلك إلى زمان الحكم أو برواية من مات قبل رواية الحكم الأخير، قال القاضي عبد الجبار قول الصحابي في الخبرين المتواترين هذا قبل ذلك مقبول، وإن لم يقبل قوله في نسخ المعلوم، كثبوت الإحصان بشهادة اثنين بخلاف الرجم وشهادة النساء في الولادة دون النسب، وقول الإمام فخر الدين قول الصحابي هذا منسوخ لا يقبل الجواز أن يكون اجتهاداً منه، وقال الكرخي إن قال إذا نسخ ذلك لم يقبل، وإن قال هذا منسوخ قبل لأنه لم يخل للاجتهاد مجالاً فيكون قاطعاً به، وضعفه الإمام. متى ثبت نقيض الشيء أو ضده انتفى فكان ذلك دليل الرفع، وأما النص على السنة بأن يقول كان هذا التحريم سنة خمس ونعلم أن الإباحة سنة سبع، فتكون الإباحة ناسخة لتأخير تاريخها، وإن قال في غزوة كذا كان ذلك كتعيين السنة، فإن الغزوات معلومة السنين وينظر نسبة ذلك لزمان الحكم فينسخ المتأخر المتقدم وكذلك إذا قال قيل الهجرة أو بعدها، فهو كتعيين السنة أيضاً، ونظير قوله هذا منسوخ فقبل، لأنه لم يخل للاجتهاد مجالاً. قولهم في خبر المرسل، قال بعضهم هو أقوى من المسند، لأنه إذا بين المسند ورجاله فقد جعل لك مجالاً في النظر في عدالتهم، أما إذا سكت عنه فقد التزمه في ذمته فهو أقوى في العدالة ممن لم يلتزم به.

стр. 320

الباب الخامس عشر في الإجماع وفيه خمسة فصول الفصل الأول في حقيقته وهو اتفاق أهل الحل والعقد في هذه الأمة في أمر من الأمور، ونعني بالاتفاق، الاشتراك إما في القول أو الفعل أو الاعتقاد، وبأهل الحل والعقد: المجتهدين في الأحكام الشرعية، وبأمر من الأمور: الشرعيات والعقليات والعرفيات. قال إمام الحرمين في البرهان لا أثر للإجماع في العقليات، فإن المعتبر فيها الأدلة القاطعة، فإن انتصبت لم يعارضها شقاق ولم يعضدها وفاق، وإنما يعتبر الإجماع في السمعيات، وإذا أجمعوا على فعل نحو أكلهم الطعام دل إجماعهم على إباحته، كما يدل أكله ﵇ على الإباحة، ما لم تقم قرينة دالة على الندب أو الوجوب، فهذا تفضيل حسن. قال القاضي عبد الوهاب في الملخص: اختلف في انعقاد الإجماع في العقليات فقيل لا يعلم بالإجماع عقلي؛ لأن العلوم العقلية يجب تقديمها على السمعيات التي هي أصل الإجماع.

стр. 321

وقال القاضي أبو بكر: العقليات قسمان ما يخل الجهل به بصحة الإجماع والعلم به كالتوحيد والنبوة ونحوهما، فلا يثبت بالإجماع، وإلا جاز ثبوته بالإجماع، كجواز رؤية الله تعالى، وجواز العفو عن الكبائر، والتعبد بخبر الواحد، والقياس ونحو ذلك. وقال أبو الحسين في المعتمد: يجوز اتفاقهم على القول والفعل والرضا ويخبرون عن الرضا في أنفسهم، فيدل على حسن ما رضوا به، وقد يجمعون على ترك القول وترك الفعل فيدل على أنه غير واجب، ويجوز أن يكون ما تركوه مندوباً إليه، لأن تركه غير محظور، فهذه التفاصيل أولى من التعميم الأوّل وهو قول الإمام فخر الدين في المحصول. وقال إمام الحرمين في البرهان اختلف الأصوليون في الإجماع في الأمم السلافة هل كان حجة، فقيل لا، وهو من خصائص هذه الأمة، وقيل إجماع كلّ أمة حجة ولم يزل ذلك في الملل. وقال القاضي: لست أدري كيف كان الحال. قال الإمام: والذي أراه أن أهل الإجماع إن قطعوا بقولهم في كلّ أمة فهو حجة لاستناده إلى حجة قاطعة لأن العادة لا تختلف في الأمم، وإن كان المستند مظنوناً فالوجه الوقف. قال الشيخ أبو إسحق في اللمع: الأكثرون على أن إجماع غير هذه الأمة ليس بحجة. واختار الشيخ أبو إسحق الإسفرائيني أنه حجة. فائدة: تقول العرب جمع الرجل قومه وأجمع أمره، قاله أبو علي في الإيضاح وتقول أجمع الرجل إذا صار إذا جَمع، مثل ألبن إذا صار ذا لبن وأتمر إذا صار ذا تمر، فقولنا أجمع المسلمون على وجوب الصلاة يصح بمعنى صاروا ذوي جمع وبمعنى أجمعوا رأيهم.

стр. 322

الفصل الثاني في حكمه وهو عند الكافة حجة خلافاً للنظام والشيعة والخوارج، لقوله تعالى: «ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً» (١) وثبوت الوعيد على المخالفة يدل على وجوب المتابعة، وقوله ﵇ «لا تجتمع أمتي على خطأ» يدل على ذلك. وكذا أيضاً قوله تعالى: «وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً» (٢) قال أئمة اللغة والمفسرون: الوسط الخيار سمي الخيار وسطاً لتوسطه بين طرفي الإفراط والتفريط، وإنما يحسن هذا المدح إذا كانوا على الصواب، وقوله تعالى: «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر» (٣) وجه التمسك به ذكرهم في سياق المدح يدل على أنهم على الصواب، والصواب يجب اتباعه، فيجب اتباعهم، ولأنه تعالى وصفهم بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر (٤) ، واللام للعموم، فيأمرون بكل معروف فلا يفوتهم حق لأنه من جملة المعروف، ولقوله تعالى: «وينهون عن المنكر» والمنكر باللام يفيد أنهم ينهون عن كلّ منكر فلا يقع الخطأ بينهم ويوافقوا عليه لأنه منكر. والعمدة الكبرى: أن كلّ نص من هذه النصوص مضموم للاستقراء التام من

стр. 323

نصوص القرآن والسنة وأحوال الصحابة وذلك يفيد القطع عند المطَّلع عليه، وأن هذه الأمة معصومة من الخطأ وأن الحق لا يفوتها فيما بينته شرعاً، فالحق واجب الاتباع، فقولهم واجب الاتباع، احتجوا بأن اتفاق الجمع العظيم على الكلمة الواحدة في الزمان الواحد محال في مجاري العادة، كما أن اتفاقهم على الميل إلى الطعام الواحد في الزمان الواحد محال، ولأن الله تعالى نهاهم عن المنكر بقوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل» (١) «ولا تقربوا الزنا» (٢) ، «ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلاّ بالحق» (٣) وغير ذلك من النصوص، ولولا أنهم قابلون للمعاصي لما صح نهيهم عن هذه المناكر. والجواب عن الأوّل: اتفاقهم في زمن الصحابة ممكن ولا يكاد يوجد إجماع اليوم إلاّ وهو واقع في عصر الصحابة ﵃ وإجماعهم حينئذ ممكن لعدم انتشار الإسلام في أقطار الأرض، ولأن مقصودنا أنه حجة إذا وقع ولم يتعرض للوقوع، فإن لم يقع فلا كلام، وإن وقع كان حجة. هذا هو المقصود، وعن الثاني: أن الصيغ العامة موضوعة في لسان العرب لكل واحد واحد، لا المجموع؛ فيكون كلّ واحد منهم غير معصوم، ولا نزاع في ذلك، إنّما النزاع في مجموعهم لا في آحادهم، وقد تقدم بسط هذا في باب العموم. وأما إمام الحرمين في البرهان فسلك طريقاً آخر، وهو أن إجماعهم على دليل قاطع أوجب لهم الاجتماع، فيكون قولهم حجة قطعاً لذلك القاطع، لا لقولهم والجمهور تقول بل النصوص شهدت لهم بالعصمة، فلا يقولون إلاّ حقاً، استندوا لعلم أو ظن، كما أن الرسول ﵇ معصوم لا ينطق عن الهوى. وما يقوله في التبليغ يجب اعتقاد أنه حق، كان مستنده ظناً أو علماً، فالقطع نشأ عن العصمة لا عن المستند.

стр. 324

وعلى منع القول الثالث: قال الإمام فخر الدين في المحصول إحداث القول الثالث غير جائز عند الأكثرين. والحق أنه إن لزم منه الخروج عما أجمعوا عليه امتنع وإلا جاز فتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: الجواز مطلقاً، والمنع مطلقاً، والتفصيل. احتج المانعون بأن الأمة أجمعت قبل الثالث على الأخذ بهذا القول، أو بهذا القول، فالأخذ بالثالث خارق للإجماع، ولأن الحق لا يفوت الأمة، فلا يكون الثالث حقاً، وإلا لما فاتهم، فيكون باطلاً قطعاً وهو المطلوب. ويرد على الأوّل أن الإجماع الأوّل مشروط بأن لا يجمعوا على أحدهما وقد أجمعوا ففات الشرط (١) . فإن قلت، يلزمك ذلك في القول الواحد إذا أجمعوا عليه، فجاز أن يقال امتنع مخالفته بشرط أن لا يذهب أحد إلى خلافه. قلت: لو كان الأوّل مشروطاً لما كان هذا مشروطاً، بسبب أن القول الواحد تعينت فيه المصلحة، فلا معنى للشرطية، بخلاف القولين لم يتعين المصلحة في أحدهما عيناً، ولم يقل بكل واحد منهما إلاّ بعض الأمة وبعض الأمة غير معصوم. وعن الثاني: لا نسلم تعيين الحق في قول الأمة إلاّ إذا اتفقت كلها على قول، أما مع الاختلاف فممنوع، فظهر بهذه الأجوبة حجة الجواز. مثال التفصيل: اختلفت الأمة على قولين: هذا الجد يقاسم الأخوة أو يكون المال كله له؟ فالقول الثالث بأن الأخوة يحوزون المال كله خلاف الإجماع، فالقول الثالث مبطل لما أجمعوا عليه، فيكون باطلاً، لأن الحق لا يفوتهم، هذا قول الإمام فخر الدين وتمثيله. وقال ابن حزم في المحلى: إن بعضهم قال المال كله للأخوة تغليباً للبنوة على الأبوة فلا يصح على هذا ما قاله الإمام من الإجماع.

