← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21813

شرح تنقيح الفصول

القرافي

Полный текст (458 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

لشرائع وجدناها مصالح، ولا يأمر الله تعالى فيها إلا بخير ولا ينهى إلا عن ضرر، ووجدنا أشياء لم نعلم ما هي وهي قليلة بالنسبة لما علمناه، قلنا هي من جنسها مصالح كتعيين زمان رمضان للصوم، والأوقات المعينة للصلاة نصب الزكاة والحدود وغير ذلك، وغيرت قيود الجماعة بسب أنهم يقولون الأداء إيقاع الواجب في وقته والقضاء إيقاع الواجب خارج وقته فيرد عليهم الطم والرم (١) من الصور التي ذكرناها. الثاني القضاء وهو إيقاع العبادة خارج وقتها الذي عينه الشرع لمصلحة فيه. ينتقض هذا الحد بأن العلماء يقولون حجة القضاء مع أن وقتها غير معين بالتفسير المتقدم، وتسميتهم ما أدركه المسبوق من الصلاة أداء ما يصليه بعد الإمام قضاءً يقولون هل يكون قاضياً فيما فاته أو بانياً خلاف للعلماء، وبقوله تعالى: «فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض (٢) » ، مع أنها في وقتها، وقد سماها الله تعالى قضاءً. والجواب: أن القضاء في اللغة نفس الفعل كيف كان كقول الشاعر: ... وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع (٣) فسمي فعله للزرديات قضاء، وليس المسمى اللغوي هو المحدود بل الاصطلاحي، فلا يرد اللغوي عليه، وهو الذي في الآية، وأما قضاء الحج وصلاة المسبوق فهو اصطلاحي، غير أن الجواب عنه أن القضاء في اصطلاح العلماء له ثلاثة معان: أحدهما إيقاع الفعل الواجب خارج وقته كما تقدم تحريره. وثانيها ما وقع بعد تعيين بسببه والشروع فيه، وهذا هو القضاء في الحج؛ لأنه لما أحرم به وتعين بالشروع سمي بعد ذلك قضاءً. وثالثها ما فعل على خلاف نظامه ومنه قضاء الصلاة، فإن وضع الجهر

стр. 72

في صلاة المغرب مثلاً أن يكون قبل السر، فإذا وقع آخر الصلاة فقد وقع على خلاف نظامه، وإذا كان اللفظ مشتركاً بين ثلاثة معان وحددنا أحدها لا يرد عليه الباقي نقضاً لاختلاف الحقائق، كما أن من حد الحدقة الباصرة لا يرد عليه الذهب نقضاً لأنه يسمى عيناً. تنبيه: لا يشترط في القضاء تقدم الوجوب بل تقدم سببه عنه الإمام والمازري وغيرهما من المحققين خلافاً للقاضي عبد الوهاب وجماعة من الفقهاء؛ فإن الحائض تقضي ما حرم عليها فعله في زمن الحيض، والحرام لا يتصف بالوجوب وبسط ذلك ذكرته في الفقه، ثم تقدم السبب قد يكون مع الإثم كالمعتمد المتمكن، وقد لا يكون كالنائم والحائض، والمزيل للإثم قد يكون من جهة العبد كالسفر وقد لا يكون كالحيض، وقد يصح معه الأداء كالمرض، وقد لا يصح أما شرعاً كالحيض أو عقلاً كالنوم. قولي خلافاً للقاضي عبد الوهاب معناه أنه قال إن الحيض يمنع من صحة الصوم دون وجوبه، فاشترط في خصوص هذه الصورة تقدم الوجوب مع السبب، ولم يجعل ذلك شرطاً عاماً، ووافقه الحنفية، غير أنهم صرحوا بأن الصوم واجب عليها وجوباً موسعاً، والقاضي وغيره لم أره تعرض لوصف التوسعة في ذلك. احتج القائلون بالوجوب بأمور أحدها: عمومات النصوص الدالة على وجوب الصوم. وثانيها: أنها تنوي قضاء رمضان فلولا تقدم الوجوب وإلا لكان هذا واجباً مبتدأ فلا حاجة لإضافته لرمضان. وثالثها؛ أنه مقدر بقدر الفائت من رمضان فأشبه تقدير قيم المتلفات بها فيكون بدلاً كالقيمة بدلاً من المنقوم، ويقوم مقام ما تقدم من الوجوب كما تقوم القيمة مقام المتلف، ولذلك سميت قيمة. والجواب عن الأول: أن ظواهر النصوص معارضة بأدلة العقل القطعية، فإن الصوم حرام راجح الترك، وما كان راجح الترك لا يكون راجح الفعل قطعاً، وكيف يتصور فيمن منع من الفعل أن يلزم بذلك الفعل إلا بناءً على تكليف ما لا يطاق وليس واقعاً في الشريعة؟! وإذا تعارضت القواطع والظواهر قدمت القطعيات

стр. 73

وعن الثاني أن العبادة لا بد لها من نية مخصصة مميزة لها عن غيرها، وهذا القضاء ليس نفلاً ولا كفارة ولا نذراً ولا تجدد سببه، فتعين إضافته لذلك السبب، فلم يبق له معنى إلا إضافته لرمضان ليتميز عن غيره، لا لأنه تقدمه وجوب. وعن الثالث أن التعذر في رمضان جعله الشرع سبباً لوجوب ما هو قدره؛ فلذلك تبعه في المقدار لا لتقدم الوجوب؛ لأن السبب كذلك نصبه الشارع. قالت الحنفية: لا يرد علينا مصادمة الوجوب والتحريم في زمن واحد، لأنا لم نعين زمن الحيض للوجوب، بل قلنا هو على التوسعة، بخلاف القاضي عبد الوهاب. قلت: وإن لم يرد عليهم هذا الإشكال يرد عليهم أن الواجب الموسع شأنه أن يفعل في أول الوقت إن شاء المكلف، وهذه لو أرادت أن تصوم في زمن الحيض منعت، فلم يبق للوجوب ظرف إلا بعد الحيض، وهو متفق عليه، فذكر التوسعة مغالطة لا يحصل منها طائل بل يتعين. أما مذهب القاضي أو مذهب المازري بعدم الوجوب مطلقاً وهذه الحجاج وأجوبتها مبسوطة في الفقه في كتاب الذخيرة. وقولي: المزيل للإثم قد يصح معه الأداء المرض، والمرض قسمان تارة يسقط الوجوب لأجل فرط المشقة لطفاً بالمكلف من غير فساد عضو ولا نفس، فهذا يصح معه الأداء كالصلوات الخمس جزماً وتارة يكون الصوم محرماً يفضي لهلاك نفس أو عضو فهذا قال الغزالي في المستصفي: يحتمل إذا فعل لا يجزئ عنه لأنه حرام، والحرام لا يجزئ عن الواجب، ويحتمل تخرجه على الصلاة فيا لدار المعصوبة، فإنه تصح: لأنه مطيع لله تعالى بصومه وجان على النفس بالفساد كما جنى الغاصب على منافع المغصوب وفيه احتمال. فائدة: العبادة قد توصف بالأداء والقضاء كالصلات الخمس، وقد لا توصف بهما كالنوافل، وقد توصف بالأداء وحده كالجمعة والعيدين. تمثيلي بالعيدين إنما هو على مذهب مالك ﵀، وإلا فالشافعي وأحمد ﵄ يقولان بالقضاء أيضاً في العيدين وكل صلاة نافلة لها سبب، وعلى الجمعة إشكال من جهة أن العرب لا تصف الشيء بصفة إلا إذا كان قابلاً لضدها، فلا

стр. 74

يقولون للحائط أنه أعمى وإن كان لا يبصر لأنه لا يقبل البصر عادة، وكذلك لا يقولون له أصم لأنه لا يقبل السماع، ولذلك قال الإمام فخر الدين في المحصول: إن العبادة لا توصف بالإجزاء إلا إذا أمكن وقوعها على وجهين الإجزاء وعدمه أما على وجه واحد فلا، كمعرفة الله تعالى، كذلك هنا لما كانت الجمعة لا تقبل القضاء ينبغي أن لا تصف بالأداء، ويحتمل أن يجاب عنه: بأن الامتناع المعتبر هو العقلي كالمعرفة أو العادي كالجدار، وأما هبنا فالجمعة قابلة عادة وعقلاً أيضاً أن يدخلها القضاء، لكن الشرع هو الذي منع، فالمنع الشرعي أحفض رتبة في إطلاقات اللغات؛ فإن اللغات إنما تنبني على ما هو معود كالعقل والعادة، وأما خصوص الشرائع فأمور لا تخطر ببال واضع اللغة حتى تقع، وقد لا تقع فلا يبنى عليها قواعد اللغة العامة. الثالث: الإعادة وهي إيقاع العبادة في وقتها بعد تقدم إيقاعها على خلل في الأجزاء، كمن صلى بدون ركن، أو في الكمال كصلاة المنفرد. هذا هو لفظ المحصول في اشتراط الوقت، وأما مذهب مالك فإن الإعادة لا تختص بالوقت بلفي الوقت إن كان لاستدراك المندوبات أو بعد الوقت كفوات الواجبات. الرابع: الصحة وهي عند المتكلمين ما وافق الأمر، وعند الفقهاء ما أسقط القضاء، والبطلان يتخرج على المذهبين فصلاة من ظن الطهارة وهو محدث صحيحه عند المتكلمين، لأن الله تعالى أمره أن يصلي صلاة يغلب ظنه طهارته، وقد فعل فهو موافق للأمر، وباطله عند الفقهاء لكونها لم تمنع من ترتيب القضاء، وأما فساد العقود فهو خلل يوجب عدم ترتيب آثارها عليها إلا أن تلحق بها عوارض على أصولنا في البيع الفاسد. اتفق الفريقان على جميع الأحكام، وإنما الخلاف في التسمية؛ فاتفقوا على أنه موافق لأمر الله وأنه مثاب، وأنه لا يجب عليه القضاء إذا لم يطلع عل الحدث،

стр. 75

وأنه يجب عليه القضاء إذا اطلع، وإنما اختلفوا في وضع لفظ الصحة هل يضعونه لما وافق الأمر سواء وجب القضاء أم لم يجب، أو لما لا يمكن أن يتعقبه قضاء. ومذهب الفقهاء أنسب للغة؛ فإن النية إذا كانت صحيحة من جميع الجهات إلا من جهة واحدة فإن العرب لا تسميها صحيحة وإنما تسمى صحيحاً ما لا كسر فيه البتة بطريق من الطرق، وهذه الصلاة هي مختلة على تقدير الذكر فهي كالآنية المكسورة من وجه. ووجه تخريج البطلان على المذهبين أنا إن فسرنا الصحة بموافقة الأمر كان البطلان مخالفة الأمر، وإن فسرنا الصحة بما أسقط القضاء كان البطلان ما أمكن أن يترتب فيه القضاء، وآثار العقود هي التمكن من البيع والهبة والأكل والوقف وغير ذلك. وأما العوارض التي تلحق بها على أصولنا فذلك أن النهي يدل على الفساد عندنا وعند الشافعية، وعلى الصحة عند الحنفية، فطرد الحنفية أصلهم، وقالوا: إذا اشترى أمة شراءً فاسداً جاز له وطؤها، وكذلك جميع العقود الفاسدة، وطرد الشافعية أصلهم وقالوا يحرم عليه الانتفاع مطلقاً وإن بيع ألف بيع وجب نقض الجميع، ونحن خالفنا أصلنا وراعينا الخلاف في المسألة، وقلنا إن البيع الفاسد يفيد شبهة الملك فيما يقبل الملك، فإذا لحقه أحد أربعة أشياء تقرر الملك بالقيمة وهي حوالة الأسواق، وتلف العين، ونقصانها، وتعلق حق الغير بها على تفصيل في ذلك في كتب الفروع، فهذه هي العوارض. الخامس: الإجزاء؛ وهو كون الفعل كافياً في الخروج عن عهدة التكليف وقيل ما أسقط القضاء. الإجزاء شديد الالتباس بالصحة، فإن الصلاة الصحيحة مجزئة، وقولنا الكافي في الخروج عن العهدة هو معنى قولنا في الصحة هي موافقة الأمر، وقولنا هنا ما أسقط القضاء هو مذهب الفقهاء في الصحة فيلزم أن يكونا مسألة واحدة، فلم عملوهما مسألتين؟

