← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21813

شرح تنقيح الفصول

القرافي

Полный текст (458 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

أن القياس لم يكن حجة إلاّ بالنصوص، فهو فرعها، ولأن المقيس عليه لا بد وأن يكون منصوصاً عليه، فصار القياس فرع النصوص من هذين الوجهين، وأما أن المفرع لا يقدم على أصله فلأنه لو قدم على أصله لأبطل أصله، ولو أبطل أصله لبطل فلا يبطل أصله. والجواب عن هذه النكتة: أن النصوص التي هي أصل القياس غير النص الذي قدم عليه القياس فلا تناقضن فلم يقدم الفرع على أصله بل على غير أصله. وهو إن كان بإلغاء الفارق فهي تنقيح المناط عند الغزالي، أو باستخراج الجامع من الأصل ثم تحقيقه في الفرع فالأول يسمى تخريج المناط والثاني تحقيقه. المناط اسم مكان الإناطة، والإناطة التعليق والإلصاق، قال حسان بن ثابت فيمن هجاه: وأنت زنيم نيط في آل هاشم ... كما نيط خلف الراكب القدح الفرد أي علق، وقال حبيب الطائي: بلاد بها نيطت على تمائمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها أي علقت عليّ الحرور فيها، والعلة ربط بها الحكم وعلق عليها فسميت مناطاً على وجه التشبيه والاستعارة، واختلف الناس في تنقيح المناط فقال الغزالي هو إلغاء الفارق، كما تقول لا فارق بين بيع الصفة وبيع الرؤية إلاّ الرؤية، وهي لا تصلح أن تكون فارقاً متعلقات أغراض البيع، فوجب استواؤهما في الجواز، ولا فارق بين الذكور والإناث في مفهوم الرق (١) وتشطير الحد، فوجب استواؤهما فيه، وقد ورد النص بذلك في أحدهما في قوله تعالى: «فعليهن نصف ما على المحصنات نم العذاب» (٢) ، ولا فارق بين الأمة والعبد في التقويم على معتق الشقص فوجب استواؤهما في ذلك فإن النص إنّما ورد في العبد الذكر خاصة في قوله ﵇: «من أعتق شركاً له في عبد» ونحو ذلك، فهذا قياس يسمى تنقيح المناط على اصطلاح هؤلاء.

стр. 387

وقال الحسكفي في جدله وغيره: تنقيح المناط هو تعيين علة من أوصاف مذكورة، وتخريج المناط هو استخراجها من أوصاف غير مذكورة. مثال الأوّل حديث الأعرابي: «جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ يضرب صدره وينتف شعره فقال هلكت وأهلكت: واقعت أهلي في شهر رمضان فأوجب ﵇ عليه الكفارة» الحديث المشهور فذكر في الحديث كونه أعرابياً، وضرب الصدر ونتف الشعر، وهي لا تصلح للتعليل، وكونه مفسداً للصوم مناسب للكفارة، فعين علة من أوصاف مذكورة. ومثال الثاني: نهيه ﵇ عن بيع البر بالبر إلاّ مثلاً بمثل يداً بيد، ولم يذكر العلة ولا أوصافاً هي مشتملة عليها، فتعين الطعم للعلة أو الكيل أو القوت أو المالية إخراج علة من أوصاف غير مذكورة، فهذا هو تخريج المناط، لأننا أخرجنا العلة من غيب، والأول تنقيح المناط. لأنه تصفية وإزالة لما لا يصلح عما يصلحن وتنقيح الشيء إصلاحه، فهذا اصطلاح مناسب، فتحصل لنا في تنقيح المناط مذهبان، وفي تخريج المناط قولان، وأما تحقيق المناط فهو تحقيق العلة المتفق عليها في الفرع، مثاله أن يتفق على أن العلة في الربا هي القوت الغالب ويختلف في الربا في التين بناء على أنه يقتات غالباً في الأندلس، أو لا نظراً إلى الحجاز وغيره، فهذا تحقيق المناط. ينظر هل هو محقق أم لا بعد الاتفاق عليه. فقد ظهر الفرق بين تخريج المناط وتنقيح الماط، وتحقيق المناط، وهي اصطلاحات لفظية. الفصل الثالث في الدال على العلة وهو ثمانية: النص والإيماء والمناسبة والشبه والدوران السير والطرد وتنقيح المناط. فالأول النص على العلة وهو ظاهر. الثاني الإيماء وهو خمسة: الفاء نحو قوله تعالى: «الزانية والزاني فاجلدوا» (١) وترتيب الحكم

стр. 388

على الوصف نحو ترتيب الكفارة على قوله واقعت أهل في شهر رمضان قال الإمام سواء كان مناسباً أو لم يكن، وسؤاله ﵇ عن وصف المحكوم عليه نحو قوله ﵇: «أينقص الرطب إذا جف» أو تفريق الشارع بين شيئين في الحكم نحو قوله ﵇: «القاتل لا يرث» أور ورود النهي عن فعل يمنع ما تقدم وجوبه. النص على العلة نحو قوله: العلة كذا أو فعلته لأجل كذا، فهذا نص في التعليل والفاء تدخل على المعلوم نحو ما تقدم، فإن الجلد معلول الزنا وتدخل على العلة نحو قوله ﵇: «لا تمسوه (١) بطيب فإنه يبعث يوم القيام محرماً» فالإحرام هو علة المنع من الطيب، ومعنى قول الإمام فخر الدين سواء كان مناسباً أو لم يكن يشير إلى أن المناسبة مستقلة بالدلالة على العلية، وكذلك الترتيب، فإن القائل لو قال أكرم الجهلاء وأهن العلماء أنكر السامعون هذا القول وعابوه، ومدرك الاستقباح أنهم فهموا أنه جعل الجهل علة الإكرام والعلم علة الإهانة، وليس لهم مستند في اعتقاد التعليل إلاّ ترتيب الحكم على الوصف لا المناسبة، فإن المناسبة مفقودة هنا، فدل ذلك على أن الترتيب يدل على العلية وإن فقدت المناسبة، وأما سؤال رسول الله ﷺ عن نقصان الرطب إذا جف لأنه لا يعلم ذلك بل ليعرف به السامعون، ليكون ذلك تنبيهاً على علة المنع، فيكونا لسامع مستحضراً لعلة الحكم حالة وروده عليه، فيكون ذلك أقرب لقبوله الحكم، بخلاف ما إذا غابت العلة عن السامع ربما صعب عليه تلقي الحكم واحتاج لنفسه من المجاهدة ما لا يحتاجها إذا علم العلة وحضرت له، ومعنى التفريق بين الشيئين أن الآية وردت بتوريث الأبناء مطلقاً بقوله تعالى: «يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين» (٢) فلما قال ﵇ «القاتل لا يرث» علم، أن ذلك لأجل علة القتل، مع أن هذا أيضاً فيه ترتيب الحكم على الوصف، ومثال النهي عن الفعل الذي يمنع ما تقدم وجوبه قوله تعالى: «يا ألها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله» (٣) فهذا وجوب للجمعة، فقوله

стр. 389

تعالى بعد ذلك: «وذروا البيع» نهى عن البيع، لأنه يمنع من فعل الجمعة بالتشاغل بالبيع، فيكون هذا إيماء لأن العلة في تحريم البيع هي التشاغل عن الجمعة. والثالث: المناسبة ما تضمن تحصيل مصلحة أو درء مفسدة، فالأول كالغنى علة لوجوب الزكاة، والثاني كالإسكار علة لتحريم الخمر، والمناسب ينقسم إلى ما هو في محل الضرورات، وإلى ما هو في محل الحافجات، وإلى ما هو في محل التتمات، فيقدم الأوّل على الثاني والثاني على الثالث عند التعارض، فالأول نحو الكليات الخمس وهي حفظ النفوس والأديان والأنساب والعقول والأموال قيل والأعراض، والثاني مثل تزويج الولي الصغيرة، فإن النكاح غير ضروري، لكن الحاجة تدعوى إليه في تحصيل الكفؤ لئلا يفوت، والثالث ما كان حثاً على مكارم الأخلاق كتحريم تناول القاذورات وسلب أهلية الشهادات عن الأرقاء ونحو الكتابات ونفقات القرابات، وتقع أوصاف مترددة بين هذه المراتب كقطع الأيدي باليد الواحدة فإن شرعيته ضرورية صوناً للأطراف وإن أمكن أن يقال ليس منه لأنه يحتاج الجاني فيه إلى الاستعانة بالغير وقد يتعذر، ومثال اجتماعها كلها في وصف واحد أن نقطة النفس ضرورية والزوجات حاجية والأقارب تتمة واشتراط العدالة في الشهادة ضروري صوناً للنفوس والأموال وفي الإمامة على الخلاف حاجية لأنها شفاعة، والحاجة داعية لإصلاح حال الشفيع، وفي النكاح تتمة لأن الولي قريب يمنعه طبعه عن الوقوع في العار والسعي في الأضرار، وقيل حاجية على الخلاف، ولا يشترط في الإقرار لقوة الوازع الطبيعي ودفع المشقة عن النفوس مصلحة ولو أفضت إلى خلاف القواعد، وهي ضرورية مؤثرة في الترخيص كالبلد الذي يتعذر فيه العدول. قال ابن أبي زيد في النوادر تقبل شهادة أمثلهم حالاً لأنها ضرورة، وكذلك يلزم في القضاة وولاة الأمور، وحاجية على الخلاف في الأوصياء في عدم اشتراط العدالة وتمامية في السلم والمساقاة وبيع الغائب، فإن في منعها مشقة على الناس وهي من تتمات معاشهم.

стр. 390

الكليات الخمس: حكى الغزالي وغيره إجماع الملل على اعتبارها، وأن الله تعالى ما أباح النفوس ولا شيئاً من الخمس المتقدمة في ملة من الملل، وأن المسكرات حرام في جميع الملل وإن وقع الخلاف في اليسير الذي لا يسكر، ففي الإسلام هو حرام، وفي الشرائع المتقدمة حلال، أما القدر المسكر فحرام إجماعاً من الملل، واختلف العلماء، في عددها، فبعضهم يقول الأديان عوض الأعراض، وبعضهم يذكر الأعراض ولا يذكر الأديان وفي التحقيق الكل متفق على تحريمه فما أباح الله تعالى العرض بالقذف والسباب قط، وكذلك لم يبح الأموال بالسرقة والغضب، ولا الأنصاب بإباحة الزنا قط، ولا العقول بإباحة المسكرات، ولا النفوس والأعضاء بإباحة القطع والقتل، ولا الأديان بإباحة الكفر وانتهاك حرم المحرمات، وجعلهم الكتابات تتمة لأنها عون على حصول العتق وإزالة الرق عن البشرية المكرمة من بني آدم، فهو من مكارم الأخلاق وتتمات المصالح، وكذلك نفقات الأقارب من تتمات مكارم الأخلاق. وقوله إن العدالة شرط في الولي على الخلاف إشارة إلى ما وقع في الفقه في الولي إذا كان فاسقاً هل تسقط ولايته بفسقه أم لا؟ قولان في مذهب مالك، والمشهور عدم سلبها اكتفاءً بالوازع الطبيعي عن العدالة، وعدم اشتراط العدالة في الإقرار، فيقبل إقرا البر والفاجر، لأنه إلزام لنفسه ومضربهان ولا يقع الإقرار إلاّ كذلك، وإلا كان دعوى أو شهادة، والوازع الطبيعي يمنع ن الإضرار بغير موجب، فما أقر إلاّ والمقر به حق فيقبل منه، وإن كان فاجراً أو كافراً من غير خلاف بين الأمة. وقولي في الأوصياء: حاجية معناه أن الناس قد يحتاجون إلى أن يوصوا لغير العدول وفيه خلاف، ومذهب مالك يشترط فيه أن يكون مستور الحال، وعلى القول بعدم اشتراط العدالة مع أنها ولاية، والولاية لا بد فيها من العدالة، فقد خالفنا القواعد في عدم اشتراط العدالة في الأوصياء، دفعاً للشقة الناشئة من الحيلولة بين الإنسان وبين من يريد أن يعتمد عليه، وكذلك خولفت القواعد في السلم والمساقاة وبيع الغائب والجعالة والمضاربة والمغارسة والصيد وغير ذلك فيما فيه جهالة في الأجرة وغرر، وأما الصيد فلبقاء الفضلات وعدم تسهيل الموت على الحيوانات، فقد خولفت القواعد لتتمة المعاش، فإن من الناس

