← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21814

شرح حديث جابر في صفة حجة النبي لابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (135 стр.). Показаны 106–135 · переход к 111.

стр. 106

٧٤ - بيان عدل النبي ﷺ وهو ظاهر من قوله «وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع» فأول ما قضى عليه من أمر الجاهلية ما كان يتصل بأقاربه وهذا كما قال في الحديث الصحيح «وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (١) وهكذا يجب على الإنسان أن يكون قائما لله بالعدل لا يفرق بين قريب وبعيد أو غني وفقير أو قوي وضعيف. الناس في حكم الله واحد لا يتميز أحد منهم بشيء إلا بما ميزه الله به. ٧٥ - وفيه الإشارة إلى أن الذي يتولى طلب الرزق وحصول الكسوة هو الرجل لقوله (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) . أما المرأة فشأنها أن تبقى في بيتها لإصلاح حالها وحال زوجها وحال أولادها وهذا ما كان عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم. ٧٦ - أن القرآن عصمة؛ إذا اعتصم به الإنسان عصم من الضلال في الدنيا والشقاء في الآخرة كما قال تعالى:) فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى ((٢) أي لا يضل في الدنيا

стр. 107

ولا يشقى في الآخرة. ٧٧ - وفيه الحث على الاعتصام بكتاب الله والرجوع إليه وأن به العصمة من كل سوء فإن قال قائل: ما تقولون في السنة التي لم تكن موجودة في القرآن بعينها؟ قلنا: كل سنة سنها الرسول ﷺ فهي موجودة في القرآن قال تعالى:) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ((١) وقال تعالى:) وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ((٢) وقال تعالى:) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ((٣) وقال تعالى:) النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ ((٤) فكل سنة سنها الرسول ﷺ فهي من القرآن لكن ليس من اللازم أن ينص عليها بعينها. ٧٨ - اعتراف الصحابة ﵃ بالجميل للنبي ﷺ لقوله «نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت» وهذه الشهادة التي شهدها الصحابة ﵃ يجب على كل مؤمن أن يشهدها فنحن نشهد أنه قد بلغ وأدى ونصح ﵊.

стр. 108

٧٩ - استشهاد الله تعالى على العباد بأن الرسول ﷺ بلغ. ٨٠ - إثبات علو الله . وجه الدلالة الإشارة إلى السماء وعلو الله الذاتي قد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة. ٨١ - جواز الإشارة إلى مكان الله وهو في السماء ولكن هل هذا المكان محيط به؟ الجواب: لا. بل وسع كرسيه السموات والأرض، فهو فوق سماواته، على عرشه، عليٌّ على خلقه بذاته وصفاته، لقوله تعالى:) وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ((١) . ٨٢ - إثبات علم الله وسمعه وبصره حيث كان يرفع إصبعه إلى السماء ثم ينكتها إلى الناس. ٨٣ - تكرار الأمر الهام ثلاث مرات حتى وإن كان المخاطب قد سمع فإنه يكرر لا من أجل إفهام المخاطب ولكن من أجل الاهتمام بهذا الشيء. ٨٤ - أنه لا يشرع للمسافر أن يصلي راتبة الظهر لقوله: «ولم يصل بينهما شيئا» . ٨٥ - أن الصلاتين المجموعتين المشروع فيهما أن تكونا

стр. 109

متواليتين لقوله: «ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا» والموالاة بين المجموعتين إذا كان الجمع جمع تقديم شرط عند أكثر الفقهاء ﵏ إلا أنه لا بأس أن يفصل بوضوء خفيف أو استراحة قصيرة ثم يستأنف الصلاة ثانية أما إذا كان الجمع جمع تأخير فالموالاة ليست بشرط. وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية (١) ﵀ إلى أن الموالاة بين المجموعتين ليست بشرط لا في جمع التقديم ولا في جمع التأخير وقال: يجوز في جمع التقديم أن يصلي الظهر مثلاً ثم يتوضأ أو يستريح أو يتغدى ونحوه ثم يصلي العصر وقال: إن الجمع هو من باب ضم الصلاة إلى الأخرى في الوقت لا في الفعل فإذا جاز الجمع صار الوقتان وقتاً واحداً وليس معنى الجمع ضم إحدى الصلاتين إلى الأخرى بالفعل بل ضمها إلى الأخرى بالوقت وعلى هذا فلا تشترط الموالاة في جمع التقديم كما لا تشترط في جمع التأخير ولكن لا شك أن الموالاة بينهما مشروعة كما دل عليه هذا الحديث. ٨٦ - استحباب الوقوف للإمام في موقف النبي ﷺ لأن النبي ﷺ وقف عند الصخرات خلف جبل عرفة لقوله

