← Акыда

Акыда · id 21817

فتح رب البرية بتلخيص الحموية

ابن عثيمين

Полный текст (116 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وكلامهم مملوء بذلك نصًّا وظاهراً. قال الأوزاعي: "كنّا والتابعون متوافرون. نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما جاءت به السنة من الصفات" (١) . قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم النافي لصفات الله وعلوه؛ ليعرف الناس أن مذهب السلف كان يُخالف مذهب جَهْم. ولم يقل أحد من السلف قطّ: إن الله ليس في السماء، ولا إنه بذاته في كل مكان، ولا إن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا إنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل، ولا منفصل، ولا إنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه، بل قد أشار إليه أعلم الخلق به في حجة الوداع يوم عرفة في ذلك المجمع العظيم، حينما رفع إصبعه إلى السماء، يقول: "اللهم اشهد"، يُشهد ربه على إقرار أمته بإبلاغه الرسالة، صلوات الله وسلامه عليه. وأما العقل: فإن كل عقل صريح يدل على وجوب علو الله بذاته فوق خلقه، من وجهين: الأول - أن العلو صفة كمال، والله تعالى قد وجب له الكمال المطلق من جميع الوجوه، فلزم ثبوت العلو له ﵎. الثاني - أن العلو ضده السفل، والسفل صفة نقص، والله تعالى مُنزّه عن جميع صفات النقص، فلزم تنزيهه عن السفل،

стр. 37

وثبوت ضده له، وهو العلو. وأما الفطرة: فإن الله تعالى فطر الخلق كلهم: العرب، والعجم حتى البهائم على الإيمان به وبعلوّه، فما من عبد يتوجه إلى ربه بدعاء أو عبادة إلا وجد من نفسه ضرورة بطلب العلو، وارتفاع قلبه إلى السماء لا يلتفت إلى غيره يميناً، ولا شمالاً، ولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطرة إلا من اجتالته الشياطين والأهواء. وكان أبو المعالي الجويني يقول في مجلسه (١) : "كان الله ولا شيء وهو الآن على ما كان عليه"؛ (يُعرّض بإنكار استواء الله على عرشه) ، فقال أبو جعفر الهمداني: "دعنا من ذكر العرش - أيْ: لأنه ثبت بالسمع - وأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، ما قال عارف قطّ: يا الله! إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو، لا يلتفت يمنة، ولا يسرة، فكيف ندفع هذه الضرورة من قلوبنا؟ ". فصرخ أبو المعالي ولطم رأسه، وقال: "حيرني الهمداني، حيرني الهمداني". فهذه الأدلة الخمسة كلها تطابقت على إثبات علو الله بذاته فوق خلقه.

стр. 38

فأما قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُم﴾ [الأنعام: ٣] ، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] . فليس معناهما أن الله في الأرض كما أنه في السماء، ومن توهّم هذا، أو نقله عن أحد من السلف فهو مخطئ في وهمه، وكاذب في نقله. وإنما معنى الآية الأولى: أن الله مألوه في السماوات وفي الأرض، كل من فيهما فإنه يتألَّه إليه ويعبده. وقيل معناها: أن الله في السماوات ثم ابتدأ فقال: ﴿وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام: ٣] ؛ أي: إن الله يعلم سركم وجهركم في الأرض، فليس علوه فوق السماوات بمانع من علمه سركم وجهركم في الأرض. وأما الآية الثانية فمعناها: أن الله إله في السماء وإله في الأرض، فألوهيته ثابتة فيهما، وإن كان هو في السماء؛ ونظير ذلك قول القائل: فلان أمير في مكة، وأمير في المدينة؛ أي: أن إمارته ثابتة في البلدين، وإن كان هو في أحدهما. وهذا تعبير صحيح، لغة وعرفاً، والله أعلم.

стр. 39

الباب التاسع في الجهة نريد بهذه الترجمة أن نُبيّن: هل الجهة ثابتة لله تعالى، أو منتفية عنه؟ والتحقيق في هذا: أنه لا يصح إطلاق الجهة على الله - تعالى - لا نفياً، ولا إثباتاً، بل لا بد من التفصيل: فإن أُريد بها جهة سُفْلٍ، فإنها منتفية عن الله، وممتنعة عليه؛ لأن الله - تعالى - قد وجب له العلو المطلق بذاته وصفاته. وإن أُريد بها جهة علو تُحيط به، فهي منتفية عن الله، وممتنعة عليه - أيضاً - فإن الله أعظم وأجلّ من أن يُحيط به شيء من مخلوقاته، كيف وقد وسع كرسيّه السماوات والأرض؟ ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] . وإن أُريد بها جهة علو تليق بعظمته وجلاله من غير إحاطة به، فهي حق ثابتة لله - تعالى - واجبة له. قال الشيخ أبو محمد عبد القادر الجيلاني في كتابه "الغنية" (١) : "وهو سبحانه بجهة العلو، مستوٍ على العرشِ، محتو على الملك". اهـ.

