بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مُضِلّ له؛ ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فإن الله - تعالى - بعث محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق؛ رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، وحجّة على العباد أجمعين؛ فأدى الأمانة، وبلّغ الرسالة، ونصح الأمة، وبيّن للناس جميع ما يحتاجون إليه في أصول دينهم وفروعه، فلم يدع خيراً إلا بيّنه وحثّ عليه، ولم يترك شرًّا إلا حذّر الأمة عنه، حتى ترك أمته على المحجّة البيضاء، ليلها كنهارها، فسار عليها أصحابه نيّرة مضيئة، وتلقاها عنهم كذلك القرون المفضلة، حتى تجهم الجو بظلمات البدع المتنوعة التي كاد بها مبتدعوها الإسلام وأهله، وصاروا يتخبطون فيها خبط عشواء، ويبنون معتقداتهم على نسج العنكبوت. والربّ - تعالى - يحمي دينه بأوليائه الذين وهبهم من الإيمان، والعلم، والحكمة ما به
стр. 2
يصدُّون هؤلاء الأعداء، ويردون كيدهم في نحورهم، فما قام أحد ببدعة إلا قيض الله - وله الحمد - من أهل السنة من يدحض بدعته، ويبطلها.
وكان في مقدمة القائمين على هؤلاء المبتدعة: شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني، ثم الدمشقي، المولود في حران يوم الاثنين الموافق ١٠ ربيع الأول سنة ٦٦١ هجرية، والمتوفى محبوساً ظلماً في قلعة دمشق في ذي القعدة سنة ٧٢٨ هجرية ﵀.
وله المؤلفات الكثيرة في بيان السنة، وتوطيد أركانها، وهدم البدع.
ومما ألّفه في هذا الباب رسالة "الفتوى الحموية" التي كتبها جواباً لسؤال ورد عليه في سنة ٦٩٨ هجرية مِنْ "حماة" بلد في الشام، يسأل فيه عما يقوله الفقهاء وأئمة الدين في آيات الصفات وأحاديثها؟ فأجاب بجواب يقع في حوالي ٨٣ صفحة، وحصل له بذلك محنة وبلاء، فجزاه الله - تعالى - عن الإسلام والمسلمين أفضل الجزاء.
ولما كان فهم هذا الجواب والإحاطة به مما يشق على كثير من قرائه أحببت أن ألخص المهم منه مع زيادات تدعو الحاجة إليها وسميته
стр. 3
"فتح رب البرية بتلخيص الحموية".
وقد طبعته لأول مرة في سنة ١٣٨٠ هجرية، وها أنا أعيد طبعه للمرة الثانية (١) ، وربما غيّرت ما رأيت من المصلحة تغييره من زيادة أو حذف.
والله أسأل أن يجعل عملنا خالصاً لوجهه ونافعاً لعباده إنه جواد كريم.
المؤلف
стр. 4
الباب الأول فيما يجب على العبد في دينه
الواجب على العبد في دينه هو اتباع ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله محمد ﷺ ، والخلفاء الراشدون المهديون من بعده من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان.
وذلك أن الله بعث محمداً ﷺ ، بالبينات والهدى، وأوجب على جميع الناس أن يؤمنوا به، ويتّبعوه ظاهراً وباطناً، فقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) ﴾ [الأعراف الاية١٥٨] .
وقال النبي ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" (١) .
والخلفاء الراشدون هم: الذين خلفوا النبي ﷺ في العلم النافع، والعمل الصالح، وأحق الناس بهذا الوصف هم
стр. 5
الصحابة ﵃، فإن الله اختارهم لصحبة نبيه ﷺ ، وإقامة دينه، ولم يكن الله - تعالى - ليختار - وهو العليم الحكيم - لصحبة نبيه إلا من هم أكمل الناس إيماناً، وأرجحهم عقولاً، وأقومهم عملاً، وأمضاهم عزماً، وأهداهم طريقاً، فكانوا أحق الناس أن يُتَّبَعُوا بعد نبيهم ﷺ ، ومن بعدهم أئمة الدين، الذين عُرفوا بالهدى والصلاح.
стр. 6
الباب الثاني فيما تضمنته رسالة النبي ﷺ من بيان الحق في أصول الدين وفروعه
رسالة النبي ﷺ تتضمن شيئين هما: العلم النافع، والعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) ﴾ [التوبة: الاية٣٣] .
فالهدى هو: العلم النافع. ودين الحق هو: العمل الصالح الذي اشتمل على الإخلاص لله، والمتابعة لرسوله ﷺ .
والعلم النافع يتضمن كل علم يكون للأمة فيه خير وصلاح في معاشها، ومعادها، وأول ما يدخل في ذلك العلم بأسماء الله وصفاته وأفعاله؛ فإن العلم بذلك أنفع العلوم. وهو زبدة الرسالة الإلهية، وخلاصة الدعوة النبوية، وبه قوام الدين قولاً، وعملاً، واعتقاداً.
ومن أجل هذا كان من المستحيل أن يهمله النبي ﷺ ، ولا
стр. 7
يبيّنه بياناً ظاهراً ينفي الشكّ، ويدفع الشبهة، وبيان استحالته من وجوه:
الأول - أن رسالة النبي ﷺ ، كانت مشتملة على النور والهدى؛ فإن الله بعثه بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً، حتى ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، وأعظم النور وأبلغه ما يحصل للقلب بمعرفة الله، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، فلا بد أن يكون النبي ﷺ ، قد بيّنه غاية البيان.