стр. 391

من يحتاج في معاشه إلى أحد هذه الأمور، فجعلت شرعاً عاماً لعدم الانضباط في مقادير الحاجات. وهذه الرتب يظهر أثرها عند تعارض الأقيسة، فيقدم الضروري عل الحاجي، والحاجي على التتمة. وهو أيضاً ينقسم إلى ما اعتبره الشرع، وإلى ما ألغاه، وإلى ما جهل حاله. والأول ينقسم إلى ما اعتبر نوعه في نوع الحكم كاعتبار نوع الإسكار في نوع التحريم، وإلى ما اعتبر جنسه في جنسه كالتعليل بمطلق المصلحة كإقامة الشرب مقام القذف لأنه مظنته، وإلى ما اعتبر نوعه في جنسه كاعتبار الأخوة في التقديم في الميراث، فتقدم في النكاح، وإلى ما اعتبر جنسه في نوع الحكم كإسقاط الصلاة عن الحائض بالمشقة فإن المشقة جنس وهو أي الإسقاط نوع من الرخص، فتأثير النوع في النوع مقدم على تأثير النوع في الجنس وتأثير النوع في الجنس مقدم على تأثير الجنس في النوع وهو مقدم على تأثير الجنس في الجنس، والملغى نحو المنع من زراعة العنب خشية الخمر، والذي جهل أمره هو المصلحة المرسلة التي نحن نقول بها، وعند التحقيق هي عامة في المذاهب. الحكم أعم أجناسه كونه حكماً، وأخص منه كونه طلباً أو تخبيراً وأخص منه كونه تحريماً أو إيجاباً، وأخص منه كونه تحريم الخمر أو إيجاب الصلاة، وأعم أحوا الوصف كونه وصفاً، وأخص منه كونه مناسباً وأخص من المناسب كونه معتبراً، وأخص منه كونه مشقة أو مصلحة أو مفسدة خاصة، ثم أخص من ذلك كون تلك المفسدة في محل الضرورات أو الحاجات أو التتمات، فهذا الطريق يظهر الأجناس العالية والمتوسطة والأنواع السافلة للأحكام والأوصاف من المناسب وغيره، فالإسكار نوع من المفسدة، والمفسدة جنس له. ويحكى عن علي ﵁ أنه قال لما سئل عن حد شارب الخمر إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى فأرى عليه حد المفتري. فأخذ علي ﵁ مطلق المناسبة، ومطلق المظنة. والأخوة نوع من الأوصاف، والتقدم في الميراث نوع من الأحكام فهو نوع في نوع، وكذلك التقدم في النكاح أو صلاة

стр. 392

الجنازة نوع من الأحكام، فيقاس أحد النوعين على الآخر، وجعلت المشقة جنساً لأنها متنوعة إلى مشقة قضاء الصلاة ومشقة الصوم ومشقة القيام في الصلاة وغير ذلك من أنواع المشاق، فمطلق المشقة جنس، وهو نوع باعتبار الوصف المصلحي أو المناسب، وإسقاط الصلاة عن الحائض نوع من الأحكام، والإسقاطات والرخص بتأثير النوع في النوع مقدم على الجميع؛ لأن الخصوصين قد حصلا فيه: خصوص الوصف وخصوص الحكم، والأخص بالشيء مقدم على الأعم، ولذلك قدمت البنوة في الميراث على الأخوة، والأخوة على العمومة وكذلك قدم ليس النجس على الحرير، فمنع في الصلاة لأنه أخص بالصلاة من الحرير ولأن تحريم الحرير لا يختص بالصلاة فكان تحريم النجس أقوى منه لأنه مختص بها، وكذلك إذا لم يجد المحرم إلاّ ميتة وصيداً أكل الميتة دون الصيد، لأن تحريم الصيد خاص بالإحرام. والقاعدة أن الأخص أبداً مقدم، فكما أن النوع في النوع أخص الجميع، فالجنس في الجنس أعم الجميع، والمنقول أن النوع في الجنس والجنس في النوع متساويان متعارضان مقدمان على الرابع لوجود الخصوص فيهما من حيث الجملة، والذي في الأصل ما أرى نقله إلاّ سهواً، وأما المصلحة المرسلة فالمنقول أنها خاصة بنا، وإذا افتقدت المذاهب وجدتهم إذا قاسوا وجمعوا وفرقوا بين المسألتين لا يطلبون شاهداً بالاعتبار لذلك المعنى الذي به جمعوا وفرقوا، بل يكتفون بمطلق المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة، فهي حينئذ في جميع المذاهب. ومن المعلوم أن المصلحة المرسلة أخص من مطلق المناسبة ومطلق المصلحة، لأن مطلق المصلحة قد يلغى كما تقدم في زراعة العنب، فإن المناسبة تقتضي أن لا يزرع سداً لذريعة الخمر، لكن أجمع المسلمون على إلغاء ذلك، وكذلك المنع من التجاور في البيوت خشية الزنا فإنه مناسب، لكن أجمع المسلمون على جواز المجاورة بالنساء في الدور الجامعة وإلغاء هذا المناسب، فالمناسب حينئذ أعم من المرسلة، لأن المرسلة مصلحة يفيد السكوت عنها فهي أخص. الرابع: الشبه قال القاضي أبو بكر هو الوصف الذي لا يناسب لذاته ويستلزم المناسب لذاته، وقد شهد الشرع لتأثير جنسه القريب في جنس

стр. 393

الحكم القريب، والشبه يقع في الحكم كمشابهة العبد المقتول بالحر، أو شبهه بسائر المملوكات. وعند ابن علية يقع الشبه في الصورة كرد الجلسة الثانية إلى الأولى في الحكم، وعند الإمام التسوية بين الأمرين إذا غلب على الظن أنه مستلزم للحكم، وهو ليس بحجة عند القاضي منا. مثال الشبه عند القاضي: قولنا في الخل مائع لا تبنى القنطرة على جنسه فلا تزال به النجاسة كالدهن؛ فقولنا لا تبنى القنطرة على جنسه ليس مناسباً في ذاته، غير أنه مستلزم للمناسب، فإن العادة أن القنطرة لا تبنى على الأشياء القليلة بل على الكثيرة: كالأنهار، والقلة مناسبة لعدم مشروعية المتصف بها من المائعات للطهارة العامة، فإن الشرع العام يقتضي أن تكون أسبابه عامة الوجود. أما تكاليف الكل بما لا يجده إلاّ البعض فبعيد عن القواعد، فصار قولنا لا تبنى القنطرة على جنسه ليس بمناسب، وهو مستلزم للمناسب، وقد شهد الشرع بجنس القلة والتعذر في عدم مشروعية الطهارة، بدليل أن الماء إذا قل واشتدت إليه الحاجة فإنه يسقط الأمر به، ويتوجه التيمم. قال القاضي أبو بكر في هذا التقسيم: الوصف إن كان مناسباً بذاته فهو المناسب، وإن لم يكن مناسباً في ذاته فلا يخلو ما إن يكون مستلزماً للمناسب أو لا. الأوّل الشبه، والثاني الطردي الملغى إجماعاً والعبد المقتول فيه كونه مملوكاً والملك حكم شرعي، وكونه آدمياً، وهذا وصف حقيقي لا حكم شرعي، فقد حصل فيه الشبهان، فمن غلب شبه الحكم الشرعي وهو مالك والشافعي أوجب فيه قيمته بالغة ما بلغتن وإن زادت على دية الحر، ومن لاحظ شبه الحر وهو الآدمية لم يوجب فيه الزيادة على دية الحر وهو أبو حنيفة وابن علية أوجب الجلسة الأولى قياساً على الثانية في الوجوب بجامع أنها جلسة، وهذا شبه صوري لا حكم شرعي. قال الإمام فخر الدين: إذا غلب على الظن أن شيئاً من هذه الشبهات علة الحكم ومستلزمه له شرعاً جعلناه علة كان صورة أو حكماً أو غير ذلك عملاً بموجب الظن.

стр. 394

حجة القاضي: أن الشبه ليس بحجة لأن الدليل ينفي العمل بالظن مطلقاً لقوله تعالى: «إن الظن لا يغني من الحق شيئاً» (١) خالفناه في قياس المناسبة، فبقي قياس الشبه على موجب الدليل، ولأن الصحابة إنّما أجمعت على المناسب. أما الشبه فلا نوجب أن يكون حجة. جوابه: أنه معارض لقوله تعالى: «فاعتبروا» لقوله ﵇: «نحن نحكم بالظاهر» وهو يفيد الظن فوجب أن يندرج في عموم النص، ولأنه مندرج في عموم قول معاذ بن جبل أجتهد رأيي، وهذا نوع من الاجتهاد. الخامس: الدوران، وهو عبارة عن اقتران ثبوت الحكم مع ثبوت الوصف وعدمه مع عدمه، وفيه خلاف، والأكثرون من أصحابنا وغيرهم يقول بكونه حجة. مثاله: العنب حين كونه عصيراً ليس بمسكر ولا حرام، فقد اقترن العدم بالعدم، وإذا صار مسكراً صار حراماً، فقد اقترن الثبوت بالثبوت، فإذا تخلل لم يكن مسكراً ولا حراماً، فقد اقترن العدم بالعدم. فهذا هو الدوران في صورة واحدة وهي الخمر، وقد يقع في صورتين وهو دون الأوّل. مثاله: أن يدعى وجوب الزكاة في الحلي المتخذ لاستعمال مباح، فنقول الموجب لوجوب الزكاة في النقدين كونهما أحد الحجرين؛ لأن وجوب الزكاة دار مع كونه أحد الحجرين، وجوداً وعدماً، أما وجوداً ففي المسكوك هو أحد الحجرين والزكاة واجبة فيه، وأما عدماً فالعقار ليس أحد الحجرين ولا تجب الزكاة فيه، وإنما رجحت الصورة الأولى على هذه، لأن انتفاء الحكم بعد ثبوته في الصورة المعينة يقتضي أنه لم يبق معه ما يقتضيه في تلك الصورة وإلا لثبت فيها. أما إذا انتفى من صورة أخرى غير صورة الثبوت أمكن أن يقال إن موجب الحكم غير الوصف المدعى علة، أما ما ذكرتموه من الوصف لو فرض انتفاؤه لثبت الحكم بذلك الوصف الآخر، فما تعين عدم اعتبار غيره، بخلاف الصورة الواحدة.

стр. 395

حجة أن الدوران دليل العلية أن اقتران الوجود بالوجود والعدم بالعدم يغلب على الظن أن المدار علية الدائر، بل قد يحصل القطع بذلك، لأن من ناديناه باسم فغضب ثم سكتنا عنه فزال غضبه ثم ناديناه به فغضب كذلك مراراً كثيرة، حصل الظن الغالب بأن علة غضبه إنّما هو ذلك الاسم الذي ناديناه به. ولذلك جزم الأطباء بالأدوية المسهلة والقابضة وجميع ما يعطونه من المبردات وغيرها بسبب وجود تلك الآثار عند وجود تلك العقاقير وعدمها عند عدمها، فالدوران أصل كبير في أمور الدنيا والآخرة، فإذا وجد بين الوصف والحكم جزمنا بعلية الوصف للحكم، أو نقول بعض الدوران حجة قطعاً كدوران قطع الرأس مع الموت في مجرى العادات، فوجب أن يكون جميع الدورانات حجة لقوله تعالى: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان» (١) والعدل التسوية، وعدم الاختلاف إحسان للخلق بتوفر خواطرهم عن الفحص عن الفكرة في مدارك الفروق. حجة المنع: أن بعض الدورانات ليس بحجة، فوجب أن يكون الجميع ليس بحجة إلاّ ما أجمعنا عليه، أما أن بعض الدورانات ليس بحجة، فإن الجوهر والعرض دائران كلّ واحد منهما مع الآخر وليس أحدهما علة للآخر، والحكم دائر مع شرطه وجزء علته، وليس أحدهما علة للآخر، وحركات الأفلاك دائرة مع الكواكب وليس أحدهما علة للآخر. وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون فيها شيء حجة، فلأنه لو كان حجة للزم النقض بذلك البعض الآخر والنقض خلاف الدليل. والجواب: أنا لا ندعي أن الدوران حجة إلاّ بوصف كونه لا نقطع بعدم عليه، والدوران الموصوف بهذه الصفة لم يوجد في صورة النقض فلا يتجه النقض، لأن من شرط النقض وجود الموجب بجميع صفاتهن وإن لم يوجد فلا نقض، فاندفع السؤال. السادس: السبر والتقييم. وهو أن يقول إما أن يكون الحكم معللاً بكذا أو بكذا والكل باطل إلاّ كذا فيتعين.

