← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21813

شرح تنقيح الفصول

القرافي

Полный текст (458 стр.). Показаны 421–458 · переход к 426.

стр. 421

الصلاة والسلام، أو اتفق رواته على إثبات الحكم به أو راويه صاحب القضية أو إجماع أهل المدينة على العمل به أو راويه أحسن نسقاً أو عالم من الاضطراب أو موافق لظاهر الكتاب، والآخر ليس كذلك. القضية المشهورة ببعد الكذب فيها بخلاف القضية الخفية، والكتابة تحتملا لتزوير بخلاف المسموع، والمرفوع إلى النبي ﷺ حجة إجماعاً، أما الموقوف على بعض الصحابة يقوله من قبل نفسه ولا يقول سمعت من رسول الله ﷺ ، فيحتمل أن يكون سمع من النبي ﷺ فيكون حجة إجماعاً، أو هو من اجتهاده فيخرج على الخلاف في قول الصحابي وفعله هل هو حجة أول لا؟ والحجة إجماعاً تقدم على المتردد بين الحجة وغيرها، واتفاق الرواة عند إثبات الحكم دليل قوة الخبر وضبطه عندهم، وإذا اختلفوا دل ذلك على ضعف السند أو الدلالة أو وجود المعارض، فكان الأول أرجح، وصاحب القضية إذا رواها كان أعلم بها وأبعد عن الذهول والتخليط فيها، بخلاف ما إذا روى غيره، وإجماع أهل المدينة مرجح لأنهم مهبط الوحي ومعدن الرسالة، وإذا وقع شرع كان ظاهراً فيهم وعنهم يأخذ غيرهم، وإذا لم يوجد شيء بين أظهرهم دل ذلك على بطلانه أو نسخه، وحسن النسق أنسب للفظ النبوة فإنه ﵊ أنصح العرب، فإضافة الأفصح إليه أنسب من ضده، والاضطراب اختلاف ألفاظ الرواة وهو يوجب خللاً في الظن عند السامع فما لا خلل فيه أرجح، والمعتضد بالكتاب العزيز أقوى في الظن من المنفرد لغير عاضد فيقدم. قال الإمام أو يكون راويه فقيهاً أو عالماً بالعربية أو عرفت عدالته بالاختبار، أو علمت بالعدد الكثير أو ذكر سبب عدالته أو لم يختلط عقله في بعض الأوقات، أو كونه من أكابر الصحابة رضوان الله عليهم، أو له أهم واحد أو لم يعرف له رواية في زمن الصبا والآخر ليس كذلك أو يكون مدنياً والآخر مكياً، أو راويه متأخر الإسلام. العلم بالفقه أو العربية مما يبعد الخطأ في النقل فيقدم على الجاهل بهما، وعدالة الاختيار هي عدالة الخلطة فهي أقوى من عدالة التزكية من غير خلطة للمزكى عنده، والمذكور سبب عدالته دليل قوة سبب التزكية، فإنه لا يذكر إلا مع قوته. . وأما إذا سكت المزكي عن سبب العدالة احتملا لضعف، والذي اختلط عقله في

стр. 422

بعض الأوقات يخشى أن يكون ما يرويه لنا الآن مما سمعه في تلك الحالة، والذي لم يختلط عقله أمناً فيه ذلك، والذي له اسم واحد يبعد التدليس فيه، والذي له اسمان يقرب اشتباهه بغيره ممن ليس بعدل وهو مسمى بأحد اسميه فتقع الرواية عن ذلك الذي ليس بعدل، فيظن السامع أنه العدل ذو الاسمين فيقبله، والذي وقعت روايته في زمن الصبا إذا روى عنه لنا يجوز أن يكون مما يقل عنه في زمن الصبا، ورواية الصبي غير موثوق بها بخلاف الذي لم يرو إلا بعد البلوغ، وما روى بالمدينة ظاهر حالة التأخر عن المكي لأنه بعد الهجرة، والمتأخر يرجح لأنه قد يكون الناسخ، ولقول ابن عباس ﵄ كنا نأخذ الأحدث فالأحدث من فعل رسول الله ﷺ فيكون مساوياً لمتأخر الإسلام، ويحتمل استماعه أول إسلامه فيكون متقدماً في الزمان مرجوحاً في العمل، والذي لا احتمال فيه أولى مما فيه احتمال المرجوحية. وأما ترجيح المتن قال الباجي يترجح السالم من الاضطراب والنص في المراد أو غير متفق على تخصيصه أو ورد على غير سبب، أو قضي به على الآخر في موضع أو ورد بعبارات مختلفة، أو يتضمن نفي النقص، عن الصحابة رضوان الله عليهم، والآخر ليس كذلك. الاضطراب اختلاف ألفاظ الرواة، والنص هو الذي لا يحتمل المجاز والذي لم يتفق على تخصيصه كما تقدم في آية الأختين والوارد على سبب اختلف العلماء فيه، هل يقصر على سببه أم يخلى على عمومه؟ والذي لم يرد على سبب سلم عن هذا الاختلاف ويحمل على عمومه إجماعاً، وإذا قدم أحد الخبرين على الآخر في موطن كان ذلك ترجيحاً له عليه لأنها مزية له، وإذا ورد بعبارات مختلفة والمعنى واحد قوى ذلك المعنى في النفس، وبعد اللفظ عن المجاز، والعبارة الواحدة تحتمل المجاز وأن يراد غير ذلك المعنى الظاهر وهذا غير الاضطراب فإنه اختلاف اللفظ واختلاف المعنى بالزيادة والنقصان. قال الإمام ﵀ أو يكون نصبح اللفظ، أو لفظه حقيقة، أو يدل على المراد من وجهين، أو يؤكد لفظه بالتكرار أو يكون ناقلاً

стр. 423

عن حكم العقل أو لم يعمل بعض الصحابة أو السلف على خلافه مع الاطلاع عليه، أو كان مما لا تعم به البلوى، والآخر ليس كذلك. الناقل عن البراءة الأصلية أرجح لأنه مقصود بعثة الرسل، وأما استصحاب حكم العقل فيكفي فيه حكم العقل فيقدم الناقل كما يقدم المنشئ على المؤكد، وعمل الأكابر على خلاف الخبر مع اطلاعهم عليه يدل على اطلاعهم على نسخه، فالسالم عن ذلك مقدم عليه، أما غذا لم يطلع جاز أن يكون تركه لعدم اطلاعه عليه فيسقط الترجيح، والذي تعم به البلوى اختلف العلماء في قبوله: منعه الحنفية من أخبارا لآحاد والكلام فيه فيضعف الخلاف في قبوله، فالسالم عن هذا الخلاف مقدم. الفصل الرابع في ترجيح الأقيسة قال الباجي يترجح أحد القياسين على الآخر بالنص على علته أو لأنه يعود على أصله بالتخصيص أو علته مطردة منعكسة، أو شهد لها أصول كثيرة، أو يكون أحد القياسين فرعه من جنس أصله، أو علته متعدية أو يعم فروعها أو هي أعم أو هي منتزعة من أصل منصوص عليه أو أقل أوصافاً والقياس الآخر ليس كذلك. النص على العلة يدل على العلية أكثر من الاستنباط، فإن اجتهادنا يحتمل الخطأ، والنصر صواب جزماً، ومثال ما يعود على أصله بالتخصيص جعلنا علة منع بيع الحيوان باللحم معللاً بالمزابنة وهي بيع المجهول بالعلوم من جنسه (١) فاقتضى ذلك حمل الحديث على الحيوان الذي يقصد منه اللحم، فخرج بسبب هذه العلة أكثر الحيوانات وبطل حكم النهي فيها، وكذلك تعليل منع بيع الحاضر للبادي، بأن الأعيان على أهل البادية تقوم بغير مال كالحطب والسمن وغيرهما، فاقتضى هذا التعليل أن يخرج الأعيان التي اشتراها البدوي، وإن نصحه فيها متعين وإعانته،

стр. 424

بخلاف القسم الأول فالتحامل عليه فيه بتركه مع الحضري ولا ينصح، فالعلة التي لا تعكر على أصلها بالبطلان أولى، والعلة المتعدية أولى من القاصرة، غير أن هذا لا يستقيم من جهة أن القاصرة لا قياس فيها، والكلام إنما هو هو في ترجيح الأقيسة، فإن كان في ترجيح العلل من غير قياس صح، والعلل التي تعم فروعها تقدم بسبب أنها إذا لم تعم تكون بقية الفروع معللة بعلة أخرى، وتعليل الأحكام المستوية بالعلل المختلفة مختلف فيه والمتفق عليه أولى، والتي هي أعم يكون فائدتها أكثر فتقدم، والمنتزعة من أصل منصوص عليه مقدمة على ما أخذ من أصل اتفق عليه الخصمان فقط، والعلة إذا قلت أوصافها أو كانت ذات وصف واحد كانت مقدمة لأن المركب يسرع غليه العدم بطريقين من جهة عدم كل واحد من أوصافه، وما كثرت شروطه كان مرجوحاً. قال الإمام أو يكون أحد القياسين متفقاً على علته أو أقل خلافاً أو بعض مقدماته يقينية أو علته وصف حقيقي، ويترجح التقليل بالحكمة على الدم والإضافي والحكم الشرعي والتقديري، والتعليل بالعدم أولى من التقديري، وتعليل الحكم الوجودي بالوصف الوجودي أولى من العدمي بالعدمي ومن العدمي بالوجودي ومن الوجودي بالعدمي، لأن التعليل بالعدم استلزم تقدير الوجود وبالحكم الشرعي أولى من التقديري، لكون التقديري على خلاف الأصل، والقياس الذي يكون ثبوت الحكم في أصله أقوى أو بالإجماع أو بالتواتر أقوى مما ليس كذلك. الوصف الحقيقي كالإسكار، والعدمي كقولنا غير مستحق أو عدوان فإنه سلب محض، والإضافي نحو قولنا البنوة مقدمة على الأبوة وهما علة الميراث، وهما إضافيتان ذهنيتان لا وجود لهما في الأعيان، وتقدم أن الحكمة هي علة علية العلة، كإتلاف المال في السرقة، واختلاط الأنساب في الزنا، فهي أولى من العدم الصرف، والحكم الشرعي كتعليل منع البيع بالنجاسة والتقديري كتعليل ثبوت الولاء للمعتق عنه بتقدير الملك له، وتوريث الدية في الخطأ

стр. 425

بتقدير ثبوت الملك للمقتول قبل موته في الزمن الفرد فإنه حي يستحقها، وما لا يملكه لا يورث عنه، والملك بعد الموت محال فيتعين تقدير الملك قبل الزهوق بالزمن الفرد، وقدم العدم على التقديري لأن التقديري هو إعطاء الموجود حكم المعدوم أو المعدوم حكم الموجود، ووضع المعلوم على خلاف ما هو عليه خلاف الأصل، والعدم هو على وضعه لم يخالف فيه أصل فكان مقدماً إنما استدعى العدم تقدير الوجود، لأن العلة العدمية لا بد أن تكون عدماً، مضافاً لشيء معين كقولنا عدم الإسكار علة إباحة الخمر ونحو ذلك، فلا بد من تقدير معنى هذا عدمه، والحكم الشرعي حقيقي بخلاف التقديري فيه مخالفة الأصل كما تقدم. الفصل الخامس في ترجيح طرق العلة قال الإمام ﵀ المناسبة أقوى من الدوران خلاف القوم، ومن التأثير والسبر المظنون والشبه والطرد والمناسب الذي اعتبر نوعه في نوع الحكم على ما اعتبر جنسه في نوع الحكم، أو نوع الحكم في جنسه، أو جنسه في جنسه، لأن الأخص بالشيء أرجح وأولى به والثاني والثالث متعارضان، والثلاثة راجحة على الرابع، ثم الأجناس عالية وسافلة ومتوسطة، وكلما قرب كان أرجح، والدوران في صورة أرجح منه في صورتين، والشبه في الصفة أقوى منه في الحكم وفيه خلاف. المناسبة المصلحة بادية فيها، والدوران فيه إلا مجرد الاقتران، والشرائع مبنية على المصالح. حجة المنع: أن الدوران فيه طرد وعكس لاقتران الوجود بالوجود والعدم بالعدم، والعلة المطردة المنعكسة أشبه بالعلل العقلية فيكون أرجح. والجواب: المناسب المطرد المنعكس أرجح من المناسب الذي لا يكون كذلك، أما مجرد الطرد والعكس فممنوع، والتأثير هو اعتبار الجنس في