стр. 76

والجواب: أن العقود توصف بالصحة ولا توصف بالإجزاء، وكذلك النوافل من العبادات توصف بالصحة دون الإجزاء، وإنما يوصف بالإجزاء ما هو واجب، فلذلك استدل جماعة من العلماء على وجوب الأضحية بقوله ﵊ لأبي بردة بن نيار «تجزيك ولا تجزي أحداً بعدك» بحينئذ الصحة أعم من الإجزاء بكثير، فبما حقيقتان متباينتان فأمكن جعلهما مسألتين. وقولهم الإجزاء ما أسقط القضاء غير متجه، ومن جهة أن الذي يسقط القضاء هو المجزئ لا الإجزاء؛ فالأولى لصاحب هذا المذهب أن يقول وهو كون الفعل مسقطاً للقضاء فيجعله صفة في الفعل لا نفس الفعل. وحكى الإمام فخر الدين أنه قيل إنه سقوط القضاء، فجعله صاحب هذا المذهب نفسالسقوط، فيلزمه حيث وجد سقوط القضاء يوجد الإجزاء وليس كذلك، بل من مات في وسط الوقت ولم يصل أو صلى صلاة فاسدة فإنه وجد في حقه سقوط القضاء ولم يوجد الإجزاء، فإن القضاء إنما يتوجه بعد خروج الوقت وبقاء أهلية التكليف، والميت ليس أهلاً لتكليف، ولأنا نعلل سقوط القضاء بالإجزاء، والعلة مغايرة للمعلول، فلا يكون الإجزاء نفس سقوط القضاء. الفصل الخاس عشر فيما تتوقف عليه الأحكام وهي ثلاثة السبب والشرط وانتفاء المانع فإن الله تعالى شرع الأحكام وشرع لها أسباباً وشروطاً وموانع، وورد خطابه على قسمين خطاب تكليف يشترط فيه علم المكلف وقدرته وغير ذلك كالعبادات، وخطاب وضع لا يشترط فيه شيء من ذلك وهو الخطاب بكثير من الأسباب والشروط والموانع، وليس ذلك عاماً فيها، فلذلك نوجب الضمان على المجانين والغافلين بسبب الإتلاف لكونه من باب الوضع الذي معناه أن الله ﵎ قال إذا وقع هذا في الوجود فاعلموا أن حكمت بكذا ومن

стр. 77

ذلك الطلاق بالإضرار والإعسار والتوريث بالأنساب، وقد يشترط في السبب العلم كإيجاب الزنا للحد والقتل للقصاص. لا يوجد متوقف عليه وهو كما ما يتوقف عليه إلا أحد هذه الثلاثة في العقليات والشرعيات والعبادات. وقولي وهو كمال ما توقف عليه احتراز من جزء السبب وجزء الشرط، فإن جزء السبب يتوقف عليه، وكذلك جزء الشرط، بخلاف جزء المانع لا يتوقف على انتفائه؛ بل يكفي انتفاء تلك الحقيقة، ويكفي في انتفائها انتفاء جزء من أجزائها إذ لو كان الجزء أيضاً مانعاً لكان ذلك موانع لا مانعاً، وسميت الأحكام الخمسة خطاب تكليف توسعاً في العبارة، فإن التكليف من الكلفة والمشقة، وذلك إنما يتحقق في الواجب للكلفة في تركه أو المحرم للكلفة في فعله وما عداهما لا كلفة في فعله ولا في تركه؛ لأن الكلفة هي توقع العقوبة الربانية، وهي لا توجد في غيرهما، ولذلك نقول: الصبي غير مكلف وإن كان مندوباً للحج والصلاة عل الأصح؛ فغلب لفظ التكليف على الثلاثة الأخر تجوزاً وتوسعاً، ويدل على اشتراط العلم في التكليف قوله تعال «وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً (١) » نفي التعذي حتى يحصل العلم بالتبليغ للسامع، وقوله تعالى «رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل» (٢) يدل على أن الحجة للخلق من جهة الجهل بعدم التبليغ، وبقوله تعالى «لا يكلف الله نفساً إلا وسعها» (٣) ، والتكليف مع عدم العلم تكليف بغير الوسع، ولإجماع الأمة على أن من وطئ امرأة يظنها زوجته أو شرب خمراً يظنه خلاً لا يأثم لعدم العلم، وكذلك العاجز غير مكلف إجماعاً. ويشترط مع العلم والقدرة شروط أخر تختص بكل عبادة منها شروط، كما يشترط في الصلاة البلوغ، والزوال والإقامة في الجمعة، والصوم ودوران الحول في الزكاة، وهو كثير مبسوط في كتب الفقه. ويسمى القسم الآخر خطاب وضع به لأنه شيء وضعه الله تعلى في شرائعه لا أنه أمر به عباده ولا أناطه بأفعالهم من

стр. 78

حيث هو خطاب وضع، فلا يشترط العلم ولا القدرة في أكثر خطاب الوضع نحو التوريث بالأسباب؛ فإن الإنسان إذا مات له قريب دخلت التركة في ملكه وإن لم يعلم ولا ذلك بقدرته، حتى لو كان فيها رقيق يعتق عليه عُتق، وكذلك يطلق بالإعسار، وإن كان الزوج مجنوناً غير عالم وعاجزاً عن النفقة، وكذلك يجب الضمان بالإتلاف وإن لم يعلم المتلف ما أتلفه لكونه غافلاً أو مجنوناً ولا قدرة له على التحرز من ذلك وهو كثير في الشريعة، وبعض الأسباب يشترط فيه العلم والقدرة وهو كل ما كان فيه جناية كالزنا وشرب الخمر ونحوه مما هو سبب للعقوبة؛ فإن قواعد الشرع تتقاضى أنه لا يعاقب من لم يقصد المفسدة، ولم يشعر بها إذا وقعت بغير كسبه، ولذلك اشترط في كل سبب هو جناية: العلم والقدرة. بخلاف المثل السابقة لأنها ليست أسباب عقوبات، فإن الإتلاف وإن كان جناية إلا أنه ليس بسبب عقوبة، بل الغرامة جابرة لا زاجرة، والعقوبة لا تكون إلا زاجرة. ويستثنى من أسباب العقوبات نوع آخر ليس منها وهو أسباب انتقال الأملاك في المنافع والأعيان والأبضاع فإنه يشترط في هذه الأسباب العلم والرضا لقوله ﵊ «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس» فكان ذلك أصلاً في انتقال الأملاك والمنافع والأعيان والأبضاع فيشترط العلم لأنه شرط في الرضا؛ فلذلك قلت وليس عدم الاشتراط عاماً في خطاب الوضع، بل هذا هو شأنه حتى يعرض له أمر خارج يوجب له اشتراط ذلك، وبقي من خطاب الوضع التقادير الشرعية وهي إعطاء الموجود حكم المعدوم، وإعطاء المعدوم حكم الموجود كتقدير الأثمان في الذمم والأعيان في السَّلم في ذمة المسلم إليه، والذمة نفسها هي من جملة المقدرات، فإنها معنى شرعي مقدر في المحل قابل للإلزام والإلزام، وقد تقدم من مثلها جملة في حد الحكم. فائدة: قد يجتمع خطاب الوضع وخطاب التكليف، وقد ينفرد خطاب الوضع في شيء واحد، ويكون ما يترتب عليه من خطاب التكليف في شيء آخر، مثال اجتماعهما في شيء واحد الزانا والسرقة والعقود، فإنها أسباب تعلق بها التحريم أو الوجوب أو الإباحة في العقود، وهي أسباب العقوبات وانتقال الأملاك، وكذلك الوضوء والستارة شرطان فهما خطاب وضع، وواجبان فهما

стр. 79

خطاب تكليف، والزواج واجب أو مندوب أو مباح، وهو سبب الإباحة، والطلاق كذلك وهو سبب تحريم، والقتل حرام وهو سبب حرمان الإرث، واللعان سبب التحريم ونفي الولد، وهو واجب أو مباح، فاجتمع الأمران. مثال انفراد الوضع زوال الشمس، وجميع أوقات الصلوات أسباب لوجوبها ورؤية الهلال سبب لوجوب رمضان، وصلاة العيدين والنسك، وهذه التجددات ليس في قطعها خطاب تكليف، ودوران الحول شرط، والحيض مانع، والبلوغ شرط، وجميع ما يترتب على هذه هو شيء آخر غيرها، فالوضع في شيء والتكليف في شيء آخر، ولا يتصور انفراد التكليف إذ لا تكليف إلا وله سبب أو شرط أو مانع، وأبعد الأمور عن ذلك الإيمان بالله تعالى ومعرفته وهما سببان لعصمة الدم والمال، والكفر والنفاق وهما سببان للإباحة فيهما. إذا تقرر هذا فنقول: السبب ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته، فالأول احتراز من الشرط، والثاني احتراز من المانع، والثالث احتراز من مقارنته فقدان الشرط أو وجود المانع، فلا يلزم من وجوده الوجود أو إخلافه بسبب آخر، فلا يلزم من عدمه العدم. إنما قلت احتراز من الشرط لأنه لا يلزم من وجود الشرط ولا عدم، وقولي يلزم من عدمه العدم احتراز من المانع فإن عدم المانع لا يلزم منه شيء، كما تقول الدين مانع من الزكاة، فإذا لم يكن عليه دين لا يلزم أن تجب عليه الزكاة، لاحتمال فقره مع عدم الدين، ولا أن لا تجب الزكاة لاحتمال أن يكون عنده نصاب حال عليه الحول، وكذلك دوران الحول شرط، ولا يلزم من وجوده وجوب الزكاة لاحتمال فقره، ولا عدم وجوب الزكاة لاحتمال غناه، فإن قارن السبب فقدان الشرط كالنصاب قبل الحول فإنه لا يلزم من وجود الحكم الذي هو وجوب الزكاة، وكذلك وجود المانع الذي هو الدين لا يلزم الوجود، وكذلك إذا أخلف السبب سبب آخر لا يلزم العدم، كما إذا فقد الزنا لا يلزم أن لا يجب الجلد لإخلافه بالقذف، وكذلك الردة بسبب القتل فقد تخلفها جناية القتل