стр. 396

السبر معناه في اللغة الاختبار ومنه سمي ما يختبر به طول الجرح وعرضه مسباراً، وتقول العرب هذه القضية يسبر بها غور العقل: أي يختبر. والأصل أن نقول التقسيم والسبر، لأنا نقسم أولاً ثم نقول في معرض الاختبار لتلك الأوصاف الحاصلة في التقسيم هذا لا يصلح وهذا لا يصلح فتعين هذا، فالاختبار واقع بعد التقسيم، لكن التقسيم لما كان وسيلة للاختبار والاختبار هو المقصد. وقاعدة العرب تقديم الأهم والأفضل، قدم السبر لأنه المقصد الأهم، وأخر التقسيم لأنه وسيلة أخفض رتبة من المقصد، وهذه الطريقة مفيدة للعلة لأن الحكم مهما أمكن أن يكون معللاً لا يجعل تعبداً، وإذا أمكن إضافته للمناسب فلا يضاف لغير المناسب، ولم نجد مناسباً إلاّ ما بقي بعد السبر، فوجب كونه علة بهذه القواعد. السابع: الطرد وهو عبارة عن اقتران الحكم بسائر صور الوصف، فليس مناسباً ولا مستلزم للمناسب، وفيه خلاف. لأنه متى كان مناسباً كان ذلك طريقاً آخر غير الطرد، ونحن نقصد أن نثبت طريقاً آخر غير المناسبة، وكذلك لا يكون مستلزماً للمناسب، إذ لو كان مستلزماً للمناسب لكان هو الشبه، ونحن نقصد طريقاً غير الشبه. فمجرد الاقتران هو طريق مستقل على الخلاف. حجة الجواز: أن الحكم لا بد له من علة وليس غير هذا الوصف عملاً بالأصل فتعين هذا الوصف نفياً للتعبد بحسب الإمكان، ولأن الاقتران بجميع الصور مع انتفاء ما يصلح للتعليل غير المقترن يغلب على الظن عليه ذلك المقترن والعمل بالراجح متعين. حجة المنع: أن الأصل لا يعتبر في الشرائع إلاّ المصالح أو درء المفاسد، فما لم يعلم فيه تحصيل مصلحة ولا درء مفسدة وجب أن لا يعتبر، ولأن الصحابة رضوان الله عليهم إنّما نقل عنهم العمل بالمناسب، أما غير المناسب فلا، فوجب بقاؤه على الأصل في عدم الاعتبار. الثامن: تنقيح المناط، وهو إلغاء الفارق فيشتركان في الحكم.

стр. 397

قد تقدم الخلاف في موضوع تنقيح المناط ماذا هل هو إلغاء الفارق أو تعيين العلة من أوصاف مذكورة؟ والدليل على أنه حجة بهذا التفسير أن الأصل في كلّ مثلين أن يكون حكمهما واحداً فإذا استوى صورتان ولم يوجد بينهما فارق فالظن القويّ القريب من القطع أنهما مستويان في الحكم، ونجد في أنفسنا نم اعتقاد الاستواء في الحكم هنا أكثر مِمّا نجده في الطرد والشبه، والعلم بهذا التفاوت ضروري عند من سلك مسالك الاعتبار والنظر، فوجب كونه دليلاً على علية المشترك على سبيل الإجمال، وإن كنا لا نعنيه، بل نجزم بأن ما اشتركا فيه هو موجب العلة. الفصل الرابع في الدال على عدم اعتبار العلة وهو خمسة: الأوّل النقض وهو وجود الوصف بدون الحكم، وفيه أربعة مذاهب: ثالثها إن وجد المانع في صورة النقض فلا يقدح، وإلا قدح، رابعها إن نص عليها لم يقدح وإلا قدح. النقض قد يكون على العلة وعلى الحد وعلى الدليل، فوجود الحد بدون المحدود نقض عليه، ووجود الدليل بدون المدلول نقض عليه، والألفاظ اللغوية كلها أدلة، فمتى وجد لفظ بدون مسماه لغة فهو نقض عليه. ويجمع الثلاثة أن تقول في حده: وجود المستلزم بدون المستلزم. حجة المنع مطلقاً: أن الوصف لو كان علة لثبت الحكم معه في جميع صوره عملاً به ولم يثبت معه في جميع صوره فلا يكون علة، ولان الوصف من حيث هو هو إما أن يكون مستلزماً للعلة أو لا يكون، فإن كان يلزم وجود الحكم معه في جميع صوره، وإن لم يكن كان الوصف وحده ليس بعلة حتى ينضاف إليه غيره والمقدر أنه علة، وهذا خلف. حجة الجواز مطلقاً: أن الموجب للعلية هو المناسبة فالمناسبة تقتضي أنها حيث

стр. 398

وجدت ترتب الحكم معها وقد وجد فيما عدا صورة النقض فوجب ثبوت الحكم معها وإن لم يوجد معها في صورة النقض فتكون العلة كالعام المخصوص إذا خرجت عنه بعض الصور بقي حجة فيما عدا صورة التخصيص، سواء عمل بموجب التخصيص أم لا، كذلك هنا. فإن تناول المناسبة لجميع الصور كتناول الدلالة اللغوية لجميع الصور، فهو في الحقيقة تخصيص، ولذلك يقول كثير من الأصوليين والجدليين في النقض: إنه تخصيص للعلة، وهذا هو المذهب المشهور. حجة الثالث: أن الفرق إذا وجد في صورة النقض كان ذلك الفارق مانعاً من ثبوت الحكم مع العلة في صورة النقض، فكانا لعذر منتهضاً في دم ثبوته في صورة النقض، أما إذا لم يوجد فارق كان عدم الحكم في صورة النقض مضافاً لعدم علية الوصف لا لقيام المانع، فلا يكون الوصف علة. حجة الرابع: أن الوصف إذا نص على كونه علة تعين الانقياد لنص صاحب الشرع وهو أعلم بالمصالح، ولا عبرة بالنقض مع نص صاحب الشريعة بل النص مقدم، أما إذا لم يوجد نص تعين أن الوصف ليس بعلة، لأنه لو كان علة لثبت الحكم معه في جميع صوره وليس فليس. وجوب النقض إما بمنع وجود الوصف في صورة النقض أو بالتزام الحكم فيها. لما كان النقض لا يتم إلاّ بأمرين أحدهما وجود الوصف في صورة النقض والثاني عدم الحكم فيها، كان انتفاء أحد هذين يمنع تحقق النقض فإنه إذا لم يوجد الوصف لا يقال وجد الوصف بدون الحكم، وكذلك إذا وجد الحكم فلك منع وجود الوصف في صورة النقض بأن يعتبر بعض قيود العلة فلا نجده في صورة النقض، والمورد للنقض يحيل أنه موجود فيمنعه حينئذ، مثال قولك في الوقف: عقد نقل، فوجب أن يفتقر للقبول قياساً على البيع. فيقول السائل: يشكل بالعتق، فنقول له لا نسلم أن العتق نقل بل هو إسقاط كالطلاق، والإسقاط لا يقتقر للقبول بخلاف النقل والتمليك ولك منع عدم الحكم في صورة النقض بناء على أحد القولين عندك في مذهبك بناءً على الخلاف من حيث الجملة.

стр. 399

الثاني: عدم التأثير وهو أن يكون الحكم موجوداً مع وصف، ثم يعدم ذلك الوصف ويبقى الحكم، فيقدح، بخلاف العكس وهو وجود الحكم بدون الوصف في صورة أخرى فلا يقدح، لأن العلل الشرعية يخلف بعضها بعضاً. مثال عدم التأثير: أن تحريم الخمر ثابت مع اللون الخاص للخمر، فإذا تغيرت إلى لون آخر فالتحريم باق، فيعلم أن علة التحريم ليس هو ذلك اللون، والعكس هو عكس النقيض، فإن النقض وجود العلة بدون الحكم والعكس وجود الحكم بدون العلة. مثال النقض تعليل الزكاة بالغنى، فينقض بالعقار الذي فيه الأجرة العظيمة والمنافع الجزيلة مع عدم وجوب الزكاة فيه، فهذا نقض، لأنه وجود العلة التي هي الغنى بدون الحكم الذي هو وجوب الزكاة. ومثال العكس: تعليل الحد بجناية القذف، فينقض بشرب الخمر أو بغيره فلا يرد، لأن علل الشريعة يخلف بعضها بعضاً، وكما لو قال قائل: الإنزال سبب وجوب الغسل فينتقض بانقطاع دم الحيض، فإن الغسل واجب ولا إنزال، ولا يرد هذا السؤال، لأن الأسباب يخلف بعضها بعضاً وكذلك الأسباب والأدلة. قال الشيخ سيف الدين الآمدي ﵀: يرد سؤال النقض ولا يرد سؤالا لعكس، إلاّ أن يتفق المناظر أن على اتحاد العلة فيرد النقض والعكس، وكثيراً ما تغلط طلبة العلم في إيراد العكس فيوردونه كما يوردون النقض، وهو غلط كما بينت لك. فقد ظهر الفرق بين النقض والعكس وعدم التأثير، فتأمل ذلك. الثالث: القلب وهو إثبات النقيض الحكم بعين العلة كقولنا في الاعتكاف لبث في مكان مخصوص، فلا يستقل بنفسه كالوقوف بعرفة، فيكون الصوم شرطاً فيه، فيقول السائل لبث في مكان مخصوص فلا يكون الصوم شرطاً فيه كالوقوف بعرفة، وهو إما أن يقصد به إثبات مذهب السائل أو إبطال مذهب المستدل فالأول كما سبق، والثاني كما يقول الحنفي ألمح ركن من أركان الوضوء فلا يكفي فيه أقل ما يمكن أصله الوجه، فيقول الشافعي ركن من أركان الوضوء فلا يقدر بالربع أصله الوجه. القلب: يبطل العلة من جهة أنه معارضة في أنها موجبة لذلك الحكم. فإذا

стр. 400

أثبت بها القالب نقيض ذلك الحكم في صورة النزاع استحال إيجابها لذلك الحكم في صورة النزاع، وإلا اجتمع النقيضان في صورة النزاع وهو محال. ومعنى قوله فيكون الصوم شرطاً فيه: معناه أنه إذا لم يستقل بنفسه، وكل من قال إن الاعتكاف لا يستقل بنفسه قال الذي يضاف إليه هو الصوم، فالمقدمة الأولى ثابتة بقياس القلب، والثانية ثابتة بالإجماع، من باب لا قائل بغير ذلك، فلو ثبت أن المضاف غير الصوم لزم خلاف الإجماع. وأما قول الحنفي: ركن من أركان الوضوء فلا يكفي فيه أقل ما يمكن أصله الوجه، هو الاستدلال على الشافعي لأنه القائل يكفي في الرأس أقل ما يسمى مسحاً فيبطل بهذا القلب مذهب الشافعي ولا يثبت مذهب الحنفي في إيجاب مسح الربع من الرأس، بل جاز أن يكون الواقع مذهب مالك وهو إيجاب الجميع، ولا يكفي أقل ما يمكن من المسح. وكذلك قول الشافعي لما قلب فلا يقدر بالربع أصله الوجه، لا يلزم من عدم تمثيله بالربع الاكتفاء بأقل ما يمكن، بل جاز أن يكون الواجب مسح الجميع، فليس في هذا القلب إثبات مذهب القالب، بل إبطال مذهب المستدل فقط. الرابع: القول بالموجب وهو تسليم ما ادعاه المستدل موجب علته مع بقاء الخلاف في صورة النزاع. أقول بالموجب يدخل في العلل والنصوص وجميع ما يستدل به، ومعناه الذي يقتضيه ذلك الدليل ليس هو المتنازع فيه، وإذا لم يكن المتنازع فيه أمكن تسليمه واستبقاء الخلاف على حاله في صورة النزاع. مثاله في العلل: قولا لقائل الخيل حيوان يسبق عليه فتجب فيه الزكاة كالإبل: فإن الخيل يسابق عليها كالإبل، يقولا لسائل أقول بموجب هذه العلة، فإن الزكاة عندي واجبة في الخيل إذا كانت للتجارة، فإيجاب الزكاة من حيث الجملة أقول به، إنّما النزاع في إيجاب الزكاة في رقابها من حيث هي خيل، فيسلم ما اقتضته العلة، ولم يضره ذلك في صورة النزاع. ومثاله في النصوص: قول المستدل إن المحرم لا يُغسل ولا يمس بطيب، لقوله ﷺ في محرم وقصت به ناقته: «لا تمسوه بطيب فإنه يبعث يوم