стр. 110

«ثم ركب حتى أتى الموقف» وأما غير الإمام فإنهم يقفون في أماكنهم لقول النبي ﷺ : «وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف» (١) ولأن الأصل الاقتداء بالنبي ﷺ في كيفية العبادة وزمانها ومكانها وجه ذلك: أن نبه على أن وقوفه في هذه الأماكن لا يسن فيه الأسوة أو لا تجب فيه الأسوة لقوله (وقفت ها هنا وعرفة كلها موقف) وكذلك يقال في مزدلفة. ٨٧ - بيان تيسير النبي ﷺ على أمته حيث لم يلزمهم بل ولم يندبهم إلى أن يتحروا مكان وقوفه ونحره لا في عرفة ومزدلفة ولا في منى. ٨٨ - أنه لا يشرع صعود الجبل ولا الصلاة فيه ولا الصلاة عنده لأن النبي ﷺ لم يفعل ذلك والأصل في العبادات التوقيف حتى يقوم دليل على مشروعيتها. وبه نعرف ضلال كثير من الناس الذين يقصدون الجبل ويصعدون عليه ويصلون وربما يضعون الحجارة بعضها على بعض لتكون علماً وربما يعلقون الخرق ويكتبون الأوراق لإثبات أنهم بلغوا هذا المكان وكل هذا من البدع والواجب على طلبة العلم أن ينبهوا الناس على ذلك وأن يبينوا أنهم إلى الوزر أقرب منهم إلى الأجر في مثل هذه الأعمال. ٨٩ - أن الركوب في الوقوف بعرفة أفضل لأن النبي ﷺ

стр. 111

وقف راكباً وقال: «خذوا عني مناسككم» (١) . وقال بعض العلماء ﵏: بل الوقوف على غير الراحلة أفضل. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) ﵀ التفصيل في ذلك وقال: إنه يختلف باختلاف الحاج وما ذهب إليه هو الصحيح فإذا كان الإنسان يحتاج إلى أن يكون راكباً ليراه الناس ويسألوه وينتفعوا بعلمه وقف راكباً أفضل وكذلك إن كان أخشع له وأحضر لقلبه فيقف راكباً أفضل وإذا كان الأمر بالعكس صار الحكم بالعكس أيضا فهو يختلف باختلاف أحوال الناس. ٩٠ - مشروعية استقبال القبلة حال الدعاء يوم عرفة ورفع اليدين والإكثار من الدعاء ومن الذكر لقول النبي ﷺ «خير الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» (٣) ، وينبغي له أن يحرص على الأذكار

стр. 112

والأدعية الواردة عن النبي ﷺ ، فإنها من أجمع الأدعية وأنفعها فيقول: اللهم لك الحمد كالذي نقول وخيراً مما نقول، اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي وإليك رب مآبي ولك رب تراثي. اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الأمر. اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجيء به الريح. اللهم إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، لا يخفى عليك شيءٌ من أمري، أنا البائس الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق المقر المعترف بذنوبي، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء من خضعت لك رقبته وفاضت لك عيناه، وذل لك جسده، ورغم لك أنفه. اللهم لا تجعلني بدعائك ربي شقيا، وكن بي رؤوفاً رحيماً يا خير المسؤولين ويا خير المعطين. اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً.

стр. 113

اللهم اشرح لي صدري ويسر لي أمري، اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل، وشر ما يلج في النهار، وشر ما تهب به الرياح، وشر بوائق الدهر. اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم. اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء ومن درك الشقاء ومن سوء القضاء، ومن شماتة الأعداء. اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال، وأعوذ بك من أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا. اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم، ومن شر فتنة الغنى , وأعوذ بك من فتنة الفقر. اللهم غسل عني خطاياي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب. فالدعاء يوم عرفة خير الدعاء. قال النبي ﷺ : «خير الدعاء دعاء يوم عرفة» . كما في الحديث السابق. وإذا لم يحط بالأدعية الواردة عن رسول الله ﷺ ، دعا بما يعرف من الأدعية المباحة. فإن قال قائل: الوقت طويل لا سيما في أيام الصيف وربما

стр. 114

يلحق الإنسان ملل , لأنه لو بقي يدعو من بعد صلاة الظهر والعصر المجموعة إليها إلى الغروب لحقه ملل. فهل اشتغاله بغير الدعاء والذكر مما هو مباح جائز؟ الجواب: نعم وربما يكون مطلوباً إذا كان وسيلة للنشاط والإنسان بشر يلحقه الملل , فلا حرج أن يستريح إما بنوم أو بقراءة قرآن أو بمذاكرة مع إخوانه أو بمدارسة القرآن أو في أحاديث تتعلق بالرحمة والرجاء والبعث والنشور وأحوال الآخرة حتى يلين ويرق قلبه والإنسان طبيب نفسه في هذا المكان , لكن ينبغي أن يغتنم آخر النهار بالدعاء ويتفرغ له تفرغاً كاملاً. ٩١ - وجوب الوقوف بعرفة حتى تغرب الشمس لأن النبي ﷺ وقف حتى غربت الشمس وقال: «لتأخذوا عني مناسككم» (١) ولأن الدفع قبل غروب الشمس مخالفة لهدي النبي ﷺ وموافقة لهدي المشركين لأن المشركين كانوا ينتظرون فإذا قربت الشمس إلى الغروب دفعوا من عرفة فخالفهم النبي ﷺ . ولأن في ذلك نقصاً في الوقوف الذي هو الركن ومعلوم أن الأركان أفضل من الواجبات والواجبات أفضل من السنن لأنه كلما تأكدت العبادة كانت أفضل لقوله تعالى في الحديث القدسي «وما تقرب إلي عبدي بشيء

