ومن أدلة السنة قوله ﷺ وهو يعرض نفسه على الناس في الموقف -: "ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي؛ فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي " (١) .
وقوله ﷺ للبراء بن عازب: "إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت" (٢) .
وقال عمرو بن دينار: "أدركت الناس منذ سبعين سنة، يقولون: الله الخالق وما سواه مخلوق، إلا القرآن فإنه كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود" (٣) . اهـ.
ومعنى قولهم: "منه بدأ"؛ أن الله تكلم به ابتداء، وفيه رد على الجهمية القائلين: بأنه خلقه في غيره.
وأما قولهم: "وإليه يعود"؛ فيحتمل معنيين:
أحدهما - أنه تعود صفة الكلام بالقرآن إليه، بمعنى: أن أحداً لا يوصف بأنه تكلّم به غير الله؛ لأنه هو المتكلّم به، والكلام صفة للمتكلّم.
الثاني - أنه يرفع إلى الله تعالى كما جاء في بعض الآثار أنه يسري به من المصاحف والصدور، وذلك إنما يقع - والله أعلم -
стр. 72
حين يعرض الناس عن العمل بالقرآن إعراضاً كليًّا فيرفع عنهم تكريماً له. والله المستعان.
فصل
في اللفظ والملفوظ
الكلام في هذا الفصل يتعلّق بالقرآن؛ فإنه قد سبق أن القرآن كلام الله غير مخلوق، لكن اللفظ بالقرآن هل يصح أن نقول: إنه مخلوق، أو غير مخلوق، أو يجب السكوت؟!
فالجواب: أن يقال: أن إطلاق القول في هذا نفياً أو إثباتاً غير صحيح.
وأما عند التفصيل فيقال: إن أُريد باللفظ التلفظ الذي هو فعل العبد فهو مخلوق؛ لأن العبد وفعله مخلوقان، وإن أُريد باللفظ الملفوظ به فهو كلام الله غير مخلوق؛ لأن كلام الله من صفاته، وصفاته غير مخلوقة.
ويشير إلى هذا التفصيل قول الإمام أحمد ﵀: "من قال: لفظي بالقرآن مخلوق يريد به القرآن؛ فهو جهمي".
فقوله: "يريد به القرآن"؛ يدل على أنه إن أراد به غير القرآن وهو التلفظ الذي هو فعل الإنسان فليس بجهمي. والله أعلم.
стр. 73
الباب التاسع عشر في ظهور مقالة التعطيل واستمدادها
شاعت مقالة التعطيل بعد القرون المفضلة - الصحابة والتابعين وتابعيهم - وإن كان أصلها قد نبغ في أواخر عصر التابعين.
وأول من تكلم بالتعطيل الجعد بن درهم. فقال: "إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً". فقتله خالد بن عبد الله القسري الذي كان والياً على العراق لهشام بن عبد الملك، خرج به إلى مصلى العيد بوثاقه ثم خطب الناس، وقال: "أيها الناس! ضحوا، تقبّل الله ضحاياكم، فإني مضحٍ بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يُكلّم موسى تكليماً"، ثم نزل وذبحه، وذلك في عيد الأضحى سنة ١١٩هـ.
وفي ذلك يقول ابن القيم ﵀ في "النونية":
ولأجل ذا ضحى بجعد خالد القسري يوم ذبائح القربان
стр. 74
إذ قال إبراهيم ليس خليله كلا ولا موسى الكليم الداني شكر الضحية كل صاحب سنة لله درّك من أخي قربان ثم أخذها عن الجعد رجل يقال له: الجهم بن صفوان، وهو الذي ينسب إليه مذهب الجهمية المعطلة؛ لأنه نشره فقتله سلم بن أحوز صاحب شرطة نصر بن سيار، وذلك في خراسان سنة ١٢٨هـ.
وفي حدود المئة الثانية عربت الكتب اليونانية والرومانية؛ فازداد الأمر بلاء وشدة.
ثم في حدود المئة الثالثة انتشرت مقالة الجهمية بسبب بشر بن غياث المريسي وطبقته الذين أجمع الأئمة على ذمهم، وأكثرهم كفّروهم أو ضلّلوهم. وصنّف عثمان بن سعيد الدارمي كتاباً رد به على المريسي سماه: "نقض عثمان بن سعيد على الكافر العنيد فيما افترى على الله من التوحيد" من طالع هذا الكتاب بعلم وعدل، تبين له ضعف حجة هؤلاء المعطلة، بل بطلانها، وأن هذه التأويلات التي توجد في كلام كثير من المتأخرين كالرازي، والغزالي، وابن عقيل، وغيرهم هي بعينها تأويلات بشر.
стр. 75
وأما استمداد مقالة التعطيل فكان من اليهود والمشركين وضلال الصابئين والفلاسفة؛ فإن الجعد بن درهم أخذ مقالته - على ما قيل - من أبان بن سمعان عن طالوت عن لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحر النبي ﷺ .
ثم إن الجعد كان - على ما قيل - من أرض حَرَّان وفيها خلق كثير من المشركين والصابئة والفلاسفة، ولا ريب أن للبيئة تأثيراً قويًّا في عقيدة الإنسان وأخلاقه.
وكان مذهب النفاة من هؤلاء أن الله ليس له صفات ثبوتية؛ لأن ثبوت الصفات يقتضي - على زعمهم - أن الله مشابه لخلقه، وإنما يثبتون له صفات سلبية، أو إضافية، أو مركبة منهما.
فالسلبية: ما كان مدلولها عدم أمر لا يليق بالله مثل قولهم: "إن الله واحد" بمعنى أنه مسلوب عنه القسمة بالكم، أو القول، ومسلوب عنه الشريك.