стр. 401

القيامة ملبياً» يقول السائل النزاع ليس في ذلك المحرم الذي ورد فيه النص، وإنما النزاع في المحرمين في زماننا، والنص ليس فيه عموم يتناولهم، إنّما هو في شخص مخصوص فلا يضرنا التزام موجبه، وكذلك لو استدل بعضهم على وجوب الزكاة بصورة الإخلاص، فإنا نقول بموجبها الذي هو التوحيد، ولا يلزم من ذلك وجوب الزكاة في صورة النزاع. الخامس: الفرق وهو إبداء معنى مناسب للحكم في إحدى الصورتين مفقود في الأخرى، وقدحه مبني على أن الحكم لا يعلل بعلتين، لاحتمال أن يكون الفارق أحدهما، فلا يلزم من عدمه عدم الحكم، لاستقلال الحكم بإحدى العلتين. قولنا: مناسب احتراز من غير المناسب، وقد يكون الشيء لحكم غير الحكم المتنازع فيه. مثال غير المناسب: أن نقيس الأرز على البر في حكم الربا، فيقول السائل الفرق بينهما أن الأرز أشد بياضاً أو أيسر تقشيراً من سنبله. مثال المناسب لغير الحكم المذكور: أن نقيس المساقاة على القراض في جواز المعاملة على جزء مجهول، فيقول السائل: الفرق أن الشجر إذا ترك العمل فيها هلكت بخلاف النقدين، وهذا مناسب لأن يكون عقد المساقاة لازماً جائزاً بخلاف القراض، فإن القول بجوازه يؤدي إلى جواز رده بعد مدة، فيتلف الشجر، أما باعتبار الغرر فلا مدخل لمناسبة هذا الفرق فيه. مثال المناسب للحكم المذكور أن تقيس الهبة على البيع في منع الغرر فيها، فيقول المالكي الفرق أن البيع عقد معاوضة، والمعاوضة مكايسة يخل بها الغرر، والهبة إحسان صرف لا يخل به الغرر، فإن لم يحصل شيء فلا يتضرر الموهوب له، بخلاف المشتري. قال الإمام فخر الدين: وقدحه في القياس مبني على أن الحكم لا يعلل بعلتين، فإن شأن تعليل الحكم بعلتين أن انفراد أحدهما يوجب ثبوت الحكم وعدم الأخرى لا يضر، كما يقول في تعليل إجبار الأب إنه معلل بالصغر والبكارة، فإن

стр. 402

انفردت إحدى العلتين وهي البكارة ثبت الجبر كالمعنسة عل الخلاف، أو الصغر ثبت الجبر كالثيب الصغيرة، أو اجتمعا معاً ثبت الجبر كالبكر الصغيرة، فإذا ورد السائل الفرق يقول القائس: فرقك معنى مناسب هو علة أخرى في الأصل مع المشترك بين صورة الأصل وصورة النزاع، وقد اجتمعنا معاً في الأصل، فترتب الحكم وانفرد المشترك في صورة النزاع وهو إحدى العلتين، فترتب الحكم عليه، ولا يضر عدم الفارق في صورة النزاع، لأن عدم إحدى العلتين لا يمنع ترتب الحكم، فلذلك قال إن سماع الفرق مبني على أن الحكم لا يعلل بعلتين. غير أن هنا إشكالاً وهو أن الجمهور على جواز تعليل الحكم بعلتين، والجمهور على سماع الفرق فيبطل قوله إن سماع الفرق ينافي تعليل الحكم بعلتين. والجواب: أن الفرق قد يصلح للاستقلال بالعلية، كما نقول في الصغر مع البكارة، وقد لا يصلح للاستقلال، كما يفرق بزيادة المشقة ومزيد الغرر من باب صفة الصفة التي لا تصلح للتعليل المستقل، فما لا يصلح للاستقلال يمكن أن يسمع مع جواز التعليل بعلتين لأن قول السائل السابق حينئذ لا يتجه وهو الذي قال به الجمهور، وما يصلح للاستقلال لا يمكن إيراده إذا جوزنا التعليل بعلتين، فهذا تلخيص هذا الموضع. الفصل الخامس في تعدد العلل يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين منصوصتين خلافاً لبعضهم نحو وجوب الوضوء على من بال ولامس ولا يجوز بمستنبطتين لأن الأصل عدم الاستقلال فيجعلان علة واحدة. حجة الجواز في المنصوصتين: أن لصاحب الشرع أن يربط الحكم بعلة وبغير علة ووبعلتين فأكثر، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ثم إن المصالح قد تتقاضى ذلك في وصفين كما قلنا في الصغر والبكارة، فينص الشرع عليهمان وعلى استقلال كلّ واحد منهما تحصيلاً لتلك المصلحة، وتكثيراً لها. حجة المنع: أنه لو علل بعلتين لاجتمع على الأثر الواحد مؤثران مستقلان وهو محال، وإلا لاستغنى بكل واحد منهما على كلّ واحد منهما فيلزم،

стр. 403

أن يقع بهما في حالة عدم وقوعه بهما، وأن لا يقع بهما حالة وقوعه بهما، وهو جمع بين النقيضين، لأن الوقوع بكل واحد منهما سبب عدم الوقوع من الآخر فلو حصل العلتان وهو الوقوع بهما لحصل المعلولان وهو عدم الوقوع بهما، ولأن تعليل الحكم بعلتين يفضي غلى نقض العلة وهو خلاف الأصل. بيانه: أنه إذا وجدت إحدى العلتين ترتب عليها الحكم، فإذا وجدت الأخرى بعدها لا يترتب عليها شيء، فقد وجدت العلة الثانية بدون الترتيب لتقدم الترتيب عليها بناءً على العلة الأخرى، فيلزم وجود العلة بدون وجود مقتضاها، وهو نقض عليها. والجواب: عن الأول (١) أن علل الشرع معرفات لا مؤثرات، والمحال المذكور إنما يلزم من المؤثرات، ويجوز اجتماع معرفين فأكثر على مدلول واحد كما يعرف الله تعالى وصفاته العلية بكل جزء من أجزاء العالم. وعن الثاني: أن النقض لقيام المانع لا يقدم في العلة كما تقدم في النقض فيقول به، هذا في المنصوصتين، أما المستنبطتان فلا سبيل إلى التعليل بهما، لأن الشرع إذا ورد بحكم مع أوصاف مناسبة وجب جعل كل واحد منهما جزء علة لا علة مستقلة، لأن الأصل عدم الاستقلال حتى ينص صاحب الشرع على استقلالهما، أو أحدهما فيستقل. الفصل السادس في أنواعها وهي أحد عشر نوعاً الأول التعليل بالمحل فيه خلاف، قال الإمام فخر الدين إن جوزنا أن تكون العلة قاصرة جوزناه كتعليل الخمر بكون خمراً أو البر يحرم الربا فيه لكونه براً. والعلة القاصرة هي العلة التي لا توجد في غير محل النص، كوصف البر والخمر إذا قلنا إن الخمر خاص بما عصر من العنب على صورة خاصة، والخلاف

стр. 404

في العلة القاصرة هو مع الحنفية منعوها وأجازها الجمهور، غير أن الفرق بين المحل والعلة القاصرة من حيث الصورة والمعنى لا من حيث جواز التعليل أن العلة القاصرة قد تكون وصفاً اشتمل عليه محل النصر لم يوضع اللفظ له، والمحل ما وضع اللفظ له، كوصف البرية مثلاً إذا قيل إن البر اشتمل على نوع من الحرارة والرطوبة لاسم به مزاج الإنسان ملاءمة لا تحصل بين الإنسان والأرز، فإن الأرز حار يابس يبساً شديداً ينافي مزاج الإنسان، فحرم الربا في البر، ومنع بدل واحد منه باثنين لأجل هذه الملاءمة الخاصة التي لا توجد في غير البر، فهذا علة قاصرة لا محل، وأما وصف البرية بما هي برية فهو المحل، فلذلك حسن من الإمام تخريج التعليل بالمحل على التعليل بالعلة القاصرة، ولو كان شيئاً واحداً لم يحسن التخريج ولا التفريع، إذا ظهر لك الفرق بينهما فكل ما يذكر في العلة القاصرة من الحجاج بين الفريقين نفياً وإثباتاً فهو بعينه ههنا، فيكتفى بذلك عن ذكره ههنا. الثاني: الوصف إن لم يكن منضبطاً جاز التعليل بالحكمة وفيه خلاف، والحكمة هي التي لأجلها صار الوصف علة، كذهاب العقل الموجب لجعل الإسكار علة. ومن الحكمة اختلاط الأنساب، فإنه سبب جعل وصف الزنا سبب وجوب الجلد، وكضياع المال الموجب لجعل وصف السرقة سبب القطع. حجة الجواز: أن الوصف إذا جاز التعليل به فأولى بالحكمة، لأنها أصله، وأصل الشيء لا يقصر عنه، ولأنها نفس المصلحة والمفسدة وحاجات الخلق، وهذا هو سبب ورود الشرائع، فالاعتماد عليها أولى من الاعتماد على الفرع. حجة المنع: أنه لو جاز التعليل بالحكمة لما جاز التعليل بالوصف، لأن الأصل يعدل عنه إلى فرعه إلا عند تعذره، والحكمة ليست متعذرة، فلا يجوز العدول عنها فيعلل بها، ومتى علل بها سقط التعليل بالوصف، فظهر أنه لو صح التعليل بالحكمة لامتنع التعليل بالوصف، لكن المنع من الوصف خلاف إجماع القائسين ولأنه لو جاز التعليل بالحكمة (١) للزم تخلف الحكم عن علة وهو خلاف الأصل بيانه أن وصف الرضاع سبب حرمة النكاح، وحكمته أن جزء

стр. 405

المرأة صار جزءاً للرضيع، لأن لبنها جزؤها صار لحماً للجنين، فأشبه منها الذي صار جزءاً للجنين، فكما أن ولد الصلب حرام فكذلك ولد الرضاع، وهو سر قوله ﵊: «الرضاع لحمه كلحمة النسب» إشارة إلى الجزئية، فإذا كانت هذه هي الحكمة، فلو أكل الجنين قطعة من لحم امرأة فقد صار جزؤها جزأه، فكان يلزم التحريم ولم يقل به أحد، وكذلك إذا كانت الحكمة في وصف الزنا اختلاط الأنساب، فإذا أخذ رجل صبياناً صغاراً وفرقهم إلى حيث لم يرهم آباؤهم حتى صاروا رجالاً ولم يعرفهم آباؤهم، فاختلطت أنسابهم حينئذ، فينبغي أن يجب عليه حد الزنا لوجود حكمة وصف الزنا، لكنه خلاف الإجماع، فعملنا أنه لو جاز التعليل بالحكمة للزم النقض وهو خلاف الأصل، فلا يجوز التعليل بالحكمة وهو المطلوب. والثالث: يجوز التعليل بالعدم خلافاً لبعض الفقهاء، فإن عدم العلة علة لعدم المعلول. حجة المنع: أن العدم نفي محض لا تمييز فيه، وما لا تمييز فيه لا يمكن جعله علة، فإن العلة فرع التمييز، ولأن العلة وصف وجودي لأنها نقيض أن لا علية المحمولة على العدم وأن لا علية عدم، فتكون العلة وجودية، والوصف الوجودي لا يقوم بالعدم ولا المعدوم، وإلا لزمنا الشك في وجود الأجسام، لأنا لا نرى من العالم إلا أعراضه، فإذا جوزنا قيام الصفات الوجودية بالمعدوم، جوزنا أن تكون هذه الألوان قائمة بالمعدوم فلا نجزم بوجود شيء من أجزاء العالم وهو خلاف الضرورة. والجواب عن الأول: أن العدم الذي يقع التعليل به لا بد أن يكون عدم شيء بعينه فهو عدم متميز فيصح التعليل به، كما تقول عدم علة التحريم علة الإباحة في جميع موارد الشريعة، لأن الإسكار علة التحريم والتنجيس، فإذا عدم ثبت التطهير والإباحة وعن الثاني: أن قولنا لا علية، حرف سلب دخل على اسم سلب، لأن العلية عندنا نسبة وإضافة، والنسب والإضافات عدمية عندنا، والسلب إذا دخل على السلب صار ثبوتاً فلا عليه ثبوت لا سلب، فلا يتم مقصودكم فتكون العلية عدمية، فأن نقيضها ثبوت. الرابع: المانعون من التعليل بالعدم امتنعوا من التعليل بالإضافات لأنها عدم.