стр. 426

الجنس، والاعتبار يضعف عن المناسب لما تقدم، والشبه هو المستلزم للمناسب، فالمناسب مقدم عليه، وقد تقدم تمثيله في طرق العلة والسب والتقسيم، ووقع التعيين فيه بإلغاء الغير أو تقدم اعتباره، والمناسب الاعتبار فيه بالذات، وتقدم في طرق العلة تقدير الطرد وهو مجرد اقتران الحكم بجملة الوصف، والاقتران بمجرده أضعف من المناسب لما تقدم أنه معدن الحكمة، وتقدم في المناسب تمثيل أجناس الأوصاف والأحكام عالية وسافلة، وتمثيل الدوران في صورتين وفي صورة ووجه الترجيح بينهما، وتقدم الشبه في الصفة لأن الأوصاف هي أصل العلل، والأصل أن تكون الأحكام معلولات لا عللاً. وقيل: لا، وحجته أن الحكم يستلزم علته فيقع الشبه في أمرين فيكون أرجح. وجوابه: أنه لا يلزم من الشبه في الحكم الشبه في العلة؛ فإن الأحكام المتماثلة تعلل بالعلل المختلفة.

стр. 427

الباب التاسع عشر في الاجتهاد وهو استفراغ الوسع في المطلوب لغة واستفراغ الوسع في النظر فيما يلحقه فيه لوم شرعي اصطلاحاً وفيه تسعة فصول الفصل الأول في النظر وهو الفكر، وقيل تردد الذهن بين أنحاء الضروريات، وقيل تحديق العقل إلى جهة الضروريات، وقيل ترتيب تصديقات يتوصل بها إلى علم أو ظن، وقيل ترتيب تصديقين، وقيل ترتيب معلومات، وقيل ترتيب معلومين. فهذه سبعة مذاهب. وأصحها الثلاثة الأول. وهو يكون في التصورات لتحصيل الحدود الكاشفة عن الحقائق المفردة على ترتيب خاص كما تقدم أول الكتاب، وفي التصديقات لتحصيل المطالب التصديقية على ترتيب خاص وشروط خاصة حررت في عالم المنطق، ومتى كان في الدليل مقدمة سالبة أو جزئية أو مظنونة كانت النتيجة كذلك لأنها تتبع أخس المقدمات ولا يلتفت إلى ما صحبها من أشرفها. الثلاثة في النظر متقاربة في المعنى واختلافها في العبارات، والضروريات هي القضايا البديهية فإن العقل يقصدها ابتداءً ليستخرج منها التصديقات النظرية. وأما قولهم ترتيب تصديقات فهو قول الإمام فخر الدين وهو باطل، فإن النظر إذا كان في الدليل كفى فيه مقدمتان، وتصديقات جمع ظاهر في الثلاث. ولذلك قال القائل الآخر تصديقين وهو باطل أيضاً فإن النظر كما يقع في التصديقات في البراهين يقع في التصورات في الحدود والتصديقات لا تتناول التصورات التي في الحدود.

стр. 428

فلذلك قال الآخر: ترتيب معلومات حتى يشمل التصديقات والتصورات فقيل له إن معلومات جمع وقد يكفي معلومان في الدليل من تصديقين وفي الحد من تصورين. فلذلك قال الآخر: ترتيب معلومين فقيل له إن النظر قد لا يتحصل منه إلا الحد الناقص وهو ذكر الفصل وحده أو الرسم الناقص وهو الخاصة وحدها ومع الوحدة لا ترتيب فقيد الترتيب لا يسوغ أصلاً لتوقفه على التعدد، فلذلك لم يصح إلا الثلاثة: الأول لعدم اشتراط الترتيب فيها والتعدد، مثال المقدمة السالبة والموجبة: كل إنسان حيوان ولا شيء من الحيوان بجماد فلا شيء من الإنسان بجماد. ومثال الجزئية والكلية، بعض الحيوان إنسان وكل إنسان ناطق فبعض الحيوان ناطق. ومثال المظنونة والقطعية: في البيت عصفور عملاً بإخبار زيد وهذه ظنية، وكل عصفور حيوان، وهذه قطعية، ففي الدار حيوان ظناً لا قطعاً. والضابط في الإنتاج أبداً أنك تحذف المكرر وتحكم بالثاني على الأول كما تقدم في المثل السابقة، والسبب في كونه النتيجة تتبع أخس المقدمات أن تلك المقدمة القوية متوقفة على تلك الخسيسة ولا تستقل بنفسها فلذلك صارت مع قوتها كالضعيفة. الفصل الثاني في حكمه مذهب مالك وجمهور العلماء ﵃ وجوبه وإبطال التقليد لقوله تعالى: «فاتقوا الله ما استطعتم» . وقد استثنى مالك ﵀ من ذلك أربع عشرة صورة لأجل الضرورة. الأولى قال ابن القصار قال مالك يجب على العوام تقليد المجتهدين في الأحكام كما يجب على المجتهدين الاجتهاد في أعيان الأدلة وهو قول جمهور العلماء خلافاً لمعتزلة بغداد، وقال الجبائي يجوز في مسائل الاجتهاد فقط. قال إمام الحرمين في الشامل: لم يقل بالتقليد في الأصول إلا الحنابلة وقال الأستاذ أبو إسحق من اعتقد ما يجب عليه من عقيدة دينه بغير دليل لا يستحق بذلك اسم الإيمان ولا دخول الجنة والخلوص من الخلود في النيران ولم يخالف في ذلك إلا أله الظاهر. حجة الجمهور قوله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ (١) أمر

стр. 429

بالعلم دون التقليد وقوله تعالى: ﴿قل انظروا﴾ (١) ، ﴿أفلم ينظروا﴾ (٢) ، ﴿وقل سيروا في الأرض فانظروا﴾ (٣) وهو كثير في الكتاب العزيز وذم التقليد بقوله تعالى ذماً لمن قال: ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون﴾ (٤) وقال تعالى أيضاً: ﴿وإنا على آثارهم مقتدون﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم﴾ (٦) فأمر بالنظر في ذلك وقال: ﴿فهم على آثارهم يهرعون﴾ (٧) . حجة الشاذ: أنه ﵊ كان يقبل إيمان الأعرابي الجلف البعيد عن النظر ولو صح ما قلتموه ما أقرهم على ذلك أو حكم بإيمانهم، وسأل ﵊ الجارية أين الله فقالت في السماء فقال للسائل أعتقها فإنها مؤمنة، وهذا كله يدل على عدم اشتراط النظر. أجاب الجمهور عن هذه الصور: بأن ذلك كان من أحكام أوائل الإسلام لضرورة المبادئ أما بعد تقرر الإسلام فيجب العمل بما ذكرناه من موجب الآيات، ولذلك كان ﵊ يكتفي في قواعد الشرع والتوحيد بأخبار الآحاد فيبعث الواحد إلى الحي من أحياء العرب يعلمهم القواعد والتوحيد والفروع، وقد لا يفيد خبره إلا الظن غالباً ومع ذلك فيكتفى به في أول الإسلام بخلافه الآن لا يكتفى بمثل هذا في الدين، ولا يحل أن يظن الإنسان نفي الشريك والوحدانية مع تجويز النقيض. وأما التقليد في الفروع فحجة الجمهور قوله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ (٨) فأمرهم بالحذر عند إنذار علمائهم، ولولا وجوب التقليد لما وجب ذلك، ولقوله تعالى: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ (٩) قال المفسرون: هم العلماء، وقيل ولاة الأمر والنهي من الملوك وغيرهم أوجب الطاعة وهو وجوب التقليد. حجة المعتزلة: قوله تعالى ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (١٠) ومن الاستطاعة ترك التقليد، ولأن العامي متمكن من كثير من وجوه النظر فوجب أن لا يجوز له تركها قياساً على المجتهد. والجواب على الأول: أن الخطأ متعين في حق العوام إذا انفردوا بالأحكام لأنهم

стр. 430

لا يعرفون الناسخ والمنسوخ ولا المخصص ولا المقيد ولا كثيراً مما تتوقف عليه الألفاظ وما لا يضبطونه لا يحل لهم محاولته لفرط الغرر فيهز وهو الجواب عن الثاني. حجة الجبائي: أن شعائر الإسلام الظاهرة لا تحتاج لمنصب المجتهد فلا حاجة إلى التقليد فيها كالصلوات الخمس وصوم رمضان ونحو ذلك، وأما الأمور الخفية من المجتهد فيه فيتعين التقليد فيه لغموضه. والجواب: أن تلك الأمور إن انتهت إلى حد الضرورة بطل التقليد بالضرورة ولا نزاع في ذلك لأن تحصيل الحاصل محال لاسيما والتقليد إنما يفيد الظن الذي هو دون الضرورة بكثير وإن لم ينته إلى حد الضرورة تعين التقليد للحاجة في النظر إلى أدوات مفقودة في حق العامي. فروع ثلاثة: الأول قال ابن القصار إذا استفتى العامي في نازلة ثم عادت لم يحتمل أن يعتمد على تلك الفتوى لأنها حق ويحتمل أن يعيد الاستفتاء لاحتمال تغير الاجتهاد. الثاني: قال يحيى الزناتي يجوز تقليد المذاهب في النوازل والانتقال من مذهب إلى مذهب بثلاثة شروط أن لا يجمع بينهما على وجه يخالف الإجماع كمن تزوج بغير صداق ولي ولا شهود فإن هذه الصورة لم يقل بها أحد وإن يعتقد فيمن يقلده الفضل بوصول أخباره غليه ولا يقلده رمياً في عماية وأن لا يتتبع رخص المذاهب. قال والمذاهب كلها مسالك إلى الجنة وطرق إلى الخيرات فمن سلك منها طريقاً وصله. تنبيه: قال غيره يجوز تقليد المذاهب والانتقال إليها في كل ما لا ينقض فيه حكم الحاكم وهو أربعة ما خالف الإجماع أو القواعد أو النص أو القياس الجلي فإن أراد ﵀ بالرخص هذه الأربعة فهو حسن متعين فإن ما لا تقره مع تأكده بحكم الحاكم فأولى أن لا نقره قبل ذلك، وإن أراد بالرخص ما فيه سهولة على المكلف كيف كان يلزمه أن يكون من قلد مالكاً في المياه والأرواث وترك الألفاظ في العقود مخالفاً لتقوى الله تعالى وليس كذلك. قاعدة: انعقد الإجماع على أن من أسلم فله أن يقلد من شاء من العلماء بغير حجر وأجمع الصحابة رضوان الله عليهم على أن من استفتى أبا بكر وعمر رضي