الثاني - أن النبي ﷺ علّم أمته جميع ما تحتاج إليه من أمور الدين والدنيا، حتى آداب الأكل، والشرب، والجلوس، والمنام وغير ذلك. قال أبو ذر ﵁: "لقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه إلا ذكر لنا منه علماً". ولا ريب أن العلم بالله، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، داخل تحت هذه الجملة العامة، بل هو أول ما يدخل فيه لشدة الحاجة إليه.
الثالث - أن الإيمان بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، هو أساس الدين، وخلاصة دعوة المرسلين، وهو أوجب وأفضل ما اكتسبته القلوب وأدركته العقول، فكيف يهمله النبي ﷺ ،
стр. 8
من غير تعليم ولا بيان مع أنه كان يعلم ما هو دونه في الأهمية والفضيلة؟!
الرابع - أن النبي ﷺ كان أعلم الناس بربه، وهو أنصحهم للخلق، وأبلغهم في البيان والفصاحة؛ فلا يمكن مع هذا المقتضى التام للبيان أن يترك باب الإيمان بالله وأسمائه وصفاته ملتبساً مشتبهاً.
الخامس - أن الصحابة ﵃ لا بدّ أن يكونوا قائلين بالحق في هذا الباب؛ لأن ضدّ ذلك إما السكوت، وإما القول بالباطل، وكلاهما ممتنع عليهم:
أمّا امتناع السكوت فوجهه: أن السكوت إمّا أن يكون عن جهل منهم بما يجبُ لله تعالى من الأسماء والصفات، وما يجوز عليه منها ويمتنع، وإمّا أن يكون عن علم منهم بذلك ولكن كتموه، وكل منهما ممتنع:
أما امتناع الجهل: فلأنه لا يمكن لأي قلب فيه حياة، ووعي وطلب للعلم، ونهمة في العبادة إلا أن يكون أكبر همّه هو البحث في الإيمان بالله تعالى، ومعرفته بأسمائه وصفاته، وتحقيق ذلك علماً واعتقاداً. ولا ريب أن القرون المفضلة وأفضلهم الصحابة هم أبلغ الناس في حياة القلوب، ومحبة الخير، وتحقيق العلوم
стр. 9
النافعة، كما قال النبي ﷺ : "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (١) . وهذه الخيرية تعم فضلهم في كل ما يُقرّب إلى الله من قول، وعمل، واعتقاد.
ثم لو فرضنا أنهم كانوا جاهلين بالحق في هذا الباب لكان جهل من بعدهم من باب أولى؛ لأن معرفة ما يُثْبَتُ لله تعالى من الأسماء والصفات، أو يُنْفَى عنه إنما تُتَلقَّى من طريق الرسالة، وهم الواسطة بين الرسول ﷺ وبين الأمة، وعلى هذا الفرض يلزم أن لا يكون عند أحد علم في هذا الباب، وهذا ظاهر الامتناع.
وأما امتناع كتمان الحق: فلأنّ كل عاقل منصف عرف حال الصحابة ﵃ وحرصهم على نشر العلم النافع، وتبليغه الأمة، فإنه لن يمكنه أن ينسب إليهم كتمان الحق - ولا سيما - في أوجب الأمور، وهو معرفة الله وأسمائه وصفاته.
ثم إنه قد جاء عنهم من قول الحق في هذا الباب شيء كثير يعرفه من طلبه وتتبّعه.
وأما امتناع القول بالباطل عليهم فمن وجهين:
أحدهما: أن القول بالباطل لا يمكن أن يقوم عليه دليل صحيح، ومن المعلوم أن الصحابة ﵃ أبعد الناس
стр. 10
عن القول فيما لم يقم عليه دليل صحيح، خصوصاً في أمر الإيمان بالله تعالى، وأمور الغيب، فهم أولى الناس بامتثال قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] . وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: الاية٣٣] .
ثانيهما: أن القول بالباطل إما أن يكون مصدره الجهل بالحق، وإما أن يكون مصدره إرادة ضلال الخلق، وكلاهما ممتنع في حق الصحابة ﵃.
أما امتناع الجهل فقد تقدّم بيانه.
وأما امتناع إرادة ضلال الخلق: فلأن إرادة ضلال الخلق قصد سيئ، لا يمكن أن يصدر من الصحابة الذين عرفوا بتمام النصح للأمة، ومحبة الخير لها.
ثم لو جاز عليهم سوء القصد فيما قالوه في هذا الباب، لجاز عليهم سوء القصد فيما يقولونه في سائر أبواب العلم والدين، فتعدم الثقة بأقوالهم وأخبارهم في هذا الباب وغيره، وهذا من أبطل الأقوال، لأنه يستلزم القدح في الشريعة كلها.
وإذا تبين أن الصحابة ﵃ لا بد أن يكونوا قائلين
стр. 11
بالحق في هذا الباب، فإنهم إما أن يكونوا قائلين ذلك بعقولهم، أو من طريق الوحي. والأول ممتنع؛ لأن العقل لا يدرك تفاصيل ما يجب لله تعالى من صفات الكمال، فتعين الثاني، وهو أن يكونوا تلقوا هذه العلوم من طريق رسالة النبي ﷺ ، فيلزم على هذا أن يكون النبي ﷺ ، قد بين الحق في أسماء الله وصفاته، وهذا هو المطلوب.