стр. 406

النسب والإضافات كالأبوة والبنوة، والتقديم والتأخير، والمعية، والقبلية والبعدية وجودية عند الفلاسفة عدمية عندنا، غير أن وجودها ذهني فقط، فهي موجودة في الأذهان لا في الأعيان، والأوصاف العدمية عدم مطلقاً في الذهن والخارج، فهذا هو الفرق بينهما، واستوى القسمان في العدم في الخارج فلذلك من منع هناك منع هنا. الخامس: يجوز التعليل بالحكم الشرعي للحكم الشرعي خلافاً لقوم، كقولنا نجس فيحرم. حجة الجواز: أن علل الشرع معرفات، فللشارع أن ينصب حكماً على حكم آخر كما ينصب النجاسة التي هي حكم شرعي على تحريم البيع أو الأكل الذي هو حكم شرعي. حجة المنع: أن الحكم شأنه أن يكون معلولاً، فلو صار علة لانقلبت الحقائق ولأن الحكمين متساويان في أن كل واحد منهما حكم شرعي، فليس جعل أحدهما علة للآخر أولى من العكس. والجواب عن الأول: ليس في ذلك قلب الحقائق، بل يكون ذلك الحكم معلولاً لعلته وعلة معرفة الحكم آخر غير علته فإن ادعيتم أن شأن الحكم أن لا يكون علته البتة فهذا محل النزاع. وعن الثاني: أن المناسبة تعين أحدهما للعلية والآخر للمعلولية، كما تقول نجس فيحرم، وطاهر فيجوز به الصلاة، فإن النجاسة مناسبة للتحريم، والطهارة مناسبة لإباحة الصلاة، فما وقع الترجيح إلا بمرجح، ولو عكس هذا وقيل لا يجوز بيعه فيحرم لم ينتظم، فإنه قد يحرم بيعه لغصبه أو لعجز عن تسليمه أو غير ذلك. السادس: يجوز التعليل بالأصواف العرقية كالشرف والخسة، بشرط اطرادها وتميزها عن غيرها. أما الجواز: فإن الشرف يناسب التكريم والتعظيم وتحريم الإهانة ووجوب الحفظ، والخسة: تناسب ضد هذه الأحكام من تحريم التعظيم وإباحة الإهانة، فهذا وجه جواز التعليل بها، وأما اشتراط اطرادها فإن ذلك الحكم إذا لم يوجد في جميع صور ذلك الوصف ويوجد الحكم بدونه ومعه فهو عدم التأثير، وهو يدل على عدم اعتبار ذلك الوصف، وأما التمييز فلأن التعليل بالشيء فرع تمييزه عن غيره، لأن الحكم يعتمد التصور.

стр. 407

السابع: يجوز التعليل بالعلة المركبة عند الأكثرين كالقتل العمد العدوان. حجة الجواز: أن المصلحة قد لا تحصل إلا بالتركيب، فإن الوصف الواحد قد يقصر، كما تقول إن وصف الزنا لا يستقل بمناسبة وجوب الحد إلا بشرط أن يكون الواطئ عالماً بأنها أجنبية، فلو جهل ذلك لم يناسب وجوب الحد، وكذلك القتل وحده لا يناسب وجوب القصاص حتى يضاف إليه العمد العدوان. حجة المنع: أن القول بتركيب العلة الشرعية يفضي إلى نقض العلة العقلية. بيانه أن القاعدة العقلية إن عدم جزء المركب علة لعدم ذلك المركب، فإذا فرضنا علة شرعية مركبة أو عقلية فعدم جزء منها فلا شك أن ذلك المركب يعدم وتعدم تلك العلية تبعاً له، فإذا عدم جزء آخر بعد ذلك لم يترتب عليه عدم ذلك المركب ولا تلك العلية لتقدم ذلك على عدمه، وإلا لزم تحصيل الحاصل، فقد وجدت العلة العقلية بدون أثرها وهو نقض العلة العقلية وهو محال. فإن قلت: هذا يقتضي أن لا يوجد مركب في العالم وهو خلاف الضرورة. قلت: لا معنى للمركب في الخارج إلا تلك الأجزاء، والمجموع إنما هو صورة ذهنية، أما العلية فهي حكم شرعي خارجي عرَض لذلك المركب فافترقا. والجواب: أن نقض العلة العقلية غير لازم، لأنه إذا عدم جزء من الثلاثة عدمت الثلاثة والباقي بعد ذلك هو جزء الاثنين لا جزء الثلاثة، فإذا عدم أحد الاثنين الباقيين الآن يعدم مجموع الاثنين، فعدمه علة لعدم الاثنين لا لعدم الثلاثة لأن عدم الباقي ليس جزء الثلاثة؛ فإن جزئية الثلاثة أمر نسبي يذهب عند ذهاب أحد الطرفين وهو الثلاثة. الثامن: يجوز التعليل بالعلة القاصرة عند الشافعي وأكثر المتكلمين خلافاً لأبي حنيفة وأصحابه إلا أن تكون منصوصة، لأن فائدة التعليل عند الحنفية التعدية للفرع وقد انتفت. وجوابهم: بقي سكون النفس للحكم والاطلاع على مقصود الشرع فيه. قال القاضي عبد الوهاب بالقاصر، قال أصحابنا وأصحاب الشافعي وانبنى على ذلك تعليل الذهب والفضة بأنهما أصول الأثمان والمتمولات، ومنعها أكثر العراقيين، وفضل بعضهم بين المنصوصة والمستنبطة، فمنع المستنبطة، إلا أن ينعقد فيها إجماع.

стр. 408

حجة المنع مطلقاً: أن القاصرة غير معلومة من طريقة الصحابة رضوان الله عليهم فلا تثبت، لأن القياس وتفاريعه إنما يتلقى من الصحابة، ويلزم من عدم المدرك عدم الحكم. حجة من فصل بين المنصوصة وغيرها: أن النص تعبد من الشارع يجب تلقيه بالقبول أما استنباطنا نحن فلا يجوز أن يكون إلا للتعدية. والجواب عن الأول: أن المنقول عن الصحابة رضوان الله عليهم الفحص عن حكم الشريعة وأسرارها بحسب الإمكان، ومن حكمة الشريعة الاطلاع على حكم الشرع في الأصل، فيكون ذلك أدعى لطواعية العبد وسكون نفسه للحكم. وعن الثاني: أنا نستنبط لما تقدم من الفوائد، ولأنه قد يجتمع في الأصل مع القاصرة وصف متعد، والحكم منفي عنه بالإجماع، فيكون ذلك الوصف المتعدي إنما ترك لأجل عدم القاصرة، فإن عدم العلة علة لعدم المعلول، فإن لم يعتبر القاصرة يكون المتعدي قد ترك بلا معارض. وهذه فائدة أخرى في اعتبار القاصرة. التاسع: اتفقوا على أنه لا يجوز التعليل بالاسم العاشر، اختار الإمام أنه لا يجوز التعليل بالأوصاف المقدرة خلافاً لبعض الفقهاء كتعليل العتق عن الغير بتقدير الملك. أما الاسم بمجرده فلأنه طردي محض والشرائع شأنها رعاية المصالح ومظانها أما ما لا يكون مصلحة ولا مظنة لمصلحة فليس دأب الشارع اعتبارهن وأما المقدرات فقد اشتد نكير الإمام فخر الدين عليها، وأنها من الأمور التي لا يجوز أن تعتقد في الشرائع، وأنكر كون الولاء للمعتق عن الغير معللاً بتقدير الملك له، وأنكر تقدير الأعيان في الذمة، وأنها لا تتصور. واعلم أن المقدرات في الشريعة لا يكاد يعرى عنها باب من أبواب الفقه، وقد بسطت ذلك في كتاب الأمنية. وكيف يتخيل عاقل أن المطالبة تتوجه على أحد بغير أمر مطالب به، وكيف يكون الطالب بلا مطلوب؟! وكذا المطلوب يمتنع أن يكون معيناً في السلم وإلا لما كان سلماً، فيتعين أن يكون في الذمة، ولا نعني بالتقدير إلا هذا، وكيف صح العقد على أردب من الحنطة وهو غير معين ولا مقدر في الذمة، فحينئذ هذا عقد بلا معقود عليه، بل لفظ بلا معنى، وكذلك إذا باعه

стр. 409

بثمن إلى أجل هذا الثمن غير معين، فإذا لم يكن مقدراً في الذمة كيف يبقى بعد ذلك ثمن يتصور، وكذلك الإجارة لا بد من تقدير منافع في الأعيان حتى يصح أن يكون مورد العقد، إذ لولا تخيل ذلك فيها امتنعت إجارتها ووقفها وعاريتها وغير ذلك من عقود المنافع، وكذلك الصلح على الدين وغيره لا بد من تخيل المصالح عليه حتى يقابل بالطرف الآخر ويكون متعلق عقد الصلح، وإذا لم يقدر الملك للمعتق عنه كيف يصلح القول ببراءة ذمته من الكفارة التي أعتق عنها وكيف يكون له الولاء في غير عبد يملكه وهو لم يملكه محققاً؟! فتعين أن يكون مقدراً، وكذلك لا يكون يعرى باب من أبواب الفقه عن التقدير، فإنكار الإمام منكر، والحق التعليل بالمقدرات. الحادي عشر: يجوز تعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي ولا يتوقف على وجود المقتضى عند الإمام خلافاً للأكثرين في التوقف وهذا هو تعامل انتفاء الحكم بالمانع فهو يقول المانع هو ضد علة الثبوت والشيء لا يتوقف على ضده. وجوابه: أنه لا يحسن في القادة أن يقال للأعمى أنه لا يبصر زيداً للجدار الذي بينهما، وإنما يحسن ذلك في البصير. مدرك الجماعة العوائد والشرائع، أما العوائد فكما تقدم في الضرير ونحوه، أما الشرائع فلا نقول في الفقير إنه لا يجب عليه الزكاة لأن عليه ديناً، وإنما نقول لأنه فقير، ولا نقول في الأجنبي إنه لا يرث لأنه عبد بل لأنه أجنبي. وأما حجة الإمام: فلأن المانع ضد المقتضى، وأحد الضدين لا يكون شرطاً في الآخر، لأن من شرط الشرط إمكان اجتماعه مع المشروط والضد لا يمكن اجتماعه مع ضده. والجواب عنه: أن المانع ليس ضد المقتضى، بل أثره ضد أثره، فالتضاد بين الأثرين لا بين المؤثرين، فالدين والنصاب لا تضاد بينهما فيكون مديوناً وله نصاب من غير منافاة، لكن أثر الدين عدم وجوب الزكاة، واثر النصاب وجوب الزكاة، والزكاة وعدمها متناقضان، ونحن لم نقل بأن أحد الأثرين شرطاً في الآخر بل نفينا أحد الأثرين جزماً، وإنما قلنا أحد المؤثرين شرط في الآخر فأين أحد البابين من الآخر؟!.

стр. 410

الفصل السابع فيما يدخل القياس وهو ثمانية أنواع: الأول اتفق أكثر المتكلمين على جوازه في العقليات ويسمونه إلحاق الغائب بالشاهد. جعلوا الجامع في إلحاق الغائب بالشاهد أربعة: الجمع بالحقيقة كقولنا حقيقة العالم من قام به العلم والله تعالى عالم فيقوم به العلم. والجمع بالدليل كقولنا الإتقان في الشاهد دليل العلم، والله تعالى متقن لأفعاله فيكون عالماً. والجمع بالشرط كقولنا العلم في الشاهد مشروط بالحياة، والله تعالى عالم فيكون حياً، والجمع بالعلة كقولنا العلم في الشاهد علة للعالمية والله تعالى له علم فيكون عالماً. وكثير من مباحث أصول الدين مبني على قياس الشاهد على الغائب. حجة المنع أن صورة المقيس إذا كانت بعينها صورة المقيس عليه فهما واحد ولا قياس حينئذ، وإن تغايرا فلكل واحد منهما تعين، فلعل تعين الأصل شرط ولأجل ذلك صح ثبوت الحكم للأصل، وتعين الفرع مانعاً ولا يثبت الحكم ومع الاحتمال لا يتعين، والمطلوب بهذا القياس التعين. والجواب: أن العقل قد يقطع بسقوط الخصوصيات عن الاعتبار، كما تقول: إن اللون الذي قام بزيد مفتقر للجوهر، وكذلك الجماد والنبات، وإن خصوصية الحيوان والجماد والنبات لا مدخل له في افتقار اللون للمحل لا شرطاً ولا منعاً ولا موجباً، بل ذلك لذات اللون من حيث هو لون، وكذلك علم زيد إنما هو مشروط بالحياة لأنه علم لا بخصوص محل، ونحن إنما نقيس فيما هذا شأنه فاندفع الاحتمال وحصل القطع باستواء الموضعين في العلم. الثاني: اختار الإمام وجماعة جواز القياس في اللغات، وقال ابن جني هو قول أكثر الأدباء خلافاً للحنفية وجماعة من الفقهاء. قال سيف الدين الآمدي: لا يجوز القياس في اللغات، وقال بعضهم: جميع