стр. 115

أحب إلي مما افترضته عليه» (١) . ويدل أيضاً على أن ذلك للوجوب تأخر النبي ﷺ حتى تغرب الشمس لأنه لو دفع قبل أن تغرب لكان أيسر فلما عدل عن ذلك إلى البقاء حتى غربت الشمس دل على أن الدفع قبل هذا محرم ولو كان جائزاً لفعله النبي ﷺ لأنه أيسر. ٩٢ - أنه ينبغي لإمام الناس أو من ينيبه أن يحث الناس على السكينة فرجال المرور مثلاً ينوبون مناب الإمام في تدبير الناس وتنظيم السير والأمر بالسكينة لأن النبي ﷺ نظم السير في قوله: «السكينة السكينة» فإن هذا نوع من تنظيم السير. ٩٣ - أنه ينبغي للإمام بل يجب على الإمام أن يكون أول من يبادر إلى ما يأمر به ودليله أن الرسول ﷺ دفع وقد شنق للقصواء الزمام وما كان ليقول للناس السكينة السكينة وهو تاركها تمشي بسرعة، بل هو أول من يفعل ذلك ﵊ وهكذا الإمام الذي يقتدي به سواء كان إماماً في التنفيذ أو إماماً في العلم فإنه يجب عليه أن يتحرى اتباع الرسول ﷺ لأنه يقتدى به فأي فعل يفعله سوف يقتدى به الناس، والناس في هذا المقام بالنسبة إلى القدوة بين أمرين بين محتج بفعله على ما يهواه وبين محتج عليه بمخالفته وبينهما فرق فالإنسان الذي له هوى ولا يريد اتباع السنة يحتج بتقصير

стр. 116

القدوة على تقصيره فيقول مثلاً: هذا فلان لا يفعل هذا وهذا فلان فعل هذا مثلا والإنسان الذي يريد من المقتدى به أن يتبع السنة يحتج بفعله وتهاونه بالسنة عليه ولا يحتج بفعله على ما يفعله هذا المتكاسل فهذا أمر ينبغي لطلبة العلم أن يتفطنوا له لأن طالب العلم يقتدى به ويؤخذ عليه ما لا يؤخذ على غيره ليس كعامة الناس ولهذا كثير ما تأمر الناس بشيء ثم يقولون لك فلان يفعله من طلبة العلم يحتج بفعله حتى وإن كان هذا الرجل قد تبين له أن الحق بخلافه، لكن يريد أن يدافع عن نفسه ولو بالباطل كما هو ظاهر. ٩٤ - حسن رعاية النبي ﷺ لما استرعاه الله حتى في البهائم؛ وجه ذلك أنه كلما أتى حبلاً من الحبال أرخى لناقته قليلاً فإن هذا من حسن رعايته لها ورأفته بها ﷺ فرسول الله ﷺ أحسن الرعاية في البشر حيث يقول السكينة السكينة وأحسن الرعاية في البهيمة حيث يرخي لها قليلاً حتى تصعد إذا أتى حبلاً من الحبال. ٩٥ - أن المشروع للحاج أن لا يصلى المغرب والعشاء إلا في مزدلفة. لأن النبي ﷺ أخر ذلك إلى مزدلفة ووجه هذا: أن المشروع في حق المسافر إذا جد به السير ألا يقف فيقطع سيره. ولهذا كان من هدي الرسول ﷺ أنه إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى العصر. وإن ارتحل بعد أن تزيغ

стр. 117

الشمس قدم العصر إلى الظهر حتى يكون سيره مستمرا متواصلا. نقول: هذا هو السنة حتى لو تأخر الإنسان. إلا إذا تأخر حتى انتصف الليل فإنه يجب عليه أن يصلي صلاة العشاء قبل منتصف الليل وصلاة المغرب أيضاً وذلك لأن منتهى صلاة العشاء نصف الليل فلا يجوز أن يؤخرها إلى ما بعد نصف الليل. فإن قال قائل: افرض أنني حبست في سير السيارات ولم أستطع الرجوع ولا التقدم ولا الخروج يمينا أو شمالا؟ نقول: من أمكنه أن ينزل من الركاب فلينزل ويصلي يميناً أو شمالاً قبل أن يخرج الوقت , ومن لم يمكنه فليصل ولو على ظهر السيارة ويأتي بما يستطيع من الواجبات على حسب حاله. ولا يجوز أن يؤخر الصلاة إلى ما بعد نصف الليل، لأن القول الراجح أنه لا وقت للعشاء بعد منتصف الليل. ٩٦ - أن الجمع يكون جمع تأخير لأن النبي ﷺ جَمَعَ جَمْعَ تأخير ولكن هل هذا مراد؟ أو لأن سير النبي ﷺ كان متواصلاً إلى أن دخل وقت العشاء؟ الذي يظهر الثاني، لأن هذا هو هدي النبي ﷺ وبناء على ذلك لو أن الإنسان وقف في أثناء الطريق وصلى فإن القول الذي عليه جمهور أهل العلم أن صلاته صحيحة خلافاً لبعض