стр. 12
الباب الثالث في طريقة أهل السنة في أسماء الله وصفاته
أهل السنة والجماعة: هم الذين اجتمعوا على الأخذ بسنة النبي ﷺ ، والعمل بها ظاهراً وباطناً في القول والعمل والاعتقاد.
وطريقتهم في أسماء الله وصفاته كما يأتي:
أولاً - في الإثبات: فهي إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه، أو على لسان رسول الله ﷺ ، من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل.
ثانياً - في النفي: فطريقتهم نفي ما نفاه الله عن نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ ، مع اعتقادهم ثبوت كمال ضده لله تعالى.
ثالثاً - فيما لم يرد نفيه، ولا إثباته مما تنازع الناس فيه كالجسم، والحيز والجهة ونحو ذلك، فطريقتهم فيه التوقف في لفظه فلا يثبتونه، ولا ينفونه لعدم ورود ذلك، وأما معناه فيستفصلون عنه، فإن أُريد به باطل يُنزه الله عنه ردوه، وإن أريد به حق لا يمتنع على الله قبلوه.
стр. 13
وهذه الطريقة هي الطريقة الواجبة، وهي القول الوسط بين أهل التعطيل، وأهل التمثيل.
وقد دل على وجوبها العقل، والسمع:
فأما العقل: فوجه دلالته أن تفصيل القول فيما يجب، ويجوز، ويمتنع على الله تعالى لا يدرك إلا بالسمع، فوجب اتباع السمع في ذلك بإثبات ما أثبته، ونفي ما نفاه، والسكوت عما سكت عنه.
وأما السمع: فمن أدلته قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] ، وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] . وقوله: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] .
فالآية الأولى: دلت على وجوب الإثبات من غير تحريف ولا تعطيل؛ لأنهما من الإلحاد.
والآية الثانية: دلت على وجوب نفي التمثيل.
والآية الثالثة: دلت على وجوب نفي التكييف، وعلى وجوب التوقف فيما لم يرد إثباته أو نفيه.
وكل ما ثبت لله من الصفات فإنها صفات كمال، يحمد عليها، ويثنى بها عليه، وليس فيها نقص بوجه من الوجوه.
стр. 14
فجميع صفات الكمال ثابتة لله تعالى على أكمل وجه.
وكل ما نفاه الله عن نفسه فهو صفات نقص، تنافي كماله الواجب، فجميع صفات النقص ممتنعة على الله تعالى لوجوب كماله. وما نفاه الله عن نفسه فالمراد به انتفاء تلك الصفة المنفية وإثبات كمال ضدها، وذلك أن النفي لا يدل على الكمال حتى يكون متضمناً لصفة ثبوتية يحمد عليها، فإن مجرد النفي قد يكون سببه العجز فيكون نقصاً، كما في قول الشاعر:
قُبَيِّلَةٌ لا يغدِرُون بذِمَّةٍ ولا يَظْلمون الناسَ حبَّةَ خَرْدَلِ وقد يكون سببه عدم القابلية فلا يقتضي مدحاً، كما لو قلت: الجدار لا يظلم.
إذا تبين هذا فنقول: مما نفى الله عن نفسه الظلم، فالمراد به انتفاء الظلم عن الله مع ثبوت كمال ضده وهو العدل، ونفى عن نفسه اللغوب وهو التعب والإعياء، فالمراد نفي اللغوب مع ثبوت كمال ضده وهو القوة، وهكذا بقية ما نفاه الله عن نفسه، والله أعلم.
стр. 15
التحريف:
التحريف لغة: التغيير.
وفي الاصطلاح: تغيير النص لفظاً، أو معنى. والتغيير اللفظي قد يتغير معه المعنى، وقد لا يتغير، فهذه ثلاثة أقسام:
الأول - تحريف لفظي يتغير معه المعنى؛ كتحريف بعضهم قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء: ١٦٤] إلى نَصْب لفظ الجلالة؛ ليكون التكليم من موسى.
الثاني - وتحريف لفظي لا يتغير معه المعنى؛ كفتح الدال من قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ، وهذا في الغالب لا يقع إلا من جاهل إذ ليس فيه غرض مقصود لفاعله غالباً.
الثالث - وتحريف معنوي وهو: صرف اللفظ عن ظاهره بلا دليل؛ كتحريف معنى اليدين المضافتين إلى الله تعالى إلى القوة والنعمة، ونحو ذلك.
التعطيل:
التعطيل لغة: التفريغ والإخلاء.
وفي الاصطلاح هنا: إنكار ما يجب لله تعالى من الأسماء والصفات، أو إنكار بعضه فهو نوعان:
стр. 16
١ - تعطيل كلي؛ كتعطيل الجهمية الذين ينكرون الصفات، وغلاتهم ينكرون الأسماء أيضاً.
٢ - وتعطيل جزئي؛ كتعطيل الأشعرية الذين ينكرون بعض الصفات دون بعض. وأول من عُرف بالتعطيل من هذه الأمة هو الجعد بن درهم.
التكييف:
التكييف: حكاية كيفية الصفة؛ كقول القائل: كيفية يد الله، أو نزوله إلى السماء الدنيا كذا وكذا.