والإضافية: هي التي لا يوصف الله بها على أنها صفة ثابتة له، ولكن يوصف بها باعتبار إضافتها إلى الغير، كقولهم عن الله تعالى: "إنه مبدأ وعلة" فهو مبدأ وعلة، باعتبار أن الأشياء صدرت منه، لا باعتبار صفة ثابتة له هي البداء والعلية.
стр. 76
والمركبة منها هي: التي تكون سلبية باعتبار، وإضافية باعتبار، كقولهم عن الله تعالى: "أنه أول" فهي سلبية باعتبار أنه مسلوب عنه الحدوث إضافية باعتبار أن الأشياء بعده.
فإذا كان هذا هو ما تستمد منه طريقة النفاة فكيف تطيب نفس مؤمن أو عاقل أن يأخذ به ويترك سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين؟.
стр. 77
الباب العشرون في طريقة النفاة فيما يجب إثباته
أو نفيه من صفات الله
اتفق النفاة على أن يُثبتوا لله من الصفات ما اقتضت عقولهم إثباته، وأن ينفوا عنه ما اقتضت عقولهم نفيه، سواء وافق الكتاب والسنة، أم خالفهما، فطريق إثبات الصفات لله أو نفيها عنه عندهم هو العقل.
ثم اختلفوا فيما لا يقتضي العقل إثباته، أو نفيه، فأكثرهم نفوه وخرجوا ما جاء منه على المجاز، وبعضهم توقف فيه وفوض علمه إلى الله مع نفي دلالته على شيء من الصفات.
وهم يزعمون أنهم وفقوا بهذه الطريقة بين الأدلة العقلية والنقلية، ولكنهم كذبوا في ذلك؛ لأن الأدلة العقلية والنقلية متفقة على إثبات صفات الكمال لله، وكل ما جاء في الكتاب والسنة من صفات الله، فإنه لا يخالف العقل، وإن كان العقل يعجز عن إدراك التفصيل في ذلك.
وقد شابه هؤلاء النفاة في طريقتهم طريقة من قال الله فيهم:
стр. 78
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً) (النساء: ٦٠-٦٢﴾ .
ووجه مشابهتهم لهم من وجوه:
الأول: أن كل واحد من الفريقين يزعم أنّه مؤمن بما أنزل على النبي ﷺ ، مع أنهم لا يقبلون كل ما جاء به.
الثاني: أن هؤلاء النفاة إذا دعوا إلى ما جاء به الكتاب والسنة من إثبات صفات الكمال لله أعرضوا وامتنعوا، كما أن أولئك المنافقين إذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول؛ صدّوا وأعرضوا.
الثالث: أن هؤلاء النفاة لهم طواغيت يقلدونهم ويقدمونهم على ما جاءت به الرسل، ويريدون أن يكون التحاكم عند النزاع إليهم لا إلى الكتاب والسنة، كما أن أولئك المنافقين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وقد أُمروا أن يكفروا به.
الرابع: أن هؤلاء النفاة زعموا أنهم أرادوا بطريقتهم هذه عملاً حسناً، وتوفيقاً بين العقل والسمع، كما أن أولئك المنافقين
стр. 79
يحلفون أنهم ما أرادوا إلا إحساناً وتوفيقاً.
وكل مبطل يتستر في باطله، ويتظاهر بالحق فإنه يأتي بالدعاوى الباطلة التي يروج بها باطله، ولكن من وهبه الله علماً، وفهماً، وحكمة، وحسن قصد فإنه لا يلتبس عليه الباطل، ولا تروج عليه الدعاوى الكاذبة. والله المستعان.
فصل
فيما يلزم على طريقة النفاة من اللوازم الباطلة
يلزم على طريقة النفاة لوازم باطلة منها:
أولاً - أنّ الكتاب والسنة صرحا بالكفر والدعوة إليه؛ لأنهما مملوءان من إثبات صفات الله التي زعم هؤلاء النفاة أن إثباتها تشبيه وكفر.
ثانياً - أن الكتاب والسنة لم يُبينا الحقّ؛ لأن الحقّ عند هؤلاء هو نفي الصفات، وليس في الكتاب ولا في السنة ما يدلّ على نفي صفات الكمال عن الله لا نصًّا، ولا ظاهراً.
وغاية المتحذلق من هؤلاء أن يستنتج ذلك (١) من مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم: ٦٥] . وقوله تعالى: ﴿) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] .
ومن المعلوم لكل عاقل أن المقصود من أمثال هذه النصوص
стр. 80
إثبات كمال الله تعالى، وأنه لا شبيه له في صفاته، ولا يمكن أن يُراد بها بيان انتفاء الصفات عنه، إذ لا ريب أن من دلّ الناس على انتفاء الصفات عن الله بمثل هذا الكلام، فهو إما ملغز في كلامه، أو مدلس، أو عاجز عن البيان، وكل هذه الأمور ممتنعة في كلام الله تعالى، وكلام رسوله ﷺ ، فإن كلامهما قد تضمّن كمال البيان والإرادة، فليس المقصود به إرادة ضلال الخلق والتعمية عليهم، وليس فيه نقص في البيان والفصاحة.
ثالثاً - إن السابقين الأولين من المهاجرين، والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان كانوا قائلين بالباطل وكاتمين للحق، أو جاهلين به؛ فإنه قد تواتر النقل عنهم بإثبات صفات الكمال لله، الذي زعم هؤلاء أنه باطل، ولم يتكلموا مرة واحدة بنفي الصفات الذي زعم هؤلاء أنه الحق، وهذا اللازم ممتنع على خير القرون وأفضل الأمة.