стр. 80

عمداً أو ترك الصلاة أو غير ذلك؛ فيلزم وجود الحكم لأن الأسباب الشرعية يخلف بعضها بعضاً، فإذا قلت: لذاته خرجت هذه النقوض، فإن هذه الأسباب كلها بالنظر لذاتها إذا قطعنا النظر عن كونها لها شروط أو أبدال أو موانع لزم من وجودها الوجود ومن عدمها العدم، وإنما لا يلزم ذلك في الحالين، إذا عرض لها هذه الأمور فهي بالنظر إلى ذاتها تقتضي ذلك، وبالنظر إلى الأمور الخارجية يتأخر عنها ذلك، ولا تنافي بين اقتضاء الشيء بالات وبين تخلفه للعوارض. والشرط ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، فالأول احتراز ممن المانع والثاني احتراز من السبب والمانع أيضاً، والثالث احتراز من مقارنته لوجود السبب، فيلزم الوجود عند وجوده أو قيام المانع فيقارن العدم، والمانع ما يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لدائته، فالأول احتراز من السبب والثاني احتراز من الشرط والثالث احتراز من مقارنة عدمه لوجود السبب، فالمعتبر من المانع وجوده ومن الشرط عدمه ومن السبب وجوده وعدمه. مثال الشرط: الحول في الزكاة يلزم من عدمه عدم وجوب الزكاة ولا يلزم من وجوده وجوبها لاحتمال عدم النصاب، ولا عدم وجوبها لاحتمال وجود النصاب. وكذلك جمع الشروط. أما إذا قارن وجود السبب فإنه يلزم وجوب الزكاة ولكن لا لذاته بل لذات وجود السبب؛ أو يقارن وجود الشروط قيام المانع الذي هو الدين فيلزم العدم لكن للمانع لا لذات الشرط، فالشرط بالنظر إلى ذاته لا يلزم من وجوده شيء وإنما يتأتى اللزوم بالنظر إلى الأمور الخارجة كما تقدم في السبب؛ وكذلك القول في تقرير المانع. فوائد خمس: الأولى الشرط وجزء العلة كلاهما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم فهما يلتبسان، والفرق بينهما أن جزء العلة مناسب في ذاته والشرط مناسب في غيره كجزء النصاب، فإنه مشتمل

стр. 81

على بعض الغنى في ذاته. ودوران الحول ليس فيه شيء من الغنى وإنما هو مكمل للغنى الكائن في النصاب. إذا رتب الشارع الحكم مع أوصاف وأناطه بها فإن كانت كلها مناسبة فهي كلها علة واحدة، وكل واحد منهما جزء علة إن لم نجد بعضها استقل بالحكم كالقصاص مع القتل العمد العدوان؛ فإن الثلاثة سبب للقصاص، وكل واحد منها جزء علة: لأن بعضها لم نجده استقل بوجوب القصاص. وإن وجدنا بعضها يستقل بالحكم كان كل واحد منها علة مستقلة، فإن اجتمعت ترتب الحكم، وإن انفرد بعضها ترتب الحكم أيضاً، كالبكارة والصغر مع الإجبار إن اجتمعا فللأب الإجبار، وإن انفرد أحدهما كالثيب الصغيرة أو البكر المعنسة فله الإجبار على الخلاف، هذا إذا كانت كلها مناسبة فلا شرط فيها بل هي علة واحدة أو علل كما تقدم. وإن كان بعضها مناسباً وبعضها غير مناسب فالمناسب العلة وغير المناسب شرط لضرورة توقف الحكم على وجوده، ولا بد في عادة الشرط من أن يكون مكملاً لحكمة السبب وهو الوصف الآخر، كالحول مع النصاب، لما وقف صاحب الشرع وجزء العلة من جهة المناسب وعدمها. الثانية إذا اجتمعت أجزاء العلة ترتب الحكم وإذا اجتمعت العلل المستقلة ترتب الحكم أيضاً، فما الفرق بين الوصف الذي هو جزء العلة وبين الوصف الذي هو علة مستقلة والفرق بينهما أن جزء العلة إذا انفرد لا يثبت معه الحكم كأحد أوصاف القتل العمد العدوان، فإن المجموع علة سبب القصاص، وإذا انفرد جزء العلة لا يترتب عليه القصاص والوصف الذي هو علة مستقلة إذا اجتمع مع غيره ترتب الحكم، وإذا انفرد ترتب الحكم أيضاً، كإيجاب الوضوء على من لامس وبال ونام، وإذا انفرد أحدها وجب الوضوء أيضاً.

стр. 82

الثالثة: الحكم كما يتوقف على وجود سببه يتوقف على وجود شرطه فيم يعلم كل واحد منهما؟ الجواب: يعلم بأن السبب مناسب في ذاته والشرط مناسبته في غيره كالنصاب مشتمل على الغنى في ذاته، والحول مكمل لحكمة الغنى في النصاب بالتمكن من التنمية. الرابعة الموانع الشرعية على ثلاثة أقسام: منها ما يمنع ابتداء الحكم واستمراره، ومنها ما يمنع ابتداءه فقط، ومنها ما اختلف فيه هل يلحق بالأول أو بالثاني، فالأول كالرضاع يمنع ابتداء حكم النكاح واستمراره إذا طرأ عليه، والثاني كالاستبراء يمنع ابتداء النكاح ولا يبطل استمراره إذا طرأ عليه، والثالث كالإحرام بالنسبة إلى وضع اليد على الصيد، فإنه يمنع من وضع اليد على الصيد ابتداءً، فإن طرأ على الصيد فهل تجب إزالة اليد عنه؟ فيه خلاف بين العلماء، وكالطول (١) يمنع من نكاح الأمة ابتداءً فإن طرأ عليه فهل يبطله؟ خلاف، كوجود الماء يمنع من التيمم ابتداءً فإن طرأ بعد فهل يبطله فيه خلاف. مثال طرو الرضاع على النكاح أن يتزوج بنتاً في المهد فترضعها أمه فتصير أخته من الرضاع فتحرم عليه، والمستبرأة كالمعتدة لا يجوز العقد عليها صوناً لماء الغير عن الاختلاط، فإذا غصبت امرأة متزوجة أو زنت اختياراً أو وطنت بشبهة فإنه تستبرأ من هذا الماء ليتبين هل منه ولد فيلحق بالغير في وطء الشبهة أو يلاعن منه في الزنا، ومع ذلك فالنكاح لا يبطل بهذا الاستبراء، فقد قوى الاستبراء على منع المبادئ، وما قوى على قطع الفادي، والمحرم لا يحل له أن يضع يده على الصيد، والإحرام يمنع من وضع الصيد؛ فإن أحرم وهو عنده فهل يجب عليه إفلاته أم لا؟ فيه خلاف.

стр. 83

الخامسة الشروط اللغوية أسباب لأنه يلزم من وجودها الوجود ومن عدمها العدم، بخلاف الشروط العقلية كالحياة مع العلم، والشرعية كالطهارة مع الصالة، والعادية كالغذاء مع الحياة في بعض الحيوانات. إذا قلت إن دخلت الدار فأنت حر، يلزم من دخول الدار الحرية ومن عدم دخولها عدم الحرية، وهذا هو شأن السبب، أن يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته كما تقدم تحديده، وأما الحياة فلا يلزم من وجودها معرفة مذهب مالك، ويلزم من عدم الحياة عدم معرفته، وهذا هو حقيقة الشرط كما تقدم تحديده، ويلزم من عدم الطهارة عدم صحة الصلاة حيث كانت شرطاً في صورة القدرة عليها، ولا يلزم من وجود الطهارة صحة الصلاة لاحتمال عدم الصلاة بالكلية، أو يصليها بدون شرط أو ركن، وقولي في بعض الحيوانات احتراز عما يحكى عن الحياة أنها تمكث تحت التراب في الشتاء بغير غذاء وقيل تتغذى بالتراب فلا يحترز عنها حينئذ. الفصل السادس عشر في الرخصة والعزيمة الرخصة جواز الإقدام على الفعل مع اشتهار المانع منه شرعاً، والعزيمة طلب الفعل الذي لم يشتهر فيه مانع شرعي، ثم الرخصة قد تنتهي للوجوب كأكل المضطر الميتة، وقد لا تنتهي كإفطار المسافر، وقد يباح سببها كالسفر، وقد لا يباح كالغصة بشرب الخمر. الرخصة مشتقة من الترخص، والرخص هو اللين، فهي من حيث الجملة من السهولة المسامحة واللين. وفسرها الإمام فخر الدين في المحصول بجواز الإقدام مع قيام المانع، وذلك

стр. 84

مشكل؛ لأنه يلزم منه أن تكون الصلوات الخمس رخصة والحدود والتعازير والجهاد والحج رخصة، لأن ذلك جميعه يجوز الإقدام عليه، وفيه مانعان؛ أحدهما ظواهر النصوص المانعة من التزامه، وهو قوله تعالى «وما جعل الله عليكم في الدين من حرج» (١) ، وقوله تعالى «يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر» (٢) ، وقوله ﵊ «لا ضرر ولا ضرار» ، وجميع ذلك يمنع أن تجب هذه الأمور علينا لأنه حرج وعسر وضرر، غير أن ما فيها من المصالح العاجلة والمثوبات الآجلة هو المعارض الذي لأجله خولفت ظواهر هذه النصوص. وثانيهما صورة الإنسان مكرمة معظمة لقوله تعالى «ولقد كرمنا بني آدم» (٣) ، وقوله تعالى «لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم» (٤) ، والمكرم المعظم يناسب أن لا تهلك بنيته بالجهاد ولا يلزم المشاق والمضار، ولذلك قلت أنا في حدي: مع اشتهار المانع اشرعي، وأريد باشتهار المانع نفور الطبع الجيد السليم عند سماع قولنا أكل فلان الميتة، أو أفطر في رمضان، أو شرب الخمر للغصة، ونحو ذلك، وعلى هذا تخرج هذه النقوض عن حد الرخصة؛ فإنه لا ينفر أحد من قولنا أقيم الحد على الإنسان، ولا صلى الإنسان، ونحو ذلك، ولا يستعظم كيف اجتمع ذلك مع وصف الإنسانية كما يستعظم اجتماع الأكل مع الميتة والإفطار مع رمضان، ومع هذا الاحتراز لا يسلم الحد عن الفساد. فإن في الشريعة رخصاً لم ألهم لها حالة ذكرى لهذا الحد وهي الإجازة رخصة من بيع المعدوم الذي لا يقدر على تسليمه، والسلم رخصة لما فيه من الغرر بالنسبة إلى المرئي، والقراض والمساقاة رخصتان لجهالة الأجرة فيهما، والصيد رخصة لأكل الحيوان مع اشتماله على دمائه ويكتفى فيه بمجرد جرحه وخدشه، ومع ذلك فلا ينفر أحد إذا ذكر له ملابسة هذه الأمور، فلا يكون حدي جامعاً.

