← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21813

شرح تنقيح الفصول

القرافي

Полный текст (458 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المجمل اختلط فيه المراد بغير المراد فسمي مجملاً، فإذا وضعت العرب اللفظ مشتركاً لزم الاشتراك الإجمال، كما تقول الفرس الآن لا إجمال فيه بل يتبادر الذهن إلى الحيوان الصاهل، فل ووضعوه لحيوان آخر صار مجملاً، فعلمنا أن الإجمال نشأ عن الاشتراك، وأما إذا قلنا في الدار رجل فإنا نجوِّز أن يكون زيداً وعمراً أو جميع رجال الدنيا على البدل، وذلك بطريق التجويز العقلي لا بمن الوضع اللغوي، بل ما اقتضى الوضع إلا القدر المشترك بين جميع الرجال، وهو مفهوم الرجل، وهو من هذا الوجه ظاهر لا مجمل، وإنما جاء الإجمال من جهة التجويز العقلي، فعلمنا أن الإجمال له سببان: الوضع اللغوي والتجويز العقلي. ومثلا لرجل في ذلك كل نكرة ينطق بها، وأما لفظ الآية فإن المقدار لم يتعرض له فلذلك احتمل العشر وغيره على السواء فكان اللفظ مجملاً بالنسبة إلى المقادير. وظاهر في المشترك الذي هو الحق من حيث الجملة. والمبين ما أفاد معناه إما بسبب الوضع أو بضميمة بيان أليه. المبين من البيان وهو الإيضاح، فإذا قال له عندي عشرة قلنا هذا اللفظ مبين بالوضع أي بينه الواضع والمستعمل، فإن كان اللفظ أولاً مجملاً نحو القرء ثم بينه بعد ذلك قلنا صار مبيناً، فصدق المبين على القسمين، وكذلك المفسر يصدق على القسمين في الاصطلاح واللغة. والعام هو الموضوع لمعنى كلي بقيد تتبعه في خاله نحو المشركين. المراد بالتتبع في المحال أي بالحكم كان وجوباً أو تحريماً أو إباحة أو خبراً أو استفهاماً أي شيء كان الحكم، وسبب هذه العبارة والاحتياج إليها إشكال كبير عادتي أورده ولم أر أحداً قط أجاب عنه وهو، أن صيغة العموم بين أفرادها قدر مشترك ولها خصوصيات؛ فاللفظ إما أن يكون موضوعاً للمشترك كمطلق المشترك في المشركين أو الخصوصات أو المجموع المركب منهما والكل باطل فلا يتحقق مسمى العموم ولا وضعه، بيانه: أن اللفظ إن كان وضع للمشترك فقط يلزم أن يكون مطلقاً والمطلق ليس بعام، وإن وضع للخصوصات وهي مختلفة فيلزم أن

стр. 37

يكون لفظ العموم مشتركاً مجملاً لوضعه بين مختلفات، وصيغة العموم مسماها واحد ولا إجمال فيها، ولأن الخصوصات غير متناهية، ووضع لفظ مشترك بين أمور غير متناهية محال، لأن الوضع فرع التصور، وتصور ما لا يتناهى على التفصيل محال. وإن كان موضوعاً للمجموع المركب من كل خصوصية مع المشترك في كل فرد فرد على حياله لزم الاشتراك بين ما لا تناهى وهو محال لما تقدم، أو لمجموع الأفراد بحيث يكون المسمى واحداً وهو المجموع من حيث هو مجموع، فيصير نسبته إلى مسماه كنسبة لفظ لعشرة لمسماها، فحينئذ يتعذر الاستدلال بصيغة العموم على ثبوت حكمها لفرد من أفرادها في النهي أو النفي، لأنه لا يلزم من النهي عن المجموع، أو الإخبار عن نفيه، نفي أجزائيه، ولا اجتناب جميع أجزائي، لأن المجموع يكفي في صدق اجتنابه ترك جزء. وكذلك يصدق نفيه بنفي جزء؛ لكن لفظ العموم هو الذي يحسن الاستدلال به على ثبوت حكمه لكل فرد حالة النفي أو النهي؛ فلا يكون لفظ العموم للعموم على هذا التقدير، فهذا هو الإشكال. وأجاب بعضهم بأن موضوع المشترك بقيد العدد فلا يكون مطلقاً لحصول العدد ولا مشتركاً لأن مسماه واحد وهو المشترك ومفهوم العدد. فقلت له: مفهوم العدد كلي والمشترك كلي، والكلي إذا أضيف إلى الكلي صار المجموع كلياً، والموضوع للكلي مطلق فلا يكون عاماً بل يكتفى بما يصدق فيه المشترك والعدد، وذلك يصدق بثلاثة، فعلى هذا إذا قلنا هو اللفظ الموضوع للقدر المشترك بقيد تتبعه في محاله بحكمه اندفعت الأسئلة؛ لأن قيد التتبع في جميع المحال ينفي الإطلاق فإن المطلق لا يتتبع بل يقتصر به على فرد ويكون مجموع للقيدين هو المسمى، وهما المشترك وقيد التتبع، فيكون المسمى واحداً فلا يكون مشتركاً، فحصل العموم من غير إشكال، فهذا هو الملجئ لهذا الحد الغريب. والمطلق هو اللفظ الموضوع لمعنى كل نحو رجل، والمقيد هو اللفظ الذي أضيف إلى مسماه معنى زائد عليه نحو رجل صالح. التقييد والإطلاق أمران إضافيان، فرب مطلق مقيد بالنسبة، ورب مقيد

стр. 38

مطلق، فإذا قلت حيوان ناطق فهذا مقيد، وإذا عبرت عنه بإنسان صار مطلقاً، وإذا قلت إنسان ذكر كان مقيداً، وإذا عبرت عنه برجل صار مطلقاً، وكذلك ما من مطلق إلا ويمكن جعله مقيداً بتفصيل مسماه والتعبير عن الجزأين بلفظين، وما من مقيد إلا ويمكن أن يعبر عنه بلفظ واحد فيصير مطلقاً إلا ما يندر جداً كالبسائط. والأمر هو اللفظ الموضوع لطلب الفعل طلباً جازماً على سبيل الاستعلاء نحو: قم، والنهي هو الموضوع للفظين فأكثر أسن مسمى أحدهما إلى مسمى الآخر إسناداً يقبل التصديق للفظين فأكثر أسند مسمى أحدهما إلى مسمى الآخر إسناداً يقبل التصديق والتكذيب لذاته نحو زيد قائم. جعل هذا الباب كله من باب اللفظ الموضوع يتخرج على أحد المذاهب الثلاثة؛ وهي أن الكلام وجميع ما يتعلق به وبأنواعه وعوارضه من الأمر والنهي والخبر والاستفهام والتكذيب والتصديق وغيرها هل هي كلها موضوعة للكلام اللساني مجاز في النفساني لأنه المتبادر عرفاً أو للنفساني مجاز في اللسان كقول الأخطل: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جُعل اللسان على الفؤاد دليل أو الألفاظ كلها مشتركة بين اللساني والنفساني جمعاً بين المدركين؟ ثلاثة مذاهب فوق التحديد في هذا مبنياً على المذهب الأول، مع أن الثالث هو المشهور عند العلماء، كذلك حكاه إمام الحرمين والإمام فخر الدين، فقولي فيا لأمر لطلب الفعل احترازاً من طلب الترك الذي هو النهي، ومن الاستفهام لأنه لطلب الحقائق دون الأفعال، وقولي طلباً جازماً احترازاً من الندب، وقولي على سبيل الاستعلاء هو مذهب أبي الحسين البصري والإمام فخر الدين، ومنهم من اشترط العلو دون الاستعلاء، والجمهور من المتكلمين على عدم اشتراطهما، بل الصيغة من حيث هي صيغة تسمى أمراً كانت من أعلى أو أدنى مع استعلاء أو تواضع كالخبر، وسيأتي في الأمر تقرير ذلك إن شاء الله تعالى، ولم أر لهم مثل هذا الخلاف في النهي فتركته، وتلزمهم التسوية بين البابين، والاحترازات في الأمر هي بعينها في النهي فلا أعيدها.

стр. 39

قال العلماء: فرقت العرب بين قولنا ما الزوج وبين قولنا أفهمني ما الزوج؟ فالأول طلب الحقيقة والثاني طلب فعل يصدر من الخاطب، فإذا قال السيد لعبده من بالباب؟ فقال غير ذلك العبد: زيد بالباب، حصل مقصود السيد ولا عُتب على العبد الأول، فإن المقصود إنما هو تحصيل فهم من بالباب، وإذا قال لعبده اسقني ماء فسقاه غير ذلك العبد المأمور توجه العُتب على الأول لكون صيغة الأمر موضوعة للتكليف والإلزام الذي من شأنه العتب على تقدير الترك، هكذا نقله الأئمة عن اللغة في الفرق بين الاستفهام والأمر، نقله فخر الدين وغيره، فلذلك قيل في حد الاستفهام طلب حقيقة الشيء. وقولي في الخبر للفظين فأكثر، فإن أقل الخبر لفظان نحو زيد قائم، وقد يخبر بأكثر نحو: أكرم أخوك أباك يوم الجمعة متكئاً في الدور إلا دار زيد إجلالاً له وخالداً، فهذا كله خبر واحد هو ومتعلقاته وخالداً مفعول معه وإجلالاً مفعول لأجله (١) . وقولي: أسند مسمى أحدهما إلى مسمى الآخر احتراز من قولنا زيد عمرو في الكلام غير المنتظم. وقولي: يقبل التصديق والتكذيب احتراز من الإسناد بالإضافة نحو غلام زيد، أو الصفة نحو الرجل الصالح، وقولي: لذاته احتراز من تعذر قبوله لأحدهما لعارض من جهة المخبر أو المخبر عنه، فالأول خبر الله تعالى لا يقبل إلا الصدق، والثاني نحو قولنا الواحد نصف الاثنين لا يقبل إلا الصدق، والواحد نصف العشرة لا يقبل إلا الكذب، فلم يقبلها في هذه الأحوال، لكن هذه الأخبار بالنظر إليها من حيث إنها خبر تقبلهما إذا قطعنا النظر عن المخبر والمخبر عنه، وإنما جاء الامتناع لا من ذات الخبر فله من ذاته قبولهما (٢) .