رابعاً - أنه إذا انتفت صفة الكمال عن الله لزم أن يكون متصفاً بصفات النقص، فإن كل موجود في الخارج فلا بد له من صفة، فإذا انتفت عنه صفات الكمال لزم أن يكون متصفاً بصفات النقص، وبهذا ينعكس الأمر على هؤلاء النفاة، ويقعون في شرّ مما فروا منه.
стр. 81
فصل
فيما يعتمد عليه النفاة من الشبهات
يعتمد نفاة الصفات على شبهات باطلة (١) يعرف بطلانها كل من رزقه الله علماً صحيحاً، وفهماً سليماً.
وغالب ما يعتمدون عليه ما يأتي:
١ - دعوى كاذبة مثل أن يدعي الإجماع على قوله، أو أنه هو التحقيق، أو أنه قول المحققين، أو أن قول خصمه خلاف الإجماع، ونحو ذلك.
٢ - شبهة مركبة من قياس فاسد، مثل قولهم: إثبات الصفات لله يستلزم التشبيه، لأن الصفات، أعراض والعرض لا يقوم إلا بجسم، والأجسام متماثلة.
٣ - تمسك بألفاظ مشتركة بين معان يصحّ نسبتها إلى الله تعالى ومعان لا يصح نسبتها إليه. مثل: الجسم، والحيز، والجهة، فهذه الألفاظ المجملة يتوصلون بإطلاق نفيها عن الله إلى نفي صفاته عنه (٢) .
стр. 82
ثم هم يصوغون هذه الشّبهات بعبارات مزخرفة طويلة غريبة يحسبها الجاهل بها حقًّا بما كسيته من زخارف القول، فإذا حقق الأمر تبين له أنها شبهات باطلة، كما قيل:
حجج تهافت كالزجاج تخالها حقًّا وكل كاسر مكسور والرد على هؤلاء من وجوه:
الأول - نقض شبهاتهم وحججهم، وأنه يلزمهم فيما أثبتوه نظير ما فروا منه فيما نفوه.
الثاني - بيان تناقض أقوالهم واضطرابها، حيث كان كل طائفة منهم تدعي أن العقل يوجب ما تدعي الأخرى أنه يمنعه ونحو ذلك، بل الواحد منهم ربما يقول قولاً يدعي أن العقل يوجبه، ثم ينقضه في محل آخر، وتناقض الأقوال من أقوى الأدلة على فسادها.
الثالث - بيان ما يلزم على نفيهم من اللوازم الباطلة فإن فساد اللازم يدل على فساد الملزوم.
الرابع - أن النصوص الواردة في الصفات لا تحتمل التأويل، ولئن احتمله بعضها فليس فيه ما يمنع إرادة الظاهر فتعين المصير إليه.
стр. 83
الخامس - أن عامة هذه الأمور من الصفات يعلم بالضرورة من دين الإسلام أن الرسول ﷺ ، جاء بها، فتأويلها بمنزلة تأويل القرامطة والباطنية للصلاة، والصوم، والحج، ونحو ذلك.
السادس - أن العقل الصريح - أي: السالم من الشبهات، والشهوات - لا يحيل ما جاءت به النصوص من صفات الله، بل إنه يدل على ثبوت صفات الكمال لله في الجملة، وإن كان في النصوص من التفاصيل في هذا الباب ما تعجز العقول عن إدراكه والإحاطة به.
وقد اعترف الفحول من هؤلاء أن العقل لا يمكنه الوصول إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية، وعلى هذا فالواجب تلقّي ذلك من النبوات على ما هو عليه من غير تحريف. والله أعلم.
стр. 84
الباب الحادي والعشرون في أن كل واحد من فريقي التعطيل والتمثيل
قد جمع بين التعطيل والتمثيل
المعطل: هو من نفى شيئاً من أسماء الله، أو صفاته، كالجهمية والمعتزلة والأشعرية ونحوهم.
والممثل: هو من أثبت الصفات لله ممثلاً له بخلقه، كمتقدمي الرافضة ونحوهم.
وحقيقة الأمر أن كل معطّل ممثّل، وكل ممثل معطل.
أما المعطل فتعطيله ظاهر؛ وأما تمثيله فوجهه: أنه إنما عطّل؛ لأنه اعتقد أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه، فأخذ ينفي الصفات فراراً من ذلك، فمثّل أولاً، وعطَّل ثانياً.
وأما الممثل فتمثيله ظاهر، وأما تعطيله فمن وجوه ثلاثة:
أحدها - أنه عطَّل نفس النص الذي أثبت به الصفة حيث صرفه عن مقتضى ما يدل عليه؛ فإن النص دال على إثبات صفة تليق بالله، لا على مشابهة الله لخلقه.
الثاني - أنه إذا مثّل الله بخلقه فقد عطّل كل نصّ يدل على
стр. 85
نفي مشابهته لخلقه، مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ، وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] .
الثالث - أنه إذا مثّل الله بخلقه فقد عطله عن كماله الواجب، حيث شبّه الرب الكامل من جميع الوجوه بالمخلوق الناقص.
стр. 86
الباب الثاني والعشرون في تحذير السلف عن علم الكلام
علم الكلام هو: ما أحدثه المتكلّمون في أصول الدين من إثبات العقائد بالطرق التي ابتكروها، وأعرضوا بها عما جاء الكتاب والسنة به، وقد تنوعت عبارات السلف في التحذير عن الكلام وأهله، لما يفضي إليه من الشّبهات والشّكوك، حتى قال الإمام أحمد: "لا يفلح صاحب كلام أبداً". وقال الشافعي: "حُكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد، والنعال، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على علم الكلام" اهـ.