التمثيل، والتشبيه:
التمثيل: إثبات مثيل للشيء.
والتشبيه: إثبات مشابه له. فالتمثيل يقتضي المماثلة، وهي المساواة من كل وجه، والتشبيه يقتضي المشابهة، وهي المساواة في أكثر الصفات، وقد يطلق أحدهما على الآخر، والفرق بينهما وبين التكييف من وجهين:
أحدهما: أن التكييف أن يحكي كيفية الشيء سواء كانت مطلقة أم مقيدة بشبيه، وأما التّمثيل والتّشبيه فيدلان على كيفية مقيّدة بالمماثل والمشابه.
стр. 17
ومن هذا الوجه يكون التكييف أعم؛ لأن كل ممثِّل مكيّف، ولا عكس.
ثانيهما: أن التكييف يختص بالصفات، أما التمثيل فيكون في القَدْر والصفة والذات، ومن هذا الوجه يكون التمثيلُ أعم؛ لتعلقه بالذات والصفات والقدر.
ثم إن التشبيه الذي ضل به من ضل من الناس، على نوعين:
أحدهما - تشبيه المخلوق بالخالق.
والثاني - تشبيه الخالق بالمخلوق.
فأما تشبيه المخلوق بالخالق، فمعناه: إثبات شيء للمخلوق مما يختص به الخالق من الأفعال، والحقوق، والصفات.
الأول - كفعل من أشرك في الربوبية ممن زعم أن مع الله خالقاً.
الثاني - كفعل المشركين بأصنامهم، حيث زعموا أن لها حقًّا في الألوهية، فعبدوها مع الله.
الثالث - كفعل الغلاة في مدح النبي ﷺ ، أو غيره مثل قول المتنبي يمدح عبد الله بن يحيى البحتري:
فكن كما شئت يا من لا شبيه له وكيف شئت فما خلق يدانيكا وأما تشبيه الخالق بالمخلوق فمعناه: أن يثبت لله تعالى في
стр. 18
ذاته، أو صفاته من الخصائص مثل ما يثبت للمخلوق من ذلك، كقول القائل: إن يدي الله مثل أيدي المخلوقين، واستواءه على عرشه كاستوائهم، ونحو ذلك.
وقد قيل: إن أول من عرف بهذا النوع هشام بن الحكم الرافضي، والله أعلم.
الإلحاد:
الإلحاد في اللغة: الميل.
وفي الاصطلاح: الميل عما يجب اعتقاده، أو عمله. وهو قسمان:
أحدهما: في أسماء الله.
الثاني: في آياته.
فأما الإلحاد في أسمائه فهو: العدول عن الحق الواجب فيها، وهو أربعة أنواع:
١ - أن ينكر شيئاً منها، أو مما دلت عليه مِنَ الصفات، كما فعل المعطلة.
٢ - أن يجعلها دالة على تشبيه الله بخلقه، كما فعل المشبهة.
٣ - أن يسمي الله بما لم يسمِّ به نفسه؛ لأن أسماء الله توقيفية
стр. 19
كتسمية النصارى له (أباً) . وتسمية الفلاسفة إياه (علة فاعلة) . ونحو ذلك.
٤ - أنه يشتق من أسمائه أسماء للأصنام، كاشتقاق (اللات) من الإله. و (العزَّى) من العزيز.
وأما الإِلحاد في آياته: فيكون في الآيات الشرعية، وهي ما جاءت به الرسل من الأحكام، والأخبار، ويكون في الآيات الكونية، وهي ما خلقه الله، ويخلقه في السماوات والأرض.
فأما الإلحاد في الآيات الشرعية: فهو تحريفها، أو تكذيب أخبارها، أو عصيان أحكامها.
وأما الإلحاد في الآيات الكونية: فهو نسبتها إلى غير الله، أو اعتقاد شريك أو معين له فيها.
والإلحاد بقسميه حرام؛ لقوله تعالى مهدداً للملحدين: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] .
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠] .
ومن الإلحاد ما يكون كفراً حسب ما تقتضيه نصوص الكتاب والسنة.
стр. 20
الباب الرابع في بيان صحة مذهب السلف وبطلان القول بتفضيل مذهب الخلف في العلم والحكمة على مذهب السلف
سبق القول في بيان طريقة السلف، وذكر الدليل على وجوب الأخذ بها، أما هنا فإننا نُريد أن نُبرهن على أن مذهب السلف هو المذهب الصحيح؛ وذلك من وجهين:
الأول - أن مذهب السلف دل عليه الكتاب والسنة؛ فإن من تتبع طريقتهم بعلم وعدل؛ وجدها مطابقة لما في الكتاب والسنة جملة وتفصيلاً ولا بدّ، فإن الله تعالى أنزل الكتاب ليدبّر الناس آياته، ويعملوا بها إن كانت أحكاماً، ويصدِّقوا بها إن كانت أخباراً. ولا ريب أن أقرب الناس إلى فهمها وتصديقها والعمل بها هم السلف؛ لأنها جاءت بلغتهم وفي عصرهم، فلا جرم أن يكونوا أعلم الناس بها فقهاً، وأقومهم عملاً.