стр. 40

الفصل السابع الفرق بين الحقيقة والمجاز وأقسامهما فالحقيقة استعمال اللفظ فيها وضع له في العرف الذي وقع به التخاطب وهي أربعة: لغوية كاستعمال الإنسان في الحيوان الناطق. وشرعية كاستعمال لفظ الصلاة في الأفعال المخصوصة. وعرفية عامة كاستعمال لفظ الدابة في الحمار. وخاصة نحو استعمال لفظ الجوهر في المتحيز الذي لا يقبل القسمة. الحقيقة مشتقة من الحق الذي هو الثابت لأنه يقابل به الباطل، فهو مرادف للموجود، وهي فعلية إما بمعنى فاعلة فيكون معناها الثابتة، أو مفعولة فيكون معناها المثبتة؛ لأن هذا هو شأن فعيل من غير فعل بضم العين يكون إما فاعلاً أو مفعولاً ويعدل عن ذلك إلى فعيل للمبالغة، وأما اسم الفاعل من فعُل فهو فعيل بأصالته من غير مبالغة، نحو ظرُف، فهو ظريف وشرُف فهو شريف، والتاء فيها للنقل عن الوصف إلى الاسمية؛ فإن العرب إذا وصفت بفعيل مؤنثاً ونطقت بالموصوف حذفت التاء اكتفاء بتأنيث الموصوف فيقولون امرأة قتيل وشاة نطيح. أما إذا حذفوا الموصوف أثبتوا التاء فيقولون رأيت قتيلة بني فلان ونطيحتهم لعدم ما يدل على التأنيث؛ فاحتاجوا لإظهاره نفياً للبس، ويكون الاسم هنا لا يعرف صفة فلذلك قيل التاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية فهذا هو اصل الحقيقة ثم نقلت في عرف الأصوليين على اللفظة المستعملة فيما وضعت له فصارت مجازاص لغوياً حقيقة عرفية. وكذلك المجاز أصله اسم مكان العبور أو زمانه أو مصدره فإن مفعلة

стр. 41

ومفعلاً (١) يصلح لهذه الثلاثة، ثم وضع في عرف الأصوليين للفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة بينهما، فهو أيضاً مجاز لغوي حقيقة عرفية؛ فالحقيقة والمجاز مجازان لغويان حقيقتان عرفيتان. وقولي في الكتاب: الحقيقة استعمال اللفظ في موضوعه، صوابه: اللفظة المستعملة أو اللفظ المستعمل، وفرق بين اللفظ المستعمل وبين استعمال اللفظ، فالحق أنها موضوعة للفظ المستعمل لا لنفس استعمال اللفظ، فالمقضي عليه بأنه حقيقة أو مجاز هو اللفظ الموصوف بالاستعمال المخصوص لا نفس الاستعمال، وقولي في العرف الذي وقع به التخاطب ليشمل الحقائق الأربعة المتقدم ذكرها بخلاف لو قلت هو اللفظ المستعمل فيما وضع له أولاً تناول الحقيقة اللغوية فقط، وقولي حقيقة شرعية له تفسيران الأول أن يقال إن حملة الشرع غلب استعمالهم للفظ الصلاة في الأفعال المخصوصة حتى بقي اللفظ لا يفهم منه إلا هذه العبارة المخصوصة وهذا لا نزاع فيه. والثاني: أن يقال إن صاحب الشرع وضع هذه الألفاظ لهذه العبارات، وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال. قال القاضي أبو بكر الباقلاني: لم يضع صاحب الشرع شيئاً وإنما استعمل الألفاظ في مسمياتها اللغوية ودلت الأدلة على أن تلك المسميات اللغوية لا بد معها من قيود زائدة حتى تصير شرعية. وقالت المعتزلة: بل تحدد هذه العبارات كمولود جديد يتحدد فلا بد له من لفظ يدل عليه. وقال الإمام فخرا لدين وطائفة معه: ما استعمل في المسمى اللغوي ولا نقل بل استعمل اللفظ في خصوص هذه العبارات على سبيل المجاز لأن الدعاء الذي هو الصلاة لغة جزء الصلاة الشرعية؛ لأن فيها دعاء الفاتحة، ويبعد غاية البعد أن يكون قوله ﵊ «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» أن يكون مراده الدعاء من حيث هو دعاء. وقال القاضي فتح هذا الباب يحصل غرض الشيعة من الطعن على الصحابة رضوان الله عليهم فإنهم يكفرون الصحابة، فإذا قيل إن الله تعالى وعد المؤمنين

стр. 42

بالجنة وهم قد أمنوا، يقولون إن الإيمان الذي هو التصديق صدر منهم، ولكن الشرع نقل هذا اللفظ على الطاعات وهم صدقوا وما أطاعوا في أمر الخلافة، فإذا قلنا إن الشرع لم ينقل استد هذا الباب الرديء، ولقوله تعالى «قرآناً عربياً» (١) وهذه الألفاظ موضوعة في القرآن فلو كانت منقولة لم يكن القرآن كله عربياً، وفي هذه المواطن مباحث كثيرة مستوعبة في شرح المحصول. وأما الحقيقة العرفية العامة فهي التي غلب استعمالها في غير مسماها اللغوي، فإن الدابة اسم لمطلق ما دب فقصرها على الحمار في ارض مصر أو الفرس بأرض العراق وضع آخر، وهو حقيقة عرفية مجاز لغوي، وكذلك لفظ الغائط اسم المكان المطمئن من الأرض لغة ثم نقل للفضلة المخصوصة، والرواية اسم للجمل نقل للمزادة (٢) وهي قسمان تارة يقع النقل لبعض أفراد الحقيقة اللغوية كالدابة، وتارة لأجنبي عنها كالنجو والرواية، والعرفية الخاصة سميت خاصة لاختصاصها ببعض الطوائف بخلاف الأولى عامة مثل الجواهر والعرض للمتكلمين، والنقض والكسر للفقهاء، والفاعل والمفعول للنحاة، والسبب والوتد للعروضيين. والمجاز استعمال اللفظ في غير ما وضع له في العرف الذي وقع به التخاطب لعلاقة بينهما، وهو ينقسم بحسب الوضع إلى أربعة مجازات لغوي كاستعمال الأسد في الرجل الشجاع، وشرعي كاستعمال لفظ الصلاة في الدعاء، وعرفي عام كاستعمال لفظ الدابة في مطلق ما دب، وعرفي خاص كاستعمال لفظ الجوهر في النفيس. لما تقرر أن الحقائق أربع كانت المجازات أربعة؛ فلفظ الدابة إذا استعمل في مطلق ما دب كان حقيقة لغوية مجازاً لغوياً، وإذا استعمل في الحمار كان حقيقة عرفية مجازاً لغوياً لأنه استعمال له في غير ما وضع له، ولفظ الصلاة إذا استعمل في الدعاء كان حقيقة لغوية مجازاً شرعاً لأنه استعمال في غير ما وضع له باعتبار الوضع الشرعي، وإن استعمل في الأفعال المخصوصة كان حقيقة شرعية مجازاً لغوياً، وكذلك القول في لفظ الجوهر وكل ما يعرض من هذا الباب.

стр. 43

والصحيح في حد المجاز أن يقال هذا اللفظ المستعمل ولا يقال هو استعمال اللفظ كما تقدم تقريره، وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء في الإطلاق، والعبارة الأخرى قليلة في استعمالهم، وقولي فيا لعرف الذي وقع به التخاطب لأن اللفظ إنما يكون مجازاً بالنسبة إلى وضع مخصوص فإن لم يكن الخطاب باعتباره لا يتحقق المجاز كما تقدم تمثيله، فإنه قد يكون حقيقة باعتبار وضع آخر، والعلاقة لا بد منها وإلا كان منقولاً كجعفر فإنه النهر الصغير لغة ووضع للشخص المخصوص وليس مجازاً فيه لعدم العلاقة، وكذلك جميع المنقولات، وقولي بحسب الواضع أريد بالواضع اللغة والشرع والعرف العام والخاص. وبحسب الموضوع له إلى مفرد نحو قولنا أسد للرجل الشجاع، وإلى مركب نحو قولهم: أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الفداة ومر العشي فالتفردات حقيقة وإسناد الإشابة والإفناء إلى الكر والمر مجاز في التركيب، وغلى مفرد ومركب نحو قولهم أحياني اكتحالي بطلعتك فاستعمال الإحياء والاكتحال في السرور والرؤية مجاز في الإفراد وإضافة الإحياء إلى الاكتحال مجاز في التركيب فإنه مضاف إلى الله تعالى. المجاز المفرد هو ن يكون فظاً موضوعاً (١) لمعنى مفرد فتحوله عن ذلك المفرد إلى مفرد آخر وتستعمله فيه فإن لفظ الأسد لمعنى مفرد وهو الأسد؛ فاستعماله في الرجل الشجاع وهو مفرد فكان المجاز مفرداً، وأعني بالمفرد ما ليس فيه إسناد خبري، والمجاز في التركيب أن يكون اللفظ في اللغة وضع ليركب مع لفظ معنى آخر فيركب مع لفظ غير ذلك المعنى فيكون مجازاً في التركيب كما تقول لفظ السؤال وضع ليركب مع لفظ من يصلح للإجابة نحو سألت زيداً، فلما ركب مع لفظ القرية التي لا تصلح للإجابة كان مجازاً في التركيب، ومن ذلك: غرق في العلم، وإنما يغرق في الماء، وأكلت الماء وإنما يؤكل الطعام وعلفتها ماء (٢) وإنما يعلف التبن والشعير وقوله تعالى «حرمت عليكم أمهاتكم» (٣) الآية. الجميع مجاز في التركيب لأن التحريم

стр. 44

إنما وضع ليركب مع الأفعال دون الذوات، وعلى هذه الطريقة يفهم مجاز التركيب. فقولهم أحياني أراد به سرني وهو من مجاز التشبيه، لأن الحياة توجب ظهور آثار في محلها وبهجته وكذلك المسرة، فأطلق على المسرة لفظ الحياة للمشابهة. وقوله اكتحالي يريد رؤيتي؛ عبر بلفظ الاكتحال عن الرؤية من مجاز التشبيه. لأن العين تشتمل على الكحل كما تشتمل على المرئي فلما تشابها أطلق لفظ أحدهما على الآخر مجازاً. فهذا هو مجاز الإفراد، وجعل الاكتحال فاعلاً بالإحياء مجازاً ي التركيب لأن الإحياء لا يصدر عنه ولا يركب معه فلم يقل أحياه الكحل حقيقة وإلا لكان من مات يوضع في عينه الكحل فيعيش، فإذا قلت أحياه الله تعالى كان حقيقة في التركيب؛ لأن اللفظ ركب مع اللفظ الذي وضع للتركيب معه، ولا فرق في هذا الموضع بني الفاعل والمفعول والمضاف وغرها، فسرج الدار مجاز في التركيب وباب الدابة مجاز في التركيب، إلا أن تريد مطلق الإضافة لا أن الدار لها سرج تركب به، فإنه قد يقال سرج الدار باعتبار أنه موضوع فيها فتكون الحقيقة في التركيب. وبحسب هيئته إلى الخفي كالأسد للرجل الشجاع والجلي الراجح كالدابة للحمار. الخفي هو الذي لا يفهم إلا بقرينة توجب الصرف عن الحقيقة إليه والجلي هو الذي لا يفهم من اللفظ إلا هو حتى تصرف القرينة عنه إلى الحقيقة فلا يفهم اليوم من الصلاة إلا العبادة المخصوصة في وقتنا هذا حتى تصرفنا القرينة إلى الدعاء، وكذلك الدابة لا يفهم منها إلى الحمار حتى تصرفنا القرينة إلى مطلق ما دب. فهذا هو المجاز الراجح، وهو كله حقيقة إما شرعة أو عرفية. وهنا دقيقة وهي أن كل مجاز راجح منقول وليس كل منقول مجازاً راجحاً فالمنقول أعم مطلقاً والمجاز الراجح أخص مطلقاً. المجاز الراجح منقول إما في الشرع كالصلاة أو في العرف العام كالدابة أو