وهم مستحقون لما قاله الإمام الشافعي من وجه؛ ليتوبوا إلى الله، ويرتدع غيرهم عن اتباع مذهبهم، وإذا نظرنا إليهم من وجه آخر، وقد استولت عليهم الحيرة، واستحوذ عليهم الشيطان، فإننا نرحمهم ونرقّ لهم، ونحمد الله الذي عافانا مما ابتلاهم به.
فلنا فيهم نظران: نظر من جهة الشرع: نؤدبهم ونمنعهم به من نشر مذهبهم.
ونظر من جهة القدر: نرحمهم، ونسأل الله لهم العافية، ونحمد الله الذي عافانا من حالهم.
стр. 87
وأكثر من يخاف عليهم الضلال هم الذين دخلوا في علم الكلام ولم يصلوا إلى غايته.
ووجه ذلك أن من لم يدخل فيه فهو في عافية، ومن وصل إلى غايته فقد تبين له فساده، ورجع إلى الكتاب والسنة، كما جرى لبعض كبارهم (١) فيبقى الخطر على من خرج عن الصّراط المستقيم، ولم يتبين له حقيقة الأمر.
وقد نقل المؤلف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذه الفتوى كثيراً من كلام من تكلم في هذا الباب من المتكلمين. قال: "وإن كنا مستغنين بالكتاب والسنة وآثار السلف عن كل كلام، ولكن كثيراً من الناس قد صار منتسباً إلى بعض طوائف المتكلمين ومحسناً للظن بهم دون غيرهم، ومتوهّماً أنهم حقّقوا في هذا الباب ما لم يحقّقه غيرهم، فلو أتى بكل آية ما تبعها حتى يؤتى بشيء من كلامهم". ثم قال: "وليس كل من ذكرنا قوله من المتكلمين وغيرهم، نقول بجميع ما يقوله في هذا وغيره، ولكن الحق يقبل من كل من تكلم به" (٢) . اهـ.
فبيّن ﵀ أن الغرض من نقله بيان الحق من أي إنسان، وإقامة الحجة على هؤلاء من كلام أئمتهم. والله أعلم.
стр. 88
الباب الثالث والعشرون في أقسام المنحرفين عن الاستقامة في باب الإيمان بالله واليوم الآخر
طريقة النبي ﷺ ، وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان على الصراط المستقيم علماً، وعملاً، يعرف ذلك من تتبعها بعلم وعدل، فقد حقّقوا الإيمان بالله واليوم الآخر، وأقرّوا بأن ذلك حق على حقيقته، وهم في عملهم مخلصون لله، متّبعون لشرعه، فلا شرك، ولا ابتداع، ولا تحريف، ولا تكذيب.
وأما المنحرفون عن طريقتهم فهم ثلاث طوائف:
أهل التخييل، وأهل التأويل، وأهل التجهيل.
١ - فأما أهل التخييل: فهم الفلاسفة، والباطنية، ومن سلك سبيلهم من المتكلمين وغيرهم. وحقيقة مذهبهم: أن ما جاءت به الأنبياء مما يتعلق بالإيمان بالله واليوم الآخر أمثال وتخييلات لا حقيقة لها في الواقع، وإنما المقصود بها انتفاع العامة وجمهور الناس؛ لأن الناس إذا قيل لهم: إن لكم ربًّا عظيماً، قادراً رحيماً، قاهراً، وإن أمامكم يوماً عظيماً تبعثون فيه، وتُجازون
стр. 89
بأعمالكم، ونحو ذلك استقاموا على الطريقة المطلوبة منهم، وإن كان هذا لا حقيقة له على زعم هؤلاء.
ثم إن هؤلاء على قسمين: غلاة، وغير غلاة.
فأما الغلاة فيزعمون: أن الأنبياء لا يعلمون حقائق هذه الأمور، وأن من المتفلسفة الإلهية - ومن يزعمونهم أولياء - من يعلم هذه الحقائق، فزعموا أن من الفلاسفة من هو أعلم بالله واليوم الآخر من النبيين الذين هم أعلم الناس بذلك.
وأما غير الغلاة فيزعمون أن الأنبياء يعلمون حقائق هذه الأمور، ولكنهم ذكروا للناس أموراً تخييلية لا تُطابق الحق؛ لتقوم مصلحة الناس، فزعموا أن مصلحة العباد لا تقوم إلا بهذه الطريقة التي تتضمن كذب الأنبياء في أعظم الأمور وأهمها.
فالطائفة الأولى حكمت على الرسل بالجهل. والطائفة الثانية حكمت عليهم بالخيانة والكذب.
هذا هو قول أهل التخييل فيما يتعلق بالإيمان بالله واليوم الآخر.
أما في الأعمال فمنهم من يجعلها حقائق يؤمر بها كل أحد، ومنهم من يجعلها تخييلات ورموزاً يؤمر بها العامة دون الخاصة، فيؤولون الصلاة بمعرفة أسرارهم، والصيام بكتمانها، والحج
стр. 90
بالسفر إلى شيوخهم ونحو ذلك. وهؤلاء هم الملاحدة من الإسماعيلية والباطنية ونحوهم.
وفساد قول هؤلاء معلوم بضرورة الحس، والعقل، والشرع فإننا نشاهد من الآيات الدالة على وجود الله وكمال صفاته ما لا يمكن حصره:
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد فإن هذه الحوادث المنتظمة لا يمكن أن تحدث إلا بمدبر حكيم قادر على كل شيء.
والإيمان باليوم الآخر دلت عليه جميع الشرائع، واقتضته حكمة الله البالغة، ولا ينكره إلا مكابر، أو مجنون.
وأهل التخييل لا يحتاجون في الرد عليهم إلى شيء كثير؛ لأن نفور الناس عنهم معلوم ظاهر.
٢ - وأما أهل التأويل فهم: المتكلمون من الجهمية والمعتزلة وأتباعهم.