стр. 118

الظاهرية كابن حزم (١) ﵀ حيث قال: لا تصح صلاة المغرب والعشاء في ليلة مزدلفة إلا بمزدلفة، واستدل بقول النبي ﷺ لأسامة ﵁، لما توضأ النبي ﷺ قال: يا رسول الله، الصلاة؟ قال: «الصلاة أمامك» (٢) . ولكن رأي الجمهور هو الصحيح. فإن وصل في وقت صلاة المغرب فما المشروع في حقه؟ قيل: المشروع أن يؤخر أيضاً لأن النبي ﷺ أخر الصلاة. وقيل: المشروع أن يقدم الجمع بين الصلاتين لأن النبي ﷺ صلى من حين وصل إلى مزدلفة , وكون الجمع يكون تأخيراً لأن هذا وقع اتفاقاً، لأن سير الرسول ﷺ كان بعيداً وبطيئاً، لأنه على الإبل، فأما إذا كان في السيارات وقد وصل في وقت المغرب فليصل متى وصل ولو كان تقديماً، والحقيقة أن الدليلين متجاذبان. فقد نقول: إن المشروع أن يبادر بالصلاة متى وصل، لأن هذا كالتحية لمزدلفة كما قلنا في منى أن التحية لها الرمي. وقد يقال: إن الإنسان يؤخر اقتداء برسول الله ﷺ . ولكن قد روى البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله

стр. 119

عنه أنه قدم مزدلفة عشاءً أو قريباً من العشاء فأذن وصلى المغرب، ثم دعا بعشائه فتعشى ثم أذن فصلى العشاء (١) وهذا يدل على أنه ﵁ لما وصل في هذا الوقت رأى ألا يجمع وأن يصلي المغرب ويتعشى ثم يصلي العشاء وحدها، والدليل على أنه صلى العشاء وحدها أنه أذن لها، ولو كانت مجموعة إلى الأولى لم يؤذن. وبناء على هذا الذي ورد عن ابن مسعود ﵁ نقول: من وصل مبكراً فليصل المغرب ثم لينتظر حتى يأتي العشاء فيؤذن ويصلي العشاء؟ فإن قال الحاج: الأيسر لي والأسهل عليّ أن أصلي المغرب من حين أن أصل وأصلي معها العشاء وأستريح فهل تبيحون لي ذلك؟ فالجواب: نعم نبيح له ذلك لأنه مسافر، والصحيح أن المسافر له الجمع، وإن كان نازلاً فنقول: لك أن تجمع الآن إذا كان أيسر لك كما هو الغالب، لأن بعض الناس يكون محتاجاً إلى البول، فيحب أن يصلي المغرب والعشاء ويستريح فإذا كان هذا أريح له أو أريح لأصحابه أيضا حتى لو فرضنا أنه هو بنفسه يحب أن يصلي المغرب وحدها، والعشاء وحدها في الوقت، ولكن رأى أن أصحابه أيسر لهم فلا حرج

стр. 120

أن يتبع أصحابه في الأيسر اقتداء برسول الله ﷺ حيث اتبع الأيسر لأصحابه في الصيام مع محبته للصيام. ٩٧ - أنه لا يشرع للمسافر أن يصلي راتبة المغرب، لأن النبي ﷺ لم يصل راتبة المغرب في السفر كما لم يصل للظهر، وكذلك للعشاء. أما راتبة الفجر فلم يكن يدعها لا حضراً ولا سفراً. ٩٨ - أنه لا يشرع ليلة مزدلفة تهجد ولا قراءة ولا شيء من العبادات التي تمنع من النوم، إذ لو كان هذا مشروعاً لفعله النبي ﷺ تبليغاً للشرع أو لأرشد الأمة إليه بقوله، فلما لم يحصل هذا ولا ذاك علم بأنه ليس بمشروع. فإن قال قائل: إذا لم يستطع الإنسان أن ينام في مزدلفة ليلة العيد بسبب إزعاج السيارات - مثلاً - هل له أن يشتغل بالذكر والدعاء والصلاة؟ نقول له: نعم اذكر الله , وأما الصلاة فإن كان لا يراه أحد فلا بأس , وإن كان يرى فلا , لأنه لو رآه أحد وهي ليلة مباركة اقتدى به , ولا يعلم أنه معذور ولا سيما إذا كان طالب علم ومحل اقتداء. ٩٩ - أنه لا تجوز صلاة الفجر ولا غيرها حتى يتبين دخول الوقت. لقوله: «صلى الفجر حين تبين له الصبح» . ١٠٠ - أنه ينبغي المبادرة في صلاة الفجر ليلة المزدلفة،