стр. 45

الخاص كالجوهر والعرض عند المتكلمين فإنا لا نعني بالنقل إلا غلبة استعماله حتى صار لا يفهم عند عدم القرينة إلا هو، دون الحقيقة الأصلية، وقد يوجد النقل بدون المجاز الراجح، بأن يقع النقل لا لعلاقة كالجوهر، فإنه وضع في اللغة للنفيس من كل شيء ثم نقل للمتحيز الذي لا يقبل القسمة، وهو في غاية الحقارة، فلا مشابهة بينه وبين النفيس، ولا علاقة تصلح بينهما؛ فإنا نشترط في العلاقة أن يكون لها اختصاص وشهرة ولا يكتفى بمجرد الارتباط كيف كان، وإلا أمكن أن يقال النفاسة لا تقع إلا في الجوهر فبينهما ملابسة فهو مجاز، ولو فتح هذا الباب صح التجوز بكل شيء إلى كل شيء، وقد نصوا على منعه؛ فقد قال الإمام فخر الدين إن استعمال لفظ السماء في الأرض لا يصلح أن يكون مجازاً مع أنها تقابلها وتلازمها والملازمة أحد أقسام العلاقة لكنا نعني بالملازمة ما هو أخص من هذا كملازمة الراوية (١) للجمل الحامل لها، والمسببات لأسبابها ونحو ذلك، وكذلك لفظ الذات موضوع للمصاحبة لغة، ونقل في عرف المتكلمين لذات الشيء وألغيت المصاحبة بالكلية، فهو منقول لا مجاز راجح؛ لانتفاء العلاقة التي هي شرط في أصل المجاز، وإذا تعذر المجاز المطلق تعذر المجاز الراجح بطريق الأولى؛ فحينئذ المنقول أعم مطلقاً والمجاز الراجح أخص مطلقاً هذا إذا نسبنا المنقول إلى المجاز الراجح، فإن نسبناه إلى أصل المجاز كان كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه، لأن كل واحد منهما قد وجد مع الآخر وبدونه، وهذا هو ضابط الأعم من وجه والأخص من وجه، فوجد المجاز ولا نقل كالأسد في الرجل الشجاع، والنقل ولا مجاز كالجوهر والذات عند المتكلمين، واجتمعا معاً في الدابة والراوية. فرع: كل محل قام به معنى واجب أن يشتق له من لفظ ذلك المعنى لفظ ويمتنع الاشتقاق لغيره خلافاً للمعتزلة في الأمرين فإن كان الاشتقاق باعتبار قيامه في الاستقبال فهو مجاز إجماعاً نحو تسمية العنب بالخمر،

стр. 46

..................... الحال فهو حقيقة إجماعاً نحو تسمية الخمر خمراً أو باعتبار الماضي وفي (١) كونه حقيقة، أو مجاز قولان أصحهما المجاز، وهذا إذا كان محكوماً به، أما إذا كان متعلق الحكم فهو حقيقة مطلقاً نحو «اقتلوا المشركين» (٢) . قيام المعاني بمحالها يوجب أحكامها لمحالها واستحقاق ألفاظ تلك الأحكام، فقيام العلم بالمحل يوجب له حكماً وهو كونه عالماً، واستحقاق لفظ هذا الحكم وهو لفظ عالم، والسواد إذا قام بمحل أوجب لمحله حكماً وهو كونه أسود، واستحقاق لفظ دال على هذا الحكم وهو لفظ أسود، ولا يقال لغيره الذي لم يقم به السواد أسود، والمعتزلة وافقوا في مثل هذا؛ وإنما أصل هذه المسألة والخلاف فيها أنهم قالوا في كلام الله تعالى إنه مخلوق في الشجرة لموسى ﵊ فسمعه منها فهو قائم بها، ولم يشتق لها منه شيء، فلم يقل الله تعالى: وكلمت الشجرة موسى، بل حصل الاشتقاق لله تعالى ولم يقم به الكلام عندهم، فقال الله تعالى «وكلم الله موسى تكليماً» (٣) وكذلك اشتقوا (٤) لله تعالى عالماً وقديراً ومريداً وغير ذلك؛ ولم يقولوا قام العلم به، بل قالوا لم تقم به صفة البتة، هذا أيضاً خالفوا فيه أهل الحق؛ فإن أهل الحق يقولون الكلام إنما هو قائم بذات الله تعالى، وجميع الصفات المشتق منها هذه الألفاظ قائمة به تعالى، فهذا موطن الخلاف. وأما ما في العالم من الألوان والطعام وغيرها فلم أر لهم فيه خلافاً وما أخالهم يخالفون فيه، فلذلك قلت خلافاً للمعتزلة في الأمرين. وقولي فإن كان الاشتقاق باعتبار الاستقبال أو الحال أو الماضي أريد به

стр. 47

الاشتقاق الكائن من المصادر في اسم الفاعل نحو ضارب، أو اسم المفعول نحو مضروب، أو أفعل التفضيل نحو زيد أضرب من عمرو، أو اسم الزمان أو المكان نحو مضرَب ومقتل ومخرج، أو اسم الآلة نحو المروحة والمدهن والمسعط، أو اسما لهيئة نحو الجلسة والعِمة. وأما الفعل الماضي فإنه مشتق وهو حقيقة في الماضي دون غيره، وكذلك لفظ الأمر والنهي حقيقة في المستقبل دون غيره، فليس في الماضي قولان أصحهما المجاز ولا صيغة الأمر باعتبار المستقبل إجماعاً، بل ذلك خاص بما ذكرته من الصيغ؛ فتسمية الإنسان ميتاً باعتبار المستقبل إجماعاً، بل ذلك خاص بما ذكرته من الصيغ؛ فتسمية الإنسان ميتاً باعتبار أنه سيموت مجاز إجماعاً، وتسميته ميتاً وهو ميت حقيقة إجماعاً، وتسميته نطفة وطفلاً باعتبار أنه كان كذلك مجاز على الأصح، وكذلك (١) لا يصدق على أكابر الصحابة أنهم كفار باعتبار ما كانوا عليه. وخالف ابن سينا في هذه المسألة وقال: هو حقيقة لأن من صدر منه الضرب يصدق عليه بعد ذهابه أنه ضارب كما يصدق عليه أنه متكلم ومخبر، وإن كان الكلام والخبر لم يوجد قط منه إلا حرف واحد، فلو اشترط وجود المشتق منه حالة الإطلاق لما صدق في هذين الموضعين، وجوابه أن هذين مستثنيان لتعذر الوجود، والعرب لا تضع لفظ المحقق للمعتذر، واستيفاء الكلام في هذا الموضع مستوعب في شرح المحصول. وقولي: هذا إذا كان محكوماً به الخ، احتراز من سؤال صعب ما رأيت أحداً أجاب عنه، وتقريره أن قولنا باعتبار الماضي أو المستقبل أو الحال هذه الأزمنة إنما تعتبر بالنسبة إلى زمن التخاطب، فإذا قلت أنا الآن: زيد ميت باعتبار أنه سيموت كان باعتبار المستقبل، لأن زمان المخاطبة بهذا اللفظ فعلم أن هذه الأزمنة إنما تعتبر باعتبار زمان المخاطبة، وعلى هذا نقول الزمان الذي نزل فيه القرآن الكريم ونطق فهي رسول الله بالأحاديث النبوية متقدم على زماننا، فزماننا

стр. 48

مستقبل باعتبار ذلك الزمان، وإذا كان كذلك وجب حينئذ أن يكون جميع الصفات الواقعة في زماننا مجازاً بالقياس إلى ذلك الزمان، فعلى هذا قوله تعالى «الزانية والزاني (١) » «السارق والسارقة (٢) » «واقتلوا المشركين (٣) » إلى غير ذلك إنا يتناول من وجد في حالة نزول هذه الآيات وأما ما بعدها فلا يتناولها إلى بطريقة المجاز، والأصل عدمه، فيتعذر علينا الاستدلال بهذه الأدلة في زماننا على ثبوت أحكام هذه الآيات بها فإن ما من نص يستدل به غلا وللمخالف أن يقول الأصل عدم التجوز على هذه الصورة، فيحتاج كل دليل إلى دليل آخر من إجماع أو نص يدل على التجوز إلى هذه الصورة، وهو خلاف ما عليه الناس، بل كل لفظ من هذه الألفاظ يتم الاستدلال به من جهة اللغة فقط وهو حقيقة، فكيف الجمع بين ما عليه الناس وبين هذه القاعدة. ووجه الجمع أن تقول: المشتق قسمان تارة يكون محكوماً به نحو زيد سارق فهذا هو موطن التقسيم والقاعدة المذكورة، وتارة يكون المشتق متعلق الحكم لا محكوماً به نحو «اقتلوا المشركين (٤) » فإن الله تعالى لم يحكم في هذه الآية بشرك أحد ولا بأن أحداً مشرك بل حكم بوجوب القتل، والمشركون متعلق هذا الحكم، وكذلك الزانية والزاني لم يحكم الله تعالى بزنا أحد ولا بسرقته في الآية الأخرى، بل بوجوب الجلد والقطع، والزناة والسراق متعلق هذا الحكم؛ فحينئذ متى كان هو المشتق متعلق الحكم فهو حقيقة مطلقاً، ولا تفصيل بين الأزمنة ماضيها ومستقبلها، ولا نحكي خلافاً بل الكل حقيقة إجماعاً، وإن حكمنا بالمشتق على محل وجعلناه نفس الحكم فهذا هو موطن الخلاف والتفصيل. فهذا وجه الجمع بين القاعدة وإجماع الأمة؛ فلذلك ذكرت هذا القيد وهو من غوامض القواعد.

стр. 49

الفصل الثامن في التخصيص وهو إخراج بعض ما يتناوله اللفظ العام أو ما يقوم مقامه، بدليل منفصل في الزمان إن كان المخصص لفظياً، أو بالجنس إن كان عقلياً قبل تقرر حكمه، فقولنا أو ما يقوم مقامه احتراز من المفهوم فإنه يدخله التخصيص، وقولنا بالزمان احتراز من الاستثناء، وقولنا بالجنس لأن المخصص العقلي مقارن، وقولنا قبل تقرر حكمه احتراز من أن يعمل بالعام، فإن الإخراج بعد هذا يكون نسخاً. دخول التخصيص للمفهوم كقوله ﵊ «إنما الماء من الماء» مفهومه أنه لا يجب الغسل من القبلة ولا جميع أنواع الاستمتاع إذا لم يكن فيه إنزال، خص من ذلك التقاء الختانين، وكذلك قوله ﵊ «إنما الربا في النسيئة» خص عن مفهومه ربا التفاضل، فإن السلب في المفهوم كعموم الثبوت في المنطوق، وإذا ثبت معنى العموم دخله الإخراج، وهو التخصيص، وهو لا يسمى عموماً في الاصطلاح، فلذلك قال أو ما يقوم مقامه وهو المفهوم لدخول التخصيص فيه، والاستثناء لا يقع إلا متصلاً على الصحيح (١) والمخصص يجوز أن يتراخى عن العموم كنهيه ﵊ عن قتل النسوان وغيرهم بعد الأمر بقتل المشركين بزمان طويل، وهذا إذا وقع التخصيص بالملفظ، أما إذا وقع بالفعل، كما في قوله تعالى «الله خالق كل شيء (٢) » أو بالواقع كما في قوله تعالى «تدمر كل شيء (٣) » فإن الواقع المشاهد دل على أن الريح لم تدمر السموات

стр. 50

والجبال والأرض وغيرها؛ فعلم بذلك التخصيص في هذا العموم أو بالعوائد كقول القائل: رأيت الناس فلم أر أحسن من زيد، ومعلوم بالعادة أنه لم ير جميع الناس، فيدخل التخصيص بدليل العادة، لكن هذه المخصصات ليست لفظية لكن جنسها غير جنس اللفظ، فالانقطاع هنا بالجنس لا بالزمان، فلذلك قال منفصل بالزمان إن كان المخصص لفظياً أو بالجنس إن كان عقلياً، أي الانفصال لا يكون في العقلي (١) ونحوه في الزمان لأنه مقارن وإنما ذلك في اللفظي خاصة، وإذا عمل بالعام كان الإخراج منه بعد ذلك نسخاً؛ لأن العمل به يقتضي أن عمومه مراد لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز؛ فلو كان بعض هذا العموم غير مراد لما تأخر بيانه، فلما لم يتبين اعتقادنا أنه مراد، وإبطال ما هو مراد نسخ، فلذلك اشترط في التخصيص أن لا يتقرر الحكم. وهذا الحد باطل مع هذا التحرير العظيم الذي لم أر أحداً جمع ما جمعت فيه بالتخصيص بالأدلة المتصلة، وهي الغاية، كقولنا أكرم قريشاً حتى يدخلوا الدار فإن الداخل للدار يخرج من هذا العموم، والصفة كقولنا أكرم قريشاً الطوال، فإن القصار يخرجون، والشرط كقولنا أكرمهم إن كانوا طوالاً. فهذه مخصصات لفظية، وقد خرجت من الحد الاشتراطي الانفصال في الزمان فإنها متصلة في الزمان، فينبغي أن يؤتى بعبارة تجمع هذه النقوض وتخرج الاستثناء وفيها عسر.

