وأما تأخيره عن وقت الخطاب ففيه ثلاثة مذاهب: الجواز لنا، والمنع للمعتزلة، والتفصيل لأبي الحسين كما تقدم.
ومنشأ الخلاف بين الفرق أن الجهل مفسدة إجماعاً، فعند المعتزلة أن الله تعالى يستحيل عليه أن يوقع عبده في مفسدة فلا يؤخر البيان عن وقت الخطاب نفياً لهذه المفسدة، وعندنا لله تعالى أن يفعل في ملكه ما يشاء، وأبو الحسين توسط بيننا وبين فرقة المعتزلة فقال: الجهل قسمان بسيط ومركب، فالبسيط أن يجهل ويعلم أنه جاهل، كما إذا سئلنا عن عدد شعر رؤوسنا فإنا نقول نحن نعلم جهلنا به. والمركب: كاعتقاد الكفار والضلال، فإنهم جهلوا الحق في نفس الأمر، وجهلوا أنهم جاهلون، بل يعتقدون أنهم على بصيرة، والمركب أعظم مفسدة م البسيط لتركبه من جهلين، وهو يمكن سلامة البشر منه، أما البسيط فيستحيل خلو الخلق عنه لأن الإحاطة صفة لله وحده.
فيقول أبو الحسين أجوز على الله تعالى إيقاع عباده في الجهل البسيط لخفته دون المركب لفرط قبحه فيما لا ظاهر له، كاللفظ المشترك إذا تأخر فيه البيان إلى وقت الحاجة، إنّما يقع العبد في الجهل البسيط، وهو كونه لا يعلم مراد الله تعالى وذلك لا ضرر فيه لأنه من لوازم العبد، وأما ماله ظاهر كالعموم الذي أريد به الخصوص، فمتى تأخر البيان فيه عن وقت الخطاب اعتقد السامع أنه مراد الله تعالى، مع أنه ليس مراده، وذلك جهل مركب أحيله
على الله تعالى، فيجب تعجيل البيان الإجمالي؛ بأن يقول الله تعالى الظاهر ليس مراد، فيذهب الجهل المركب ويبقى البسيط فقط، فتأخر بيانه التفصيلي إلى وقت الحاجة، فهذا هو منشأ الخلاف بين الفرق.
وأما اتفاقهم معنا على جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة عن وقت الخطاب، فسببه أن النسخ يستحيل أن يقع إلاّ هكذا، فإنه لو تعجل بيانه وقت الخطاب، ويقول الله تعالى: سأنسخ عنكم وقوف والواحد للعشرة بعد سنة، صار هذا الخطاب مُغيًّا بهذه الغاية وينتهي بوصوله إلى غايته، ولا يكون
стр. 282
نسخاً، كما ينتهي الصوم بوصوله إلى غايته التي هي الليل، ولا يكون نسخاً لقوله تعالى: «ثم أتموا الصيام إلى الليل» (١) فمن ضرورة النسخ تأخير البيان عنه، لذلك وافقوا عليه، وغيره من البيانات ليس ذلك من ضروراته، وبهذا الفرق يجيبون إذا قسنا نحن تأخير غيره من البيانات عليه، وألزمناهم إياه. حجتنا في جواز تأخير البيان مطلقاً قوله تعالى: «فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إن عليا بيانه» (٢) وكلمة (ثم) للتراخي، فدل ذلك على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة.
وثانيها: قوله تعالى في قصة بقرة بني إسرائيل: «إنها بقرة لا فارض - إنها بقرة صفراء - إنها بقرة ذلول» (٣) فتصرف إلى ما أمروا به من ذبح البقرة، وهم لم يؤمروا إلاّ ببقرة منكرة والمراد بها معينة، فيحتاج إلى البيان، ويدل على أنها كانت معينة قوله تعالى: «إنها إنها» والأصل في الضمائر أن تعود إلى الظواهر، فهذا بيان تأخَّر عن وقت الخطاب، بل عن وقت الحاجة، لأنهم كانوا محتاجين إلى ذبح البقرة ليتبين أمر القتيل، وترتفع الفتنة التي كانت بينهم، والخصومات في أمر القتيل.
وثالثها: قوله تعالى: «إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون» (٤) لما نزلت قال ابن الزبعري لأخصمن اليوم محمداً، فقال يا محمد قد عبدت الملائكة وعبد المسيح، فنزل قوله تعالى: «إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون» (٥) فهذا تخصيص وبيان لم يتقدم فيه بيان إجمالي ولا تفصيلي.
ورابعها: أن الله تعالى يأمر المكلفين بأمر في المستقبل، مع أن بعضهم قد يموت قبل الفعل، فذلك الشخص لم يكن مراداً بالعموم ولم يتقدم بيانه، احتج أبو الحسين بأن العموم خطاب لما في الحال، فإن لم يقصد إفهامنا في الحال فهو عبث، وإن
стр. 283
قصدوا إفهامنا الظاهر فهو إغراء بالجهل وهو لا يجوز على الله تعالى، أو غير الظاهر وهو تكليف ما لا يطاق، لأن فهم غير الظاهر بغير بيان محال، فتعين تقديم الباين الإجمالي خلوصاً من الجهل.
الثاني لو جوزنا تأخير البيان مطلقاً فيما له ظاهر لم يكن لنا طريق إلى معرفة وقت الفعل، فإنه إذا قال افعلوا غداً فيجوز أن يريد بقوله غدا ما بعده مجازاً، ولم يبينه لنا فلا نثق بوقت البتة.
والجواب عن الأوّل: أن الجهل لا يستحيل امتحان الله تعالى الخلق به على أصولنا. وعن الثاني: أنا نكتفي بالظاهر المفيد للظن طابق أم لا، فإن ادعيت أنه لا بد من اليقين فممنوع.
ويجوز له ﵊ تأخير ما يوحى إليه إلى وقت الحاجة، لنا قوله تعالى: «فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه» (١) وكلمة ثم للتراخي فيجوز التأخير وهو المطلوب.
لنا أن التبليغ يقتضي المصلحة فقد تكون في التعجيل وقد تكون في التأخير، ألا ترى أنه ﵊ لو أوحي إليه بقتال أهل مكة بعد سنة كانت المصلحة تتقاضى تأخير ذلك إلى وقته لئلا يستعد العدو للقتال ويعظم الفساد، ولذلك أنه ﵇ لما أراد قتالهم قطع الأخبار عنهم وسد الطرق حتى دهمهم، وكان ذلك أيسر لأخذهم وقهرهم، فكذلك يجوز تأخير الإبلاغ في بعض الصور بل يجب.
الفصل السادس في المبين
يجب البيان لمن أريد إفهامه فقط، ثم المطلوب قد يكون عِلماً فقط كالعلماء بالنسبة إلى الحيضن أو عملاً فقط كالنساء بالنسبة إلى أحكام الحيض
стр. 284
وفقهه، أو العلم والعمل كالعلماء بالنسبة إلى أحوالهم، أو لا علم ولا عمل كالعلماء بالنسبة إلى الكتب السالفة، ويجوز إسماع المخصوص بالعقل من غير التنبيه عليه وفاقاً، والمخصوص بالسمع بدون بيان مخصص عن النظام وأبي هاشم، واختاره الإمام، خلافاً للجبائي وأبي الهذيل.
من لم يرد إفهامه لا حاجة إلى البيان له، ولا يمتنع، وقولهم إن النساء أردن بالعمل فقط، غير متجه بسبب أن النساء أيضاً مأمورات بتحصيل العلم، فكذلك من سلف هذه الأمة عائشة ﵂ التي قال فيها ﵊: «خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء» وكانت من سادات الفقهاء، وكذلك جماعة من نساء التابعين وغيرهم، غاية ما في الباب أن التقصير عن رتبة العلم ظهر في النساء أكثر، وذلك لا يبعثنا على أن نقول المطلوب منهن العمل فقط، بل الواقع اليوم ذلك، إما أنه حكم الله فغير ظاهر، وقولي أو العلم
والعمل كالعلماء بالنسبة إلى أحوالهم مبني على أن المجتهد لا يجوز له أن يقلد، بل يحصل العلم بتلك المسألة، ويعمل بمقتضى ما حصل له، فإن قلت المتحصل بالاجتهاد إنّما هو الظن فقط، فلم سميته علماً؟ قلت تقدم أن الحكم الشرعي معلوم من جهة انعقاد الإجماع، على أن ما غلب على ظنه فهو حكم الله في حقه وحق من قلده إذا حصل له سببه، فصار الحاصل له علماً بهذا الطريق، وأما الكتب السالفة فلم يؤمر بتعلمها لعدم صحتها وأدباً مع الأفضل منها وهو القرآن، ولا العمل بما فيها من حيث هو فيها لعدم الصحة، وإنما نعمل بما فيها من حيث دلالة شرعنا على اعتباره من العقائد والقواعد الكليّة وغيرها من الفروع، أما من جهة تلك الكتب فلا وإنما حصل الاتفاق على إسماع المخصوص بالفعل، من جهة تلك الكتب فلا وإنما حصل الاتفاق على إسماع المخصوص بالفعل، من جهة أن العقل حاصل في الطباع فيحصل البيان بالتأمل، فتأخره إنّما هو من جهة تفريط المكلف، لا من جهة المتكلم، وأما المخصص السمعي فليس في الطباع، والمكلف إذاً لم يسمعه معذور.
سؤال: ما الفرق بين هذه المسألة، وبين مسألة تأخير البيان دون وقت الخطاب المتقدمة.
стр. 285
جوابه: أن تلك المسألة مفروضة فيما إذا لم ينزل البيان البتة، وهذه إذا نزل، ولكن سمعه البعض فقط والذي لم يسمعه هو صورة النزاع.
لنا أن أحدنا قد يسمع العموم ولا يسمع مخصصه، وذلك معلوم من الدين بالضرورة، ولأن رسول الله ﷺ لم يكن في تبليغه يطوف على القبائل حتى يستوعب أنواعهم وأشخاصهم بكل حكم، بل يبلغ من حيث الجملة، ويقول: «بلغوا عني ولو آية، فرحم الله أمرءا سمع مقالتي فوعاها فأدها كما سمعها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» ، وهذا يدل على أنه كان يُسمع البعض فقط، وذلك معلوم من حاله ﵊ بالضرورة، فيكون أكثر المكلفين لم يسمع المخصص وهو صورة النزاع.
احتج الخصم بأن ذلك يفضي إلى اعتقاد السامع الحكم على خلاف ما هو عليه، وأنه مفسدة لا تليق بالحكيم.
وجوابه: أن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
стр. 286
الباب الثالث عشر في فعله ﵊
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول في دلالة فعله ﵊
إن كان بياناً لمجمل فحكمه حكم ذلك المجمل في الوجوب أو الندب أو الإباحة وإن لم يكن بياناً وفيه قربة فهو عند مالك رحمه الله تعالى والأبهري وابن القصار والباجي وبعض الشافعية للوجوب، وعند الشافعي للندب، وعند القاضي أبي بكر هذا والإمام وأكثر المعتزلة على الوقف، وأما ما لا قربة فيه كالأكل والشرب فهو عند الباجي للإباحة، وعند بعض أصحابنا للندب وأما إقراره عن الفعل فبدل على جوازه.