стр. 85

ثم استقراء الشريعة يقتضي أن ما من مصلحة إلا وفيها مفسدة، ولو قلَّت على البعد، ولا مفسدة إلا وفيها مصلحة وإن قلت على البعد ولو في الكفر فإن فيه تعظيم أهله وعصابته لمن شايعهم وعداوة أهل الحق له وطلب دمه وماله. وكذلك تقول في الإيمان، وإذا كان هذا في أعظم الأشياء مصلحة وأعظمها مفسدة فما ظنك بغيرهما، وقد قال الله تعالى في الخمر والميسر «قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما» (١) ، وعلى هذا ما في الشريعة حكم إلا وهو مع المانع الشرعي، لأنه لا يمكن أن يراد بالمانع ما سلم عن المعارض الراجح، فإن أكل الميتة وغيره وجد فيه معارض راجح على مفسدة الميتة، فحينئذ ما المراد إلا المانع المغمور بالراجح المعارض له، وحينئذ تندرج جميع الشريعة لأن كل حكم فيه مانع مغمور لمعارضته لما تقدم. والذي تقرر عليه حالي في شرح المحصول وهنا أني عاجز عن ضبط الرخصة بحد جامع مانع، أما جزئيات الرخصة من غير تحديد فلا عسر فيه إنما الصعوبة فيه الحد على ذلك الوجه، وقولي وقد لا يباح سببها كالغصة لشرب الخمر، أريد أنه لا يباح لأحد أن يغص نفسه حتى يشرب الخمر ولا لغير شرب الخمر، بل الغصة حرام مطلقا. وقال في المحصول: العزيمة هي جواز الإقدام مع عدم المانع. فيرد عليه أن أكل الطيبات ولبس الثياب من العزائم لأنه يجوز الإقدام عليها، وليس فيها مانع على زعمه في المانع، ولا يمكن أن تكون من العزائم؛ فإن العزائم مأخوذة من العزم وهو الطلب المؤكد فيه، ولا طلب في هذه الأمور فلذلك زدت في حدي: طلب الفعل مع عدم اشتهار المانع الشرعي، فقيد الطلب ليخرج أكل الطيبات ونحوها، وعدم اشتهار المانع احتراز من الرخصة إذا طلبت كأكل المضطر الميتة وقصدت بأصل الطلب (٢) ولم أعين الوجوب لأن المالكية قالوا إن السجدات المندوب السجود عند تلاوتها عزائم، فقالوا عزائم القرآن إحدى عشرة سجدة، فذكرت الطلب ليندرج المندوب والواجب.

стр. 86

الفصل السابع عشر في الحسن والقبح حسن الشيء وقبحه يراد بهما ما يلائم الطبع أو ينافره كإنقاذ الغرقى واتهام الأبرياء وكونهما صفة كمال أو نقص نحو العلم حسن والجهل قبيح، أو كونه موجباً للمدح أو الذم الشرعيين، والأولان عقليان إجماعاً والثالث شرعي عندنا لا يعلم ولا يثبت إلا بالشرع، فالقبيح ما نهى اله تعالى عنه والحسن ما لم ينه عنه. وعند المعتزلة هو عقلي لا يفتقر إلى ورود الشرائع، بل العقل يستقل بثبوته قبل الرسل، وإنما الشرائع مؤكدة لحكم العقل فيما علمه ضرورة كالعلم بحسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار، أو نظراً كحسن الصدق الضار وقبح الكذب النافع، أو مظهرة لما لا يعلمه العقل ضرورة ولا نظراً، كصوم آخر يوم من رمضان، وتحريم أول يوم من شوال. وعندنا الشرائع الواردة منشئة للجميع، فعلى رأينا لا يثبت حكم قبل الشرع خلافاً للمعتزلة في قولهم إن كل ما يثاب بعد الشرع فهو ثابت قبله، وخلافاً للأبهري من أصحابنا القائل بالحظر مطلقاً، وأبي الفرج القائل بالإباحة مطلقاً، وكذلك قال بقولهما جماعة من المعتزلة فيما لا يطلع العقل على حاله كآخر يوم من رمضان وأول يوم من شوال. لنا قوله تعالى «وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا» (١) نفى التعذيب قبل البعثة فينتفي ملزومه وهو الحكم. احتجوا بأننا نعلم بالضرورة حسن الإحسان وقبح الإساءة. قلنا محل الضرورة مورد الطباع وليس محل النزاع.

стр. 87

معنى قولي الأولان عقليان إجماعاً: أنا وافقنا المعتزلة على أن الحسن والقبح بهذين التفسيرين يستقل العقل بإدراكهما من غير ورود الشرائع، فيدرك العقل أن الإحسان ملائم والإساءة منافرة، وأن العلم كمال والجهل نقص. أما كون الفعل يثيب الله عليه أو يعاقب، فهذا لا يعلم إلا بالشرع عندنا وبالعقل عندهم، فمن أنقذ غريقاً ففي فعله أمران: أحدهما كون الطباع السليمة تنشرح له وهذا عقلي، وثانيهما أن الله تعالى يثيبه على ذلك وهذا محل النزاع وكذلك من غرَّق إنساناً ظلماً فيه أمران أحدهما كونه يتألم منه الطبع السليم وهذا عقلي، وثانيهما كونه يعاقبه الله تعالى عليه وهذا محل النزاع، فهذا تلخيص محل النزاع. وكذلك يدرك العقل أن العلم كمال وأن الجهل نقص وإن لم يبعث الله الرسل، كما يدرك أن خمسة في خمسة بخمسة وعشرين، وجميع الأحكام العقلية من الحسابيات والهندسيات، وكذلك الأمور العادية كالطيبات وغيرها لا يتوقف دركها على الشرائع، وكذلك الأمور الإلهية فيما يجب لله تعالى ويستحيل عليه أو يجوز في أفعاله يكفي فيها العقل، وأما وقوع أحد طرفي الجائز على الله تعالى فلا يستقل العقل به، ولا يتوقف كله على الشرائع، بل قد يكفي فيه الحواس الخمس أو إحداها، كما ندرك أن الله تعالى خلق الرائحة في المسك واللون في الثلج والصوت في الجنين والخشونة فيا لقنفذ، أو بقرائن الأحوال كخجَل الخجِل ووجَل الوجِل وغير ذلك. وأما الثواب والعقاب العاجل في الدنيا أو الآجل في الآخرة أو أ؛ وال القيامة أو الأحكام الشرعية فإن هذا ونحوه لا يعلم عندنا إلا بالرسائل الربانية، وعندهم تدرك الأحكام والثواب والعقاب وكثير من أحوال القيامة بالعقل: فإنهم يوجبون بالعقل خلود الكافر وصاحب الكبيرة في النار، وخلود المؤمن ووجوب دخوله الجنة، وغير ذلك مما هو عندهم من باب العدل وفروع الحسن والقبح، ونحن عندنا هذه الأمور كلها يجوز على الله تركها وفعلها، ولا نعلم وقوعها وعدم

стр. 88

وقوعها إلا بالشرائع، فالقبيح عندنا ما نهى الله تعالى عنه، والحسن ما لم ينه الله تعالى عنه، وعند المعتزلة القبيح هو المشتمل على صفة لأجلها يستحق صاحبه الذم، والحسن ما ليس كذلك، ومقصودهم بالصفة المفسدة، ومقصودنا ومقصودهم بقولنا وقولهم في الحسن ما ليس كذلك، والاكتفاء بمطلق هذا السبب أمران: أحدهما أن تكون الأفعال الإلهية حسنة لصدق عدم النهي عليها، ويندرج أيضاً فعل الساهي والغافل وأفعال البهائم. ولو قلنا الحسن هو المأمور به لم تندرج الأفعال الإلهية لعدم الأمر فيها. وثانيهما: أن ينطبق على قوله تعالى «ليجزينهم الله أحسن ما عملوا» (١) مفهومه أن الله تعالى لا يجازيهم على الحسن وهو كذلك، إذا فسرنا الحسن بما ليس منهياً عنه، كان أدنى رتبة الإباحة أو أعلى رتبة المطلوب، فيكون المباح الحسن والمطلوب الأحسن والجزاء إنما يقع في المطلوب، فالجزاء إنما هو في الأحسن لا في الحسن، فقد عملنا بالآية مفهوماً ومنطوقاً. ثم المدرك عند المعتزلة في هذه المسألة أن الله تعالى حكيم فيستحيل عليه تعالى إهمال المفاسد لا يحرمها، وإهمال المصالح فلا يأمر بها، فكذلك كل ما هو ثابت بعد الشرع هو ثابت قبله، إذ لو لم يثبت قبله لوقع إهمال المفاسد والمصالح؛ فالعقل عندهم أدرك أن الله تعالى حكم بتحريم المفاسد، وإيجاب المصالح، لا لأن العقل هو الموجب، والمحرم، بل الموجب والمحرم هو الله تعالى، ولكن ذلك عندهم يجب له لذاته لكونه حكيماً، كما يجب له لذاته كونه عليماً. ونحن نقول معنى كونه تعالى حكيماً كونه تعالى متصفاً بصفات الكمال من العلم العام المتعلق والقدرة العامة التأثير، والإرادة النافذة ونحو ذلك من صفاته تعالى، لا بمعنى أنه تعالى يراعي المصالح والمفاسد، بل له تعالى أن يضل الخلق أجمعين وأن يهديهم أجمعين، وأن يفعل في ملكه ما يشاء ويحكم ما يريد، فكل نعمة منه فضل

стр. 89

وكل نقمة منه عدل، والخلائق دائرون بين فضله وعدله؛ فعندنا لا يثبت حكم قبل الشرع، ولا يجب شكر المنعم إلا بالشرع، وعندهم ذلك كله عقلي بالتفسير الذي تقدم من إدراك العقل لا من حكمه، والحاكم هو الله تعالى في الجميع. ولما كانت هذه قاعدتهم قالوا في الكذب الضار أن قبحه مدرك بالضرورة، إذ كونه كذباً جهة قبح، وكونه ضرراً جهة قبح، والصدق النافع حسن بالضرورة، لأن كونه صدقاً جهة حسن، وكونه نفعاً جهة حسن، فلا مدخل للنظر هنا، بل الصدق الضار مجال النظر لاحتمال أن يرجح مصلحة الصدق على مفسدة الضرر فيقضي بالحسن، أو بالعكس فيقضي بالقبح، أو يستويان فيجب التوقف، وكذلك الكذب النافع ينقسم إلى الأقسام الثلاثة، فالكذب من العظيم أقبح منه من الحقير، وفيا لشيء الحقير أقبح منه في حفظ المال الخطير أو النفس المؤمنة الزكية، فلا بد من النظر في كل صورة حتى يقضي بحسنها أو بقبحها، أو يتوقف فيها، وقد يتعذر النظر كآخر يوم من رمضان لا يقدر العقل أن يدرك فرقاً بينه وبين أول يوم من شوال، بل الشرائع عندهم إذا وردت عرفتهم أنه كان فيه مصلحة، وفي أول يوم من شوال مفسدة، وأما عندنا فلا ضرورة ولا نظر، ولا الشرع كاشف بل منشئ في الجميع، وعندهم الشرائع إما مؤكدة فيما تقدم علمه، أو كاشفة فيما لم يتقدم علمه. لنا أن العالم حادث؛ فهو إما أن يكون فيه مصالح أو لا يكون، فإن كان الأول فقد أخر الله تعالى فعل المصالح دهوراً لا نهاية لها، فلا يقال أن الله تعالى لا يهمل المصالح، وحينئذ لا يجزم العقل بثبوت الأحكام قبل الشرائع ولا بمراعاة المصالح، وإن كان العالم ليس فيه مصالح، وقد فعل الله تعالى مالا مصلحة فيه، فلا يكون العقل جازماً بأن الله تعالى لا يفعل إلا ما فيه مصلحة، بل يجوز عليه فعل لا حكمة فيه على رأيهم، وذلك يخرم قاعدة الحكمة بتفسيرهم، فهذا برهان قاطع على بطلان الحسن والقبح العقليين، ولم أره مسطوراً، وقد نقلت في شرح المحصول طرقاً عديدة عن الأصحاب، وبينت ما عليها من الإشكال وأخرت هذه الطريقة.