وحقيقة مذهبهم أن ما جاء به النبي ﷺ ، من نصوص الصفات مجاز لم يقصد به ظاهره، وإنما المقصود به معان تُخالفه، يعلمها النبي ﷺ ، لكنه تركها للناس يستنتجونها بعقولهم، ثم
стр. 91
يحاولون صرف ظواهر النصوص إليها، وغرضه بذلك امتحان عقولهم، وكثرة الثواب بما يعانونه من محاولة صرف الكلام عن ظاهره، وتنزيله على شواذ اللغة وغرائب الكلام.
وهؤلاء هم أكثر الناس اضطراباً وتناقضاً؛ لأنهم ليس لهم قدم ثابت فيما يمكن تأويله وما لا يمكن، ولا في تعيين المعنى المراد.
ثم إن غالب ما يزعمونه من المعاني يعلم من حال المتكلم وسياق كلامه أنه لم يرده في ذلك الخطاب المعين الذي أولوه.
وهؤلاء كانوا يتظاهرون بنصر السنة، ويتسترون بالتنزيه، ولكن الله تعالى هتك أستارهم برد شبهاتهم ودحض حججهم، فلقد تصدى شيخ الإسلام وغيره للرد عليهم أكثر من غيرهم (١) ؛ لأن الاغترار بهم أكثر من الاغترار بغيرهم؛ لما يتظاهرون به من نصر السنة.
فصل
مذهب أهل التأويل في نصوص المعاد: الإيمان بها على حقيقتها من غير تأويل، ولما كان مذهبهم في نصوص الصفات صرفها عن حقائقها إلى معانٍ مجازية تُخالف ظاهرها، استطال عليهم أهل التخييل فألزموهم القول بتأويل نصوص المعاد كما
стр. 92
فعلوا في نصوص الصفات. فقال أهل التأويل لهم: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسول ﷺ ، جاء بإثبات المعاد، وقد علمنا فساد الشبهة المانعة منه، فلزم القول بثبوته. اهـ.
وهذا جواب صحيح، وحجة قاطعة، تتضمن الدفاع عنهم في عدم تأويلهم نصوص المعاد وإلزام أهل التخييل أن يقولوا بإثبات المعاد، وإجراء نصوصه على حقائقها؛ لأنه إذا قام الدليل، وانتفى المانع وجب ثبوت المدلول.
وقد احتج أهل السنة على أهل التأويل بهذه الحجة نفسها؛ ليقولوا بثبوت الصفات وإجراء نصوصها على حقيقتها، فقالوا لأهل التأويل: "نحن نعلم بالاضطرار أن الرسول ﷺ ، جاء بإثبات الصفات لله، وقد علمنا فساد الشبهة المانعة منه، فلزم القول بثبوتها". وهذا إلزام صحيح وحجة قائمة لا محيد لأهل التأويل عنها؛ فإن من منع صرف الكلام عن حقيقته في نصوص المعاد يلزمه أن يمنعه في نصوص الصفات التي هي أعظم وأكثر إثباتاً في الكتب الإلهية من إثبات المعاد، وإن لم يفعل فقد تبين تناقضه وفساد عقله.
стр. 93
فصل
٣ - وأما أهل التجهيل فهم: كثير من المنتسبين إلى السنة وأتباع السلف.
وحقيقة مذهبهم: أن ما جاء به النبي ﷺ ، من نصوص الصفات ألفاظ مجهولة لا يعرف معناها، حتى النبي ﷺ ، يتكلّم بأحاديث الصفات، ولا يعرف معناها.
ثم هم مع ذلك يقولون: ليس للعقل مدخل في باب الصفات. فيلزم على قولهم أن لا يكون عند النبي ﷺ ، وأصحابه وأئمة السلف في هذا الباب علوم عقلية ولا سمعية، وهذا من أبطل الأقوال.
وطريقتهم في نصوص الصفات: إمرار لفظها مع تفويض معناها، ومنهم من يتناقض فيقول: تجري على ظاهرها مع أن لها تأويلاً يخالفه لا يعلمه إلا الله، وهذا ظاهر التناقض، فإنه إذا كان المقصود بها التأويل الذي يخالف الظاهر وهو لا يعلمه إلا الله، فكيف يمكن إجراؤها على ظاهرها؟
وقد قال الشيخ ﵀ عن طريقة هؤلاء في كتاب "العقل والنقل" ص١٢١ ج١: "فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع والإلحاد" اهـ.
стр. 94
والشبهة التي احتج بها أهل التجهيل هي وقف أكثر السلف على ﴿إِلاَّ اللَّهُ﴾ من قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] .
وقد بنوا شبهتهم على مقدمتين:
الأولى - أن آيات الصفات من المتشابه.
الثانية - أن التأويل المذكور في الآية: هو صرف اللفظ عن ظاهره إلى المعنى الذي يخالف الظاهر، فتكون النتيجة أن لآيات الصفات معنى يُخالف ظاهرها لا يعلمه إلا الله.
والرد عليهم من وجوه:
الأول - أن نسألهم ماذا يُريدون بالتشابه الذي أطلقوه على آيات الصفات. أيُريدون اشتباه المعنى وخفاءه، أم يُريدون اشتباه الحقيقة وخفاءها؟
فإن أرادوا المعنى الأول - وهو مرادهم - فليست آيات الصفات منه لأنها ظاهرة المعنى، وإن أرادوا المعنى الثاني فآيات الصفات منه، لأنه لا يعلم حقيقتها وكيفيتها إلا الله تعالى. وبهذا عرف أنه لا يصحّ إطلاق التشابه على آيات الصفات، بل
стр. 95
لا بد من التفصيل السابق.