البيان يعد كأنه منطوق به في ذلك المبين، فبيانه ﵊ الحج الوارد في كتاب الله تعالى يعد منطوقاً به في آية الحج، كأن الله تعالى قال: «ولله على الناس حج البيت» (١) على هذه الصفة، وكذلك بيانه ﵇ لآية الجمعة فعلها بخطبة وجماعة وجامع وغير ذلك، فصار معنى الآية: «يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة» التي هذا شأنها «من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله» (٢) وإذا كان البيان يعد منطوقاً به في المبين كان حكمه حكم ذلك المبين إن واجباً فواجب أو مندوباً فمندوب أو مباحاً فمباح، وحجة الوجوب القرآن والإجماع والمعقول.
أما القرآن فقوله تعالى: «وما أتاكم الرسول فخذوه» (٣) والفعل ما أتى به، فوجب أخذه، لأن ظاهر الأمر الوجوب وقوله تعالى: «إن كنتم تحبون الله
стр. 287
فاتبعوني يحببكم الله» (١) جعل تعالى اتباع نبيه من لوازم محبتنا الله، ومحبتنا الله تعالى واجبة، ولازم الواجب واجب؛ فاتباعه ﵊ واجب، وقوله تعالى «فاتبعوه» والأمر للوجوب.
وأما الإجماع فلأن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين لما أخبرتهم عائشة ﵂ بأنه ﵊ اغتسل من النقاء الختانين رجعوا إلى ذلك بعد اختلافهم، وذلك يدل على أنه عندهم محمول على الوجوب، ولأنهم واصلوا الصيام لما واصل،
وخلعوا نعالهم لما خلع ﵊، وكانوا شديدين الاتباع له ﵊ في أفعاله.
وأما المعقول فمن وجهين: الأوّل أن فعله ﵊ يجوز أن يكون المراد به الوجوب، ويجوز أن لا يكون، والاحتياط يقتضي حمله على الوجوب. الثاني: أن تعظيم رسول الله ﷺ واجب إجماعاً والتزام مثل فعله على سبيل الوجوب من تعظيمه فيتعين.
حجة الندب أن الأدلة السابقة دلت على رجحان الفعل، والأصل الذي هو براءة الذمة دل على عدم الحرج فيجمع بين المدركين، فيحمل على الندب.
ووجوابه، أن ذلك الأصل ارتفع بظواهر الأوامر الدالة على الوجوب.
حجة الوقف، تعارض المدارك ولأنه ﵊ قد يفعل ما هو خاص به وما يعمه مع أمته والأصل التوقف حتى يرد البيان.
والجواب عن الأوّل قد ذهب التعارض بما تقدم من الجواب عن أدلة الخصوم وعن الثاني: أن الأصل استواؤه ﵊ مع أمته في الأحكام إلاّ ما دل الدليل عليه حجة الإباحة فيما لا قربة فيه، أن الأصل أن الطلب يتبع المصالح والقربات ولا قربة فلا مصلحة فتعنيت الإباحة لعصمته ﵊ من المنهي عنه، أو لأنه خلاف ظاهر حالة ﵊. حجة الندب:
стр. 288
ظواهر الأوامر الدالة على جميع ما أتى به كما تقدمت، ومثال إقراره ﵊ الدال على الجواز أنه ﵊ مر في مخرجه للهجرة براعٍ، فذهب أبو بكر الصديق ﵁ فأتاه منه بلبن فلم ينكر ذلك عليه، فدل ذلك على جوازه، ولأن رسول الله ﷺ بُعث والناس يأكلون أنواعاً من الملاذ من لحوم الأنعام والفواكه وغيرها، وكذلك المراكب وغيرها ولم ينكرها ﵊، فدل ذلك على إباحتها إلاّ ما دل الدليل على منعه.
الفصل الثاني في اتباعه ﵊
قال جماهير الفقهاء والمعتزلة يجب اتباعه ﵊ في فعله إذا علم وجهه وجب اتباعه في ذلك الوجه، لقوله تعالى: «وما أتاكم الرسول فخذوه» (١) والأمر ظاهر في الوجوب، وقال أبو علي بن خلاد به في العبادات فقط، وإذا وجب التأسي به وجب معرفة وجه فعله من الوجوب والندب والإباحة، إما بالنص أو بالتخيير
بينه وبين غيره فيما (٢) علم فيه وجهه فيسوى به، أي بما يدل على نفي قسمين فيتعين الثالث، أو بالاستصحاب في عدم الوجوب، أو بالقربة على عدم الإباحة فيحصل الندب، وبالقضاء على الوجوب وبالإدامة مع الترك في بعض الأوقات على الندب وبعلامة الوجوب عليه كالأذان، ويكون جزاء لسبب الوجوب كالنذر.
معنى يجب اتباعه في ذلك الوجه أي إن فعله على وجه الندب وجب علينا أن نفعله على وجه الندب، أو فعله ﵊ على وجه الوجوب وجب علينا أن نفعله كذلك، إذ لو خالفناه في النية ذهب الاتباع، ووجه
стр. 289
تخصيص الوجوب بالعبادات قوله ﵊: «خذوا عني مناسككم وصلوا كما رأيتموني أصلي» وظاهر المنطوق الوجوب، لأنه أمر، ومفهومه أن غير المذكور لا يجب وهو المطلوب، ولحديث بريرة قالت: «يا رسول أفأمر منك أم تشفع، قال إنّما أنا أشفع، فقالت لا حاجة لي به» ، فدل على أن ما عدا الأمر الجازم لا يجب الاتباع فيه، وأصل التخيير التسوية، فإذا خير بين ذلك الفعل وبين ما علم وجوبه كان ذلك الفعل واجباً، أو خير بينه وبين مندوب كان ذلك الفعل مندوباً، أو بينه وبين ما معلمت إباحته كان ذلك الفعل مباحاً.
سؤال: قال بعض فضلاء العصر: قول العلماء التخيير يقتضي التسوية يشكل بأن رسول الله ﷺ أتى ليلة الإسراء بقدحين أحدهما لبن والآخر خمر، وخُير بينهما فاختار اللبن، فقال له جبريل ﵊ لو اخترت الخمر لغويت أمتك، فالخمر موجب للإغواء، ومع ذلك خير بينة وبين موجب الهداية وهو اللبن، وموجب الهداية مأمور به، وموجب الغي والإغواء منهي عنه، فقد وجد التخيير لا مع الاستواء في الأحكام.
جوابه: أن الحكم الشرعي كان في القدحين واحداً، وهو الإباحة، غير أن الشيئين قد يستويان في الحكم الشرعي، فيكون اختلافهما بحسب العاقبة لا بحسب الحكم الشرعي، كما انعقد الإجماع على جواز بناء ما شئنا من الدور وشراء ما شئنا من الدواب وزواج ما شئنا من النساء، ومع ذلك إذا عدل الإنسان عن إحدى هذه إلى غيرها أمكن أن يقول له صاحب الشرع: لو اخترت تلك الدار أو الدابة أو المرأة لكانت مشئومة، كما جاء في الحديث، وإن كان للعلماء فيه خلاف في تأويله، غير أن ذلك لا يمنع التمثيل، فإنه يكفي الإمكان، فما يتوقع في العواقب لا يغير الحكم الشرعي، كذلك القدحان حكمهما الإباحة، وأخبر جبريل ﵊ أن الله تعالى ربط بأحدهما حسن العاقبة وبالآخر سوء العاقبة وذلك غير الأحكام الشرعية.
نعم: لو قال جبريل ﵇ لو اخترت الخمر لأثمت أشكل. أما العواقب
стр. 290
فلا تناقض تقدم الإباحة، وقولي أو ما يدل على نفي قسمين فيتعين الثالث، معناه أن فعل النبي ﷺ لا يقع في فعله محرم لعصمته، ولا مكروه لظاهر حاله، فلم يبق إلاّ الوجوب والندب والإباحة فهي ثلاثة، إذا دل الدليل على نفي اثنين منها تعين الثالث لضرورة الحصر، فإذا ذهبت الإباحة والندب تعين الوجوب، أو الوجوب والإباحة تعين الندب، أو الندب والوجوب تعينت الإباحة.
ومعنى الاستصحاب في عدم الوجوب وبالقربة على عدم الإباحة أي من وجوه الاستدلال أن نقول هذه قربة لأنها صلاة أو صيام مثلاً، فلا تكون مباحة، لأن الصلاة في هذه الأبواب عدم الإباحة، والأصل أيضاً عدم الوجوب فيتعين الندب وبالقضاء على الوجوب، هذا على مذهب مالك أن النوافل لا تقضى. وأما على قاعدة الشافعي ﵁ أن العيدين يقضيان، وكل نافلة لها سبب، فلا يقدر أن يقول هذا الفعل قضاه رسول الله ﷺ فيكون واجباً، لأن القضاء ليس من خصائص الوجوب، وإنما يأتي ذلك على مذهب مالك ومن قال بقوله، وأما كون الأذان لا يكون غلا في واجب فظاهر، فإذا بلغنا أنه ﵊ أمر بالأذان للصلاة، قلنا: تلك الصلاة واجبة لوجود خصيصية الوجوب، وإذا بلغنا أن رسول الله ﷺ نذر صلاة أو غيرها من المندوبات وفعلها قضينا على ذلك الفعل بالوجوب، لأن فعل المنذور واجب، فهذه وجوه من الاستدلال على حكم أفعاله ﵊ إذا وقعت.
تفريع: إذا وجب الاتباع وعارض قوله ﵊ فعله فإن تقدم القول وتأخر الفعل نسخ الفعل القول كان القول خاصاً به أو بأمته أو عمهما، وإن تأخر القول وهو عام له ولأمته أسقط حكم الفعل عن الكل، وإن اختص بأحدهما خصصه على عموم حكم الفعل، وإن تعقب الفعل القول من غير تراخ وعم القول له ولأمته ﵊ وخصصه عن عموم القول، وإن اختص بالأمة ترجح القول لاستغنائه بدلالته عن غيره من غير عكس، فإن عارض الفعل الفعل بأن يقر شخصاً على فعل فعل هو ﵊ ضده فيعلم خروجه عنه.
стр. 291
[أو يفعل ضده فيعلم خروجه عنه] (١) أو يفعل ضده في وقت آخر يعلم لزوم مثله له فيه فيكون نسخاً للأول.
القاعدة: أن الدليلين الشرعيين إذا تعارضا، وتأخر أحدهما عن الآخر كان المتأخر ينسخ المتقدم، ولذلك قلنا ينسخ الفعل القول إذا تأخر، فإن كان خاصاً به والفعل أيضاً منه
حصل النسخ، والخاص بأمته يتقرر حكمه سابقاً ثم يأتي الفعل بعد ذلك، ويجب تأسيهم به ﵊ فيتعلق بهم حكم الفعل أيضاً، وهو مناقض لما تقدم في حقهم ن القول، فنسخ اللاحق الاسبق في حقهم أيضاً، لأنه القاعدة، وكذلك إذا عمهما، وحكم الفعل أيضاً يعمهما. أما هو ﵊ فلأنه المباشر له، ولا يباشر شيئاً إلاّ وهو يجوز له ﵊ الإقدام عليه، وأما هم فلوجوب تأسيهم به واندراجهم في كلّ ما شرع له ﵊ إلاّ ما دل الدليل عليه، فيتناقض ما تقدم في حقهم من دلالة القول، فينسخ الفعل المتأخر القول المتقدم عنه وعنهم.