стр. 121

دليله «حتى تبين» يعني من حين ما تبين صلى، وهو دليل على أن المشروع في الفجر ليلة المزدلفة أن يبادر بها مبادرة غير المبادرة المعتادة المعروفة. أما ما يفعله بعض الناس اليوم من كونهم يؤذنون إذا مضى ثلثا الليل، من حين يمضي ثلثا الليل تسمع المؤذنين للفجر، فهذا خطأ عظيم والحكومة وفقها الله لم تقصر، كانت تطلق المدفع في تلك الليلة فلا عذر لأحد لكن هؤلاء المساكين تجد الواحد منهم ينام قليلاً ثم يمل من النوم ووقت الفجر عنده إذا قام من النوم، متى ما قام فهذا وقت الفجر، أو أنهم يحبون أن يتعجلوا ويمشوا إلى منى، وأيا كان فإن الواحد منا إذا سمع أحداً يؤذن للفجر قبل الوقت يجب أن ينبهه حتى لا يصلي الفجر قبل وقتها فتفوت عليه فريضة من فرائض الصلوات لكن الغالب على هؤلاء الجهل. ١٠١ - مشروعية الأذان والإقامة في الحضر وفي السفر، وهل هذه المشروعية على سبيل الوجوب؟ الجواب: نعم على سبيل الوجوب، فيجب الأذان في السفر والحضر، والإقامة في الحضر والسفر وقد قال النبي ﷺ لمالك بن الحويرث ﵁ ومن معه: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم» (١) وهم وافدون إلى

стр. 122

رسول الله ﷺ مسافرون فأمرهم بالأذان، مع أنهم مسافرون، فالمسافرون عليهم الأذان كما على المقيمين. وهل عليهم صلاة الجماعة؟ الجواب: نعم، ومن هنا نأخذ فائدة أيضاً: ١٠٢ - مشروعية صلاة الجماعة في الحضر والسفر، وهي على الوجوب، فيجب على المسافر صلاة الجماعة كما يجب على المقيم ولا فرق، بل قد أوجب الله صلاة الجماعة في حال القتال، وقتال الرسول ﷺ كان كله في السفر. ١٠٣ - قصد المشعر الحرام (١) والوقوف عنده في صبيحة يوم العيد؛ لأن النبي ﷺ ركب وقصد المشعر الحرام، ولكن هل هذا على سبيل الوجوب؟ الجواب: لا؛ لأن النبي ﷺ قال: «وقفت هاهنا وجمع كلها موقف» (٢) فكل مزدلفة موقف، ولا يلزمك أن تشد الرحل إلى المشعر الحرام لتقف عنده. ١٠٤ - أنه ينبغي التفرغ بعد صلاة الفجر يوم العيد للدعاء والتكبير والتهليل والذكر إلى أن يقرب طلوع الشمس،

стр. 123

والدليل: «فدعاه وكبره وهلله ولم يزل واقفا حتى أسفر جداً» إذاً فيسن التفرغ للدعاء والذكر في هذه المدة إلى أن يسفر جداً. ١٠٥ - تواضع النبي ﷺ حيث أردف الفضل بن عباس ﵄ دون أشراف القوم وأردف في دفعه من عرفة إلى مزدلفة أسامة بن زيد ﵁ وهو مولى. ١٠٦ - جواز الإرداف على الدابة، لأن الإرداف لو كان حراماً ما أردف النبي ﷺ الفضل بن عباس ولكن يشترط لذلك أن تكون الدابة قوية وقادرة على تحمل الرديف، فإن كانت هزيلة ضعيفة والإرداف يشق عليها فإن ذلك لا يجوز لقول النبي ﷺ : «إن الله كتب الإحسان على كل شيء» (١) . ١٠٧ - عدم جواز نظر الرجل إلى المرأة الأجنبية كما استدل به النووي وغيره من أهل العلم لأن النبي ﷺ صرف وجه الفضل إلى الشق الآخر. ولكن إذا كان لشهوة فهو حرام بلا شك وإذا كان لغير شهوة فإن الذي تدل عليه النصوص الأخرى أنه لا يجوز له النظر إليها وأنه يجب عليها أن تحتجب لئلا ينظر إليها. ١٠٨ - مشروعية تغيير المنكر باليد لقوله: «فجعل النبي

стр. 124

صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر» . ١٠٩ - جواز التغيير قبل الأمر لأن الرسول ﷺ جعل يصرف وجهه دون أن يقول له التفت أو اصرف وجهك. وعلى هذا فينظر الإنسان هل الأصلح أن يأمر أولاً ثم يغير أو أن يغير أولاً قبل أن يأمر فيرجع ذلك إلى ما فيه المصلحة. ١١٠ - أنه ينبغي الإسراع في بطن محسر، وهو الوادي الذي بين مزدلفة ومنى؛ لأن النبي ﷺ أسرع فيه. والأصل فيما فعله في هذه العبادة أنه من التعبد وليس من العادة حتى يتبين أنه عادة. والظاهر أنه لا يمكن الإسراع الآن؛ لأن الإنسان محبوس بالسيارات فلا يمكن أن يتقدم أو يتأخر وربما ينحبس في نفس المكان فيعجز أن يمشي ولكن نقول: هذا شيء بغير اختيار الإنسان فينوي بقلبه أنه لو تيسر له أن يسرع لأسرع وإذا علم الله من نيته هذا فإنه قد يثيبه على ما فاته من الأجر والثواب. ١١١ - أنه ينبغي للإنسان القادم إلى منى من مزدلفة أن يسلك أقرب الطرق إلى جمرة العقبة، لفعل النبي ﷺ ، وهكذا ينبغي للإنسان في أسفاره أن يسلك أقرب الطرق إلى حصول مقصوده. ١١٢ - أنه ينبغي المبادرة برمي الجمرة بحيث لا يقدم عليها نسكاً ولا تنزيل رحل ولا نزولاً في مكان، بل يبادر بها