الثاني - أن يقال: إن الحق في هذا الباب إما أن يكون فيما قاله
стр. 21
السلف، أو فيما قاله الخلف. والثاني باطل، لأنه يلزم عليه أن يكون الله ورسوله، والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، قد تكلّموا بالباطل تصريحاً، أو ظاهراً، ولم يتكلموا مرة واحدة بالحق الذي يجب اعتقاده لا تصريحاً ولا ظاهراً. فيكون وجود الكتاب والسنة ضرراً محضاً في أصل الدين، وترك الناس بلا كتاب ولا سنة خيراً لهم وأقوم! وهذا ظاهر البطلان.
هذا وقد قال بعض الأغبياء: طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم. ومنشأ هذا القول أمران:
الأول - اعتقاد قائله - بسبب ما عنده من الشبهات الفاسدة - أن الله تعالى ليس له في نفس الأمر صفة حقيقية دلّت عليها هذه النصوص.
الثاني - اعتقاده أن طريقة السلف هي الإيمان بمجرد ألفاظ نصوص الصفات من غير إثبات معنى لها، فيبقى الأمر دائراً بين أن نؤمن بألفاظ جوفاء لا معنى لها - وهذه طريقة السلف على زعمه - وبين أن نثبت للنصوص معاني تخالف ظاهرها الدال على إثبات الصفات لله، وهذه هي طريقة الخلف؛ ولا ريب أن إثبات معاني النصوص أبلغ في العلم والحكمة من إثبات ألفاظ جوفاء ليس لها معنى، ومن ثم فَضَّلَ هذا الغبي طريقة الخلف في العلم
стр. 22
والحكمة على طريقة السلف.
وقول هذا الغبي يتضمن حقًّا وباطلاً: فأما الحقّ فقوله: "إن مذهب السلف أسلم" وأما الباطل فقوله: "إن مذهب الخلف أعلم وأحكم" وبيان بطلانه من وجوه:
الوجه الأول - أنه يُناقض قوله: "إن طريقة السلف أسلم"؛ فإن كون طريقة السلف أسلم من لوازم كونها أعلم وأحكم، إذ لا سلامة إلا بالعلم والحكمة، العلم بأسباب السلامة، والحكمة في سلوك تلك الأسباب، وبهذا يتبين أن طريقة السلف أسلم، وأعلم، وأحكم، وهو لازم لهذا الغبي لزوماً لا محيد عنه.
الوجه الثاني - أن اعتقاده أن الله ليس له صفة حقيقية - دلت عليها هذه النصوص - اعتقاد باطل؛ لأنه مبني على شبهات فاسدة (١) ؛ ولأن الله تعالى قد ثبت له صفات الكمال عقلاً، وحِسًّا وفطرة، وشرعاً:
فأما دلالة العقل على ثبوت صفات الكمال لله فوجهه أن يقال:
إن كل موجود في الخارج فلا بد أن يكون له صفة: إما صفة كمال، وإما صفة نقص، والثاني باطل بالنسبة إلى الرب
стр. 23
الكامل المستحق للعبادة. وبذلك استدل الله ــ تعالى - على بطلان ألوهية الأصنام باتصافها بصفات النقص والعجز بكونها لا تسمع، ولا تبصر، ولا تنفع، ولا تضر، ولا تخلق، ولا تنصر فإذا بطل الثاني تعين الأول، وهو ثبوت صفات الكمال لله.
ثم إنه قد ثبت بالحسِّ والمشاهدة أن للمخلوق صفات كمال، والله سبحانه هو الذي أعطاه إياها فمعطي الكمال أولى به.
وأما دلالة الفطرة على ثبوت صفات الكمال لله؛ فلأن النفوس السليمة مجبولة ومفطورة على محبة الله، وتعظيمه، وعبادته، وهل تحب وتعظم وتعبد إلا من عرفت أنه متصف بصفات الكمال اللائقة بربوبيته وألوهيته؟!
وأما دلالة الشرع على ثبوت صفات الكمال لله؛ فأكثر من أن تحصر مثل قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ* هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ* هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (الحشر: ٢٢-٢٤) ﴾ . وقوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧] . وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ
стр. 24
الْعَظِيمُ) (البقرة: ٢٥٥) ﴾ . ومثل قوله ﷺ : "أيها الناس اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أَصمَّ ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً بصيراً قريباً؛ إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" (١) .
إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث.
الوجه الثالث - أن اعتقاده أن طريقة السلف مجرد الإيمان بألفاظ النصوص بغير إثبات معناها، اعتقاد باطل كذب على السلف؛ فإن السلف أعلم الأمة بنصوص الصفات لفظاً ومعنى، وأبلغهم في إثبات معانيها اللائقة بالله تعالى على حسب مراد الله ورسوله.
الوجه الرابع - أن السلف هم ورثة الأنبياء والمرسلين، فقد تلقوا علومهم من ينبوع الرسالة الإلهية وحقائق الإيمان.