стр. 431

الله عنهما أو قلدهما فله أن يستفتي أبا هريرة ومعاذ بن جبل وغيرهما ويعمل بقولهم من غير نكير فمن ادعى رفع هذين الإجماعين فعليه الدليل الثالث إذا فعل المكلف فعلاً مختلفاً في تحريمه غير مقلد لأحد فهل نؤثمه بناءً على القول بالتحريم أو لا نؤثمه بناءً على القول بالتحليل مع أنه ليس إضافته إلى أحد المذهبين أولى من الآخر ولم يسألنا عن مذهبنا فنجيبه، ولم أر لأحد من أصحابنا فيه نقلاً. وكان الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد من الشافعية يقول في هذا الفرع إنه آثم من جهة أن كل أحد يجب عليه أن لا يقدم على فعل حتى يعلم حكم الله تعالى فيهن وهذا أقدم غير عالم فهو آثم بترك التعلم، وأما تأثيمه بالفعل نفسه فإن كان مما علم من الشرع قبحه أثمناه وإلا فلا، وكان بمثله بما اشتهر قبحه كتلقي الركبان وهو من الفساد على الناس ونحو ذلك. الثانية: قال ابن القصار يقلد القائف العدل عند مالك وروى لا بد من اثنين. اختلف في مدرك هذه المسألة فقال أصحابنا إنه كالرواية فيكفي الواحد أو الشهادة فلا بد من اثنين، وقال الشافعية المدرك أنه حاكم والحاكم يكفي واحد أو شهادة فلا بد من اثنين. الثالثة: قال يجوز عنده تقليد التاجر في قيم المتلفات غلا أن تتعلق القيمة بحد من حدود الله تعالى فلا بد من اثنين لدراية التاجر بالقيم، وروي عنه أنه لا بد من اثنين في كل موضع. يريد بالقيمة التي يتعلق بها الحد كتقويم العرض المسروق هل وصلت قيمته إلى نصاب السرقة أم لا؟ فهذه الصورة لا بد فيها من اثنين لأن الحدود تدره بالشبهات، ولأنه عضو بيان فيحتاط فيه لشرفه. الرابعة: قال: ويجوز عنده تقليد القاسم بين اثنين وابن القاسم لا يقبل قول القاسم لأنه شاهد على فعل نفسه. مالك يجريه مجرى الحاكم أو نائب الحاكم يخبره بما ثبت عنده. الخامسة: قال: ويجوز تقليد المقوم لأرش الجنايات. السادسة: قال: يجوز تقليد الخارص فيما يخرصه عند مالك ﵀.

стр. 432

السابعة: قال يقلد عنده الراوي فيما يرويه. الثامنة: قال يقلده عنده الطبيب فيما يدعيه. التاسعة: يقلد الملاح في القبلة إذا خفيت أدلتها وكان عدلاً درباً في السير في البحر، وكذلك كل من كانت صناعته في الصحراء وهو عدل. العاشرة: قال ولا يجوز عنده أن يقلد عامي عامياً في رؤية الهلال لضبط التاريخ دون العبادة. الحادية عشرة: قال يجوز عنده تقليد الصبي والأنثى والكافر الواحد في الهداية والاستئذان. قال الشافعية: هذه الصورة ونحوها احتفت فيها القرائن فنابت عن العدد والإسلام وربما حصل العلم. الثانية عشرة: قال يقلد القصاب في الذكاة ذكراً كان أو أنثى مسلماً أو كتابياً، ومن مثله يذبح. الثالثة عشرة: قال يقلد محاريب البلاد العامرة التي تتكرر الصلاة فيها ويعلم أن إمام المسلمين بناها ونصبها أو اجتمع أهل البلد على بنائها، قال لأنه قد علم أنها لم تنصب إلا بعد اجتهاد العلماء في ذلك، ويقلدها العالم والجاهل، وأما غير تلك فعلى العالم الاجتهاد، فإن تعذر عليه الأدلة صلى إلى المحراب إذا كان البلد عامراً لأنه أقوى من الاجتهاد بغير دليل، وأما العامي فيصلي في سائر المساجد. قلت: وهذا بشرط أن لا يشتهر الطعن فيها كمحاريب القرى وغيرها بالديار المصرية، فإن أكثرها ما زال العلماء قديماً وحديثاً ينبهون على فسادها، وللزين الدمياطي في ذلك كتاب ولغيره، وقد قصد الشيخ عز الدين بن عبد السلام تغيير محراب قبة الشافعي والمدرسة ومصلى حولان فعاجله ما منعه من ذلك، وكذلك محراب المحلة مدينة الغربية والفيوم ومنية ابن أبي خصيب وهي لا تعد ولا تحصى لا يجوز أن يقلدها عالم ولا عامي. الرابعة عشرة: قال يقلد العامي في ترجمة الفتوى باللسان العربي أو العجمي وفي قراءتها أيضاً، ولا يجوز لعالم ولا جاهل التقليد في زوال الشمس لأنه مشاهد.

стр. 433

الفصل الثالث فيمن يتعين عليه الاجتهاد أفتى أصحابنا ﵏ بأن العلم على قسمين فرض عين وفرض كفاية وحكى الشافعي في رسالته والغزالي في إحياء علوم الدين الإجماع على ذلك، ففرض العين الواجب على كل أحد هو عامه بحالته التي هو فيها، مثاله رجل أسلم ودخل عليه وقت الصلاة فيجب عليه أن يتعلم الوضوء والصلاة، فإن أراد أن يشتري طعاماً لغذائه قلنا يجب عليك أن تتعلم ما تعتمده في ذلك، وإن أراد الزواج وجب عليه أن يتعلم ما يعتمده في ذلك وإن أراد أن يؤدي شهادة وجب عليه أن يتعلم حكم الصرف، فكل حالة يتصف بها يجب عليه أن يعلم حكم الله تعالى فيها، فعلى هذا لا ينحصر فرض العين في العبادات ولا في باب من أبواب الفقه كما يعتقده كثير من الأغبياء، وعلى هذا القسم يحمل قوله ﵊: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» فمن توجهت عليه حالة فعلم وعمل بمقتضى علمه فقد أطاع الله طاعتين، ومن لم يعلم ولم يعمل فقد عصى الله معصيتين ومن علم ولم يعمل فقد أطاع الله طاعة وعصاه معصية، ففي هذا المقام يكون العالم خير من الجاهل والمقام الذي يكون الجاهل فيه خيراً من العالم من شرب خمراً بعلمه وشربه آخر بجهلهن فإن العالم به يأثم بخلاف الجاهل، وهو أحسن حالاً من العالم وكذلك من اتسع في العلم باعه تعظم مؤاخذته، لعلو منزلته بخلاف الجاهل فهذا أسعد حالاً من العالم في هذين الوجهين. وأما فرض الكفاية فهو العلم الذي لا يتعلق بحالة الإنسان فيجب على الأمة أن يكون منهم طائفة يتفقهون في الدين ليكونوا قدوة للمسلمين (١) حفظاً للشرع من الضياع، والذي يتعين لهذا من المسلمين من جاد حفظه وحسن إدراجه وطابت سجيته وسريرتهن ومن لا فلا. لأن من لا يكون كذلك لا يحصل منه المقصود، إما لتعذره كسيئ الفهم يتعذر عليه أن يصل لمرتبة الاقتداء، أو لسوء الظن به فينفر الناس عنه فلا يحصل منه مقصود الاقتداء.

стр. 434

الفصل الرابع في زمانه وافقوا على جواز الاجتهاد بعد وفاته ﵊، وأما في زمانه فوقوعه منه ﵊ قال به الشافعي وأبو يوسف، وقال أبو علي وأبو هاشم لم يكن متعبداً به لقوله تعالى: ﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾ وقال بعضهم كان له ﵇ أن يجتهد في الحروب والآراء دون الأحكام قال الإمام: وتوقف أكثر المحققين في الكل وأما وقوع الاجتهاد في زمانه ﵊ من غيره فقليل وهو جائز عقلاً في الحاضر عنده ﵊ والغائب عنه، فقد قال له معاذ بن جبل أجتهد رأيي. حجة كونه ﵊ كان يجتهد: ما روي أنه ﵊ لما قال في تحريم مكة: «لا يعضد شجرها ولا يختلى خلالها: فقال له العباس إلا الأذخر» وهذا يدل على أنه لما بين له الحاجة إلهي أباحه بالاجتهاد للمصلحة، وكذلك لما أنشدته المرأة لما قتل أخاها. أمحمد والنجل نجل كريمة ... في قومها والفحل فحلٌ معرق ما كان ضَرك لو عفوت وربما ... مَنَّ الفتى وهو المغيظ المخَق فقال ﵊ لو سمعت شعرها قبل قتله ما قتلته، وهذا يدل على الاجتهاد. وحكم سعد في بني قريظة فحكم بأن يُقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم، وما جعل لغيره أن يفعله فله هو ﵊ أن يفعله لأن الأصل مساواة أمته له في الأحكام غلا ما دل الدليل على تخصيصه من ذلك، ويرد على الكل أن هذه الصورة يجوز أن يقارنها نصوص نزلت فيها أو تقدمتها نصوص؛ بأن يُوحى إذا كان كذا فافعل كذا وحينئذ هي بالوحي لا بالاجتهاد. حجة القول بالفرق بين الحروب فيجوز أن الحروب أمرها على الفور لعظم المفسدة في التأخير من جهة استيلاء العدو فيفوض إليه، وقصة معاذ تدل عليه والأحكام يجوز التراخي فيها فلا يجتهد فيها.

стр. 435

والجواب: أن المفسدة تندفع بتقدم نصوص في مثل هذه الصور ويقال له إذا وقع كذا فافعل كذا ولا اجتهاد حينئذ، ويظهر من تعارض هذه المدارك حجة التوقف. الفصل الخامس في شرائطه وهو أن يكون عالماً بمعاني الألفاظ وعوارضها من التخصيص والنسخ وأصول الفقه، ومن كتاب الله تعالى ما يتضمن الأحكام وهي خمسمائة آية، ولا يشترك الحفظ بل العلم بمواضعها لينظرها عند الحاجة إليها، ومن السنة بمواضع أحاديث الأحكام دون حفظها، ومواضع الإجماع والاختلاف والبراءة الأصلية وشرائط الحد والبرهان، والنحو واللغة والتصريف وأحوال الرواة، ويقلد من تقدم في ذلك، ولا يشترط عموم النظر، بل يجوز أن يحصل صفة الاجتهاد في فن دون فن وفي مسألة دون مسألة خلافاً لبعضهم. الحصر في خمسمائة آية قاله الإمام فخر الدين وغيره ولم يحصر غيرهم ذلك وهو الصحيح فإن استنباط الأحكام إذا حقق لا يكاد تعرى عنه آية فإن القصص أبعد الأشياء عن ذلك والمقصود منها الاتعاظ والأمر به وكل آية وقع فيها ذكر عذاب أو ذم على فعل كان ذلك دليل تحريم ذلك الفعل، أو مدحاً أو ثواباً على فعل فذلك دليل طلب ذلك الفعل وجوباً أو ندباً، وكذلك ذكر صفات الله والثناء عليه المقصود به الأمر بتعظيم ما عظمه الله تعالى وأن نثني عليه بذلك، فلا تكاد تجد آية إلا وفيها حكم وحصرها في خمسمائة آية بعيد، وشرائطه الحد حتى يتحقق له الضوابط فيعلم اخرج عنها فلا يعتبره وما اندرج فيها أجرى عليه أحكام تلك الحقيقة، وشرائطه البرهان مقررة في علم المنطق وأما النحو والتصريف واللغة فلأن الحكم يتبع الإعراب كما قال ﵊: «ما تركنا صدقة» بالرفع فرواه الرافضة بالنصب أي لا يورث ما تركناه وقفاً وصار مفهومه أنهم يورثون في غيره وكذلك قوله ﵊: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر»