стр. 125

أول ما يقدم وهذا هو الأفضل. ١١٣ - أن من رخص له أن يدفع من مزدلفة في آخر الليل له أن يبدأ بالجمرة جمرة العقبة فيرميها حين وصوله، وأما ما ورد عن النبي ﷺ من النهي عن هذا في قوله: «أبني لا ترموا حتى تطلع الشمس» (١) فقد ضعفه كثير من أهل العلم ﵏، وإن صح فإنه يحمل على الاستحباب لا على الوجوب. وإلا فكل من جاز له الدفع من مزدلفة جاز له الرمي، وإلا لما استفاد شيئا، فكيف يرخص له أن يدع نسكاً من المناسك التي نص القرآن عليها ويبقى في منى ساكناً حتى طلوع الشمس. ١١٤ - أن غسل حصى رمي الجمار بدعة لأن النبي ﷺ لم يغسله ولم يأمر به أصحابه. ١١٥ - أنه لا رمي في يوم العيد إلا لجمرة العقبة، لأن النبي ﷺ لم يرم سواها، فلو رمى الإنسان الثلاث لكان مبتدعاً، وإن رماها جهلاً فليس عليه شيء. ١١٦ - مشروعية الرمي راكباً ما لم يكن في ذلك أذية.

стр. 126

١١٧ - أنه يجب أن يرمي الجمار رمياً، فلا يجزئ الوضع بل لا بد من الرمي. وهل يشترط أن يرفع يده حتى يرى بياض إبطه؟ الجواب: لا، ولكن يرمي قذفا فلو أخذ الحصاة ووضعها في الحوض وضعاً فإن ذلك لا يجزئ. ١١٨ - أنه لا بد من سبع حصيات لقوله «فرماها بسبع حصيات» فلو رمى بخمس أو بثلاث أو بأربع لم يجزئ. ولكن رخص بعض أهل العلم ﵏ (١) بجواز الرمي بخمس أو ست، قال: لأن الصحابة ﵃ كانوا ينصرفون من الرمي، فيقول بعضهم رميت بخمس، وبعضهم بست، وبعضهم بسبع، ولا ينكر أحد على أحد، ولكن لا شك أن الأحوط أن لا يقتصر على ما دون السبع، لأن هذا هو هدي النبي ﷺ . ١١٩ - أنه لا يجوز الزيادة على السبع لقوله: «فرماها بسبع حصيات» . ١٢٠ - أنه لا بد أن تكون السبع متعاقبات لقوله: «رماها بسبع» فإن ظاهره أن كل واحدة تكون مرمية، فلابد أن تكون متعاقبات ولهذا قال «يكبر مع كل حصاة» وهذا كالنص

стр. 127

الصريح على أنه لابد من التعاقب، فلو رماها دفعة واحدة لم يجزئه إلا واحدة ولا يجزئه السبع هذا ما لم يكن قصد التعبد وهو يعلم أن الرسول ﷺ رمى سبعا متعاقبة، فإن نوى التعبد مع علمه بأن الرسول ﷺ رمى بسبع متعاقبة فإن ذلك لا يجزئ لأنه صريح بمخالفة السنة، فيكون عملا ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون مردودا، ولو رماها سبعاً من شدة الزحام دفعة واحدة تكون واحدة فإن قال قائل: ألستم في الحدود تقولون إن المريض إذا كان لا يحتمل أن يضرب ضرباً متعاقباً بالسوط فإنه يجمع ضغثاً من النخل ويضرب به مرة واحدة؟ فالجواب: أن هذا قام عليه الدليل، وهو أيضا من باب العقوبة، والعقوبة ينبغي فيها التخفيف إذا لم يستطع، بخلاف هذا، فهو عبادة، ولهذا لا يجوز للمريض الذي يشق عليه أن يصلي أربعا أن يصلي ركعتين. ١٢١ - أنه يستحب التكبير عند الرمي وأن يكون مع كل حصاة. ١٢٢ - أنه لا يستحب البسملة هنا، وإن كان بعض الناس يسمي فيقول: بسم الله والله أكبر. ١٢٣ - أنه لا يسن أن يقول ما يقوله العامة اللهم رضا للرحمن وغضباً للشيطان؛ فإن هذا لم يرد عن النبي ﷺ ,

стр. 128

ومن باب أولى أنه لا يسن في هذه الحال سب الشيطان ولعنه وما أشبه ذلك من الكلمات التي يقولها جهال الناس. ١٢٤ - ضلال من يرمي بالأحجار الكبيرة أو بالنعال أو بالمظلات أو ما أشبه ذلك مما يفعله الجهال , وكل هذا من اعتقادهم أنهم يرمون الشيطان. ١٢٥ - أنه لا يجزئ الرمي بغير الحصى، فلو رمى بذهب لم يجزئه؛ لأن العبادات مبناها على التوقيف والاتباع، ولو رمى بمدر (وهو الطين المجفف) لم يجزئه، ولو رمى بقطعة من الإسمنت فإنه لا يجزئ، ولو رمى بجص أو بخشب أو بأي مادة من المواد أو معدن من المعادن سوى الحصى فإنه لا يجزئ، لأن النبي ﷺ رمى بحصى. ١٢٦ - أنه لا يجزئ الرمي بالحصاة الكبيرة ولا الصغيرة جداً، أما الصغيرة التي دون حصى الخذف لكن ليست صغيرة جداً فإنها تجزئ، والكبيرة لا تجزئ لقوله: «كل حصاة منها مثل حصى الخذف» فالنبي ﷺ رمى بهذا وقال: «خذوا عني مناسككم» (١) بل رفع إليه ابن عباس ﵄ حصيات فأخذها بكفه وجعل يحركها ويقول: «بأمثال هؤلاء فارموا وإياكم والغلو في الدين» (٢) .