стр. 40

ومعنى قوله: "محتوٍ على الملك"؛ أنه محيط بالملك ﵎. فإن قيل: إذا نفيتم أن يكون شيء من مخلوقات الله محيطاً به، فما الجواب عما أثبته الله لنفسه في كتابه، وعلى لسان نبيه ﷺ ، وأجمع عليه المسلمون من أن الله سبحانه في السماء؟ فالجواب: إن كون الله في السماء لا يقتضي أن السماء تُحيط به، ومن قال ذلك فهو ضالّ، إن قاله من عنده، وكاذب أو مخطئ، إن نسبه إلى غيره؛ فإن كل من عرف عظمة الله تعالى وإحاطته بكل شيء، وأن الأرض جميعاً قبضته يوم القيامة، وأنه يطوي السماء كطيّ السجل للكتب، فإنه لن يخطر بباله أن شيئاً من مخلوقاته يمكن أن يُحيط به . وعلى هذا فيخرج كونه في السماء على أحد معنيين: الأول - أن يراد بالسماء العلو، فيكون المعنى: أن الله في العلو؛ أي: في جهة العلو، والسماء بمعنى العلو ثابت في القرآن. قال الله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الأنفال: ١١] ؛ أي: من العلو لا من السماء نفسها؛ لأن المطر ينزل من السحاب. الثاني - أن تجعل "في" بمعنى "على" فيكون المعنى: أن الله على السماء، وقد جاءت "في" بمعنى: "على" في مواضع كثيرة من القرآن وغيره. قال الله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢] ؛ - أي: على الأرض -.

стр. 41

الباب العاشر في استواء الله على عرشه الاستواء في اللغة: يُطلق على معانٍ تدور على الكمال والانتهاء. وقد ورد في القرآن على ثلاثة وجوه: ١ - مطلق؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ واستوى﴾ [القصص: ١٤] ؛ أي كمل. ٢ - ومقيد بـ"إلى"؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩] ؛ أي: قصد بإرادة تامة. ٣ - ومقيد بـ"على"؛ كقوله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِه﴾ [الزخرف: ١٣] . ومعناه حينئذٍ العلو والاستقرار. فاستواء الله على عرشه معناه: علوه واستقراره عليه، علوًّا واستقراراً يليق بجلاله وعظمته، وهو من صفاته الفعلية التي دل عليها الكتاب، والسنة، والإجماع، فمن أدلة الكتاب: قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] . ومن أدلة السنة: ما رواه الخلال في كتاب "السنة" بإسناد صحيح على شرط البخاري عن قتادة بن النعمان رضي الله عنه

стр. 42

قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "لما فرغ الله من خلقه استوى على عرشه" (١) . وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني (٢) : "إنه مذكور في كل كتاب أنزله الله على كل نبيّ". اهـ. وقد أجمع أهل السنة على أن الله تعالى فوق عرشه، ولم يقل أحد منهم إنه ليس على العرش، ولا يمكن لأحدٍ أن ينقل عنهم ذلك لا نصًّا ولا ظاهراً. وقال رجل للإمام مالك ﵀: يا أبا عبد الله!: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [طه] . كيف استوى؟! فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء (العرق) . ثم قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعاً" ثم أُمر به أن يخرج (٣) . وقد روي نحو هذا عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك (٤) . فقوله: "الاستواء غير مجهول"؛ أي: غير مجهول المعنى في اللغة، فإن معناه: العلو والاستقرار. وقوله: "والكيف غير معقول". معناه: أَنَّا لا ندرك كيفية استواء الله على عرشه بعقولنا، وإنما طريق ذلك السمع، ولم يرد

стр. 43

السمع بذكر الكيفية، فإذا انتفى عنها الدليلان العقلي، والسمعي كانت مجهولة يجب الكفّ عنها. وقوله: "الإيمان به واجب". معناه: أن الإيمان باستواء الله على عرشه على الوجه اللائق واجب، لأن الله أخبر به عن نفسه، فوجب تصديقه، والإيمان به. وقوله: "والسؤال عنه بدعة". معناه: أن السؤال عن كيفية الاستواء بدعة؛ لأنه لم يكن معروفاً في عهد النبي ﷺ ، وأصحابه. وهذا الذي ذكره الإمام مالك ﵀ في الاستواء ميزان عام لجميع الصفات التي أثبتها الله لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ ، فإن معناها معلوم لنا، وأما كيفيتها فمجهولة لنا؛ لأن الله أخبرنا عنها، ولم يخبر عن كيفيتها (١) ؛ ولأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فإذا كنّا نثبت ذات الله - تعالى - من غير تكييف لها، فكذلك يكون إثبات صفاته من غير تكييف. قال بعض أهل العلم: إذا قال لك الجهمي: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا، فكيف ينزل؟! فقل له: إن الله أخبرنا أنه ينزل ولم يخبرنا كيف ينزل!! وقال آخر: إذا قال لك الجهمي في صفة من صفات الله: كيف هي؟ فقل له: كيف

стр. 44

هو بذاته؟ فإنه لا يمكن أن يكيف ذاته فقل له: إذا كان لا يمكن تكييف ذاته، فكذلك لا يمكن تكييف صفاته؛ لأن الصفات تابعة للموصوف!! فإن قال قائل: إذا كان استواء الله على عرشه بمعنى: العلو عليه، لزم من ذلك أن يكون أكبر من العرش، أو أصغر، أو مساوياً، وهذا يقتضي أن يكون جسماً، والجسم ممتنع على الله. فجوابه أن يُقال: لا ريب أن الله أكبر من العرش، وأكبر من كل شيء، ولا يلزم على هذا القول شيء من اللوازم الباطلة، التي يُنزّه الله عنها. وأما قوله: "إن الجسم ممتنع على الله"، فجوابه: أن الكلام في الجسم وإطلاقه على الله نفياً أو إثباتاً من البدع التي لم ترد في الكتاب، والسنة، وأقوال السلف، وهو من الألفاظ المجملة التي تحتاج إلى تفصيل: فإن أريد بالجسم الشيء المحدث المركب، المفتقر كل جزء منه إلى الآخر، فهذا ممتنع على الربّ الحيّ القيّوم. وإن أُريد بالجسم ما يقوم بنفسه، ويتصف بما يليق به، فهذا غير ممتنع على الله تعالى؛ فإن الله قائم بنفسه، متصف بالصفات الكاملة التي تليق به

