← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21814

شرح حديث جابر في صفة حجة النبي لابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (135 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ((١) . وقوله: «وهزم الأحزاب وحده» الأحزاب جمع حزب وهم الطوائف الذين تحزبوا على الباطل وتجمعوا عليه) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ((٢) . فهزمهم الله وحده ومثال على ذلك قصة الأحزاب الذين تجمعوا لحرب النبي ﷺ وحاصروه في المدينة وهم نحو عشرة آلاف نفر ومع ذلك هزمهم الله وحده أرسل عليهم ريحاً وجنوداً فقلقلتهم حتى انهزموا. وهل المراد بهزيمة الأحزاب في قوله «وهزم الأحزاب وحده» ما جرى في عام الخندق أو ما هو أعم!؟ نقول ما هو أعم. وقوله: «ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات» يعني قال هذا الذكر ثم يدعو ثم يقوله مرة أخرى ثم يدعو ثم يقوله مرة ثالثة ثم ينزل لأنه قال: «ثم دعا بين ذلك» والبينية تقتضي أن يكون محاطاً بالذكر من الجانبين فيكون الدعاء مرتين والذكر ثلاث مرات. وقوله: «ثم نزل إلى المروة» أي مشى إلى المروة متجهاً إليها.

стр. 37

والمروة هي الجبل المعروف بقعيقعان (١) وهما جبلان معروفان في مكة أحدهما أبو قبيس والثاني قعيقعان. وقوله: «حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى» بطن الوادي هو مجرى السيل ومكانه ما بين العلمين الأخضرين الآن وكان في عهد النبي ﷺ مسيل المياه النازلة من الجبال. وقوله: «سعى» أي: ركض ركضاً شديداً حتى إن إزاره لتدور به من شدة السعي. وقوله: «حتى إذا صعدتا» يعني ارتفع عن بطن الوادي «مشى حتى أتى المروة» وإنما فعل ذلك اقتداءً بأم إسماعيل ﵂ فإن أم إسماعيل لما وضعها إبراهيم ﵊ هي وولدها في هذا المكان وجعل عندهما ماء وتمرا فجعلت الأم تأكل من التمر وتشرب من الماء وترضع الطفل فنفد التمر والماء وجاعت الأم وعطشت ونقص لبنها فجاع الطفل فجعل الطفل يصيح ويتلوى من

стр. 38

الجوع فأمه من أجل الأمومة رحمته وخرجت إلى أدنى جبل إليها تستمع لعلها تسمع أحداً أو ترى أحدا فصعدت الصفا وجعلت تستمع وتنظر فلم تجد أحداً فرأت أقرب جبل إليها بعد الصفا المروة فاتجهت إليه تمشي وهي تنظر إلى الولد فلما نزلت بطن الوادي احتجب الولد عنها فجعلت تركض ركضا شديدا من أجل أن تلاحظ الولد فلما صعدت من المسيل مشت حتى أتت المروة ففعلت ذلك سبع مرات وهي في أشد ما تكون من الشدة لا بالنسبة إليها جائعة عطشى فقط ولا بالنسبة إلى الولد فقط وعند الشدة يأتي الفرج فبعث الله جبريل فضرب بعقبه أو جناحه الأرض في مكان زمزم فنبع الماء بشدة فجعلت أم إسماعيل تحجر الماء تخشى أن يضيع من شدة شفقتها قال النبي ﷺ يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم لكانت عيناً معيناً. ولكن لا شك أن هذا من حكمة الله ووجه ذلك أنه لو كانت عينا معينا في هذا المكان وقرب الكعبة لصار فيها مشقة على الناس ولكن من نعمة الله أن صار الأمر كما أراد الله ﵎. لكنها حجرتها ثم شربت من هذا الماء فكان هذا الماء طعاماً وشراباً وجعلت تسقي الولد والحديث ذكره البخاري مطولا (١) فهذا أصل السعي كما قال النبي ﷺ فلذلك سعى

стр. 39

الناس. والمهم أن النبي ﷺ لما انصبت قدماه في بطن الوادي سعى من أجل أن الناس إنما سعوا من أجل سعي أم إسماعيل. وقوله: «ففعل على المروة كما فعل على الصفا» لم يذكر جابر ﵁ ماذا يقوله الرسول ﷺ في بقية سعيه ولكن قد بين النبي ﷺ أن السعي لذكر الله فقال: «إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله» (١) . فأي ذكر تذكر الله به فهو خير سواء بالقرآن أو بالتسبيح أو بالتهليل أو بالتكبير أو بالتحميد أو بالدعاء فأي شيء تذكر الله به فإنك قد حصلت على المطلوب. وهل ينافي ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ الجواب: لا، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الذكر لأنه تذكير للخلق بما شرع الله لهم. وقوله: «ففعل على المروة كما فعل على الصفا» يعني من الصعود والدعاء والمقام، فعل النبي ﷺ ذلك سبع مرات

стр. 40

فلما كان آخر طواف على المروة نادى وهو على المروة وأمر الناس من لم يسق الهدي منهم أن يجعلوا نسكهم عمرة فجعلوا يراجعون النبي ﷺ حتى قالوا: الحل كله يا رسول الله قال: الحل كله قالوا: نخرج إلى منى وذكر أحدنا يقطر منياً يعني من جماع أهله قال: افعلوا ما آمركم به فلولا أن معي الهدي لأحللت معكم فأحلوا ﵃. أما النبي ﷺ ومن ساق الهدي فلم يحلوا ثم نزلوا بالأبطح (١) في ظاهر مكة فلما كان يوم التروية خرجوا إلى منى فمن كان منهم باقياً على إحرامه فهو مستمر في إحرامه ومن كان قد أحل أحرم بالحج من جديد. وقوله: «لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة» هل يقال أن النبي ﷺ تمنى خلاف الواقع أو يقال إن هذا خبر مجرد الجواب: الثاني. فالنبي ﷺ لم يتمنَ لأنه يعلم أن هذا هو الأفضل أعني قرانه، لكنه قال للصحابة ﵃ هكذا لتطيب نفوسهم ويحلوا برضى.

стр. 41

وقوله: «فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبد ؟» قوله «فقام سراقة» كان هذا عند المروة والسياق الذي في صحيح البخاري (١) ﵀ كان عند العقبة فما الجمع بينهما؟ نقول الجمع بينهما: ربما أن سراقة ﵁ أعاد السؤال مرة ثانية إما لأنه نسي ما قاله عند المروة وإما لزيادة التأكد وهذا يقع. وقوله: «وقدم علي من اليمن ببدن النبي ﷺ فوجد فاطمة ﵂ ممن حل ولبست ثياباً صبيغاً، واكتحلت فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبي أمرني بهذا قال: فكان علي يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله ﷺ محرشاً على فاطمة للذي صنعت مستفتياً لرسول الله ﷺ فيما ذكرت عنه، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها، فقال: «صَدَقتْ صَدَقتْ. ماذا قلت حين فَرضْتَ الحج» قال: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك» . قوله: «قدم علي من اليمن» أي وصل إلى مكة والنبي ﷺ في الأبطح. والسبب في ذهابه إلى اليمن لأن النبي ﷺ أرسله إلى اليمن للدعوة إلى الله وأخذ الزكوات منهم وغير ذلك. وقوله: «ببدن النبي ﷺ » أي ببعضها لأن بعضها جاء بها علي ﵁ وبعضها جاء بها الرسول ﷺ كما يأتي في آخر الكلام. وقوله: «فوجد فاطمة ﵂ ممن حل ولبست

стр. 42

ثياباً صبيغاً» أي ثوباً جميلاً وكأنها متهيئة لزوجها ﵄. وقوله: «فأنكر ذلك عليها» لأنهم لم يكونوا يعرفون العمرة في أشهر الحج. وقوله: «فقالت: إن أبي أمرني بهذا» أي أخبرته أن أباها ﷺ أمرها بهذا. وقوله: «فذهبت إلى رسول الله ﷺ محرشاً على فاطمة للذي صنعت مستفتياً لرسول الله ﷺ فيما ذكرت عنه» التحريش في الأصل التهييج والإغراء كما يحرش بين البهائم وكما يحرش بين الناس ولهذا يقال حرش فلان على فلان أي هيج غيره عليه وأغراه به. فذهابه للنبي ﷺ لغرضين الغرض الأول التحريش على فاطمة ﵂ لماذا تحل، والثاني الاستفتاء هل عملها صحيح أو غير صحيح؟ وقوله: «فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها فقال: صدقت صدقت» يعني أمرتها بهذا وكرر ذلك توكيدا لأن المقام يقتضي ذلك. فقوله «صدقت» أي فيما قالت أني أمرتها به. وإنما أمرها النبي ﷺ كما أمر غيرها لأنها لم تسق الهدي فحلت. وقوله: «ماذا قلت حين فرضت الحج» أي سأل النبي ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ ماذا قال حين فرض الحج

стр. 43

قال قلت اللهم إني أهل بما أهل به رسولك قال: إن معي الهدي فلا تحل. ففي هذا دليل على مسألة خاصة بعلي ﵁، وعلى مسألة عامة للمسلمين. أما المسألة الخاصة بعلي فهو ذكاؤه ﵁ وفطنته وحرصه على التأسي برسول الله ﷺ حيث أحرم بما أحرم به الرسول ﷺ . أما المسألة العامة فهي جواز مثل هذا أي أنه يجوز للإنسان أن يقول لبيك أو أحرمت بما أحرم به فلان ممن يثق بعلمه ودينه مع أنه سيكون مجهولاً له حتى يصل إلى فلان. فإذا قال أحرمت بما أحرم به فلان وكان فلان قارناً فهل لهذا إذا لم يكن معه هدي أن يحل بعمرة؟ الجواب: نعم لأنه لو أحرم به من أول فإننا نأمره أن يحل بعمرة فكيف إذا كان مقتدياً بغيره، ولكن علي بن أبي طالب ﵁ أشركه النبي ﷺ في هديه وجعل منه نصيبا. ولهذا قال معي الهدي فلا تحل. وظاهر هذه العبارة أن من أحرم بمثل ما أحرم به فلان وكان فلان قد ساق الهدي ولم يحل فإن الثاني لا يحل لكن هذا مقيد بما إذا كان الثاني قد ساق الهدي أو مشاركاً له فيه كما سيأتي في سياق الحديث أن النبي ﷺ أشرك علياً رضي

стр. 44

الله عنه في هديه. وقوله: «قال فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي ﷺ مائة» . قوله: «جماعة» أي مجموع الهدي و (مائة) بالألف ولكن هذه الألف لا ينطق بها والناطق بها يعتبر لاحناً بل يقال مئة كما يقال فئة بدون نطق الألف. وقوله: «فلما كان يوم التروية» «يوم» بالرفع مع أنه ظرف زمان لأنه هنا سلبت منه الظرفية فـ «يوم» هنا فاعل «كان» وكان هنا تامة وليست ناقصة فلا تحتاج إلى اسم وخبر والمعنى: لما جاء يوم التروية توجهوا إلى منى. ويوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة وسمي بذلك لأن الناس يتروون فيه الماء لما بعده يعني يستسقون فيه الماء ليوم عرفة وأيام منى. ومن هذا اليوم إلى آخر أيام التشريق لكل يوم من هذه الأيام الخمسة اسم خاص فالثامن يوم التروية والتاسع يوم عرفة والعاشر يوم النحر والحادي عشر يوم القر والثاني عشر يوم النفر الأول والثالث عشر يوم النفر الثاني. وقوله: «توجهوا إلى منى» الضمير يعود على النبي ﷺ وأصحابه توجهوا من الأبطح لأن النبي ﷺ نزل هناك في الأبطح ولم يذكر جابر ﵁ أن أحداً من الصحابة

стр. 45

رضي الله عنهم جاء إلى البيت وأحرم منه ولو أن أحداً فعل ذلك لبينه. وقوله: «إلى منى» منى: اسم مكان معروف وسميت بهذا الاسم لكثرة ما يمنى فيها من الدماء. أي: يراق من الدماء وهي من حيث الإعراب مصروفة فنقول: منىً بالتنوين. وحدُّها شرقاً وغرباً من وادي محسر إلى جمرة العقبة. ومن الشمال والجنوب قال العلماء ﵏: كل سفوح الجبال الكبيرة ووجوهها التي تتجه إلى منى من منى. وبناء على هذا تكون منى واسعة جداً وتسع الحجاج لو أنها نظمت تنظيماً تاماً مبنياً على العدل. لكن بعض الناس يتخذ مكاناً واسعاً يسع أكثر من حاجته. مسألة: توجد مشكلة في الوقت الحاضر. يقول بعض الناس أنا لا أجد أرضاً بمنى إلا بأجرة فهل يجوز لي أن أستأجر أرضا في منى؟ فالجواب: نعم يجوز والإثم على المؤجر الذي أخذ المال بغير حق أما المستأجر فلا إثم عليه. ولهذا قال فقهاء الحنابلة ﵏: لا يجوز تأجير بيوت مكة ولكن إذا لم يجد بيتا إلا بأجرة دفع الأجرة والإثم على المؤجر وبيوت منى وأرضها من باب أولى لأن منى مشعر محدود محصور، فأين يذهب الناس إذا استولى عليها من يقول: أنا لا أُنزل فيها الناس إلا

стр. 46

بأجرة؟! أما مكة فيمكن أن ينزل الإنسان بعيدا ولكن منى وعرفة ومزدلفة مشاعر كالمساجد، لا يجوز لأحد إطلاقاً أن يبني فيها بناءً يؤجره ولا أن يختط أرضاً ويؤجرها فإن فعل فالناس معذورون يبذلون الأجرة والإثم على الذي أخذها. وقوله: «وركب النبي ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر» صلى بمنى خمس صلوات كل صلاة في وقتها بدون جمع لأنه لو كان يجمع لبينه جابر ﵁ فإن الجمع خلاف الأصل ولما لم ينبه عليه علم أن صلاة النبي ﷺ هذه الصلوات الخمس صلاة مفرودة كل صلاة في وقتها، الظهر والعصر والعشاء قصراً لحديث أنس الثابت في الصحيحين أن النبي ﷺ خرج عام حجة الوداع ولم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة (١) وأنس ﵁ له خبرة بأحوال النبي ﷺ لأنه خادمه. وقوله: «أمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما

стр. 47

كانت قريش تصنع في الجاهلية» قريش لحميتها الجاهلية وتعصبها لا تقف يوم عرفة إلا في مزدلفة تقول نحن أهل الحرم فلا نخرج إلى الحل وأما بقية الناس فيقفون في عرفة لكن النبي ﷺ جدد الحج على مشاعر إبراهيم ﵊. وقوله: «فأجاز حتى أتى عرفة» أجاز بمعنى تعدى يعني جاوز مزدلفة إلى عرفة. وقوله: «فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها» أجاز النبي ﷺ حتى أتى عرفة وكان قد أمر أن تضرب له قبة بنمرة (١) وهي قرية قرب عرفة فضربت له القبة بنمرة فنزل بها حتى زالت الشمس وهذا النزول فيه استراحة بعد التعب من المشي من منى إلى عرفة لأن هذه هي أطول مسافة في الحج - من منى إلى عرفة - فبقي النبي ﷺ هناك واستراح. وظاهر السياق أن نمرة من عرفة لأنه قال: «حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة» وهذا يدل على أن نمرة من عرفة وأنها جزء منها فتكون نمرة اسم لمكان معين من

стр. 48

عرفة. وهذا أحد القولين لأهل اللغة وأهل الفقه فإن أهل اللغة وأهل الفقه اختلفوا هل نمرة من عرفة أم لا؟ فجزم النووي ﵀ (١) وجماعة بأنها ليست من عرفة وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀ وهذا هو الصواب لأن النبي ﷺ أذن ببناء الخيمة فيها ولو كانت مشعراً لم يأذن ببناء الخيمة فيها ولهذا ما بني له خيمة في عرفة ولا بني له خيمة في منى حتى إنه يروى أنه قيل له ألا نبني لك خيمة في منى فقال: (لا منى مناخ من سبق) (٢) هكذا روي عنه وكونه يأذن أن يبنى له خيمة في نمرة يدل على أنها ليست من المشاعر وإلا لما أذن فيها. وأما قوله «حتى أتى عرفة» فمعناه بيان لمنتهى تجاوزه وأنه لم يقف بمزدلفة كما كانت قريش تفعل بل تجاوزها حتى بلغ عرفة التي هي موقف الناس كما قال الله تعالى:) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ((٣) والناس يفيضون من عرفة ولهذا لم يقل: «فوجد القبة قد ضربت بها في نمرة» .

стр. 49

وذهب آخرون إلى أنها من عرفة وهو قول جماعة من أهل الفقه ومن أهل اللغة أيضا كما في القاموس (١) وسيأتي إن شاء الله ما يترتب على هذا الخلاف من الحكم في الفوائد. فإن قال قائل: أين تقع نمرة؟ قلنا: تقع نمرة على حدود الحرم عند الجبل الذي يكون على يمينك وأنت سائر إلى عرفة من الطريق الذي يخرج على المسجد ويقولون إن نمرة عند أعلام الحرم وهذا ما جزم به الأزرقي ﵀ صاحب تاريخ مكة (٢) . وقوله: «فوجد القبة» القبة خيمة من صوف أو غيره ضربت للرسول ﷺ فنزل بها واستراح. وقوله: «حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له» زاغت: بمعنى مالت إلى الغرب والقصواء اسم ناقته التي حج عليها صلوات الله وسلامه عليه. وقوله: «فرحلت له» أي جعل رحلها عليها وفيه دليل على أنه قد نزل الرحل عنها لأنه استراح من أول النهار إلى زوال الشمس وهذه مدة طويلة. وقوله: «فأتى بطن الوادي» يعني وادي عرنة نزل فيه عليه

стр. 50

الصلاة والسلام لأنه أسهل من الأرض الجرداء إذ إن مجرى الوادي سهل لين. ففي هذا دليل على طلب السهل في النزول ولكن لا يبيت الإنسان في مجاري السيول لأن السيول قد تأتي بدون شعور فيكون في ذلك ضرر ولهذا نهي عن الإقامة فيها، أما إقامة النبي ﷺ هنا فإنها إقامة قصيرة يسيرة. وقوله: «فخطب الناس» خطبهم خطبة عظيمة بليغة قرر فيها قواعد الإسلام (١) فقال ﵊: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» أكد التحريم ﵊ تحريم الدماء والأموال بهذا التأكيد كحرمة يومكم هذا وهو يوم عرفة فإنه يوم حرام لأنه من جملة أيام الحج والناس فيه محرمون. وقوله: «في شهركم هذا» يعني شهر ذي الحجة لأنه من الأشهر الحرم بل هو أوسط الأشهر الحرم الثلاثة المقترنة. وقوله: «في بلدكم هذا» يعني مكة فإنه لا شك أنه أعظم البلاد حرمة هي مكة. وقوله: «ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع» يعني موضوع تحت القدم وهذا كناية عن إبطاله وإهانته لأن الناس جرت العادة أن الشيء المكرم يقال على

стр. 51

الرأس والمهان يقال تحت القدم. والمعنى أنها باطلة مهينة لا عبرة بها. وهذا عام في جميع أمور الجاهلية كلطم الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية وغير ذلك. وعلى هذا فيكون كل أمور الجاهلية قد محيت بهذا الحديث ولا اعتماد عليها ولا رجوع إليها. وقوله: «ودماء الجاهلية موضوعة» أي الدماء التي حصلت بين أهل الجاهلية كلها موضوعة لا حكم لها ولا قصاص ولا دية ولا شيء. وقوله: «وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث» يعني ابن عمه ﵊ وضعه الرسول ﷺ لأنه أولى الناس به، أولى بالمؤمنين من أنفسهم فوضعه. وقوله: «فقال كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل» فهذا قريب النبي ﷺ ابن عمه أهدر النبي ﷺ دمه وجعله موضوعا يعني فلا يطالب به، كل هذا لئلا يعود الناس إلى أمور الجاهلية فيطالبون ما كان بينهم من أمور الجاهلية من دماء أو أموال. وقوله: «وربا الجاهلية موضوع، وإن أول ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله» . كل ربا الجاهلية موضوع أبطله النبي ﷺ وأول ما أبطل من الربا ربا أقاربه ربا عباس بن عبد المطلب ﵁ وكان

стр. 52

غنياً يرابي فوضع النبي ﷺ رباه كله، وهذا تحقيق لقوله تعالى:) وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ ((١) . ثم انتقل ﷺ إلى قضية المرأة التي كانت في الجاهلية مظلومة، وكان الرجال يستعبدون النساء حتى تصل بهم الحال إلى أن يمنعوهن من الميراث ويقولون لا إرث للمرأة الإرث للرجال لأنهم هم الذين يذودون عن البلاد ويحمون الأعراض. أما المرأة فليس لها ميراث، ولكن الإسلام حكم بالعدل في النساء وأعطاهن حقهن. من ذلك إعلان النبي ﷺ هذه الخطبة في قوله «فاتقوا الله في النساء» أي لا تظلموهن ولا تقصروا في حقوقهن ولا تعتدوا عليهن. وقوله: «فإنكم أخذتموهن بأمان الله» أي أمانة عندكم لا يجوز الغدر فيها ولا الخيانة. وقوله: «واستحللتم فروجهن بكلمة الله» كقوله تعالى) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ((٢) فهذه من كلمات الله التي استحل بها الرجلُ فرجَ امرأته.

стр. 53

وقوله: «ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه» هذا من حق الزوج على زوجته أن لا توطئ فراشه أحداً يكرهه. والمراد بالفراش ما هو أعم من فراش النوم فيدخل في ذلك فراش البيت ويدخل في ذلك أيضاً ما كان وسيلة إليه كإدخال أحد بيت زوجها وهو يكرهه سواء كان من أقاربها أو من الأباعد فلا يحل للمرأة أن تدخل أحداً بيت زوجها وهو لا يرضى بذلك. وقوله: «فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح» يعني إذا أدخلن في بيوتكم من تكرهونه فاضربوهن. وهنا قال ﷺ اضربوهن وفي القرآن الكريم يقول الله ﵎:) وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ((١) والفرق بينهما أن الآية قال الله فيها) وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ (وأما هذا الحديث فقد وقعت المفسدة محققة منها فتضرب على ما مضى إصلاحا للمستقبل، الإصلاح هو قوله) فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ (. لكن هذا تأديب وتعزير على ما وقع من المرأة حيث أوطأت فراش زوجها من يكرهه لكنه ضرب غير مبرح أي غير شديد ولا جارح لجسدها، بل هو ضرب خفيف يحصل به التأديب وبيان سلطة الرجل عليها.

стр. 54

وقوله: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» الرزق العطاء وهو ما يقوم به البدن من طعام وشراب. وقوله: «وكسوتهن» أي ما يستر به ظاهر الجسد فهو على الزوج لكن بالمعروف. وقوله: «بالمعروف» أي بما يتعارفه الناس مما يكون على الزوج الغني حسب غناه والفقير حسب فقره. واختلف العلماء ﵏ هل المعتبر حال الزوج أو حال الزوجة أو حالهما. فالمشهور من المذهب أن المعتبر حالهما. والقول الثاني أن المعتبر حال الزوج. والقول الثالث أن المعتبر حال الزوجة. والصواب أن المعتبر حال الزوج لقول الله تعالى) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ((١) فالغنية مع الغني نفقتها نفقة غني والفقيرة مع الفقير نفقتها نفقة فقير والمتوسطة مع المتوسط نفقتها نفقة المتوسط وهذا واضح تتفق فيه الأقوال. والغنية مع الفقير نفقة فقير على القول بأن المعتبر حال الزوج، ونفقة غني على القول بأن المعتبر حال الزوجة ونفقة متوسط على القول بأن المعتبر حالهما لكن الصحيح أن

стр. 55

المعتبر حال الزوج. ويفهم من هذا الحديث أنه لا نفقة للزوج على الزوجة ولو كانت غنية وهو فقير لأن النبي ﷺ أعلن في هذا المجمع أن الإنفاق على الزوج خلافاً لابن حزم ﵀ حيث قال إذا كان الزوج فقيراً والزوجة غنية فإنه يلزمها أن تنفق عليه لعموم قوله تعالى:) وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ((١) والزوجة وارث للزوج فيلزمها أن تنفق عليه. فيقال نعم فيما إذا كان الإنفاق من أجل المواساة أما إذا كان معاوضة فلا يمكن أن نلزم الزوجة بالإنفاق على زوجها لأن المستمتع الزوج. ولهذا سمي المهر أجراً كأنه دفعه المستأجر إلى الأجير فالإنفاق عليها معاوضة وليس من باب المواساة. أما لو كان من باب المواساة كالإنفاق بين الأقارب فنعم يجب على الغني أن ينفق على الفقير. وقوله: «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله» هذا فيه بيان بعد الإجمال والبيان بعد الإجمال من أساس البلاغة لأن الشيء إذا جاء مجملاً تشوفت النفوس إلى بيانه فقد قال: ما إن اعتصمتم به لن تضلوا بعده فتتشوف النفوس ما هذا؟ فقال ﷺ «كتاب الله» يعني هو كتاب الله وهو القرآن الكريم وأضيف إلى الله لآن الله هو الذي أنزله وهو

стр. 56

الذي تكلم به وسمي كتاباً لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ وفي الصحف التي بأيدي الملائكة وفي الصحف التي بأيدينا. وقوله: «وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون» يسألون عن النبي ﷺ يوم القيامة هل بلغكم رسولي؟. وإنما يسألُ الناس عن ذلك إقامة للحجة عليهم وإلا فالرب يعلم أن رسوله بلغ البلاغ المبين صلوات الله وسلامه عليه فهو شبيه بقوله تعالى:) وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ((١) هي لا تسأل لأجل أن تعذب ولكنه توبيخ لمن وأدها. وقوله: «ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر» أذن يعني أمر بالأذان وكذلك في الإقامة لأن مؤذنه إذ ذاك بلال رضي اله عنه أمره أن يؤذن بعد الخطبة ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر وكان ذلك يوم جمعة ولكن لم يصل الجمعة لأنه ليس من هدي الرسول ﷺ أن يقيم الجمعة في السفر ومن أقام الجمعة في السفر فهو مبتدع وصلاته باطلة وهذا يدل على قصور نظر بعض الناس الذين قالوا إن الجمعة واجبة في الحضر والسفر. فإن قال قائل: ما الدليل على أنها لا تجب في السفر مع أن ما وجب في السفر وجب في الحضر وما وجب في الحضر وجب في السفر؟

стр. 57

فالجواب: هذا النبي ﷺ يصلي في السفر وكم مر عليه من جمعة؟ كثير ومع ذلك لم ينقل عنه حديث صحيح ولا ضعيف أنه كان يقيم الجمعة في السفر فمن أقام الجمعة في السفر فهو مبتدع بلا شك مخالف لهدي النبي ﷺ وصلاته باطلة. فهذا النبي ﷺ في أعظم جمع اجتمع به في أمته في حجة الوداع أتت عليه الجمعة وهو في أفضل يوم وهو يوم عرفة ومع ذلك ما أقام الجمعة ولو كانت مشروعة فهل يدعها الرسول ﷺ ؟ ! أبداً لا يمكن فلما لم يفعلها مع وجود السبب المقتضي لها علم أنها ليست مشروعة وأنها ليست من دين الله ولهذا بدأ بالخطبة قبل الأذان وصلاة الجمعة يبدأ بالأذان قبل الخطبة وأيضا يقول: «فصلى الظهر» وهذا صريح ثم «أقام وصلى العصر» وكان ذلك يوم الجمعة وهذا بخلاف المسافر المقيم في بلد تقام فيه الجمعة فإن ظاهر النصوص وجوبها عليه لعموم الأدلة ولأنه قد يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً لكن إن تضرر بالتأخر للجمعة أو خاف فوت رفقته فهو معذور في تركها. وقوله: «ولم يصل بينهما شيئا» لأنه ليس من المشروع أن يتطوع الإنسان براتبة الظهر في السفر ولهذا ما صلى النبي ﷺ راتبة الظهر التي بعدها كما لم يصل التي قبلها.

стр. 58

وقوله: «ثم ركب حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس» قوله: «ركب» أي من مكانه الذي صلى فيه ركب ناقته «حتى أتى الموقف» (أل) هنا للعهد الذهني أي الموقف الذي اختار أن يقف فيه وإلا فإن عرفة كلها موقف كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف» (١) لكن أتى الموقف الذي اختار أن يقف فيه وهو شرقي عرفة عند الصخرات. والحكمة من ذهاب النبي ﷺ إلى ذلك الموقف لأنه والله أعلم كان ﵊ من عادته أن يكون في أخريات القوم يتفقد من احتاج إلى معونة أو مساعدة أو ما شابه ذلك وليس هذا من أجل اختصاص هذا المكان المعين بخصيصة بل كل عرفة موقف ولهذا قال: وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف. وقوله: «فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات» يعني يلي الصخرات. وهي معروفة إلى الآن لا تزال موجودة. وقوله: «وجعل حبل المشاة بين يديه» حبل المشاة قال

стр. 59

العلماء ﵏: إنه طريقهم الذي يمشون معه وسمي حبلا لأنه كان رملا والأقدام تؤثر فيه فالطريق الذي أثرت فيه الأقدام كأنه حبل. وقوله: «واستقبل القبلة» يدعو الله رافعاً يديه مبتهلاً إلى الله بالذكر والدعاء والإنابة والخشوع حتى إنه سقط زمام راحلته فأمسكه بإحدى يديه وهو رافع الأخرى. وهذا يدل على تأكد رفع اليدين هنا. وقوله: «فلم يزل واقفا» المراد بالوقوف هنا المكث، لا الوقوف على القدمين، فالقاعد يعتبر واقفاً والوقوف قد يراد به السكون لا القيام ومعلوم أن الراكب على البعير جالس عليها ليس واقفاً عليها. وهل الأفضل أن يقف راكباً. أو أن يقف غير راكب؟ سيأتي ذلك في الفوائد إن شاء الله. وقوله: «فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس» لم يزل واقفاً منذ أن وصل إلى موقفه بعد الصلاة وبعد المسير من عرنة إلى الموقف حتى غربت الشمس ولم يمل ولم يتعب من طول القيام ولكن الله أعانه على طاعته عوناً لم يحصل لأحد مثله ﵊. ثم إنه في هذا الموقف سئل عن رجل وقصته ناقته وهو واقف بعرفة ومات فقال ﷺ «اغسلوه بماء وسدر وكفنوه

стр. 60

في ثوبيه ولا تخمروا رأسه ولا تحنطوه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً» (١) . فقوله: «وكفنوه في ثوبيه» يعني ثياب الإحرام فلا يكفن بغيرها، ولو تيسر أن يكفن بغيرها بل الأفضل والسنة أن يكفن بها لأنه سيخرج من قبره يوم القيامة يقول: لبيك اللهم لبيك. وقوله: «وذهبت الصفرة قليلاً» يعني لم تذهب نهائيا بل ذهبت قليلا لأنه إذا غابت الشمس واستحكم غروبها قلت الصفرة. وقوله: «حتى غاب القرص» هذا تأكيد لقوله: «حتى غربت الشمس» لأنه قد يتوهم واهم أن المراد بغروب الشمس غروب بعضها فأكد ذلك بقوله: «حتى غاب القرص» ويفهم منه كون الجو صحواً ليس فيه سحاب يحول بين الناس ورؤية الشمس عند غروبها. وقوله: «وأردف أسامة خلفه» أردف أسامة بن زيد ﵁ ولم يردف كبار الصحابة ﵃ ولا أقاربه أو كبار أقاربه. مسألة: هل يلزم من إرداف النبي ﷺ لأسامة ﵁ أن يكون أفضل من غيره؟

стр. 61

الجواب: لا يلزم من فضيلة أسامة ﵁ بهذه الخصيصة أن يكون أفضل من غيره مطلقاً، لأن الفضل منه ما هو مقيد ومنه ما هو مطلق فأفضل الصحابة على الإطلاق أبو بكر ﵁. ولكن لا يلزم أن يفضله غيره في بعض الخصائص كما قال ﵊ لعلي بن أبي طالب ﵁: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي هذه خصيصة لم تكن لغيره ﵁. وقوله: «ودفع وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى يا أيها الناس السكينة السكينة وكلما أتى حبلاً من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد» القصواء ناقته شنق لها الزمام يعني خنقه وضيقه وجذبه لكيلا تسرع حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ومورك الرحل هو الذي يضع الراكب رجله عليه إذا تعب أو ملّ من الركوب وهو يقول للناس بيده اليمنى يا أيها الناس السكينة السكينة لأنه جرت عادة الناس منذ زمن طويل أنهم عند الدفع يندفعون ويسرعون يتبادرون النهار من جهة ولأن الإنسان خلق من عجل وصفته العجلة قال الله تعالى:) خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ ((١) وقال تعالى) وَكَانَ

стр. 62

الْأِنْسَانُ عَجُولاً ((١) فأصل إمداده وإعداده كله عجلة. وقوله: «السكينة السكينة» بالنصب أي الزموا السكينة يعني لا تسرعوا لا تعجلوا وقد جاء في حديث آخر «فإن البر ليس بالإيضاع» (٢) يعني ليس بالسرعة. وقوله: «وكلما أتى حبلاً من الحبال أرخى لها قليلاً حتى تصعد» يعني إذا أتى دعثاً أو رملاً أرخى لها قليلاً حتى تصعد رأفة بالبعير لأنه لو شنق لها الزمام وأمامها شيء مرتفع وفيه شيء من الدعث والرمل صعب عليها فيرخي لها النبي ﷺ قليلا حتى تصعد. وقوله: «حتى أتى مزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين» المزدلفة من الإزدلاف وهو القرب وتسمى جمعاً لأن الناس يجتمعون فيها بعد الوقوف بعرفة وكانوا أيضاً يجتمعون بها من قبل لما كانت قريش لا تخرج إلى عرفة بل تقف في مزدلفة وتقول: إننا أهل الحرم فلا نخرج عنه. فصلى النبي ﷺ بها المغرب والعشاء جمع تأخير؛ لأنه ﷺ كان واقفاً في أقصى عرفة من الناحية الشرقية ثم دفع حتى

стр. 63

أتى المزدلفة. وبين عرفة ومزدلفة مسافة كثيرة والرسول ﷺ قد شنق للقصواء الزمام وهو يقول للناس: السكينة السكينة وهذه المسافة لا شك أنها ستستوعب مدة صلاة المغرب فلم يصل إلا بعد دخول وقت صلاة العشاء لا سيما وأنه وقف في أثناء الطريق وبال وتوضأ وضوءاً خفيفاً كما في حديث أسامة ﵁ (١) . إذاً جَمْعُ الرسول ﷺ كان جمعَ تأخير ولهذا قال العلماء ﵏ يسن أن يجمع في مزدلفة جمع تأخير وقيد بعضهم ذلك فقال: إن لم يوافها وقت المغرب يعني فإن وافاها وقت المغرب فإنه يصلي المغرب في وقتها. وقوله: «بأذان واحد وإقامتين» وهذا هو الصحيح في الجمع أنه أذان واحد للصلاتين جميعا وإقامتان، لكل صلاة إقامة، والمؤذن بلال ﵁ فالأذان للإعلام بحضور وقت الصلاة وهو للمجموعتين وقت واحد. والإقامة للإعلام بالقيام للصلاة ولكل صلاة قيام خاص. وقوله: «ولم يسبح بينهما شيئاً» يسبح أي: يصلي والصلاة تسمى تسبيحاً من باب إطلاق البعض على الكل وأطلق التسبيح عليها لأن التسبيح ركن فيها أو واجب فيها

стр. 64

وهنا قاعدة مهمة مفيدة وهي أنه إذا عبر عن العبادة ببعضها كان ذلك دليلا على أن هذا البعض واجب فيها إذاً لم يسبح أي: لم يتنفل بينهما بشيء. و قوله: «ثم اضطجع حتى طلع الفجر وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة» . قوله: «ثم اضطجع» أي نام ﵊ حتى طلع الفجر وهذا من حسن رعايته لنفسه تحقيقا لقوله ﷺ : «إن لنفسك عليك حقا» (١) ومعلوم أن من عمل كعمل الرسول ﷺ فلا بد أن يتعب ويحتاج إلى الراحة وإلى النوم. والنوم إذا كان لرعاية النفس كان الإنسان مأجوراً عليه. فالرسول ﷺ أقام بنمرة ودفع منها حين زالت الشمس وخطب الناس وصلى وذهب إلى الموقف ووقف ولم ينم ﷺ ثم مشى من عرفة إلى مزدلفة كل هذا يحتاج إلى طاقة وراحة فاضطجع ﷺ ولم يتهجد تلك الليلة. وقوله: «ثم اضطجع حتى طلع الفجر» لم يذكر جابر ﵁ الوتر فهل النبي ﷺ لم يوتر؟ قد يقول قائل: إنه لم يوتر لأن جابراً كان متتبعاً لأفعال النبي ﷺ وقد يقال: إن

стр. 65

جابراً ﵁ سكت عنه لأنه لا يدري ولهذا لما لم يتنفل بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء نفى وقال: لم يسبح بينهما شيئا فلما لم ينف الوتر دل على أن جابراً ﵁ لم يحط به علما وعلى هذا فنرجع إلى الأحاديث الدالة على أن الرسول ﷺ لم يكن يدع الوتر حضراً ولا سفراً وعليه فنقول يوتر إن شاء قبل أن ينام وإن شاء في آخر الليل حسب قوته ونشاطه. وقوله: «وصلى الفجر» لم يذكر جابر ﵁ أيضا سنة الفجر فهل الرسول ﷺ لم يصلها؟ نقول لو كان عند جابر ﵁ علم بأنه لم يصلها لنفاها كما نفى الصلاة بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء فإذا كان حديث جابر ﵁ لا يدل على نفيها فإن حديث عائشة ﵂ الثابت في الصحيح أنه لم يكن يدعهما أي الركعتين قبل الفجر حضراً ولا سفراً (١) يفيد أن الإنسان يصلي الركعتين في فجر يوم العيد. وقوله: «حين تبين له الصبح» يعني ظهر واتضح لأنه لا تجوز الصلاة مع الشك في الصبح بل لا بد أن يتبين فإن كان

стр. 66

ثَمَّ غيم فإذا غلب على ظنه أنه خرج الفجر صلى كما سنذكره في الفوائد إن شاء الله تعالى. وقوله: «ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام» هذا يدل على أن النبي ﷺ لم يكن مبيتُه في مزدلفة في نفس المشعر الحرام بل في مكان آخر ولهذا لما صلى الفجر أمر بالقصواء فرحلت له ثم أتى المشعر الحرام. والمشعر الحرام هو المكان الذي فيه المصلى الآن في مزدلفة وسمي مشعراً حراماً لأنه داخل الحرم فهل هناك مشعر حلا ل فيكون الوصف للقيد أو ليس هناك مشعر حلال فيكون الوصف لبيان الواقع؟ الجواب: قال العلماء ﵏ بل هناك مشعر حلال وهو عرفة وهو أعظم مشاعر الحج فإذا لدينا مشعر حرام وهو مزدلفة ومشعر حلال وهو عرفة. وقوله: «فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله» استقبل القبلة يعني جعل وجهه إلى القبلة «ودعاه» الضمير يعود على الله. فإذا قال قائل لم يسبق له ذكر؟ نقول: هذا معلوم بالذهن والمعلوم بالذهن كالمعلوم بالذكر. أما الدعاء فمعروف هو طلب الحاجة وأما التكبير فقول الله أكبر والتهليل قول لا إله إلا الله. وقوله: «فلم يزل واقفاً حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس» لم يزل واقفا يعني على بعيره لقوله فيما سبق

стр. 67

«ركب حتى أتى» . وقوله: «حتى أسفر جدا» يعني إسفاراً بالغاً ليس مجرد إسفار بل انتشر السفر وبان وظهر. وقوله: «فدفع قبل أن تطلع الشمس» أي لم ينتظر طلوع الشمس فسار من مزدلفة ليخالف المشركين لأن المشركين كانوا ينتظرون في مزدلفة إلى أن تطلع الشمس وكانوا يقولون: «أَشْرِقْ ثَبِيْر كيما نُغير» أيْ: كي نغير وندفع فخالفهم النبي ﷺ في الدفعين الدفع من عرفة والدفع من مزدلفة فمن عرفة دفع بعد الغروب ومن مزدلفة دفع قبل الشروق. وقوله: «وأردف الفضل بن عباس» وذلك حين دفع من مزدلفة إلى منى يوم العيد والنبي ﷺ أردف في دفعه من عرفة إلى مزدلفة أسامة بن زيد ﵄ وأردف في دفعه من مزدلفة إلى منى الفضل بن عباس ﵄ وهؤلاء ليسوا من كبار القوم فأسامة ابن مولى رسول الله ﷺ زيد بن حارثة فلم يختر النبي ﷺ أشراف القوم ووجهاءهم ليردفهم على ناقته بل اختار من صغار القوم في السن واختار المولى يردفه من عرفة إلى مزدلفة لأن الرسول ﷺ لا يعتني بمظاهر التعظيم ولا تهمه بل كان من عادته ﵊ أن يكون في أخريات القوم يتفقدهم وينظر من يحتاج إلى أمر. وقصة جابر في جمله واضحة فإن جابر بن

стр. 68

عبد الله ﵄ كان معه جمل ضعيف لا يمشي يقول: فلحقني رسول الله ﷺ فضربه ودعا له فسار الجمل سيرا لم يسر مثله قط حتى صار الجمل يكون في مقدمة القوم وجابر يرده لأن الرسول ﷺ دعا له فقال له النبي ﷺ أتبيعني إياه؟ قال: نعم قال بعنيه بأوقية. والأوقية أربعون درهما قال: لا فقال: بعنيه فباعه فاشترط أن يحمله إلى أهله في المدينة فأعطاه النبي ﷺ شرطه فلما وصلا إلى المدينة دفع إليه النبي ﷺ الثمن وقال له: خذ جملك ودراهمك هو لك (١) . وقوله: «حتى أتى بطن محسر فحرك قليلاً» يعني حرك ناقته ﵊ حين بلغ بطن محسر (٢) . ومحسر واد عظيم يفصل بين مزدلفة ومنى وبهذا نعرف أن ما بين المشاعر أودية. فبين المشعر الحرام والمشعر الحلال واد وهو وادي عرنة. وبين المشعرين الحرامين منى ومزدلفة واد وهو وادي

стр. 69

محسر. واختلف العلماء ﵏ في سبب الإسراع فقال بعضهم: أسرع لأن بطن الوادي يكون لينا يحتاج لأن يحرك الإنسان بعيره لأن مشي البعير على الأرض الصلبة أسرع من مشيه على الأرض الرخوة فحرك من أجل أن يتساوى سيرها في الأرض الصلبة وسيرها في الأرض الرخوة. وعلى هذا فالملاحظ هنا هو مصلحة السير فقط. وقيل: أسرع لأن الله أهلك فيه أصحاب الفيل فينبغي أن يسرع لأن المشروع للإنسان إذا مر بأراضي العذاب أن يسرع كما فعل النبي ﷺ (حين مر بديار ثمود في غزوة تبوك زجر الناقة ﵊ وقنع رأسه وأسرع) (١) وبعض الناس اليوم يتخذ هذه الأماكن أعني ديار ثمود سياحة ونزهة - والعياذ بالله - مع أن رسول الله ﷺ أسرع فيها وقال: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم» ففي عملهم خطر عظيم لأن الإنسان إذا دخل على هؤلاء بهذه الصفة فقلبه يكون غير لين فيكون قاسيا مع مشاهدته آثار العذاب وحينئذ يصيبه ما أصابهم من التكذيب

стр. 70

والتولي. هذا معنى الحديث وليس المراد أن يصيبكم العذاب والزجر الحسي فقد يراد به العذاب والزجر المعنوي وهو أن يقسو قلب الإنسان فيكذب بالخبر ويتولى عن الأمر. والذين يذهبون إلى النزهة أو الفرجة، الظاهر أنهم للضحك أقرب منهم للبكاء. فنسأل الله لنا ولهم العبرة والهداية. وتعليل إسراع النبي ﷺ في وادي محسر بذلك فيه نظر لأن أصحاب الفيل لم يهلكوا هنا بل في مكان يقال له المغمس (١) حول الأبطح وفي هذا يقول الشاعر الجاهلي أمية بن أبي الصلت: حبس الفيل بالمغمس حتى ... ظل يحبو كأنه معقور وقال بعض العلماء ﵏: إن النبي ﷺ أسرع لأنهم كانوا في الجاهلية يقفون في هذا الوادي ويذكرون أمجاد آبائهم. فأراد النبي ﷺ أن يخالفهم كما خالفهم في الخروج من عرفة وفي الخروج من مزدلفة ولعل هذا أقرب التعاليل ولهذا قال الله تعالى) فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا

стр. 71

هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (ثم قال) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً ((١) . وقوله: «ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى» في منى ثلاثة طرق في عهد النبي ﷺ ، شرقي وغربي ووسط فسلك النبي ﷺ الطريق الوسطى بين الطريقين وإنما سلكها لأنها كانت أقرب إلى رمي جمرة العقبة ولأنها هي التي تخرج على جمرة العقبة قصداً ليرميها حين وصوله إلى منى ولهذا رماها النبي ﷺ قبل أن يذهب إلى رحله وينزل من بعيره رماها وهو على بعيره وكان معه أسامة وبلال ﵄ أحدهما يقود راحلته والثاني يظلله بثوب يستره من الحر حتى رمى الجمرة صلوات الله وسلامه عليه. قال أهل العلم: وإنما بادر بذلك لأن رمي جمرة العقبة تحية منى، فهي بمنزلة ركعتي المسجد. ولم يذكر جابر ﵁ من أين لقط حصى الجمرات ولكن نعلم أنه لم يلقطها من مزدلفة لأنه اضطجع حتى طلع الفجر ثم ذهب إلى المشعر الحرام ثم دفع منها لكن هل لقطها من الطريق أو لقطها حين وقف على الجمرة، حديث ابن

стр. 72

عباس (١) ﵄ في هذا محتمل أنه لقطها من الطريق أو لقطها حين وقف على الجمرة الله أعلم. وعلى كل حال فالذي ينبغي أن يكون الإنسان مستعداً بالحصى حتى إذا وصل إلى الجمرة رماها. وقوله: «التي تخرج على الجمرة الكبرى» وصفها بالكبرى بالنسبة لما قبلها من الجمرات وهي الأولى والوسطى فإنها كبرى بالنسبة لهما وهي أوسعهن حوضا لكن نظرا لكونها في الجبل لم يكن حوضها دائراً عليها. وقوله: «حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة» وهي الكبرى، وهي شجرة معروفة في ذلك الزمن لكنها الآن ليست موجودة. وقوله: «فرماها بسبع حصيات» رمى الجمرة بسبع حصيات، والجمرة سميت بذلك من قولهم تجمر القوم إذا اجتمعوا لأن الناس يجتمعون عليها للرمي. وقيل: إنها من الجمار وهي الحصى الصغار لأنها ترمى بها. ويمكن أن نقول: إنها سميت بذلك مراعاة للمعنيين جميعا لأن الناس

стр. 73

يتجمرون عندها أي يتجمعون ولأنها ترمى بالجمار أي بالحصى الصغار. وقوله: «فرماها بسبع حصيات» قد يفهم منه: أنه لا بد أن يرمي الشاخص (العمود القائم) ولكنه غير مراد بل المقصود أن تقع الحصاة في الحوض، سواء ضربت العمود أم لم تضربه. ورمي الجمرات الحكمة منه: إقامة ذكر الله كما في حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله» (١) ولهذا يشرع أن يكبر عند رمي كل حصاة من أجل أن يعظم الله تعالى بلسانه كما هو معظم له بقلبه، لأن رمي الجمرات على هذا المكان أظهر ما فيه من المعنى المعقول هو التعبد لله وهذا كمال الانقياد إذ إن الإنسان لا يعرف معنى معقولاً واضحاً في رمي هذه الحصى في هذا المكان سوى أنه يتعبد لله بأمر وإن كان لا يعقل معناه على وجه التمام تعبداً لله تعالى وتذللاً له، وهذا هو كمال الخضوع لله ولهذا كان في رمي الجمار تعظيم لله باللسان وبالقلب. أما ما اشتهر عند الناس من أنهم يرمون الشياطين في هذه الجمرات فهذا لا أصل له، وإن كان قد روي عن ابن عباس

стр. 74

رضي الله عنهما بسند ضعيف أنه قال: (الشيطان ترمون) (١) فإنما يقصد بذلك إن صح عنه هذا الخبر أو هذا الأثر فالمراد أنكم تغيضون الشيطان برميكم هذه الجمرات حيث تعبدتم لله بمجرد أن أمركم به من غير أمر معقول لكم على وجه التمام. وما قيل أيضاً إن صح- من أن إبراهيم ﵊ كان الشيطان يعرض له في هذه المواقف ليحول بينه وبين تنفيذ أمر الله تعالى بذبح ولده فكان إبراهيم ﵊ يرميه بهذه الجمرات (٢) فإنه لا يستلزم أن يكون رمينا رمياً لإبليس لأن إبليس لم يتعرض لنا في هذه الأماكن، ونظير هذا أن السعي إنما شرع من أجل ما جرى لأم إسماعيل ﵂ ومعلوم أن تردد أم إسماعيل بين الصفا والمروة سببه طلب الغوث لعلها تجد من يكون حولها ويسقيها ويطعمها ونحن في سعينا لا نسعى لهذا الغرض. فكذلك رمي الجمرات، حتى لو صح أن إبراهيم عليه الصلاة

стр. 75

والسلام كان يرمي الشيطان بهذه الجمرات مع أنه بعيد، لأن الله جعل لنا دواء نرمي به الشيطان إذا عرض لنا وهو أن نستعيذ بالله منه) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ((١) . إذاً الحكمة من رمي الجمرات هو كمال التعبد لله تعالى والتعظيم لأمره، ولهذا يحصل ذكر الله بالقلب واللسان. فإن قال قائل: لماذا لم تكن خمساً أو ثلاثاً أو تسعاً أو إحدى عشرة حصاة؟ فالجواب: هذا ليس لنا الحق في أن نتكلم فيه كما أنه ليس لنا الحق أن نقول لماذا كانت الصلوات الخمس سبع عشرة ركعة؟ ولماذا لم تكن الظهر ستاً والعصر ستاً والعشاء ستاً مثلاً؟ نقول: هذا لا تدركه عقولنا وليس لنا فيه إلا مجرد التعبد. وقوله: «يكبر مع كل حصاة» والمعية تقتضي المصاحبة فيكبر عندما يرمي ويقذف. وقوله: «كل حصاة منها مثل حصى الخذف» حصى الخذف حصى صغير ليس بكبير، والخذف: هو أن تجعل الحصاة على ظفر الإبهام وتجعل فوقها السبابة. وقدر العلماء
следующие страницы →