стр. 129

١٢٧ - أنه يسن رمي جمرة العقبة من بطن الوادي لقوله: «رمى من بطن الوادي» . ١٢٨ - أنه يسن استقبال جمرة العقبة لا القبلة عند الرمي، خلافاً لمن قال: إنه يستقبل القبلة ويجعل الجمرة عن يمينه ويرمي من اليمين، فإن هذا ليس بصحيح، لأنه خلاف موقف رسول الله ﷺ من وجه، ومن وجه آخر أنه في زمننا هذا متعذر. فإن قال قائل: أليس الأصل في العبادات استقبال القبلة؟ فالجواب: إن سلمنا أن هذا هو الأصل فقد دل الدليل على عدمه في هذه المسألة. ١٢٩ - أنه لا يشرع الوقوف للدعاء بعد رمي جمرة العقبة. ١٣٠ - أن النحر بعد الرمي لقوله: «ثم انصرف إلى المنحر فنحر» . ١٣١ - أنه ينبغي لذوي الأمر أن يرتبوا المكان للحجاج بحيث يجعلوا للنحر مكاناً خاصاً لقوله: «ثم انصرف إلى المنحر» لأنه إذا جعل للنحر مكاناً خاصاً سلم الناس من الروائح الكريهة والتلويث والأذى وغير ذلك فإذا جعل للنحر منحر خاص، فذلك أسلم وأقرب إلى الإحاطة بهذا الأذى والقذر.

стр. 130

١٣٢ - أنه ينبغي للإنسان أن ينحر هديه بيده لقوله: «فنحر» فإذا قال قائل: ألا يمكن أن يكون قوله: «فنحر» أي أمر من ينحر؟ قلنا: هذا ممكن، ولكن الأصل في إضافة الفعل إلى فاعله أن يكون الفاعل مباشراً للفعل، ولهذا جاء التفصيل في حديث جابر ﵁ المذكور أنه ﷺ نحر ثلاثاً وستين بيده وأعطى علياً ﵁ فنحر الباقي، وهكذا ينبغي للإنسان أن ينحر هديه وأضحيته بيده، لأن ذلك أتبع للسنة وأشد طمأنينة للقلب أن تكون ذبحتها على الوجه المشروع ولأن هذا عبادة فينبغي للإنسان أن يفعله بنفسه ويتفرع منها: ١٣٣ - خطأ الفكرة السائدة بين الناس اليوم وهو أن المقصود من الأضحية هو اللحم ولهذا تجدهم يرسلون الدراهم إلى البلاد النائية البعيدة بدلاً عن الأضحية ويقولون هم أحوج منا. نقول: ليس المقصود من الأضحية هو اللحم، المقصود هو التقرب إلى الله بالذبح هذا أهم شيء في الأضحية أن تذبحها أنت بنفسك تذللاً لله وتعظيماً له وتقرباً إليه فإن لم تستطع فوكل من يذبح كما وكل النبي ﷺ ابن عمه علي بن أبي طالب ﵁ أن يذبح ما بقي من هديه، ثم إذا ذبحت وتقربت إلى الله فإن شئت فكل وإن شئت فتصدق

стр. 131

بها كلها. ولهذا لما نزلت بالمسلمين فاقة في إحدى السنوات لم يقل تصدقوا بالطعام أو تصدقوا بالدراهم بل قال: اذبحوا لكن لا تدخروا فوق ثلاث. وفي العام الثاني لما زالت الفاقه قال: كلوا وادخروا ما شئتم. فالمهم أنه يجب على طلبة العلم أن ينبهوا الناس على أن الذبح نفسه عبادة عظيمة؛ ولهذا قرنه الله بالصلاة في قوله «فصل لربك وانحر» فلا ينبغي أن ترسل الشعائر تقام هناك وتترك الشعيرة هنا ولهذا كان من حكمة الله أن البلاد غير مكة تقام فيها هذه الشعيرة وهي التقرب إلى الله بالذبح لكن في مكة هدي وفي غيرها أضاحٍ. وإذا كان يحب أن ينفع إخوانه في الجهة الأخرى فليرسل إليهم دراهم صدقة تطوعاً لله . فهذه مسألة ينبغي أن يتنبه لها. ١٣٤ - وفيه دليل على تأكد الأكل من الهدي، لأنه ﵊ أمر من كل بدنه بقطعة وكان يكفيه أن يأخذ من بدنه واحدة يأكل ما شاء لكن تحقيقا لقوله تعالى: ﴿فكلوا منها﴾ (١) .