стр. 45

سبحانه وتعالى. لكن لما كان لفظ الجسم يحتمل ما هو حق، وباطل بالنسبة إلى الله صار إطلاق لفظه نفياً، أو إثباتاً ممتنعاً على الله. وهذه اللوازم التي يذكرها أهل البدع ليتوصلوا بها إلى نفي ما أثبته الله لنفسه من صفات الكمال، على نوعين: الأول - لوازم صحيحة لا تنافي ما وجب لله من الكمال، فهذه حق يجب القول بها، وبيان أنها غير ممتنعة على الله. الثاني - لوازم فاسدة تنافي ما وجب لله من الكمال، فهذه باطلة يجب نفيها، وأن يبين أنها غير لازمة لنصوص الكتاب، والسنة؛ لأن الكتاب والسنة حق ومعانيهما حق، والحق لا يمكن أن يلزم منه باطل أبداً. فإن قال قائل: إذا فسرتم استواء الله على عرشه بعلوه عليه، أوهم ذلك أن يكون الله محتاجاً إلى العرش لِيُقلّه. فالجواب: أن كل من عرف عظمة الله تعالى، وكمال قدرته، وقوته، وغناه، فإنه لن يخطر بباله أن يكون الله محتاجاً إلى العرش ليقلّه، كيف والعرش وغيره من المخلوقات مفتقر إلى الله، ومضطر إليه لا قوام له إلا به، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] . فإن قيل: هل يصح تفسير استواء الله على عرشه باستيلائه

стр. 46

عليه، كما فسره به المعطلة فراراً من هذه اللوازم؟ فالجواب: أنه لا يصح وذلك لوجوه، منها: ١ - أن هذه اللوازم إن كانت حقًّا فإنها لا تمنع من تفسير الاستواء بمعناه الحقيقي، وإن كانت باطلاً فإنه لا يمكن أن تكون من لوازم نصوص الكتاب والسنة، ومن ظن أنها لازمة لها فهو ضال. ٢ - أن تفسيره بالاستيلاء يلزم عليه لوازم باطلة - لا يمكن دفعها - كمخالفة إجماع السلف، وجواز أن يُقال: إن الله مستوٍ على الأرض، ونحوها مما ينزه الله عنه، وكون الله - تعالى - غير مستولٍ على العرش حين خلق السماوات والأرض. ٣ - أن تفسيره بالاستيلاء غير معروف في اللغة، فهو كذب عليها، والقرآن نزل بلغة العرب، فلا يمكن أن نفسره بما لا يعرفونه في لغتهم. ٤ - أن الذين فسروه بالاستيلاء كانوا مُقرّين بأن هذا معنى مجازي، والمعنى المجازي لا يُقبل إلا بعد تمام أربعة أمور: الأول - الدليل الصحيح المقتضي لصرف الكلام عن حقيقته إلى مجازه. الثاني - احتمال اللفظ للمعنى المجازي الذي ادعاه من حيث اللغة.

стр. 47

الثالث - احتمال اللفظ للمعنى المجازي الذي ادعاه في ذلك السياق المعيّن، فإنه لا يلزم من احتمال اللفظ لمعنى من المعاني من حيث الجملة أن يكون محتملاً له في كل سياق؛ لأن قرائن الألفاظ والأحوال قد تمنع بعض المعاني التي يحتملها اللفظ في الجملة. الرابع - أن يبين الدليل على أن المراد من المعاني المجازية هو ما ادعاه؛ لأنه يجوز أن يكون المراد غيره فلا بد من دليل على التعيين. والله أعلم. فصل والعرش في اللغة: سرير الملك، قال الله - تعالى - عن يوسف: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠] . وقال عن ملكة سبأ: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] . وأما عرش الرحمن الذي استوى عليه فهو: عرش عظيم محيط بالمخلوقات، وهو أعلاها، وأكبرها، كما في حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ ، قال: "ما السماوات السبع، والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة" (١) .

стр. 48

قال المؤلف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "الرسالة العرشية": "والحديث له طرق. وقد رواه أبو حاتم، وابن حبان في صحيحه، وأحمد في "المسند" وغيرهم". اهـ. والكرسي في اللغة: السرير وما يقعد عليه. وأما الكرسي الذي أضافه الله إلى نفسه فهو: موضع قدميه تعالى، قال ابن عباس ﵄: "الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره إلا الله " (١) . رواه الحاكم في "المستدرك". وقال: إنه على شرط الشيخين، وقد روي مرفوعاً، والصواب أنه موقوف. وهذا المعنى الذي ذكره ابن عباس ﵄ في الكرسي هو المشهور بين أهل السنة، وهو المحفوظ عنه، وما روي عنه أنه العلم فغير محفوظ، وكذلك ما روي عن الحسن: أنه العرش ضعيف لا يصح عنه؛ قاله ابن كثير (٢) رحمه الله تعالى.

стр. 49

الباب الحادي عشر في المعية أثبت الله لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ ، أنه مع خلقه. فمن أدلة الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] ، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] . ومن أدلة السنة: قوله ﷺ : "أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت" (١) . وقوله ﷺ ، لصاحبه أبي بكر وهما في الغار: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ﴾ [التوبة: ٤٠] . وقد أجمع على ذلك سلف الأمة، وأئمتها. والمعية في اللغة: مطلق المقارنة والمصاحبة. لكن مقتضاها ولازمها يختلف باختلاف الإضافة وقرائن السياق والأحوال: فتارة تقتضي: اختلاطاً؛ كما يقال: جعلت الماء مع اللبن. وتارة تقتضي: تهديداً وإنذاراً؛ كما يقول المؤدب للجاني: اذهب فأنا معك. وتارة تقتضي: نصراً وتأييداً؛ كمن يقول لمن يستغيث به: أنا