стр. 411

اللغات اليوم ثابتة بالقياس؛ لأن العرب إنما وضعت أسماء الأجناس للأعيان التي شاهدوها، فإذا هلكت تلك الأعيان وجاءت أعيان أخرى فإنما يطلق عليها الاسم بالقياس، فلفظ الفَرَس وغيره من الحيوانات اليوم إنما يطلق بالقياس وهذا غلطن فإن العرب إنما وضعت لما تصورته بعقولها لا لما شاهدته بأبصارها والمتصور في العقل موجود في الأشخاص الماضية والحاضرة على حد واحد، فمفهوم الفرس المعقول هو الموضوع له، ويصير معنى ذلك أن الواضع قال كل ما ينطبق عليه هذه الصورة الذهنية هو المسمى بالفرس عندي، وكذلك بقية أسماء الأجناس. ولم يوضع لما في الخارج من المشاهد بالبصر إلا أعلام الأشخاص دون أعلام الأجناس، فهذا ذكره الشيخ أبو إسحق في اللمع، وعلته ما ترى إنما القياس في اللغة مثل كون العرب وضعت السرقة لأخذا لمال على صورة مخصوصة، حتى فرقت بين الغاصب والمحارب والجاحد والخائن والمختلس والسارق، فحينئذ السرقة موضوعة لشيء مخصوص، فهل يسمى النباش للقبور سارقاً لأجل مشابهته للسارق أو يسمى اللائط زانياً لمشابهته للزاني؟ هذا موضع الخلاف. حجة المنع: أنه لو صح القياس لبطل المجاز خصوصاً المستعار، فإن المشابهة هي علاقته، فحينئذ إن أرادوا بالقياس أنه يصير حقيقة بطل هذا المجاز كله وقد أجمعنا على ثبوته، وإن أرادوا جواز الإطلاق على سبيل المجاز فهو متفق عليه فعلم بأن القول بالقياس لا سبيل إليه، ولأن الأبلق يقال للفرس لاجتماع السواد والبياض فيهن ولا يقال ذلك لغيره من الحيوانات، فلو كان القياس سائغاً لساغ ذلك، لكن أهل اللغة منعوه، وكذلك القارورة تقال للزجاجة لأجل ما يستقر فيها، ولا يقال ذلك للنهر ولا لغيره وإن استقرت فيه المائعات. حجة الجواز: أن الفاعل يرفع في زماننا والمفعول ينصب وغير ذلك من المعمولات وذلك في أسماء لم يسمعها العرب من الأعلام وغيرها، فلا يمكن أن يقال ذلك بالوضع لأن العرب لم تسمع هذه الأسماء، والوضع، فرع التصور، فيتعين أن يكون القياس. والجواب: أن ذلك بالوضع، والعرب لما وضعت الفاعل ورفعته لم تضعه لشيء بعينه بل للحقيقة الكلية، وتلك الحقيقة الكلية هو كونه مسند إليه للفعل وما في معنى الفعل من اسم الفاعل ونحوه، وذلك موجود في جميع هذه الصور، فلا جرم صح الإطلاق، وكان عربياً حقيقة لا مجازاً ولا قياساً.

стр. 412

الثالث: المشهور أنه لا يجوز إجراء القياس في الأسباب كقياس اللواط على الزنا في وجوب الحد، لأنه لا يحسن أن يقال في طلوع الشمس إنه موجب للعبادة كغروبها. حجة الجواز: أن السببية حكم شرعي فجاز القياس فيها كسائر الأحكام، ولأن السبب إنما يكون سبباً لأجل الحكمة التي اشتمل عليها، فإذا وجدت في غيره وجب أن يكون سبباً تكثيراً لتلك الحكمة. حجة المنع: أن الحكمة غير منضبطة لا، ها مقادير من الحاجات، وإنما المنضبطة الأوصاف، ولذلك إنما ترتب الحكم على سببه وجدت حكمة أم لا، بدليل أنا نقطع بالسرقة وإن لم يتلف المال بأن وُجد مع السارق، ونحد الزاني وإن لم يختلط نسب بل تحيض ولا يظهر حبل، فعلمنا أن الحكمة إنما هي مرعية في الجملة، والمعتبر إنما هو الأوصاف، فإذا قسنا فإنما نجمع بالحكمة وهي غير منضبطة، والجمع بغير المنضبط لا يجوز. الرابع: اختلفوا في جواز دخول القياس في العدم الأصلي، قال الإمام والحق أنه يدخله قياس الاستدلال بعدم خواص الشيء على عدمه دون قياس العلة، وهذا بخلاف قياس الإعدام فإنه حكم شرعي. العدم الأصلي كعدم صلاة سادسة، وعدم وجوب صوم شهر غير رمضان، ونحوه. حجة الجواز: أنه يمكن أن يقال إنما لم يجب الفعل الفلاني لأنه فيه مفسدة خالصة أو راجحة، وهذا الفعل مشتمل على مفسدة خالصة أو راجحة، فوجب أن لا يجب. حجة المنع: أن العدم الأصلي ثابت مستمر بذاته، وما هو مستمر بذاته يستحيل إثباته بالغير، ولا يمكن إثباته بالقياس. حجة الإمام أن العلة إنما تكون في المعاني الموجودة، والعدم نفي محض فلا يتصور فيه العلل. وجوابه: ما تقدم أن العدم قد يعلل بدرء المفسدة، كما تقول إنما لم يبح الله تعالى الزنا ونحوه لما فيه من المفاسد، وأما الإعدام فهو رفع الحكم بعد ثبوته، ولا شك أن رفع الثابت يحتاج إلى رافع، بخلاف تحقق ما هو محقق فإنه يلزم منه تحصيل الحاصل، فظهر الفرق بين العدم والإعدام.

стр. 413

الخامس قال الجبائي (١) والكرخي لا يجوز إثبات أصولا لعبادات بالقياس. حجة المنع: أن الدليل ينفي العمل بالظن، خالفناه في إثبات فرع العبادات بالقياس فيبقى على مقتضى الدليل في أصولها. والفرق أن أصل العبادة أمر مهم في الدين، فيكون بالتنصيص من جهة صاحب الشرع لاهتمامه به. والفرع بعد ذلك ينبه عليه أصله فيكفي فيه القياس. حجة الجواز: أن الشريعة غذا وجد فيها أصل عبادة لنوع من المصالح، ووجد ذلك النوع من المصالح في فعل آخر وجب أن يكون مأموراً به عبادة، قياساً على ذلك النوع الثابت بالنص تكثيراً للمصلحة، والأدلة الدالة على القياس لم تفرق بين مصلحة ومصلحة، وما ذكرتموه من الفرق معارض بأن مصلحة أصل العبادة إما أعظم من مصلحة الفرع أو مثلها، لأن الأصل لا يكون أضعف من فرعه، وعلى كل تقدير وجب القول بالقياس تحصيلاً لتلك المصلحة التي هي أعظم بطريق الأولى، أو المصلحة المساوية، لأن حكم أحد المثلين حكم الآخر. السادس: يجوز عند ابن القصار والباجي والشافعي جربان القياس في المقدرات والحدود والكفارات خلافاً لأبي حنيفة وأصحابه لأنها أحكام شرعية. حجة المنع: أن المقدرات كنصب الزكوات والحدود كجلد الزاني مائة والكفارات كصيام ثلاثة أيام لا يعقل معنى هذه الحدود دون ما هو أقل منها كتسعة عشر ديناراً في الزكاة، وتسعة وتسعين سوطاً أو يمين أو أحد وستين في كفارة الطهارة مثلاً، وما لا يعقل معناه يتعذر القياس فيه. والجواب: أنا إنما نقول بالقياس حيث ظفرنا بالمعنى الذي لأجله ثبت الحكم فحيث تعذر ذلك وكان تعبداً فإنا لا نقيس، فلا يرد علينا مواطن التعبد. السابع: يجوز القياس عند الشافعي على الرخص، خلافاً لأبي حنيفة وأصحابه. حكى المالكية عن مذهب مالك قولين في جواز القياس على الرخص،

стр. 414

وخرجوا على القولين فروعاً في المذهب، منها ليس خف على خف وغير ذلك. حجة المنع: أن الرخص مخالفة للدليل، فالقول بالقياس عليها يؤدي إلى كثرة مخالفة الدليل، فوجب أن لا يجوز. حجة الجواز: أن الدليل إنما يخالفه صاحب الشرع لمصلحة تزيد على مصلحة ذلك الدليل عملاً بالاستقراء، وتقديم الأرجح هو شأن صاحب الشرع وهو مقتضى الدليل، فإذا وجدنا تلك المصلحة التي خولف الدليل لأجلها في صورة وجب أن يخالف الدليل بها أيضاً عملاً برجحانها، فنحن حينئذ كثرنا من موافقة الدليل لا مخالفته. الثامن: لا يدخل القياس فيما طريقه الحلقة والعادة كالحيض، وفيما لا يتعلق به عمل كفتح مكة عنوة، ونحوه. لا يمكن أن نقول فلانة تحيض عشرة أيام وينقطع دمها وجب أن تكون الأخرى كذلك قياساً عليها فإن هذه الأمور تتبع الطباع والأمزجة والعوائد في الأقاليم. فرب إقليم يغلب عليه معنى لا يغلب على غيره من الأقاليم، وأما فتح مكة عنوة فإن أريد به أنه وجب أن يكون الواقع العنوة في دمشق كما وقعت في بلد علم أنه عنوة فهذا صحيح، فإن العنوة تتبع أسبابها، ولا يمكن إثبات عنوة ولا صلح بالقياس، وإن أريد أن العنوة ليس فيها حكم شرعي فليس كذلك، بل لنا أن نثبت العنوة أحكاماً شرعية بالقياس كالحبس في الأراضي وغيرها من الإجارات والشفعات وصحة القسمة والإرث وغير ذلك، فقد قال مالك إن أرض العنوة يمتنع فيها جميع ذلك، وقال الشافعي يجوز فيها جميع ذلك، فهذا تعلق به أحكام شرعية أمكن التمسك في بعضها بالقياس إذا وجد جامع يقتضيه، غير أن الإمام فخر الدين أطلق القول في ذلك، والحق في التفصيل.

стр. 415

الباب الثامن عشر في التعارض والترجيح وفيه خمسة فصول الفصل الأول هل يجوز تساوي الأمارتين اختلفوا هل يجوز تساويا لأمارتين فمنعه الكرخي وجوزه الباقون والمجوزون اختلفوا فقال القاضي أبو بكر هنا وأبو علي وأبو هاشم بتخير ويتساقطان عند بعض الفقهاء، قال الإمام إن وقع التعارض في فعل واحد باعتبار حكمين فهذا متعذر وإن وقع في فعلين والحكم واحد كالتوجه إلى جهتين للكعبة فيتخير، قال الباجي في القسم الأول إذا تعارضا في الأقطار والإباحة تخير، وقال الأبهري يتعين الحظر بناءً على أصله أن الأشياء عن الحذر، وقال أبو الفرج يتعين الإباحة بناءً على أصله أن الأشياء على الإباحة، فالثلاثة رجعوا إلى حكم العقل بناءً على أصولهم. حجة منع تساويهما: أن الظنون لها مراتب تختلف باختلاف حكم العقول والسجايا ولكن العقول والسجايا غير منضبطة المقدار، فما نشأ عنها غير منضبط المقدار فيتعذر تساوي الأمارتين. حجة الجواز: أن الغيم الرطب المشف في زمن الشتاء يستوي العقلاء أو عاقلان فقط في موجبه وما يقتضيه حاله، وكذلك الجدار المتداعي للسقوط لا بد أن يجتمع في العالم اثنان على حكمه، وإن خالفهم الباقون فيحصل المقصود فإنا لا ندَّعي وجوب التساوي بل جواز التساوي وذلك كافٍ فيما ذكرناه. حجة القول بالتخير: أن التساوي يمنع الترجيح، والعلم بالدليل الشرعي واجب