стр. 325

وعدم الفصل فيما جمعوه فإن جميع ما خالفهم يكون خطأ لتعيين الحق في جهتهم. قال الإمام فخر الدين: إن قالوا لا نفصل بين المسألتين لم يجز الفصل، وكذلك إن علم أن طريقة الحكم واحدة في المسألتين، فإن لم يكن كذلك فالحق جواز الفرق، وإلا كان من وافق الشافعي في مسألة لدليل أن يوافقه في الكل، إنّما لم يجز الفصل لأنهم صرحوا بعدمه فيكون عدمه هو الحق، والفصل باطلاً فيمتنع، ومثاله: ذوو الأرحام اتفقوا على عدم الفصل بينهم، فمن ورث العمة ورث الخالة بموجب القرابة ولارحم، ومن لم يورث العمة لم يورث الخالة لضعف القرابة عن التوريث، فلا يجوز لأحد أن يورث العامة دون الخالة، ولا الخالة دون العمة، فالطريقة واحدة في المسألتين، وإن كان المدرك مختلفاً، بأن يقول أحد الفريقين لا أورث الخالة لأنها تدلي بالأم، ويقول الآخر لا أورث العمة لبعدها من الأب، جاز الفصل بسبب أن اختلاف المدارك يسوغ ذلك، لأنه إذا قال قائل أورث العمة لشائبة الإدلاء بالأب ولا أورث الخالة لإدرائها بالأم، وجهة الأمومة ضعيفة فهذا قد قال بالتوريث في العمة، وقد قاله بعض الأمة، فلم يخرق الإجماع وقال بعدم التوريث في الخالة. وهو قول بعض الأمة فلم يخرق الإجماع، وكذلك قال باعتبار ما اعتبره من العلة بعض الأمة، فلم يخالف الإجماع. أما لو كانت الطريقة واحدة كما في التمثيل الأوّل كان خارقاً للإجماع باعتبار المدرك، لأن كلّ من قال باعتبار أحد المدركين قال باعتباره في الجميع، وانعقد الإجماع على أنه إذا ألغى إحدى العلتين بقيت الأخرى، فالقول بإلغائها في البعض دون اعتبار الآخر خلاف الإجماع. من هنا حسن التنظير بالشافعي ﵁، فإن الإنسان إذا وافقه في مسألة لمدرك فقد اعتقد صحة ذلك المدرك، فيلزمه أن يتبعه في فروع ذلك المدرك كلها. أما إذا كانت مدارك الشافعي مختلفة كما هو الواقع فلا يلزم من موافقته في مسألة موافقته في جميع المسائل؛ لأن مدرك تلك المسائل غير مدرك تلك المسألة، فكذلك

стр. 326

الأمة توافق بعضها في بعض مدارك، ولا توافق في البعض الآخر، فلا جرم صح التفريق فيما قالوا فيه بعدم الفصل إذا اختلفت المدارك. قال القاضي عبد الوهاب في الملخص: إن عينوا الحكم وقالوا لا نفصل حرم الفصل، وإن لم يعينوا ولكن أجمعوا عليه مجملاً فلا يعلم تفصيله إلاّ بدليل غير الإجماع، فإن دل الدليل على أنهم أرادوا معيناً تعين أو أرادوا العموم تعين العموم، وإن لم يدل دليل حصل العموم أيضاً، فإن ترك البيان مع الإجمال دليل على العموم، ومتى كان مدرك أحد الصنفين مختلفاً أو جاز أن يكون مختلفاً جاز التفصيل بين المسألتين. وإذا اختلف العصر الأوّل على قولين لم يجز لمن بعدهم إحداث قول ثالث عند الأكثرين، وجوزه أهل الظاهر، وفصل الإمام فقال إن لزم منه خلاف ما أجمعوا عليه امتنع وإلا فلا، كما قيل للجد كلّ المال، وقيل يقاسم الأخ، فالقول يجعل المال كله للأخ مناقض للأول، وإذا أجمعت الأمة على عدم الفصل بين مسألتين لا يجوز لمن بعدهم الفصل بينهما. هذه هي التي تقدمت، وقد تقدم بسطها غير أني قدمتها في أول الكلام مجملة، ثم ذكرتها مفصلة، والفرق بين قولهم لا يجوز إحداث القول الثالث، وبين قولهم لا يجوز الفصل بين مسألتين، أن القول الثالث يكون في الفعل الواحد، كما تقول في سباع الوحوش قال بعضهم هي حرام، وقال بعضهم ليس بحرام، فالقول بأن بعض السابع حرام وبعضها ليس بحرام خارق للإجماع فيكون باطلاً، وعدم الفصل في مسألتين مثل توريث ذوي الأرحام كما تقدم في تقريره. ويجوز حصول الاتفاق بين الاختلاف في العصر الواحد خلافاً للصيرفي وفي العصر الثاني لنا والشافعية، والحنفية في قولان مبنيان على أن إجماعهم على الخلاف يقتضي أنه الحق فيمتنع الاتفاق أو هو مشروط بعدم الاتفاق وهو الصحيح.

стр. 327

لنا أن الصحابة رضوان الله عليهم اختلفوا في أمر الإمامة ثم اتفقوا عليها، فدل على ما قلناه، وأما المسألة الثانية فصُورتها أن يكو لأهل العصر الأوّل قولان ثم اتفق أهل العصر الثاني على أحد القولين، لنا أن هذا القول قد صار قول كلّ الأمة، لأن أهل العصر الثاني هم كلّ الأمة، فالصواب لا يفوتهم فيتعين قولهم، هذا حقاً وما عداه باطلاً. حجة المخالف أن أهل العصر الأوّل قد اتفقوا على جواز الأخذ بكل واحد من القولين بدلاً عن الآخر، فالقول بحصر الحق في هذا القول خلاف الإجماع، ولقوله تعالى: «فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول» (١) ، وهذا حكم وقع فيه النزاع في العصر الأوّل فوجب رده إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله، ولا تحسم مادة النظر فيه لظاهر الآية ولقوله ﵇: «أصحابه كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» وهذا عام سواء حصل بعدم إجماع أولا، ووجب إذا قال قائل بذلك القول المتروك أن يكون حقاً لظاهر الحديث. والجواب عن الأوّل: أن تجويز الأخذ بكلا القولين مشروط بأن لا يحدث إجماع. فإن قلت: يلزمك ذلك في الإجماع على القول الواحد أن يكون مشروطاً بعدم طريان الخلاف. قلت: قد تقدم الجواب عنه. وعن الثاني: أن موجب الرد هو التنازع، وقد ذهب بحصول الاتفاق فينتفي الرد. وعن الثالث: لا نسلم أن قوله باقٍ في العصر الثاني بعد الاتفاق حتى يحسن الاقتداء به.

стр. 328

وانقراض العصر ليس شرطاً خلافاً لقوم من الفقهاء والمتكلمين لتجدد الولادة كلّ يوم فيتعذر الإجماع. لنا: النصوص الدالة على كون الإجماع حجة، ولأن التابعين يولدون في زمن الصحابة ويصير منهم فقهاء قبل انقراض عصرهم، فيلزم أن لا ينعقد إجماع الصحابة دونهم، ثم عصر التابعين أيضاً كذلك فتتداخل الأعصار في بعضها، ولا ينعقد الإجماع. احتجوا بأن الناس ما داموا أحياء فهم في مهلة النظر فلا يستقر الرأي فلا ينعقد الإجماع، ولأن الله تعالى يقول: «لتكونوا شهداء على الناس» (١) وأنتم تجعلونهم شهداء على أنفسهم. والجواب عن الأوّل: أن اتفاق الآراء الآن دل على صحتها عملاً بأدلة الإجماع، فيكون ما عداها باطلاً فلا يفيد الانتقال إليه. وعن الثاني: أن كون الإنسان شاهداً على غيره لا يمنع من قبول قوله على نفسه، قال الله تعالى: «ولو على أنفسكم» (٢) ثم المراد بهذه الآية الدار الآخرة، والشهادة على الأمم يوم القيامة، فلا تعلق لها بما نحن فيه. وإذا حكم بعض الأمة وسكت الباقون فعند الشافعي والإمام ليس بحجة ولا إجماع، وعند الجبائي إجماع وحجة بعد انقراض العصر، وعند أبي هاشم ليس بإجماع، وهو حجة، وعند أبي علي بن أبي هريرة إن كان القائل حاكماً لم يكن إجماعاً ولا حجة، وإن كان غيره فهو إجماع وحجة. حجة الأوّل: أن السكوت قد يكون لأنه في مهلة النظر، أو يعتقد أن قول خصمه مِمّا يمكن أن يذهب إليه ذاهب، أو يعتقد أن كلّ مجتهد مصيب، أو عنده منكر ولكن يعتقد أن غيره قام بالإنكار عنه، أو يعتقد أن إنكاره لا يفيد.