стр. 50

معك، أنا معك. إلى غير ذلك من اللوازم والمقتضيات المختلفة باختلاف الإضافة والقرائن والأحوال. ومثل هذا اللفظ الذي يتفق في أصل معناه ويختلف مقتضاه وحكمه باختلاف الإضافات والقرائن يسميه بعض الناس: مشككاً؛ لتشكيك المستمع هل هو من قبيل المشترك الذي اتحد لفظه، واختلف معناه، نظراً لاختلاف مقتضاه وحكمه؟ أو هو من قبيل المتواطئ الذي اتحد لفظه ومعناه، نظراً لأصل المعنى؟ والتحقيق أنه نوع من المتواطئ؛ لأن واضع اللغة وضع هذا اللفظ بإزاء القدر المشترك، واختلاف حكمه ومقتضاه إنما هو بحسب الإضافات والقرائن لا بأصل الوضع، لكن لما كانت نوعاً خاصًّا من المتواطئة فلا بأس بتخصيصها بلفظ. إذا تبين ذلك فقد اتضح أن لفظ المعية المضاف إلى الله مستعمل في حقيقته لا في مجازه، غير أن معية الله لخلقه معية تليق به، فليست كمعية المخلوق للمخلوق بل هي أعلى، وأكمل، ولا يلحقها من اللوازم والخصائص ما يلحق معية المخلوق للمخلوق. هذا وقد فسّر بعض السّلف معية الله لخلقه: بعلمه بهم، وهذا تفسير للمعية ببعض لوازمها، وغرضهم به: الردّ على حلولية الجهمية، الذين قالوا: إن الله بذاته في كل مكان، واستدلوا

стр. 51

بنصوص المعية، فبيَّن هؤلاء السلف أنه لا يراد من المعية كون الله معنا بذاته؛ فإن هذا محال عقلاً، وشرعاً؛ لأنه ينافي ما وجب من علوه، ويقتضي أن تُحيط به مخلوقاته وهو محال. أقسام معية الله لخلقه: تنقسم معية الله لخلقه إلى قسمين: عامة، وخاصة: فالعامة هي: التي تقتضي الإحاطة بجميع الخلق من مؤمن، وكافر وبَر وفاجر، في العلم، والقدرة، والتدبير والسلطان وغير ذلك من معاني الربوبية. وهذه المعية توجب لمن آمن بها كمال المراقبة لله ، ولذلك قال النبي ﷺ : "أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت" (١) . ومن أمثلة هذا القسم قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧] . وأما الخاصة فهي: التي تقتضي النصر والتأييد لمن أضيفت له. وهي مختصة بمن يستحق ذلك من الرسل وأتباعهم. وهذه المعية توجب لمن آمن بها كمال الثبات والقوة.

стр. 52

ومن أمثلتها قوله تعالى: ﴿وأَنَّ اللَّهَ مَعَ المؤمنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩] . ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] . ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] . وقوله عن نبيه ﷺ : ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] . فإن قيل: هل المعية من صفات الله الذاتية أو من صفاته الفعلية؟ فالجواب: أن المعية العامة من الصفات الذاتية؛ لأن مقتضياتها ثابتة لله تعالى أزلاً وأبداً، وأما المعية الخاصة فهي من الصفات الفعلية؛ لأن مقتضياتها تابعة لأسبابها، توجد بوجودها، وتنتفي بانتفائها.

стр. 53

الباب الثاني عشر في الجمع بين نصوص علو الله بذاته ومعيته قبل أن نذكر الجمع بينهما نُحبّ أن نقدّم قاعدة نافعة أشار إليها المؤلف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه "العقل والنقل" (١/٤٣، ٤٤) وخلاصتها: أنه إذا قيل بالتعارض بين دليلين، فإما أن يكونا قطعيين، أو ظنيين، أو أحدهما قطعيًّا، والآخر ظنيًّا. فهذه ثلاثة أقسام: الأول - القطعيّان: وهما ما يقطع العقل بثبوت مدلولهما، فالتعارض بينهما محال؛ لأن القول بجواز تعارضهما يستلزم إما وجوب ارتفاع أحدهما وهو محال؛ لأن القطعي واجب الثبوت، وإما ثبوت كل منهما مع التعارض وهو محال أيضاً؛ لأنه جمع بين النقيضين. فإن ظن التعارض بينهما فإما: أن لا يكونا قطعيين، وإما أن لا يكون بينهما تعارض، بحيث يُحمل أحدهما على وجه، والثاني على وجه آخر، ولا يرد على ذلك ما يثبت نسخه من نصوص الكتاب والسنة القطعية؛ لأن الدليل المنسوخ غير قائم، فلا معارض للناسخ.

стр. 54

الثاني - أن يكونا ظنيين: إما من حيث الدلالة، وإما من حيث الثبوت، فيطلب الترجيح بينهما ثم يقدم الراجح. الثالث - أن يكون أحدهما قطعيًّا، والآخر ظنيًّا، فيقدم القطعي باتفاق العقلاء؛ لأن اليقين لا يُدفع بالظنّ. إذا تبين هذا، فنقول: لا ريب أن النصوص قد جاءت بإثبات علو الله بذاته فوق خلقه وأنه معهم، وكل منهما قطعيّ الثبوت والدلالة. وقد جمع الله بينهما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤] . ففي هذه الآية أثبت الله تعالى استواءه على العرش الذي هو أعلى المخلوقات، وأثبت أنه معنا، وليس بينهما تعارض؛ فإن الجمع بينهما ممكن. وبيان إمكانه من وجوه: الأول - أن النصوص جمعت بينهما فيمتنع أن يكون اجتماعهما محالاً؛ لأن النصوص لا تدل على محال، ومن ظن دلالتها عليه فقد أخطأ فليعد النظر مرة بعد أخرى، مستعيناً بالله، سائلاً منه الهداية والتوفيق، باذلاً جهده في الوصول إلى معرفة الحق. فإن