الثاني - أن قولهم: "إن التأويل المذكور في الآية هو صرف اللفظ عن ظاهره إلى المعنى الذي يُخالف الظاهر"؛ غير صحيح، فإن هذا المعنى للتأويل اصطلاح حادث لم يعرفه العرب والصحابة الذين نزل القرآن بلغتهم، وإنما المعروف عندهم أن التأويل يراد به معنيان:
١ - إما التفسير ويكون التأويل على هذا معلوماً لأولي العلم، كما قال ابن عباس ﵄ (١) : "أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله" وعليه يحمل وقف كثير من السلف على قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] . من الآية السابقة.
٢ - وأما حقيقة الشيء ومآله، وعلى هذا يكون تأويل ما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم الآخر غير معلوم لنا؛ لأن ذلك هو الحقيقة والكيفية التي هو عليها، وهو مجهول لنا، كما قاله مالك وغيره في الاستواء وغيره، وعليه يحمل وقف جمهور السلف على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] من الآية السابقة.
الوجه الثالث - أن الله أنزل القرآن للتدبّر، وحثنا على تدبره كله، ولم يستثن آيات الصفات، والحثّ على تدبره يقتضي أنه يمكن الوصول إلى معناه وإلا لم يكن للحث على تدبره معنى؛
стр. 96
لأن الحث على شيء لا يمكن الوصول إليه لغو من القول، ينزه كلام الله وكلام رسوله ﷺ عنه، وهذا - أعني الحث على تدبره كله من غير استثناء - يدل على أن لآيات الصفات معنى يمكن الوصول إليه بالتدبر، وأقرب الناس إلى فهم ذلك المعنى هو النبي ﷺ ، وأصحابه؛ لأن القرآن نزل بلغتهم، ولأنّهم أسرع الناس إلى امتثال الحثّ على التدبّر خصوصاً فيما هو أهم مقاصد الدين.
وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلّموا من النبي ﷺ ، عشر آيات لا يتجاوزونها حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، قال: فتعلمنا القرآن، والعلم، والعمل جميعاً، فكيف يجوز مع هذا أن يكونوا جاهلين بمعاني نصوص الصفات التي هي أهم شيء في الدين؟!
الرابع: أن قولهم يستلزم أن يكون الله قد أنزل في كتابه المبين ألفاظاً جوفاء لا يبين بها الحق، وإنما هي بمنزلة الحروف الهجائية والأبجدية، وهذا ينافي حكمة الله التي أنزل الله الكتاب، وأرسل الرسول من أجلها.
تنبيه: عُلم مما سبق أن معاني التأويل ثلاثة:
стр. 97
الأول - التفسير وهو إيضاح المعنى وبيانه، وهذا اصطلاح جمهور المفسرين، ومنه قوله ﷺ لابن عباس: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل" (١) ،
وهذا معلوم عند العلماء في آيات الصفات وغيرها.
الثاني - الحقيقة التي يؤول الشيء إليها، وهذا هو المعروف من معنى التأويل في الكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] ، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩] . فتأويل آيات الصفات بهذا المعنى هو الكنه والحقيقة التي هي عليها، وهذا لا يعلمه إلا الله.
الثالث - صرف اللفظ عن ظاهره إلى المعنى الذي يُخالف الظاهر، وهو اصطلاح المتأخرين من المتكلمين وغيرهم. وهذان نوعان؛ صحيح وفاسد:
فالصحيح: ما دلّ الدليل عليه، مثل تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] . إلى أن المعنى إذا أردت أن تقرأ.
والفاسد: ما لا دليل عليه؛ كتأويل استواء الله على عرشه باستيلائه، ويده بقوته ونعمته، ونحو ذلك.
стр. 98
فصل
روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "تفسير القرآن على أربعة أوجه:
تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله، فمن ادعى علمه فهو كاذب". اهـ.
١ - فالتفسير الذي تعرفه العرب من كلامها هو: تفسير مفردات اللغة، كمعرفة معنى القرء، والنمارق، والكهف ونحوها.
٢ - والتفسير الذي لا يُعذر أحد بجهالته، وهو تفسير الآيات المكلّف بها اعتقاداً، أو عملاً، كمعرفة الله بأسمائه وصفاته، ومعرفة اليوم الآخر، والطهارة، والصلاة، والزكاة وغيرها.
٣ - والتفسير الذي يعلمه العلماء هو: ما يخفى على غيرهم مما يمكن الوصول إلى معرفته، كمعرفة أسباب النزول، والناسخ، والمنسوخ، والعام، والخاص، والمحكم، والمتشابه، ونحو ذلك.
٤ - وأما التفسير الذي لا يعلمه إلا الله فهو: حقائق ما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم الآخر، فإن هذه الأشياء نفهم معناها، لكن لا ندرك حقيقة ما هي عليه في الواقع.
стр. 99
مثال ذلك: أننا نفهم معنى استواء الله على عرشه، ولكننا لا ندرك كيفيته التي هي حقيقة ما هو عليه في الواقع، وكذلك نفهم معنى الفاكهة والعسل، والماء، واللبن، وغيرها مما أخبر الله أنه في الجنة، ولكن لا ندرك حقيقته في الواقع، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] . قال ابن عباس ﵄: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء (١) .
وبهذا تبين أن في القرآن ما لا يعلم تأويله إلا الله؛ كحقائق أسمائه، وصفاته، وما أخبر الله به عن اليوم الآخر، وأما معاني هذه الأشياء فإنها معلومة لنا، وإلا لَمَا كان للخطاب بها فائدة. والله أعلم.
стр. 100
الباب الرابع والعشرون في انقسام أهل القبلة في آيات الصفات وأحاديثها
المراد بأهل القبلة: من يصلي إلى القبلة، وهم كل من ينتسب إلى الإسلام.