стр. 436

رواه الشيعة أبا بكر وعمر فانعكس المعنى أي يا أبا بكر وعمر فيكونان مقتديين لا مقتدى بهما وهو كثير، واسم الفاعل من المفعول إنما يعلم من جهة التصريف، وإنما قلد من مضى في أحوال الرواة لبعد أحوالهم عنا فتعين التقليد لمن اطلع على حالهم لتعذر ذلك علينا. حجة عدم اشتراط عموم النظر: أن المقصود البعد عن الخطأ بتحصيل شرائط الاجتهاد فإذا حصل ذلك في فن واحد كان كحصوله في جميع الفنون. حجة المنع: أن العلوم والفنون يمد بعضها بعضاً فمن غاب عنه فقد غاب نور فيما هو يعلمه وحينئذ لا يكمل النظر إلا بالشمول ولذلك أن النحوي الذي لا يحسن الفقه ولا المعقولات تجده قاصراً في نحوه بالنسبة لمن يعلم ذلك، وكذلك جميع الفنون. الفصل السادس في التصويب قال الجاحظ وعبد الله العنبري بتصويب المجتهدين في أصولا لدين؛ بمعنى عدم الإثم لا بمعنى مطابقة الاعتقاد، واتفق سائر العلماء على فساده، وأما في الأحكام الشرعية فاختلفوا هل لله تعالى في نفس الأمر حكم معين في الوقائع أم لا، والثاني قول من قال كلّ مجتهد مصيب وهو قول جمهور المتكلمين، ومنهم الأشعري والقاضي أبو بكر منا، وأبو علي وأبو هاشم من المعتزلة، وإذا لم يكن لله تعالى حكم معين فهل في الواقعة حكم لو كان لله تعالى حكم معين فهل في الواقعة حكم لو كان لله تعالى حكم معين في الواقعة لحكم به أو لا والأول هو القول بالأشبه وهو قول جماعة من المصوبين. والثاني قول بعضهم، وإذا قلنا بالحكم المعين فإما أن يكون عليه دليل ظني أو قطعي أو ليس عليه واحد منهما، والثاني قول جماعة من الفقهاء والمتكلمين. ونقل عن الشافعي ﵁ وهو عندهم كدفين يعثر عليه بالاتفاق، والقول بأن عليه دليلاً ظنياً فهل كلف بطلب ذلك الدليل، فإن أخطأه تعين التكليف إلى ما غلب على ظنه وهو قول، أو لم يكلف بطلبه لحقائقه وهو قول كافة الفقهاء منهم الشافعي وأبو حنيفة ﵄. والقائلون بأن عليه دليلاً قطعياً اتفقوا على أن المكلف مأمور بطلبه، وقال بشر المريسي إن أخطأ استحق

стр. 437

العقاب وقال غمير لا يستحق العقاب. واختلفوا أيضاً هل ينقض قضاء القاضي إذا قضى بخلافه قاله الأصم خلافاً للباقين، والمنقول عن مالك ﵀ أن المصيب واحد واختاره الإمام، وقال الإمام علي عليه دليل ظني ومخالفه معذور والقضاء لا ينقض، لنا أن الله تعالى شرع الشرائع لتحصيل المصالح الخالصة أو الراجحة أو درء المفاسد الخالصة أو الراجحة ويستحيل وجودها في النقيضين فيتحد الحكم: احتجوا بانعقاد الإجماع على أن المجتهد يجب عليه أن يتبع ما غلب على ظنه ولو خالف الإجماع، وكذلك من قلده، ولا نعني بحكم الله تعالى إلاّ ذلك فكل مجتهد مصيب وتكون ظنون المجتهدين تتبعها الأحكام كأحوال المضطرين والمختارين بالنسبة إلى الميتة، فيكون الفعل الواحد حلالاً حراماً بالنسبة إلى شخصين كالميتة. حجة الجاحظ: أن المجتهد في أصول الدين إذا بذل جهده فقد فنيت قدرته فتكليفه بعد ذلك بما زاد على ذلك تكليف بما لا يطلق وهو منفي في الشريعة، وإن قلنا بجوازه لقوله تعالى: «لا يكلف الله نفساً إلها وسعها» (١) . حجة الجمهور: أن أصول الديانات مهمة عظيمة فلذلك شرع الله تعالى فيها الإكراه دون غيرها فيكره على الإسلام بالسيف والقتال والقتل وأخذ الأموال والذراري وذلك أعظم الإكراه، وإذا حصل الإيمان في هذه الحالة اعتبر في ظاهر الشرع وغيره لو وقع بهذه الأسباب لم يعتبر، ولذلك لم يعذره الله بالجهل في أصول الدين إجماعاً، ولو شرب خمراً يظنه حلالاً أو وطئ أمرأة يظنها امرأته عذر بالجهل، وكذلك جعل النظر الأوّل واجباً من الجهل بالموجب وذلك تكليف ما لا يطاق، فكذلك إذا حصل الكفر مع بذل الجهد يؤاخذ الله تعالى به ولا ينفعه بذل جهده لعظم خطر الباب وجلالة رتبته، وظواهر النصوص تقتضي أنه من لم يؤمن بالله ورسوله ويعمل صالحاً فإن له نار جهنم خالداً فيها، وقياس الخصم الأصول على الفروع غلط لعظم التفاوت بينهما، وإذا قلنا ليس لله تعالى في نفس الأمر حكم معين فليس هناك إلاّ ما ظهر في ظنون المجتهدين فقد أصابوه، فكل مجتهد مصيب، أي إذا أفتى بشيء فقد أصابه أما لو انتهى به الحال للوقف فتمادى مهلة النظر فلا يقال له

стр. 438

إنه مصيب ولا مخطئ، وإذا قلنا في نفس الأمر حكم معين وهو ما تضمنه المصلحة الخالصة أو الراجحة فمن صادفه فهو المصيب ومن لم يصادفه فهو مخطئ له، فليس كلّ مجتهد مصيباً. ومعنى المذهب الثالث، وهو القول بالأشبه: أنه ليس في نفس الأمر حكم معين وإنما في نفس الأمر ما لو عين الله شيئاً لعينه فهو أشبه الأمور بمقاصد الشريعة، كما تقول لا نبي بعد رسول الله ﷺ ، وفي الزمان رجل صديق خير لو أن الله تعالى يبعث نبياً لبعثه، والقائل الآخر يقول ليس في نفس الأمر شيء هو أشبه، والظاهر هو الأوّل فإن الأفعال المتخيلة لا تخلو عن الرجحان في بعضها، والقائل الثاني يقول إذا لم يعين الله تعالى شيئاً استوت الأفعال، كما لو أن المباحات كلها مباحة لم تختلف وإن كانت مصالحها مختلفة. حجة الدليل القطعي على الحكم في نفس الأمر: أن تكليف الكل بشيء معين يعتمد دليلاً يظهر للكل وما ذاك إلاّ القطعي، أما الظني فيختلف فيه القرائح. حجة الدليل الظني: أن الله امتحن الخلق بذلك الحكم في نفس الأمر وأمرهم ببذلك الجهد في طلبه، فلولا أنه ودليله في غاية الخفاء لعرفه الكل فزال الامتحان وليس كذلك. حجة أنه ليس دليل لا ظني ولا قطعي: أنه لو كانت عليه أمارة لفهمها الكل ألا ترى أن المطر إذا كانت عليه أمارة علمها الكل، لكن الحكم ليس كذلك فلا أمارة عليه. وقول بشر باستحقاق العقاب إذا أخطأه لأنه يجعل التقصير من جهته ومن قصر استحق العقاب. حجة الجمهور: قوله ﵊: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإن أصاب فله أجران» فجعل الثواب مع الخطأ فلا عقاب حينئذ. وأما قول الأصم: أنه ينقض قضاء القاضي إذا خالفه فإنه في غاية العسر من جهة تصوره، بسبب أن هذا الحكم غير معلوم، وكذلك دلسله. ونحن وإن قلنا المصيب واحد فهو غير معلوم، ونقض قضاء القاضي إنّما يكون بما يتحقق وما لا يتحقق كيف ينقض به القضاء فهذا المذهب مشكل. وأما قول المصوبة: إنه يجب عليه اتباع ظنه وإن خالف الإجماع فمسلم، ولكن

стр. 439

الأحكام التي على ألسنة المجتهدين وظنونهم متفق عليها وأنها أحكام الله تعالى، والنزاع في ثبوت أمر آخر في نفس الأمر غيرها فما أقاموا فيه الدليل لا نزاع فيه وما فيه النزاع لم يقيموا الدليل عليه، فلا ينبغي أن يقيموا الدليل على أن هذه أحكام الله تعالى، بل يقيمون الدليل على أنه ليس لله تعالى حكم غيرها فإنه محل النزاع، والقائلون بالتصويب يقولون إن الحكم إنّما يتبع المصلحة الخالصة أو الراجحة في مواقع الإجماع أما في محل الاختلاف فلا يسلمون ذلك، فهذا منع حسن أيضاً على دليل المخطئة. الفصل السابع في نقض الاجتهاد أما المجتهد في نفسه فلو تزوج امرأة علق طلاقها الثلاث على الملك بالاجتهاد فإن حكم به حاكم ثم تغير اجتهاده لم ينقض، وإن لم يحكم له نقض ولم يجز له إمساك المرأة وأما العامي إذا فعل ذلك بقول المفتي ثم تغير اجتهاده فالصحيح أنه يجب عليه المفارقة قاله الإمام، وكل حكم اتصل به قضاء القاضي استقر إلاّ أن يكون ذلك القضاء مِمّا ينقض في نفسه. حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد يعين ذلك الحكم الذي حكم به الحاكم، فإن الحاكم نائب الله تعالى في مسائل الخلاف، فإذا أنشأ حكماً في مسائل الاجتهاد كان ذلك كالنص الوارد في خصوص تلك الواقعة من تلك القاعدة العامة، والدليل الخاص مقدم على العام في الصورة التي تناولها الخاص كما تقرر في أصول الفقه، وقد بسطت ذلك في كتاب (الإحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام وتصرف القاضي والإمام) إذا لم يحكم بالاجتهاد الأوّل حاكم نقض لأن تغير الاجتهاد يصيره كالمنسوخ والمنسوخ لا عبرة به، وكذلك تجب مفارقة المرأة من العامي إذا تغير اجتهاد من أفتاه لأن اجتهاده نسخ، وقيل لا يجب لأن الثاني اجتهاد أيضاً، وليس إبطال أحدهما بالآخر أولى من لاعكس فلا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد، نعم لو قطع بخطأ الأوّل وجبت المفارقة، والحكم الذي ينقض في نفسه ولا يمنع النقض هو ما خالف أحد أمور أربعة: الإجماع أو القواعد أو النص أو القياس الجلي.