стр. 51

الفصل التاسع في لحن الخطاب وفحواه ودليله وتنبيهه واقتضائه ومفهومه فلحن الخطاب هو دلالة للاقتضاء وهو دلالة اللفظ التزاماً على ما لا يستقل الحكم إلا به، وإن كان اللفظ لا يقتضيه وضعاً نحو قوله تعالى «فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق» (١) تقديره فضرب فانفلق وقوله تعالى «فأتيا فرعون» إلى قوله تعالى حكاية عن فرعون «قال ألم نربك فينا وليدا (٢) » تقديره فأتياه، وقيل هو فحوى الخطاب والخلاف لفظي، قال القاضي عبد الوهاب واللغة تقتضي الاصطلاحين، وقال الباجي هو دلل الخطاب وهو مفهوم المخالفة وهو إثبات نقيض حكم المنطوق به للمسكوت عنه، وهو عشرة أنواع: مفهوم العلة نحو ما أسكر فهو حرام، ومفهوم الصفة نحو قوله ﵊ «في سائمة الغنم الزكاة» والفرق بينهما أن العلة في الثاني الغنى، والسوم مكمل له، وفي الأول العلة عين (٣) المذكور، ومفهوم الشرط نحو من تطهر صحت صلاته، ومفهوم الاستثناء نحو قام القوم إلا زيد، ومفهوم الغاية نحو «أتموا الصيام إلى الليل (٤) » ومفهوم الحصر «إنما الماء من الماء» ومفهوم الزمان نحو سافرت يوم الجمعة، ومفهوم المكان نحو جلست أمام زيد، ومفهوم العدو نحو قوله تعالى «فاجلدوهم ثمانين جلدة (٥) » ومفهوم اللقب وهو تعليق الحكم على مجرد الذوات نحو في الغنم الزكاة وهو أضعفها، وتنبيه الخطاب

стр. 52

وهو (١) مفهوم الموافقة عند القاضي عبد الوهاب أو المخالفة عند غيره (٢) وكلاهما وكلاهما فحو الخطاب عند الباجي، فترادف تنبيه الخطاب وفحواه ومفهوم الموافقة لمعنى واحد وهو إثبات حكم المنطوق به للمسكوت عنه بطريق الأولى كما ترادف مفهوم المخالفة ودليل الخطاب وتنبيهه، ومفهوم الموافقة نوعان أحدهما: ثباته في الأكثر نحو قوله تعالى «فلا تقل لهما أف» (٣) فإنه يقتضي تحريم الضرب بطريق الأولى وثانيهما إثباته في الأقل نحو قوله تعالى «ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤدي إليك» (٤) فإنه يقتضي ثبوت أمانته في الدرهم بطريق الأولى. لحن الخطاب أصله في اللغة إفهام الشيء من غير تصريح ومنه قوله تعالى «ولتعرفنهم في لحن القول (٥) » أي في فلتات الكلام من غير تصريح بالنفاق، ولذلك قال المأمون أيها الناس لا تضمروا لنا بغضاً فإنه والله من يضمر لنا بغضاً ندركه في فلتات كلامه وصفات وجهه ولمحات عينه، ومن ذلك قول الشاعر: وحديث ألذه وهو مما ... يشتهي الناعتون يوزن وزنا منطق صائب وتلحن أحيا ... نا وأحلى الحديث ما كان لحنا أي تعريضاً وتشويقاً من غير تصريح، وقال ابن دريد اللحن الفطنة، ومنه قوله ﵊ «ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض» أي أفطن لها، قال ابن يونس ذكر أهل اللغة اللحن بإسكان الحاء أنه الخطأ، وبفتحها الصواب، وقال عبد الحق في النكت: اللحن من أسماء الأضداد للصواب والخطأ، فلذلك قال القاضي عبد الوهاب هنا اللغة تقتضي الاصطلاحين، وأما

стр. 53

دلالة الاقتضاء فمعناها أن المعنى يتقاضها لا اللفظ، حتى قال جماعة في ضابطها، أنها دلالة اللفظ على ما يتوقف عليه صدق المتكلم، فإن قوله تعالى «فانفلق» (١) إنما ينتظم بالإضمار المذكور وكذلك قوله تعالى «وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون» إلى قوله تعالى «فلما جاء سليمان» (٢) فمجيء الرسول إلى سليمان ﵊ فرع إرساله فيتعين أن يضمر: فأرسلت رسولاً فلما جاء سليمان، فلذلك قلت إن المعنى يقتضيه دون اللفظ، بخلاف دليل الخطاب وفحواه اللذين هما مفهوم المخالفة ومفهوم الموافقة للفظ يتقاضاها بمفهومه، بخلاف المثل المذكورة لا يتقاضاها منطوق ولا مفهوم، بل المعنى فقط وانتظامه، وفحوى الخطاب معناه مفهومه تقول فهمت من فحوى كلامه كذا أي من مفهومه فوضع العلماء ذلك لمفهوم الموافقة، فهذه الألفاظ وضعها بإزاء هذه المعاني المذكورة هنا اصطلاحي لا لغوي. وقولي في مفهوم المخالفة إنه إثبات نقيض حكم المنطوق به للمسكوت عنه، احتراز عما توهمه الشيخ بن أبي زيد وغيره فاستدلوا بقوله تعالى «ولا تصل على أحد منهم مات أبداً» (٣) على وجوب الصلاة على أموات المسلمين بطريق المفهوم، وقالوا مفهوم التحريم على المنافقين الوجوب في حق المسلمين. وليس كما زعموا، فإن الوجوب هو ضد التحريم، والحاصل في المفهوم إنما هو سلب ذلك الحكم المرتب في المنطوق، وعدم التحريم أعم من ثبوت الوجوب، فإذا قال الله تعالى حرمت عليكم الصلاة على المنافقين فمفهومه أن غير المنافقين لا تحرم الصلاة عليهم، وإذا لم تحرم جاز أن تباح، فإن النقيض أعم من الضد، وإنما يعلم الوجوب أو غيره بدليل منفصل، فلذلك يتعين أن لا يزاد في المفهوم على إثبات النقيض.

стр. 54

ويعرض بين مفهوم العلة والصفة جواب عن سؤال مقدر وهو إن علة الإسكار صفة، فقولي بعد ذلك مفهوم الصفة تكرار بغير فائدة، فأردت أن أبين بالفرق المذكور أن الصفة قد تكون متممة للعلة لا علة، فهي أعم من العلة؛ فإن الزكاة لم تجب في السائمة لكونها تسوم وغلا لوجبت الزكاة في الوحوش، وإنما وجبت لنعمة الملك وهي مع السوم أتم منها مع العلف، وفي كون الاستثناء من باب المفهوم إشكال من جهة أن (إلا) وضعت للإخراج فينبغي أن يكون الاتصاف بالعدم في المخرج مدلولاً بالمطابقة، فلا يكون مفهوماً لأن المفهوم هو من باب دلالة الالتزام. وجواب هذا السؤال أن (إلا) وضعت للإخراج من المنطوق ولا يلزم من ذلك دخول المستثنى في عدمه باللفظ بل بدلالة العقل على أن النقيضين لا ثالث لهما، وحينئذ يتعين من الخروج من أحدهما الدخول في الآخر، أما لو فرض لهما ثالث لا يلزم الدخول في العدم بل في ذلك الثالث، أو في العدم فلا يتعين العدم؛ فحينئد إنما استفدنا الاتصاف بالعدم من جهة دلالة العقل لا من اللفظ، فكان الاتصاف بالعدم مدلولاً التزاماً لا مطابقة، وإنما المدلول مطابقة هو نفس الخروج من المتقدم، أما الدخول في نقيضه فمن جهة العقل، وكذلك نقول في مفهوم الغاية، وأما مفهوم الحصر فقد نقل أبو علي في المسائل الشيرازيات أن (ما) في (إنما) للنفي وأن النفي في المسكوت بها، فعلى هذا يكون منطوقاً لا مفهوماً، وهو الذي يقوى في نفسي، هذا إن كان الحصر بإنما، وأما بالنفي قبل إلا نحو «ما قام إلا زيد» فظاهر أنه ليس مفهوماً، وأما في تقديم المعمولات أو المبتدأ مع الخبر فيترجح أنه مفهوم، وسيأتي له باب - إن شاء الله تعالى - وفي مفهوم العدد إشكال، وتفصيله مبسوط في المحصول، وشرحه يقدح في اعتباره، والجمهور على عدم قدحه فلذلك تركته، ومفهوم اللقب إنما ضعف لعدم رائحة التعليل فيه فإن الصفة تشعر بالتعليل وكذلك الشرط ونحوه، بخلاف اللقب لجموده بعد التعليل فيه.

стр. 55

قال التبريزي: والألقاب كالأعلام. وجعلها الأصل، وألحق بها أسماء الأجناس، وغيره أطلق في الجميع واعتمد على صورة التخصيص وإنها لا بد لها من فائدة، وسمى فحوى الخطاب مفهوم الموافقة وتنبيه الخطاب، لأن المسكوت وافق المنطوق في حكمه، والمنطوق نبه على حكم المسكوت، وقولي كما يترادف مفهوم المخالفة ودليل الخطاب وتنبيهه، صوابه: الاقتصار على الأولين ونترك تنبيه الخطاب لأنه لم يتقدم له ذكر في مفهوم المخالفة. الفصل العاشر في الحصر هو إثبات نقيض حكم المنطوق للمسكوت عنه بصيغة إنما ونحوها وأدواته أربعة إنما نحو «إنما الماء من الماء» ، وتقدم النفي قبل غلا نحو «لا يقبل الله صلاة إلا بطهور» ، والمبتدأ مع خبره نحو قوله ﵊ «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم» (١) فالتحريم محصور في التكبير والتحليل محصور في التسليم، وكذلك «ذكاة الجنين ذكاة أمه» وتقديم المعمولات نحو قوله تعالى» إياك نعبد وإياك نستعين (٢) » وهم بأمره يعملون، أي لا نعبد إلا إياك، وهم لا يعملون إلا بأمره، وهو منقسم إلى حصر الموصوفات في الصفات وإلى حصر الصفات في الموصوفات نحو قولك إنما زيد عالم إنما العالم زيد، وعلى التقديرين فقد يكون عاماً في المتعلق نحو ما تقدم، وقد يكون خاصاً نحو قوله تعالى «إنما أنت منذر» أي باعتبار