وبهذا يظهر أن القول إذا تأخر عن الفعل نسخه بطريق الأولى إذا عمهما، لأنه أقوى من الفعل والأقوى أولى بالنسخ للأضعف من غير عكس، فإن اختص القول بأحدهما أخرجه عن عموم حكم الفعل، وبقي الآخر على حكم الفعل لعدم معارضة القول له في ذلك القسم، والنسخ لا بد فيه من التعارض، فإن تعقب الفعل القول من غير تراخ تعذر في هذه الصورة النسخ، لأن من شرط النسخ التراخي على ما سيأتي، وإذا تعذر النسخ لم يبق إلاّ التخصيص، فإذا كان النص عاماً له ولأمته ﵊ خصصه هو ﵊ عن عموم ذلك القول، فيعلم أنه ﵊ غير مراد بالعموم، وإن اختص القول بالأمة، والفعل أيضاً شأنه أن يترتب في حقهم حكمه وهما متناقضان متعارضان فيقدم القول على الفعل لقوته، لأن دلالته بالوضع فلا يفتقر إلى دليل يدل على أنه حجة بخلاف الفعل، لولا قوله تعالى: «وما آتاكم الرسول فخذوه» (٢) ونحوه تعذر علينا نصيب الفعل دليلاً، وإذا فعل ﵊ فعلاً وعلم بالدليل أن غيره مكلف بذلك الفعل، ثم يرى
стр. 292
غيره يفعل ضد ذلك الفعل، فيعلم أن هذا الفاعل لهذا الضد خارج عن حكم ذلك الفعل المتقدم، ويبقى غير هذا الذي أقره ﵊ يلزمه فعل في وقت فيراه قد فعل ضد ذلك الفعل في ذلك الوقت، فيعلم نسخه عنه ﵊ في ذلك الوقت وما بعده، فهذا هو معنى المسالتين الأخيرتين في هذا الفصل.
فائدة: قال الإمام فخر الدين: التخصيص والنسخ في الحقيقة ما لحق إلاّ الدليل الدال على وجوب التأسي، فإنه يتناول هذه الصورة وقد خرجت منه.
سؤال: قال العلماء من شرط الناسخ أن يكون مساوياً للمنسوخ أو أقوىن والفعل أضعف، فكيف جعلوه في هذا المقام ناسخاً مع ضعفه عن المنسوخ؟
جوابه: أن المراد بالمساواة المساواة في السند لا غير، وذلك لا يناقض كونه فعلاً،
وكذلك يجب أن يفصل في هذه المسألة فيقال القول والفعل إن كانا في زمانه ﵊ وبحضرته فقد استويا، وإن نقلا إلينا تعين أن لا يقضى بالنسخ غلا بعد الاستواء في نقل كلّ واحد منهما، فإن كان أحدهما متواتراً والآخر آحاداً منعنا نسخ الآحاد للمتواتر، هذا تلخيص هذا الموضع ولا بد منه.
فائدة: قال الشيخ سيف الدين في الأحكام: إذا كان الفعل لا يتكرر بل يختص بذلك الزمان بأن يقول عقبيه أو تراخياً عنه: هذا الفعل لا يفعل بعد هذا الوقت، ثم يرد القول بعد ذلك لا يحصل تعارض البتة.
فائدة: قال الشيخ سيف الدين أيضاً: أفعاله ﵊ لا يمكن وقوع التعارض بينها حتى ينسخ بعضها بعضاً أو يخصصه، فإن الفعلين إن تماثلا وكانا في وقتين كالظهر اليوم والظهر غداً فلا تعارض، وإن اختلفا وأمكن اجتماعهما كالصلاة والصوم فلا تعارض، وإن تعذر اجتماعهما لتناقض أحكامهما كما لو صام في وقت وأكل في مثل ذلك الوقت لم يتعارضا أيضاً، لأن الفعل لا عموم له حتى يدل على لزوم ذلك الفعل في جميع الأوقات فيناقضه ضده إذا وقع في تلك الأوقات الآخر، فإن دل دليل من خارج غير الفعل على أن مثل ذلك الفعل يتكرر
стр. 293
فالتخصيص والتعارض إنّما عرض لذلك الدليل الدال على التكرار، وكذلك إقراره ﵊ لبعض الأمة على الترك مع القدرة على الفعل، والعلم به لا يكون مخصصاً وناسخاً إلا للدليل الدال على تكرار ذلك الفعل.
قال الغزالي في المستصفى لا يتصور التعارض بين الأفعال بما هي أفعال البتة، لأن الفعلين لا يجتمعان في زمان واحد البتة، وإذا تعدد الزمان فلا تعارض، بخلاف الأقوال لها صيغ تتناول بها الأزمان، فيتصور فيها التعارض.
فائدة: مهما أمكن التخصيص لا يعدل عنه إلى النسخ، لأنه أقرب إلى الأصل من جهة أنه بيان المراد فليس فيه إبطال مراد، بخلاف النسخ فيه إبطال المراد.
الفصل الثالث في تأسيه ﵊
مذهب مالك وأصحابه أنه ﵊ لم يكن متعبداً بشرع من قبله قبل نبوته، وقيل كان متعبداً، لنا أنه لو كان كذلك لافتخرت به أهل تلك الملة وليس فليس.
هذه المسألة المختار فيها أن نقول متعبداً بكسر الباء على أنه اسم فاعل ومعناه أنه عليه الصلاة واللام كان كما قيل في سيرته ﵊ ينظر إلى ما عليه الناس
فيجدهم على طريق لا يليق بصانع العالم، فكان يخرج إلى غار حراء يتحنث أي يتعبد، ويقترح أشياء لقربها من المناسب في اعتقاده. ويخشى أن لا تكون مناسبة لصانع العالم، فكان من ذلك في ألم عظيم، حتى بعثه الله تعالى وعلمه جميع طرق الهداية وأوضح له جميع مسالك الضلالة، زال عنه ذلك الثقل الذي كان يجده، وهو المراد بقوله: «ووضعنا عنك وزرك، الذي أنقض ظهرك» (١) على
стр. 294
أحد التأويلات، أي النقل الذي كنت تجده من أمر العبادة والتقرب، فهذه يتجه، وأما بفتحها فيقتضي أن يكون الله تعالى تعبده بشريعة سابقة، وذلك يأباه ما يحكونه من الخلاف هل كان متعبداً بشريعة موسى أو عيسى فإن شرائع بني إسرائيل لم تتعدهم إلى بني إسماعيل، بل كان نبي من موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام وغيرهما إنّما كان يبعثه الله إلى قومه فلا يتعدى رسالته قومه، حتى نقل المفسرون أن موسى ﵊ لم يبعث إلى أهل مصر بل لبني إسرائيل ليأخذهم من القبط من يد فرعون، ولذلك لما عدى البحر لم يرجع إلى مصر ليقيم فيها شريعته، بل عرض عنهم إعراضاً كلياً لما أخذ بني إسرائيل، وحينئذ لا يكون الله تعبد محمداً ﷺ بشرعهما البتة فبطل قولنا إنه كان متعبداً بفتح الباء بل بكسرها كما تقدم، وهذا بخلافه بعد نبوته ﵊، فإنه تعبده تعالى بشرع من قبله على الخلاف في ذلك بنصوص وردت عليه في الكتاب العزيز فيستقيم الفتح (١) فيما بعد النبوة دون ما قبلها.
ومما يؤكد أنه ﵊ لم يكن متعبداً قبل نبوته بشرع أحد، أن تلك الشرائع كانت دائرة لم يبق فيها ما يمكن التمسك به لأهلها فضلاًَ عن غيرهم، وهو ﵊ لم يكن يسافر ولا يخالط أهل الكتاب حتى يطلع على أحوالهم، فيبعد مع هذا غاية البعد أن يعبد الله تعالى على تلك الشرائع، ولأنه لو كان يتعبد بذلك لكان يراجع علماء تلك الشرائع، ولو وقع ذلك لاشتهر.
احتج القائلون بذلك بأنه ﵊ تناولته رسالة من قبله فيكون متعبداً بها، ولأنه ﵊ كان يأكل اللحم ويركب البهيمة ويطوف بالبيت، وهذه أمور كلها لا بد له فيها من مستند، ولا مستند إلاّ الشرائع المتقدمة، خصوصاً على قول الأشاعرة: أن العقل لا يفيد الأحكام وإنما تفيدها الشرائع.
والجواب عن الأوّل: أن ما ذكرتموه إنّما يتأتى في إسماعيل وإبراهيم ونوح عليهم
الصلاة والسلام، لأنه ﵊ من ذريتهم، أما موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام فلا، وقد وقع الخلاف في هؤلاء كلهم أيهم كان يعبد الله
стр. 295
تعالى على شريعته، فأما هؤلاء الثلاثة فقد درست شرائعهم، وما درس لا يكون حجة ولا يعبد الله تعالى به.
وعن الثاني: أن هذه الأفعال وإن قلنا بأن الأحكام لا تثبت إلاّ بالشرع فإنَّها يستصحب فيها براءة الذمة من التبعات، فإن الإنسان ولد بريئاً من جميع الحقوق، فهو يستصحب هذه الحالة، حتى يدل دليل على شغل الذمة بحق، فهذا يكفي من مباشرته ﵊ لهذه الأفعال.
فائدة: تقدم أن الصواب كسر الباء وهو الذي يظهر لي، غير أنه وقع لسيف الدين في هذه المسالة كلام يدل على خلاف ذلك، وهو إن قال غير مستعبد في العقد أن يعلم الله تعالى مصلحة شخص معين في تكليفه شريعة من قبله، وهذا كلام يقتضي فتح الباء، فانظر في ذلك لنفسك، وأما غيره فلم أر له تعرضاً لذلك، فما أدري هل أغتر بالموضع فأطلق هذه العبارة في الاستدلال، أو هو أصل يعتمد عليه.
فائدة: حكاية الخلاف في أنه ﵊ كان متعبداً قبل نبوته بشرع من قبله، يجب أن يكون مخصوصاً بالفروع دون الأصول، فإن قواعد العقائد كان الناس في الجاهلية مكلفين بها إجماعاً، ولذلك انعقد الإجماع على أن موتاهم في النار يعذبون على كفرهم، ولولا التكليف لما عذبوا، فهو ﵊ متعبد بشرع من قبله بفتح الباء بمعنى مكلف هذا لا مرية فيه، إنّما الخلاف في الفروع خاصة؛ فعموم إطلاق العلماء مخصوص بالإجماع.
قائدة: قال المازري والأبياري في شرح البرهان، والإمام، وإمام الحرمين: هذه المسألة لا تظهر لها ثمرة في الأصول ولا في الفروع البتة، بل تجري مجرى التواريخ المنقولة ولا ينبني عليهم حكم في الشريعة البتة، وكذلك قاله التبريزي.