стр. 329

ومع هذه الاحتمالات لا يقال للساكت موافق للقائل، وهو معنى قول الشافعي ﵁: «لا ينسب إلى ساكت قول» وإذا لم يكن إجماعاً لا يكون حجة، لأن قول بعض الأمة ليس بحجة. حجة الجبائي أن السكوت ظاهر في الرضا لاسيما مع طول المدة، ولذلك قال ﵇ في البكر «وإذنها صماتها» وإذا كان الساكت موافقاً كان إجماعاً وحجة، عملاً بالأدلة الدالة على كون الإجماع حجة. حجة أبي هاشم: أنه ليس إجماعاً لاحتمال السكوت ما تقدم من غير الموافقة، وأما أنه حجة فإنه يفيد الظن والظن حجة لقوله ﵇: «أمرت أن أقضي بالظاهر» وقياساً على المدارك الظنية. حجة أبي علي: أن الحاكم يتبع أحكامه ما يطلع عليه من أمور رعيته فربما علم في حقهم ما يقتضي عدم سماع دعواه لأمر باطن يعلمه، وظهاره الحال يقتضي أنه مخالف للإجماع، فكذلك في تحليفه وإقراره، وغير ذلك مِمّا انعقد الإجماع على قبوله، وأما المفتي فإنما يفتي بناء على المدارك الشرعية وهي معلومة عند غيره، فإذا رآه خالفها نبهه، وأما أمور الرعية وخواص أحوالهم فلا يطلع عليها إلاّ من ولي عليهم، فتلجئه الضرورة للكشف عنهم فلا يشاركه غيره في ذلك، فلا يحسن الإنكار عليه، ثم إنه قد يرى المذهب المرجوح في حق هذا الخصم، هو الراجح المتعين في حق هذا الخصم لأمر اطلع عليه، ولا يمكن الاعتراض عليه لهذه الاحتمالات. فإن قال بعض الصحابة قولاً ولم يعرف له مخالف، قال الإمام إن كان مِمّا نعم به البلوى ولم ينتشر ذلك القول فيهم، وفيهم فقيه مخالف لم يظهر (١) فيجري مجرى قول البعض وسكوت البعض، وإن كان مِمّا لا تعم به البلوى فليس بإجماع ولا حجة.

стр. 330

إذا كانت الفتوى مِمّا تعم بها البلوى بأن كان سببها عاماً كدم البراغيث وطين المطر والفصادة وكونها تنقض الطهارة ونحو ذلك. فشأن هذه الفتوى أن تنتشر بينهم لعموم سببها أو شموله لهم، وإذا لم تنتشر فبعضهم عنده علم تلك الفتوى لوجود سببها في حقه وهو إما موافق لما ظهر أو مخالف له، وقولي فيه مخالف غير هذه العبارة أجود، بل يقول فيه قائل: أما المخالف فلا يتعين لاحتمال أنه موافق، وأما إذا لم تعم به البلوى فيتخرج على الإجماع السكوتي، هل هو إجماع وحجة أم لا؟ وهذا الذي نقلته هو قول الإمام فخر الدين في المحصول، ولما كان مذهبه في الإجماع السكوتي أنه ليس إجماعاً ولا حجة، قال هنا كذلك، وهو يتخرج على الخلاف المتقدم. وإذا جوزنا الإجماع السكوتي وكثير ممن لم يعتبر انقراض العصر في القولي اعتبره في السكوتي. سبب الفرق أن الإجماع القولي قد صرح كلّ واحد بما في نفسه فلا معنى للانتظار، وفي السكوتي في احتمال أن يكون الساكت في مهلة النظر، فينتظر حتى ينقرض العصر، فإذا مات علمنا رضاه. قال الإمام فخر الدين: وهذا ضعيف؛ لأن السكوت إذا دل على الرضا دل في الحياة أو لا يدل، فلا يدل عند الممات. والإجماع المروي بأخبار الآحاد المظنونة حجة خلافاً لأكثر الناس، لأن هذه الإجماعات وإن لم تفد العلم فهي تفيد الظن، والظن معتبر في الأحكام كالقياس وخبر الواحد، غير أنا لا نكفر مخالفها، قاله الإمام. ولأنه حجة شرعية فيصح التمسك بمظنونه كما يصح بمقطوعه كالنصوص والقياس. حجة المنع: أن خبر الواحد إنّما يكون حجة في السنة وهذا ليس منها، ثم الفرق أن إجما عالأمة من الوقائع العظيمة فتتوفر الدواعي على نقلها، بخلاف وقائع أخبار الآحاد، فحيث نقل بأخبار الآحاد كان ذلك ريبة في ذلك النقل. فإن قلت: الصحيح قبول خبر الواحد فيما تعم به البلوى، مع أنه مِمّا يتوفر الدواعي على نقله، فما الفرق؟ قلت: الفرق أن عموم البلوى أقل من الكل قطعاً.

стр. 331

وإذا استدل العصر الأوّل بدليل وذكروا تأويلاً واستدل العصر الثاني بدليل آخر وذكروا تأويلاً آخر، فلا يجوز إبطال الأويل القديم، وأما الجديد فإن لزم منه إبطال القديم بطل وإلا فلا. مثاله اللفظ المشترك يحمله أهل العصر الأوّل على أحد معنييه، ثم في العصر الثاني يعتبرون المعنى الآخر الذي لم يعتبره العصر الأوّل. قال الإمام فخرا لدين المشترك لا يستعمل في مفهوميه وأحدهما مراد والآخر ليس بمراد، فلا يستقيم اعتبار التأويلين. ويرد عليه: أن مذهب الشافعي ومالك والقاضي وجماعة كثيرة جوازه فجاز أن يعتبر العصر الأوّل أحد المعنيين لحضور سببه ولا يخطر الآخر ببالهم لعدم حضور سببه، ثم في العصر الثاني يحضر سببه فيعتبرونه دون الأوّل، والأمة لا يلزمها علم ما تحتاجه وعلم ما لا تحتاجه بل ما تحتاجه فقط. قال القاضي عبد الوهاب في الملخص: إذا استدل الإجمال بدليل على حكم هل يجوز أن يستدل بدليل آخر على ذلك الحكم؟ منعه قوم لأن استدلال الأولين يقتضي أن ما عداه خطأ. قال: والحق إن فهم عنهم أن ما عداه ليس بدليل على ذلك الحكم امتنع الاستدلال بغيره، وإلا فلا يمتنع، لأنه لا يجب عليهم ذكر كلّ ما يصلح الاستدلال به. وهل يصح في كلّ دليل كليّ أن يجمعوا أنه ليس بدليل، أو يفصل في ذلك فيقال: كلّ ما يقبل النسخ أو التخصيص صح إجماعهم على عدم دلالته وإلا لم يجز إجماعهم لأنه حينئذ خطأ؛ لأنه لا يصح أن يخرج عن كونه دليلاً. وإذا قلنا بجواز الاستدلال بغير ما استدلوا به فهل يجوز الاستدلال بعدة أدلة وإن كانوا هم لم يستدلوا إلاّ بدليل واحد وهل يستدل بغير جنس دليلهم ولا فرق في الجنس الواحد والجنسين. هذا في الأدلة. وإن عللوا بعلة هل لنا أن نعلل بغيرها؟ لا يخلو إما أن يكون الحكم عقلياً أو شرعياً، فإن كان عقلياً لم يجز بغير علتهم على أصولنا في أن الحكم العقلي لا يعلل بعلتين، بخلاف الاستدلال عليه بعلتين، ومن جوزه جوزه هنا. وأما الشرعي: فإن فرعنا على أنه لا يجوز تعليله امتنع، وإلا جاز بشرط أن

стр. 332

لا تنافي علتنا علتهم إلاّ أن يجمعوا على عدم التعليل بغير علتهم فيمتنع مطلقاً. وإجماع أهل المدينة عند مالك فيما طريقه التوقيف حجة خلافاً للجميع. لنا قوله ﵇ لا تجتمع أمتي على خطأ، ومفهومه أن بعض الأمة يجوز عليه الخطأ، وأهل المدينة بعض الأمة. وجوابه: أن منطوق الحديث المثبت أقوى من مفهوم الحديث الثاني. ومن الناس من اعتبر إجماع أهل الكوفة. سببه أن علياً ﵁ وجمعا كثيراً من الصحابة العلماء كانوا بها فكان ذلك دليل على أن الحق لا يفوتهم. وإجماع العترة عند الإمامية (١) . لقوله تعالى: «إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت» (٢) والخطأ رجس، فوجب نفيه. وجوابه: أن الرجس ظاهر في المعصية، والاجتهاد الخطأ ليس بمعصية، ولأن صيغة الحصر متعذرة في ذلك، لأن إرادة الله تعالى شاملة لجميع أجزاء العالم، فيتعين إبطال الحقيقة، ووجوه المجاز غير منحصرة، فيبقى مجملاً، فسقط الاستدلال به.