أما أولئك الخلف، فقد تلَقوا ما عندهم من المجوس، والمشركين، وضلال اليهود واليونان (٢) . فكيف يكون ورثة المجوس، والمشركين، واليهود، واليونان، وأفراخهم، أعلم، وأحكم في أسماء الله وصفاته من ورثة الأنبياء والمرسلين!؟
الوجه الخامس - أن هؤلاء الخلف الذين فضل هذا الغبي
стр. 25
طريقتهم في العلم والحكمة على طريقة السلف، كانوا حيارى مضطربين بسبب إعراضهم عما بعث الله به محمداً ﷺ من البينات والهدى، والتماسهم علم معرفة الله تعالى ممن لا يعرفه بإقراره على نفسه وشهادة الأمة عليه، حتى قال الرازي وهو من رؤسائهم مُبيِّناً ما ينتهي إليه أمرهم:
نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا وغاية دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] . ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] . واقرأ في النفي: ﴿كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] . ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه: ١١٠] . ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي". اهـ. كلامه (١) .
فكيف تكون طريقة هؤلاء الحيارى الذين أقروا على أنفسهم
стр. 26
بالضلال والحيرة أعلم وأحكم من طريقة السلف، الذين هم أعلام الهدى ومصابيح الدّجَى، الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء، والذين أدركوا من حقائق الإيمان والعلوم ما لو جُمِع إليه ما حَصَلَ لغيرهم لاستحيا من يطلب المقارنة، فكيف بالحكم بتفضيل غيرهم عليهم؟!
وبهذا يتبين أن طريقة السلف أسلم، وأعلم، وأحكم.
стр. 27
الباب الخامس في حكاية بعض المتأخرين لمذهب السلف
قال بعض المتأخرين: "مذهب السلف في الصفات إمرار النصوص على ما جاءت به مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد". اهـ.
وهذا القول على إطلاقه فيه نظر، فإن لفظ (ظاهر) مجمل يحتاج إلى تفصيل:
فإن أريد بالظاهر ما يظهر من النصوص من الصفات التي تليق بالله من غير تشبيه، فهذا مراد قطعاً، ومن قال: إنه غير مراد فهو ضال إن اعتقده في نفسه، وكاذب أو مخطئ إن نسبه إلى السلف.
وإن أريد بالظاهر ما قد يظهر لبعض الناس من أن ظاهرها تشبيه الله بخلقه، فهذا غير مراد قطعاً، وليس هو ظاهر النصوص، لأن مشابهة الله لخلقه أمر مستحيل، ولا يمكن أن يكون ظاهر الكتاب والسنة أمراً مستحيلاً، ومن ظن أن هذا هو
стр. 28
ظاهرها فإنه يبين له أن ظنه خطأ وأن ظاهرها بل صريحها إثبات صفات تليق بالله وتختص به.
وبهذا التفصيل نكون قد أعطينا النصوص حقها لفظاً ومعنى. والله أعلم".
стр. 29
الباب السادس في لبس الحق بالباطل من بعض المتأخرين
قال بعض المتأخرين: "إنه لا فرق بين مذهب السلف ومذهب المؤولين في نصوص الصفات؛ فإن الكل اتفقوا على أن الآيات والأحاديث لا تدل على صفات الله، لكن المتأولون رأوا المصلحة في تأويلها لمسيس الحاجة إليه وعيّنوا المراد، وأما السلف فأمسكوا عن التعيين لجواز أن يكون المراد غيره". اهـ.
وهذا كذب صريح على السلف فما منهم أحد نفى دلالة النصوص على صفات الله التي تليق به، بل كلامهم يدل على تقرير جنس الصفات في الجملة، والإنكار على من نفاها، أو شبه الله بخلقه؛ كقول نعيم بن حماد الخزاعي (١) شيخ البخاري: "من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهاً". اهـ. وكلامهم في هذا كثير.
ومما يدل على إثبات السلف للصفات، وأنهم ليسوا على وفاق مع أولئك المتأولين: أن أولئك المتأولة كانوا خصوماً للسلف،
стр. 30
وكانوا يرمونهم بالتشبيه والتجسيم؛ لإثباتهم الصفات، ولو كان السلف، يوافقونهم في عدم دلالة النصوص على صفات الله لم يجعلوهم خصوماً لهم، ويرموهم بالتشبيه والتجسيم، وهذا ظاهر، ولله الحمد.
стр. 31
الباب السابع في أقوال السلف المأثورة في الصفات
اشتهر عن السلف كلمات عامة وأخرى خاصة في آيات الصفات وأحاديثها. فمن الكلمات العامة، قولهم: "أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيف" (١) . روي هذا عن مكحول، والزهري، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، والأوزاعي.
وفي هذه العبارة رد على المعطّلة والمشبهة؛ ففي قولهم: "أمِرُّوها كما جاءت" رد على المعطلة. وفي قولهم: "بلا كيف". رد على المشبهة.
وفيها - أيضاً - دليل على أن السلف كانوا يُثبتون لنصوص الصفات المعاني الصحيحة التي تليق بالله، تدل على ذلك من وجهين:
الأول - قولهم: "أمِرُّوها كما جاءت". فإن معناها إبقاء دلالتها على ما جاءت به من المعاني، ولا ريب أنها جاءت لإثبات المعاني اللائقة بالله تعالى ولو كانوا لا يعتقدون لها معنى لقالوا: "
стр. 32
أمروا لفظها، ولا تتعرضوا لمعناها". ونحو ذلك.
الثاني - قولهم: "بلا كيف"؛ فإنه ظاهر في إثبات حقيقة المعنى، لأنهم لو كانوا لا يعتقدون ثبوته ما احتاجوا إلى نفي كيفيته، فإن غير الثابت لا وجود له في نفسه، فنفي كيفيته من لَغْوِ القول.