стр. 56

من لا يؤمن، فإن حظه منه الإنذار ليس إلا، فهو محصور في إنذاره ولا وصف له غير الإنذار باعتبار هذه الطائفة وغلا فهذه الصيغة تقتضي حصره في الندارة فلا يوصف بالبشارة ولا بالعلم ولا بالشجاعة ولا بصفة أخرى. ومن هذا الباب قولهم زيد صديقي وصديقي زيد، فالأول يقتضي حصر زيد في صداقتك فلا يصادق غيره، وأنت يجوز أن تصادق غيره، والثاني يقتضي حصر أصدقائك فيه وهو غير محصور في صداقتك، بل يجوز أن يصادق غيرك على عكس الأول. قد تقدم أن الذي يلزم ثبوته في هذه المواطن كلها من المفهومات إنما هو النقيض لا الضد ولا الخلاف. وقولي بصيغة (إنما) ونحوها لا يحسن في الحدود، لأن نحوها ليس هو مثلها في اللفظ وإلا لكان هو إياها بعينها. بل معناه ونحوها مما يفيد الحصر والجاهل بالحصر كيف يعلم ما يفيده، فيصير هذا تعريفاً بالمجهول. بل حسن ذلك أني فسرت ذلك بثلاث أخرى مبينة بعدها، فذهب الإجمال. وقولي تقديم النفي قبل إلا يعمم جميع أنواع النفي نحو ما قام إلا زد، ولم يقم إلا زيد، ولن يقوم إلا زيد، ولما يقم إلا زيد. كيفما تقلب النفي. وقولي المبتدأ مع الخبر تارة يكون الخبر معرفة باللام أو الإضافة، وتارة يكون نكرة، وعلى كل تقدير يفيد الحصر، لكن يختلف الحصر. وإنما قلنا إن الحصر ثابت مطلقاً لأن المبتدأ يجوز أ، يكون أخص أو مساوياً، ويمتنع عليه أن يكون أعم لغة وعقلاً، فلا يجوز أن تقول الحيوان إنسان ولا الزوج عشرة، بل الإنسان حيوان والعشرة زوج، حينئذ يصدق وقبل ذلك فهو كاذب، والعرب لم تضع إلا للصدق دون الكذب، والمساوي يجب أن يكون محصوراً في مساويه والأخص محصوراً في أعمه، وإلا لم يكن أخص ولا مساوياً، فهذا برهان

стр. 57

على ثبوت الحصر مطلقاً كيف كان المبتدأ وخبره، غير أنه إذا كان الخبر نكرة يقع الحصر في الخبر دون نقيضه وضده، ولا يمنع هذا الحصر ثبوت الخلاف، فإذا قلت زيد قائم فقد أثبت له مطلق القيام، فهي موجبة جزئية مطلقة، ونقيض الموجبة الجزئية، السالبة الدائمة الكلية، ولا شك في أن هذا النقيض كاذب إذ لو صدقت السالبة الدائمة لما صدقت المطللقة المفروض صدقها، لكنها صادقة، وكذلك كل ما يضاد مطلق القيام يجب نفيه، بل كل ما هو شرط في ثبوت مطلق القيام يجب ثبوته، وكل ما هو مانع من مطلق القيام يجب نفيه لضرورة صدقه. نعم يجوز ثبوت ما هو خلاف القيام مثل نحو كونه فقيهاً أو شجاعاً أو شيخاً فاضلاً، فإن هذه الأمور كلها يمكن ثبوتها مع قولنا قائم، وهي أمور تخالف مطلق القيام ولا تضاده ولا تناقضه، فهذا تحرير الحصر مع التنكير، وأما مع التعريف فيجب سلب الخلاف أيضاً فلا يوصف بغير ذلك الخبر فتقتضي الصفة أنه ليس موصوفاً إلا بتلك الصفة خاصة؛ فإن كان في الواقع له صفة غيرها فهو تخصيص لعموم الحصر. فقوله ﵊ «تحليلها التسليم» يقتضي أن المصلي لا يخرج من حرمات الصلاة إلى حلها إلا بالتسليم دون جميع الصفات من الأضداد والنقائض والخلافات، فإن الكل ساقط عن الاعتبار إلا بالتسليم، وكذلك قوله ﵊: «تحريمها التكبير» يقتضي أنه لا يدخل في حرماتها إلا بالتكبير دون جميع الأمور المتوهمة. وأما قوله ﵊: «ذكاة الجنين ذكاة أمه» فروي برفع ذكاة الثانية وبنصبها، وتمسك المالكية والشافعية بالرفع على أن الجنين إذا خرج وقد كمل خلقه ميتاً بعد ذكاة أمه أكل، لأنه ﵊ حصر ذكاة الجنين في ذكاة أمه فيكون داخلاً فيها ومندرجاً فيؤكل بذكاة أمه التي فيها ذكاته، ولا يفتقر إلى ذكاة أخرى، واحتج الحنفية برواية النصب على أنه يستقل بذكاة نفسه وإذا لم يذكى لم يؤكل لأن النصب يقتضي أن يكون التقدير ذكاة الجنين أن يذكى ذكاة

стр. 58

مثل ذكاة أمه، ثم حذف المصدر وصفته التي هي مثل، وأقيم المضاف إليه مقامها، فأعرب بإعرابها؛ فنصب، لأنها قاعدة حذف المضاف. والجواب عن تمسكهم برواية النصب أن تقول: ليس التقدير كما ذكرتموه، بل التقدير ذكاة الجنين داخلة في ذكاة أمه، ثم حذف الخبر الذي هو داخله وحرف الجر من ذكاة أمه، وهذا أولى الوجهين: الأول أنه أقل حذفاً والثاني أنه يؤدي إلى الجمع بين الروايتين، وهو أولى من إطراح إحداهما، وأما تقديم المعمولات فكونه مفيداً للحصر قاله الزمخشري وغيره، وخالفه جماعة في ذلك. ومن المثل المقوية لقول الزمخشري قول العرب «إياك أعني واسمعي يا جارة» فإنه يقتضي أنه لا يعني غيره، وعن الأصمعي أنه مر ببعض أحياء العرب فشتمت رفيقه امرأة ولم تعين الشتم له دون الأصمعي، ثم التفت إليها رفيقه فقالت له إياك أعني، فقال للأصمعي انظر كيف حصرت الشتم فيّ. وزاد الإمام فخر الدين في كتاب الإعجاز له: لام التعريف في الخبر، وقال: هي تقتضي حصر الخبر في المبتدأ عكس الحصور كلها في المبتدآت، فإن الأول يكون محصوراً في الثاني فإذا قلنا أبو بكر الصديق الخليفة بعد رسول الله b يكون الثاني محصوراً في الأول، وكذلك قولك زيد المتحدث في هذه القضية أي لا يتحدث فيها غيره وهو كثير. وذكرت حصرا لصفة في الموصوف وعكسه وبقي على ثالث وهو حصر الصفة في الصفة: نحو النزاهة في القناعة، والدين الورع، والتدبير العيش، والبشر حسن الخلق. وهو كثير، ومن باب الحصر بحسب بعض الاعتبارات قوله ﵊ «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليَّ» الحديث (١) حصر نفسه ﵊ الكريمة في البشرية دون غيرها باعتبار الاطلاع على بواطن الخصوم

стр. 59

نقلاً صفة له ﵊ باعتبار هذا المقام إلا البشرية الصرفة وما عدا ذلك من الرسالة والنبوة وجميع صفات كماله ﵊ لا مدخل لها في الاطلاع على بواطن الخصوم، بل كما قال ﵊ فأقضي له على نحو ما أسمع، وقال أقضي بالظاهر والله يتولى السرائر. ومن ذلك قوله تعالى: «إنما الحياة الدنيا لعب ولهو» (١) وحصرها في اللعب مع أنها مزرعة الآخرة، وفيها تحصل الولاية والصديقية، وتكتسب المراتب العلية والدرجات الرفيعة، وكل خير مكتب في الآخرة فهو من هذه الدار، وهذه خيرات حسان وفضائل علية للدنيا، فكيف تحصر في اللعب؟! وإنما ذلك باعتبار من آثرها، فإنها في حقه لعب صرف. وتلك المحاسن لا ينال هذا منها شيئاً، فهو حصر بحسب بعض الاعتبارات، وهو كثير في القرآن الكريم. وقد ذكرت منه جملاً كثيرة في كتاب الاستغناء في أحكام الاستثناء، وصديقي زيد يجوز أن يصادق غيري لأن الأول أبداً محصور فيا لثاني، والثاني يجوز أن يكون أعم فلا ينحصر في الأول، فلذلك يجوز أن يصادق زيد غيري، لأني حصرت صداقتي فيه ولم أحصره في صداقتي، وكذلك قوله تعالى «إنما يخشى الله من عباده العلماء» (٢) يقتضي حصر خشية الله تعالى في العلماء، فلا يجوز أن يخشاه تعالى غيرهم، ويجوز أن يخشوا هم غيره تعالى بالنظر على دلالة هذا اللفظ، ولو عكس فقيل: إنما يخشى العلماء الله بتقديم الفاعل انعكس الحال، فلا يخشون غيره، ويجوز أن يخشاه غيرهم بالنظر إلى دلالة اللفظ. فائدة: باب الحصر ينقسم على حصر الثاني في الأول في تقديم المعمولات، فالعبادة والاستعانة والعمل محصورات في تلك الآيات فيما تقدم عليها. وكذلك لام التعريف فيما حكيته عن الإمام فخر الدين، وإلى حصر الأول في الثاني فيما عدا ذلك.

стр. 60

الفصل الحادي عشر خمس حقائق لا تتعلق إلا بالمستقبل من الزمان وبالمعدوم وهي الأمر والنهي والدعاء والشروط وجزاؤه . صوابه أن يقول بالمعدوم وبالمستقبل، فقولنا بالمعدوم احتراز من الحال، وقولنا المستقبل احتراز من الماضي، ولو قلت بالمستقبل لأجزأ لكن التصريح بالمعدوم أحسن لأنه أنص على اعتبار المعدوم في ذلك، وألحقت بعد وضع هذا الكتاب لهذه الخمسة، خمسة أخرى، صارت عشرة، وهي: الوعد والوعيد والترجي والتمني والإباحة، ووجه اختصاصها بالمستقبل أن الأمر والنهي والدعاء والترجي والتمني: طلب، وطلب الماضي متعذر، والحال موجود، وطلب تحصيل الحاصل محال، فتعين المستقبل، والشرط وجزاؤه ربط أرم يتوقف دخوله في الوجود على دخول أمر آخر، والتوقف في الوجود إنما يكون في المستقبل، فإذا قال ن دخلت الدار فأنت طالق، لا يمكن أن يكون المعلق عليه دخله مضت، ولا المشروط طلقة مضت، بل مستقبلة. وأما الوعد والوعيد، فإنه زجر عن مستقبل أو حث على مستقبل بما تتوقعه النفس من خير في الوعد وشر في الوعيد والتوقع لا يكون إلا في المستقبل، والإباحة تخيير بين الفعل والترك، والتخيير إنما يكون في معدوم مستقبل؛ لأن الماضي والحاضر تعين، فتعين تعلق العشرة بالمستقبل، وينبني عليها فوائد كثيرة نبهت على بعضها في شرح المحصول.