стр. 132

١٣٥ - أنه يجوز التوكيل في ذبح الهدي، لأن الرسول ﷺ وكل علي بن أبي طالب ﵁ أن ينحر الباقي، ولكن لا ينبغي التوكيل إلا إذا دعت الحاجة إليه، إما لكثرة الهدي أو لكون الذبح يشغله عما هو أهم، لأن الرسول ﵊ لا شك أن حاجات الناس تتعلق به في الاستفتاء وغيره، فلهذا لما نحر ثلاثاً وستين أعطى علياً ﵁ فنحر الباقي وهو سبع وثلاثون بعيراً. ١٣٦ - مشروعية إهداء الإبل لأن النبي ﷺ أهدى إبلاً مائة بعير وأشرك علياً ﵁ في هديه. ١٣٧ - وفيه دليل على كرم النبي ﷺ حيث أهدى مائة بدنة عن سبعمائة شاة. وكثير من الناس اليوم يشق عليه إهداء شاة واحدة حتى إنه يختار النسك المفضول على الفاضل تفادياً للهدي. ١٣٨ - أنه ينبغي أن يفيض إلى مكة ليطوف ضحى يوم النحر، لأن الرسول ﷺ أفاض ضحى يوم النحر قبل أن يصلي الظهر بعد أن أكل من لحم هديه، لأنه أمر من كل بدنة بقطعة فجعلت في قدر فطبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها. ١٣٩ - أنه ينبغي أن يصلي الظهر يوم العيد بمكة؛ لأن الرسول ﷺ صلى الظهر بمكة، لكن قد ثبت في الصحيحين

стр. 133

أنه صلاها بمنى (١) ، فاختلف العلماء في هذا: فمنهم من سلك طريق الترجيح، ومنهم من سلك طريق الجمع، والصحيح سلوك طريق الجمع، لأن الحديثين كلاهما صحيح بلا شك، وإذا صح الحديثان وأمكن الجمع لم يعدل إلى الترجيح. والجمع بينهما ممكن بأن يقال: إن الرسول ﷺ صلى الظهر بمكة ثم خرج إلى منى فوجد بعض أصحابه لم يصل فصلى بهم إماماً، فتكون صلاته في منى معادة، كما كان يفعل معاذ ﵁ مع قومه، يصلي مع النبي ﷺ العشاء ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة (٢) . ١٤٠ - أن الله تعالى قد ينزل البركة للإنسان في وقته، بحيث يفعل في الوقت القصير ما لا يفعل في الوقت الكثير، وهذا شيء مشاهد، ومن أعظم ما يعينك على هذا أن تستعين بالله في جميع أفعالك بأن تجعل أفعالك مقرونة بالاستعانة بالله حتى لا توكل إلى نفسك لأنك إن وكلت إلى

стр. 134

نفسك وكلت إلى ضعف وعجز، وإن أعانك الله فلا تسأل عما يحصل لك من العمل والبركة فيه. ١٤١ - أنه ينبغي الشرب من ماء زمزم، لأن النبي ﷺ شرب من ماء زمزم. فإن قال قائل: هل يفعل شيئا آخر غير الشرب كالرش على البدن أو على الثوب أو أن يغسل به أثواباً يجعلها لكفنه كما كان الناس يفعلون ذلك من قبل؟ فالجواب: لا. فنحن لا نتجاوز في التبرك ما ورد عن النبي ﷺ وهذا لم يرد عن النبي ﷺ فلا نتجاوز إليه بل ما ثبت عن النبي ﷺ أخذنا به وإلا فلا. ١٤٢ - أنه ينبغي على من شرب من ماء زمزم أن يتضلع منه لأن هذا الماء خير , وقد ورد حديث في ذلك لكن فيه نظر وهو (أن آية ما بين أهل الإيمان والنفاق التضلع من ماء زمزم) (١) وذلك لأن ماء زمزم ليس عذباً حلواً بل يميل إلى الملوحة والإنسان المؤمن لا يشرب من هذا الماء الذي يميل إلى الملوحة إلا إيماناً بما فيه من البركة فيكون التضلع منه دليلاً على الإيمان. ١٤٣ - وفيه أن أفعال النبي ﷺ أسوة؛ لقوله لبني عبد

стр. 135

المطلب: «انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم» لأنه لو نزع لكان سنة يأخذ بها الناس وحينئذ يغلبونهم على السقاية. ١٤٤ - وفيه تواضع النبي ﷺ حين شرب من الدلو الذي يشرب منه الناس، ناولوه دلواً فشرب منه ﵊ وظاهر الحال أنه شرب قائماً فقيل شرب قائماً لضيق المكان وقيل إنه شرب قائماً من أجل أن يتضلع منه أي من ماء زمزم لأن الإنسان إذا شرب قائما تضلع من الماء أكثر والله أعلم. المهم أن هذا الحديث من أطول الأحاديث في صفة حج النبي ﷺ ولهذا جعله الشيخ الألباني (١) - حفظه الله - أصلاً لصفة حج النبي ﷺ وبنى منسكه المعروف المشهور على هذا وزاد فيه ما زاد. والحمد لله رب العالمين , وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين