← Тафсир

Тафсир · id 21821

التفسير الوسيط للواحدي

الواحدي

Полный текст (2 298 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

أن الكفار الذين تقوم عليهم الساعة تأخذهم الصيحة وهم يختصمون، والقوم إذا كانوا على أمر واحد كان الخبر عن بعضهم كالخبر عن جميعهم. ثم ذكر أن الساعة إذا أخذتهم بغتة لم يقدروا على الارتقاء بشيء، فقال: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ [يس: ٥٠] قال مقاتل: عجلوا عن الوصية فماتوا. ﴿وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٥٠] وإلى منازلهم يرجعون من الأسواق، وهذا إخبار عما يلقون في النفخة الأولى. ثم أخبر عما يلقونه في النفخة الثانية إذا بعثوا بعد الموت، فقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ﴿٥١﴾ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ﴿٥٢﴾ إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ ﴿٥٣﴾ فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٥٤﴾ ﴾ [يس: ٥١-٥٤] ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ﴾ [يس: ٥١] يعني القبور، ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] يخرجون من قبورهم أحياء، يقال: نسل في العد وينسل نسلانا. ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢] قال المفسرون: إنما يقولون هذا لأن الله رفع عنهم العذاب فيما بين النفختين، فيرقدون، فلما بعثوا في النفخة الأخيرة وعاينوا القيامة دعوا بالويل، فقالت الملائكة: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس: ٥٢] على ألسنة الرسل أنه يبعثكم بعد الموت، وصدق المرسلون في وعد البعث، وقال قتادة: أول الآية للكافرين وآخرها للمسلمين، قال الكافرون: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢] . وقال المسلم: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢] . ثم ذكر النفخة الثانية، فقال: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣] . يقول الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس: ٥٤] . ثم ذكر أولياءه، فقال: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ ﴿٥٥﴾ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ ﴿٥٦﴾ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ ﴿٥٧﴾ سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ﴿٥٨﴾ ﴾ [يس: ٥٥-٥٨] ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ﴾ [يس: ٥٥] يعني في الآخرة، في شغل وقرئ شغل وهما لغتان، قال مقاتل: شغلوا بافتضاض العذارى من أهل النار، فلا يذكرونهم ولا يهتمون لهم. وهذا قول جماعة المفسرون. وقال الحسن: شغلوا بما في الجنة من النعيم عما فيه أهل النار من العذاب. فاكهون ناعمون معجبون بما هم فيه، قال أبو زيد: الفكه الطيب النفس الضحوك، يقال: رجل فكه وفاكه ولم يسمع لهذا أفعل في الثلاثي. هم وأزواجهم يعني حلائلهم، في ظلال قال مقاتل: في أكنان القصور. وقرئ في ظلل وهي جمع ظلة. على الأرائك وهي السرر عليها الحجال، قال أحمد بن يحيى: الأريكة لا تكون إلا سريرا في قبة عليه سواره ومتاعه. لهم فيها في الجنة، ﴿فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] يتمنون ويشتهون، قال الزجاج: وهو مأخوذ من الدعاء. والمعنى: كل ما يدعوه أهل الجنة يأتيهم. ثم بين ما يشتهون، فقال: سلام قولا وهو بدل من ما، المعنى لهم ما يتمنون سلام، ومن أهل الجنة أن يسلم الله عليهم، وقولا منصوب على معنى لهم سلام، يقوله

стр. 1647

الله قولا. ٧٨١ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَبْدُ الْخَالِقِ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى اللَّخْمِيُّ، نا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ الزَّعْفَرَانِيُّ، نا ابْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ، نا أَبُو عَاصِمٍ، نا الْفَضْلُ الرَّقَاشِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : " بَيْنَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ إِذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ، فَرَفَعُوا رُءُوسَهُمْ فَإِذَا الرَّبُّ، ، قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ، تَعَالَى: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ فَيَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَلا يَلْتَفِتُونَ إِلَى شَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ مَا دَامُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ حَتَّى يَحْتَجِبَ عَنْهُمْ، فَيَبْقَى نُورُهُ وَبَرَكَتُهُ عَلَيْهِمْ فِي دِيَارِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرْسِلُ الرَّحِيمُ إِلَيْهِمْ بِالسَّلامِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِنَّ الْمَلائِكَةَ تَدْخُلُ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ كُلِّ بَابٍ، يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ، يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، مِنْ رَبِّكُمُ الرَّحِيمِ ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ﴿٥٩﴾ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴿٦٠﴾ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿٦١﴾ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ﴿٦٢﴾ ﴾ [يس: ٥٩-٦٢] قوله: وامتازوا اليوم يقال: مزت الشيء من شيء إذا عزلته وتحيته فامتاز. قال: مقاتل: اعتزلوا اليوم يعني في الآخرة من الصالحين. وقال السدي: كونوا على حدة. قال الزجاج: انفردوا عن المؤمنين. ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ [يس: ٦٠] ألم آمركم وأوص إليكم، وقال الزجاج: ألم أتقدم إليكم على لسان الرسل يا بني آدم. قال مقاتل: يعني الذين أمروا بالاعتزال. ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠] لا تطيعوا إبليس في الشرك، ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٠] ظاهر العداوة، أخرج أبويكم من الجنة. ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ [يس: ٦١] أطيعوني ووحدوني، ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦١] يعني دين الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ . ثم ذكر عداوته لبني آدم، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا﴾ [يس: ٦٢] يعني: خلقا كثيرا، وفيه لغات: جبلا، وجبلا، وجبلا، وهذه الأوجه قرئ بها ومعناها: الخلق والجماعة. ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٢] ما رأيتم من الأمم قبلكم إذ أطاعوا إبليس وعصوا الرسول فأهلكوا، ويقال لهم لما دنوا من النار: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴿٦٣﴾ اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴿٦٤﴾ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿٦٥﴾ وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ﴿٦٦﴾ وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ ﴿٦٧﴾ ﴾ [يس: ٦٣-٦٧] ﴿

стр. 1648

هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [يس: ٦٣] بها في الدنيا. اصلوها قاسوا حرها، اليوم يعني يوم القيامة، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [يس: ٦٤] بكفركم بها في الدنيا. اليوم نختم الآية، قال المفسرون: إنهم ينكرون الشرك وتكذيب الرسل. وقالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] فختم الله على أفواههم وتكلمت جوارحهم بإذن الله لها في الكلام فشهدت عليهم بما عملوا. قوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ [يس: ٦٦] أذهبنا أعينهم وجعلناها بحيث لا يبدو لها شق ولا جفن، يهددهم الله بهذا كقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠] يقول: كما أعمينا قلوبهم لو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة. فاستبقوا الصراط فتبادروا إلى الطريق، فأنى يبصرون فكيف يبصرون وقد أعمينا أبصارهم. ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ [يس: ٦٧] على مكانهم الذي هم فيه قعود، يقول: لو شئت لمسختهم حجارة في منازلهم ليس فيها أرواح. ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٦٧] لا يقدرون على ذهاب ولا مجيء. ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ ﴿٦٨﴾ وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُبِينٌ ﴿٦٩﴾ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿٧٠﴾ ﴾ [يس: ٦٨-٧٠] ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ [يس: ٦٨] بالتشديد والتخفيف، يقال: نكسته وأنكسته، وأنكسته وأنكسته. وذكرنا معنى النكس في قوله: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٦٥] قال الزجاج: من أطلنا عمره نكسنا خلقه، فصار بدل القوة الضعف، وبدل الشباب الهرم. أفلا يعقلون أليس لهم عقل فيعتبروا فيعلموا أن الذي قدر على هذا من تصريف أحوال الإنسان قادر على البعث بعد الموت، ومن قرأ بالتاء فهو مخاطبة للكفار. قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: ٦٩] قال الكلبي: إن كفار مكة قالوا: إن القرآن شعر، وإن محمدا شاعر. فقال الله تكذيبا لهم: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] الشعر أي: ما يستهل له ذلك، وما يتزن له بيت شعر حتى إذا مثل له بيت شعر جرى على لسانه منكسرا. ٧٨٢ - أَخْبَرَنِي أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ، إِجَازَةً، نا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ كَيْسَانَ، نا إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي، نا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ : كَانَ يَتَمَثَّلُ بِهَذَا الْبَيْتِ: «كَفَى الإِسْلامُ وَالشَّيْبُ لِلْمَرْءِ نَاهِيًا» ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا قَالَ الشَّاعِرُ: كَفَى الشَّيْبُ وَالإِسْلامُ لِلْمَرْءِ نَاهِيًا، أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، مَا عَلَّمَكَ الشِّعْرَ، وَمَا يَنْبَغِي لَكَ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَتَمَثَّلُ بِبَيْتِ أَخِي بَنِي قَيْسٍ:

стр. 1649

سَتُبْدِي لَكَ الأَيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلا ... وَيَأْتِيكَ بِالأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ فَجَعَلَ يَقُولُ: وَيَأْتِيكَ مَنْ لَمْ تُزَوِّدْ بِالأَخْبَارِ، فَيَقُولُ أَبُو بَكْرٍ: لَيْسَ هَكَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَيَقُولُ: إِنِّي لَسْتُ بِشَاعِرٍ وَلا يَنْبَغِي لِي وقوله: إن هو قال مقاتل: ما القرآن، إلا ذكر موعظة، وقرآن مبين فيه الفرائض والحدود والأحكام. لينذر أي القرآن، ومن قرأ بالتاء لتنذر يا محمد بما في القرآن، ﴿مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: ٧٠] يعني: مؤمنا حي القلب، لأن الكافر كالميت في أنه لا يتدبر ولا يتفكر، ويحق القول وتجب الحجة بالقرآن، على الكافرين. ثم ذكرهم قدرته، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ ﴿٧١﴾ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ﴿٧٢﴾ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ ﴿٧٣﴾ ﴾ [يس: ٧١-٧٣] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١] مما تولينا خلقه بإبداعنا وإنشائنا لم نشارك في خلقه ولم نخلقه بإعانة معين، وذكر الأيدي ههنا يدل على إنفراده بما خلق، والواحد منا إذا قال عملت هذا بيدي دل ذلك على إنفراده بعمله، وإنما تخاطب العرب بما يستعملون من مخاطباتهم، وقوله: أنعاما يريد: الإبل والبقر والغنم، ﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس: ٧١] ضابطون قاهرون، أي: لم نخلق الأنعام وحشية نافرة من بني آدم لا يقدرون على ضبطها، بل هي مسخرة لهم. وهو قوله: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ [يس: ٧٢] ما يركبون، يعني الإبل، وقال مقاتل: يعني حمولتهم الإبل والبقر. ومنها يأكلون يعني الغنم. ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ [يس: ٧٣] من الأصواف والأوبار والأشعار والنسل، ومشارب من ألبانها، أفلا يشكرون رب هذه النعم فيوحدونه. ثم ذكر جهلهم وغرتهم، فقال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ ﴿٧٤﴾ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ ﴿٧٥﴾ فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴿٧٦﴾ ﴾ [يس: ٧٤-٧٦] ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [يس: ٧٤] يمنعون من العذاب. ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ [يس: ٧٥] قال ابن عباس: لا تقدر الأصنام على نصرتهم. وقال مقاتل: لا تقدر آلهة أن تمنعهم من العذاب. ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٥] يعني: الكفار جند الأصنام، يغضبون لهم ويحضرونهم في الدنيا. قال قتادة: يغضبون للآلهة في الدنيا وهي لا تسوق إليهم خيرا ولا تدفع عنهم شرا. وقال الزجاج: ينتصرون للأصنام وهي لا تستطيع نصرهم. ثم عزى نبيه، فقال: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يس: ٧٦] يعني: قول كفار مكة في تكذيبك، ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ [يس: ٧٦] في ضمائرهم من تكذيبك، وما يعلنون بألسنتهم، والمعنى: إنا نثيبك ونجازيهم. قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ﴾ [يس: ٧٧] يعني: أبي بن خلف، خاصم النبي ﷺ في إنكار البعث، وأتاه بعظم قد بلي، فتته بيده، وقال: أيحيي الله هذا بعدما رم؟ فأنزل الله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴿٧٧﴾ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ

стр. 1650

يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ﴿٧٨﴾ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴿٧٩﴾ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ﴿٨٠﴾ ﴾ [يس: ٧٧-٨٠] ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] يعني: ألا يرى أنه مخلوق من نطفة، ثم هو يخاصم! وهذا تعجيب من جهله، وإنكار عليه خصومته، أي: كيف لا يتفكر في بدء خلقه حتى يدع خصومته. ثم أكد الإنكار عليه بقوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا﴾ [يس: ٧٨] يعني أنه ضرب المثل في إنكار البعث بالعظم البالي، يفته بيده، ويتعجب ممن يقول: إن الله يحييه. ونسي خلقه قال مقاتل: وترك النظر في خلق نفسه، إذ خلق من نطفة. ثم بين ذلك المثل بقوله: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] قاس قدرة الله بقدرة الخلق، فأنكر إحياء العظم البالي لما لم يكن ذلك في مقدور الخلق، يقال: رم العظم يرم رما إذا بلي، وهو رميم، والعظام رميم، ولا يقال بالهاء لأنه مصروف إلى فعيل. قال الله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا﴾ [يس: ٧٩] ابتدأها وخلقها، ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ﴾ [يس: ٧٩] من الابتداء والإعادة، عليم. ثم زاد في البيان، وأخبر عن عجيب صنعه، فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا﴾ [يس: ٨٠] يعني: ما جعل من النار في المرخ والقفار، وهما شجرتان تتخذ الأعراب زنودها منها، وهو قوله: ﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٨٠] تقدحون النار، وتوقدونها من ذلك الشجر. ثم ذكر ما هو أعظم خلقا من الإنسان، فقال: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ ﴿٨١﴾ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿٨٢﴾ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٨٣﴾ ﴾ [يس: ٨١-٨٣] ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [يس: ٨١] في عظمها وكثرة أجزائها، يقدر على إعادة خلق البشر، ثم أجاب هذا الاستفهام بقوله: بلى أي: هو قادر على ذلك، وهو الخلاق يخلق خلقا بعد خلقا، العليم بجميع ما خلق. ثم ذكر قدرته على إيجاد الشيء، فقال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] وقد تقدم تفسيرها. ثم نزه نفسه من أن يوصف بغير القدرة، فقال: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس: ٨٣] أي: ملك كل شيء، والقدرة على كل شيء. وإليه ترجعون تردون بعد الموت.

стр. 1651

سورة الصافات مكية وآياتها اثنتان وثمانون ومائة. ٧٨٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ أَبِي الْفَضْلِ الْمُؤَذِّنُ، أنا أَبُو إِسْحَاقَ الأَسَدِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ الْيَرْبُوعِيُّ، نا الْمَدَائِنِيُّ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الصَّافَّاتِ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، بِعَدَدِ كُلِّ جِنِّيٍّ وَشَيْطَانٍ، وَتَبَاعَدَتْ مِنْهُ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، وَبَرِئَ مِنَ الشِّرْكِ، وَشَهِدَ لَهُ حَافِظَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةُ أَنَّهُ كَانَ مُؤْمِنًا بِالْمُرْسَلِينَ» ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا ﴿١﴾ فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا ﴿٢﴾ فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا ﴿٣﴾ إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ ﴿٤﴾ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ ﴿٥﴾ ﴾ [الصافات: ١-٥] بسم الله الرحمن الرحيم والصافات صفا هذا قسم أقسم الله بالملائكة التي تصف أنفسها في السماء كصفوف الخلق في الدنيا، قال ابن عباس: يريد الملائكة صفوفا صفوفا، لا يعرف كل ملك منهم من إلى جانبه، لم يلتفت منذ خلقه الله . فالزاجرات زجرا يعني الملائكة الذين وكلوا بالسحاب، يزجرونه في سوقه وتأليفه، وقال قتادة: يعني زواجر القرآن، وهي كل ما ينهى ويزجر عن القبيح. فالتاليات ذكرا هم الملائكة، يتلون ذكر الله، وقال الكلبي: هم قراء الكتاب. ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ [الصافات: ٤] جواب القسم، أقسم الله تعالى بهذه الأقسام أنه واحد ليس له شريك. ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الصافات: ٥] من شيء، ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات: ٥] مطالع الشمس. ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ﴿٦﴾ وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ ﴿٧﴾ لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ﴿٨﴾ دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ ﴿٩﴾ إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ﴿١٠﴾ ﴾ [الصافات: ٦-١٠] ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ [الصافات: ٦] يعني: التي تلي الأرض، فهي أدنى السموات إلى الأرض، بزينة الكواكب بحسنها وضوئها، وقرأ حمزة بزينة منونة، وخفض الكواكب، قال الزجاج: الكواكب بدل من الزينة، لأنها هي كما تقول: مررت بأبي عبد الله زيد. وقرأ عاصم بالتنوين ونصب الكواكب، أعمل الزينة وهي مصدر في الكواكب، والمعنى: بأنا زينا الكواكب فيها حين ألفناها في منازلها، وجعلناها ذات نور. وحفظا

стр. 1652

للسماء بالكواكب، ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الصافات: ٧] متمرد يرمون بها فلا تخطئهم. قوله: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإِ الأَعْلَى﴾ [الصافات: ٨] قال الكلبي: لكي لا يسمعوا إلى الكتبة من الملائكة، والملأ الأعلى هم الملائكة، لأنهم في السماء، وقرئ يسمعون بالتشديد، وأصله يتسمعون، فأدغم التاء في السين، ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾ [الصافات: ٨] ويرمون من كل ناحية بالشهب. دحورا يقال: دحره دحرا ودحورا إذا طرده وأبعده. والمعنى: يدحرون دحورا فيبعدون عن تلك المجالس التي يسترقون فيها السمع. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات: ٩] قال مقاتل: يعني دائما إلى النفخة الأولى، فهم يخرجون ويكبلون. ﴿إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠] اختلس الكلمة من الكلام الملائكة مسارقة، فأتبعه لحقه وأصابه، شهاب ثاقب نار مضيئة تحرقه، والثاقب: النير المضيء كقوله: ﴿إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] . ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ ﴿١١﴾ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ﴿١٢﴾ وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ ﴿١٣﴾ وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ ﴿١٤﴾ وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴿١٥﴾ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ﴿١٦﴾ أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ ﴿١٧﴾ قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ ﴿١٨﴾ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ ﴿١٩﴾ ﴾ [الصافات: ١١-١٩] قوله: فاستفتهم قال الزجاج: سلهم سؤال تقرير عن ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ [الصافات: ١١] أحكم صنعة، ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ [الصافات: ١١] قبلهم من الأمم السالفة، يريد أنهم ليسوا بأحكم خلقا من غيرهم من الأمم، وقد أهلكناهم بالتكذيب، فما الذي يؤمنهم من العذاب. ثم ذكر خلق الإنسان، فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ [الصافات: ١١] لاصق جيد، يقال: لزب يلزب لزوبا إذا لصق. والمعنى أن هؤلاء الكفار خلقوا مما خلق منه الأولون، فليسوا بأشد خلقا منهم، وهذا إخبار عن التسوية بينهم وبين غيرهم من الأمم في الخلق. قوله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢] بل معناه: ترك الكلام الأول والأخذ في الكلام الآخر، كأنه قال: دع يا محمد ما مضى، عجبت من كفار مكة حين أوحى إليك القرآن، ولم يؤمنوا به، وهو قوله: ويسخرون لأن سخريتهم بالقرآن وبه من ترك الإيمان، قال قتادة: عجب نبي الله من هذا القرآن حين أنزل عليه وخلال بني آدم. وذلك أن النبي ﷺ كان يظن أن كل من يسمع منه القرآن يؤمن به، فلما سمع المشركون القرآن فسخروا منه وتركوا الإيمان به عجب من ذلك ﷺ ، فقال الله: عجبت يا محمد من نزول الوحي عليك وتركهم الإيمان. وقرأ ابن مسعود بضم التاء. ٧٨٤ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْخَشَّابُ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَصْفَهَانِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ، نا قُتَيْبَةُ، نا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: بَلْ عَجِبْتُ، فَقَالَ شُرَيْحٌ: إِن اللَّهَ لا يَعْجَبُ، إِنَّمَا يَعْجَبُ مَنْ لا يَعْلَمُ، قَالَ الأَعْمَشُ: فَذَكَرْتُهُ لإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: إِنَّ شُرَيْحًا كَانَ مُعْجَبًا بِرَأْيِهِ، إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَرَأَ: بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ، وَعَبْدُ اللَّهِ أَعْلَمُ مِنْ

стр. 1653

شُرَيْحٍ، وَإِضَافَةِ الْعَجَبِ إِلَى اللَّهِ، تَعَالَى، وَرَدَ بِهِ الْخَبَرُ كَقَوْلِهِ: ﷺ «عَجِبَ رَبُّكُمْ مِنْ شَابٍّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ» وَ «عَجِبَ رَبُّكُمْ مِنْ إِلِّكُمْ وَقُنُوطِكُمْ» وَ «عَجِبَ اللَّهُ الْبَارِحَةَ مِنْ فُلانٍ وَفُلانَةٍ» وَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ عَجِبَ مِمَّا يَرْضَى؛ وَمَعْنَاهُ: الاسْتِحْسَانُ وَالْخَبَرُ عَنْ تَمَامِ الرِّضَا، وَعَجِبَ مِمَّا يَكْرَهُ؛ وَمَعْنَاهُ: الإِنْكَارُ وَالذَّمُّ لَهُ، وَتَأْوِيلُ الآيَةِ: أَنَّ اللَّهَ، تَعَالَى، ذَكَرَ الْكُفَّارَ وَمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ وَسُخْطِهِ عَلَيْهِمْ وَهُمْ يَسْخَرُونَ وَيَسْتَهْزِئُونَ وَلا يَتَفَكَّرُونَ قوله: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ [الصافات: ١٣] أي: إذا وعظوا بالقرآن لا يتعظون به. ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً﴾ [الصافات: ١٤] قال ابن عباس، ومقاتل: يعني انشقاق القمر. يستسخرون يسخرون ويستهزئون ويقولون: هذا عمل السحرة. وهو قوله: ﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥] جعلوا ما يدل على التوحيد مما يعجزون عنه سحرا. ثم ذكر إنكارهم البعث بقوله: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الصافات: ١٦] وقد مضت في مواضع. وقوله: ﴿أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ﴾ [الواقعة: ٤٨] ألف الاستفهام دخلت على حرف العطف، كقوله: ﴿أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ [الأعراف: ٩٨] . قال الله تعالى: قل لهم: نعم يبعثون، وأنتم داخرون صاغرون، والدخور أشد الصغار. ثم ذكر أن بعثهم يقع بزجرة واحدة، فقال: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الصافات: ١٩] أي: فإنما قضية البعث صيحة واحدة من إسرافيل، يعني: نفخة البعث. ﴿فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الصافات: ١٩] إلى البعث الذي كذبوا به. فلما عاينوا البعث ذكروا قول الرسل في الدنيا إن البعث حق فدعوا بالويل: ﴿وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ ﴿٢٠﴾ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴿٢١﴾ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ﴿٢٢﴾ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ ﴿٢٣﴾ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ﴿٢٤﴾ مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ ﴿٢٥﴾ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ﴿٢٦﴾ ﴾ [الصافات: ٢٠-٢٦] ﴿وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا﴾ [الصافات: ٢٠] من العذاب، ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الصافات: ٢٠] الحساب الجزاء، نجازى فيه ما عملنا. فقالت الملائكة: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ [الصافات: ٢١] يوم القضاء، ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات: ٢١] يفصل فيه بين المحسن والمسيء. ويقال في ذلك اليوم: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الصافات: ٢٢] اجمعوهم من حيث بعثوا إلى الموقف والحساب، والمراد بالذين ظلموا الذين أشركوا من بني آدم، وقوله: وأزواجهم قال الحسن: يعني المشركات، كأنه قال: احشروا المشركين والمشركات. وقال جماعة المفسرين: أشباههم وأمثالهم، وأتباعهم ونظراءهم وضرباءهم. وعلى هذا القول يحمل الذين ظلموا على القادة والرؤساء وأزواجهم أتباعهم. ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ﴿٢٢﴾ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الصافات: ٢٢-٢٣] يعني: الأوثان والطواغيت، وقال مقاتل: يعني إبليس وجنده. واحتج بقوله: ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠] . ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] دلوهم عليها، أي: اذهبوا بهم إلى الجحيم.

стр. 1654

قوله: وقفوهم قال المفسرون: لما سيقوا إلى النار حبسوا عند الصراط، لأن السؤال عند الصراط، فقيل: وقفوهم ﴿إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] قال ابن عباس: عن أعمالهم في الدنيا وأقاويلهم. وقال مقاتل: سألتهم خزية جهنم ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] ، ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] ؟ ويجوز أن يكون هذا السؤال ما ذكر بعد، وهو قوله: ﴿مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٥] أي أنهم يسئلون توبيخا لهم، فيقال: ما لكم لا تتناصرون؟ لا ينصر بعضكم بعضا كما كنتم في الدنيا؟ وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر: نحن جميع منتصر. فقيل لهم ذلك: ما لكم غير متناصرين؟ قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٦] يقال: استسلم للشيء إذا انقاد له وخضع، والمعنى: هم اليوم أذلاء منقادون لا حيلة لهم. ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ﴿٢٧﴾ قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ ﴿٢٨﴾ قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴿٢٩﴾ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ ﴿٣٠﴾ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ ﴿٣١﴾ فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ ﴿٣٢﴾ فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ﴿٣٣﴾ إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ﴿٣٤﴾ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ﴿٣٥﴾ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ ﴿٣٦﴾ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ ﴿٣٧﴾ ﴾ [الصافات: ٢٧-٣٧] ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الصافات: ٢٧] يعني: الرؤساء والأتباع، يتساءلون توبيخ وتأنيب، يقول الأتباع للرؤساء: لم غررتمونا؟ ويقولون لهم: لم قبلتم منا؟ وهو قوله: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] أي: من قبل الحق والدين والطاعة، فتضلوننا عنها. قال الزجاج: كنتم تأتوننا من قبل الدين، فتروننا أن الدين الحق ما تضلوننا به. واليمين عبارة عن الحق، وهذا كقوله إخبارا عن إبليس: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] فمن أتاه الشيطان من جهة اليمين فقد أتاه من قبل الدين، فليس عليه الحق. وقال بعض أهل المعاني: إن الرؤساء كانوا قد جعلوا لهؤلاء أن ما بدعوتهم إليه هو الحق، فوقفوا بأيمانهم، فمعنى قوله: تأتوننا عن اليمين، أي: من ناحية الأيمان التي كنتم تحلفونها، فتفتنون بها. والمفسرون على القول الأول. فقال لهم الرؤساء: ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٢٩] لم تكونوا على الحق فنضلكم عنه، أي: إنما الكفر من قبلكم. ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [الصافات: ٣٠] من قدرة وقوة فتقهركم ونكرهكم على متابعتنا، ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾ [الصافات: ٣٠] ضالين. ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا﴾ [الصافات: ٣١] فوجب علينا جميعا، ﴿قَوْلُ رَبِّنَا﴾ [الصافات: ٣١] يعني كلمة العذاب، وهو قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٨] الآية، ﴿إِنَّا لَذَائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] العذاب الأليم، قال الزجاج: أي إن المضل والضال في النار. ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ﴾ [الصافات: ٣٢] أضللناكم عن الهدى، ودعوناكم إلى ما كنا عليه، وهو قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] . يقول الله: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] الرؤساء والذين أطاعوهم. ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات: ٣٤] قال ابن عباس: الذين جعلوا لله شركاء. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] يتكبرون عن الهدى وتوحيد

стр. 1655

الله. ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا﴾ [الصافات: ٣٦] أنترك عبادتها، لشاعر مجنون يعنون النبي ﷺ . فرد الله عليهم بقوله: بل أي: ليس الأمر ما على ما قالوه، جاء محمد، بالحق بالقرآن والتوحيد، وصدق المرسلين الذين كانوا قبله، أي: إنما أتى بما أتى به من قبله من الرسل. ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الأَلِيمِ ﴿٣٨﴾ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٣٩﴾ إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ﴿٤٠﴾ أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ ﴿٤١﴾ فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ ﴿٤٢﴾ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴿٤٣﴾ عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ﴿٤٤﴾ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ﴿٤٥﴾ بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ﴿٤٦﴾ لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ ﴿٤٧﴾ وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ ﴿٤٨﴾ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ﴿٤٩﴾ ﴾ [الصافات: ٣٨-٤٩] ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الأَلِيمِ ﴿٣٨﴾ وَمَا تُجْزَوْنَ﴾ [الصافات: ٣٨-٣٩] في الآخرة، ﴿إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٩] في الدنيا من الشرك. ثم استثنى المؤمنين، فقال: ﴿إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] يعني الموحدين. ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١] على مقدار غدوة وعشية، قال قتادة: الرزق المعلوم الجنة. وقال غيره: هو ما ذكره في قوله: فواكه وهي جمع الفاكهة، وهي الثمار كلها، رطبها ويابسها، وهم مكرمون بثواب الله. على سرر جمع سرير، متقابلين لا يرى بعضهم قفا بعض. ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ﴾ [الصافات: ٤٥] وهي الإناء بما فيه، من معين من خمر ظاهر تراه العيون في الأنهار. بيضاء قال الحسن: خمر الجنة أشد بياضا من اللبن. لذة لذيذة، يقال: شراب لذ ولذيذ. للشاربين الذين يشربونها. ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧] لا تغتال عقولهم فتذهب بها، ولا يصيبهم منها وجع في البطن ولا في الرأس، ويقال للوجع غول لأنه يؤدي إلى الهلاك. ﴿وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] لا يسكرون، يقال: نزف الرجل فهو منزوف ونزيف إذا سكر، ومن كسر الزاي، فقال الزجاج: له معنيان، يقال: أنزف الرجل إذا فنيت خمره، وأنزف إذا ذهب عقله من السكر، فتحمل هذه القراءة على معنى لا ينفد شرابهم لزيادة الفائدة. ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ [الصافات: ٤٨] أي: نساء قصرن طرفهن على أزواجهن فلا تردن غيرهم، والقصر معناه الحبس، عين حسان الأعين. ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] مصون مستور، قال الحسن، وابن زيد: شبهن ببيض النعام، تكنها بالريش من الريح والغبار، فلونها أبيض في صفرة، وهذا أحسن ألوان النساء، وهو أن تكون المرأة بيضاء مشربة بصفرة. قال المبرد: والعرب تشبه المرأة الناعمة في بياضها وحسن لونها ببيضة النعامة. ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ﴿٥٠﴾ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ ﴿٥١﴾ يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ ﴿٥٢﴾ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ ﴿٥٣﴾ قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ ﴿٥٤﴾ فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ﴿٥٥﴾ قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ﴿٥٦﴾ وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴿٥٧﴾ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ﴿٥٨﴾ إِلا مَوْتَتَنَا الأُولَى

стр. 1656

وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴿٥٩﴾ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿٦٠﴾ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ﴿٦١﴾ ﴾ [الصافات: ٥٠-٦١] ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الصافات: ٥٠] يعني: أهل الجنة، يتساءلون يسأل هذا ذاك، وذاك هذا عن أحوالهم كانت في الدنيا، يدل على هذا ما ذكر الله عن بعضهم، أنه أخبر عن حال قرينه معه كيف كانت في الدنيا، وهو قوله: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ [الصافات: ٥١] يعني: من أهل الجنة، ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] يعني: أخا له في الدنيا، كان ينكر البعث، وهو قوله: يقول أي: يقول لي: ﴿أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات: ٥٢] بالبعث، ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣] مجزيون ومحاسبون؟ وهذا استفهام إنكار، ثم قال المؤمن لإخوانه في الجنة: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: ٥٤] إلى الناس لننظر كيف منزلة أخي، فقال أهل الجنة: إنك أعرف به منا، فاطلع أنت، فطلع فرأى أخاه ﴿فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] في وسطها، قال الزجاج: وسواء كل شيء وسطه. وقال له: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦] قال مقاتل: والله لقد كدت أن تغويني فأنزل منزلتك. والإرداء الإهلاك، ومن أغوى إنسانا فقد أهلكه. ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ [الصافات: ٥٧] لولا إنعامه علي بالإسلام، ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧] معك في النار. قال الكلبي: ثم يؤتى بالموت فيذبح، فإذا أمن أهل الجنة الموت فرحوا وقالوا: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ﴿٥٨﴾ إِلا مَوْتَتَنَا الأُولَى﴾ [الصافات: ٥٨-٥٩] التي كانت في الدنيا، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات: ٥٩] فقيل لهم: لا. فعند ذلك قالوا: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصافات: ٦٠] قال الله تعالى: لمثل هذا النعيم، يعني ما ذكره من قوله: ﴿لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١] إلى قوله: بيض مكنون، فليعمل العاملون وهذا ترغيب في طلب ثواب الله بطاعته. ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ﴿٦٢﴾ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ﴿٦٣﴾ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ﴿٦٤﴾ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ﴿٦٥﴾ فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ﴿٦٦﴾ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ ﴿٦٧﴾ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الْجَحِيمِ ﴿٦٨﴾ إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ ﴿٦٩﴾ فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ ﴿٧٠﴾ ﴾ [الصافات: ٦٢-٧٠] قوله: أذلك الذي ذكره، خير نزلا قال الزجاج: أذلك خير في باب الأنزال التي يتقوت بها، أم نزل أهل النار؟ وهو قوله: ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات: ٦٢] وهو ما يكره تناوله، والذي أراد الله هو شيء مر كريه يكره تناوله، وأهل النار يكرهون على تناوله، فهم يتزقمونه على أشد كراهة. قال قتادة: لما ذكر الله هذه الشجرة بها الظلمة، فقالوا: كيف تكون في النار شجرة والنار تأكلها؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ [الصافات: ٦٣] . قال الزجاج: خبره لهم افتتنوا بها وكذبوا بكونها. ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤] قال الحسن: أصلها في قعر جهنم، وأعضاؤها ترفع إلى دركاتها. طلعها ثمرها، ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] لقبحه، والشياطين موصوفة بالقبح وإن كانت لا ترى، والشيء إذا استقبح شبه بها، فيقال: كأنه شيطان. ﴿فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا﴾ [الصافات: ٦٦] أي ثمرها، ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الصافات: ٦٦] وذلك أنهم يكرهون على أكلها حتى تمتلئ بطونهم. ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا﴾ [الصافات: ٦٧] لخلطا ومزاجا، من حميم يعني أنهم إذا أكلوا الزقوم شربوا عليها الحميم، وهو الماء الحار، فيشوب الحميم في بطونهم الزقوم، فيصير شوبا. ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ﴾ [الصافات: ٦٨] بعد شرب الحميم وأكل الزقوم، لإلى الجحيم وذلك أنهم يوردون الحميم لشربه وهو خارج من الجحيم،

стр. 1657

كما تورد الإبل الماء، ثم يردون إلى الجحيم، ويدل على صحة ما ذكرنا قوله: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] . إنهم ألفوا وجدوا، آباءهم ضالين عن الهدى. ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٧٠] يسعون في مثل أعمال آبائهم، قال الكلبي: يعملون مثل عملهم. وقال ابن عباس، وقتادة: يسرعون. قال الزجاج: يتبعون آباءهم اتباعا في سرعة كأنهم يزعجون إلى أتباع آبائهم. يقال: هرع الرجل وأهرع إذا استحث فأسرع. ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ ﴿٧١﴾ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ ﴿٧٢﴾ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ ﴿٧٣﴾ إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ﴿٧٤﴾ ﴾ [الصافات: ٧١-٧٤] ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ﴾ [الصافات: ٧١] قبل هؤلاء المشركين، أكثر الأولين من الأمم الخالية. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ﴾ [الصافات: ٧٢] رسلا، منذرين ينذرونهم العذاب على ترك الإيمان. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ﴾ [الصافات: ٧٣] الذين أنذروا بالعذاب. قال مقاتل: يقول: كأن عاقبتهم العذاب يحذر كفار مكة. ثم استثنى المؤمنين منهم، فقال: ﴿إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٧٤] يعني: الموحدين الذين نجوا من العذاب. ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ﴿٧٥﴾ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴿٧٦﴾ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ ﴿٧٧﴾ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ ﴿٧٨﴾ سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ ﴿٧٩﴾ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿٨٠﴾ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ﴿٨١﴾ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ ﴿٨٢﴾ ﴾ [الصافات: ٧٥-٨٢] قوله: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ﴾ [الصافات: ٧٥] دعا ربه على قومه فقال: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠] . ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [الصافات: ٧٥] نحن، يعني: أجبنا دعاءه وأهلكنا قومه الكافرين. ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ﴾ [الصافات: ٧٦] الغم، العظيم الذي لحق قومه، وهو الغرق. ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] وذلك أنه لم يبق من نسل من كان معه في السفينة إلا من ولد نوح، يدل على هذا ما: ٧٨٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزَّيْنِيُّ، نا بُنْدَارٌ، نا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَثْمَةَ، نا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ قَالَ: سَامٌ وَحَامٌ وَيَافِثُ، فَسَّرَ الذُّرِّيَّةَ الْبَاقِيَةَ بِهَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ، فَسَامٌ أَبُو الْعَرَبِ، وَحَامٌ أَبُو الْحَبَشِ، وَيَافِثُ أَبُو الرُّومِ ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨] في الذين يجيئون بعده إلى يوم القيامة، قال ابن عباس، ومقاتل: تركنا عليه ثناءا حسنا. وهو قوله: ﴿سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩] يعني بالسلام الثناء الحسن، قال الزجاج: تركنا عليه الذكر الجميل إلى يوم القيامة. وذلك الذكر قوله: ﴿سَلامٌ عَلَى نُوحٍ﴾ [الصافات: ٧٩] أي: تركنا عليه في الآخرين أن يصلى عليه إلى يوم القيامة، ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ٨٠] قال مقاتل: جزاه الله بإحسانه الثناء الحسن في العالمين.

стр. 1658

﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ ﴿٨٣﴾ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴿٨٤﴾ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ ﴿٨٥﴾ أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ ﴿٨٦﴾ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٨٧﴾ ﴾ [الصافات: ٨٣-٨٧] قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ﴾ [الصافات: ٨٣] أي: من أهل ملة نوح وعلى دينه، ﴿لإِبْرَاهِيمَ ﴿٨٣﴾ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ﴾ [الصافات: ٨٣-٨٤] يعني: صدق الله وآمن به، بقلب سليم خالص من الشرك، يعني أنه سلم قلبه من الشرك فلم يشرك بالله. ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٨٥] هذا استفهام توبيخ، كأنه وبخهم على عبادة غير الله. فقال: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦] أي: أتأفكون إفكا، وهو أسوأ الكذب، وتعبدون آلهة سوى الله. ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٧] ما ظنكم به إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره، كأنه قال: ما ظنكم أنه يصنع بكم. ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ ﴿٨٨﴾ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ﴿٨٩﴾ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ﴿٩٠﴾ فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ ﴿٩١﴾ مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ ﴿٩٢﴾ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ ﴿٩٣﴾ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ﴿٩٤﴾ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ﴿٩٥﴾ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴿٩٦﴾ قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ﴿٩٧﴾ فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ ﴿٩٨﴾ ﴾ [الصافات: ٨٨-٩٨] قوله: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ [الصافات: ٨٨] قال المفسرون: كانوا يتعاطون علم النجوم فعاملهم من حيث كانوا لئلا ينكروا عليه، وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم ليلزمهم الحجة في أنها غير معبودة، وكان لهم من الغد يوم يخرجون إليه، فأراد أن يتخلف عنهم فاعتل بالسقم، ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وذلك أنهم كلفوه أن يخرج معهم إلى عيدهم، فنظر في النجوم، يريد أنه مستدل بها على حاله، فلما نظر إليها، ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] أي سأسقم. قال مقاتل: إني وجع غدا، واعتل بذلك ليخلفوه. ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات: ٩٠] تركوه وذهبوا إلى عيدهم. ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ [الصافات: ٩١] مال إليها ميلة في خفية سرا، ﴿فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات: ٩١] يعني: الطعام الذي كان بين أيديهم، أتوهم بطعامهم لتبارك فيه آلهتهم كما زعموا، وإنما يقول هذا إبراهيم استهزاء بها، وكذلك قوله: ﴿مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ﴾ [الصافات: ٩٢] . ثم أقبل عليهم ضربا كما قال الله تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣] مال عليهم بالضرب، قال المفسرون: يعني بيده اليمنى، يضربهم بها. وقال السدي: بالقوة والقدرة. فأقبلوا إليه من عيدهم، يزفون يسرعون من زفيف النعامة، وهو أول عدوها، يقال: جاء يزف زفيف النعامة، أي يسرع. وقرأ حمزة بضم الياء، أي: يحملون دوابهم وظهورهم على الجدد للإسراع في المشي، وذلك أنهم أخبروا بصنيع إبراهيم بآلهتهم، فأسرعوا إليه ليأخذوه، فلما انتهوا إليه، قال لهم إبراهيم محتجا عليهم: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] بأيديكم من الأصنام، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] بأيديكم، يعني ما تنحتون، أي: فاعبدوا الله الذي خلقكم وخلق ما تعملون بأيديكم من الأصنام التي تعملونها من الخشب والحديد. فلما لزمتهم الحجة ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا﴾ [الصافات: ٩٧] قال ابن عباس: بنوا حائطا من حجارة طوله في السماء ثلاثون ذراعا، وعرضه عشرون ذراعا، وملئوه نارا وطرحوه فيها. وذلك قوله: ﴿فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٩٧] وهي النار العظيمة. قال الزجاج: كل نار بعضها فوق بعض فهي جحيم. ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ [الصافات: ٩٨] شرا، وهو أن يحرقوه بالنار، فجعلناهم الأسفلين لأن إبراهيم علاهم بالحجة حين سلمه الله ورد كيدهم عنه، ولم يلبثوا إلا يسيرا حتى أهلكهم الله.