стр. 440

الفصل الثامن في الاستفتاء إذا استثفتى مجتهد فأفتى ثم سئل ثانية عن تلك الحادثة فإن كان ذاكراً لاجتهاده الأوّل أفتى وإن نسي استأنف الاجتهاد، فإن أداه إلى خلاف الأوّل أفتى بالثاني قال الإمام والأحسن أن يعرف العامي ليرجع، ولا يجوز لأحد الاستفتاء إلاّ إذا غلب على ظنه أن الذي يفتيه من أهل العلم والدين والورع، فإن اختلف عليه العلماء في الفتوى فقال قوم. يجب عليه الاجتهاد في أعلمهم وأورعهم لتمكنه من ذلك، وقال قوم لا يجب ذلك لأن الكل طريق إلى الله تعالى ولم ينكر أحد على العوام في كلّ عصر ترك النظر في أحوال العلماء، وإذا فرعنا على الأوّل فإن حصل ظن الاستواء مطلقاً فأمكن أن يقال ذلك متعذر كما قيل في الأمارات، وأمكن أن يقال سقط عنه التكليف ويفعل ما يشاء، وإن حصل على الرجحان مطلقاً تعين العمل بالراجح وإن حصل من وجه فإن كان في العلم والاستواء في الدين فمنهم من خير ومنهم من أوجب الأخذ بقول الأعلم، قول الإمام وهو الأقرب ولذلك قدم في إمامة الصلاة وإن كان في الدين والاستواء في العلم فيتعين الأدين فإن رجح أحدهما في دينه والآخر في علمه فقيل يتعين الأدين وقيل الأعلم قال وهو الأرجح كما مر. إن كان المجتهد ذاكراً للاجتهاد ينبغي أن لا يقتصر على مجرد الذكر بل يحركه لعله يظفر فيه بخطأ أو زيادة بمقتضى قوله تعالى: «فاتقوا الله ما استطعتم» (١) ولأن رتبة المجتهد أن لا يقصر ولا يترك من جهده شيئاً، فإن استقر له اجتهاد في زمن لا يلزمه استقراره دائماً، بل الله تعالى خلاق على الدوام، فيخلق في نفسه علوماً ومصالح لم يكن يشعر بها قبل ذلك فإهمال ذلك تقصير. وإنما قال الإمام الأحسن أن يعرف العامي إذا تغير اجتهاده لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد ولكن الثاني أغلب على الظن من الأوّل فلو قطع ببطلان الأوّل وجب عليه تعريف العامي، ومدرك العامي في أن الذي يستفتيه من أهل العلم والدين والورع الأخبار وقرائن الأحوال فذلك عند العامة متيسر، وأما إذا لم

стр. 441

يتضح له ذلك فلا يحل له الاستفتاء لأن دين الله تعالى لا يؤخذ على غير أهله، قال الله تعالى: «قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون» (١) وقد قال تعالى: «فاسألوا أهل الذكر أن كنتم لا تعلمون» (٢) فتعين أهل الذكر بالنطق يقتضي بالمفهوم تحريم سؤال غيرهم، والتخيير والسقوط عند استواء المفتين، فقد قيل بهما في الأمارتين إذا استويا فمذهب القاضي والجمهور التخيير، ومذهب بعض الفقهاء السقوط. وجه التخيير عند الرجحان في العلم والاستواء في الدين: أن تقليد الأعلم غير واجب على المشهور وغاية هذا أن يكون أعلم فيتخير المستفتي. حجة تقديم الأعلم: أن المقدم في كلّ موطن من مواطن الشريعة من هو أقوم بمصالح ذلك الموطن؛ فيقدم في الحروب من هو أعلم بمكايد الحروب وسياسة الجيوش، وفي القضاء من هو أعلم بالتفطن بحجاج الخصوم، ولأمانة الحكم من أعلم بتنمية الأموال وضبطها وأحوال الأيتام في مصالحها. ولذلك قدم في الصلاة الفقيه على القارئ لأن الفقيه أقوم بمصالح الصلاة في سهوها وعوارضها، وكذلك الفتوى الأعلم أخص بها من الدَّيِّن. الفصل التاسع فيمن يتعين عليه الاستفتاء الذي تنزل به الواقعة إن كان عامياً وجب عليه الاستفتاء، وإن كان عالماً لم يبلغ درجة الاجتهاد ال فالأقرب أنه يجوز له الاستفتاء وإن بلغ درجة الاجتهاد وكان قد اجتهد وغلب على ظنه حكم فقد اتفقوا على تعيينه في حقه، وإن كان لم يجتهد فأكثر أهل السنة على أنه لا يجوز له التقليد وهو مذهب مالك ﵀، وقال أحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه وسفيان الثوري يجوز مطلقاً، وقيل يجوز تقليد العالم للأعلم وهو قول محمد بن الحسن، وقيل يجوز فيما يخصه دون ما يفتى به، وقال ابن سريج إن ضاق وقته عن الاجتهاد جاز وإلا فلان فهذه خمسة أقوال. لنا قوله تعالى: «فاتقوا الله ما استطعتم» (٣) ولا يجوز التقليد في أصول الدين لمجتهد

стр. 442

ولا للعوام عند الجمهور لقوله تعالى: «ولا تقف ما ليس لك به علم» (١) ولعظم الخطأ والخطر في جوانب الربوبيةن بخلاف الفروع لأنه ربما كفر في الألو ويثاب في الثاني جزماً. العامي ليس له أهلية فيتعين أن يقلد كما في القبلة، والعالم الذي لم يبلغ درجة الاجتهاد احتمالات الخطأ في حقه موجودة غير أنها أقل من العامي، فهذا وجه التردد، وكما اتفقوا على تعيين الحكم في حق المجتهد فكذلك من قلده، ومعناه لو فرض موصوفاً بسببه وغلا فقد يجتهد في الغنم وزكاتها ولا غنم له أو في الجنايات ولا جناية له ولا عليه، بل قد يجتهد في أحكام الحيض والعدة وغيرها مِمّا لا يوصف بد منه، وقد تقدم أول الكتاب حجة منع التقليد على المجتهد مطلقاً أن الأصل أن لا يجوز الظن لقوله تعالى: «ولا تقف ما ليس لك به علم» (٢) خالفناه في أعلى مراتب الظنون الناشئة عن الاجتهاد فيبقى ظن التقليد الضعيف على مقتضى الدليل. حجة الجواز مطلقاً: أن غاية المجتهد في اجتهاده أن يحصل مثل ما حصله غيره وكما يجوز أن يكون الثاني أقوى يجوز أن يكون أضعف فيتساقطان فيبقى التساوي وأحد المثلين يقوم مقام الآخر، وبهذا يظهر تفنيد العالم للأعلم، لأن الظاهر أن اجتهاد الأعلم أقرب للصواب، وأما ما يخصصه فلأن الحاجة تدعو إليه بخلاف الفتيا فله أن يحيل المستفتي على غيرهن وكذلك إذا ضاق الوقت كانت حالة ضرورة بخلاف اتساعه، وأما أصول الدين فقد تقدم حكاية إمام الحرمين في الشامل أنه لم يخالف في ذلك إلاّ الحنابلةن وقول الإسفرايني أنه لم يخالف فيه إلاّ أهل الظاهر، مع أني سألت الحنابلة قالوا مشهور مذهبنا منع التقليد، والغزالي يميل إليه وجماعة، وقد حكى القاضي عياض في الشفاء ذلك عن غيره.

стр. 443

الباب العشرون في جمع أدلة المجتهدين وتصرفات المكلفين وفيه فصلان الفصل الأول في الأدلة وهي على قسمين أدلة مشروعيتها وأدلة وقوعها، فأما أدلة مشروعيتها فتسعة عشر بالاستقراء، وأما أدلة وقوعها فلا يحصرها عدد، فلنتكلم أولاً عن أدلة مشروعيتها، فنقول: هي الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، وإجماع أهل المدينة، والقياس، وقول الصحابي، والمصلحة المرسلة، والاستصحاب والبراءة الأصلية، والعوائد، والاستقراء، وسد الذرائع، والاستدلال والاستحسان، والأخذ بالأخف، والعصمة، وإجماع أهل الكوفة، وإجماع العترة، وإجماع الخلفاء الأربعة. فأما الخمسة الأوّل فقد تقدم الكلام عليها، وأما قول الصحابي فهو حجة عند مالك والشافعي في قوله القديم مطلقاً لقوله ﵊: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» ومنهم من قال إن خالف القياس فهو حجة وإلا فلا، ومنهم من قال قول أبي بكر وعمر ﵄ حجة دون غيرهمان وقيل قول الخلفاء الأربعة حجة إذا اتفقوا. حجة كونه حجة: أنه إذا خالف القياس يقتضى أنه إنّما عمل لنص فأما إذا لم يخالف القياس فأمكن أن يكون عن اجتهاد فيكون كقول غير الصحابي فيصير دليلاً لدلالته على الدليل عند هذا القائل لا لكونه دليلاً في نفسه. حجة الآخر: قوله ﵊: «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر» ومفهومه يقتضي أن غيرهما ليس كذلك.

стр. 444

المصلحة المرسلة والمصالح بالإضافة إلى شهادة الشرع لها بالاعتبار عن ثلاثة أقسام: ما شهد الشرع باعتباره وهو القياس الذي تقدمن وما شهد الشرع بعدم اعتباره نحو المنع من زراعة العنب لئلا يعصر خمراً، وما لم يشهد له باعتبار ولا بإلغاء وهو المصلحة المرسلة وهي عند مالك ﵀ حجة. وقال الغزالي إن وقعت في محل الحاجة أو التتمة فلا تعتبر، وإن وقعت في محل الضرورة فيجوز أن يؤدي إليها اجتهاد مجتهد، ومثاله تترس الكفار بجماعة المسلمين فلو كففنا عنهم لصدمونا واستولوا على دار الإسلام وقتلوا كافة المسلمين، ولو رميناهم لقتلنا الترس معهم، قال فيشترط في هذه المصلحة أن تكون كلية قطعية ضرورية، فالكلية احتراز عما إذا تترسوا في قلعة بمسلمين فلا يحل رمي المسلمين إذ لا يلزم من ترك تلك القلعة فساد عام، والقطعية احتراز عما إذا لم نقطع باستيلاء الكفارة علينا إذا لم نقصد الترس وعن المضطر يأكل قطعة من فخذه، والضرورية احتراز عن المناسب الكائن في محال الحاجة والتتمة لنا أن الله تعالى إنّما بعث الرسل عليهم الصلاة والسلام لتحصيل مصالح العباد عملاً بالاستقراء فمهما وجدنا مصلحة غلب على الظن أنها مطلوبة للشرع. قد تقدم أن المصلحة المرسلة في جميع المذاهب عند التحقيق لأنهم يقيسون ويفرقون بالمناسبات ولا يطلبون شاهداً بالاعتبار ولا نعني بالمصلحة المرسلة إلاّ ذلك ومما يؤكد العمل بالمصلحة المرسلة أن الصحابة رضوان الله عليهم عملوا أموراً لمطلق المصلحة لا لتقدم شاهد بالاعتبار نحو كتابة المصحف ولم يتقدم فيه أمر ولا نظير، وولاية العهد من أبي بكر لعمر ﵄ ولم يتقدم فيها أمر ولا نظير، وكذلك ترك الخلافة شورى وتدوين الدواوين وعمل السكة للمسلمين واتخاذ السجن فعل ذلك عمر ﵁ وهدّ الأوقاف التي بإزاء مسجد رسول الله ﷺ والتوسعة بها في المسجد عند ضيقه فعله عثمان ﵁ ثم نقله هشام إلى المسجد، وذلك كثير جداً لمطلق المصلحة وإمام الحرمين قد عمل في كتابه المسمى