стр. 90

احتجوا بأنه لولا مراعاة المصالح والمفاسد، لكان تخصيص الفعل المعين من بين سائر الأفعال بالحكم المعين من بين سائر الأحكام ترجيحاً من غير مرجح، لكن ما خصص بعضها بالتحريم وبعضها بالوجوب وبعضها بالإباحة، دل على أن الوجوب للمصالح والتحريم للمفاسد والإباحة لعرو الفعل عنهما أو لاستوائهما فيه، وذلك هو المطلوب. جوابه: أن الأمر كما ذكرتم في مراعاة المصالح والمفاسد، لكن على سبيل التفضل لا على سبيل الوجوب، ولم يحصل لكم دليلكم إلا أصل المراعاة لا وجوبها، فنقول بموجب دليلكم. تنبيه: قول من قال من الفقهاء بأن الأفعال قبل الشرع على الحظر أو على الإباحة ليس هو موافقاً للمعتزلة، بل هو من أهل السنة، غير أنه قال ذلك لمدارك شرعية، أما دليل كونها على التحريم متقدماً، فلقوله تعالى «ويسئولونك ماذا أحل لهم» (١) ومفهومه أن المتقدم قبل الحل هو التحريم، وكذلك قوله تعالى «أحلت لكم بهيمة الأنعام» (٢) ومفهومه أنها كانت قبل ذلك محرمة، فدل على أن حكم الأشياء كلها كانت على الحظر، وأما دليل الإباحة فقوله تعالى «خلق لكم ما في الأرض جميعاً» وقوله تعالى «أعطى كل شيء خلقه ثم هدى» (٣) وذلك يدل على أن الإذن في الجميع بهذه المدارك الشرعية الدالة على الحل قبل ورود الشرائع، فلو لم ترد هذه النصوص لقال هؤلاء الفقهاء لا علم لنا بتحريم ولا إباحة. وتقول المعتزلة المدرك عندنا العقل فلا يضرنا عدم ورود الشرائع، فمن هنا افترق هؤلاء الفقهاء من المعتزلة. وأما قولي وكذلك قال بقول الأبهري وأبي الفرج جماعة من المعتزلة فيما لم

стр. 91

يطلع العقل عليه، فلا شك أن الشيخ سيف الدين قال اختلف جماعة من المعتزلة البصريين وغيرهم في حكم ما لم يدركه العقل ضرورة ولا نظراً من الأشياء قبل الشرع، فقيل بالحظر وقيل بالإباحة، وحكاه الإمام فخر الدين عاماً في جميع الأفعال وهو مناف لقواعد الاعتزال من جهة أ، القول بالحظر مطلقاً يقتضي تحريم إنقاذ الغريق وإطعام الجائع وإكساء العريان وذلك تأباه قواعد الاعتزال، والقول بالإباحة مطلقاً يقتضي إباحة القتل والفساد في الأرض، وذلك تأباه قواعد الاعتزال أيضاً؛ فلذلك اخترت طريق سيف الدين على طريق الإمام فخر الدين، لأن ما لم يطلع العقل على مفسدته ولا مصلحته أمكن أن يكون محظوراً، ولا منافاة بينه وبين إيجاب ما تُعلم مصالحه، لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه فيكون حراماً غائباً؛ كأخذ مال الغير شاهداً، وأمكن القول بإباحته وليس فيه إباحة مفسدة معلومة فلا تتناقض قواعد القوم بأنه تصرف لا ضرر فيه على المالك الذي هو الله تعالى، ولا على المنتفع الذي هو العبد، فوجب أن يكون مباحاً كالتنزه على بستان الغير والنظر لنهره وداره. غير أني بعد وضع هذا الكتاب رأيت كلام أبي الحسين في كتابه المعتمد في أصول الفقه، وقد حكى عن شيعة المعتزلة الخلاف مطلقاً من غير تقييد، كما حكى الإمام، فرجعت إلى طريقة الإمام، وقد قررت ذلك نقلاً وبحثاً في شرح المحصول. وأجاب أصحابنا عن مدركي الإباحة والحظر المتقدمين أن من شرط القياس اتحاد باب المقيس والمقيس عليه، فلا تقاس العقليات إلا على العقليات، والعاديات إلا على العاديات، والشرعيات إلا على الشرعيات. أما العقليات على الشرعيات أو العاديات أو بالعكس فلا، وحينئذ نقول الحظر في مال الغير والإباحة في النظر لبستانه؛ إن ادعيتم أنهما عقليان منعناكم ذلك، فإنه لا مدرك عندنا إلا الشرع، وإن قلتم هما شرعيان سلمنا ذلك، غير أن القياسين يبطلان لأن المقيس حكم عقلي إذ هو ما قبل الشرائع، والمقيس عليه شرعي، فما اتحد الباب، فلا يصح القياس.

стр. 92

فائدة: الاستدلال بقوله تعالى «وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا» (١) لا يتم إلا بمقدمتين؛ فإنه لا يلزم من نفي التعذيب نفي التكليف، لاحتمال أن يكون المكلف أطاع فلا تعذيب حينئذ، مع أن التكليف واقع، أو يكون عصى، غير أن العذاب قد تأخر إلى بعد البعثة، كما تأخر عن بعد البعثة إلى يوم القيامة، فلا بد من مقدمتين وهما قولنا كلفوا قبل البعثة لتركوا عملاً بالغالب، فإن الغالب على العالم العصيان لقوله تعالى «وما وجدنا لأكثرهم من عهد» (٢) وقوله تعالى «وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله» (٣) فهذه إحدى المقدمتين، الثانية أنهم لو تركوا لعوقبوا عملاً بالأصل، لأن الأصل ترتيب المسبب على سببه، والعصيان سبب العقوبة فيترتب عليه فتنتظم ملازمتان هكذا: لو كلفوا لتركوا، ولو تركوا لعذبوا؛ فالعذاب لازم التكليف ولازم اللازم لازم، فانتفاء اللازم الأخير يقتضي انتفاء الملزوم الأول، كما أن انتفاء شرط الشرط يقتضي انتفاء المشروط، فلذلك يلزم من انتفاء العذاب قبل البعثة انتفاء التكليف قبل البعثة، وهو معنى قولي: نفي التعذيب قبل البعثة فينتفي ملزومه. ومعنى قولي محل الضرورة مورد الطباع، وليس محل النزاع أن العقل إنما أنما أدرك حسن الإحسان من جهة أنه ملائم للطبع لا من جهة أنه يثاب عليه، وقبح الإساءة من جهة منافرتها للطبع لا من جهة أنه يعاقب عليها، والضرورة حينئذ إنما هي في مورد الطباع الذي هو الملاءمة والمنافرة، لا في صورة النزاع الذي هو الثواب والعقاب.

стр. 93

الفصل الثامن عشر في بيان الحقوق فحق الله تعالى أمره ونهيه، وحق العبد مصالحه، والتكاليف عن ثلاثة أقسام حق لله تعالى فقط كالإيمان، وحق للعبد فقط كالديون والأثمان، وقسم اختلف فيه هل يغلب فيه حق الله تعالى أو حق العبد كحد القذف، ومعنى حق العبد المحض أنه لو أسقطه لسقط وغلا فما من حق للعبد إلا فيه حق لله تعالى وهو أمره تعالى بإيصال ذلك الحق إلى مستحقه. هذا هو تفسير الحقوق باعتبار اصطلاح العلماء، فإذا قالوا الصلاة حق لله تعالى إنما يريدون أنه أوجبها ولم يريدوا صورة الفعل، وقد ورد في الحديث الصحيح ما يرد هذا وهو «أن السائل سأل رسول الله b فقال ما حق الله على عباده فقال رسول الله b أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، قال فما حق العباد على الله قال إذا فعلوا ذلك أن لا يعذبهم، ففسر حق الله تعالى بفعلهم لا بأمره تعالى بذلك الفعل، فقال أن يعبدوه، فيحتمل أن يكون أراد ﵊ العبادة من حيث هي مأمور بها وهو الظاهر، لأن الفعل لو وقع ولم يقصد به هذا لم يكن عبادة، فلا بد في العبادة أن يقصد بها أمر الله تعالى وامتثاله، ويحتمل أن يكون حذف الأمر وهو مراده تقديره حقه تعالى أمره بأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً؛ فحذف الأمر وحرف الجر، أو يكون عبَّر بالعبادة عن المتعلق به وهو الأمر مجازاً لا لأنه حذف الأمر. واختلف العلماء في حد القذف فقيل هو حق للعبد لأنه جناية على عرضه وقيل حق لله تعالى؛ كما نقول في الأعضاء إن حفظها هو حق لله تعالى، كذلك الأعراض، ولو أذن أحد في عضو من أعضائه لم يصح إذنه. والقول الثالث الفرق بين أن يصل إلى الإمام فيغلب حق الله تعالى لوصوله لنائبه، وإن لم يصل إلى الإمام كان حقاً للعقد فيصح إسقاطه.

стр. 94

الفصل التاسع عشر في العموم والخصوص والمساواة والمباينة وأحكامها الحقائق كلها أربعة أقسام إما متساويات وهما اللذان يلزم من وجود كل واحد منهما وجود الآخر ومن عدمه عدمه، كالرجم وزنا المحصن، وإما متباينان وهما اللذان لا يجتمعان في محل واحد كالإسلام والجزية، وإما أعم مطلقاً وأخص مطلقاً وهما اللذان يوجد أحدهما مع وجود كل أفراد الآخر من غير عكس كالغسل والإنزال المعتبر، فإن الغسل أعم مطلقاً، والإنزال أخص مطلقاً، وإما كل واحد منهما أعم من وجه وأخص من وجه، وهما اللذان يوجد كل واحد منهما مع الآخر وبدونه كحل النكاح مع ملك اليمين، فيوجد حل النكاح بدون ملك اليمين في الحرائر، ويوجد الملك بدون حل النكاح في موطوءات الآباء من الإماء، ويجتمعان معاً في الأمة التي ليس فيها مانع شرعي، فيستدل بوجود المساوي على وجود مساويه وبعدمه على عدمه، وبوجود الأخص على وجود الأعم، وبنفي الأعم على نفي الأخص، وبوجود المباين على عدم وجود مباينه، ولا دلالة في الأعم على نفي الأخص وبوجود المباين على عدم وجود مباينه، ولا دلالة في الأعم من وجه مطلقاً، ولا في عدم الأخص، ولا وجود الأعم. دليل الحصر أن المعلومين إما أن يجتمعا أو لا. الثاني: المتباينان. والأول لا يخلو إما أن يصدق كل واحد منهما في جميع موارد الآخر أو لا، الأول المتساويان والثاني إن صدق أحدهما في كل موارد الآخر من غير عكس فهو الأعم مطلقاً، والأخص مطلقاً، وإلا فهو الأعم من وجه من وجه، والأخص من وجه، مثلتها بهذه المثل الفقهية لأنها أقرب لطلبة العلم، وأمثلها أيضاً بالموارد العقلية. فالمتساويان كالإنسان، والضاحك بالقوة، يلزم من وجود كل واحد منهما وجود الآخر ومن عدمه عدمه؛ فلا إنسان إلا وهو ضاحك بالقوة، ولا ضاحك بالقوة إلا وهو إنسان، وتعني بالقوة كونه قابلاً له ولم يقع، ويقابله الضاحك بالفعل، وهو المباشر للضحك، والمتباينان كالإنسان والفرس، فما هو إنسان ليس بفرس، وما هو فرس ليس بإنسان، فيلزم من صدق أحدهما على ملح عدم صدق الآخر، والأعم