стр. 1659

﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴿٩٩﴾ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿١٠٠﴾ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ ﴿١٠١﴾ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴿١٠٢﴾ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴿١٠٣﴾ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ ﴿١٠٤﴾ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿١٠٥﴾ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ ﴿١٠٦﴾ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴿١٠٧﴾ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ ﴿١٠٨﴾ سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴿١٠٩﴾ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿١١٠﴾ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ﴿١١١﴾ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿١١٢﴾ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ﴿١١٣﴾ ﴾ [الصافات: ٩٩-١١٣] وقال إبراهيم: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] قال ابن عباس: مهاجر إلى ربي. والمعنى: أهجر ديار الكفر وأذهب إلى حيث أمرني الله، كما قال إخبارا عنه أيضا: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] ، سيهدين إلى حيث أمرني بالمصير إليه، وهو الشام، قال مقاتل: فلما قدم الأرض المقدسة سأل ربه الولد، فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] أي: ولدا صالحا من الصالحين، فاستجاب الله له بقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] قال الزجاج: وهذه البشارة تدل على أنه مبشر بابن ذكر، وأنه يبقى حتى ينتهي في السن، ويوصف بالحلم. قوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢] قال قتادة: لما مشى معه. وقال مجاهد، عن ابن عباس: لما شب حتى بلغ سعيه سعي إبراهيم. والمعنى: بلغ أن يتصرف معه ويعينه، قالوا: وكان يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة. وقال الكلبي: يعني العمل لله. وهو قول الحسن، ومقاتل، وابن زيد، قالوا: هو العبادة والعمل الذي تقوم به الحجة، وهو ما بعد البلوغ. وقوله: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] قال مقاتل: رأى ذلك إبراهيم ثلاث ليال متتابعات. وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: رؤيا الأنبياء وحي. وقال قتادة: رؤيا الأنبياء حق، إذا رأوا شيئا فعلوه. واختلفوا في الذبيح، من هو؟ فالأكثرون على أنه إسحاق، وهو قول علي، وابن مسعود، وكعب، ومقاتل، وعكرمة، والسدي. ٧٨٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، نا شَيْبَانُ، نا مُبَارَكٌ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُولُ: الَّذِي أُمِرَ إِبْرَاهِيمَ بِذَبْحِهِ هُوَ إِسْحَاقُ، ﵉، وَهَؤُلاءِ قَالُوا: كَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ بِالشَّامِ. وَقَالَ آخَرُونَ: الَّذِي أُمِرَ بِذَبْحِهِ إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْحَسَنِ، وَمُجَاهِدٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ، سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ الْحِيرِيَّ الزَّاهِدَ، سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ مِقْسَمٍ، سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الزَّجَّاجَ، يَقُولُ: اللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّهُمَا الذَّبِيحُ، وَسِيَاقُ هَذِهِ الآيَاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِسْحَاقُ؛ لأَنَّهُ قَالَ: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ وَلا خِلافَ أَنَّ هَذَا إِسْحَاقُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ فَعَطَفَ بِقَضِيَّةِ الذَّبْحِ عَلَى ذِكْرِ إِسْحَاقَ وقوله: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠٢] أي: من الرأي فيما ألقيت إليك، وما الذي تذهب إليه، هل تستسلم له وتنقاد؟ أو تأتي غير ذلك؟ وقرأ حمزة ترى بضم التاء وكسر الراء، ومعناه: ما تشير. قال الفراء: ماذا تريني من

стр. 1660

صبرك أو جزعك. ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢] قال ابن عباس: ما أوحي إليك من ذبحي. ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] على بلائه. ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ [الصافات: ١٠٣] أي: استسلما لأمر الله وأطاعا، ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] صرعه على أحد جبينيه، قال ابن عباس: أضجعه على جبينه على الأرض، وللوجه جبينان والجبهة بينهما. قال السدي: ضرب الله على عنقه صحيفة نحاس فجعل إبراهيم ينحر ولا يقطع. ونودي من الجبل: يا إبراهيم، فهو قوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ ﴿١٠٤﴾ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٤-١٠٥] لأن الله قد عرف منهما الصدق، حيث قصد إبراهيم الذبح بما أمكنه، وطاوع الابن بالتمكين من الذبح، ففعل كل واحد منهما ما أمكنه وإن لم يتحقق الذبح، وكان قد رأى في النوم معالجة الذبح ولم ير إراقة الدم، ففعل في اليقظة ما رأى في النوم، لذلك قيل له: قد صدقت الرؤيا، وتم الكلام، ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٥] هذا ابتداء إخبار من الله تعالى وليس يتصل بما قبله من الكلام الذي يؤدي به إبراهيم، والمعنى: إنا كما ذكرنا من العفو عن ذبح ولده نجزي من أحسن في طاعتنا. قال مقاتل: جزاه الله تعالى بإحسانه في طاعته العفو عن ذبح ابنه. ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] الاختبار الظاهر، حيث اختبر بذبح بكره ووحيده، وقال مقاتل: البلاء ههنا النعمة، وهو أن فدى ابنه بالكبش. وهو قوله: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] بكبش، عظيم. ٧٨٧ - أَخْبَرَنَا الْمُؤَمَّلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، نا مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارِ، نا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْوَاقِدِيُّ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنِ ابْنِ مَالِكٍ، وَكَانَ مَوْلًى لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: سَأَلْتُ خَوَّاتَ بْنَ جُبَيْرٍ: ذَبِيحُ اللَّهِ أَيُّهُمَا كَانَ؟ فَقَالَ: إِسْمَاعِيلُ، لَمَّا بَلَغَ إِسْمَاعِيلُ ابْنَ سَبْعِ سِنِينَ رَأَى إِبْرَاهِيمُ فِي النَّوْمِ فِي مَنْزِلِهِ بِالشَّامِ أَنَّهُ يَذْبَحُ إِسْمَاعِيلَ، فَرَكِبَ إِلَيْهِ الْبُرَاقَ حَتَّى جَاءَهُ، فَوَجَدَهُ عِنْدَ أُمِّهِ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ وَمَضَى بِهِ إِلَى حَيْثُ أُمِرَ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَنْحَرِ الْبُدْنِ الْيَوْمَ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَذْبَحَكَ. قَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَأَطِعْ رَبَّكَ فَإِنَّ فِي طَاعَةِ رَبِّكَ كُلَّ خَيْرٍ. ثُمَّ قَالَ إِسْمَاعِيلُ: هَلْ عَلِمَتْ أُمِّي بِذَلِكَ؟ قَالَ: لا. قَالَ: أَصَبْتَ، إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَحْزَنَ، وَلَكِنْ إِذَا قَرَّبْتَ السِّكِّينَ مِنْ حَلْقِي فَأَعْرِضْ عَنِّي، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ تَصْبِرَ وَلا تَرَانِي. فَفَعَلَ إِبْرَاهِيمُ، فَجَعَلَ يَحُزُّ فِي حَلْقِهِ فَإِذَا هُوَ يَحُزُّ فِي نُحَاسٍ مَا تَحِيكُ فِيهِ الشَّفْرَةُ، فَشَحَذَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا بِالْحَجَرِ، كُلُّ ذَلِكَ لا يَسْتَطِيعُ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ هَذَا الأَمْرَ مِنَ اللَّهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا هُوَ بِوَعْلٍ وَاقِفٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: قُمْ يَا بُنَيَّ فَقَدْ نَزَلَ فِدَاؤُكَ، فَذَبَحَهُ هُنَاكَ. ومعنى الآية: جعلنا الذبح فداء له وخلصناه به من الذبح. والذبح: ما ذبح، قال أكثر المفسرون: أنزل عليه كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفا. وقال الحسن: ما فدي إلا بتيس من الأروى، قد أهبط عليه من ثبير، فذبحه