стр. 333

وإجماع الخلفاء الأربعة حجة عند أبي حازم، ولم يعتد بخلاف زيد في توريث ذوي الأرحام. مستنده في قوله ﵇: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضُّوا عليها بالنواجذ» وهذه صيغة تحضيض (١) تفيد الأمر باتباعهم وهو المطلوب. والجواب: أنه محمول على اتباعهم للسنن والكتاب العزيز، ونحن نفعل ذلك. قال الإمام: إجماع الصحابة مع مخالفة من أدركهم من التابعين ليس بحجة، خلافاً لقوم. لأن التابعين إذا حصل لهم أهلية الاجتهاد في زمن الصحابة بقي الصحابة بعض الأمة، وقول بعض الأمة ليس بحجة. قال القاضي عبد الوهاب: الحق التفصيل إن حدثت الواقعة قبل أن يصير التابعي مجتهداً، وأجمعوا على أن الفتيا فيها فلا عبرة بقوله، وإن اختلفوا امتنع عليه إذا صار مجتهداً إحداث قول ثالث، وإن توقفوا فله أن يفتي بما يراه. فهذه ثلاثة أحوال، وإن حدثت بعد أن صار من أهل الاجتهاد فهو كأحدهم، فصار للمسألة حالتان في إحداهما ثلاث حالات. حجة المخالف قوله تعالى: «لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة» (٢) ولو لم يكونوا عدولاً ما رضي عنهم، ولقوله ﵇: «لو أنفق أحدكم ملء الأرض ذهباً ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه» . والجواب عن الأوّل: أن الآية تقضي عدم المعصية، وحصول الطاعة في البيعة ولا تعلق لذلك بالإجماع. وعن الثاني: أنه يقتضي أن يكون قولهم كلّ واحد حجة، وأنتم لا تقولون به. قال ومخالفة من خالفنا في الأصول إن كفرناهم لم نعتبرهم ولا يثبت تكفيرهم بإجماعنا، لأنه فرع تكفيرهم، وإن لم نكفرهم اعتبرناهم. لا نعتبر الكفار في الإجماع، لأن العصمة تثبت لهذه الأمة وليس من جملتها

стр. 334

الكفار، لأن المقصود بالعصمة من اتصف بالإيمان، لا من بعث له ﵇، وأهل البدع اختلف العلماء في تكفيرهم نظراً لما يلزم من مذهبهم من الكفر الصريح، فمن اعتبر ذلك وجعل لازم المذهب مذهباً كفَّرهم، ومن لم يجعل لازم المذهب مذهباً لم يكفرهم. وهذه القاعدة لمالك والشافعي وأبي حنيفة والأشعري، وللقاضي في تكفيرهم قولان، فحيث بنينا على أنهم كفار ينبغي أن يثبت ذلك بدليل غير إجماعنا، فإن إجماعنا لا يكون حجة على تكفيرهم، إلاّ إذا كنا نحن كلّ الأمة، ولا نكون نحن كلّ الأمة حتى يكون غيرنا كافراً، فيتوقف كون إجماعنا حجة على كونهم كفاراً، ويتوقف كونهم كفاراً على إجماعنا، فتوقف كلّ واحد منهما على الآخر فيلزم الدور. ويعتبر عند أصحاب مالك مخالفة الواحد في إبطال الإجماع خلافاً لقوم. قال القاضي عبد الوهاب: إذا خالف الواحد والاثنان ومن قصر عن عدد التواتر فلا إجماع حينئذ. وقال قوم لا يضر الواحد والاثنان. وحكى عن بعض أصحابنا وعن المعتزلة. لا يضر من قصر عن عدد التواتر، وقاله أبو الحسين الخياط من المعتزلة. وقال ابن الحشاد لا يضر الواحد والاثنان في أصول الدين وما يتعلق بالتأثيم والتضليل، بخلاف مسائل الفروع. حجة الجواز: قوله ﵇: «عليكم بالسواد الأعظم» ولأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا ينكرون على الواحد والاثنين المخالفة لشذوذهم، ولأن اسم الأمة لا ينخرم بهم كالثور الأسود فيه شعرات بيض لا يخرج عن كونه أسود؛ ولأنه إذا كان الإجماع حجة وجب أن يكون معه من يجب عليه الانقياد له. وجوابهم عن الأوّل: أن ذلك يفيد غالبة الظن أن الحق مع الأكثر، وأما الإجماع والقطع بحصول العصمة فذلك لا يفيده. وعن الثاني: أن الإنكار وقع منهم لمخالفة الدليل الذي عليه الجمهور لا لخرق الإجماع. وعن الثالث: أن اسم الأسود حينئذ إنّما يصدق مجازاً، بل الأسود بعضهه، فكذلك الأمة لا يصدق على بعضها إلاّ مجازاً. وعن الرابع: أن المنقاد للإجماع من بعدهم ومن عصرهم من ليس له أهلية النظر، والنزاع هنا فيمن له أهلية النظر.

стр. 335

حجة المنع: أن الأدلة إنّما شهدت بالعصمة لمجموع الأمة، والمجموع ليس بحاصل فلا تحصل العصمة. حجة الفرق: أن أصول الديانات مداركها نظرية، والعقول قد تعرض لها الشبهات، فلا يقدح ذلك في الحق الواقع للجمهور، ومدرك الفروع سمعي واجب للنقل والتعلم، وحصوله واجب على كلّ مجتهد، فما خالف الاثنان إلاّ لمدرك صحيح. وجوابه: كما تعرض الشبهة في العقليات تعرض في السمعيات، من جهة دلالتها ومن جهة سندها ومن جهة ما يعارضها بنسخها وغيره، فالكل سواء. وهو مقدم على الكتاب والسنة والقياس. لأن الكتاب يقبل النسخ والتأويل وكذلك السنة، والقياس يحتمل قيام الفارق وخفاءه الذي مع وجوده يبطل القياس وفوات شرط من شروطه، والإجماع معصوم قطعي ليس فيه احتمال، وهذا الإجماع المراد به هنا هو الإجماع القطعي اللفظي المشاهد، أو المنقول بالتواتر، وأما أنواع الإجماعات الظنية كالسكوتي ونحوه، فإن الكتاب قد يقدم عليه. واختلف في تكفير مخالفه بناءً على أنه قطعي وهو الصحيح، ولذلك يقدم على الكتاب والسنة، وقيل ظني. تكفير المخالف له وإن قلنا به فهو مشروط بأن يكون المجمع عليه ضرورياً من الدين، أما من جحد ما أجمع عليه من الأمور الخفية في الجنايات وغيرها من الأمور التي لا يطلع عليها إلاّ المتبحرون في الفقه فهذا لا نكفره، إذا عذر بعدم الاطلاع على الإجماع. سؤال: كيف تكفرون مخالف الإجماع، وأنتم لا تكفرون جاحد أصل الإجماع كالنَّظّام (١) والشيعة وغيرهم، وهم أولى بالتكفير لأن جحدهم يشمل

стр. 336

كلّ إجماع، بخلاف جاحد إجماع خاص لا يتعدى جحده ذلك الإجماع في مخالفة حكمه. جوابه: أن الجاحد لأصل الإجماع لم يستقر عنده حصول الأدلة السمعية الدالة على وجوب متابعة الإجماع، فلم يتحقق منه تكذيب صاحب الشريعة، ونحن إنّما نكفر من جحد حكماً مجمعاً عليه ضرورياً من الدين، بحيث يكون الجاحد ممن يتقرر عنده أن خطاب الشارع ورد بوجوب متابعة الإجماع، فالجاحد على هذا التقرير يكون مكذباً لتلك النصوص، والمكذب كفرناه، فظهر الفرق. وأما وجه كونه قطعاً عند الجمهور، فهو ما حصل من العلم الضروري من استقراء نصوص الشريعة بأنه حجة وأنه معصوم، والقائل بأنه ظني يلاحظ ما يستدل به العلماء من ظواهر الآيات والأحاديث التي لا تفيد غلا الظن، وما أصله الظن أولى أن يكون ظنياً. ووجه الجواب أن الواقع في الكتب ليس هو المقصود، فإنا نذكر آية خاصة أو خبراً خاصاً وذلك لا يفيد إلاّ لظن قطعاً، قال التبريزي (١) في كتابه المسمى بالتنقيح في اختصار المحصول: وليس هذا مقصود العلماء، بل هذا الخبر مضاف إلى الاستقراء التام الحاصل من تتبع موارد الشريعة أو مصادرها، فيحصل

стр. 337

من ذلك المجموع القطع بذلك المدلول، وأن الإجماع حجة، والعلماء في الكتب ينهون بتلك الجزئيات من النصوص على ذلك الاستقراء الكليّ؛ وليس من الممكن أن يضعوا ذلك المفيد للقطع في كتاب، كما أن المنبه على سخاء حاتم في كتابه يذكر حكايات عديدة وهي وإن كثرت لا تفيد القطع. لكن القطع حاصل بسخائه بالاستقراء التام، فالغفلة عن هذا هو الموجب لورود أسئلة وردت على الإجماع من عدم التكفير به، وكون أصله ظنياً وهو قطعي، إلى غير ذلك من الأسئلة وهي بأسرها تندفع بهذا التقرير. الفصل الثالث في مستنده ويجوز عند مالك رحمه الله تعالى انعقاده عن القياس والدلالة والأمارة، وجوزه قوم بغير ذلك بمجرد الشبه والبحث. ومنهم من قال لا ينعقد عن الأمارة بل لا بد من الدلالة، ومنهم من فصل بين الأمارة الجلية وغيرها. حجة الجواز بالأمارة: أنها أمر يفيد الظن فأمكن اشتراك الجميع في ذلك الظن كما أن الغيم الرطب إذا شاهده أهل الأرض كلهم اشتركوا في غلبة الظن من قبله بالأمطار، وكذلك أمارات الخجل والوجل (١) المفيدة لظن ذلك يمكن اشتراك الجمع العظيم في إفادة ظنها لذلكن فكذلك أمارات الأحكام من القياس وغيره، والمراد بالدلالة ما أفاد القطع، وبالأمارة ما أفاد الظن؛ لأن الدليل والبرهان موضوعان في عرف أرباب الأصول لما أفاد علما والأمارة لما أفاد الظن؛ والطريق صادق على الجميع لأن الأولين طريق إلى العلم، والثالث طريق إلى الظن. وأما قولي: جوزه قوم بمجرد الشبهة والبحث؛ فأصل هذا الكلام أنه وقع في المحصول أنه جوزه قوم بمجرد التبخيت، ووقع معها من الكلام للمصنع ما يقتضي أنها شبهة لقوله في الرد عليهم لو جاز بمجرد التبخيت لانعقد الإجماع عن غير دلالة ولا أمارة وأنتم لا تقولون به. دل ذلك على أن القائلين بالتبخيت لا يجوزون العرو