стр. 95

مطلقاً والأخص مطلقاً كالحيوان والإنسان، فالحيوان صادق في جميع أفراد الإنسان ولا يوجد الإنسان بدون الحيوان البتة. والأعم من وجه ضابطه أنهما يجتمعان في صورة وينفرد كل واحد منهما بصورة؛ كالحيوان والأبيض، فإن الحيوان إن وجد بدون الأبيض في السودان، ووجد الأبيض بدون الحيوان في الجير والحجر الأبيض والثلج، واجتمعا معاً في الحيوانات البيض، فلا يلزم من وجود الأبيض وجود الحيوان، ولا من وجود الحيوان وجود الأبيض، ولا من عدم أحدهما عدم الآخر، فلا جرم ولا دلالة فيه مطلقاً لا في وجوده ولا في عدمه. بخلاف الأعم مطلقاً: يلزم من عدم الحيوان أن عدم الإنسان، ومن وجود الإنسان الذي هو الأخص وجود الحيوان، ولا يلزم من عدم الأخص عدم الأعم، لأن الحيوان قد يبقى موجوداً في الفرس وغيره من أنواعه. ففائدة هذه القاعدة الاستدلالات ببعض الحقائق على بعض، وتمثيلي المتساويين بالرجم وزناً المحسن بناءً على أن اللائط لا يرجم، أما لو فرعنا على أه يرجم كان الرجم أعم من الزنا عموماً مطلقاً، كالغسل والإنزال المعتبر، فإن الغسل أعم مطلقاص لوجوده بدون الإنزال في انقطاع دم الحيض، والتقاء الختانين، وعدم ذلك من أسباب الغسل. الفصل العشرون في المعلومات المعلومات كلها أربعة أقسام؛ نقيضان، وهما اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان كوجود زيد وعدمه، وخلافان وهما اللذان يجتمعان ويرتفعان كالحركة واللون، وضدان وهما اللذان لا يجتمعان ويمكن ارتفاعهما مع الاختلاف في الحقيقة، كالسواد والبياض؛ ومثلان

стр. 96

وهما اللذان لا يجتمعان ويمكن ارتفاعهما مع التساوي في الحقيقة كالبياض والبياض. دليل الحصر أن المعلومين إما أن يمكن اجتماعهما أو لا، فإن أمكن فهما الخلافان، وإن لم يمكن، فإما أن يمكن ارتفاعهما أو لا. الثاني النقيضان والأول لا يخلو إما أن يختلفا في الحقيقة أو لا، الأول الضدان، والثاني المثلان. سؤال: كيف يقال في حد الضدين إنهما يمكن ارتفاعهما، والحركة والسكون ضدان ولا يمكن ارتفاعهما عن الجسم، والحياة والموت لا يمكن ارتفاعما عن الحيوان، والعلم والجهل لا يمكن ارتفاعهما عن الحي؟ جوابه: أن إمكان الارتفاع أعم من إمكان الارتفاع مع بقاء المحل، فنحن نقول يمكن ارتفاعهما من حيث الجملة، وهما ممكنا الرفع مع ارتفاع المحل، فقبل العالم لا متحرك ولا ساكن، ولا من العالم حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل فصح الحد. فائدة: الخلافان قد يتعذر ارتفاعهما الخصوص حقيقة غير كونهما خلافين، كذات واجب الوجود سبحانه مع صفاته، وقد يتعذر افتراقهما كالعشرة مع الزوجية خلافان، ويستحيل افتراقهما، والخمسة مع الفردية، والجوهر مع الأكوان، وهو كثير، ولا تتنافى بين إمكان الافتراق والارتفاع بالنسبة إلى الذات، وتعذر الارتفاع بالنسبة إلى أمر خارجي عنهما. فائدة: حصر المعلومات كلها في هذه الأربعة الأقسام حق لا يخرج منها شيء إلا ما توحد الله تعالى به وتفرد به فإنه ليس ضد الشيء ولا نقيضاً ولا مثلاً ولا خلافاً لتعذر الرفع، وهذا حكم عام في ذاته تعالى وصفاته العلى لتعذر رفعها بسبب وجوب وجودها.

стр. 97

الباب الثاني في معاني حروف يحتاج إليها الفقيه الواو لمطلق الجمع في الحكم دون الترتيب في الزمان: قال جماعة من الكوفيين إنها للترتيب، لنا قوله تعالى «ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة» (١) وقوله تعالى «وقولوا حطة وادخلوا الباب» والقصة واحدة فلو كانت للترتيب لزم التناقض وهو محال، وقوله تعالى حكاية عن كفار العرب «وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيى وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم» (٢) فلو كانت للترتيب لكانوا معترفين بالحياة بعد الموت والبعث، وليس كذلك، وقيل في هذه الآية إن المراد تموت كبارنا وتولد صغارنا فنحيا، فلا يلزم الاعتراف بالبعث على القول بالترتيب. والظاهر من اللفظ هو القول الأول، وأن مرادهم نحيا ونموت، والواو لا تفيد الترتيب، ولأن الواو قد تدخل فيما لا يمكن الترتيب فيه كقولنا: تضارب زيد وعمرو، ولا ترتيب في ذلك؛ فدل على أنها ليست للترتيب. احتجوا بقوله ﵊: «بئس الخطيب أنت» لما قال الخطيب: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى، وأمره بأن يقول من يعص الله ورسوله فقد غوى، ولولا أن الواو للترتيب لما كان بين اللفظين فرق، ولما سمع عمر ﵁ الشاعر يقول: كفى الشيب ... والإسلام للمرء ناهيا.

стр. 98

قال له لو قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك، ولولا أنها للترتيب لما كان بينهما فرق. والجواب على الأول أن الترتيب له سببان أداة لفظية وحقيقة زمانية، فاللفظية نحو الفاء وثم، والحقيقة الزمانية هي أن أجزاء الزمان مرتبة بذاتها، فلا يقع الحال قبل الماضي، ولا المستقبل قبل الحال، ولا حين إلا قبل حين بعده، وبعد حين قبله، واجتماع الأزمان محال، فإذا كانت أجزاء الزمان مرتبة هكذا بعضها قبل بعض، والواقع في المرتب مرتب، وفي السابق سابق على الواقع في اللاحق، فالمنطوق به أولاً متقدم لتقدم زمانه على المنطوق به آخر التأخر زمانه، ولذلك أنا نقدم المفعول على الفاعل لشرفه بالحقيقة الزمانية فقط، فنقول أنشد النبيَّ حسانُ بن ثابت، ولا لفظ مرتب هنا، بل الزمان فقط، إذا تقرر هذا فنقول إذا قال الخطيب ومن يعص الله ورسوله، فقد حصل الترتيب بالحقيقة الزمانية عندنا، واتجه عتب الخطيب عند عدمها، فلم قلتم أن الترتيب لأداة لفظية؟ بل لما ذكرنا، وهو مجمع عليه وما ذكرتموه مختلف فيه، وإضافة كلام الشارع للمتفق عليه أولى. وهو الجواب عن الثاني. فائدة: قال رسول الله ﷺ «لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما» فقد جمع بينهما في الضمير كما جمع الخطيب، فما الفرق وما الجواب؟ الجواب من وجهين: أحدهما ذكره الشيخ عز الدين عبد السلام - قدس الله روحه - فقال: إن منصب الخطيب حقير قابل للزلل؛ فإذا نطق بهذه العبارة قد يتوهم فيه لنقصه أنه إنما جمع بينهما في الضمير لأنه أهمل الفصل بينهما في الضمير والفرق، فلذلك امتنع لما فيه من إيهام التسوية، ومنصب رسول الله ﷺ في غاية الجلالة والبعد عن الوهم والتوهم، فلا يقع بسبب جمعه ﵊ وإيهام التسوية.

стр. 99

وثانيهما: ذكره بعض الفضلاء فقال: كلام رسول الله ﷺ جملة واحدة، وتقدم الظاهر من الجملة يبعد استعمال الظاهر موضع الضمير، بل الضمير هو الحسن، وكلام الخطيب جملتان إحداهما مدح والأخرى ذم، فلذلك حسن منه استعمال الظواهر مكان المضمرات. والفاء للتعقيب والترتيب والتسبب نحو سها فسجد. قال الإمام فخر الدين: الفاء للتعقيب بحسب الإمكان، احترازاً من قولهم دخلت بغداد فالبصرة، فإنه إذا كان بينهما ثلاثة أيام فدخل بعد الثلاثة فهذا تعقيب عادة، أو بعد خمسة أو أربعة فليس بتعقيب، ولا يشترط في تعقيب دخول البصرة أن يكون تليه بالزمن الفرد فذلك مستحيل، فلا يكون الوضع له. وقولنا للتعقيب احتراز من (ثُم) فإنها للتراخي والتسبب، كما في قولنا سها فسجد، وسرق فقُطع، وزنا فرُجم، أي هذه المقدمات أسباب لما بعدها، والدليل على أنها للترتيب أنها يجب دخولها في جواب الشرط إذا كان جملة اسمية نحو: من دخل داري فله دينار، قال النحاة لو لم يقل (فله) بل قال (له) بغير فاء لكان إقراراً بالدينار ولزمه دفعه له، ولم يكن تعليقاً للدينار على دخول الدار، وكان الشرط المتقدم يبقى لغواً بغير جواب. وكذلك إن دخلت الدار فأنت طالق أو فأنت حر، لو حذف الفاء طلقت وعتق العبد في الحال، لأن الموجب لتعليق الطلاق إنما هو الفاء في الجملة الاسمية، فإذا عدمت انقطع الكلام عما قبله فصار إنشاء لا تعليقاً؛ من حيث دلالة اللفظ لا من حيث الإرادة والفتيا؛ فإذا كانت الفاء هي التي ترتب دل على أنها للترتيب. وثم للتراخي. هذا حقيقتها؛ فتقتضي أن ما بعدها وقع بعد ما قبلها وبينهما فترة، بخلاف الفاء وقد تستعمل لتراخي الرتب دون الزمان من باب مجاز التشبيه، كقوله تعالى:

стр. 100

«ثم كان من الذين آمنوا» (١) فرتبة الإيمان متراخية في العلو والشرف عن رتبة الإطعام والإعتاق المتقدمتين عليه فلذلك دخلت ثم، وكذلك قوله تعالى «ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم» (٢) فإن السجود وإن وقع أولاً لكن رتبته كانت أشرف فرتبته متراخية. وكذلك قول الشاعر إن من ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد قبل ذلك جده ما بعد ثم هو قبل، غير أن المقصود هو التراخي في الرتب، فيقصد أن أباه كان أعظم رتبة منه، وجده كان أعظم رتبة من أبيه، فهذا المحسن للفظ ثُم. وحتى وإلى للغاية: نحو بعتك من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة، أو سرت حتى دخلت مكة. واختلف العلماء في ابتداء الغاية وانتهائها هل يندرجان في المغيا أم لا؟ على أربعة أقوال: ثالثها الفرق بين أن تكون الغاية من الجنس فتندرج أم لا فلا تندرج؛ فإن كان المبيع رماناً والشجرتان رمانتان اندرجتا، وإلا فلا. الرابع: الفرق بين أن يكون الفصل بينهما أمراً حسياً كما في قوله ﵎: «ثم أتموا الصيام إلى الليل» (٣) فلا يندرج لأن الظلام متميز عن النهار بالبصر، أو لا فيندرج كما في قوله تعالى «وأيديكم إلى المرافق» (٤) هذه الأربعة أنقلها في انتهاء الغاية، وأما ابتداؤها فلا أنقل فيه إلى قولين. فائدة: المغيا لا بد أن يتكرر قبل الغاية بعد ثبوته، فإذا قلت سرت إلى مكة من مصر، فلا بد أن تثبت حقيقة لسير قبل مكة ويتكرر قبلها، أما ما لا يتكرر فلا تتصور فيه الغاية، فلذلك قال بعض علماء الحنفية أن العامل في قوله تعالى:

стр. 101

«إلى المرافق» ليس هو اغسلوا أيديكم، لأن غسل اليد لا يثبت إلا بعد غسل المرافق، لأن اليد اسم لها من الإبط إلى الأصابع، وغسل هذا لا يثبت قبل المرافق فضلاً عن تكرره، بل الثابت قبل المرفق بعض اليد، فيكون تقدير الآية اغسلوا أيديكم واتركوا من آباطكم إلى المرافق، فإلى المرافق غاية للترك لا للغسل، والترك ثبت قبل المرفق وتكرر إلى المرفق، وتفرع على هذا أن الغاية لا تدخل في المغيا، فلا تدخل المرافق في الترك، فيغسل مع المغسول، وهذا بحث حسن. فائدة: حكاية العلماء الخلاف في اندراج انتهاء الغاية، ينبغي أن يحمل على (إلى) دون (حتى) بسبب تضافر قول النحاة على أن حتى لها شروط: أن يكون ما بعدها من جنس ما قبلها وداخلاً في حكمه وآخر جزء منه، أو متصلاً به فيه معنى التعظيم أو التحقير، فنصوا على اندراج ما بعدها في الحكم، فما بقي لدخول الخلاف في اندراجه معنى، بل يندرج ليس إلا ويحمل الخلاف على (إلى) ، فإنه ليس فيها نقل يعارضنا. و (في) للظرفية والسببية نحو قوله ﷺ «في النفس المؤمنة مائة من الإبل» . كونها للسببية أنكره جماعة من الأدباء، والصحيح ثبوته، فإن النفس ليست ظرفاً للإبل، وكذلك قوله ﵊ في حديث الإسراء «فرأيت في النار امرأة حميرية عُجِّل برحها إلى النار لأنها حبست هرة حتى ماتت جوعاً وعطشاً فدخلت النار فيها» معناه بسببها لأنها ليست في الهرة، ومنه «أحب في الله وأبغض في الله» ، أي أحب بسبب طاعة الله وأبغض بسبب معصية الله. واللام للتملك نحو المال لزيد، والاختصاص نحو هذا ابن لزيد، والاستحقاق نحو السرج للدابة، والتعليل نحو هذه العقوبة للتأديب، وللتأكيد نحو إن زيداً لقائم، وللقسم نحو قوله تعالى «لنسفعاً بالناصية» (١) .

стр. 102

ضابط التمليك أن يضاف ما يقبل الملك لمن يقبله، فيفيد الملك، ومنه قلنا العبد لملك لقوله ﵊ «من باع عبداً وله مال» والمواطن في ذلك ثلاثة: موطن لا يقبل الملك نحو المال المجمل، وموطن يقبل الملك وهو معين نحو المال لزيد، فيفيد لذلك في الثاني إجماعاً وعدمه في الأول إجماعاً، وموطن غير معين نحو قوله تعالى «إنما الصدقات للفقراء» (١) الآية فمن لاحظ قبول النوع للملك قال اللام للملك، ومن لاحظ عدم التعيين وعدم الحصر قال تمليك غير المحصور ولا يتصور جعلها للاختصاص. فالواحد والعدد المحصور متفق عليهما في إفادة الملك، وغير المحصور مختلف فيه، وقولنا في الاختصاص: هذا ابن لزيد أولى من قولنا أب لزيد فإن الأب لا يلزم اختصاصه بهذا الابن، فقد يكون له أولاد أخر، وأما الابن فلا يكون له أب واحد، والفرق بين الاستحقاق والاختصاص أن الاستحقاق أخص، فإن ضابطه ما شهدت به العادة، كما شهدت للفرس بالسرج والحمار بالبرذعة والدار بالباب، فهذا هو الاستحقاق. وقد يختص الشيء بالشيء من غير شهادة عادة، فإنه ليس من لازم الشيء أن يكون له ولد كما تقول في الفرس مع السرج. والباء للإلصاق نحو مررت بزيد، والاستعانة نحو كتبت بالقلم، والتعليل نحو سعدت بطاعة الله، والتبعيض عند بعضهم، وهو منكر عند بعض أئمة اللغة. بقي المصاحبة نحو خرج زيد بثيابه، وبمعنى (في) نحو سكنت بمصر، والقائلون بالتبعيض اشترطوا أن تكون مع فعل يتعدى بنفسه، حتى لا تكون للتعدية، وزعموا أن من ذلك قوله تعالى «وامسحوا برءوسكم» (٢) فإن العرب تقول مسحت رأسي ومسحت برأسي، فلم يبق فرق إلا التبعيض، وليس كذلك، بل تقول: (مسح) له مفعولان يتعدى لأحدهما بنفسه والآخر بالباء، ولم تخير العرب بين المفعولين في هذه الباء، بل عينتها لما هو آلة المسح، فإذا قلت مسحت يدي بالحائط فالرطوبة

стр. 103

الممسوحة على يدك، والحائط هو الآلة التي أزلت بها عن يدك، وإذا قلت مسحت الحائط بيدي فالشيء المزال هو على الحائط، ويدك هي الآلة المزيلة، وكذلك مسحت يدي بالمنديل، المنديل آلة، والمنديل بيدي، فالتنظيف إنما وقع في المنديل لا في يدك، هذه قاعدة عربية، ولم تخير العرب في ذلك، وحيث قالت العرب مسحت رأسي، فالشيء المزال إنما هو عن الرأس، وحيث قالت برأسي، فالشيء المزال عن غيرها وقد أزيل بها. ولنا قاعدة أخرى إجماعية وهي أن الأئمة أجمعت على أن الله تعالى لم يوجب علينا إزالة شيء عن رءوسنا ولا عن جميع الأعضاء، بل أوج علينا أن ننقل رطوبة أيدينا لرءوسنا وجميع أعضاء الوضوء، وعلى هذا يتعين أن يكون الرأس له آلة مزيلة عن غيرها. لا أنها مزال عنها؛ فيتعين الباء فيها للتعدية؛ لأن العرب لا تعدي مسح للآلة بنفسها بل بالباء، فالباء ليست للتبعيض في الآية بل للتعدية، لأنها على زعمهم لا تكون للتبعيض إلا حيث يتعدى الفعل بنفسه. وأو إما للتخير نحو قوله تعالى «هدياً بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً» (١) أو للإجابة نحو اصحب الفقهاء أو الزهاد، وله الجمع بينهما بخلاف الأول، أو للشك نحو جاءني زيد أو عمرو، أو للإيهام نحو جاءني زيد أو عمرو، وكنت عالماً بالتي منهما وإنما أردت التلبيس على السامع، بخلاف الشك، أو التنويع نحو العدد إما زوج أو فرد، أي هو متنوع إلى هذين النوعين. يصح الإيهام والإيهام بالباء موحدة من تحتها والياء باثنتين من تحتها؛ لأن المقصود التلبيس على السامع، وأنت في الشك لا تعلم الآتي منهما، وهذه فروق بحسب كل واحدة منها على حدته، والفرق بين التخيير والإباحة والثلاثة الباقية أن الثلاثة الأخيرة لا تكون إلا في الخبر، والتخيير والإباحة لا يكونان إلا في

стр. 104

الأمر فهذا فرق عام، والفرق الأول خاص، ومن التنويع قولنا العالم إما جماد أو نبات أو حيوان؛ أي هو متنوع إلى هذه الأنواع الثلاثة. و (إن) وكل ما تضمن معناها: للشرط نحو إن جاء زيد جاء عمرو، ومن دخل داري فله درهم، وما تصنع أصنع، وأي شيء تفعل أفعل، ومتى أطعت الله سعدت، وأين تجلس أجلس. (إذا) تتضمن معنى الشرط أيضاً نحو إذا جاء زيد فأكرمه، وقد تعرى عن الشرط نحو قوله تعالى «والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى» (١) أي أقسم بالليل في حالة غشيانه والنهار في حالة تجليه، فهي ظرف محض، وإذا كانت للشرط تقبل إن يعلق عليها المعلوم والمشكوك نحو إذا زالت الشمس فصل، فزوالها معلوم الوقوع، وإذا جاء زيد فائتني؛ فمجيه مشكوك في وقوعه، ولا يعلق على أن إلا المشكوك في وقوعه فلا يقال إن زالت الشمس فصل. فائدة: قد وقعت (إن) في كتاب الله تعالى في غير ما موضع مع إن الله بكل شيء عليه فهل ذلك مجاز، لفقدان الشرط أم لا؟ والحق أنه حقيقي لا مجاز؛ لأن القرآن عربي، ومعنى ذلك أنه لو نطق بهذا الكلام عربي لكان وضعه أن يكون شاكَّاً والله تعالى وضع القرآن ونظمه كما نظمته العرب، أن لو كانوا متكلمين بذلك الكلام من حيث النظم لا من حيث وجوه الإعجاز، فإذا قال الله تعالى «وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا» (٢) لو تكلم بهذا الكلام عربي لكان وضعه الشك فيه؛ فما استعملت (إن) إلا في موضعها. فائدة: التعليق ينقسم أربعة أقسام مطلق على مطلق نحو إن جاء زيد فأكرمه؛ على مطلق الإكرام على مطلق المجيء، وعام على عام نحو كلما دخلت الدار فكل عبد لي حر، فكل دخلة معلق عليها، وتعق كل عبد معلق على كل دخلة، وعام على مطلق نحو إن دخلت الدار فكل عبد لي حر، ومطلق على عام نحو متى دخلت الدار