стр. 416

بحسب الإمكان فإن خيرناه بينهما فقد أعملنا الدليل الشرعي من حيث الجملة، بخلاف إذا قلنا بالتساقط فإنه إلغاء بالكلية. حجة التساقط: أنا إن خيرناه فقد أعملنا دليل الإباحة، والتقدير أنها متساوية لأمارة الحظر فيلزم الترجيح من غير مرجح، ولأنهما إذا تعارضا لم يحصل في نفس المجتهد ظن، وإذا فقد الظن والعلم حرمت الفتيا. والجواب عن الأول: أنا لا نسلم أنه ترجيح لأمارة الإباحة من حيث هي أمارة إباحة بل هذا التخيير نشأ عن التساوي لا عن أمارة الإباحة، وقد يشترك المختلفان في لازم واحد، ولم يلزم الترجيح من غير مرجح. وعن الثاني: أن اعتبار ظن أحدهما عيناً منفي أما ظن التخيير الناشئ عن التساوي فلا نسلم أنه غير حاصل. وقول الإمام هذا متعذر في حكمين في فعل وحد ليس كما قال، بل المتعذر ثبوت حكمين لفعل واحد من وجه واحد، أما ثبوتهما له من وجهين فليس كذلك، كالصلاة في الدار المغصوبة حرام وواجبة، وأيسر من ذلك تعارض الأمارتين فإنا لم نقل بمقتضاها بل قلنا اقتضيا حكمين متعارضين، فلو امتنع ذلك لامتنع وجود المقتضى والمانع في جميع صور الشريعة وليس كذلك، فلا محال حينئذ. ومثاله في حكم واحد في فعلين أن تدل أمارة على أن القبلة في استقبال جهة وأمارة أخرى على أنها ف ي استدبار تلك الجهة، فالاستقبال والاستدبار فعلان وحكمهما واحد وهو وجوب التوجه فيخير بين الجهتين كما قاله الإمام. ورجح سيف الدين الآمدي الحظر على الإباحة عند التعارض بثلاثة أوجه: أحدها أن الحظر إنما يكون التضمن المفاسد ورعاية الشارع، والعقلاء بدرء المفاسد أعظم من رعايتهم لتحصل المصالح فيقدم الحظر عنده على الواجب والمندوب والمباح. وثانيها أن القول بترجيح الحضر يقتضي موافقة الأصل، فإن موجبه عدم الفعل وعدم الفعل هو الأصل، أما الوجوب ونحوه فموجبه الفعل وهو خلاف الأصل. وثالثها أن الحظر يخرج الإنسان عن عهدته وإن لم يشعر به فهو أهون وأقرب للأصول، بخلاف الوجوب ونحوه لا بد فيه من الشعور حتى يخرج عن العهدة فهذه، ترجيحات غير تلك الأصول المتقدمة. وإذا نقل عن مجتهد قولان فإن كانا في موضعين وعلم التاريخ عد الثاني رجوعاً عن الأول، وإن لم يعلم حكى عنه القولان ولا يحكم عليه

стр. 417

برجوع، وإن كانا في موضع واحد بأن يقول في المسألة قولان فإن أشار إلى تقوية أحدهما فهو قوله، وإن لم يعلم فقيل يتخير السامع بينهما. وإذا علم الرجوع عن الأول لا يجوز الفتيا به ولا تقليده فيه، ولا بقي يعد من الشريعة، بل هو كالنص المنسوخ من نصوص صاحب الشريعة لم يبق منها. فإن قلت: لأي شيء جمع الفقهاء الأقوال كلها السابقة واللاحظة في كتب الفقه، بل كان ينبغي، أن لا يضاف لكل إمام إلا قوله الذي لم يرجع عنه. قلت: ما ذكرتموه أقر للضبط، غير أنهم قصدوا معنى الآخر وهو الاطلاع على المدارك واختلاف الآراء، وأن مثل هذا القول قد صار إليه المجتهد في وقت فيكون ذلك اقرب للترقي لرتبة الاجتهاد، وهو مطلب عظيم أهم من تيسير الضبط فذلك جمعت الأقوال في المذاهب. وإذا لم يعلم التاريخ ولم يحكم عليه برجوع ينبغي أن لا يعمل بأحدهما، فإنا نجزم بأن أحدهما مرجوع عنه منسوخ، وإذا اختلط الناسخ والمنسوخ حرم العمل بهما، كاختلاط المذكاة بالميتة، وأخت الرضاع بالأجنبية، فإن المنسوخ لا يجوز الفتيا به، فذلك كله من باب اختلاط الجائز والممنوع فيحرم الفتيا حينئذ بتلك الأقوال حتى يتعين المتأخر منها، أو يعلم أنهما محمولة على أحوال مختلفة أو أقسام متباينة، فيحمل كل قول على حالة أو قسم، ولا تكون حينئذ أقولاً في مسألة واحدة، بل كل مسألة فيها قول. وأما القولان في الموطن الواحد إذا لم يشر إلى تقوية أحدهما توجه التخيير بينهما قياساً على تعارض الأمارتين، فإن نصوص المجتهد بالنسبة إلى المقلد كنسبة نصوص صاحب الشرع للمجتهد، ولذلك يحمل عام المجتهد على خاصة، ومطلقة على مقيده، وناسخه على منسوخه، وصريحه على محتمله، كما يعمل ذلك في نصوص صاحب الشرع، وأما كيف يتصور أن يقول المجتهد في المسألة قولان، مع أنه لا يتصور عنده الرجحان إلا في أحدهما، فقيل معناه أنه أشار إلى أنهما قولان للعلماء أو أنهما احتمالان يمكن أن يقول بكل واحد منهما عام لتقاربهما من الحق، وأما إنه جازم بهما فمحال ضرورة.

стр. 418

الفصل الثاني في الترجيح والأكثرون اتفقوا على التمسك به وأنكره بعضهم وقال يلزم التخيير أو التوقف. حجة الجواز: قوله ﵊: «عليكم بالسواد الأعظم» وهو يقتضي تغليب الظاهر الراجح، وقوله ﵊: «نحن نحكم بالظاهر» وقياساً على البناء على الظاهر في الفتيا والشهادة وقيم المتلفات وغيرها، فإن الظاهر الصدق في ذلك والكذب مرجوح، وقد اعتبر الراجح إجماعاً، فكذلك ههنا. حجة المنع: أن الدليلين إذا تعارضا ورجح أحدهما ففي كل واحد منهما مقدار هو معارض بمثلهن فسقط المثلان، ويبقى مجرد الرجحان، ومجرد الرجحان ليس بدليل، وما ليس بدليل لا يجوز الاعتماد عليه فلا يعتمد على الرجحان، بل ينبغي تخريج هذه الصورة على صورة تساوي الأمارتين والحكم هناك التخيير على المشهور والتوقف على الشاذ، فكذلك يجري ههنا لقولان. والجواب: أن القول بالترجيح ليس حكماً بمجرد الرجحان بأن بالدليل الراجح ولا نسلم أن الحصة المتساوية في جهة الرجحان تسقط بمقابلها إذا عضدها الرجحان وإنما نسلم السقوط مع المساواة، وهذا كما يقضي بأعدل البينتين ليس معناه أنا نقضي بمزيد العدالة دون أصلها، بل بأصل العدالة مع الرجحان، فيقضي بالبينة الراجحة لا برجحانها مع قطع النظر عنها وكذلك ههنا. ويمتنع الترجيح في العقليات لتعذر التفاوت بين القطعيين ومذهبنا ومذهب الشافعي الترجيح بكثرة الأدلة، خلاف القوم. لأن كثرة الأدلة توجب مزيد الظن بالمدلول فيكون من باب القضاء بالراجح كما تقدم بيانه. حجة المنع: القياس على المنع من الترجيح بالعدد في البينات فإن المشهور المنع منه بخلاف الترجيح بمزيد العدالة. والجواب: الفرق بأن الترجيح بكثرة العدد يمنع سد باب الخصومات ومقصود

стр. 419

صاحب الشرع سده بأن يقول الخصم أنا آتي بعدد أكثر من عدده فيتحيل ويأتي به، فيقول لآخر أنا أفعل كذلك فلا تنفصل الخصومة، بخلاف الترجيح بمزيد العدالة ليس في قدرة الخصم أن يصير بينه أعدل من بينة خصمه، وكذلك الأدلة لا تقبل أن يصير مرجوحها راجحاً ولا قليلها كثيراً فإن الأدلة قد استقرت من جهة صاحب الشرع فتتعذر الزيادة فيها، فالترجيح بكثرة الأدلة كالترجيح بالعدالة لا كالترجيح بالعدد، فظهر الجواب والفرق. وإذا تعارض دليلان فالعمل بكل واحد منهما من وجه أولى من العمل بأحدهما دون الآخر، وهما إن كانا عامين معلومين والتاريخ معلوم نسخ المتأخر المتقدم، وإن كان مجهولاً سقطا، وإن علمت المقارنة خير بينهما وإن كانا مظنونين فإن علم المتأخر نسخ المتقدم والأرجح إلى الترجيح، وإن كان أحدهما معلوماً والآخر مظنوناً والمتأخر المعلوم نسخ أو المظنون لم ينسخ، وإن جهل الحال تعين المعلوم، وإن كانا خاصين فحكمهما حكم العامين، وإن كان أحدهما بخلاف العكس، وإن كان أحدهما عاماً من وجه كما في قوله تعالى: «وأن تجمعوا بين الأختين» (١) مع قوله تعالى: «أو ما ملكت أيمانكم» (٢) وجب الترجيح إن كانا مظنونين. إنما يرجح العمل بأحدهما من وجه لأن كل واحد منهما يجوز إطلاقه بدون إرادة ذلك الوجه الذي ترك، ولا يجوز إطلاقه بدون جميع ما دل عليه، فإن ذلك هدر بالكلية؛ فكان الأول أولى كقوله ﵊: «لا تستقبلوا القبلة ولا تتستدبروها ببول أو غائط» وروى ابن عمر ﵁ أنه رأى رسول الله ﷺ فعل ذلك في بيته الحديثين المشهورين، فحملنا الأول على الأفضية والثاني على الأبنية وإذا كانا عامين لا يمكن حملهما على حالين تعين نسخ المتأخر للمتقدم كانا معلومين أو مظنونين، لأنا نشترط في الناسخ أن يكون مساوياً أو أقوى، ويسقطان مع الجهل لاحتمال النسخ، فكل واحد منهما دائر بين أن يكون ناسخاً حجة أو منسوخاً ليس بحجة، والأصل عدم الحكم وبراءة الذمة، فيجب التوقف حتى يتعين موجب الشغل، وإذا علمت المقارنة خير بينهما لأن

стр. 420

من شرط النسخ التراخي والمقارنة ضده فلا نسخ، فكل واحد منهما حجة قطعاً فتعين التخيير، وإذا كان المتأخر هو المظنون لم ينسخ المعلوم، لما تقدم أن القاعدة أنا نشترط في الناسخ أن يكون مساوياً أو أقوى، والمظنون أضعف من المعلوم، ويتعين المعلوم عند جهل التاريخ لرجحانه بكونه معلوماً، ومهما ظفرنا بجهة ترجيح تعين العمل بالراجح. ويقدم الخاص على العام لقوله ﵊: «لا تقتلوا الصبيان» مع قوله تعالى: «اقتلوا المشركين» (١) فإن تقديم الحديث لا يقتضي إلغاءه ولا إلغاء الآية، وتقديم عموم الآية يقتضي إلغاء الحديث، ولأن الآية يجوز إطلاقها بدون إرادة الصبيان، ولا يجوز إطلاق الحديث بدون إرادة الصبيان، لأنهم جميع مدلوله فيبقى هدراً، فالأول أولى. وقوله تعالى: «وأن تجمعوا بني الأختين» (٢) بتناول المملوكتين والحرتين، وقوله تعالى: «أو ما ملكت أيمانكم» (٣) يتناول الأختين والأجنبيتين، وضابط الأعم والأخص من وجه أن يوجد كل واحد منهما مع الآخر وبدونه، وقد وجد الأول في الأختين الحرتين بدون الملك، ووجد الثاني في المملوكات الأجنبيات بدون الأخوة، واجتمعا معاً في الأختين المملوكتين، فهما حينئذ كل واحد منهما أعم ن الآخر من وجه وأخص من وجه، ولا رجحان لأحدهما على الآخر من هذا الوجه بل من خارج، وقد رجح المشهور من المذاهب التحريم في الأختين المملوكتين بأن أيتهما لم يدخلها التخصيص بالإجماع، بل قيل لا تخصيص فيها وهو المشهور، وقيل يباحان، وقيل بالتوقف كما قاله بعض الصحابة رضوان الله عليهم، (حللتهما آية وحرمتهما آية) وأما آية الملك فمخصوصة إجماعاً بملك اليمين من موطوءة الآباء وغيرهم، وما لم يخصص بالإجماع مقدم على ما خصص بالإجماع، فتقدم آية الأختين فيحرم الجمع بينهما. الفصل الثالث في ترجيحات الأخبار وهي إما في الإسناد أو المتن، فالأول قال الباجي يترجح بأنه في قضية مشهور والآخر ليس كذلك أو راوية أحفظ أو أكثر، أو مسموع منه ﵊، والآخر مكتوب به أو متفق على رفعه إليه عليه