وأما بعد نبوته ﵊، فمذهب مالك وجمهور أصحابه وأصحاب الشافعي وأصحاب أبي حنيفة رحمة الله عليهم أنه متعبد بشرع من قبله، وكذلك أمته، إلاّ ما خصصه الدليل ومنع من ذلك القاضي أبو بكر
стр. 296
وغيره، لنا قوله تعالى: «أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده» (١) وهو عام لأنه اسم جنس أضيف.
شرائع من قبلنا ثلاثة أقسام: منها ما لا يعلم إلاّ بقولهم، كما ف لفظ ما بأيديهم من التوراة أن الله حرم عليهم لحم الجدي بلبن أمه يشيرون إلى المضيرة (٢) ومنه ما علم بشرعنا
وأمرنا نحن أيضاً به وزشرع لنا، فهذا أيضاً لا خلاف أنه شرع لنا كقوله تعالى: «كتب عليكم القصاص في القتلى» (٣) مع قوله تعالى: «وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس» (٤) الآية. وثالثها أن يدل شرعنا على أن فعلاً كان مشروعاً لهم ولم يقل لنا شرع لكم أنتم أيضاً، فهذا هو محل الخلاف لا غير كقوله تعالى حكاية عن المادي الذي بعثه يوسف ﵊: «ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم» (٥) فيستدل به على جواز الضمانن وكذلك قوله تعالى حكاية عن شعيب وموسى عليهما الصلاة والسلام: «إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج، فإن أتممت عشراً فمن عندك» (٦) الآية. يستدل بها على جواز الإجازة، بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا أم لا، أما ما لا يثبت إلاّ بأقوالهم فلا يكون حجة لعدم صحة السند وانقطاعه. ورواية الكفار لو وقعت لم تقبل، فكيف وليس من أهل الكتاب من يروي التوراة فضلاً عن غيرها؟! وما لا رواية فيه كيف يخطر بالبال أنه حجة.
وبهذا يظهر لك بطلان من استدل في هذه المسألة بقصة رجم اليهوديين، وأن رسول الله ﷺ اعتمد على أخبار ابن صوريا أن فيها الرجم، ووجد فيها كما قال، فإن من أسلم من اليهود لم يكن له رواية في التوراة، وإنما كانوا يعملون فيها ما رأوه، أما أن لهم سنداً متصلاً بموسى ﵊ كما فعله المسلمون في كتب الحديث فلا، وهذا
стр. 297
معلوم بالضرورة لمن اطلع على أحوال القوم وكاشفهم وعرف ما هم عليه، بل رسول الله ﷺ يجب أن يعتقد أنه إنّما اعتمد في رجم اليهوديين على وجي جاءه من قبل الله تعالى، وأما غير ذلك فلا يجوز، ولا يُقدم رسول الله ﷺ على دماء الخلق بغير مستند صحيح، فالاستدلال في هذه المسألة بهذه القضية لا يصح، بل لا يندرج في هذه المسألة إلاّ ما علم أنه من شرعهم بكتابنا، ومن قِبل نبينا فقط.
حجة المثبتين من وجوه: أحدها ما تقدم من الآية، وثاينها قوله تعالى: «شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليه وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه» (١) (وما) عامة في جملة ما وصى به نوحاً ووصى به إبراهيم وموسى وعيسى. وثالثها: قوله تعالى: «ملة أبيكم إبراهيم» ن تقديره اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم.
ويرد على الكل أن المقصود قواعد العقائد لا جزئيات الفروع، لأنها هي التي وقع الاشتراك فيها بين الأنبياء كلهم، وكذلك القواعد الكليّة من الفروع، أما جزئيات المسائل فلا اشتراك فيها، بل هي مختلفة في الشرائع.
حجة النافين من وجوه: أحدها أنه لو كان ﵊ متعبداً بشرع من قبله
لوجب عليه مراجعة تلك الكتب، ولا يتوقف إلى نزول الوحي، لكنه لم يفعل ذلك لوجهين: أحدهما أنه لو فعله لاشتهر. والثاني: أن عمر ﵁ طالع ورقة من التوراة فغضب رسول الله ﷺ ، وقال: «لو كان موسى حياً ما وسعه إلاّ اتباعي» .
وثانيها: أنه ﷺ لو كان متعبداً لوجب على علماء الأمصار والأعصار أن يفعلوا ذلك ويراجعوا شرع من قبلهم، ليعلموا ما فيه، وليس كذلك.
стр. 298
وثالثها: أنه ﵊ صوب معاذاً في حكمه باجتهاد نفسه إذا عدم الحكم في الكتاب والسنةن وذلك يقتضي أنه لا يلزمه اتباع الشرائع المتقدمة.
والجواب عن الأوّل أنه قد تقدم أن شرع من قبلنا إنّما يلزمنا إذا علمناه من قبل نبينا ﵊ بوحي، أما من قبلهم فلا يلزم مراجعتهم لعدم الفائدة في ذلك، وهو الجواب عن الثاني. وعن الثالث: أن من جملة الكتب دلالته على اتباع الشرائع المتقدمة.
فائدة: قال الإمام فخر الدين: إذا قلنا بأنه كان متعبداً فقيل بشرع إبارهيم وقيل بل بموسى، وقيل بل بعيسى عليهم الصلاة والسلام، وهذا الذي نقله هذا النقل بعينه فيما قبل النبوة، ونقل المازري الخلاف بعينه في المسألتين، وكذلك نقل من قال كان متعبداً بشريعة كلّ نبي تقدمه إلاّ ما نسخ أو درس، وهذا لم ينقله الجماعة، مع أنه غالب بحث الفقهاء في المباحث، فلا يخصصون شرعاً معيناً دون غيره.
قال القاضي: ومذهب المالكية أن جميع شرائع الأمم شرع لنا إلاّ ما نسخ ولا فرق بين موسى ﵊ وغيره، قال ابن برهان وقيل كان متعبداً قبل النبوة بشرع آدم، لأنه ألو الشرائع، وقيل كان على دين نوح ﵊ والله أعلم.
стр. 299
الباب الرابع عشر في النسخ
وفيه خمسة فصول
الفصل الأول في حقيقته
قال القاضي منا والغزالي هو خطاب دال على ارتفاع حكم ثابت بخطاب متقدم على وجه لولاه لكان ثابتاً مع تراخيه عنه. وقال الإمام فخر الدين الناسخ طريق شرعي يدل على أن مثل الحكم الثابت بطرق لا يوجد بعده متراخياً عنه، بحيث لولاه لكان ثابتاً، فالطريق يشمل سائر المدارك: الخطاب وغيره، وقوله مثل الحكم، لأن الثابت قبل النسخ غير المعدوم بعده، وقوله متراخياً عنه لئلا يتهافت الخطاب، وقوله لولاه لكان ثابتاً، احتراز من المغيات نحو الخطاب بالإفطار بعد غروب الشمس فإنه ليس نسخاً لوجوب الصوم.
يرد على الأوّل أن النسخ قد يكون بالفعل كما تقدم فلا يكون الحد جامعاً وكذلك ينتقض بالإقرار أو بجميع المدارك التي ليست خطاباً، وكذلك يبطل بجميع ذلك اشتراطه في الحكم السابق أن يكون ثابتاً بالخطاب، فإنه قد يكون ثابتاً بأحد هذه الأمور، فلذلك عدل الإمام لقوله طريق شرعي ليعم جميع هذه الأمور، فإن قلت أنت شرعت نحد النسخ والطريق ناسخة لا نسخ، والمصدر غير الفاعل فقد خرج جميع أفراد المحدود من الحد فيكون باطلاً.
стр. 300
قلت الناسخ في الحقيقة إنما هو الله تعالى؛ ولذلك قال الله تعالى: «ما ننسخ من آية» (١) فأضاف تعالى فعل النسخ غليه، وفعله تعالى هو هذه المدارك وجعلها ناسخة، فالمصدر في التحقيق هو هذه الأمور المدارك فاندفع السؤال، وقولي مع تراخيه عنه لأنه لو قال افعلوا لا تفعلوا لتهافت الخطاب، وأسقط الثاين الأوّل، وكذلك لو قال عند الأوّل هو منسوخ عنكم بعد سنة، كان هذا الوجوب مُغيَّا بتلك الغاية من السَّنة فلا يتحقق النسخ، بل ينتهي بوصوله لغايته، وحينئذ يتعين أن يكون الناسخ مسكوتاً عنه في ابتداء الحكم. وقولي: على وجه لولاء لكان ثابتاً، احتراز مِمّا يجعل له غاية أول الأمر، فإنه لا يكون ثابتاً إذا وصل إلى تلك الغاية، فلا يقبل النسخ إلاّ إذا كان قابلاً للثبوت ظاهراً.
وقال القاضي منا، والغزالي الحكم المتأخر يزيل المتقدم. وقال الإمام والأستاذ وجماعة هو بيان لانتهاء مدة الحكم - وهو الحق - لأنه لو كان دائماً في نفس الأمر لعلمه الله تعالى دائماً، فكان يستحيل نسخه، لاستحالة انقلاب العلم، وكذلك الكلام القديم الذي هو خبر عنه.
قال القاضي: النسخ كالفسخ، فكما أن الإجازة إذا كانت شهراً يستحيل فسخها إذا انقضى الشهر، ويمكن فسخها في أثناء الشهر، لأن شأنها أن تدوم، فكذلك النسخ لا يكون إلاّ فيما شأنه أن يدوم، والجماعة يمنعون هذا التشبيه، ويقولون إن الله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه، فلو كان الحكم دائماً في نفس الأمر لعلم دوامه، ولو علم دوامه لتعذر نسخه، فإن خلاف المعلوم محال في حقنا، فكيف في العلم القديم، وكذلك كلّ ما علمه الله تعالى فهو مخبر عنه بالكلام النفساني، وخبر الله تعالى صدق يستحيل الخلف فيه، فلو أخبر عن دوامه تعذر نسخه، وكذلك لو شرعه دائماً لكان تعالى قد أراد دوامه لأنه من جملة الكائنات، ولو أراد دوامه لوجب الدوام، وحينئذ يتعذر النسخ، ولو وقع النسخ لزم مخالفة ثلاث صفات لله تعالى، وذلك محال.
стр. 301
فهذه مدارك قطعية توجب حينئذ أن الحكم كان دائماً في اعتقادنا لا في نفس الأمر، فالناسخ مزيل للدوام في اعتقادنا لا في نفس الأمر، وحينئذ يكون النسخ كتخصيص العام، ولذلك قيل النسخ تخصيص في الأزمان، وهذا التفسير يحسن فيما يتناول أزماناً أما ما لا يكون إلاّ في زمن واحد كذبح إسحق ﵊ (١) فلا يكون تخصيصاً في الأزمان، بل رافعاً لجملة الفعل بجميع أزمانه.
الفصل الثاني في حكمه
وهو واقع وأنكره بعض اليهود عقلاً وبعضهم سمعاً، وبعض المسلمين هؤلاء لما وقع من ذلك بالتخصيص. لنا أنه تعالى شرع لآدم تزويج الأخ بأخته غير توأمته، وقد نسخ ذلك.