стр. 61

الفصل الثاني عشر حكم العقل بأمر على أمر حكم العقل بأمر على أمر: إما غير جازم والاحتمالات إما مستوية فهو الشك، أو بعضها راجح والراجح هو الظن والمرجوح وهم، والجازم إما غير مطابق وهو الجهل المركب، أو مطابق وهو إما لغير موجب وهو التقليد أو لموجب وهو إما عقل وده فإن استغنى عن الكسب فهو البديهي وإلا فهو النظري، أو حس وحده وهو المسحسوسات الخمس أو مركب منهما وهو المتواترات والتجريبات والحسيات والوجدانيات أشبه بالمحسوسات، فتندرج معها في الحكم. الشك اسم لاحتمالين فأكثر مستوية، فسماه مركب ومسمى الظن والوهم بسيط، لأن الظن اسم للاحتمال الراجح والوهم للاحتمال المرجوح، والجهل المركب سمي بذلك لتركبه من جهلين؛ فإنه يجهل ويجهل أنه يجهل كأرباب البدع والأهواء، فإنهم يجهلون الحق في نفس الأمر، وإذا قيل لهم أنتم عالمون أو جاهلون؟ قالوا عالمون، فقد جهلوا جهلهم، فاجتمع لهم جهلان فيه فسمي جهلاً مركباً. وقد جمع المتنبي ثلاث جهالات في بيت حيث قال: ومن جاهل بي وهو يجهل جهله ... ويجهل علمي أنه بي جاهل وكذلك كل من اعتقد في رجل أنه صالح وهو طالح، أو طالح وهو صالح وكل من اعتقد شيئاً على خلاف ما هو عليه، والجهل المركب يقابله الجهل البسيط، وهو أن يجهل ويعلم أنه يجهل، كما إذا قيل له أنت تعلم عدد شعر رأسك أو تجهله؟ يقول أجهله، فإذا قيل له فأنت تعلم أنك جاهل بذلك؟ يقول نعم. وهذه العبارة لا تجمع الجهل المركب كله؛ فقد يدخل الجهل المركب في التصورات، فإن من تصور الحقائق على خلاف ما هي عليه فهو جاهل جهلاً مركباً، كمن يتصور الإنسان أنه الحيوان

стр. 62

فقط، وإذا طابق الحكم بغير موجب فهو تقليد؛ كما يعتقد عوام المسلمين قواعد عقائدهم عن أئمتهم، فإذا سئلوا عن أدلة تلك القواعد لا يعلمون أدلتها. فالتقليد هو أخذ القول من قائله من غير مستند وقد يكون مطابقاً كما تقدم، وغير مطابق كتقلد عوام الكفار وأهل الضلال لرؤسائهم وأحبارهم. والعقلي المستغني عن الكسب كقولنا الواحد نصف الاثنين، فإن تصور المحكوم به والمحكوم عليه كاف في الجزم بإسناد أحدهما إلى الآخر، فهذا بديهي من التصديقات والبديهي من التصورات هو الغني عن الحدود والاكتساب بها، كأحوال النفس من جوعها وعطشها وألمها ولذاتها وغير ذلك، فإن هذه الحقائق ضرورية للبشر ولا يحتاج في معرفتها لتعلم ولا كسب بحد، بخلاف تصور معنى الحكم الشرعي والحقائق الخفية، فيحتاج فيها للحدود والرسوم الضابطة لها، وكذلك ما احتاج من التصديقات للكسب بالأدلة والبراهين فهو كسبي نحو حدوث العالم وكون الواحد عشر سدس الستين، وجميع المطالب المحتاجة للفكر، والعلوم الحسية هي العلوم المتفادة عن الحواس الخمس، وهي كلها في الرأس، فأربعة خاصة به، وواحد يتعداه إلى غيره وهو اللمس، والمختصة السمع والبصر والذوق والشم. فائدة: قال بعض اللغوين قولهم محسوسات لحن فإن الفعل المأخوذ من الحواس رباعي تقول أحس زيد بكذا، قال الله تعالى فلما أحس عيسى منهم الكفر. وأما حس الثلاثي فله ثلاثة معان أخر، تقول العرب حسه إذا قتله، وحسه إذا مسحه، ومنه حس الفرس، وحس إذا ألقى عليه الحجارة المحماة لينضج، فهذه الثلاثة يقول للمفعول فيها محسوس، وأما الحواس فمحس مثل مكرم ومعطى، وجميع الأفعال الرباعية فيكون جمعها محسات بضم الميم لا محسوسات، غير أن أكثر اللغويين يتوسعون في هذا الباب، ووقعت هذه العبارة لجمع كثير من الفضلاء كابي علي وغيره، وكأنهم نحوا بها نحو معلومات لاشتراك الجمع في الإدراك. فائدة: قال بعض الفضلاء: هذا معنى قول العرب ضربت أخماسي في أسداسي، أي فكرت بحواسي الخمس في جهات الست لأن الجمع ست: فوق وأسفل وقدام

стр. 63

وخلف ويمنة ويسرة، ولقد أحس الحريري وأوجز حيث جمعها في بيت من الشعر في الملحمة حيث قال: ثم الجهات الست فوق وورا ... ويمنة وعكسه بلا مرا فأخذ كل جهة وترك ضدها ليتنبه السامع له، وبقي معه بقية في البيت لا يحتاجها فخشاها بقوله بلا مرا، وقيل ليس من هذا بل من إظماء الإبل، والأخماس والأسداس ترجع إلى أيام ورودها للماء لخمس أو سدس، فإذا وقعت المغالطة من الراعي ضرب الخمس في السدس وأخرها عن شربها (١) . ووجه تركب المستند في المتواترات من الحس والعقل أنه لا بد من سماع أخبار جماعة عن الأمر المتواتر فهذا حظ السمع، ثم إن قال العقل هؤلاء يستحيل تواطؤهم عن الكذب حصل العلم فهذا حظ العقل، وإن لم يقل ذلك لم يحصل العلم، وكذلك التجريبات وتسمى المجربات أيضاً نحو كون الليمون حامضاً والصبر مراً والتمر حلواً ونحو ذلك، فإن أول مرة يباشر الحس ذلك النوع يجوز العقل أن يكون ذلك الفرد من ذلك النوع أصابه عارض أوجب له ذلك، كما توجد المرارة في بعض أفراد الفقوس والخيار والنوع في نفسه ليس كذلك، فإن كثرت تكرار ذلك على الحس والعقل قال العقل عند حد من الكثرة في التكرار: كلي ليمونة حامضة وكل تمرة حلوة، فهذه المقدمة هي نصيب العقل لا بد منها، وعندما يحصل العلم، وكذلك الحدسيات كنقد الفضة ونضج الفاكهة فإن البصر يدرك أول مرة الدرهم الرديء فلا يعرفه، فيقال له إنه رديء فيتأمله ويتكرر ذلك عليه كثيراً حتى يحصل عند العقل قرائن لا يمنك التعبير عنها، فيقول لأجلها كل ما كان كذا فهو درهم رديء. فهذه المقدمة هي تصيب العقل، وعندها يحصل العلم، واشتركت المتواترات والحدسيات والمجريات في أن أول مرة ربما حصل الشك وعند التكرار الظن، وبعد ذلك قد

стр. 64

يحصل العلم وقد لا يحصل، وأنها تحتاج للحس والعقل، غير أن الفرق بينها أن المتواترات تختص بالأخبار والحدسيات تحتاج إلى نظر حالة القضاء على الجزئيات، والمجربات لا تحتاج إلى نظر حالة القضاء على الجزئيات، فإذا قال لك أحد أن معي مسك هي هو عطر أم لا؟ قلت هو عطر، أو معي ليمونة هل هي حامضة أم لا؟ قلت هي حامضة، أو معي حنظلة هل هي مرة أم لا؟ قلت مرة، من غير احتياجك إلى نظر في ذلك الفرد، أما لو قال لك معي درهم هل هو جيد أم لا؟ قلت حتى أنظر غليه. أو معي رمانة هل هي نضيجة أم لا؟ قلت حتى أنظر إليها. أو عندي رجل هل هو شجاع أو جبان؟ قلت حتى أنظر إليه. فهذا هو الفرق بينها. سؤال: يلزم أن الاستدلال بوجود العالم على وجود الصانع من هذا الباب وليس كذلك، بل هو عقلي، فإن الحس إذا شاهد الصنعة قال لها صانع، فقد اجتمع الحس والعقل، ولو فقد أحدهما لم يحصل العلم. جوابه: إن هذا عقلي والملازمة بينهما عقلية، والفرق بينه وبين المجربات والحدسيات من وجوه: الأول إن هذا عقلي وتلك عادية، وثانيها هذا يكفي فيه مطلق المشاهدة، وتلك لا بد فيها من التكرار، وثالثها إن هذا يكون في مادة الوجوب وتلك في مادة الإمكان. وإنما كانت الوجدانيات أشبه بالحسيات لأن الحس لا يدرك إلا جزئياً فلا يسمع كل صوت ولا يمكن أن يذوق كل طعم ولا يلمس كل لبونة أو حرارة، بل فرداً خاصاً من ذلك النوع، فمدركات الحس أبداً جزئية، والعقل هو المدرك للأمور الكلية فهو الذي يقول كل مسك عطر وكل ليمونة حامضة؛ فمدركات العقول كليات ومدركات الحواس جزئيات، والوجدانيات أمور جزئية فإنه لا يقوم بالإنسان كل جوع ولا كل عطش، بل فرد من ذلك، فهي جزئية وليست حسية لأن من فقد حواسه كلها وجد ألمه، وليست عقلية لأنها جزئية، فلذلك ألحقها العلماء بالحسيات دون العقليات، وهي قبيل قائم بذاته غيرهما. فائدة: اختلف العلماء هل الحواس مع العقل كالحجاب مع الملك أو كالطاقات؟ فقيل كالحجاب، والحواس تدرك أولاً ويحصل لها العلم ثم تؤدي تلك العلوم الجزئية

стр. 65

للنفس فتحكم عليها، وتقول كل ما كان كذا فهو كذا، وقيل بل الحواس طاقات والنفس كملك في بيت له خمس طاقات قبالة كل طاقة مشاهدات ليست قبالة الأخرى، والنفس التي هي الملك تنظر من كل طاقة لقبيل من المدركات لا توجد إلا هنالك، ويدل على الأول أن البهائم لا عقل لها وهي تدرك بحواسها، فدل ذلك على أن الحواس مستقلة بالإدراك دون النفس، ويدل على المذهب الثاني أن الإنسان إذا نام وفتحت عيناه لا يدرك شيئاً مع وجود العين بجملتها: السبع طبقات وثلاث رطوبات والعصب الأجوف والروح الباصرة، ولا يزال كذلك غير مدرك حتى يستيقظ فيأتي شيء للبصر وجميع الحواس، وحينئذ يحصل الإدراك، فدل على أن الحواس طاقات للنفس. الفصل الثالث عشر في الحكم وأقسامه الحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى القديم المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير، فالقديم احتراز من نصوص أدلة الأحكام فإنها خطاب الله تعالى وليست حكماً وإلا اتحد الدليل والمدلول، وهي محدثة، والمكلفين احتراز من المتعلق بالجماد وغيره، والاقتضاء احتراز عن الخبر وقولنا أو التخيير ليندرج المباح. إني اتبعت في هذا الحد الإمام فخر الدين رحمه الله تعالى مع أني غيرت بالزيادة في قولي القديم، ومع ذلك فلفظ الخطاب، والمخاطبة إنما يكون لغة بين اثنين وحكم الله تعالى قديم فلا يصح فيه الخطاب، وإنما يكون ذلك في الحادث، والصحيح أن يقال كلام الله القديم، فالكلام لفظ مشترك بين القديم واللساني الحادث كما تقدم فيه حكاية ثلاثة أقوال، وقولي القديم ليخرج الحادث من الألفاظ التي هي أدلة الحكم فإنها كلام الله تعالى وهو متعلق بأفعال المكلفين نحو قوله تعالى

стр. 66

«أقيموا الصلاة» (١) فلو كانت حكماً لا تحد الدليل والمدلول، وقولي المكلفين احتراز عن المتعلق بالجماد مثاله قوله تعالى «ويوم نسير الجبال» (٢) فإنه كلام متعلق بالجبال وهو جماد ونحو هذا، فإذا قلنا المتعلق بأفعال المكلفين خرج هذا النوع وقولي بالاقتضاء احتراز من الخبر فإن قوله تعالى «وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس» (٣) كلام متعلق بأفعال المكلفين وليس حكماً بل هو خبر عن تكليف تقدم. ويدخل في الاقتضاء أربعة أحكام اقتضاء الوجود بالوجوب: أو الندب واقتضاء العدم بالتحريم، أو الكراهة، فتبقى الإباحة لم تندرج، فقلت أو التخيير لتندرج الإباحة وتكمل الأحكام الخمسة تحت الحد فيكون جامعاً، وقبل ذلك لم يجمع؛ فإن قلت أو للشك وهو لا يصلح في الحد قلت (أو، وأما) لها خمسة معان الإباحة والتخيير نحو أصحاب العلماء أو الزهاد فلك الجمع بينهما، وخذ الثواب أو الدينار (٤) فليس لك الجمع بينهما، والشك نحو جاءني زيد أو عمرو وأنت لا تدري الآتي منهما، والإبهام نحو جاءني زيد أو عمرو وأنت تعلم الآتي منهما، وإنما قصدت الإبهام على السامع خشية مفسدة في التعيين، والتنويع نحو العدد إما زوج أو فردي أي العدد متنوع لهذين النوعين فأو هنا للتنويع أي الحكم الشرعي متنوع لهذين النوعين بلا شك وقد قال بعض الفضلاء في مثل هذا السؤال هذا حكم بالترديد لا ترديد في الحكم، والثاني هو الشك دون الأول لأنه جزم لا شك. فإن قلت إذا سلمنا أن (أو) لها خمسة معان فالمشتركات لا تصلح في الحدود لإجمالها. قلت: قد تقدم في أول الكتاب في الكلام عن الحد أن المجاز والاشتراك يجوز دخولهما في الحد إذا دل السياق أو القرائن على تعيين المجاز أو المشترك.