стр. 55

تبين له الحق فليحمد الله على ذلك، وإلا فليكل الأمر إلى عالمه وليقل: آمنا به كل من عند ربنا، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. الثاني - أنه لا منافاة بين معنى العلو والمعية؛ فإن المعية لا تستلزم الاختلاط والحلول في المكان - كما تقدم -، فقد يكون الشيء عالياً بذاته، وتضاف إليه المعية كما يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا، مع أن القمر في السماء، ولا يعد ذلك تناقضاً لا في اللفظ ولا في المعنى، فإن المخاطب يعرف معنى المعية هنا، وأنه لا يمكن أن يكون مقتضاها أن القمر في الأرض. فإذا جاز اجتماع العلو والمعية في حق المخلوق ففي حق الخالق أولى. الثالث - أنه لو فرض أن بين معنى العلو والمعية تناقضاً وتعارضاً في حق المخلوق فإن ذلك لا يلزم في حق الخالق؛ لأن الله - تعالى - ليس كمثله شيء في جميع صفاته، فلا تقاس معيته بمعية خلقه، ولا تقتضي معيته لهم أن يكون مختلطاً بهم أو حالًّا في أمكنتهم لوجوب علوه بذاته؛ ولأنه لا يحيط به شيء من مخلوقاته بل هو بكل شيء محيط. وبنحو هذه الوجوه يمكن الجمع بين ما ثبت من علو الله بذاته وكونه قِبَل وجه المصلي، فيقال: الجمع بينهما من وجوه:

стр. 56

الأول - أن النصوص جمعت بينهما، والنصوص لا تأتي بالمحال. الثاني - أنه لا منافاة بين معنى العلو والمقابلة، فقد يكون الشيء عالياً وهو مقابل، لأن المقابلة لا تستلزم المحاذاة، ألا ترى أن الرجل ينظر إلى الشمس حال بزوغها فيقول: إنها قِبَل وجهي، مع أنها في السماء، ولا يعد ذلك تناقضاً في اللفظ ولا في المعنى، فإذا جاز هذا في حق المخلوق ففي حق الخالق أولى. الثالث - أنه لو فرض أن بين معنى العلو والمقابلة تناقضاً وتعارضاً في حق المخلوق فإن ذلك لا يلزم في حق الخالق؛ لأن الله - تعالى - ليس كمثله شيء في جميع صفاته، فلا يقتضي كونه قِبَل وجه المصلي أن يكون في المكان أو الحائط الذي يصلي إليه لوجوب علوه بذاته؛ ولأنه لا يحيط به شيء من المخلوقات، بل هو بكل شيء محيط .

стр. 57

الباب الثالث عشر في نزول الله إلى السماء الدنيا في "الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: "ينزل ربّنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له" (١) . وقد روى هذا الحديث عن النبي ﷺ ، نحو ثمانٍ وعشرين نفساً من الصحابة ﵃، واتفق أهل السنة على تلقي ذلك بالقبول. ونزوله تعالى إلى السماء الدنيا من صفاته الفعلية التي تتعلق بمشيئته وحكمته، وهو نزول حقيقي يليق بجلاله وعظمته. ولا يصحّ تحريف معناه إلى نزول أمره، أو رحمته، أو ملك من ملائكته، فإن هذا باطل لوجوه: الأول - أنه خلاف ظاهر الحديث؛ لأن النبي ﷺ ، أضاف النزول إلى الله، والأصل أن الشيء إنّما يُضاف إلى من وقع منه أو قام به، فإذا صرف إلى غيره كان ذلك تحريفاً يُخالف الأصل.

стр. 58

الثاني - أن تفسيره بذلك يقتضي أن يكون في الكلام شيء محذوف، والأصل عدم الحذف. الثالث - أن نزول أمره أو رحمته لا يختص بهذا الجزء من الليل، بل أمره ورحمته ينزلان كل وقت. فإن قيل: المراد نزول أمر خاصّ، ورحمة خاصة، وهذا لا يلزم أن يكون كل وقت. فالجواب: أنه لو فرض صحة هذا التقدير والتأويل، فإن الحديث يدل على أن منتهى نزول هذا الشيء هو السماء الدنيا، وأي فائدة لنا في نزول رحمة إلى السماء الدنيا حتى يخبرنا النبي ﷺ عنها؟! الرابع - أن الحديث دلّ على أن الذي ينزل يقول: "من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له" (١) . ولا يمكن أن يقول ذلك أحد سوى الله .

стр. 59

فصل في الجمع بين نصوص علو الله تعالى بذاته ونزوله إلى السماء الدنيا علو الله - تعالى - من صفاته الذاتية التي لا يمكن أن ينفكّ عنها، وهو لا يُنافي ما جاءت به النصوص من نزوله إلى السماء الدنيا، والجمع بينهما من وجهين: الأول - أن النصوص جمعت بينهما، والنصوص لا تأتي بالمحال، كما تقدم. الثاني - أن الله ليس كمثله شيء في جميع صفاته، فليس نزوله كنزول المخلوقين حتى يقال: إنه ينافي علوه ويناقضه. والله أعلم.