وقد انقسم أهل القبلة في آيات الصفات وأحاديثها إلى ست طوائف:
طائفتان قالوا: تُجرى على ظاهرها.
وطائفتان قالوا: تُجرى على خلاف ظاهرها.
وطائفتان واقفتان.
فالطائفتان الذين قالوا: تجرى على ظاهرها، هم:
١ - طائفة المشبهة الذين جعلوها من جنس صفات المخلوقين. ومذهبهم باطل؛ أنكره عليهم السلف.
٢ - طائفة السلف الذين أجروها على ظاهرها اللائق بالله ، ومذهبهم هو الصواب المقطوع به لدلالة الكتاب والسنة والعقل عليه دلالة ظاهرة. إما قطعية، وإما ظنية، كما
стр. 101
تقدم دليل وجوبها وصحتها في البابين: الثالث والرابع.
والفرق بين هاتين الطائفتين، أن الأولى تقول بالتشبيه، والثانية تنكره.
فإن قال المشبه في علم الله ونزوله ويده - مثلاً -: أنا لا أعقل من العلم والنزول، واليد إلا مثل ما يكون للمخلوق من ذلك. فجوابه من وجوه:
الأول - أن العقل، والسمع قد دلّ كل منهما على مباينة الخالق للمخلوق في جميع صفاته، فصفات الخالق تليق به، وصفات المخلوق تليق به، فمن أدلة السمع على مباينة الخالق للمخلوق قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ، وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] . ومن أدلة العقل أن يقال: كيف يكون الخالق الكامل من جميع الوجوه، الذي الكمال من لوازم ذاته، وهو معطي الكمال مشابهاً للمخلوق الناقص، الذي النقص من لوازم ذاته، وهو مفتقر إلى من يكمله؟!
الثاني - أن يُقال له: ألست تعقل لله ذاتاً لا تشبه ذات المخلوقين؟ فسيقول: بلى! فيقال له: فلتعقل إذن أن لله صفاتٍ لا تشبه صفات المخلوقين؛ فإن القول في الصفات كالقول في الذات، ومن فرق بينهما فقد تناقض.
стр. 102
الثالث - أن يُقال: نحن نشاهد من صفات المخلوقات صفات اتفقت في أسمائها، وتباينت في كيفيتها؛ فليست يد الإنسان كيد الحيوان الآخر، فإذا جاز اختلاف الكيفية في صفات المخلوقات مع اتحادها في الاسم؛ فاختلاف ذلك بين صفات الخالق والمخلوق من باب أولى، بل التباين بين صفات الخالق والمخلوق واجب كما تقدم!!
وأما الطائفتان الذين قالوا: تُجرى على خلاف ظاهرها، وأنكروا أن يكون لله صفات ثبوتية، أو أنكروا بعض الصفات، أو أثبتوا الأحوال دون الصفات فهم:
١ - أهل التأويل من الجهمية وغيرهم الذين أوّلُوا نصوص الصفات إلى معانٍ عينوها، كتأويلهم اليد بالنعمة، والاستواء بالاستيلاء، ونحو ذلك.
٢ - أهل التجهيل المفوضة الذين قالوا: الله أعلم بما أراد بنصوص الصفات، لكننا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجية له تعالى، وهذا القول متناقض. فإن قولهم: نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجية له يناقض التفويض؛ لأن حقيقة التفويض أن لا يحكم المفوض بنفي ولا إثبات، وهذا ظاهر.
والفرق بين هاتين الطائفتين: أن الأولى أثبتوا لنصوص
стр. 103
الصفات معنى، لكنه خلاف ظاهرها، وأما الثانية فيفوضون ذلك إلى الله من غير إثبات معنى، مع قولهم: "أنه لا يراد من تلك النصوص إثبات صفة لله ".
وأما الطائفتان الذين توقفوا فهم:
١ - طائفة جوزوا أن يكون المراد بنصوص الصفات إثبات صفة تليق بالله، وأن لا يكون المراد ذلك، وهؤلاء كثير من الفقهاء وغيرهم.
٢ - طائفة أعرضوا بقلوبهم وألسنتهم عن هذا كله، ولم يزيدوا على قراءة القرآن والحديث.
والفرق بين هذه الطائفة والتي قبلها: أن الأولى تحكم بتجويز الأمرين: الإثبات وعدمه.
وأما الثانية، فلا تحكم بشيء أبداً. والله أعلم.
стр. 104
الباب الخامس والعشرون في ألقاب السوء التي وضعها المبتدعة على أهل السنة
من حكمة الله تعالى أن جعل لكل نبي عدوًّا من المجرمين، يصدون عن الحق بما استطاعوا من قول وفعل، بأنواع المكائد، والشبهات، والدعاوى الباطلة؛ ليتبين بذلك الحق، ويتضح ويعلو على الباطل، وقد لقي النبي ﷺ ، وأصحابه من هذا شيئاً كثيراً، كما قال تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً﴾ [آل عمران: ١٨٦] . فقد وضع أولئك الظالمون المشركون للنبي ﷺ ، وأصحابه ألقاب التشنيع والسخرية. مثل: ساحر، مجنون، كاهن، كذّاب، ونحو ذلك.
ولما كان أهل العلم والإيمان هم ورثة النبي ﷺ ، لقوا من أهل الكلام والبدع، مثل ما لقيه النبي ﷺ ، وأصحابه من أولئك المشركين، فكانت كل طائفة من هذه الطوائف تلقّب أهل السنة بما برأهم الله منه من ألقاب التشنيع والسخرية، إما
стр. 105
لجهلهم بالحق، حيث ظنوا صحة ما هم عليه وبطلان ما عليه أهل السنة، وإما لسوء القصد حيث أرادوا بذلك التنفير عن أهل السنة، والتعصب لآرائهم مع علمهم بفسادها.