стр. 67

وعلى الحد بعد هذا كله أسئلة أحدها أن تفسير الحكم بالكلام القديم لا يستقيم، لأنه صفة فعل العبد تقول: فعل واجب وفعل حرام، وصفة الحادث أولى أن تكون حادثة. وثانيها أنه يعلل بالحوادث فيقال حلت المرأة بالعقد وحرمت بالطلاق، والمعلل بالحوادث حادث. وثالثها: أنه يوصف بأنه مسبوق بالعدم فيقال حلت المرأة بعد أن لم تكن حلالاً، والمسبوق بالعدم حادث. ورابعها أنه قد تعلق بفعل غير المكلفين فلا يكون جامعاً كإيجاب الضمان على الصبيان والمجانين في أموالهم. وخامسها أنه غير جامع لخروج أحكام الوضع عنه وهي نصب الأسباب كالزوال لوجوب الظهر، والشروط، كالحول شرط للزكاة، والموانع، كالحيض يمنع من الصلاة، والتقديرات الشرعية وهي إعطاء المعدوم حكم الموجود كتقدير الملك للمعتق عنه في الكفارة حتى يبرأ من الكفارة ويثبت الولاء له وتقدير تقدم الملك للعتق عنه في الكفارة حتى يبرأ من الكفارة ويثبت له الولاء له وتقدير تقدم الملك في الدية للمقتول خطأ قبل موته بالزمن الفرد حتى يصح أن يؤرث عنه، وإعطاء الموجود حكم المعدوم كتقدير نفي الإباحة السابقة في الأمة بردها بالعيب، وتقدير عدم الطلاق في حق المطلق في المرض عند مالك رحمه الله تعالى حتى ترث مع البينونة وهو كثير في الشرع، وقد بينت في كتاب الأمنية أنه لا يخلو باب من الفقه عنه. والجواب عن الأول: أن الشيء قد يوصف بما ليس قائماً به، كقولنا في قيام الساعة أنه مذكور ومعلوم بذكر قام بنا وعلم قام بنا، ووصف الفعل بالأحكام من هذا القبيل، وإنما يلزم الحدوث من الصفة في الحادث إذا كانت تقوم به كالسواد والبياض، والأقوال المتعلقة بالأفعال لا تكون صفات لها وإلا لكان القول صفة للمعدوم والمستحيل، فإنا نخبر عنه، وإذا قال السيد لعبده أسرج الدابة فقد أوجب عليه الإسراج، والإسراج واجب عليه إيجاب قام بالسيد دون الإسراج، وكذلك إذا أباحه له وعن الثاني أن علل الأحكام معرفات لا مؤثرات والمعروف يجوز أن يتأخر عن المعرف كما عرف الله تعالى بصنعته، وعن الثالث أن معنى قولنا حلت المرأة بعد ما لم تكن حلالاً أنها وجدت الحالة التي تعلق بها الحل في الأزل وهي حالة اجتماع الشرائط وانتفاء الموانع؛ فإن التعلق في الأزل إنما كان متعلقاً بهذه الحالة، فالحدوث في المتعلق لا في المتعلق بكسرها

стр. 68

ولا في التعلق خلافاً لمن قال إن التعلق حادث، وقد صرح بذلك تاج الدين في الحاصل وغيره، فإن الذي يحيل حصول علم في الأزل بلا معلوم يحيل حصول أمر في الأزل بلا مأمور، وإذا كان له مأمور فله به اختصاص، وذلك الاختصاص هو التعلق، والتعلق قديم. وعن الرابع أن الوجوب في تلك الحالة إنما هو على الولي أن يخرج من مال المحجور، أما المحجور عليه فلا وجوب عليه ولا حكم. وعن الخامس أنه سؤال صحيح والحد ليس جامعاً لكل ما هو حكم شرعي بل أحد نوعيه خاصة وهو أحكام التكليف، أما الوضع فلا، وهو أحكام لا تعلم إلا من قبل الشرع تعبدنا الله تعالى باتباعها؛ فالإيجاب بعد الزوال قيد في الوجوب وهو غير الوجوب المطلق وسببه الزوال حكم شرعي، وتختلف فيه الشرائع. فالحق أن نقول في الحد الحكم الشرعي هو كلام الله القديم المتعلق بأفعال المكلفين على وجه الاقتضاء أو التخيير أو ما يوجب ثبوت الحكم أو انتفائه، فما يوجب ثبوت الحكم هو الأسباب وما يوجب انتفاءه هو الشرط بعدمه أو المانع بوجوده، فيجتمع في الحد (أو) ثلاث مرات، وحينئذ يستقيم ويجمع جميع الأحكام الشرعية، وهذا هو الذي أختاره، ولم أر أحداً ركَّب الحد هذا التركيب. واختلف في أقسامه فقيل خمسة: الوجوب والتحريم والندب والكراهة والإباحة، وقيل أربعة والمباح ليس من الشرع، وقيل اثنان التحريم والإباحة وفسرت بجواز الإقدام الذي سشمل الوجوب والندب والكراهة والإباحة، وعليه يتخرج قوله ﵊ «أبغض المباح إلى الله تعالى الطلاق» فإن البغضة تقتضي رجحان الترك والرجحان مع التساوي محال. والأول هو المشهور (١) ومنشأ الخلاف في أن المباح هل هو من الشرع أم لا لاختلافهم في تفسير المباح، فمن فسره بنفي الحرج ونفي الحرج ثابت قبل الشرع، أفلا يكون من الشرع، ومن فسره بالإعلام بنفي الحرج، والإعلام به إنما يعلم من قبل الشرع فيكون شرعاً، وتفسير الإباحة بنفي الحرج مطلقاً حتى يندرج فيها

стр. 69

الوجوب والمكروه هو اصطلاح المتقدمين وبه وردت السنة في الحديث المتقدم؛ وتفسيرها باستواء الطرفين هو اصطلاح المتأخرين، فإذا اندرج فيها المكروه، ويكون الطلاق من أشد المكروهات فيفهم الحديث حينئذ، وإلا يتعذر فهمه، لأن (أفعل) في لسان العرب لا يضاف إلا لجنسه، فلا تقول زيد أفضل الحمير. (وأبغض) صيغة تفضيل وقد أضيفت إلى المباح المستوي الطرفين فيكون المبغوض بل الأبغض مستوي الطرفين وهو محال. فالواجب ما ذم تاركه شرعاً والمحرم ما ذم فاعله شرعاً، وقيد الشرع احتراز عن العرف، والمندوب ما رجح فعله على تركه شرعاً من غير ذم، والمكروه ما رجح تركه على فعله شرعاً من غير ذم، والمباح ما استوى طرفاه في نظر الشرع. تنبيه: ليس كل واجب يثاب على فعله ولا كل حرام يثاب على تركه أما الأول فكنفقات الزوجات والأقارب والدواب ورد المغصوب والودائع والديون والعواري فإنها واجبة، فإذا فعلها الإنسان غافلاً عن امتثال أمر الله تعالى فيها وقعت واجبة مجزئة مبرئة للذمة ولا ثواب حينئذ. وأما الثاني فلأن المحرمات يخرج الإنسان عن عهدتها بمجرد تركها وإن لم يشعر بها فضلاً عن القصد إليها حتى ينوي امتثال أمر الله تعالى فيها، فلا ثواب حينئذ، نعم متى اقترن قصد الامتثال في الجميع حصل الثواب. قوله ما ذم فاعله عليه إشكال من جهة أنه قد لا يفعل فلا يوجد فاعله ولا الذم المترتب عليه، وكذلك قولهم تاركه قد لا يوجد تاركه بأن يفعل الواجب وهو كثير، فتخرج هذه الصور كلها من الحد فلا يكون جامعاً. وجوابه: أن التحديد قد يقع بذوات الأوصاف، كقولنا ما رجح فعله على تركه وقد يقع بحيثيات الأوصاف نحو هذا ومعناه هو الذي بحيث إذا ترك ترتب الذم عليه، وهذه الحيثية ثابتة له فعل أو ترك؛ فتنبه لهذه القاعدة فهي غريبة وقد بسطتها في شرح المحصول.

стр. 70

الفصل الرابع عشر في أوصاف العبادة وهي خمسة الأول الأداء وهو إيقاع العبادة في وقتها المعين لها شرعاً لمصلحة اشتمل عليها الوقت، فقولنا في وقتها احتراز من القضاء، وقولنا شرعاً احتراز من العرف، وقولنا اشتمل عليها الوقت احتراز من تعيين الوقت لمصلحة المأمور به لا لمصلحة في الوقت، كما إذا قلنا الأمر للفور فإنه يتعين الزمن الذي يلي ورود الأمر ولا يوصف بكون أداء في وقته ولا قضاء بعد وقته وكمن بادر لإزالة منكر وإنقاذ غريق فإن المصلحة هنا في نفس الإنقاذ سواء كان في هذا الزمان أو في غيره. وأما تعيين أوقات العبادة فنحن نعتقد أنها المصالح في نفس الأمر اشتملت عليها هذه الأوقات وإن كنا لا نعلمها، وهكذا كل تعبدي معناه أنا لا نعلم مصلحته لا أنه ليس فيه مصلحة، طرداً لقاعدة الشرع في عادته في رعاية مصالح العباد على سبيل التفضل، فقد تلخص أن التميز في الفوريات لتكميل مصلحة المأمور به. وفي العبادات لمصلحة في الأوقات تظهر الفرق. قولي؛ إذا قلنا الأمر للفور لأنه يتعين الزمن الذي يلي ورود الأمر، ليس كذلك، بل قال القاضي أبو بكر ﵀ لا بد من زمان لسماع الصيغة وزمان لتقييم معناها، وفي الثالث يكون الامتثال، وهو متجه لا يتأتى المخالفة فيه، وقولي طرداً لقاعدة الشرع في رعاية مصالح العباد على سبيل التفضل احتراز من قول المعتزلة إنه تعالى يراعيها على سبيل الوجوب العقلي ويستحيل عليه تعالى خلاف ذلك، وعند أهل الحق له أن يفعل في ملكه ما يشاء ويحكم ما يريد، ومثال ما ذكرته أن ملكاً لو كانت عادته أن لا يخلع الأخضر إلا على الفقهاء، فرأيناه خلع أخضر على من لا نعرفه اعتقدنا أنه فقيه لقاعدة ذلك الملك، ولما استقرينا