стр. 338

عن النبهة، وقال أيضاً عن الخصم: إنه جوزه من غير دلالة ولا أمارة، ومتى انتفت الأمارة انتفت الشبهة قطعاً فصار لفظ المحصول يتدافع. واختلف المختصرون له: فمنهم من فسره بالشبهة وهو سراج الدين، ومنهم من أعرض عنه بالكلية، ثم بعد وضع كتاب الفصول طالعت كتباً كثيرة فوجدت هذه اللفظة فيها مضبوطة، ويقولون: منهم من جوز الإجماع بالتبخيت بالتاء المنقوطة باثنتين من فوقها فدل على أن قوله بالتبخيت ليس بالثاء المثلثة من المباخثة بل من البخت، فتحصل من ذلك أن من الناس من جوز الإجماع بالقسم والبخت أي يفتون بغير مستند أصلاً، وأي شيء أفتوا به كان حقاً، وأن الله تعالى جعل لهم ذلك، وأنهم منطقون بالصواب، ولا يجري الله تعالى على لسانهم إلاّ ذلك وهو أمر جائز عقلاً، غير أنه لا بد له من دليل سمعي، فقائلوه يقولون: ذلك الدليل هو قوله ﵊: «لا تجتمع أمتي على خطأ» ونحوه، فمتى أجمعوا كان حقاً ولا نظر إلى المستبد، والفريق الآخر يقول: فتياهم بغير مستند اتباع للهوى واتباع الهوى خطأ فهذا تحرير هذه المسألة. حجة من قال لا بد من الدلالة، وهي الدليل القاطع؛ لأن الظنون تتفاوت فلا يحصل فيها اتفاق، والدليل القاطع قاهر لا مجال للاختلاف فيه فيتصور بسببه الإجماع. وجوابه: أن الغيم الرطب تستوي الأمة في الظن الناشئ منه ممن هو عارف بأحوال السحب. كذلك كلّ أمارة تثير الظن، مع أن الدليل القطعي قد تعرض فيه الشبهات ولذلك اختلف العقلاء في حديث العالم وكثير من المسائل العقليات القطعيات، لكن عروض الموانع لا عبرة بها لأنا لا ندعي وجوب حصول الإجماع، بل ندعي أنه إذا حصل كان حجة، وتعذُّر حصوله في كثير من الصور لا يقدح في ذلك، وأما وجه الفرق بين الجلية والخفية فظاهر مِمّا تقدم.

стр. 339

الفصل الرابع في المجمعين فلا يعتبر فيه جملة الأمة إلى يوم القيامة، لانتفاء فائدة الإجماع، ولا العوام عند مالك ﵀ وعند غيره، خلافاً للقاضي، لأن الاعتبار فرع الأهلية، ولا أهلية فلا اعتبار. أما جميع الأمة إلى قيام الساعة فلم يقل به أحد؛ فإن المقصود من هذه المسألة كون الإجماع حجة، وفي يوم القيامة ينقطع تكاليف الشرائع، وأما العوام فقال القاضي هم مؤمنون ومن الأمة فتناولهم اللفظ فلا تقوم الحجة بدونهم. وجوابه: أن أدلة الإجماع يتعين حملها على غير العوام، لأن قول العامي بغير مستند خطأ، والخطأ لا عبرة به، ولأن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على عدم اعتبار العوام وإلزامهم اتباع العلماء، قاله القاضي عبد الوهاب. وقيل يعتبر العوام في الإجماع العام كتحريم الطلاق والزنا والربا وشرب الخمر، دون الإجماع الخاص الحاصل في دقائق الفقه. والمعتبر في كلّ فن أهل الاجتهاد في ذلك الفن وإن لم يكونوا من أهل الاجتهاد في غيره، فيعتبر في الكلام المتكلمون وفي الفقه الفقهاء قاله الإمام وقال لا غبرة بالفقيه الحافظ للأحكام والمذاهب إذا لم يكن مجتهداً. والأصولي المتمكن من الاجتهاد غير الحافظ للأحكام خلافه مستبر على الأصح، ولا يشترط بلوغ المجمعين إلى حد التواتر بل لو لم يبق إلى واحد والعياذ بالله كان قوله حجة. وإجماع غير الصحابة حجة خلافاً لأهل الظاهر. قال القاضي عبد الوهاب: اختلف هل يشترط في الإجماع العدد المفيد للعلم وهو عدد التواتر، فإن قصروا عن ذلك لم يكن حجة قاله القاضي أبو بكر الباقلاني.

стр. 340

حجة عدم الاشتراط: قوله تعالى: «ويتبع غير سبيل المؤمنين» (١) ولم يفصل بين قليلهم وكثيرهم، وكذلك قوله ﵊: «لا تجتمع أمتي على خطأ» وغير ذلك من الأدلة السمعية. حجة الاشتراط أنا مكلفون بالشريعة وأن نقطع بصحة قواعدها في جميع الأعصار، ومتى قصر عددهم عن التواتر لم يحصل العلم فيختل العلم بقواعد الدين. وجوابهم: أن التكليف بالعلم يعتمد سبب حصول العلم، فإذا تعذر سبب العلم سقط التكليف به، ولا عجب في سقوط التكليف لعدم أسبابه أو شرائطه، وأما أن العبرة بأهل ذلك الفن خاصة فلأن غير أهل ذلك الفن كالعوام بالنسبة إلى ذلك الفن، والعامة لا عبرة بقولهم، وينبغي على رأي القاضي أن يلزم اعتبار جميع أهل الفنون في كلّ فن، لأن غايتهم أن يكونوا كالعوام وهو يعتبر العوام. وأما قولي في الفقيه: الحافظ والأصولي: المتمكن فهو قول الإمام فخر الدين، وفيه إشكال من جهة أن الاجتهاد من شرطه معرفة الأصول والفروع، فإذا انفرد أحدهما يكون شرط الاجتهاد مفقوداً، فلا ينبغي اعتبار واحد منهما حينئذ. والقاضي عبد الوهاب ذكر عبارة تقرب من السداد فقال: إذا أجمع الفقهاء وخالفهم من هو من أهل النظر ومشاركو الفقهاء في الاجتهاد، غير أنهم لم يتوسموا بالفقه ولم يتصدّوا له، فالأصح اعتبار قولهم، فهذه العبارة تقرب لأنه لم يسلب عنهم إلاّ التصدي للفقه والتوجه إليه، فأمكن أن يكون كلّ واحد منهم نم أهل الاجتهاد، وحكى في اعتبارها ألواً قولين، قال: وقيل أيضاً لا يعتبر بقول من لا يقول بالقياس؛ لأن المقايسة هي طريق الاجتهاد، فمن لا يعتبرها لم يصلح للاجتهاد، قال وهذا غير صحيح، فإنه لو لم يعتبر من لا يعتبر بعض المدارك لألغينا من لا يعتبر المراسيل، والأمر للوجوب أو للعموم أو غير ذلك، وما من طائفة إلا وقد خالفت في نوع من الأدلة، وأما أن إجماع غير الصحابة حجة فلظواهر النصوص، والأدلة الدالة على كون الإجماع حجة.

стр. 341

واحتج أهل الظاهر بأن الظاهر قوله تعالى: «كنتم خير أمة أخرجت للناس» (١) وقوله تعالى: «وكذلك جعلناكم أمة وسطاً» (٢) وهذه الضمائر إنّما وضعت للمشافهة ومن هو حاضر، فلا تتناول من يحدث بعض. وجوابهم: أن النصوص تتناول الجميع مثل قوله تعالى: «ويتبع غير سبيل المؤمنين» (٣) ، وقوله ﵊: «لا تجتمع أمتي على خطأ» ، «ولا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أرم الله تعالى وهم كذلك» ، وهذه صيغ لا تختص بعصر، فوجب التعميم. الفصل الخامس في المجمع عليه كلّ ما يتوقف العلم بكون الإجماع حجة عليه لا يثبت بالإجماع، كوجود الصانع وقدرته وعلمه والنبوة، وما لا يتوقف عليه كحدوث العالم والواحدانية فيثبت، واختلفوا في كونه حجة في الحروب والآراء، ويجوز اشتراكهم في عدم العلم بما لم يكلفوا به. كون الإجماع حجة فرع النبوة والنبوة فرع الربوبية، وكون الإله عالماً، فإن لم يعلم زيداً لا يرسله مريداً، فإن اختيار زيد دون الناس للرسالة فرع ثبوت الإرادة والحياة، لأن الحياة شرط في العلم والإرادة، فهذه شرائط في الرسالة، فلو ثبت بالإجماع الذي هو فرع الرسالة لزم الدور، وأما حدوث العالم فلا يتوقف عليه الإجماع إلاّ بالنظر البعيد من جهة أنه يلزم من قدم العالم انتفاء الإرادة، فإن القديم يستحيل أن يراد، ولأن الفاعل المختار لا يتصور