فالجهمية ومن تبعهم من المعطلة سمُّوا أهل السنة "مشبهة"، زعماً منهم أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه.
والروافض سمُّوا أهل السنة "نواصب"؛ لأنهم يُوالون أبا بكر وعمر، كما كانوا يوالون آل النبي ﷺ ، والروافض تزعم أن من والى أبا بكر وعمر فقد نصب العداوة لآل البيت، ولذلك كانوا يقولون: "لا ولاء إلا ببراء". أي لا ولاية لآل البيت إلا بالبراءة من أبي بكر وعمر!!
والقدرية النفاة قالوا: أهل السنة "مجبرة"، لأن إثبات القدر جبر عند هؤلاء النفاة!!
والمرجئة المانعون من الاستثناء في الإيمان يسمون أهل السنة "شكاكاً"؛ لأن الإيمان عندهم هو إقرار القلب، والاستثناء شك فيه عند هؤلاء المرجئة!!
وأهل الكلام والمنطق يُسمون أهل السنة "حشوية". من الحشو، وهو: ما لا خير فيه، ويسمونهم "نوابت". وهي بذور الزرع التي تنبت معه ولا خير فيها. ويسمونهم "غثاء". وهو ما
стр. 106
تحمله الأودية من الأوساخ، لأن هؤلاء المناطقة زعموا أن من لم يحط علماً بالمنطق فليس على يقين من أمره، بل هو من الرعاع الذين لا خير فيهم.
والحقّ أن هذا العلم الذي فخروا به لا يغني من الحق شيئاً، كما قال الشيخ ﵀ في كتابه: "الرد على المنطقيين": "إني كنت دائماً أعلم أن المنطق اليوناني لا يحتاج إليه الذكي، ولا ينتفع به البليد" (١) . اهـ.
стр. 107
الباب السادس والعشرون في الإسلام والإيمان
الإسلام لغة: الانقياد.
وشرعاً: استسلام العبد لله ظاهراً وباطناً، بفعل أوامره، واجتناب نواهيه. فيشمل الدين كله، قال الله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة: ٣] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] .
وأما الإيمان فهو لغة: التصديق. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧] .
وفي الشرع: إقرار القلب المستلزم للقول والعمل، فهو اعتقاد وقول وعمل، اعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل القلب والجوارح.
والدليل على دخول هذه الأشياء كلها في الإيمان، قوله ﷺ : "الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره" (١) .
وقوله: "الإيمان بضع
стр. 108
وسبعون شعبة، فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" (١) .
فالإيمان بالله وملائكته ... إلخ؛ اعتقاد القلب.
وقول لا إله إلا الله؛ قول اللسان.
وإماطة الأذى عن الطريق عمل الجوارح.
والحياء؛ عمل القلب.
وبذلك عرف أن الإيمان يشمل الدين كله، وحينئذٍ لا فرق بينه وبين الإسلام، وهذا حينما ينفرد أحدهما عن الآخر، أما إذا اقترن أحدهما بالآخر فإن الإسلام يفسر بالاستسلام الظاهر الذي هو قول اللسان، وعمل الجوارح، ويصدر من المؤمن كامل الإيمان، وضعيف الإيمان. قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] . ومن المنافق لكن يُسمّى مسلماً ظاهراً، ولكنه كافر باطناً.
ويفسر الإيمان بالاستسلام الباطن الذي هو إقرار القلب وعمله، ولا يصدر إلا من المؤمن حقًّا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا
стр. 109
رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤] .
وبهذا المعنى يكون الإيمان أعلى. فكل مؤمن مسلم؛ ولا عكس.
فصل
في زيادة الإيمان ونقصانه
من أصول أهل السنة والجماعة: أن الإيمان يزيد وينقص. وقد دل على ذلك الكتاب والسنة.
فمن أدلة الكتاب، قوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] .
ومن أدلة السنة، قوله ﷺ ، في النساء: "ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب لِلبِّ الرجل الحازم من إحداكن" (١) .
ففي الآية إثبات زيادة الإيمان، وفي الحديث إثبات نقص الدين.
وكل نص يدل على زيادة الإيمان، فإنه يتضمن الدلالة على نقصه؛ وبالعكس لأن الزيادة والنقص متلازمان، لا يعقل أحدهما دون الآخر.
وقد ثبت لفظ الزيادة والنقص منه عن الصحابة، ولم يعرف منهم مخالف فيه، وجمهور السلف على ذلك قال ابن عبد البر:
стр. 110
وعلى أن الإيمان يزيد وينقص جماعة أهل الآثار والفقهاء أهل الفتيا في الأمصار. وذكر عن مالك روايتين في إطلاق النقص إحداهما: التوقف. والثانية: موافقة الجماعة.
وخالف في هذا الأصل طائفتان:
الأولى - المرجئة الخالصة الذين يقولون: إن الإيمان إقرار القلب، وزعموا أن إقرار القلب لا يتفاوت؛ فالفاسق والعدل عندهم سواء في الإيمان.
الثانية - الوعيدية من المعتزلة والخوارج، الذين أخرجوا أهل الكبائر من الإيمان، وقالوا: إن الإيمان إما أن يوجد كله، وإما أن يعدم كله، ومنعوا من تفاضله.
وكل من هاتين الطائفتين محجوج بالسمع والعقل.
أما السمع فقد تقدّم في النصوص ما دل على إثبات زيادة الإيمان ونقصه.
وأما العقل فنقول للمرجئة: قولكم: إن الإيمان هو إقرار القلب، وإقرار القلب لا يتفاوت،