стр. 71

لشرائع وجدناها مصالح، ولا يأمر الله تعالى فيها إلا بخير ولا ينهى إلا عن ضرر، ووجدنا أشياء لم نعلم ما هي وهي قليلة بالنسبة لما علمناه، قلنا هي من جنسها مصالح كتعيين زمان رمضان للصوم، والأوقات المعينة للصلاة نصب الزكاة والحدود وغير ذلك، وغيرت قيود الجماعة بسب أنهم يقولون الأداء إيقاع الواجب في وقته والقضاء إيقاع الواجب خارج وقته فيرد عليهم الطم والرم (١) من الصور التي ذكرناها. الثاني القضاء وهو إيقاع العبادة خارج وقتها الذي عينه الشرع لمصلحة فيه. ينتقض هذا الحد بأن العلماء يقولون حجة القضاء مع أن وقتها غير معين بالتفسير المتقدم، وتسميتهم ما أدركه المسبوق من الصلاة أداء ما يصليه بعد الإمام قضاءً يقولون هل يكون قاضياً فيما فاته أو بانياً خلاف للعلماء، وبقوله تعالى: «فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض (٢) » ، مع أنها في وقتها، وقد سماها الله تعالى قضاءً. والجواب: أن القضاء في اللغة نفس الفعل كيف كان كقول الشاعر: ... وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع (٣) فسمي فعله للزرديات قضاء، وليس المسمى اللغوي هو المحدود بل الاصطلاحي، فلا يرد اللغوي عليه، وهو الذي في الآية، وأما قضاء الحج وصلاة المسبوق فهو اصطلاحي، غير أن الجواب عنه أن القضاء في اصطلاح العلماء له ثلاثة معان: أحدهما إيقاع الفعل الواجب خارج وقته كما تقدم تحريره. وثانيها ما وقع بعد تعيين بسببه والشروع فيه، وهذا هو القضاء في الحج؛ لأنه لما أحرم به وتعين بالشروع سمي بعد ذلك قضاءً. وثالثها ما فعل على خلاف نظامه ومنه قضاء الصلاة، فإن وضع الجهر

стр. 72

في صلاة المغرب مثلاً أن يكون قبل السر، فإذا وقع آخر الصلاة فقد وقع على خلاف نظامه، وإذا كان اللفظ مشتركاً بين ثلاثة معان وحددنا أحدها لا يرد عليه الباقي نقضاً لاختلاف الحقائق، كما أن من حد الحدقة الباصرة لا يرد عليه الذهب نقضاً لأنه يسمى عيناً. تنبيه: لا يشترط في القضاء تقدم الوجوب بل تقدم سببه عنه الإمام والمازري وغيرهما من المحققين خلافاً للقاضي عبد الوهاب وجماعة من الفقهاء؛ فإن الحائض تقضي ما حرم عليها فعله في زمن الحيض، والحرام لا يتصف بالوجوب وبسط ذلك ذكرته في الفقه، ثم تقدم السبب قد يكون مع الإثم كالمعتمد المتمكن، وقد لا يكون كالنائم والحائض، والمزيل للإثم قد يكون من جهة العبد كالسفر وقد لا يكون كالحيض، وقد يصح معه الأداء كالمرض، وقد لا يصح أما شرعاً كالحيض أو عقلاً كالنوم. قولي خلافاً للقاضي عبد الوهاب معناه أنه قال إن الحيض يمنع من صحة الصوم دون وجوبه، فاشترط في خصوص هذه الصورة تقدم الوجوب مع السبب، ولم يجعل ذلك شرطاً عاماً، ووافقه الحنفية، غير أنهم صرحوا بأن الصوم واجب عليها وجوباً موسعاً، والقاضي وغيره لم أره تعرض لوصف التوسعة في ذلك. احتج القائلون بالوجوب بأمور أحدها: عمومات النصوص الدالة على وجوب الصوم. وثانيها: أنها تنوي قضاء رمضان فلولا تقدم الوجوب وإلا لكان هذا واجباً مبتدأ فلا حاجة لإضافته لرمضان. وثالثها؛ أنه مقدر بقدر الفائت من رمضان فأشبه تقدير قيم المتلفات بها فيكون بدلاً كالقيمة بدلاً من المنقوم، ويقوم مقام ما تقدم من الوجوب كما تقوم القيمة مقام المتلف، ولذلك سميت قيمة. والجواب عن الأول: أن ظواهر النصوص معارضة بأدلة العقل القطعية، فإن الصوم حرام راجح الترك، وما كان راجح الترك لا يكون راجح الفعل قطعاً، وكيف يتصور فيمن منع من الفعل أن يلزم بذلك الفعل إلا بناءً على تكليف ما لا يطاق وليس واقعاً في الشريعة؟! وإذا تعارضت القواطع والظواهر قدمت القطعيات

стр. 73

وعن الثاني أن العبادة لا بد لها من نية مخصصة مميزة لها عن غيرها، وهذا القضاء ليس نفلاً ولا كفارة ولا نذراً ولا تجدد سببه، فتعين إضافته لذلك السبب، فلم يبق له معنى إلا إضافته لرمضان ليتميز عن غيره، لا لأنه تقدمه وجوب. وعن الثالث أن التعذر في رمضان جعله الشرع سبباً لوجوب ما هو قدره؛ فلذلك تبعه في المقدار لا لتقدم الوجوب؛ لأن السبب كذلك نصبه الشارع. قالت الحنفية: لا يرد علينا مصادمة الوجوب والتحريم في زمن واحد، لأنا لم نعين زمن الحيض للوجوب، بل قلنا هو على التوسعة، بخلاف القاضي عبد الوهاب. قلت: وإن لم يرد عليهم هذا الإشكال يرد عليهم أن الواجب الموسع شأنه أن يفعل في أول الوقت إن شاء المكلف، وهذه لو أرادت أن تصوم في زمن الحيض منعت، فلم يبق للوجوب ظرف إلا بعد الحيض، وهو متفق عليه، فذكر التوسعة مغالطة لا يحصل منها طائل بل يتعين. أما مذهب القاضي أو مذهب المازري بعدم الوجوب مطلقاً وهذه الحجاج وأجوبتها مبسوطة في الفقه في كتاب الذخيرة. وقولي: المزيل للإثم قد يصح معه الأداء المرض، والمرض قسمان تارة يسقط الوجوب لأجل فرط المشقة لطفاً بالمكلف من غير فساد عضو ولا نفس، فهذا يصح معه الأداء كالصلوات الخمس جزماً وتارة يكون الصوم محرماً يفضي لهلاك نفس أو عضو فهذا قال الغزالي في المستصفي: يحتمل إذا فعل لا يجزئ عنه لأنه حرام، والحرام لا يجزئ عن الواجب، ويحتمل تخرجه على الصلاة فيا لدار المعصوبة، فإنه تصح: لأنه مطيع لله تعالى بصومه وجان على النفس بالفساد كما جنى الغاصب على منافع المغصوب وفيه احتمال. فائدة: العبادة قد توصف بالأداء والقضاء كالصلات الخمس، وقد لا توصف بهما كالنوافل، وقد توصف بالأداء وحده كالجمعة والعيدين. تمثيلي بالعيدين إنما هو على مذهب مالك ﵀، وإلا فالشافعي وأحمد ﵄ يقولان بالقضاء أيضاً في العيدين وكل صلاة نافلة لها سبب، وعلى الجمعة إشكال من جهة أن العرب لا تصف الشيء بصفة إلا إذا كان قابلاً لضدها، فلا

стр. 74

يقولون للحائط أنه أعمى وإن كان لا يبصر لأنه لا يقبل البصر عادة، وكذلك لا يقولون له أصم لأنه لا يقبل السماع، ولذلك قال الإمام فخر الدين في المحصول: إن العبادة لا توصف بالإجزاء إلا إذا أمكن وقوعها على وجهين الإجزاء وعدمه أما على وجه واحد فلا، كمعرفة الله تعالى، كذلك هنا لما كانت الجمعة لا تقبل القضاء ينبغي أن لا تصف بالأداء، ويحتمل أن يجاب عنه: بأن الامتناع المعتبر هو العقلي كالمعرفة أو العادي كالجدار، وأما هبنا فالجمعة قابلة عادة وعقلاً أيضاً أن يدخلها القضاء، لكن الشرع هو الذي منع، فالمنع الشرعي أحفض رتبة في إطلاقات اللغات؛ فإن اللغات إنما تنبني على ما هو معود كالعقل والعادة، وأما خصوص الشرائع فأمور لا تخطر ببال واضع اللغة حتى تقع، وقد لا تقع فلا يبنى عليها قواعد اللغة العامة. الثالث: الإعادة وهي إيقاع العبادة في وقتها بعد تقدم إيقاعها على خلل في الأجزاء، كمن صلى بدون ركن، أو في الكمال كصلاة المنفرد. هذا هو لفظ المحصول في اشتراط الوقت، وأما مذهب مالك فإن الإعادة لا تختص بالوقت بلفي الوقت إن كان لاستدراك المندوبات أو بعد الوقت كفوات الواجبات. الرابع: الصحة وهي عند المتكلمين ما وافق الأمر، وعند الفقهاء ما أسقط القضاء، والبطلان يتخرج على المذهبين فصلاة من ظن الطهارة وهو محدث صحيحه عند المتكلمين، لأن الله تعالى أمره أن يصلي صلاة يغلب ظنه طهارته، وقد فعل فهو موافق للأمر، وباطله عند الفقهاء لكونها لم تمنع من ترتيب القضاء، وأما فساد العقود فهو خلل يوجب عدم ترتيب آثارها عليها إلا أن تلحق بها عوارض على أصولنا في البيع الفاسد. اتفق الفريقان على جميع الأحكام، وإنما الخلاف في التسمية؛ فاتفقوا على أنه موافق لأمر الله وأنه مثاب، وأنه لا يجب عليه القضاء إذا لم يطلع عل الحدث،

стр. 75

وأنه يجب عليه القضاء إذا اطلع، وإنما اختلفوا في وضع لفظ الصحة هل يضعونه لما وافق الأمر سواء وجب القضاء أم لم يجب، أو لما لا يمكن أن يتعقبه قضاء. ومذهب الفقهاء أنسب للغة؛ فإن النية إذا كانت صحيحة من جميع الجهات إلا من جهة واحدة فإن العرب لا تسميها صحيحة وإنما تسمى صحيحاً ما لا كسر فيه البتة بطريق من الطرق، وهذه الصلاة هي مختلة على تقدير الذكر فهي كالآنية المكسورة من وجه. ووجه تخريج البطلان على المذهبين أنا إن فسرنا الصحة بموافقة الأمر كان البطلان مخالفة الأمر، وإن فسرنا الصحة بما أسقط القضاء كان البطلان ما أمكن أن يترتب فيه القضاء، وآثار العقود هي التمكن من البيع والهبة والأكل والوقف وغير ذلك. وأما العوارض التي تلحق بها على أصولنا فذلك أن النهي يدل على الفساد عندنا وعند الشافعية، وعلى الصحة عند الحنفية، فطرد الحنفية أصلهم، وقالوا: إذا اشترى أمة شراءً فاسداً جاز له وطؤها، وكذلك جميع العقود الفاسدة، وطرد الشافعية أصلهم وقالوا يحرم عليه الانتفاع مطلقاً وإن بيع ألف بيع وجب نقض الجميع، ونحن خالفنا أصلنا وراعينا الخلاف في المسألة، وقلنا إن البيع الفاسد يفيد شبهة الملك فيما يقبل الملك، فإذا لحقه أحد أربعة أشياء تقرر الملك بالقيمة وهي حوالة الأسواق، وتلف العين، ونقصانها، وتعلق حق الغير بها على تفصيل في ذلك في كتب الفروع، فهذه هي العوارض. الخامس: الإجزاء؛ وهو كون الفعل كافياً في الخروج عن عهدة التكليف وقيل ما أسقط القضاء. الإجزاء شديد الالتباس بالصحة، فإن الصلاة الصحيحة مجزئة، وقولنا الكافي في الخروج عن العهدة هو معنى قولنا في الصحة هي موافقة الأمر، وقولنا هنا ما أسقط القضاء هو مذهب الفقهاء في الصحة فيلزم أن يكونا مسألة واحدة، فلم عملوهما مسألتين؟
следующие страницы →