стр. 60

الباب الرابع عشر في إثبات الوجه لله تعالى مذهب أهل السنة والجماعة: أن لله وجهاً حقيقيًّا يليق به موصوفاً بالجلال والإكرام. قد دلّ على ثبوته لله الكتاب، والسنة. فمن أدلّة الكتاب قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] . ومن أدلّة السنة قول النبي ﷺ في الدعاء المأثور: "وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك" (١) . فوجه الله تعالى من صفاته الذاتية الثابتة له حقيقة على الوجه اللائق به. ولا يصح تحريف معناه إلى الثواب لوجوه منها: أولاً - أنه خلاف ظاهر النّص، وما كان مخالفاً لظاهر النص فإنه يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك. ثانياً - أن هذا الوجه ورد في النصوص مضافاً إلى الله تعالى والمضاف إلى الله إما: أن يكون شيئاً قائماً بنفسه، وإما أن يكون

стр. 61

غير قائم بنفسه، فإن كان قائماً بنفسه فهو مخلوق، وليس من صفاته كبيت الله، وناقة الله، وإنما أُضيف إليه إما: للتشريف، وإما من باب إضافة المملوك والمخلوق إلى مالكه وخالقه. وإن كان غير قائم بنفسه فهو من صفات الله، وليس بمخلوق كعلم الله، وقدرته، وعزته، وكلامه، ويده، وعينه ونحو ذلك، والوجه بلا ريب من هذا النوع؛ فإضافته إلى الله من باب إضافة الصفة إلى الموصوف. ثالثاً - أن الثواب مخلوق بائن عن الله تعالى، والوجه صفة من صفات الله غير مخلوق ولا بائن، فكيف يفسر هذا بهذا؟! رابعاً - أن ذلك الوجه وصف في النصوص بالجلال والإكرام، وبأن له نوراً يستعاذ به (١) ، وسبحات تحرق ما انتهى إليه بصره من خلقه. وكل هذه الأوصاف تمنع أن يكون المراد به الثواب. والله أعلم.

стр. 62

الباب الخامس عشر في يدي الله مذهب أهل السنة والجماعة: أن لله تعالى يدين اثنتين، مبسوطتين بالعطاء والنعم، وهما من صفاته الذاتية الثابتة له حقيقة على الوجه اللائق به. وقد دلّ على ثبوتهما الكتاب، والسنة. فمن أدلّة الكتاب قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] . ومن أدلة السنة قوله ﷺ : "يد الله ملآى لا تغيضها نفقة سحَّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنّه لم يغض ما في يمينه" (١) . وقد أجمع أهل السنة على أنهما يدان حقيقيتان لا تُشبهان أيدي المخلوقين، ولا يصحّ تحريف معناهما إلى القوة، أو النعمة أو نحو ذلك لوجوه منها: أولاً - أنه صرف للكلام عن حقيقته إلى مجازه بلا دليل. ثانياً - أنه معنى تأباه اللغة في مثل السياق الذي جاءت به

стр. 63

مضافة إلى الله - تعالى -؛ فإن الله قال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] . ولا يصح أن يكون المعنى: لما خلقت بنعمتي، أو قوتي. ثالثاً - أنه ورد إضافة اليد إلى الله بصيغة التثنية، ولم يرد في الكتاب والسنة ولا في موضع واحد إضافة النعمة والقوة إلى الله بصيغة التثنية فكيف يفسر هذا بهذا؟! رابعاً - أنه لو كان المراد بهما القوة لصح أن يُقال: إن الله خلق إبليس بيده ونحو ذلك. وهذا ممتنع. ولو كان جائزاً لاحتج به إبليس على ربه حين قال له: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] . خامساً - أن اليد التي أضافها الله إلى نفسه وردت على وجوه تمنع أن يكون المراد بها النعمة، أو القوة فجاءت بلفظ اليد، والكفّ. وجاء إثبات الأصابع لله تعالى، والقبض، والهزّ، كقوله ﷺ : "يقبض الله سماواته بيده، والأرض باليد الأخرى، ثم يهزهن ويقول: أنا الملك" (١) . وهذه الوجوه تمنع أن يكون المراد بهما النعمة، أو القوة.

стр. 64

الباب السادس عشر في عيني الله تعالى مذهب أهل السنة والجماعة: أن لله عينين اثنتين، ينظر بهما حقيقة على الوجه اللائق به، وهما من الصفات الذاتية الثابتة بالكتاب، والسنة. فمن أدلّة الكتاب قوله تعالى: ﴿) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٤] . ومن أدلّة السنة قول النبي ﷺ : "إن ربكم ليس بأعور" (١) . وقوله: "ينظر إليكم أزلين قنطين" (٢) . وقوله: "حجَابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (٣) . فهما عينان حقيقيتان لا تشبهان أعين المخلوقين. ولا يصح تحريف معناهما إلى العلم، والرؤية لوجوه منها: أولاً - أنه صرف للكلام عن حقيقته إلى مجازه بلا دليل. ثانياً - أن في النصوص ما يمنع ذلك، مثل قوله ﷺ : "ينظر إليكم" (٤) . وقوله: "لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (٥) . وقوله: "وإن ربكم ليس بأعور" (٦) .

стр. 65

الباب السابع عشر في الوجوه التي وردت عليها صفتا اليدين والعينين وردت صفتا اليدين، والعينين في النصوص مضافة إلى الله تعالى على ثلاثة أوجه: الإفراد، والتثنية، والجمع. فمن أمثلة الإفراد: قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] ، وقوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] . ومن أمثلة الجمع: قوله تعالى: ﴿) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس: ٧١] ، وقوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] . ومن أمثلة التثنية: قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] . وقول النبي ﷺ : "إذا قام العبد في الصلاة قام بين عيني الرحمن". هكذا هو في "مختصر الصواعق" عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي ﷺ (١) ، ولم يعزه. ولم ترد صفة العينين في القرآن بصورة التثنية. هذه هي الوجوه الثلاثة التي وردت عليها صفتا اليدين والعينين.