стр. 445

بالغياثي أموراً وجوزها وأفتى بها والمالكية بعيدون عنها وجسر عليها وقالها للمصلحة المطلقة وكذكل الغزالي في شفاء الغليل مع أن الاثنين شدادا الإنكار علينا في المصلحة المرسلة. الاستصحاب: ومعناه أن اعتقاد كون الشيء في الماضي أو الحاضر يوجب ظن ثبوته في الحال أو الاستقبال، فهذا الظن عند مالك والإمام المازني وأبي بكر الصيرفي رحمهم الله تعالى حجة خلافاً لجمهور الحنفية والمتكلمين. لنا أنه قضى بالطرف الراجح فيصبح كأروش الجنايات واتباع الشهادات. حجة المنع: أن الاستصحاب أمر عام يشمل كلّ شيء وإذا كثر عموم الشيء كثرت مخصصاته وما كثرت مخصصاته ضعفت دلالته فلا يكون حجة. والجواب: أن الظن الضعيف يجب اتباعه حتى يوجد معارضه الراجح عليه كالبراءة الأصلية فإن شمولها يمنع من التمسك بها حتى يوجد رافعها. البراءة الأصلية: وهي استصحاب حكم العقل في عدم الأحكام خلافاً للمعتزلة والأبهري وابي الفرج منا لنا: أن ثبوت العدم في الماضي يوجب ظن عدم ثبوته في الحال فيجب الاعتماد على هذا الظن بعد الفحص عن رافعه، وعدم وجوده عندنا وعند طائفة من الفقهاء. المعتزلة بنوا على مسألة التحسين والتقبيح أن (١) كلّ ثابت بعد الشرع ثابت قبله بالعقل وقد تقدم حجاجهم وأجوبتها أول الكتاب وأما الجمهور منا فعلى عدم الحكم إلاّ بعد البعثة، وأما الأبهري وابو الفرج وجماعة من الفقهاء قالوا بالحظر مطلقاً وبالإباحة مطلقاً وقد تقدم تفصيل مذاهبهم وليس ذلك منهم موافقة للمعتزلة في تحكيم العقل بل قالوا بذلك لأدلة سمعية وردت فقالوا بذلك لأجلها فمن الوارد في الحظر قوله تعالى: «يسألونك ماذا أحل لهم» (٢) وذلك يقتضي أن المتقدم التحريم على العموم، وكذلك قوله تعالى: «أحلت لكم بهيمة الأنعام إلاّ ما يتلى عليكم» (٣) ومن الأدلة للإباحة قوله تعالى: «خلق لكم ما في الأرض جميعاً» وقوله تعالى: «أعطى كلّ شيء خلقه ثم هدى» ونحو ذلك مِمّا يدل على الإباحة العامة فهم سنية لا معتزلة.

стр. 446

العوائد والعادة غلبة معنى من المعاني على الناس وقد تكون هذه الغلبة في سائر الأقاليم كالحاجة للغذاء والتنفس في الهواء، وقد تكون خاصة ببعض البلاد كالنقود والعيوب، وقد تكون خاصة ببعض الفرق كالأذان للإسلام والناقوس للنصارى، فهذه العادة يقضى بها عندنا لما تقدم في الاستصحاب. الاستقراء وهو تتبع الحكم في جزئياته على حالة يغلب على الظن أنه في صورة النزاع على تلك الحالة كاستقراء العرض في جزئياته بأنه لا يؤدي على الراحة فيغلب على الظن أن الوتر لو كان فرضاً لما أدى على الراحلة، وهذا الظن حجة عندنا وعند الفقهاء. في الاستدلال على عدم وجوب الوتر على الراجلة بفعله ﵊ إياه على الراحلة إشكال من جهة أنه لم يكن ذلك إلاّ في السفر والمنقول أنه لم يكن واجباً هو ولا القيام على رسول الله ﷺ في السفر فما فعل على الراحلة إلاّ وهو غير واجب. سد الذرائع: والذريعة الوسيلة للشيء ومعنى ذلك حسم مادة وسائل الفساد دفعاً له، فمتى كان الفعل السالم عن المفسدة وسيلة إلى المفسدة منعنا من ذلك الفعل وهو مذهب مالك ﵀. تنبيه: ينقل عن مذهبنا أن من خواصه اعتبار العوائد والمصلحة المرسلة وسد الذرائع وليس كذلك، أما العرف فمشترك بين المذاهب ومن استقرأها وجدهم يصرحون بذلك فيها وأما المصلحة المرسلة فغيرنا يصرح بإنكارها ولكنهم عند التفريع نجدهم يعللون بمطلق المصلحة ولا يطالبون أنفسهم عند الفروع والجوامع بإبداء الشاهد لها بالاعتبار بل يعتدون على مجرد المناسبة وهذا هو المصلحة المرسلة، وأما الذرائع فقد اجتمعت الأمة على أنها ثلاثة أقسام أحدها معتبر إجماعاً كحفر الآبار في طرق المسلمين وإلقاء السم في أطعمتهم وسب الأصنام عند من يعلم من حاله أنه يسب الله تعالى حينئذ، وثانيها ملغى إجماعاً كزراعة العنب فإنه لا يمنع خشية الخمر والشركة في سكنى الدار خشية الزنا، وثالثها مختلف فيه كبيوع الآجال، اعتبرنا نحن الذريعة فيها وخالفنا غيرنا فحاصل القضية أنا قلنا

стр. 447

تفسد الذرائع أكثر من غيرنا لا أنها خاصة بنا، واعلم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها ويكره ويندب ويباح، فإن الذريعة هي الوسيلة فكما أن وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة كالسعي للجمعة والحج، وموارد الأحكام على قسمين مقاصد وهي الطرق المفضية للمصالح والمفاسد أنفسها ووسائل وهي الطرق المفضية إليها وحكمها كحكم ما أفضت إليه من تحريم أو تحليل، غير أنها أخفض رتبة من المقاصد في حكمها، فالوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل وإلى ما هو متوسط متوسطة، وينبه على اعتبار الوسائل قوله تعالى: «ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدوٍ نيلاً إلاّ كتب لهم به عمل صالح» (١) فأثابهم الله على الظمأ والنصب وإن لم يكونا من فعلهم لأنهما حصلا لهم بسبب التوسل إلى الجهاد الذي هو وسيلة لإعزاز الدين وصون المسلمين، فالاستعداد وسيلة إلى الوسيلة. قاعدة: كلما سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة فإنَّها تبع، وقد خولفت هذه القاعدة في الحج في إمرار الموسي على الرأس من لا شعر له مع أنه وسيلة إلى إزالة الشعر فيحتاج إلى ما يدل على أنه مقصود في نفسه وإلا فهو مشكل. تنبيه: قد تكون وسيلة المحرم غير محرمة إذا أفضت إلى مصلحة راجحة كالتوسل إلى فداء الأسرى بدفع المال إلى العدو والذي هو محرم عليهم للانتفاع به لكونهم مخاطبين بفروع الشريعة عندنا، وكدفع مال لرجل يأكله حراماً حتى لا يزني بامرأة إذا عجز عن ذلك إلاّ به، وكدفع المال للمحارب حتى لا يقتل هو وصاحب المال واشترط مالك فيه اليسارة، ومما شنع على مالك ﵀ مخالفته لحديث بيع الخيار مع روايته له، وهو مهيع متسع ومسلك غير ممتنع، ولا يوجد عالم إلاّ وقد خالف من كتاب الله وسنة نبيه ﵊ أدلة كثيرة ولكن المعارض راجح عنها عند مخالفتها، وكذلك مالك ترك هذا الحديث لمعارض راجح عنده وهو

стр. 448

عمل أهل المدينة فليس هذا باباً اخترعه ولا بدعاً ابتدعه، ومن هذا الباب ما يروى عن الشافعي ﵁ أنه قال إذا صح الحديث فهو مذهبي أو فاضربوه بمذهبي عرض الحائط، فإنه كان مراده مع عدم المعارض، فهو مذهب العلماء كافة وليس خاصاً به، وإن كان مع وجود المعارض فهذا خلاف الإجماع فليس هذا القول خاصة بمذهبه كما ظنه بعضهم. كثير من فقهاء الشافعية يعتمدون على هذا ويقولون: مذهب الشافعي كذا لأن الحديث صح فيه وهو غلط فإنه لا بد من انتفاء المعارض والعلم بعدم المعارض يتوقف على من له أهلية استقراء الشريعة حتى يحسن أن يقول لا معارض لهذا الحديث، وأما استقراء غير المجتهد المطلق فلا عبرة به، فهذا القائل من الشافعية ينبغي أن يحصل لنفسه أهلية هذا الاستقراء قبل أن يصرح بهذه الفتوى لكنه ليس كذلك فهو مخطئ في هذا القول. الاستدلال هو محاولة الدليل المفضي إلى الحكم الشرعي من جهة القواعد لا من جهة الأدلة المنصوبة، وفيه قاعدتان. القاعدة الأولى في الملازمات: وضابط الملزوم ما يحسن فيه (لو) واللازم ما يحسن فيه اللام كقوله تعالى: «لو كان فيهما آلهة إلاّ الله لفسدتا» (١) وكقولنا إن كان هذا الطعام مهلكاً لهو حرام، تقديره لو كان مهلكاً لكان حراماً، والاستدلال إما بوجود الملزوم أو بعدمه أو بوجود اللازم أو بعدمه فهذه الأربعة منها اثنان منتجان واثنان عقيمان فالمنتجان الاستدلال بوجود الملزوم على وجود اللازم وبعدم اللازم على عدم الملزوم فكل ما أنتج عدمه فوجوده عقيم وكل ما أنتج وجوده فعدمه عقيم (٢) إلاّ أن يكون اللازم مساوياً للملزوم فتنتج الأربعة، نحو قولناك لو كان هذا إنساناً لكان ضاحكاً بالقوة، ثم الملازمة قد تكون قطعية كالعشرة مع الزوجية، وظنية كالنجاسة مع كأس الحجام، وقد تكون كليّة كالتكليف مع العقل فكل مكلف عاقل في سائر الأزمان والأحوال، فكليتها باعتبار ذلك لا باعتبار الأشخاص، وجزئية كالوضوء مع الغسل،

стр. 449

فالوضوء لازم للغسل إذا سلم من النواقض حالة إيقاعه فقط، فلا جرم لا يلزم ن انتفاء اللازم الذي هو الوضوء انتفاء الملزوم الذي هو الغسل لأنه ليس كلياً، بخلاف انتفاء العقل فإنه يوجب انتفاء التكليف في سائر الصور. استدل مرة بعض الفضلاء على أن المغتسل لا يكفيه غسله للصلاة حتى يتوضأ وهو قول بعض العلماء بأن قال القاعدة العقلية أنه يلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم، فلو كان الوضوء لازماً للغسل لكان يلزم من انتفائه انتفاء الغسل، فيلزم من انتفاء الطهارة الصغرى انتفاء الطهارة الكبرى فغذا أحدث الحدث الأصغر يلزمه الغسل وهو خلاف الإجماع فلا تكون الطهارة الصغرى لازمة للطهارة الكبرى وهو المطلوب. والجواب: ما تقدم أن الملازمة هنا جزئيّة في بعض الأحوال وهي حالة الابتداء فقط، وأما بعد ذلك فليست لازمة من انتفاء بلازم انتفاء شيء البتة. وكذلك يقول إن كلّ مؤثر فهو لازم لأثره حالة إيقاعه، وقد يكتفي الصانع وتبقى الصنعة بعده، لأن الملازمة بينهما جزئيّة في بعض الأحوال وهي حالة الحدوث فقط، عدا تلك الحالة لا ملازمة بينهما فيها؛ فلا يلزم النفي من النفي، فلذلك لا يلزم من انتفاء الطهارة الصغرى انتفاء الطهارة الكبرى بعذر من الابتداء فلذلك لا يلزم من انتفاء الطهارة الصغرى انتفاء الطهارة الكبرى بعذر من الابتداء لعدم الملازمة في بقية الأحوال، غير أن الابتداء شرطه السلامة من النواقض. القاعدة الثانية: أن الأصل في المانع الإذن وفي المضار المنع بأدلة السمع لا بأدلة العقل، خلافاً للمعتزلة، وقد تعظم المنفعة فيصحبها الندب أو الوجوب مع الإذن، وقد تعظم المضرة فيصحبها التحريم على قدر رتبتها فيستدل على الأحكام بهذه القاعدة. يعلم ما يصحبه الوجوب أو الندب أو التحريم أو الكراهة بنظائره من الشريعة وما عهدناه في تلك المادة. الاستحسان قال الباجي هو القول بأقوى الدليلين، وعلى هذا يكون حجة إجماعاً وليس كذلكن وقيل هو الحكم بغير دليل وهذا اتباع للهوى فيكون حراماً إجماعاً، وقال الكرخي، هو العدول عما حكم به في نظائر مسألة إلى خلافه لوجه أقوى منه، وهذا يقتضي أن يكون