стр. 342

منه أن يقصد إلى إيجاد أثره غلا حالة عدمه، غير أنه لو فرضنا أن الله تعالى ما أحدث عالماً لم يكن الإرسال مستحيلاً عليه في ذاته بل لا بد من مرسل ومرسل إليه فقط فهذا مانع خارجي، وكذلك لو فرض العقل الهين أو أكثر تصور من كلّ واحد منهما الإرسال، وهذا بالنظر إلى بادئ النظر، وإن كان من المحال أن يثبت عالم مع الشركة حتى يتيسر فيه إرسال، لكن المقصود في هذا الموضع ما يتوقف عليه الإرسال في مجاري العادات. قال القاضي عبد الوهاب: والأشبه بمذهب مالك أنه لا تجوز مخالفتهم فيما اتفقوا عليه من الحروب والآراء غير أني لا أحفظ فيه عن أصحابنا شيئاً. وحجته: أن عموم الأدلة يقتضي أنهم معصومون مطلقاً فيحرم خلافهم. حجة الجواز أن الأدلة إنّما دلت على عصمتهم فيها يقولونه عن الله تعالى وهذا ليس منه فلا يكون قولهم حجة. وجوابه: أن هذا تخصيص الأصل عدمه، وأما اشتراكهم في الجهل وعدم العلم بما لم يكلفوا به فهذا هو من ضرورات المخلوقات، فلم يجب الإحاطة إلاّ لله تعالى، وأما جهلهم بما كلفوا به فذلك محال عليهم لأنه معصية تأباها العصمة. وقال القاضي عبد الوهاب: ولا يجوز أن يجمعوا على فعل معصية في وقت أو أوقات متفرقةن لأن تفرق الأوقات لا يخرجهم عن كونهم مجمعين على معصية وكذلك الخطأ في الفتيا، واختلفوا هل يصح أن يجمعوا على خطأ في مسألتين كقول بعضهم بمذهب الخوارج، والبقية بمذهب المعتزلة، وفي الفروع مثل أن يقول البعض بأن العبد يرث والبقية بأن القاتل عمداً يرث؟! فقيل لا يجوز لأنه إجماع على الخطأ، وقيل يجوز لأن كلّ خطأ من هذين الخطأين لم يساعد عليه الفريق الآخر، فلم يوجد فيه إجماع. تنبيه: الأحوال ثلاث: الحالة الأولى: اتفاقهم على الخطأ في مسألة واحدة كإجماعهم على أن العبد يرث فلا يجوز ذلك عليهم، الحالة الثانية: أن يخطئ كلّ فريق في مسألة أجنبية عن المسألة الأخرى فيجوز، فإنا نقطع أن كلّ مجتهد يجوز

стр. 343

أن يخطئ، وما من مذهب من المذاهب إلاّ وقد وقع فيه ما يتكرر وإن قَل؛ فهذا لا بد للبشر منه، ولذلك قال مالك ﵀ كلّ أحد مأخوذ من قوله ومتروك، إلاّ صاحب هذا القبر ﷺ . الحالة الثالثة: أن يخطئوا في مسألتين في حكم المسألة الواحدة مثل هذه المسألة، فإن العبد والقاتل كلهما يرجع إلى فرع واحد وهو مانع الميراث فوقع الخطأ فيه كله، فمن نظر إلى اتحاد الأصل منع، ومن نظر إلى تعدد الفروع أجاز. فهذا تلخيص هذه المسألة.

стр. 344

الباب السادس عشر في الخبر وفيه عشرة فصول الفصل الأول في حقيقته وهو المحتمل للصدق والكذب لذاته، احترازاً من خبر المعصوم والخبر عن خلافا الضرورة. الخبر من حيث هو خبر يحتمل الصدق وهو المطابقة، والكذب وهو عدم المطابقة، والتصديق هو الإخبار عن كونه صدقاً، والتكذيب هو الإخبار عن كونه كذباً، فالصدق والكذب نسبتان بين الخبر ومتعلقه عدميتان لا وجود لهما في الأعيان بل في الأذهان، والتصديق والتكذيب. خبران وجوديان في الأعيان: ثم الخبر من حيث هو خبر يحتمل ذلك، أما إذا عرض له من جهة المتكلم به ما يمنع الكذب والتكذيب فإنه لا يقبلهما؛ ولذلك إذا قلنا الواحد نصف الاثنين يمتنع الكذب والتكذيب، أو الواحد نصف العشرة يمتنع الصدق والتصديق، ولكن ذلك النظر إلى متعلقه لا بالنظر إلى ذاته، فلذلك قلت - في الحد - لذاته. سؤال: التصديق والتكذيب نوعان من الخبر والنوع لا يعرف إلاّ بعد معرفة الجنس، فتعريف الجنس به دَور والصدق والكذب نسبتان بين الخبر ومتعلقه

стр. 345

والنسبة بين الشيئين لا تعرف إلاّ بعد معرفتهما، فتعريف الخبر بهما تعريف الشيء بما لا يعرف إلاّ بعد معرفته فهذا دور أيضاً. جوابه: إنه تقدم في أول الكتاب أن التحديد بمثل هذا يجوز، وإن الحد هو شرح اللفظ وبيان مسماه دون تخليص الحقائق بعضها من بعض، وبسطته هنالك فليطالع ثمّة. وقال الجاحظ (١) : يجوز عروِّه عن الصدق والكذب، والخلاف لفظي. قال أهل السنة: لا واسطة بين الصدق والكذب، لأنه لا واسطة بين المطابقة وعدمها. وقالت المعتزلة: لفظ الكذب ليس موضوعاً لعدم المطابقة كيف كانت، بل لعدم المطابقة مع القصد لذلك، وبهذه الطريقة ثبتت الواسطة، فإنه قد لا يكون مطابقاً ولا يقصد ذلك ولا يعلم؛ فلا يكون صدقاً لعدم المطابقة ولا كذباً لعدم القصد لعدم المطابقة. حجتنا قوله ﵇، من كذب علي متعمداً ليتبوأ مقعده من النار، فلما قيده بالمعمد دل على تصوره بدون العمد، كما قال تعالى: «ومن قتله منكم متعمداً» (٢) وقال ﵇: «كفى بالرجل كذباً أن يحدث بكل ما سمع» فجعله كاذباً إذا حدث بكل ما سمع، وإن كان لا يعلم عدم مطابقته، فدل على أن القصد لعدم المطابقة ليس شرطاً في تحقق مسمى الكذب. حجة المعتزلة قوله تعالى حكاية عن الكفار: «افترى على الله كذباً أم به جنة» (٣) . فجعلوا الجنون قسيم الكذب لعدم القصد فيه، مع أن خبره على التقديرين غير مطابق فدل على اشتراط القصد في حقيقة الكذب. وجوابهم: أنهم لم يقولوا كذب، بل افترى، والافتراء هو ابتداء الكذب

стр. 346

واختراعه، فهم نوعوا الكذب إلى اختراع وجنون، لا أنهم قسموا كلامه إلى كذب وغيره، فيرجع الخلاف في ذلك إلى أن العرب هل وضعت لفظ الكذب لغير المطابق كيف كان، أو لعدم المطابقة مع القصد لذلك وهو معنى قولي؟ والخلاف لفظي. واختلفوا في اشتراط الإرادة في حقيقة كونه خبراً، فعند أبي علي وأبي هاشم الخبرية معلنة بتلك الإرادة، وأنكره الإمام لخفائها، فكان يلزم أن لا يعلم خبر البتة، ولاستحالة قيام الخبرية بمجموع الحروف لعدمه، ولا ببعضه وإلا لكان خبراً، وليس فليس. الخلاف في هذه المسألة مثل مسالة الأمر، قالوا الخبر قد يكون دعاء نحو غير الله لنا، وتهديداً نحو قوله تعالى: «سنفرغ لكم أيها الثقلان» (١) وأمراً نحو قوله تعالى: «والوالدات يرضعن أولادهن حولين» (٢) وإذا اختلف موارد استعماله لا يتعين للخبر إلاّ بالإرادة، كما قالوا لا تتعين صيغة الأمر للطلب إلاّ بالإرادة. والجواب: واحد، وهو أن الصيغة حقيقة في الخبر، فينصرف لمدلولها بالوضع لا بالإرادة، وإذا فرعنا على هذه الإرادة فهي علة عند أبي هاشم للخبرية وهي كون اللفظ خبراً، وفهم عنهم الإمام أن الخبرية أمر وجودي، فقال تلك الخبرية الموجودة لا يمكن أن يكون محلها مجموع الحروف؛ لأن مجموع الحروف لا يوجد، بل يستحيل أن يوجد من الحروف دائماً إلاّ حرف واحد؛ لأن الكلام من المصادر السيالة، والمعدوم لا يكون محلاً للوجود، ولا يمكن أن يكون محلها بعض الحروف؛ لأن المحل يجب اتصافه بما قام به، فإذا قام السواد بمحل يجب أن يكون أسود، والعلم يجب أن يكون عالماً، كذلك إذا قامت الخبرية ببعض الحروف يجب أن يكون خبراً، لكن بعض الحروف لا يكون خبراً إجماعاً.