стр. 66

والجمع بين هذه الوجوه أن يقال: إن الإفراد لا ينافي التثنية، ولا الجمع؛ لأن المفرد المضاف يعمّ فيتناول كل ما ثبت لله من يد، أو عين واحدة كانت أو أكثر. وأما الجمع بين ما جاء بلفظ التثنية وبلفظ الجمع فإن قلنا: أقل الجمع اثنان فلا منافاة أصلاً بين صيغتي التثنية والجمع؛ لاتحاد مدلوليهما. وإن قلنا: أقل الجمع ثلاثة وهو المشهور فالجمع بينهما أن يقال: إنه لا يراد من صيغة الجمع مدلولها الذي هو ثلاثة فأكثر، وإنما أريد بها - والله أعلم - التعظيم والمناسبة، أعني مناسبة المضاف للمضاف إليه؛ فإن المضاف إليه، وهو "نا" يراد به هنا: التعظيم قطعاً؛ فناسب أن يُؤتى بالمضاف بصيغة الجمع ليناسب المضاف إليه؛ فإن الجمع أدلّ على التعظيم من الإفراد والتثنية، وإذا كان كل من المضاف والمضاف إليه دالًّا على التعظيم حصل من بينهما تعظيم أبلغ.

стр. 67

الباب الثامن عشر في كلام الله اتفق أهل السنة والجماعة على أن الله يتكلّم، وأن كلامه صفة حقيقية ثابتة له على الوجه اللائق به. وهو سبحانه يتكلم بحرف وصوت، كيف شاء، متى شاء، فكلامه صفة ذات باعتبار جنسه، وصفة فعل باعتبار آحاده. وقد دل على هذا القول الكتاب، والسنة. فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] . وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] . وقوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ [مريم: ٥٢] . ففي الآية الأولى: إثبات أن الكلام يتعلق بمشيئته، وأن آحاده حادثة. وفي الآية الثانية: دليل على أنه بحرف فإن مقول القول فيها حروف. وفي الآية الثالثة: دليل على أنه بصوت إذ لا يعقل النداء والمناجاة إلا بصوت.

стр. 68

ومن أدلة السنة قول النبي ﷺ : "يقول الله تعالى: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك. فينادي بصوت: إنّ الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار" (١) . وكلامه سبحانه هو اللفظ والمعنى جميعاً، ليس هو اللفظ وحده أو المعنى وحده. هذا هو قول أهل السنة والجماعة في كلام الله تعالى، أما أقوال غيرهم فإليك ملخصها من "مختصر الصواعق المرسلة": ١ - قول الكرامية: وهو كقول أهل السنة، إلا أنهم قالوا: "إنه حادث بعد أن لم يكن"، فراراً من إثبات حوادث لا أول لها. ٢ - قول الكلابية: "إنه معنى قائم بذاته لازم لها كلزوم الحياة والعلم، فلا يتعلق بمشيئته، والحروف والأصوات حكاية عنه خلقها الله لتدل على ذلك المعنى القائم بذاته، وهو أربعة معان: أمر، ونهي، وخبر، واستخبار". ٣ - قول الأشعرية: وهو كقول الكلابية إلا أنهم يخالفونهم في شيئين: أحدهما - في معاني الكلام، فالكلابية يقولون: "إنه أربعة معان" والأشعرية يقولون: إنه معنى واحد، فالخبر،

стр. 69

والاستخبار، والأمر، والنهي كل واحد منها هو عين الآخر، وليست أنواعاً للكلام، بل صفات له، بل التوراة والإنجيل، والقرآن كل واحد منها عين الآخر، لا تختلف إلا بالعبارة. الثاني - أن الكلابية قالوا: "إن الحروف والأصوات حكاية عن كلام الله". وأما الأشعرية فقالوا: "إنها عبارة عن كلام الله". ٤ - قول السالمية: "أنه صفة قائمة بذاته لازمة لها كلزوم الحياة، والعلم، فلا يتعلّق بمشيئته، وهو حروف وأصوات متقارنة لا يسبق بعضها بعضاً، فالباء والسين والميم في البسملة - مثلاً - كل حرف منها مقارن للآخر في آن واحد، ومع ذلك لم تزل ولا تزال موجودة". ٥ - قول الجهمية والمعتزلة: "إنه مخلوق من المخلوقات وليس من صفات الله". ثم من الجهمية من صرح بنفي الكلام عن الله، ومنهم من أقرّ به، وقال: إنه مخلوق. ٦ - قول فلاسفة المتأخرين أتباع أرسطو: "أنه فيض من العقل الفعال على النفوس الفاضلة الزكية بحسب استعدادها وقبولها، فيوجب لها تصورات، وتصديقات، بحسب ما قبلته

стр. 70

منه، وهذه التصورات والتصديقات المتخيلة تقوى حتى تصور الشيء المعقول صوراً نورانية تخاطبها بكلام تسمعه الآذان". ٧ - قول الاتحادية: "القائلين بوحدة الوجود: إن كل كلام في الوجود كلام الله" كما قال قائلهم: وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه وكل هذه الأقوال مخالفة لما دل عليه الكتاب، والسنة، والعقل، ومن رزقه الله علماً وحكمة فهم ذلك. فصل في أن القرآن كلام الله مذهب أهل السنة والجماعة: أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، تكلّم به حقيقة، وألقاه إلى جبريل فنزل به على قلب محمد ﷺ . وقد دل على هذا القول الكتاب، والسنة. فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] . يعني القرآن، وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩] ، وقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ* بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣-١٩٥] .