стр. 450

العدول من العموم إلى الخصوص استحساناً ومن الناسخ إلى المنسوخ وقال أبو الحسين هو ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الألفاظ لوجه أقوى منه وهو في حكم الطارئ على الأوّل، فبالأول خرج العموم، وبالثاني ترك القياس المرجوح للقياس الراجح لعدم طريانه عليه وهو حجة عند الحنفية وبعض البصريين منا، وأنكره العراقيون. حجة الجواز: أنه راجح على ما يقابله على ما تقدم تحريره فيعمل به كسائر الأدلة الراجحة ولقوله ﵊: «نحن نقضي بالظاهر» . حجة الممنع: أنه لم تتحقق له حقيقة من الحقائق الشرعية فيعمل به، إنّما هو شيء يهجس في النفوس وليس قياساً ولا مِمّا دلت النصوص عليه حتى يتبع، وقد قال به مالك ﵀ في عدة مسائل تضمين الصناع المؤثرين في الأعيان بصنعتهم، وتضمين الحمالين للطعام والإدام دون غيرهم من الحمالين وهو الذي قاله أبو الحسين ترك وجه من وجوه الاجتهاد وهو ترك عدم التضمين الذي هو شأن الإجازة غير شامل شمول الألفاظ لأن عدم التضمين قاعدة لا لفظ لوجه أقوى منه، إشارة إلى أن العرف الذي لوحظ في صورة الضمان اعتباره راجح على عدم اعتباره وإضافة الحكم إلى المشترك الذي هو قاعدة الإجازة وعدم التضمين وهذا العرف في حكم الطارئ على قاعدة الإجارات؛ فإن المستثنيات طارئات على الأصول، وأما أحد القياسين مع الآخر فليس أحدهما أصلاً للآخر حتى يكون في حكم الطارئ عليه. الأخذ بالأخف وهو عند الشافعي ﵁ عنه حجة كما قيل في دية اليهودي أنها مساوية لدية المسلم، ومنهم من قال نصف دية المسلم وهو قولنا، ومنهم من قال ثلثها أخذاً بالأقل فأوجب الثلث فقط لكونه مجمعاً عليه وما زاد منفي بالبراءة الأصلية: العصمة وهي أن العلماء اختلفوا هل يجوز أن يقول الله تعالى لنبي أو عالم احكم فإنك لا تحكم إلاّ بالصواب، فقطع بوقوع ذلك موسى بن عمران من العلماء وقطع جمهور المعتزلة بامتناعه وتوقف الشافعي ﵁ في امتناعه وجوازه ووافقه الإمام. حجة الجواز والوقوع: قوله تعالى: «إلا ما حرم إسرائيل على نفسه» (١) فأخبر الله تعالى أنه حرم على نفسه، ومقتضى السياق أنه صار حراماً عليه، وذلك يقتضي

стр. 451

أنه ما يحرم على نفسه إلاّ ما جعل الله له أن يفعله ففعل التحريم، ولو أن الله تعالى هو المحرم لقال إلاّ ما حرمنا على إسرائيل. حجة المنع: أن ذلك يكون تصرفاً في الأديان بالهوى والله تعالى لا يشرع إلاّ للمصالح لا اتباع الهوى وأما قصة إسرائيل ﵇ فلعله حرم على نفسه بالنذر ونحن نقول به. حجة التوقف: تعارض المدارك. إجماع أهل الكوفة: ذهب قوم إلى أنه حجة لكثرة من وردها من الصحابة ﵃ كما قاله مالك ﵀ في المدينة، فهذه أدلة مشروعية الأحكام. قاعدة: يقع التعارض في الشرع بين الدليلين والبينتين والأصلين والظاهرين والأصل والظاهر. يختلف العلماء في جميع ذلك، فالدليلان نحو قوله تعالى: «إلا ما ملكت أيمانكم» (١) وهو يتناول الجمع بين الأختين في الملك وقوله تعالى: «وأن تجمعوا بني الأختين» (٢) يقتضي تحريم الجمع مطلقاً، ولذلك قال علي ﵁ حرمتهما آية وحللتهما آية وذلك كثير في الكتاب والسنة، واختلف العلماء هل يتخير بينهما أو يسقطان. حجة السقوط: التعارض وليس أحدهما أولى من الآخر. حجة التخيير: أن العمل بالدليل الشرعي واجب بحسب الإمكان والتخيير عمل بالدليل فإنه أي شيء اختاره فيه مستند إلى دليل شرعي فلم يحصل الإلغاء فهو أولى. البينتان نحو شهادة بينة بأن هذه الدار لزيد، وشهادة أخرى بأنه لعمرو، فهل تترجح إحدى البينتين خلاف الأصلان، نحو رجل قطع رجلاً ملفوفاً نصفين ثم تنازع أولياؤه إنه كان حياً حالة القطع فالأصل براءة الذمة من القصاص، والأصل بقاء الحياة. فاختلف العلماء في نفي القصاص وثبوته، أو التفرقة بين أن يكون ملفوفاً في ثياب الأموات أو الأحياء، ونحو العبد إذا انقطع خبره فهل تجب زكاة فطره لأن الأصل بقاء حياته أو لا تجب لأن الأصل براءة الذمة؟ خلاف، الظاهر أن نحو اختلاف الزوجين في متاع البيت فإن اليد ظاهرة في الملك ولكل واحد منهما يد فسوى الشافعي بينهما ورجحنا نحن بالعادة ونحو شهادة

стр. 452

عدلين برؤية الهلال والسماء مصحية، فظاهر العدالة الصدق، وظاهر الصحو اشتراك الناس في الرؤية، فرجح مالك العدالة ورجح سحنون الصحو. الأصل والظاهر كالمقبرة القديمة فالظاهر نبشها فتحرم الصلاة فيها، والأصل عدم النجاسة، وكذلك اختلاف الزوجين في النفقة: ظاهر العادة دفعها، والأصل بقاؤها فغلبنا نحو الأوّل والشافعي الثاني: ونحو اختلاف الجاني مع المجني عليه في سلامة العضو أو وجوده، الظاهر سلامة الأعضاء في الناس ووجودها والأصل براءة الذمة. اختلف العلماء في جميع ذلك واتفقوا على تغليب الأصل على الغالب في الدعاوى فإن الأصل براءة الذمة والغالب المعاملات لا سيما إذا كان المدعي من أهل الدين والورع، واتفقوا على تغليب الغالب على الأصل في البينة فإن الغالب صدقها والأصل براءة الذمة. فائدة: الأصل أن يحكم الشرع بالاستصحاب أو الظهور إذا انفرد عن المعارض وقد استثنى من ذلك أمور لا يحكم فيها إلاّ بمزيد ترجيح يضم غليها أحدها ضم اليمين إلى النكول، فيجتمع الظاهران، وثانيها تحليف المدعي المدعى عليه، فيجتمع استصحاب البراءة مع ظهور اليمين. وثالثها: اشتباه الأواني الأثواب يجتهد فيها على الخلاف فيجتمع الأصل مع ظهور الاجتهاد ويكتفى في القبلة بمجرد الاجتهاد لتعذر انحصار القبلة في جهة حتى يستصحبه فيها. وأما أدلة وقوع الأحكام بعد مشروعيتها فهي أدلة وقوع أسبابها وحصول شروطها وانتفاء موانعها، وهي غير محصورة، وهي إما معلومة بالضرورة كدلالة الظل على الزوال، أو كمال العدة على الهلال وإما مظنونة كالأقارير والبينات والأيمان والنكولات والأيدي على الأملاك، وشعائر الإسلام عليه الذي هو شرط في الميراث، وشعائر الكفر عليه الذي هو مانع من الميراث، وهذا باب لا يعد ولا يحصى.

стр. 453

الفصل الثاني في تصرفات المكلفين في الأعيان وهي إما نقل أو إسقاط أو قبض أو إقباض أو التزام أو خلط أو إنشاء ملك أو اختصا أو إذن أو إتلاف أو تأديب أو زجر. النقل يقسم إلى ما هو بعوض في الأعيان كالبيع والقرض، أو في المنافع كالإجارة ويندرج تحتها المساقاة والقراض والمزارعة والجعالة، وإلى ما هو بغير عوض كالهدايا والوصايا والعمري والهبات والصدقات والكفارات والزكوات والغنيمة والمسروق من أموال الكفار. الإسقاط إما بعوض كالخلع والعفو على مال والكتابة وبيع العبد من نفسه والصلح عن الدين والتعزيز، فجميع هذه تسقط الثابت ولا تنقله للباذل، أو بغير عوض كالبراءة من الديون والقصاص أو التعزيز أو حد القذف والطلاق والعتاق وإيقاف المساجد، فجميع هذه تسقط الثابت ولا تنقله. مع العوض يقع النقل مع أحد الجانبين في العوض والإسقاط من الجانب الآخر، وقد يقابل الإسقاط بالإسقاط عند تساوي الديون في باب المقاصة ولا نقل فيه، فإن ما كان لأحدهما من المطالبة لا ينتقل للآخر فيصير يطالب نفسه كما حصل النقل في العوض الذي كان للباذل فيه التصرف صار لمن بذل له وبهذا يمتاز لك النقل من الإسقاط، ولهذا قلنا الطلاق والعتاق إسقاط؛ لأن لمرأة لم ينتقل إليها إباحة وطء نفسها، ولا العبد إباحة بيع نفسه، بل سقط ما كان على المرأة من العصمة وما كان على العبد من الملك ولم يصر يملك نفسه، فالمقاصة سقوط قبالة سقوط كما أن البيع نقل قبالة نقل، أو يقال المقاصة مقابلة إسقاط إسقاط. القبض وهو إما بإذن الشرع وحده كاللقطة والثوب إذا ألقنه الريح من دار إنسان ومال اللقيط وقبض المغصوب من الغاصب وأموال الغائبين وأموال بيت المال والمحجوز عليهم والزكاوات، أو بإذن غير الشرع كقبض المبيع بإذن البائع والمستلم (١) والبيع الفاسد والرهون والهبات والصدقات والعواري والودائع، أو بغير إذن من الشرع ولا من غيره كالغصب.