стр. 105

فأنت حر، علق حريته على كل فرد من أفراد الأزمنة التي يقع الدخول فيها. وينشأ من هذه القاعدة فوائد جليلة عظيمة. منها: أن اليمين تنحل بالمرة الواحدة في قولنا: متى دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت مراراً لا تطلق إلا مرة واحدة، وإن كان الأصوليون والفقهاء نصوا على أن متى وحيث وأين من صيغ العموم، لأن المعلق عليه وإن كان عاماً إلا أن المعلق مطلق، فانحلت اليمين بالمرة، ومنها الفرق بين قول الفقهاء: إذا قال كلما دخلت الدار فعليّ درهم، وبين قولهم إذا قال: إن دخلت الدار أو متى دخلت الدار فعليّ درهم؛ أن لزوم الدرهم يتكرر في الأول دون الثاني، بسبب أنه في الأول علق عاماً على عام فيتكرر، وفي الثاني مطلق على عام فلم يتكرر، ولذلك يتكرر عليه الطلاق في كلما دون متى ما وإن وإذا. ومنها أن (إذا) وإن كانت مطلقة في الزمان مثل (إن) لكنها تدل على الزمان مطابقة لأنها من أسمائه (وإن) وإن كانت مطلقة في الزمان مثل إذا إلا أنها لا تدل على الزمان إلا بطريق الالتزام؛ لأنها لم توضع للزمان بل لربط أرم ما بما دخت عليه، وذلك لا بد فيه من الزمان؛ فدلت على الزمان التزاماً. وبالجملة هذه قاعدة شريفة يُعلم منها مباحث كثيرة في الأصول والفروع فينبغي أن تضبط. (ولو) مثل هذه الكلمات في الشرط نحو لو جاء زيد أكرمته، وهي تدل على انتفاء الشيء لانتفاء غيره، فمتى دخلت على ثبوتين فهما نفيان، أو على نفيين فهما ثبوتان، أو على ثبوت ونفي فالثابت منفي والمنفي ثابت. من خصائص الشرط أن يدخل على المستقبل ليس إلا كما تقدم أن عشر حقائق تتعلق بالاستقبال: منها الشرط وجزاؤه، (ولو) تدخل على الماضي نحو لو زرتني أمس زرتك اليوم، فينبغي أن لا تكون للشروط، لكنها فيها ربط جملة بجملة فأشبهت الشرط من هذا الوجه، فقيل لها حرف شرط. مثال دخولها على النفيين قولك لو لم يأتين زيد لم أكرمه، فيدل كلامك على أنه أتاك وأكرمته، ومثال الثبوتين لو جاءني زيد أكرمته، فما جاءك ولا أكرمته، ومثال النفي والثبوت لو لم يأتني

стр. 106

زيد عتبته، فقد أتاك وما عتبته، والثبوت والنفي نحو قولك لو أتاني زيد لم أعتبه يقتضي أنه ما أتاك وقد عتبته. وعلى هذه القاعدة أشكل قوله ﵊ «نعم العبد صهيب؛ لو لم يخف الله لم يعصه» (١) يقتضي أنه خاف وعصى، وذلك ذم والكلام سيق للمدح وإبعاد طوره عن المعصية، وهي قد دخلت على نفيين فيتعين أن يكونا ثبوتين فيلزم ما تقدم، فقال ابن عصفور (لو) هنا بمعنى إن، (وإن) إذا دخلت على نفيين لا يكونان ثبوتين، فلا يلزم المحذور المتقدم. وقال الخسروشاهي: أصل (لو) إنما هي للربط فقط، وانقلاب النفي للثبوت أو الثبوت للنفي، إنما جاء من العرف، والحديث جاء بقاعدة اللغة دون العرف. وقال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام ﵀ إن المسبب الواحد إذا كان له سبب واحد لزم انتفاؤه، لأنه يثبت مع السبب الآخر، وغالب الناس أن طاعتهم لله تعالى للخوف، فإنهم إذا لم يخافوا عصوا ولا يطيعوا، فأخبر ﵊ أن صهيباً اجتمع في حقه سببان: الخوف والإجلال لله تعالى، فلو انتفى الخوف لم تصدر منه المعصية لأجل الإجلال، فلو لم يخف الله لم يعصه، وهذا غاية المدحة، كما تقول لو لم يمرض زيد لمات، أي بالهرم، فإنه سبب آخر للموت، وحيث قلنا يلزم من النفي الثبوت إذا كان للفعل سبب واحد، فكلام النحاة محمول عليه. فائدة: قال ابن يعيش - في شرح المفصل - (لو) تكون بمعنى (إن) تقول أعجبني لو قام زيد؛ أي قيامه، ومنه قوله تعالى «ودوا لو تدهن فيدهنون» (٢) وقوله تعالى «ود كثير من أهل الكتاب لو يردوكم من بعد إيمانكم كفاراً» (٣) ، فالمفعوف هو لو وما بعدها، وكذا الفاعل في المثال الأول وهو غريب.

стр. 107

ولولا تدل على انتفاء الشيء لوجود غيره لأجل أن لا نفت النفي الكائن مع لو فصار ثبوتاً، وإلا فحكم لو لم ينتقض، لقوله ﷺ «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» يدل على انتفاء الأمر لوجود المشقة المرتبة على تقدير ورود الأمر. الأصل فيما تدخل عليه لو مما هو ثابت في ظاهر اللفظ أن يكون منفياً في المعنى، فلما كان منفياً في المعنى (ولا) حرف نفي، والنفي إذا دخل على النفي صار ثبوتاً فلا جرم كان اسم لولا وجوداً؛ فقلنا تدل على انتفاء الشيء الذي هو جوابها لوجود غيره الذي هو اسمها، ونفي جواب لولا يحكم على معناه بالنفي، وإن كان ظاهر اللفظ يقتضي ثبوته، فهذا تقرير كون حكم (لو) لم ينتقض. وقولي على تقدير ورود الأمر: قصدت به التنبيه على أن قول النحاة لوجود غيره ليس هو كما يفهمه أكثر الناس: أن المراد وجوده بالفعل كما في قول عمر ﵁ «لولا علي لهلك عمر» (١) فعليّ موجود حقيقة، والوجود في لولا أعم من كونه واقعاً، فإن المشقة في الحديث ليست واقعة ولا تقع، وإنما هي واقعة على تقدير ورود الأمر، وذلك التقدير لم يقع ولا يقع، فقصدت إفهام هذا العموم. و (بل) لإبطال الحكم عن الأول وإيجابه للثاني نحو جاء زيد بل عمرو، وعكسها (لا) نحو جاء زيد لا عمرو، ولكن للاستدراك بعد الجحد نحو ما جاءني زيد لكن عمرو، ولا بد من أن يتقدمها النفي في المفردات، أو يحصل تناقض بين المركبات. أصل (بل) لإبطال الحكم عن الأول، وقد تستعمل مجازاً للإضراب عن الحديث في الجمل، فهي لإبطال المخبر عنه، وقد تستعمل لقطع الخبر وإبطاله مجازاً لما بين المخبر والخبر من التعلق، والارتباط كقوله تعالى «بل ادّارك علمهم في الآخرة بل هم

стр. 108

في شك منها بل هم منها عمون» (١) لم تبطل شيئاً مما أخبر عنه تعالى، بل معنى، بل يكفي الحديث في هذه القصة ولندخل في قصة أخرى، وكذلك قوله تعالى «بل الذين كفروا في تكذيب» (٢) للإضراب عن الخبر فيما تقدم دون المخبر عنه، والتناقض بين المركبات مثل قولك سافر زيد لكن عمرو مقيم، فالإقامة تناقض السفر، فكأنك قلت ما زيد مقر لكن عمرو، فإن قلنا سافر زيد لكن عمرو فقيه لم يجز لعدم التناقض بين السفر والفقه، فلم يوجد ما يقوم مقام النفي من التناقض (٣) . والعدد يذكر فيه المؤنث ويؤنث فيه المذكر، ولذلك قلنا إن المراد بقوله تعالى «والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء» (٤) الأطهار دون الحيض لأن الطهر مذكر والحيضة مؤنثة، وقد ورد النص بصيغة التأنيث فيكون المعدود مذكراً لا مؤنثاً. هذا من الثلاثة إلى العشرة، أما الواحد والاثنان فاكتفت العرب فيهما بلفظ الجنس والواحد والتثنية، فيحصل لفظ واحد والعدد والمعدود معاص، أعني الوحدة والجنس، والتثنية والجنس، يقولون رجل ورجلان فيتعين المقصود، وأما رجال فيحتمل الثلاثة وغيرها من مراتب الأعداد فلا ينضبط المراد، فأتوا بلفظ العدد مع اللفظ الدال على الجنس فقالو: ثلاثة رجال وثلاث نسوة، فذكروا مع المؤنث لئلا يجتمع تأنيثان أحدهما في العدد والآخر في المعدود، وأنثوا المذكر لضرورة الفرق، والأمر كذلك إلى العشرة، فيجري الأحد عشر والاثني عشر على تأنيث المؤنث وتذكير المذكر، كما كانا قبل الوصول إلى التركيب مع العشرة، ومن الثلاثة عشر إلى التسعة عشر يكون الكلام له صدر وهو ما دون العشرة

стр. 109

وعجز وهو العشرة، فأما الصدر فيجري الحال فيه كما كان قبل العشرة من تذكير المؤنث وتأنيث المذكر فلا تنتقض قاعدته، وأما عجز الكلام وهو العشرة فيخالف صدره، فيؤنث مع المؤنث ويذكر مع المذكر، فنقول جاني خمسة عشر رجلاً وخمس عشرة امرأة، ولا تزال كذلك إلى التسعة عشر، وإذا قلت ثلاثمائة ذكرت، لأنه جمع المائة وهي مؤنثة، وإذا قلت ثلاثة آلاف أنثت، لأن الألف مذكر فأنثت في هذين على قاعدة ما قبل العشرة تذكر المؤنث وتؤنث المذكر.

стр. 110

الباب الثالث في تعارض مقتضيات الألفاظ يحمل اللفظ على الحقيقة دون المجاز، والعموم دون التخصيص، والإفراد دون الاشتراك، والاستقلال دون الإضمار، وعلى الإطلاق دون التقييد، وعلى التأصيل دون الزيادة، وعلى الترتيب دون التقديم والتأخير، وعلى التأسيس دون التأكيد، وعلى البقاء دون النسخ، وعلى الشرعي دون العقلي، وعلى العرفي دون اللغوي، إلا أن يدل دليل على خلاف ذلك، لأن جميع ما ادعينا تقديمه ترجح عند العقل احتمال وقوعه على ما يقابله والعمل بالراجح متعين. مُثل هذه: الأسد حقيقة في الحيوان المفترس مجاز في الرجل الشجاع، وقوله تعالى «وأن تجمعوا بين الأختين» (١) يحمل على عمومه دون التخصيص الذي هو الأختان الحرتان. دون المملوكتين، ولفظ النكاح يجعل لمعنى واحد وهو الوطء أرجح من كونه مشتركاً بينه وبين سببه الذي هو العقد (٢) والاستقلال كقوله تعالى «أن يُقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنفوا من الأرض» (٣) . يقول الشافعي ﵁: يقتلوا إن قتلوا وتقطع أيديهم إن سرقوا، ونحن نقول الأصل عدم الإضمار، والإطلاق كقوله تعالى «لئن أشركت ليحبطن عملك» (٤) قلنا مطلق الشرك محبط للعمل.
следующие страницы →