стр. 421

الصلاة والسلام، أو اتفق رواته على إثبات الحكم به أو راويه صاحب القضية أو إجماع أهل المدينة على العمل به أو راويه أحسن نسقاً أو عالم من الاضطراب أو موافق لظاهر الكتاب، والآخر ليس كذلك. القضية المشهورة ببعد الكذب فيها بخلاف القضية الخفية، والكتابة تحتملا لتزوير بخلاف المسموع، والمرفوع إلى النبي ﷺ حجة إجماعاً، أما الموقوف على بعض الصحابة يقوله من قبل نفسه ولا يقول سمعت من رسول الله ﷺ ، فيحتمل أن يكون سمع من النبي ﷺ فيكون حجة إجماعاً، أو هو من اجتهاده فيخرج على الخلاف في قول الصحابي وفعله هل هو حجة أول لا؟ والحجة إجماعاً تقدم على المتردد بين الحجة وغيرها، واتفاق الرواة عند إثبات الحكم دليل قوة الخبر وضبطه عندهم، وإذا اختلفوا دل ذلك على ضعف السند أو الدلالة أو وجود المعارض، فكان الأول أرجح، وصاحب القضية إذا رواها كان أعلم بها وأبعد عن الذهول والتخليط فيها، بخلاف ما إذا روى غيره، وإجماع أهل المدينة مرجح لأنهم مهبط الوحي ومعدن الرسالة، وإذا وقع شرع كان ظاهراً فيهم وعنهم يأخذ غيرهم، وإذا لم يوجد شيء بين أظهرهم دل ذلك على بطلانه أو نسخه، وحسن النسق أنسب للفظ النبوة فإنه ﵊ أنصح العرب، فإضافة الأفصح إليه أنسب من ضده، والاضطراب اختلاف ألفاظ الرواة وهو يوجب خللاً في الظن عند السامع فما لا خلل فيه أرجح، والمعتضد بالكتاب العزيز أقوى في الظن من المنفرد لغير عاضد فيقدم. قال الإمام أو يكون راويه فقيهاً أو عالماً بالعربية أو عرفت عدالته بالاختبار، أو علمت بالعدد الكثير أو ذكر سبب عدالته أو لم يختلط عقله في بعض الأوقات، أو كونه من أكابر الصحابة رضوان الله عليهم، أو له أهم واحد أو لم يعرف له رواية في زمن الصبا والآخر ليس كذلك أو يكون مدنياً والآخر مكياً، أو راويه متأخر الإسلام. العلم بالفقه أو العربية مما يبعد الخطأ في النقل فيقدم على الجاهل بهما، وعدالة الاختيار هي عدالة الخلطة فهي أقوى من عدالة التزكية من غير خلطة للمزكى عنده، والمذكور سبب عدالته دليل قوة سبب التزكية، فإنه لا يذكر إلا مع قوته. . وأما إذا سكت المزكي عن سبب العدالة احتملا لضعف، والذي اختلط عقله في

стр. 422

بعض الأوقات يخشى أن يكون ما يرويه لنا الآن مما سمعه في تلك الحالة، والذي لم يختلط عقله أمناً فيه ذلك، والذي له اسم واحد يبعد التدليس فيه، والذي له اسمان يقرب اشتباهه بغيره ممن ليس بعدل وهو مسمى بأحد اسميه فتقع الرواية عن ذلك الذي ليس بعدل، فيظن السامع أنه العدل ذو الاسمين فيقبله، والذي وقعت روايته في زمن الصبا إذا روى عنه لنا يجوز أن يكون مما يقل عنه في زمن الصبا، ورواية الصبي غير موثوق بها بخلاف الذي لم يرو إلا بعد البلوغ، وما روى بالمدينة ظاهر حالة التأخر عن المكي لأنه بعد الهجرة، والمتأخر يرجح لأنه قد يكون الناسخ، ولقول ابن عباس ﵄ كنا نأخذ الأحدث فالأحدث من فعل رسول الله ﷺ فيكون مساوياً لمتأخر الإسلام، ويحتمل استماعه أول إسلامه فيكون متقدماً في الزمان مرجوحاً في العمل، والذي لا احتمال فيه أولى مما فيه احتمال المرجوحية. وأما ترجيح المتن قال الباجي يترجح السالم من الاضطراب والنص في المراد أو غير متفق على تخصيصه أو ورد على غير سبب، أو قضي به على الآخر في موضع أو ورد بعبارات مختلفة، أو يتضمن نفي النقص، عن الصحابة رضوان الله عليهم، والآخر ليس كذلك. الاضطراب اختلاف ألفاظ الرواة، والنص هو الذي لا يحتمل المجاز والذي لم يتفق على تخصيصه كما تقدم في آية الأختين والوارد على سبب اختلف العلماء فيه، هل يقصر على سببه أم يخلى على عمومه؟ والذي لم يرد على سبب سلم عن هذا الاختلاف ويحمل على عمومه إجماعاً، وإذا قدم أحد الخبرين على الآخر في موطن كان ذلك ترجيحاً له عليه لأنها مزية له، وإذا ورد بعبارات مختلفة والمعنى واحد قوى ذلك المعنى في النفس، وبعد اللفظ عن المجاز، والعبارة الواحدة تحتمل المجاز وأن يراد غير ذلك المعنى الظاهر وهذا غير الاضطراب فإنه اختلاف اللفظ واختلاف المعنى بالزيادة والنقصان. قال الإمام ﵀ أو يكون نصبح اللفظ، أو لفظه حقيقة، أو يدل على المراد من وجهين، أو يؤكد لفظه بالتكرار أو يكون ناقلاً

стр. 423

عن حكم العقل أو لم يعمل بعض الصحابة أو السلف على خلافه مع الاطلاع عليه، أو كان مما لا تعم به البلوى، والآخر ليس كذلك. الناقل عن البراءة الأصلية أرجح لأنه مقصود بعثة الرسل، وأما استصحاب حكم العقل فيكفي فيه حكم العقل فيقدم الناقل كما يقدم المنشئ على المؤكد، وعمل الأكابر على خلاف الخبر مع اطلاعهم عليه يدل على اطلاعهم على نسخه، فالسالم عن ذلك مقدم عليه، أما غذا لم يطلع جاز أن يكون تركه لعدم اطلاعه عليه فيسقط الترجيح، والذي تعم به البلوى اختلف العلماء في قبوله: منعه الحنفية من أخبارا لآحاد والكلام فيه فيضعف الخلاف في قبوله، فالسالم عن هذا الخلاف مقدم. الفصل الرابع في ترجيح الأقيسة قال الباجي يترجح أحد القياسين على الآخر بالنص على علته أو لأنه يعود على أصله بالتخصيص أو علته مطردة منعكسة، أو شهد لها أصول كثيرة، أو يكون أحد القياسين فرعه من جنس أصله، أو علته متعدية أو يعم فروعها أو هي أعم أو هي منتزعة من أصل منصوص عليه أو أقل أوصافاً والقياس الآخر ليس كذلك. النص على العلة يدل على العلية أكثر من الاستنباط، فإن اجتهادنا يحتمل الخطأ، والنصر صواب جزماً، ومثال ما يعود على أصله بالتخصيص جعلنا علة منع بيع الحيوان باللحم معللاً بالمزابنة وهي بيع المجهول بالعلوم من جنسه (١) فاقتضى ذلك حمل الحديث على الحيوان الذي يقصد منه اللحم، فخرج بسبب هذه العلة أكثر الحيوانات وبطل حكم النهي فيها، وكذلك تعليل منع بيع الحاضر للبادي، بأن الأعيان على أهل البادية تقوم بغير مال كالحطب والسمن وغيرهما، فاقتضى هذا التعليل أن يخرج الأعيان التي اشتراها البدوي، وإن نصحه فيها متعين وإعانته،

стр. 424

بخلاف القسم الأول فالتحامل عليه فيه بتركه مع الحضري ولا ينصح، فالعلة التي لا تعكر على أصلها بالبطلان أولى، والعلة المتعدية أولى من القاصرة، غير أن هذا لا يستقيم من جهة أن القاصرة لا قياس فيها، والكلام إنما هو هو في ترجيح الأقيسة، فإن كان في ترجيح العلل من غير قياس صح، والعلل التي تعم فروعها تقدم بسبب أنها إذا لم تعم تكون بقية الفروع معللة بعلة أخرى، وتعليل الأحكام المستوية بالعلل المختلفة مختلف فيه والمتفق عليه أولى، والتي هي أعم يكون فائدتها أكثر فتقدم، والمنتزعة من أصل منصوص عليه مقدمة على ما أخذ من أصل اتفق عليه الخصمان فقط، والعلة إذا قلت أوصافها أو كانت ذات وصف واحد كانت مقدمة لأن المركب يسرع غليه العدم بطريقين من جهة عدم كل واحد من أوصافه، وما كثرت شروطه كان مرجوحاً. قال الإمام أو يكون أحد القياسين متفقاً على علته أو أقل خلافاً أو بعض مقدماته يقينية أو علته وصف حقيقي، ويترجح التقليل بالحكمة على الدم والإضافي والحكم الشرعي والتقديري، والتعليل بالعدم أولى من التقديري، وتعليل الحكم الوجودي بالوصف الوجودي أولى من العدمي بالعدمي ومن العدمي بالوجودي ومن الوجودي بالعدمي، لأن التعليل بالعدم استلزم تقدير الوجود وبالحكم الشرعي أولى من التقديري، لكون التقديري على خلاف الأصل، والقياس الذي يكون ثبوت الحكم في أصله أقوى أو بالإجماع أو بالتواتر أقوى مما ليس كذلك. الوصف الحقيقي كالإسكار، والعدمي كقولنا غير مستحق أو عدوان فإنه سلب محض، والإضافي نحو قولنا البنوة مقدمة على الأبوة وهما علة الميراث، وهما إضافيتان ذهنيتان لا وجود لهما في الأعيان، وتقدم أن الحكمة هي علة علية العلة، كإتلاف المال في السرقة، واختلاط الأنساب في الزنا، فهي أولى من العدم الصرف، والحكم الشرعي كتعليل منع البيع بالنجاسة والتقديري كتعليل ثبوت الولاء للمعتق عنه بتقدير الملك له، وتوريث الدية في الخطأ

стр. 425

بتقدير ثبوت الملك للمقتول قبل موته في الزمن الفرد فإنه حي يستحقها، وما لا يملكه لا يورث عنه، والملك بعد الموت محال فيتعين تقدير الملك قبل الزهوق بالزمن الفرد، وقدم العدم على التقديري لأن التقديري هو إعطاء الموجود حكم المعدوم أو المعدوم حكم الموجود، ووضع المعلوم على خلاف ما هو عليه خلاف الأصل، والعدم هو على وضعه لم يخالف فيه أصل فكان مقدماً إنما استدعى العدم تقدير الوجود، لأن العلة العدمية لا بد أن تكون عدماً، مضافاً لشيء معين كقولنا عدم الإسكار علة إباحة الخمر ونحو ذلك، فلا بد من تقدير معنى هذا عدمه، والحكم الشرعي حقيقي بخلاف التقديري فيه مخالفة الأصل كما تقدم. الفصل الخامس في ترجيح طرق العلة قال الإمام ﵀ المناسبة أقوى من الدوران خلاف القوم، ومن التأثير والسبر المظنون والشبه والطرد والمناسب الذي اعتبر نوعه في نوع الحكم على ما اعتبر جنسه في نوع الحكم، أو نوع الحكم في جنسه، أو جنسه في جنسه، لأن الأخص بالشيء أرجح وأولى به والثاني والثالث متعارضان، والثلاثة راجحة على الرابع، ثم الأجناس عالية وسافلة ومتوسطة، وكلما قرب كان أرجح، والدوران في صورة أرجح منه في صورتين، والشبه في الصفة أقوى منه في الحكم وفيه خلاف. المناسبة المصلحة بادية فيها، والدوران فيه إلا مجرد الاقتران، والشرائع مبنية على المصالح. حجة المنع: أن الدوران فيه طرد وعكس لاقتران الوجود بالوجود والعدم بالعدم، والعلة المطردة المنعكسة أشبه بالعلل العقلية فيكون أرجح. والجواب: المناسب المطرد المنعكس أرجح من المناسب الذي لا يكون كذلك، أما مجرد الطرد والعكس فممنوع، والتأثير هو اعتبار الجنس في
следующие страницы →