стр. 347

الفصل الثاني في التواتر وهو مأخوذ من مجيء الواحد بعد الواحد بفترة بينهما. ومن ذلك قوله تعالى: «ثم أرسلنا رسلنا تترا» (١) أي واحداً بعد واحد بفترةٍ بينهما. وقال بعض اللغويين: من لَحْن العوام قولهم تواترت كتبك عليّ ومرادهم تواصلت وهو لَحْن، بل لا يقال ذلك إلاّ في عدم التواصل كما تقدم، وقال بعضهم ليس هو مشتقاً من هذا بل من التوتر وهو الفرد، والوتر قد يتوالى وقد يتباعد بعضه عن بعض. وفي الاصطلاح خبر أقوام عن أمر محسوس يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة. الأخبار في الاصطلاح ثلاثة أقسام: المتواتر وهو ما تقدم، والآحاد وهو ما أفاد ظناً كان المخبر واحداً أو أكثر، وما ليس بتواتر ولا آحاد وهو خبر المفرد إذا احتفَّت به القرائن فليس متواتراً لاشتراطنا في التواتر العدد ولا آحاداً لإفادته العلم، وهذا القسم ما علمت له اسماً في الاصطلاح. وقولي: (عن أمر محسوس) احتراز من النظريات، فإن الجمع إذا أخبروا عن حدوث العالم أو غير ذلك فإن خبرهم لا يحصل العلم، وتعني بالمحسوس ما يدرك إحدى الحواس الخمس. قال الإمام في البرهان: يلحق بذلك ما كان ضرورياً بقرائن الأحوال كصفرة الرجل وحمرة الخجل فإنه ضروري عند المشاهدة. وقولي: (يستحيل تواطؤهم على الكذب) احتراز عن أخبار الآحاد.

стр. 348

وقولي: (عادة) احتراز من العقل، فإن العلم التواتري عادي لا عقلي، لأن العقل يُجوِّز الكذب عن كلّ عدد وإن عظم، وإنما هذه الاستحالة عادية. وأكثر العقلاء على أنه مفيد للعلم في الماضيات الحاضرات. والسُّمَنية (١) أنكروا العلم واعترفوا بالظن، ومنهم من اعترف به في الحاضرات فقط. لنا أن نقطع بدولة الأكاسرة والأقاصرة والخلفاء الراشدين ومن بعدهم من بني أمية وبني العباس من الماضيات وإن كنا لا نقطع بتفصيل ذلك، ونقطع بوجود دمشق وبغداد وخراسان وغير ذلك من الأمور الحاضرة، فقد حصل العلم بالتواتر من حيث الجملة. احتجوا بأن كثيراً ما نجزم بالشيء ثم ينكشف الأمر بخلافه فلو كان التواتر يفيد العلم لما جاز انكشاف الأمر بخلافه ولأن كلّ واحد من المخبرين يجوز عليه الكذب فيجوز على المجموع لأن كلّ واحد من الزنج لما كان أسود كان مجموعهم أسود. والجواب ن الأوّل: أن تلك الصور إنّما حصل فيها الاعتقاد، ولو حصل العلم لم يجز أن ينكشف الأمر بخلافه ونحن لم ندَّعِ حصول العلم في جميع الصور، بل ادَّعَينا أنه قد يحصل، وذلك لا ينافي عدم حصوله في كثير من الصور. وعن الثاني أن الأحكام قسمان: قسم لا يجوز ثبوته للآحاد بل لمجموعها فقط، كإرواء مجموع القطرات من الماء، وإشباع مجموع لقم الخبز، وغلَبَة مجموع الجيش للعدو وغير ذلك، فهذه أحكام ثابتة للمجموعات دون الآحاد. ومنه ما يثبت للآحاد فقط كالألوان والطعوم والروائح فإنَّها يستحيل ثبوتها إلاّ للآحاد أما المجموعات فأمور ذهنيّة، والأمور الذهنيّة لا يمكن أن تقوم بها كيفيات الألوان وغيرها فحصول العلم عند مجموع إخبارات المخبرين كحصول الري والشبع ونحوهما فلا يلزم ثبوته للآحاد فاندفع الإشكال.

стр. 349

وأما وجه الفرق بين الحاضرات والماضيات فلأن الماضيات غائبة عن الحس فيتطرق إليها احتمال الخطأ والنسيان؛ وذلك أن الدول المتقادمة لم يبق عندنا شيء من أحوالها وأما الحاضرات فمعضودة بالحس فيبعد تطرق الخطأ إليها. والجواب: أن حصول الفرق لا يمنع من الاشتراك في الحكم وقد بيناه فيما تقدم، كما تقول زيد فقيه وهو حيوان وعمرو ليس بفقيه، لا يلزم أن لا يكون عمرو حيواناً لوجود الفرق. والعلم الحاصل منه ضروري عند الجمهور خلافاً لأبي الحسين البصري وإمام الحرمين والغزالي. حجة الجمهور أنا نجد العلم التواتري حاصل للصبيان والنسوان ومن ليس له أهلية للنظر فلو أنه نظري لما حصل إلاّ لمن له أهلية النظر. حجة الفريق الآخر أنا نعلم بالضرورة أن المخبرين إذا توهم السامع أنهم متهمون فيما أخبروا به لا يحصل له العلم، وإذا لم يتوهم ذلك حصل له العلم، وإذا علم أنهم من أهل الديانة والصدق حصل له العلم بالعدد اليسير منهم، وإذا لم يحصل له العلم بأنهم كذلك بل بالضد لم يحصل العلم بأخبار الكثير منهم، وإذا كان العلم يتوقف حصوله على ثبوت أسباب وانتفاء موانع، فلا بد من النظر في حصول تلك الأسباب وانتفاء تلك الموانع هل حصلت كلها أو بعضها فيكون العلم الحاصل عقيب التواتر نظرياً لتوقفه على النظر. والجواب: أن ذلك صحيح لكن تلك المقدمات الحاصلة في أوائل الفطرة، والعلم لا يحتاج إلى كبير تأمل ولا يقال للعلم إنه نظري إلاّ إذا لم يحصل إلاّ لمن له أهلية النظر، وقد بينا أن الأمر ليس كذلك. والأربعة لا تفيد العلم قاله القاضي أبو بكر وتوقف في الخامسة. قال الإمام فخرا لدين: والحق أن عددهم غير محصور وخلافاً لمن حصرهم

стр. 350

في اثني عشر عدد نقباء موسى ﵇ أو العشرين عند أبي الهذيل (١) لقوله تعالى: «إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين» (٢) أو أربعين لقوله تعالى: «يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين» (٣) وكانوا حينئذ أربعين، أو سبعين عدد المختارين من قوم موسى. أو ثلاثمائة عدد أهل بدر. أو عشرة عدد بيعة الرضوان. إنّما جزم القاضي ﵀ بأن الأربعة لا تفيد العلم، لأن شهود الزنا أربعة وهم محتاجون إلى التزكية فلو كان خبر الأربعة يفيد العلم لأفاد خبر كلّ أربعة وحينئذ لا يحتاج إلى التزكية في صورة لكنه خلاف الإجماع، وتوقف في الخمسة لاحتمال حصول العلم بخبرهم، وهذا البحث من القاضي يقتضي أن العدد بما هو عدد هو مدرك العلم، بل الحق أن القرائن لا بد منها مع الخير كما تقدم تقريره في حجة إمام الحرمين، وإذا كانت القرائن لا بد منها فأمكن حصولها مع الأربعة وفي تلك الصورة لا يحتاج إلى التزكية، والحق عند الجمهور أنه متى حصل العلم كان ذلك العدد هو عدد التواتر قل أو كثر، وربما أفاد عدد قليل العلم لزيد ولا يفيده لعمرو وربما لم يفد عدد كثير العلم لزيد وأفاد بعضه العلم لعمرو، وكل ذلك إنّما سببه اختلاف أحوال المخبرين والسامعين. وهذه المذاهب المتقدمة في اشتراط عدد معين إنّما مدرك الجميع أن تلك الرتبة من العدد وصفت بمنقبة حسنة، فجعل ذلك سبباً لأن يحصل لذلك العدد منقبة أخرى وهي تحصيل العلم، وهذا غير لازم والفضائل لا يلزم فيها التلازم، وقد يحصل العلم بقول الكفار أحياناً؛ ولا يحصل بقول الأخيار أحياناً، بل الضابط حصول العلم فمتى حصل فذلك العدد المحصل له هو عدد التواتر.

стр. 351

وهو ينقسم إلى اللفظي وهي أن يقع المشترك (١) بين ذلك العدد في اللفظ المروي والمعنوي وهو وقوع الاشتراك في معنى عام كشجاعة علي ﵁ وسخاء حاتم. اللفظي كما تقول: القرآن الكريم متواتر أي كلّ لفظ منه اشترك فيها العدد الناقل للقرآن، وكذلك دمشق وبغداد أي جميع النقلة نطقوا بهذه اللفظة، وأما المعنوي فلا يقع الشركة في اللفظ كما يروى أن علياً ﵁ قتل ألفاً في الغزوة الفلانية وتروي قصص أخرى بألفاظ أخرى، وكلها تشترك في معنى الشجاعة، فنقول شجاعة علي ﵁ ثابتة بالتواتر المعنوي، ويروى أن حاتماً وهب مائة ناقة ويروي آخر أنه وهب ألف دينار ونحو ذلك، حتى تتحصل حكايات مجموعها يفيد القطع بسخائه، وإن كانت كلّ حكاية من تلك الحكايات لم يتواتر لفظها فهذا هو التواتر المعنوي. وشرطه على الإطلاق إن كان المخبر لنا غير المباشر استواء الطرفين والواسطة وإن كان المباشر فيكون المخبر عنه محسوساً فإن الأخبار عن العقليات لا يحصل العلم. التواتر له أربع حالات: طرف فقط إن كان المخبر هو المباشر، وطرفان بغير واسطة إن كان المخبر لنا غير المباشر، وطرفان وواسطة وهو اجتماع ثلاثة المباشر وطائفة أخرى تنقل على الطائفة المباشرة، وطائفة ثالثة تنقل إلينا عن الواسطة الناقلة عن الطائفة المباشرة وطرفان ووسائط كما في القرآن الكريم، فإن سامعه من رسول الله ﷺ نقله عنه وسائط وقرون حتى انتهى إلينا بعد ستة أو سبعة ونحو ذلك، وعلى كلّ واحد من هذه الطرق لا بد من شرطين في الجميع أن تكون كلّ طائفة يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة وأن يكون المخبر عنه أمراً حسياً. فهذا معنى قول العلماء: من شرط التواتر استواء الطرفين والواسطة، معناه إن كان له طرفان أو واسطة، وإلا فقد لا يلزم ذلك في التواتر كما تقدم بيانه.