стр. 454

يقبض المغصوب من الغاصب ولاة الأمور إجماعاً وفي قبض آحاد الناس خلاف بين العلماء، ويلحق بالغائبين المحبوسين الذين لا يلحقون بأموالهم لا يقدرون على حفظها فتحفظ لهم، وكذلك المودع إذا مات وترك الوديعة ورثته غائبون ومات الذي هي عنده فإن كان حياً فيحتمل أن يقال الإمام أولى من الذي هي تحت يده، لأن إذن الأوّل انقطع بموته وهو لم يوص للثاني وهذا هو ظاهر الفقه ويحتمل أن يستصحب حفظه لها حتى يوصلها إلى مستحقها. وقبض المضطر لما يدفع به ضرورته هو بإذن الشرع وكذلك قبض الإنسان إذا ظفر بجنس حقه أو بغير جنسه على الخلاف في ذلك والمذهب منعه، والقبض بغير إذن من الشرع قد يكون مع العلم كالغصب فيأثم أو بغير علم فيعتقد أنه ماله فلا يقال إن الشرع أذن له في قبضه بل غفا عنه بإسقاط الإثم، كما إذا وطئ أجنبية يظنها امرأته لا يقال إن الشارع أذن له بل عفا عنه، ولا حكم لله تعالى في فعل المخطئ والناسي ولا وطء الشبهات بل العفو فقط وكذلك قتل الخطأ، بل هذه الأفعال في حق هؤلاء كأفعال البهائم ليس فيها إذن ولا منع. الأقباض كالمناولة في العروض والنقود وبالوزن والكيل في الموزونات والمكيلات وبالتمكين في العقار والأشجار، أو بالنية فقط كقبض الوالد وإقباضه لنفسه من نفسه لولده. ومن الإقباض أن يكون للديون حق في يد رب الدين فيأمره بقبضه من يده لنفسه فهو إقباض بمجرد الإذن ويصير قبضهه له بالنية كقبض الأب من نفسه لنفسه مال ولده إذا اشتراه منه. الالتزام بغير عوض كالنذور والضمان بالوجه أو بالمال الخلط إما بشائع وإما بين الأمثال وكلاهما شركة. الشائع كنصيب من دار يقابض به نصيب آخر، فيصير قد خلط ملكه بملك من صارت الشركة معه والأمثال كالزيت الذي يخلط بمثله أو البر ونحوه، بخلاف خلط الغنم ونحوها فليست شركة بل خلط يوجب أحكاماً أخرى غير الشركة. إنشاء الأملاك في غير مملوك كإرهاق الكفار وإحياء الموات والاصطياد والحيازة في الحشيش ونحوه.

стр. 455

ومن ذلك حيازة المعادن والجواهر من البحر وغيرها. الاختصاص بالمنافع كإقطاع والسبق إلى المباحات ومقاعد الأسواق ولمساجد ومواضع النسك كالمطاف ولمسعى وعرفة ومزدلفة ومنى ومرعى الجمار والمدارس والربط والأوقاف. يلحق بذلك الاختصاص بالحانات المسبلة في الطرقات والاختصاص بالكلاب التي للصيد وجلد الميتة فإنا وإن منعنا بيع الكلب وجلد الميتة فإنا نمنع من أخذه ممن هو بيده وكذلك الأرواث وإن منعنا بيعها فإنا نمنع من أخذها ممن حازها، وإن قلنا بالاختصاص ببيوت المدارس والخوانق فمعناه أن لهم أن ينتفعوا لا أنهم ملكوا تلك المنافع فلذلك له أن يسكن وليس له أن يؤجر ولا يسكن غيره وممن لم يقم بشرط الواقع فإن بذلك المنفعة للغير بعوض أو بغير عوض فرع ملكها وهو ليس بحاصل، بل له أن ينتفع بنفسه إذا قام بشرطها فقط دون أن ينقل المنفعة لغيره. الإذن إما في الأعيان كالصياغات أو في المنائح أو في المنافع كالعواري والاصطناع في الحلق والحجامة، أو في التصرف كالتوكيل والإبضاع. الصحيح أن عرض الطعام وتقديمه للضيف إذن له في تناوله، واشترط بعضهم الإذن بالقول وهو بعيد قياساً على البيع وله أن يأكل بنفسه وليس أن يبيع ولا مقدار حاجته فلا يتعدى موجب الإذن؛ لأن استصحاب الملك السابق بحسب الإمكان, ونقل عن الشافعية خلاف في الزمن الذي يحصل به الملك للضيف هل هو بالتقديم أو بالازدراد ولا معنى للقول بالازدراد لأن لملك هو إذن الشارع في التصرف وبعد الازدراد انقطع ذلك، بل مقتضى الفقه أن يقال لا ملك هنا البتة بل غذن في أن يتناول بأكله مقدار حاجته، وألحق بذلك ما دلت العادة على الإذن فيه من طعام الهر ونحو ذلك فالعادة كالقول في الإذن فكلما دلت العادة عليه فهو كالمصرح به في هذا وفي غيره، وكذلك إن كتب الرسائل التي تسير للناس تلك الأوراق كانت على ملك مرسلها، وذلك الغزالي أنها بعد الإرسال يحتمل أن يكون انتقلت إلى ملك المرسل إليه ويحتمل أن يقال إنه لم يحصل فيها إلاّ إسقاط الملك السابق فقط وبقيت بعد تحصيل المقصود منها مباحة للناس أجمعين ما لم

стр. 456

يمكن فيها سر وما يحافظ عليه فإن كان كذلك فقد تدل العادة على رده لمرسله بعد الوقوف عليه، وقد تدل على تحفظ الثاني به من غير رد، وقد تدل العادة على تمليك الثاني لتلك الرقعة كالتوقيع التي يكتبها الخلفاء والملوك لتشريف المكتوب غليه فإنَّها تبقى عند الأعقاب تذكيراً بذلك الشرف وعظم المنزلة، فكل ما دلت عليه العادة من ذلك اتبع وكان كالمنطوق، والمنائج الشاة تعطى لمن يأكل لبها مع بقائها على ملك ربها والأفقار الإذن في ركوب البعير والإسكان الإذن في سكنى الدار والعمرى إسكانه عمره والعرية هبة ثمرة النخل. الإتلاف إما للإصلاح في الأجساد والأرواح كالأطعمة والأدوية والذبائح وقطع الأعضاء المتآكلة أو المدفع كقتل الصوال والمؤذى من الحيوان، أو لتعظيم الله كقتل الكفار لمحو الكفر من قلوبهم وإفساد الصلبان، أو لتعظيم الكلمة كقتال البغاة أو المزجر كرجم الزنا وقتل الجناة. البغاة هم الذين يقاتلون بالتأويل من أهل الإسلام، سموا بغاة إما لبغيهم أو لأنهم يبغون الحق على زعمهم، وكان قتالهم للكلمة عنهم فرقوها بخروجهم عن الطاعة ومن ذلك أعني القتال للإتلاف قتال الظلمة لدفع ظلمهم وحسم مادة فسادهم وتخريب ديارهم وقطع أشجارهم وقتل دوابهم إذ لم يمكن دفعهم إلا بذلك ومن ذلك قتل من كان دأبه أذية المسلمين طبعاً له وذلك متكرر منه لا لعذر وعظم ضرره وفساده في الأرض ولم يمكن دفعه إلاّ بقتله قتل بأيسر الطرق المزهقة لروحه وكذلك من طلق امرأته ثلاثاً وكان يهجم على الزنا بها فإن لها مدافعته بكل طريق ولو لم تقدر إلاّ بقتله قتلته بأيسر الطرق في ذلك وكذلك إتلاف ما يعصى الله تعالى به من الأوثان والملاهي. فائدة: سئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀ عن قتل الهر المؤذي هل يجوز أم لا فكتب ﵀ عليه وأنا حاضر إذا خرجت أذيته عن عادة القطط وتكرر ذلك منه قتل؛ فاحترز بالقيد الأوّل عما هو في طبع الهر من ألك اللحم إذا ترك سائباً أو عليه شيء يمكن رفعه للهر فإذا رفعه وأكله لا يقتل ولو تكرر ذلك منه لأنه طبع، واحترز بالقيد الثاني من أن يكون ذلك منه على وجه القلة فإن ذلك لا يوجب قتله إنّما يكون في المأيوس من صلاحه واستصلاحه من الآدميين والبهائم.

стр. 457

وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى إذا أذت الهرة وقصد قتلها فلا تعذب ولا تخنق بل تذبح بموسي حادة لقوله ﵊: «إن الله كتب الإحسان على كلّ شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة» ومن هذا الباب مسألة السفن وما يطرح منها خوف الغرق على المال أو النفس فإنه إتلاف لصون النفس والمال. مسألة: الحيوان الذي لا يؤكل إذا وصل في المرض لحد لا يرجى هل يذبح تسهيلاً عليه وإراحة له من ألم الوجع؟ الذي رأيته المنع إلاّ أن يكون مِمّا يذكى لأخذ جلده كالسباع. وأجمع الناس على منع ذلك في حق الآدمي، وإن اشتد ألمه واحتمل أن يكون ذلك لشرفه عن الإهانة بالذبح فلا يتعدى ذلك إلى غيره. التأديب والزجر إما مقدر كالحدود أو غير مقدر كالتعزير وهو مع الإثم في المكلفين أو بدونه في الصبيان والمجانين والدواب. فهذه أبواب مختلفة الحقائق والأحكام، فينبغي للفقيه الإحاطة بها لتنشأ له الفروق ولمدارك في الفروع. يلحق بالتأديب تأديب الآباء والأمهات للبنين والبنات والسادات للعبيد والإماء بحسب جناياتهم واستصلاحهم على القوانين الشرعية من غير إفراط وكذلك تأديب الأزواج للزوجات على نحو ذلكن وكذلك تأديب الدواب بالرياضات، ومهما حصل ذلك بالأخف من القول لا يجوز العدول إلى ما هو أشد منه لحصول المقصود بذلك فالزيادة مفسدة بغير مصلحة فتحرم حتى قال إمام الحرمين إذا كانت العقوبة المناسبة لتلك الجناية لا تأثر في استصلاحه على تلك المفسدة فلا يحل أن يزجر أصلاً أما بالمرتبة فلعدم الفائدة وأما ما هو أعلى منها فلعدم المبيح له فيحرم الجميع حتى يتأتى استصلاحه بما يجوز أن يترتب على تلك الجناية. فهذه فوائد جليلة وقواعد جميلة نفع الله بها واضعها وكاتبها وسامعها وختم لنا بخير أجمعين في القول والعلم بمنِّه وكرمِه وهو حسبنا ونعم الوكيل. وهذا آخر شرح الكتاب المسمى بتنقيح الفصول في اختصار المحصول، نفع الله به المسلمين إنه على كلّ شيء قدير.

стр. 458

وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً دائماً إلى يوم الدين. وكان الفراغ من تأليفه يوم الاثنين لتسع ليال مضت من شهر شعبان سنة سبع وسبعين وستمائة. يقول العبد الذليل الفقير إلى رحمة ربه العزيز الجليل طه عبد الرؤوف سعد. وبعد: فلقد تم بعناية الله وحسن توفيقه طبع هذا الكتاب الجليل والمؤلف الخطير الذي يعتبر على الرغم من صغر حجمه نسبياً من أحسن الكتب التي كتبت في هذا الفن العظيم، فن أصول الفقه. والله أرجو أن ينتفع قارؤوه بما فيه وأن يثيبني منه فضلاً من عنده يوم لا ينفع مال ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلب سليم. وصلى الله على أشرف خلقه سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واتبع طريقه. . . آمين.