أما وقوع النسخ فلأن الله تعالى أوجب وقوف الواحد منا للعشرة من الكفار في الجهاد، ثم نسخه بقوله تعالى: «الآن خفف الله عنكم» (٢) وصار الحكم أن يقف الواحد منا للاثنين لقوله تعالى: «فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين» (٣) ونسخ تعالى آيات الموادعة، ويقال إنها نيف وعشرون آية بآية السيف وهي قوله تعالى: «يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم» (٤) وبغيرها من الآيات الدالة على القتال، وهو كثير في الكتاب والسنة.
وأما إنكار بعض اليهود له عقلاً فاحتجوا عليه بأنه النهي يعتمد المفاسد الخالصة أو الراجحة، فلو جاز نسخه بعد ذلك لزم تجويز أرم الله تعالى وإذنه في فعل المفاسد الخالصة أو الراجحة، وذلك على الله تعالى محال، بناءً على التحسين والتقبيح، وقالوا عبارة عامة: إن الفعل إما أن يكون حسناً أو قبيحاً، فإن كان حسناً استحال النهي عنه، أو قبيحاً استحال الإذن فيه، فالنسخ محال على التقديرين.
стр. 302
وجوابهم: أنا نمنع قاعدة الحسن والقبح، أو نسلمها ونقول لمَ لا يجوز أن يكون الفعل مفسدة في وقت مصلحة في وقت، وذلك معلوم بالعوائد؟ بل اليوم الواحد يكون الفعل فيه حسناً في أوله قبيحاً في آخره، كما نقول في الأكل والشرب وليس الفراء وشرب الماء البارد وغيره، ويحسن جميع ذلك ويقبح باعتبار وقتين من الشتاء والصيف، والحر والبرد، والصوم والفطر، والشبع والجوع، والصحة والسقم.
احتج منكروه سمعاً بوجهين: أحدهما أن الله تعالى لما شرع لموسى ﵊ شرعه، فاللفظ الدال عليه إما أن يدل على الدوام أو لا، فإن دله على الدوام فإما أن يضم إليه ما يقتضي أنه سينسخه أولاً، فإن كان الأوّل فهو باطل من وجهين: الأوّل: أنه يكون متناقضاً وهو عبث ممنوع: الثاني: أن هذا اللفظ الدال على النسخ وجب أن ينقل متواتراً، إذ لو جوزنا نقل الشرع غير متواتر أو نقل صفته غير متواترة لم يحصل لنا علم بأن شرع الإسلام غير منسوخ، ولأن ذلك من الوقائع العظيمة التي يجب اشتهارها، فلا يكون نص على النسخ وحينئذ لا يكون منسوخاً؛ لأن ذكر اللفظ الدال على الدوام فهذا مطلق يكفي في العمل به مرة واحدة، وينقضي بذاته، فلا يحتاج للنسخ ويتعذر النسخ فيه.
والوجه الثاني: أنه ثبت بالتوراة قول موسى ﵊: تمكنوا بالسبت أبداً، وقال تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والأرض، وهو متواتر والتواتر حجة.
والجواب عن الأوّل: أن نقول اتفق المسلمون على أن الله تعالى شرع لموسى شرعه بلفظ الدوام، واختلفوا هل ذكر معه ما يدل على أنه سيصير منسوخاً؟ فقال أبو الحسين يجب ذلك في الجملة وإلا كان تلبيساً. وقال جماهير أصحابنا وجماهير المعتزلة لا يجب ذلك، وقد تقدم البحث في ذلك في تأخير البيان عن وقت الحاجة.
والجواب على رأي أبي الحسين: أن ذلك القيد لم ينقل لوقوع الخلل في اليهود
стр. 303
في زمن بختتصر فإنه أباد اليهود حتى لم يبق منهم من يصلح للتواتر، وبه يظهر الجواب عن شرعنا نحن لسلامته عن الآفات.
وعن الثاني: أن هذا النقل أيضاً لا يصح الاعتماد عليه لانقطاع عدد اليهود كما تقدم، ولأن لفظ الأبد منقول في التوراة وهو على خلاف ظاهره، قال في العبد يستخدم ست سنين ثم يعتق في السابعة، فإن أبى العتق فلتثقب أذنه ويستخدم أبداً، مع تعذر الاستخدام أبداً، بل العمر، فأطلق الأبد على العمر فقط.
وثانيها: قال في البقرة التي أمروا بذبحها تكون لكم سنة أبداً، ومعلوم أن ذلك ينقطع بخراب العالم وقيام الساعة.
وثالثها: أُمروا في قصة دم الفصح (١) أن يذبحوا الجمل ويأكلوا لحمه ملهوجاً (٢) ولا يكسروا منه عظماً ويكون لهم هذا الجمل سنة أبداً ثم زال التعبد بذلك أبداً.
وقال في السفر الثاني - فروا إلى كلّ يوم خروفين خروفاً غدوة وخروفاً عشية قرباناً دائماً لأحقابكم - وهم لا يفعلون ذلك، ثم مذهبهم منقوض بصور إحداها أن في التوراة أن السارق إذا سرق في المرة الرابعة تثقب أذنه ويباع، وقد اتفقوا على نسخ ذلك.
وثانيتها: اتفق اليهود والنصارى على أن الله تعالى فدى ولد إبراهيم من الذبح وهو نص التوراة، وهذا أشد أنواع النسخ، لأنه قبل الفعل الذي منعه المعتزلة، وإذا جاز في الأشد جاز في غيره بطريق الأولى.
وثالثتها: أن في التوراة أن الجمع بين الحرة والأمة في النكاح كان جائزاً في شرع إبراهيم ﵊ لجمعه بين سارة الحرة وهاجر الأمة وحرمته التوراة.
ورابعتها: أن التوراة قال الله تعالى فيها لموسى ﵇: أخرج أنت وشيعتك لترثوا الأرض المقدسة التي وعدت بها أباكم إبراهيم، أن أرثها نسله فلما ساروا إلى التيه قال الله تعالى - لا تدخلوها لأنكم قد عصيتموني - وهو عين النسخ.
وخامسها: تحريم السبت فإنه لم يزل العمل مباحاً إلى زمن موسى عليه
стр. 304
الصلاة والسلام وهو عين النسخ، وقد ذكرت صوراً كثيرة غير هذه في شرح المحصول وفي كتاب (الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة في الرد على اليهود والنصارى) .
وأما من أنكر النسخ من المسلمين فهو معترف بنسخ تحريم الشحوم وتحريم السبت
وغير ذلك من الأحكام، غير أنه يفسر النسخ في هذه الصورة بالغاية وأنها انتهت بانتهاء غايتها، فلا خلاف في المعنى.
ويجوز عندنا وعند الكافة نسخ القرآن خلافاً لأبي مسلم الأصفهاني لأن الله تعالى نسخ وقوف الواحد للعشرة في الجهاد بثبوته لاثنين وهما في القرآن.
وثانيها: أن الله تعالى أوجب على المتوفى عنها زوجها الاعتداد حولاً بقوله تعالى: «والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول» (١) ثم نسخ بقوله تعالى: «يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا» (٢) ، ونسخ وجوب التصدق الثابت بقوله تعالى: «فقدموا بين يدي نجواكم صدقة» (٣) .
احتج أبو مسلم بأن الله تعالى وصف كتابه بأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلو نسخ لبطل.
وجوابه: أن معناه لم يتقدمه من الكتب ما يبطله ولا يأتي بعده ما يبطله ويبين أنه ليس بحق، والمنسوخ والناسخ حق، فليس من هذا الباب.
فائدة: أبو مسلم كنيته، واسمه عمرو بن يحيى قاله أبو إسحاق في اللمع.
ويجوز نسخ الشيء قبل وقوعه عندنا خلافاً لأكثر الشافعية والحنفية والمعتزلة كنسخ ذبح إسحق ﵊ قبل وقوعه.
стр. 305
المسائل في هذا المعنى أربع: إحداهن أن يوقت الفعل بزمان مستقبل فينسخ قبل حضوره. وثانيها: أن يؤمر به على الفور فينسخ قبل الشروع فيه. وثالثها: أن يشرع فيه فينسخ قبل كماله. ورابعها: أن يكون الفعل يتكرر فيفعل مراراً ثم ينسخ. فأما الثلاثة الأولى فهي في الفعل الواحد غير المتكرر. وأما الرابعة: فوافقنا عليها المعتزلة لحصول مصلحة الفعل بتلك المرات الواقعة قبل النسخ، ومنه نسخ القِبْلة وغيرها، ومنعوا قبل الوقت وقبل الشروع لعدم حصول المصلحة من الفعل، وترك المصلحة عندهم ممتنع على قاعدة الحسن والقبح. والنقل في هاتين المسألتين في هذا الموضع قد نقله الأصوليون. وأما بعد الشروع وقبل الكمال فلم أر فيه نقلاً، ومقتضى مذهبنا جواز النسخ في الجميع.
ومقتضى مذهب المعتزلة التفصيل لا المنع مطلقاً ولا الجواز مطلقاً، فإن الفعل الواحد قد لا يحصل مصلحته إلاّ باستيفاء أجزائه، كذبح الحوان، وإنقاذ الغريق، فإن مجرد قطع الجلد لا يحصل مقصود الذكاة من إخراج الفضلات وزهوق الروح على وجه السهولة، وإخراج الغريق إلى قرب البر وتركه هناك لا يحصل مقصود الحياة، وقد تكون المصلحة متوزعة على أجزائه كسقي العطشان وإطعام الجيعان وكسوة العريان، فإن كلّ جزء من ذلك
يحصل جزءاً من المصلحة الري والشبع والكسوة، ففي القسم الأوّل مقتضى مذهبهم المنع لعدم حصول المصلحة، وفي الثاني الجواز لحصول بعض المصلحة المخرجة للأمر الأوّل عن العبث، كما انعقد الإجماع على حسن النهي عن القطرة الواحدة من الخمر، مع أن الإسكار لا يحصل إلاّ بعد قطرات، لكنه لا يتعين له بعضها دون بعض بل يتوزع عليها، فكذلك هنا، فتنزل الأجزاء منزلة الجزئيات، كذلك يكتفى ببعض الأجزاء. غير أن هنا فرقاً أمكن ملاحظته، وهو أن المصلحة في الجزئيات الماضية في صورة المنقول عنه مصالح تامة أمكن أن يقصدها العقلاء قصداً كلياً دائماً، بخلاف جزء المصلحة في نقطة الماء ونحوها، فإن القصد إليها نادر، ومع هذا الفرق أمكن أن يقولوا بالمنع مطلقاً في هذا القسم من غير تفصيل.
واحتج الشيخ سيف الدين الآمدي في هذه المسألة بنسخ الخمسين صلاة ليلة الإسراء حتى بقيت خمساً، ويرد عليه أنها خبر واحد فلا يفيد القطع، والمسألة
стр. 306
قطعية ولا نسخ قبل الإنزال (١) وقبل الإنزال لا يتقرر علينا حكم، فليس من صورة النزاع.
والنسخ لا إلى بدل خلافاً لقوم كنسخ الصدقة في قوله تعالى: «فقدموا بين يدي نجواكم صدقة» (٢) لغير بدل.