стр. 352

الفصل الثالث في الطرق المحصلة للعلم غير التواتر وهي سبعة كون المخبر عنه معلوماً بالضرورة أو الاستدلال، وخبر الله تعالى، وخبر الرسول، وخبر مجموع الأمة أو الجمع العظيم عن الوجدانيات في نفوسهم، أو القرائن عند إمام الحرمين والغزالي والنظام خلافاً للباقين. المعلوم بالضرورة نحو الواحد نصف الاثنين، وبالاستدلال نحو الواحد سدس عشر الستين فإن المخبر عن هذين يقطع بصدقه، وكذلك من أخبر عن خبر الله تعالى، أو أخبر الله تعالى عن قيام الساعة فإن خبر الله تعالى وخبر رسوله ﷺ يقطع بصدقه، وكذلك مجموع الأمة لأنه معصوم، ومثال إخبار الجمع عن الوجدانيات أن يخبر كلّ واحد أنه وجد هذا الطعام شهياً أو كريهاً، فنقطع أن ذلك الطعام كذلك، فإن متعلق إخبارهم واحد وإن لم يحصل القطع بما في نفس كلّ واحد من تلك الكراهية، لأن كراهة كلّ واحد منهم لم يخبر عنها غيره وإخبار الآخر إنّما هو عن كراهة أخرى قامت به فخبراتهم متعدّدة وفي كلّ مخبر عنه خبر واحد فلا يحصل القطع به بخلاف متعلق تلك الكراهات أو اللذات فإنه واحد وهو كون ذلك الطعام كذلك فإن إخبارات الجميع اجتمعت فيه فحصل القطع، فهذا هو صورة هذه المسالة. حجة إمام الحرمين: أنا نجد المخبر عن مرضه مع اصفرار وجه وسقم جسمه وغير ذلك من أحواله فإنا نقطع بصدقه حينئذ وكذلك كثير من الصور في غير المرض: من الغضب والفرح والبغضة وهو لا يُعد ولا يحصى.

стр. 353

حجة المنع: أن كثيراً ما يقطع بموت زيد ثم ينكشف الغيب عن كونه فعل ذلك خوفاً من السلطان أو لغرض آخر ومع قيام هذا الاحتمال لا يحصل العلم. وجوابه أنا نمنع أن الحاصل في تلك الصورة علم بل اعتقاد ونحن لا ندعي أن القرائن تفيد العلم في جميع الصور بل في بعضها فحصل الظن، وفي بعضها الاعتقاد، وفي بعضها العلم، ونقطع في بعض الصور بما دلت عليه القرائن وأن الأمر لا ينكشف بخلافه، ومن أنصف وراجع نفسه وجد الأمر كذلك في كثير من الصور. نعم: في بعضها ليس كذلكن وما النزاع فيها، إنّما النزاع هل يمكن أن يحصل العلم في صورة أم لا؟ فأنتم تنفونه على الإطلاق، ونحن نثبته في صورة. الفصل الرابع في الدال على كذب الخبر وهو خمسة منافاته لما علم بالضرورة أو النظر أو الدليل القاطع أو فيما شأنه أن يكون متواتراً ولم يتواتر كسقوط المؤذن يوم الجمعة ولم يخبر به إلاّ واحد، وكقواعد الشرع، أو لهما جميعاً كالمعجزات أو طلب في صدور الرواة أو كتبهم بعد استقراء الأحاديث فلم يوجد. قول القائل: الواحد ليس نصف الاثنين مخالف لما علم بالضرورة مثال الثاني الواحد ليس سدس عشر الستين، ومثال الدليل القاطع أن الشمس ليست طالعة وقواعد الشرائع هو وجوب الصلاة والزكاة أو تحريم الخمر ونحو ذلك مِمّا هو من قواعد الدين، فإن شأن هذا أن يتواتر لتوفر الدواعي على نقله، كسقوط المؤذن شأنه أن يتواتر لغرابتهن وقواعد الدين شأنها أن تتواتر لشرفها، والمعجزات جمعت بين الغرابة لكونها من خوارق العادات والشرف لأنها أصل النبوات

стр. 354

فإذا لم يتواتر شيء من ذلك ولم ينقله إلاّ واحد دل على كذب الخبر إن كان قد حضره جمع عظيم، ولم يقم غيره مقامه في حصول المقصود منه، فالقيد الأوّل احتراز من انشقاق القمر، فإنه كان ليلاً ولم يحضره عدد التواتر. والقيد الثاني احتراز عن بقية معجزات الرسول ﵊ كنبع الماء من بين أصابعه وإشباع العدد العظيم من الطعام القليل، فإنه حضره الجمع العظيم، غير أن الأمة اكتفت بنقل القرآن وإعجازه عن غيره من المعجزات، فنقلت آحاداً من أن شأنها أن تكون متواترة. وأما الأحاديث فلها حالتان: أول الإسلام قبل أن تدون وتضبط فهذه الحالة إذا طلب حديث ولم يوجد ثم وجد لا يدل على كذبه، فإن السنة كانت مفرقة في الأرض في صدور الحفظة. الحالة الثانية: بعد الضبط التام وتحصيلها إذا طلب حديث فلم يوجد في شيء من دواوين الحديث ولا عند رواته دل ذلك على عدم صحته، غير أنه يشترط استيعاب الاستقراء بحيث لا يبقى ديوان ولا راوٍ إلى وكشف أمره في جميع أقطار الأرض وهو عسر متعذر. وأما الكشف في البعض فلا يحصل القطع بكذبه لاحتمال أن يكون في البعض الآخر. وقد ذكروا أبو حازم حديثاً في مجلس هارون الرشيد وحضره ابن شهاب الزهري فقال ابن شهاب: لا أعرف هذا الحديث فقال له أبو حازم أكل سُنَّة رسول الله ﷺ عرفتها؟! فقال لا، فقال أثلثيها؟ فقال لا، قال أنصفها؟ فسكت فقال له اجعل هذا من النصف الذي لم تعرفه، هذا هو ابن شهاب الزهري شيخ مالك، فما ظنك بغيره؟!. الفصل الخامس في خبر الواحد وهو خبر العدل الواحد أو العدول المقيد للظن وهو عند مالك رحمة الله عليه وعند أصحابه حجة واتفقوا على جواز العمل به في الدنيويات والفتوى

стр. 355

والشهادات، والخلاف إنّما هو في كونه حجة في حق المجتهدين فالأكثرون على أنه حجة لمبادرة الصحابة رضوان الله عليهم إلى العمل به. كون خبر الجماعة إذا أفاد الظن يسمى خبر الواحد هو اصطلاح لا لغة، وقد تقدم أول الباب أن الأخبار ثلاثة أقسام: تواتر وآحاد ولا تواتر ولا آحاد وهو خبر الواحد المنفرد إذا احتفت به القرائن حتى أفاد العلم، وجمهور أهل العلم على أن خبر الواحد حجة عند: مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم. قال القاضي عبد الوهاب في «الملخص» : اختلف الناس في جواز التعبد بخبر الواحد فقال به الفقهاء والأصوليون وخالف بعض المتكلمين، والقائلون في جواز التعبد به اختلفوا في وقوع التعبد به، فمنهم من قال: لا يجوز التعبد لأنه لم يرد التعبد به بل ورد السمع بالمنع منه. ومنهم من يقول: يجوز العمل به إذا عضده غيره ووجد أمر يقويه، ومنهم من يقول لا يقبل إلى خير اثنين فصاعداً إذا كانا عدلين ضابطين قاله الجبائي، وحكى المازري وغيره أنه قال لا يقبل في الأخبار التي تتعلق بالزنا إلاّ أربعة قياساً للرواية على الشهادة. حجة المنع من جواز التعبد به، أن التكاليف تعتمد تحصيل المصالح ودفع المفاسد وذلك يقتضي أن تكون المصلحة أو المفسدة معلومة وخبر الواحد لا يفيد إلاّ الظن وهو يجوز خطؤه فيقع المكلف في الجهل والفساد وهو غير جائز وهذه الحجة باطلة إما لأنها مبنية على قاعدة الحسن والقبح ونحن نمنعها، أو لأن الظن إصابته غالبة وخطؤه نادر، ومقتضى القواعد أن لا تترك المصالح الغالبة للمفسدة النادرة، فلذلك أقام صاحب الشرع الظن مقام العلم لغلبة صوابه وندرة خطئه. حجة المنع من الوقوع: قاله تعالى: «ولا تقف ما ليس لك به علم» (١) ، خبر
следующие страницы →