فإن قيل: ما الجواب عما قاله الإمام أحمد في حديث النزول وشبهه: "نؤمن بها ونصدق، لا كيف، ولا معنى".
قلنا: الجواب على ذلك: أن المعنى الذي نفاه الإمام أحمد في كلامه هو المعنى الذي ابتكره المعطلة من الجهمية وغيرهم، وحرّفوا به نصوص الكتاب والسنة عن ظاهرها إلى معاني تُخالفه.
ويدلّ على ما ذكرنا أنه نفى المعنى، ونفى الكيفية؛ ليتضمن كلامه الردّ على كلتا الطائفتين المبتدعتين: طائفة المعطلة وطائفة المشبهة.
ويدلّ عليه - أيضاً - ما قاله المؤلف في قول محمد بن الحسن: "اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله ﷺ ، في صفة الربّ من غير تفسير، ولا وصف، ولا تشبيه". اهـ.
قال المؤلف: أراد به تفسير الجهمية المعطلة، الذين ابتدعوا
стр. 33
تفسير الصفات، بخلاف ما كان عليه الصحابة، والتابعون من الإثبات (١) . اهـ.
فهذا دليل على أن تفسير آيات الصفات وأحاديثها على نوعين:
- تفسير مقبول: وهو ما كان عليه الصحابة والتابعون من إثبات المعنى اللائق بالله الموافق لظاهر الكتاب والسنة.
- وتفسير غير مقبول: وهو ما كان بخلاف ذلك.
وهكذا المعنى منه مقبول، ومنه مردود على ما تقدّم.
فإن قيل: هل لصفات الله كيفية؟
فالجواب: نعم لها كيفية، لكنها مجهولة لنا؛ لأن الشيء إنما تعلم كيفيته بمشاهدته، أو مشاهدة نظيره، أو خبر الصادق عنه، وكل هذه الطرق غير موجودة في صفات الله، وبهذا عُرف أن قول السلف: "بلا كيف". معناه بلا تكييف، لم يريدوا نفي الكيفية مطلقاً، لأن هذا تعطيل محض. والله أعلم.
стр. 34
الباب الثامن في علو الله تعالى وأدلة العلو
علوّ الله تعالى من صفاته الذاتية، وينقسم إلى قسمين:
علوّ ذات، وعلوّ صفات.
فأما علو الصفات، فمعناه: أنه ما من صفة كمال إلا ولله تعالى أعلاها، وأكملها، سواء كانت من صفات المجد والقهر، أم من صفات الجمال والقدر.
وأما علو الذات، فمعناه: أن الله بذاته فوق جميع خلقه، وقد دلّ على ذلك الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة.
فأما الكتاب والسنة فإنهما مملوءان بما هو صريح، أو ظاهر في إثبات علو الله - تعالى - بذاته فوق خلقه.
وقد تنوعت دلالتهما على ذلك:
فتارة بذكر العلو، والفوقية، والاستواء على العرش، وكونه في السماء، مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ، ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] . ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] . ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى
стр. 35
الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [تبارك: ١٦] ، وقوله ﷺ : "والعرش فوق ذلك، والله فوق العرش" (١) ، وقوله: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء" (٢) .
وتارة بصعود الأشياء، وعروجها، ورفعها إليه، مثل قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّب﴾ [فاطر: ١٠] ، وقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] ، وقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] . وقوله ﷺ : "ولا يصعد إلى الله إلا الطيّب"، وقوله ﷺ : "ثم يعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم"، وقوله ﷺ : "يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل" رواه أحمد.
وتارة بنزول الأشياء منه، ونحو ذلك، مثل قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٨] ، وقوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٠٢] ، وقوله ﷺ : "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر" (٣) .
إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث التي تواترت عن النبي ﷺ ، في علو الله تعالى على خلقه، تواتراً يوجب علماً ضروريًّا بأن النبي ﷺ قالها عن ربه، وتلقتها أمته عنه.
وأما الإجماع: فقد أجمع الصحابة، والتابعون لهم بإحسان، وأئمة أهل السنة على أن الله تعالى فوق سماواته على عرشه،
стр. 36
وكلامهم مملوء بذلك نصًّا وظاهراً. قال الأوزاعي: "كنّا والتابعون متوافرون. نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما جاءت به السنة من الصفات" (١) . قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم النافي لصفات الله وعلوه؛ ليعرف الناس أن مذهب السلف كان يُخالف مذهب جَهْم.
ولم يقل أحد من السلف قطّ: إن الله ليس في السماء، ولا إنه بذاته في كل مكان، ولا إن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا إنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل، ولا منفصل، ولا إنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه، بل قد أشار إليه أعلم الخلق به في حجة الوداع يوم عرفة في ذلك المجمع العظيم، حينما رفع إصبعه إلى السماء، يقول: "اللهم اشهد"، يُشهد ربه على إقرار أمته بإبلاغه الرسالة، صلوات الله وسلامه عليه.
وأما العقل: فإن كل عقل صريح يدل على وجوب علو الله بذاته فوق خلقه، من وجهين:
الأول - أن العلو صفة كمال، والله تعالى قد وجب له الكمال المطلق من جميع الوجوه، فلزم ثبوت العلو له ﵎.