قيل إن ذلك زال لزوال سببه وهو التمييز بين المؤمنين والمنافقين، وقد ذهب المنافقون فاستغنى عن الفرق.
جوابه: روى أنه لم يتصدق إلاّ عليٌّ ﵁ فقط مع بقاء السبب بعد صدقته ثم نسخ حينئذ.
احتجوا بقوله تعالى: «ما ننسخ آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها» (٣) فنص تعالى على أنه لا بد من البدل أحسن أو مثل.
جوابه: أن هذه صيغة شرط وليس من شرط الشرط أن يكون ممكناً فقد يكون متعذراً كقولك إن كان الواحد نصف العشرة فالعشرة اثنان وهذا الشرط محال والكلام صحيح عربي، وإذا لم يستلزم الشرط الإمكان لا يدل على الوقوع به مطلقاً فضلاً عن الوقوع ببدل، سلمناه لكنه قد يكون رفع الحكم لغير بدل خيراً للمكلف باعتبار مصالحه والخفة عليه وبعده من الفتنة وغوائل التكليف.
ونسخ الحكم إلى الأثقل خلافاً لبعض أهل الظاهر كنسخ عاشوراء برمضان.
ونسخ الحبس في البيوت إلى الجلد والرجم، والرجم أشد من الحبس. احتجوا بقوله تعالى: «نأت بخير منها أو مثلها» (٤) وبقوله تعالى: «يريد الله أن يخفف عنكم» (٥) ، و «يريد الله بكم اليسر» (٦) والأثقل لا يكون خيراً ولا مثلاً ولا يسراً.
стр. 307
والجواب عن الأوّل: قد يكون الأثقل أفضل للمكلف وخيراً له باعتبار ثوابه واستصلاحه في أخلاقه ومعاده ومعاشه. وعن الثاني أنه محمول على اليسر في الآخرة حتى لا يتطرق إليه تخصيصات غير محصورة فإن في الشريعة مشاق كثيرة.
ونسخ التلاوة دون الحكم كنسخ - الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله - مع بقاء الرجم، والحكم دون التلاوة كما تقدم في الجهاد، وهما معاً لاستلزام إمكان المفردات إمكان المركب.
لأن التلاوة والحكم عبادتان مستقلتان، فلا يبعد في العقل أن يصيرا معاً مفسدة في وقت أحدهما دون الآخر، وتكون الفائدة في بقاء التلاوة دون الحكم ما يحصل من العلم بأن الله تعالى أنزل مثل ها الحكم رحمة منه بعباده. وعن أنس نزل في قتلى بئر معونة - بلغوا إخواننا أننا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا - وعن أبي بكر كنا نقرأ من القرآن - لا ترغبوا عن أبائكم فإنه كفر بكم - ومثال التلاوة والحكم معاً ما روي عن عائشة ﵂ قالت كان فيما أنزل الله - عشر رضعات - فنسخن - بخمس - وروي أن سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة.
ونسخ الخبر إذا كان متضمناً لحكم عندنا، خلافاً لمن جوزه مطلقاً ومنعه مطلقاً وهو أبو علي وأبو هاشم وأكثر المتقدمين. لنا أن نسخ الخبر يوجب عدم المطابقة وهو محال فإذا تضمن الحكم جاز نسخه لأنه مستعار له ونسخه الحكم جائز كما لو عبر عنه بالأمر.
قال الإمام فخر الدين: إذا كان الخبر خبراً عما لا يجوز تغييره، كالخبر عن حدوث العالم، فلا يتطرق إليه النسخ، وإن كان عما يجوز تغييره وهو إما ماضٍ أو مستقبل، والمستقبل إما وعد أو وعيد أو خبر عن حكم كالخبر عن وجوب الحج فيجوز النسخ في الكل، ومنع أبو علي وأبو هاشم وأكثر المتقدمون الكل.
قال: لنا أن الخبر إذا كان عن أرم ماض نحو عمرت نوحاً ألف سنة، جاز أن
стр. 308
يبين من بعد بأنه ألف سنة إلاّ خمسين عاماً، وإن كان خبراً عن مستقبل كان وعداً ووعيداً فهو كقوله لأعاقبن الزاني ابداً فيجوز أن يبين أنه أراد ألف سنة، وإن كان عن حكم الفعل في
المستقبل فإن الخبر كالأمر في تناوله الأوقات (١) المستقبلة فيجوز أن يراد بعضها.
احتجوا بأن نسخ الخبر يوهم الخلف.
قال: وجوابه أن نسخ الأمر أيضاً يوهم البداء، قلت أسماء الأعداد نصوص لا يجوز فيها المجاز وأراد المتكلم بالألف ألفاً إلاّ خمسين عاماً مجاز فلا يجوز، وأما إطلاق الأبد على ألف سنة فهو تخصيص في الخبر وهو مجمع عليه، إنّما النزاع في النسخ فأين أحدهما من الآخر؟! وقد تقدمت الفروق بينهما.
وأما قولهم يوهم الخلف: ذلك مدفوع بالبراهين الدالة على استحالة الخلف على الله تعالى والبداء عليهن والبداء هو إحدى الطرق التي استدلت بها اليهود على استحالة النسخ، ومعناه أمر بشيء ثم بدا له أن المصلحة في خلافه، وذلك إنّما يتأتى في حق من تخفى عليه الخفيات، والله تعالى منزه عن ذلك.
وجوابهم: أن الله تعالى عالم بأن الفعل الفلاني مصلحة في وقت كذا مفسدة في وقت كذا، وأنه نسخه إذا وصل وقت المفسدة، فالكل معلوم في الأزل، وما تجدد العلم بشيء، فما لزم من النسخ البداء فيجوز.
ويجوز نسخ ما قال فيه افعلوه أبداً خلافاً لقوم؛ لأن صيغة أبداً بمنزلة العموم في الأزمان، والعموم قابل للتخصيص والنسخ.
احتجوا بأن صيغة (أبداً) لو جاز أن لا يراد بها الدوام لم يبق لنا طريق إلى الجزم بخلود أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، لأن ذلك كله مستفاد من قوله تعالى: «خالدين فيها أبداً» (٢) .
والجواب: أن الجزم إنّما حصل في الخلود ليس بمجرد لفظ (أبداً) بل بتكرره تكرراً أفاد القطع بسياقاته وقرائنه على ذلك، أما مجرد لفظة واحد من أبداً فلا يوجب الجزم، والكلام في هذه المسألة إنّما هو في مثل هذا.
стр. 309
الفصل الثالث في الناسخ والمنسوخ
يجوز عندنا نسخ الكتاب بالكتاب وعند الأكثرين.
حجتنا ما تقدم من الرد على أبي مسلم الأصفهاني، احتجوا بقوله تعالى: «لا يأتيه
الباطل من بين يديه ولا من خلفه» (١) وقد تقدم جوابه.
والسنة المتواترة بمثلها هو كالكتاب بالكتاب لحصول المساواة والتواتر في البابين الناسخ والمنسوخ.
والآحاد بمثلها.
لأن نشترط في الناسخ أن يكون مساوياً للمنسوخ أو أقوى والآحاد مساوية للآحاد فيجوز.
وبالكتاب والسنة المتواترة إجماعاً.
بسبب أن الكتاب والسنة المتواترة ينسخان خبر الواحد، لأنهما أقوى منه والأقوى أولى بالنسخ.
وأما جواز نسخ الكتاب بالآحاد فجائز عقلاً غير واقع سمعاً، خلافاً لأهل الظاهر، والباجي منا مستدلاً بتحويل القبلة عن بيت المقدس إلى مكة. لنا أن الكتاب متواتر قطعي فلا يرفع بالآحاد المظنونة لتقدم العلم على الظن.
واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: «قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه» (٢) الآية نسخت بنهيه ﵊ على ألك كلّ ذي ناب من السباع وهو خبر واحد وبقوله تعالى: «وأحل لكم ما وراء ذلكم» (٣) نسخ ذلك
стр. 310
بقوله ﵊: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها» الحديث، ولأنه دليل شرعي فينسخ كسائر الأدلة، ولأنه يخصص الكتاب فينسخه، لأن النسخ تخصيص في الأزمان.
والجواب عن الأوّل: أن الآية إنّما اقتضت التحريم إلى تلك الغاية فلا ينافيها ورود تحريم بعدها، وإذا لم ينافها لا يكون ناسخاً لأن من شرط النسخ التنافي. وعن الثاني: أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال فيحمل العام على حالة عدم القرابة المذكورة. سلمناه لكنه تخصيص ونحن نسلمه إنّما النزاع في النسخ. وعن الثالث: الفرق أن تلك الأدلة المتفق عليها مساوية أو أقوى وهذا مرجوع فلا يلحق بها. وعن الرابع: أن النسخ إبطال لما اتصف بأنه مراد فيحتاط فيه أكثر من التخصيص لأنه بيان للمراد فقط، وأما تحويل القبلة فقالوا احتفت به قرائن وجدها أهل قباء لما أخبرهم المخبر من ضجيج أهل المدينة، وغير ذلك حصل لهم العلم، فلذلك قبلوا تلك الرواية. سلمنا عدم القرائن لكن ذلك فعل بعض الأمة، فليس حجة، ولعله مذهب لهم فإنَّها مسألة خلاف.
ويجوز نسخ السنة بالكتاب عندنا خلافاً للشافعي ﵁ وبعض أصحابه.
لنا نسخ القبلة بقوله تعالى: «وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره» ولم يكن التوجه لبيت المقدس ثابتاً بالكتاب عملاً بالاستقراء.
في كون التوجه لبيت المقدس ليس من القرآن، فيه نظر، من جهة أن القاعدة أن كلّ بيان المجمل يعد مراداً من ذلك المجمل وكائناً فيه. والله تعالى قال: «وأقيموا الصلاة» (١) ولم يبين صفتها، فبينها ﵊ بفعله لبيت المقدس وكان ذلك مراداً بالآية، كما أن نقول في قوله ﵊: «فيما سقت السماء العشر» بيان لقوله تعالى: «وآتوا الزكاة» (٢) وهو مراد منها، وكذلك هنا وهو القاعدة: أن كلّ بيان المجمل يعد مراداً من ذلك المجمل، فكان التوجيه لبيت المقدس ثابتاً بالقرآن بهذه الطريقة.
стр. 311
حجة الشافعي ﵁ قوله تعالى: «لتبين للناس ما نزل إليهم» (١) فجعله ﵊ مبيناً بالسنة للكتاب المنزل، فلا يكون الكتاب ناسخاً للسنة لأن الناسخ مبين للمنسوخ، فيكون كلّ واحد منهما مبيناً لصاحبه فيلزم الدور.
والجواب عنه: أن الكتاب والسنة ليس كلّ واحد منهما محتاجاً للبيان ولا وقع فيه النسخ، فأمكن أن يكون بعض الكتاب مبيناً لبعض السنة، والبعض الآخر الذي لم يبينه الكتاب بيان للكتاب فلا دور، لأنه لم يوجد شيئان كلّ واحد منهما متوقف على الآخر، بل الذي يتوقف عليه من السنة غير متوقف والبعض المتوقف عليه من الكتاب غير متوقف، سلمناه، لكنه معارض بقوله تعالى ف حق الكتاب العزيز: «تبياناً لكل شيء» ، والسنة شيء، فيكون الكتاب تبياناً لها فينسخها وهو المطلوب.