стр. 71

ومن أدلة السنة قوله ﷺ وهو يعرض نفسه على الناس في الموقف -: "ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي؛ فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي " (١) . وقوله ﷺ للبراء بن عازب: "إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت" (٢) . وقال عمرو بن دينار: "أدركت الناس منذ سبعين سنة، يقولون: الله الخالق وما سواه مخلوق، إلا القرآن فإنه كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود" (٣) . اهـ. ومعنى قولهم: "منه بدأ"؛ أن الله تكلم به ابتداء، وفيه رد على الجهمية القائلين: بأنه خلقه في غيره. وأما قولهم: "وإليه يعود"؛ فيحتمل معنيين: أحدهما - أنه تعود صفة الكلام بالقرآن إليه، بمعنى: أن أحداً لا يوصف بأنه تكلّم به غير الله؛ لأنه هو المتكلّم به، والكلام صفة للمتكلّم. الثاني - أنه يرفع إلى الله تعالى كما جاء في بعض الآثار أنه يسري به من المصاحف والصدور، وذلك إنما يقع - والله أعلم -

стр. 72

حين يعرض الناس عن العمل بالقرآن إعراضاً كليًّا فيرفع عنهم تكريماً له. والله المستعان. فصل في اللفظ والملفوظ الكلام في هذا الفصل يتعلّق بالقرآن؛ فإنه قد سبق أن القرآن كلام الله غير مخلوق، لكن اللفظ بالقرآن هل يصح أن نقول: إنه مخلوق، أو غير مخلوق، أو يجب السكوت؟! فالجواب: أن يقال: أن إطلاق القول في هذا نفياً أو إثباتاً غير صحيح. وأما عند التفصيل فيقال: إن أُريد باللفظ التلفظ الذي هو فعل العبد فهو مخلوق؛ لأن العبد وفعله مخلوقان، وإن أُريد باللفظ الملفوظ به فهو كلام الله غير مخلوق؛ لأن كلام الله من صفاته، وصفاته غير مخلوقة. ويشير إلى هذا التفصيل قول الإمام أحمد ﵀: "من قال: لفظي بالقرآن مخلوق يريد به القرآن؛ فهو جهمي". فقوله: "يريد به القرآن"؛ يدل على أنه إن أراد به غير القرآن وهو التلفظ الذي هو فعل الإنسان فليس بجهمي. والله أعلم.

стр. 73

الباب التاسع عشر في ظهور مقالة التعطيل واستمدادها شاعت مقالة التعطيل بعد القرون المفضلة - الصحابة والتابعين وتابعيهم - وإن كان أصلها قد نبغ في أواخر عصر التابعين. وأول من تكلم بالتعطيل الجعد بن درهم. فقال: "إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً". فقتله خالد بن عبد الله القسري الذي كان والياً على العراق لهشام بن عبد الملك، خرج به إلى مصلى العيد بوثاقه ثم خطب الناس، وقال: "أيها الناس! ضحوا، تقبّل الله ضحاياكم، فإني مضحٍ بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يُكلّم موسى تكليماً"، ثم نزل وذبحه، وذلك في عيد الأضحى سنة ١١٩هـ. وفي ذلك يقول ابن القيم ﵀ في "النونية": ولأجل ذا ضحى بجعد خالد القسري يوم ذبائح القربان

стр. 74

إذ قال إبراهيم ليس خليله كلا ولا موسى الكليم الداني شكر الضحية كل صاحب سنة لله درّك من أخي قربان ثم أخذها عن الجعد رجل يقال له: الجهم بن صفوان، وهو الذي ينسب إليه مذهب الجهمية المعطلة؛ لأنه نشره فقتله سلم بن أحوز صاحب شرطة نصر بن سيار، وذلك في خراسان سنة ١٢٨هـ. وفي حدود المئة الثانية عربت الكتب اليونانية والرومانية؛ فازداد الأمر بلاء وشدة. ثم في حدود المئة الثالثة انتشرت مقالة الجهمية بسبب بشر بن غياث المريسي وطبقته الذين أجمع الأئمة على ذمهم، وأكثرهم كفّروهم أو ضلّلوهم. وصنّف عثمان بن سعيد الدارمي كتاباً رد به على المريسي سماه: "نقض عثمان بن سعيد على الكافر العنيد فيما افترى على الله من التوحيد" من طالع هذا الكتاب بعلم وعدل، تبين له ضعف حجة هؤلاء المعطلة، بل بطلانها، وأن هذه التأويلات التي توجد في كلام كثير من المتأخرين كالرازي، والغزالي، وابن عقيل، وغيرهم هي بعينها تأويلات بشر.

стр. 75

وأما استمداد مقالة التعطيل فكان من اليهود والمشركين وضلال الصابئين والفلاسفة؛ فإن الجعد بن درهم أخذ مقالته - على ما قيل - من أبان بن سمعان عن طالوت عن لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحر النبي ﷺ . ثم إن الجعد كان - على ما قيل - من أرض حَرَّان وفيها خلق كثير من المشركين والصابئة والفلاسفة، ولا ريب أن للبيئة تأثيراً قويًّا في عقيدة الإنسان وأخلاقه. وكان مذهب النفاة من هؤلاء أن الله ليس له صفات ثبوتية؛ لأن ثبوت الصفات يقتضي - على زعمهم - أن الله مشابه لخلقه، وإنما يثبتون له صفات سلبية، أو إضافية، أو مركبة منهما. فالسلبية: ما كان مدلولها عدم أمر لا يليق بالله مثل قولهم: "إن الله واحد" بمعنى أنه مسلوب عنه القسمة بالكم، أو القول، ومسلوب عنه الشريك. والإضافية: هي التي لا يوصف الله بها على أنها صفة ثابتة له، ولكن يوصف بها باعتبار إضافتها إلى الغير، كقولهم عن الله تعالى: "إنه مبدأ وعلة" فهو مبدأ وعلة، باعتبار أن الأشياء صدرت منه، لا باعتبار صفة ثابتة له هي البداء والعلية.
следующие страницы →