الثاني - أن العلو ضده السفل، والسفل صفة نقص، والله تعالى مُنزّه عن جميع صفات النقص، فلزم تنزيهه عن السفل،
стр. 37
وثبوت ضده له، وهو العلو.
وأما الفطرة: فإن الله تعالى فطر الخلق كلهم: العرب، والعجم حتى البهائم على الإيمان به وبعلوّه، فما من عبد يتوجه إلى ربه بدعاء أو عبادة إلا وجد من نفسه ضرورة بطلب العلو، وارتفاع قلبه إلى السماء لا يلتفت إلى غيره يميناً، ولا شمالاً، ولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطرة إلا من اجتالته الشياطين والأهواء.
وكان أبو المعالي الجويني يقول في مجلسه (١) : "كان الله ولا شيء وهو الآن على ما كان عليه"؛ (يُعرّض بإنكار استواء الله على عرشه) ، فقال أبو جعفر الهمداني: "دعنا من ذكر العرش - أيْ: لأنه ثبت بالسمع - وأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، ما قال عارف قطّ: يا الله! إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو، لا يلتفت يمنة، ولا يسرة، فكيف ندفع هذه الضرورة من قلوبنا؟ ".
فصرخ أبو المعالي ولطم رأسه، وقال: "حيرني الهمداني، حيرني الهمداني".
فهذه الأدلة الخمسة كلها تطابقت على إثبات علو الله بذاته فوق خلقه.
стр. 38
فأما قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُم﴾ [الأنعام: ٣] ، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] . فليس معناهما أن الله في الأرض كما أنه في السماء، ومن توهّم هذا، أو نقله عن أحد من السلف فهو مخطئ في وهمه، وكاذب في نقله.
وإنما معنى الآية الأولى: أن الله مألوه في السماوات وفي الأرض، كل من فيهما فإنه يتألَّه إليه ويعبده. وقيل معناها: أن الله في السماوات ثم ابتدأ فقال: ﴿وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام: ٣] ؛ أي: إن الله يعلم سركم وجهركم في الأرض، فليس علوه فوق السماوات بمانع من علمه سركم وجهركم في الأرض.
وأما الآية الثانية فمعناها: أن الله إله في السماء وإله في الأرض، فألوهيته ثابتة فيهما، وإن كان هو في السماء؛ ونظير ذلك قول القائل: فلان أمير في مكة، وأمير في المدينة؛ أي: أن إمارته ثابتة في البلدين، وإن كان هو في أحدهما.
وهذا تعبير صحيح، لغة وعرفاً، والله أعلم.
стр. 39
الباب التاسع في الجهة
نريد بهذه الترجمة أن نُبيّن: هل الجهة ثابتة لله تعالى، أو منتفية عنه؟
والتحقيق في هذا: أنه لا يصح إطلاق الجهة على الله - تعالى - لا نفياً، ولا إثباتاً، بل لا بد من التفصيل:
فإن أُريد بها جهة سُفْلٍ، فإنها منتفية عن الله، وممتنعة عليه؛ لأن الله - تعالى - قد وجب له العلو المطلق بذاته وصفاته.
وإن أُريد بها جهة علو تُحيط به، فهي منتفية عن الله، وممتنعة عليه - أيضاً - فإن الله أعظم وأجلّ من أن يُحيط به شيء من مخلوقاته، كيف وقد وسع كرسيّه السماوات والأرض؟
﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] .
وإن أُريد بها جهة علو تليق بعظمته وجلاله من غير إحاطة به، فهي حق ثابتة لله - تعالى - واجبة له. قال الشيخ أبو محمد عبد القادر الجيلاني في كتابه "الغنية" (١) : "وهو سبحانه بجهة العلو، مستوٍ على العرشِ، محتو على الملك". اهـ.
стр. 40
ومعنى قوله: "محتوٍ على الملك"؛ أنه محيط بالملك ﵎.
فإن قيل: إذا نفيتم أن يكون شيء من مخلوقات الله محيطاً به، فما الجواب عما أثبته الله لنفسه في كتابه، وعلى لسان نبيه ﷺ ، وأجمع عليه المسلمون من أن الله سبحانه في السماء؟
فالجواب: إن كون الله في السماء لا يقتضي أن السماء تُحيط به، ومن قال ذلك فهو ضالّ، إن قاله من عنده، وكاذب أو مخطئ، إن نسبه إلى غيره؛ فإن كل من عرف عظمة الله تعالى وإحاطته بكل شيء، وأن الأرض جميعاً قبضته يوم القيامة، وأنه يطوي السماء كطيّ السجل للكتب، فإنه لن يخطر بباله أن شيئاً من مخلوقاته يمكن أن يُحيط به .
وعلى هذا فيخرج كونه في السماء على أحد معنيين:
الأول - أن يراد بالسماء العلو، فيكون المعنى: أن الله في العلو؛ أي: في جهة العلو، والسماء بمعنى العلو ثابت في القرآن. قال الله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الأنفال: ١١] ؛ أي: من العلو لا من السماء نفسها؛ لأن المطر ينزل من السحاب.
الثاني - أن تجعل "في" بمعنى "على" فيكون المعنى: أن الله على السماء، وقد جاءت "في" بمعنى: "على" في مواضع كثيرة من القرآن وغيره. قال الله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢] ؛ - أي: على الأرض -.