ويجوز نسخ الكتاب بالسنة المتواترة لمساواتها له في الطريق العلمي عند أكثر أصحابنا، وواقع كنسخ الوصية للوارث بقوله ﵊: «لا وصية لوارث» ونسخ آية الحبس في البيوت بالرجم. وقال الشافعي لم يقع، لأن آية الحبس في البيوت نسخت بالجلد.
واحتجوا أيضاً على الوقوع بقوله ﵊: «لا وصية لوارث» نسخت الوصية للأقربين الذين في الكتاب، وبقوله ﵊: «لا تنكح المرأة على عمتها» الحديث ناسخ لقوله تعالى: «وأحل لكم ما وراء ذلكم» وأما قول الشافعي ﵁ إن آية الحبس نسخت بالجلد، فذلك يتوقف على تاريخ لم يتحقق، ومن أين لنا أن آية الجلد نزلت بعد آية الحبس؟! بل ظاهر السنة يقتضي خلاف ما قاله، لأنه ﵊ قال: «خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً: الثيب بالثيب رجم
بالحجارة والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» فظاهره يقتضي أنه الآن نسخ ذلك الحكم.
ويرد على الأوّل: الوصية جائزة لغير الوارث إذا كان قريباً فدخله التخصيص
стр. 312
والمدعى للنسخ، وعلى الثاني أنه أيضاً تخصيص دخل في الكتاب لا نسخ؛ لأن بعض ما أحل حرم ولا تنازع فيه.
والإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به.
هذا نقل المحصول، وقال الشيخ سيف الدين كون الإجماع ينسخ الحكم الثابت به نفاه الأكثرون وجوزه الأقلون، وكون الإجماع ناسخاً منعه الجمهور وجوزه بعض المعتزلة وعيسى بن أبان.
وبنى الإمام فخر الدين هذه المسألة على قاعدة وهي: أن الإجماع لا ينعقد في زمانه ﵊، لأنه بعض المؤمنين بل سيدهم، ومتى وجد قوله ﵊ فلا عبرة بقول غيره، وإذا لم ينعقد إلاّ بعد وفاته ﵊ لم يمكن نسخه بالكتاب والسنة لتعذرهما بعد وفاته ﵊، ولا بالإجماع لأن هذا الإجماع الثاني إن كان لا عن دليل فهو خطأ وإن كان عن دليل فقد غفل عنه الإجماع الأوّل فكان خطئاً والإجماع لا يكون خطئاً فاستحال النسخ بالإجماع، ولا بالقياس لأنه من شرطه أن لا يكون على خلاف الإجماع، فيتعذر نسخ الإجماع مطلقاً، وأما كون الإجماع ناسخاً فقال: لا يمكن أن ينسخ كتاباً ولا سنة لأنه يكون على خلافهما فيكون خطئا، ولا إجماعاً لأن أحدهما يلزم أن يكون خطئاً لمخالفته لدليل الإجماع الآخر، ولا قياساً لأن شرط القياس عدم الإجماع، فإذا أجمعوا على خلاف حكم القياس زال القياس لعدم شرطه.
وهذه الطريقة مشكلة بسبب وجود النبي ﷺ لا يمنح وجود الإجماع، لأنه ﵊ شهد لأمته بالعصمة فقال: «لا تجتمع أمتي على خطأ» وصفة المضاف غير المضاف إليه، وهو ﵊ لو شهد لواحد في زمانه ﵊ بالعصمة لم يتوقف ذلك على أن يكون بعده ﵊، فالأمة أولى.
ثم إنه نقض هذه القاعدة بعد ذلك فقال يمكن نسخ القياس في زمانه ﵇ بالإجماع، فصرح بجواز انعقاد الإجماع في زمانه ﵇.
وأما سيف الدين فلم يقل ذلك، بل قال الإجماع الموجود بعد وفاته ﵊ لا ينسخ بنص ولا غيره إلى آخر التقسيم.
стр. 313
وقال أبو الحسين البصري في المعتمد الموضوع له في أصول الفقه كما قاله المصنف، ثم قال إن قيل يجوز أن ينسخ إجماعاً وقع في زمانه ﵊ قلنا
يجوز، وإنما منعنا الإجماع بعده أن ينسخ، وأما في حياته فالمنسوخ الدليل الذي أجمعوا عليه لا حكمه.
وقال أبو إسحق: ينعقد الإجماع في زمانه ﵇.
وقال ابن برهان في كتاب الأوسط ينعقد الإجماع في زمانه ﵊، وجماعة المصنفين وافقوا الإمام فخر الدين على دعواه على ما فيها من الإشكال.
وأما حجة الجواز لمن خالف في هذه المسألة فهي مبنية على أنه يجوز أن ينعقد إجماع بعد إجماع مخالف له، ويكون كلاهما حقاً، ويكون انعقاد الأوّل مشروطاً بأن لا يطرأ عليه إجماع آخر وهو شذوذ من المذاهب، فبنى الشاذ على الشاذ، والكل ممنوع.
ويجوز نسخ الفحوى الذي هو مفهوم الموافقة تبعاً للأصل، ومنع أبو الحسين من نسخه مع بقاء الأصل دفعاً للتناقض بين تحريم التأفيف مثلاً وحل الضرب، ويجوز النسخ به وفاقاً، لفظية كانت دلالته أو قطعية أو على الخلاف.
قال الإمام فخر الدين اتفقوا على جواز نسخ الأصل والفحوى معاً، وأما نسخ الأصل وحده فإنه يقتضي نسخ الفحوى، لأن الفحوى تبع، وأما نسخ الفحوى مع بقاء الأصل فمنعه أبو الحسين، لئلا ينتقض الغرض في الأصل كما تقدم في التأفيف، فتحريمه لنفي العقوق وإباحة الضرب أبلغ في العقوق، فيبطل المقصود من تحريم التأفيف.
قال سيف الدين: تردد قول القاضي عبد الجبار في نسخ الفحوى دون الأصل، فجوزه تارة ورآه من باب التخصيص، لأنه نص على الجميع، ثم خصص البعض، ومنعه مرة للتناقض ونقض الغرض.
وقولي: كانت دلالته لفظية أو قطعية: أريد بالقطعية العقلية الذي هو القياس؛
стр. 314
فإن الناس اختلفوا في تحريم الضرب مثلاً في تلك الآية (١) هل هو ثابت بالقياس على تحريم التأفيف بطريق الأولى، أو هو بدلالة اللفظ عليه التزاماً بالقياس، وإن كانت دلالة التزام صح النسخ بها، أو قياساً صح النسخ بها، لأنه حكم مناقض لحكم متقدم، فصح النسخ كسائر ما يجوز به النسخ، نعم يشترط في المنسوخ به أن يكون مثله في السند أو أخفض رتبة.
مسألة: قال الإمام فخر الدين في المحصول نسخ القياس إن كان في حياته ﵊ فلا يمتنع رفعه بالنص وبالإجماع وبالقياس، بأن ينص ﵇ في
الفروع، بخلاف حكم القياس بعد استقرار التعبد بالقياس، وأما بالإجماع فلأنه إذا اختلفت الأمة على قولين قياساً، ثم أجمعوا على أحد القولين، كان إجماعهم رافعاً لحكم القياس المقتضي للقول الآخر، وأما بالقياس فبأن ينص في صورة بخلاف ذلك الحكم ويجعله معللاً بعلة موجودة في ذلك الفرع، وتكون أمارة عليتها أقوى من أمارة علة الوصف للحكم الأوّل في الأصل الأوّل.
وأما بعد وفاته ﵊ فإنه يجوز نسخه في المعنى وإن كان لا يسمى نسخاً في اللفظ، كما إذا أفتى مجتهد بالقياس ثم ظفر بالنص أو بالإجماع أو بالقياس المخالف للأول، فإن قلنا كلّ مجتهد مصيب كان هذا الوجدان ناسخاً لقياسه الأوّل، وإن قلنا المصيب واحد لم يكن القياس الأوّل متعبداً به، وأما كون القياس ناسخاً فيمتنع في الكتاب والسنة والإجماع، لأن تقدمها يبطله، وأما القياس فقد تقدم القول فيه.
والعقل يكون ناسخاً في حق سقطت رجلاه فإن الوجوب ساقط عنه، قاله الإمام.
هذا ليس نسخاً فإن بقاء المحل شرط، وعدم الحكم لعدم سببه أو شرطه أو قيام مانعه ليس نسخاً وإلا كان النسخ واقعاً طول الزمان لطريان الأسباب وعدمها.
стр. 315
الفصل الرابع فيما يتوهم أنه ناسخ
زيادة صلاة على الصلوات أو عبادة على العبادات ليست نسخاً وفاقاً، وإنما جعل أهل العراق الوتر ناسخاً لما فيه من رفع قوله تعالى: «حافظوا على الصلوات والصلاة والسطى» (١) فإن المحافظة على الوسطى تذهب لصيرورتها غير وسطى.
زيادة الحج على العبادات في آخر الإسلام ليس نسخاً لما تقدمه من العبادات، فعدم المنافاة، ومن شرط النسخ التنافي، وأما زيادة الوتر لما اعتقد الحنفية أنه واجب صار الصلوات عندهم ستاً، وكان عدد زوج لا توسط فيه، إنّما يمكن التوسط في عدد فرد، فالخمسة اثنان واثنان وواحد بينهما، وأما الستة ثلاثة وثلاثة لا يبقى شيء ستوسط بينهما، فارتفع الطلب المتعلق بالوسطى لزوال الوصف، والطلب لذلك حكم شرعي، فقد ارتفع حكم شرعي، فيكون نسخاً وهذا البحث مبني على أنها سميت وسطى لتوسطها بين عددين، وقيل لتوسطها بين الليل والنهار وهي الصبح، وقيل لتوسطها بين الأعداد الثنائية والرباعية، فتتوسط الثلاثية، فتكون المغرب. على القول الأوّل تكن العصر، لأنها قبلها الصبح والظهر، وبعدها المغرب والعشاء.
والزيادة على العبادة الواحدة ليست نسخاً عند مالك وعند أكثر أصحابه والشافعي، خلافاً للحنفية، وقيل إن نفت الزيادة ما دل عليه المفهوم الذي هو على الخطاب أو الشرط كانت نسخاً وإلا فلا، وقيل إن لم يجز الأصل بعدها فهي نسخ وغلا فلا، فعلى مذهبنا زيادة التغريب على الجلد ليست نسخاً، وكذلك تقييد الرقبة بالأيمان وإباحة قطع السارق في الثانية، والتخيير بين الواجب وغيره، لأن المنع من إقامة الغير مقامه عقلي لا شرعي، وكذلك لو وجب الصوم إلى الشفق.
стр. 316
حجتنا أن الله تعالى إذا أوجب الصلاة ركعتين ركعتين ثم جعلها أربعاً فإن هذه الزيادة لم تبطل وجوب الركعتين الأوليين ولا تنافيهما، وما لا ينافي لا يكون نسخاً.
فإن قلت: التشهد يجب عقيب ركعتين والسلام بآخر ذلك، فبطل ذلك وصار في موضع آخر وهو بعد الأربع، فقد بطل حكم شرعي فيكون نسخاً.
قلت: لا نسلم أن الله تعالى أوجب السلام عقيب الركعتين لكونهما ركعتين بل أوجبه آخر الصلاة كيف كانت ثنائية أو ثلاثية أو رباعية، ولا مدخل للعدد في إيجاب السلام، بل كونه آخر الصلاة فقط، وكون السلام آخر الصلاة لم يبطل، بل هو على حاله فهو لا نسخ.
وهذا السؤال هو مدرك الحنفية، واحتجوا أيضاً بأن الركعتين كانتا مجزئتين والآن هما غير مجزئتين، والإجزاء حكم شرعي فيكون نسخاً، ولأن إباحة الأفعال بعد الركعتين كانت حاصلة مع الزيادة بطلت هذه الإباحة، والإباحة حكم شرعي ارتفع فيكون نسخاً.
والجواب عن الأوّل: أن معنى قولنا هما مجزئتان أنه لم يبق شيء آخر يجب على المكلف، وقولنا لم يجب عليه شيء إشارة إلى عدم التكليف، وعدم التكليف حكم عقلي لا شرعي والحكم العقلي رفعه ليس نسخاً إجماعاً. وعن الثاني: أن إباحة الأفعال بعد الركعتين تابع لكونه ما وجب عليه شيء آخر، وقولنا ما وجب عليه، إشارة إلى نفي الحكم الشرعي، وبراءة الذمة التي هي حكم عقلي، والتابع للعقلي عقلين فلا يكون رفعه نسخاً.
ومثال نفي الزيادة بالشرط أن يقوم صاحب الشرع: إن كانت الغنم سائمة ففيها الزكاة، ثم يقول في الغنم مطلقاً الزكاة، فإن هذا العموم ينفيه مفهوم الشرط المتقدم.
ومثال المفهوم أن يقول: في الغنم السائمة الزكاة، ثم يقول في الغنم الزكاة،
стр. 317
فإن هذا العموم رافع للمفهوم المتقدم فيكون نسخاً، فإنه ما هو ثابت بدليل شرعي وهو الشرط أو المفهوم، وهذا التفريق مبني على أن النفي الأصلي قد تقرر بمفهوم الشرط ومفهوم الصفة، وأن تقرير النفي الأصلي حكم شرعي، وليس كذلك، لأن الله تعالى لو
قال لا أشرع لكم في هذه السنة حكماً ولا أكلفكم بشيء، لم يكن لله تعالى فيه هذه السنة شريعة عملاً بتنصيصه تعالى على ذلك، مع أنه تعالى قد قرر النفي الأصلي، وكذلك لما قرر رفع التكليف عن المجنون والنائم وغيرهما لم يكن ذلك حكماً شرعياً بل إخبار عن عدم الحكم. والجنوح إلى مفهوم الصفة هو قول القاضي عبد الجبار، وهو مع تدقيقه قد فاته هذا الموضع.
ومثال ما لا يجزئ بعد الزيادة أن الصلاة فرضت مثنى مثنى كما جاء في الحديث، فلما زيد في صلاة الحضر ركعتان، بقيت الركعتان الأوليان لا يجزئان بدون هذه الزيادة، ومثال ما يجزئ منفرداً بعد الزيادة زيادة التغريب بعد الجلد؛ فإن الإمام لو اقتصر على الجلد واستفتى بعد ذلك، فقيل له لا بد من التغريب، فإنه لا يحتاج إلى إعادة الجلد مرة أخرى، بخلاف المصلي يحتاج إلى إعادة الجميع، ووجه الفرق على هذا المذهب أن الأصل إذا لم يجز بعد الزيادة اشتد التغيير فكان نسخاً، بخلاف القسم الآخر، التغيير فيه قليل.
وأما عن أصلنا فهذه الصور كلها ليست نسخاً، أما التغريب فلأنه رافع لعدم وجوبه، وعدم الوجوب حكم عقلي، ورافع الحكم العقلي ليس نسخاً. وتقييد الرقبة بالإيمان رافع لعدم لزوم تحصيل الإيمان فيها، وذلك حكم عقلي، وإباحة قطع السارق في الثانية ليست نسخاً، لأنه رافع لعدم الإباحة وهو حكم عقلي فلا يكون نسخاً.
فإن قلت: الآدمي أجزاؤه محرمة مطلقاً، وهذا التحريم حكم شرعي فيكون نسخاً لما رفع.
قلت: لنا هنا مقامان أحدهما أن ندعي أن الأصل في الآدمي وغيره عدم الحكم لا تحريم ولا إباحة؛ لأن الأصل في أجزاء العالم كلها عدم الحكم حتى وردت الشرائع، كما تقرر أنه لا حكم للأشياء قبل الشرائع، فعلى هذا الإباحة
стр. 318
رافعة لعدم الحكم لا للتحريم فلا يكون نسخاً، أو نسلم التحريم، ونقول حكم التحريم بمقتضى آدميته وشرفه من غير نظر إلى الجنايات، وهذا التحريم باق، ولا تنافي بين التحريم له من حيث هو هو، وإباحته من جهة الجنايات، كما أن إباحة الميتة من جهة الاضطرار لا يكون نسخاً للتحريم الثابت لها من حيث هي هي، وإنما يحصل التنافي أن لو أبحناه من حيث هو هو، أو أبحنا الميتة من حيث هي ميتة، وإذا لم يحصل التناقض لا يكون نسخاً فلا يكون إباحة يده مع الجناية نسخاً بل رفعاً لعدم الحكم، فإن أحكام الجناية لم تكن مترتبة، بل صارت مترتبة، وكذلك التخيير بين الواجب وغيره ليس نسخاً لأنه إن قيل لك لمَ لا تتخير بين صلاة الظهر وصدقة درهم؟
نقول لأن البدل لم يشرع، فيشير إلى عدم المشروعية، وعدم المشروعية حكم عقلي، فمتى خير بين واجب وغيره، فقد رفع عدم مشروعية ذلك البدل فقط، ووجوب الصوم إلى الشفق يرفع عدم الوجوب من المغرب إلى الشفق، فهو حكم عقلي، ولهذه التقيرات يتضح لك ما هو نسخ مِمّا ليس بنسخ فتأملها!.
ونقصان العبادة نسخ لما سقط دون الباقي إن لم يتوقف، وإن توقف قال القاضي عبد الجبار هو نسخ في الجزء دون الشرط، واخترا فخر الدين والكرخي عدم النسخ.
مثال نسخ ما لا يتوقف عليه العبادة نسخ الزكاة بالنسبة إلى الصلاة، فإنه لا يكون نسخاً، مثال الجزء ركعة من الصلاة، مثال الشرط الطهارة مع الصلاة.
لنا أن إيجاب ذلك كله يجري مجرى إثبات الحكم للعموم، وكما أن إخراج بعض صور العموم لا يقدح، فكذلك هنا.
احتجوا بأن نسخ هذه الركعة مثلاً يقتضي نفي عدم إجزاء الركعة الباقية، فإنَّها كانت لا تجزئ صارت تجزئ، ويقتضي رفع وجوب تأخير التشهد إلى بعد الركعة المنسوخة، فإنه ما بقي ذلك بعد النسخ، بل يتعجل التشهد عقيب الباقي بعد النسخ، وكانت الركعة الباقية تجزئ إذا فعل معها المنسوخة، والآن وجب علينا إخلاء الصلاة منها، والإجزاء حكم شرعي.
стр. 319
والجواب: أن عدم الإجزاء يرجع إلى إيجاب الركعة الثانية، ونحن قد سلمنا أنه انتسخ، إنّما نتكلم في الركعة الباقية، وأما تأخير التشهد، فالتشهد لم يشرع عقيب ركعتين، ولا ركعة بل آخر الصلاة، وما زال يجب آخر الصلاة، فما حصل نسخ، وكذلك إجزاء الصلاة مع المنسوخة كان تابعاً لوجوبها، ونحن نسلم أن وجوبها نسخ، إنّما النزاع فيما بقي.
الفصل الخامس فيما يعرف به النسخ
يعرف النسخ بالنص على الرفع أو على ثبوت النقيض أو الضد، ويعلم التاريخ بالنص على التأخير أو السنة أو الغزوة أو الهجرة، ويعلم نسبة ذلك إلى زمان الحكم أو برواية من مات قبل رواية الحكم الأخير، قال القاضي عبد الجبار قول الصحابي في الخبرين المتواترين هذا قبل ذلك مقبول، وإن لم يقبل قوله في نسخ المعلوم، كثبوت الإحصان بشهادة اثنين بخلاف الرجم وشهادة النساء في الولادة دون النسب، وقول
الإمام فخر الدين قول الصحابي هذا منسوخ لا يقبل الجواز أن يكون اجتهاداً منه، وقال الكرخي إن قال إذا نسخ ذلك لم يقبل، وإن قال هذا منسوخ قبل لأنه لم يخل للاجتهاد مجالاً فيكون قاطعاً به، وضعفه الإمام.
متى ثبت نقيض الشيء أو ضده انتفى فكان ذلك دليل الرفع، وأما النص على السنة بأن يقول كان هذا التحريم سنة خمس ونعلم أن الإباحة سنة سبع، فتكون الإباحة ناسخة لتأخير تاريخها، وإن قال في غزوة كذا كان ذلك كتعيين السنة، فإن الغزوات معلومة السنين وينظر نسبة ذلك لزمان الحكم فينسخ المتأخر المتقدم وكذلك إذا قال قيل الهجرة أو بعدها، فهو كتعيين السنة أيضاً، ونظير قوله هذا منسوخ فقبل، لأنه لم يخل للاجتهاد مجالاً. قولهم في خبر المرسل، قال بعضهم هو أقوى من المسند، لأنه إذا بين المسند ورجاله فقد جعل لك مجالاً في النظر في عدالتهم، أما إذا سكت عنه فقد التزمه في ذمته فهو أقوى في العدالة ممن لم يلتزم به.
стр. 320
الباب الخامس عشر في الإجماع
وفيه خمسة فصول
الفصل الأول في حقيقته
وهو اتفاق أهل الحل والعقد في هذه الأمة في أمر من الأمور، ونعني بالاتفاق، الاشتراك إما في القول أو الفعل أو الاعتقاد، وبأهل الحل والعقد: المجتهدين في الأحكام الشرعية، وبأمر من الأمور: الشرعيات والعقليات والعرفيات.
قال إمام الحرمين في البرهان لا أثر للإجماع في العقليات، فإن المعتبر فيها الأدلة القاطعة، فإن انتصبت لم يعارضها شقاق ولم يعضدها وفاق، وإنما يعتبر الإجماع في السمعيات، وإذا أجمعوا على فعل نحو أكلهم الطعام دل إجماعهم على إباحته، كما يدل أكله ﵇ على الإباحة، ما لم تقم قرينة دالة على الندب أو الوجوب، فهذا تفضيل حسن.
قال القاضي عبد الوهاب في الملخص: اختلف في انعقاد الإجماع في العقليات فقيل لا يعلم بالإجماع عقلي؛ لأن العلوم العقلية يجب تقديمها على السمعيات التي هي أصل الإجماع.