стр. 1661

إبراهيم فداء عن ابنه. وما بعد هذا معنى ظاهر إلى قوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] من جعل الذبيح إسماعيل قال: بشر الله إبراهيم بولد نبي بعد هذه القصة جزاءا لطاعته، ومن جعل الذبيح إسحاق قال: بشر إبراهيم بنبوة إسحاق، وأثيب إسحاق بصبره بالنبوة، وهذا قول عكرمة عن ابن عباس. وقوله: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ [الصافات: ١١٣] يعني كثرة ولدهما وذريتهما، وهم الأسباط كلهم، ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣] أي: مؤمن محسن بإيمانه، وكافر ظلم نفسه بكفره. ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ ﴿١١٤﴾ وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴿١١٥﴾ وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ ﴿١١٦﴾ وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ ﴿١١٧﴾ وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿١١٨﴾ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الآخِرِينَ ﴿١١٩﴾ سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ ﴿١٢٠﴾ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿١٢١﴾ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٢٢﴾ ﴾ [الصافات: ١١٤-١٢٢] ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الصافات: ١١٤] أنعمنا عليهما بالنبوة ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات: ١١٥] الذي كانوا فيه من استعباد فرعون إياهم وما كان يصيبهم من جهته من البلاء. ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿١٢٣﴾ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ ﴿١٢٤﴾ أَتَدْعُونَ بَعْلا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ ﴿١٢٥﴾ وَاللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ ﴿١٢٦﴾ فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ﴿١٢٧﴾ إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ﴿١٢٨﴾ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ ﴿١٢٩﴾ سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ ﴿١٣٠﴾ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿١٣١﴾ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٣٢﴾ ﴾ [الصافات: ١٢٣-١٣٢] قوله: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣] إلياس نبي من أنبياء بني إسرائيل، وقصته مشهورة مع قومه، وقرأ ابن عامر وإن الياس بغير همز، جعل الهمزة التي تصحب اللام للتعريف، كقوله: واليسع والوجه قراءة العامة، لأن الهمزة تابعة في هذا الاسم وليست للتعريف، يقوي ذلك قوله: ﴿سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] فهذا يدل على أن الهمزة ثابتة في إلياس. ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الصافات: ١٢٤] ألا تخافون الله فتعبدونه وتوحدونه. ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلا﴾ [الصافات: ١٢٥] قال عطاء: يعني صنما كان لهم يعبدونه، وكان من ذهب. والمفسرون يقولون: ربا. وهو بلغة اليمن، يقولون للسيد والرب: البعل. وتذرون عبادة، أحسن الخالقين. ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٦] . قرئ بالرفع على الاستئناف لتمام الكلام الأول، والمعنى: إنه خالقكم وخالق من كان قبلكم ورازقكم، فهو الذي تحق له العبادة. وقرئ بالنصب على صفة أحسن الخالقين. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢٧] النار، ﴿إِلا عِبَادَ اللَّهِ

стр. 1662

الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٢٨] الذين لم يكذبوه، فإنهم لا يحضرون النار. قوله: ﴿سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] قال ابن عباس: يريد إلياس ومن آمن معه، قال الفراء: يذهب بالياسين إلى أن يجعله جمعا فيجعل أصحابه داخلين في اسمه، كما تقول في القوم رئيسهم المهلب، قال: قد جاءكم المهالبة، فتكون بمنزلة الأشعرين، والأعجمين بالتخفيف. قال أبو علي الفارسي: تقديره الياسين إلا أن اليائين للنسبة حذفتا كما حذفا في الأشعرين والأعجمين. وقرأ نافع على آل ياسين وحجته إنها في المصحف مفصولة من ياسين، وذلك دليل على أنه آل، وهذه القراءة بعيدة، قال الفراء، وأبو عبيدة: الوجه قراءة العامة، لأنه لم يقل في شيء من ال ﴿ [على آل فلان، وآل فلان، إنما جاء بالاسم، كذلك إلياسين لأنه إنما هو بمعنى إلياس، أو بمعنى إلياس وأتباعه. وذكر الكلبي في تفسيره: سلام على آل ياسين يقول: سلام على آل محمد، وهذا بعيد، لأن ما قبله من الكلام وما بعده لا يدل عليه. ] وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿١٣٣﴾ إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ ﴿١٣٤﴾ إِلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ ﴿١٣٥﴾ ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ ﴿١٣٦﴾ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ﴿١٣٧﴾ وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴿١٣٨﴾ ﴾ [سورة الصافات: ١٣٣-١٣٨] ثم ذكر لوطا، فقال: ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿١٣٣﴾ إِذْ نَجَّيْنَاهُ﴾ [الصافات: ١٣٣-١٣٤] إذ لا يتعلق بما قبله لأنه لم يرسل إذ نجي، ولكنه يتعلق بمحذوف، كأنه قيل: واذكر يا محمد إذ نجيناه. وما بعد هذا مفسر فيما تقدم إلى قوله: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] أي: تمرون في ذهابكم ومجيئكم إلى الشام على قراهم ومنازلهم وآثارهم، مصبحين أي: نهارا، وبالليل وعشيا، أفلا تعقلون فتعتبرون بهم. ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿١٣٩﴾ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ﴿١٤٠﴾ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ﴿١٤١﴾ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴿١٤٢﴾ فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ﴿١٤٣﴾ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿١٤٤﴾ فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ ﴿١٤٥﴾ وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ﴿١٤٦﴾ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ﴿١٤٧﴾ فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ﴿١٤٨﴾ ﴾ [الصافات: ١٣٩-١٤٨] ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿١٣٩﴾ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ﴿١٤٠﴾ ﴾ [الصافات: ١٣٩-١٤٠] قال المفسرون: كان يونس ﵇ قد وعد قومه العذاب، فلما تأخر عنهم العذاب خرج كالمنشور عنهم، فقصد البحر وركب السفينة، وكان بذهابه إلى الفلك كالفار من مولاه، فوصف بالإباق، فساهم فقارع، ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] المغلوبين والمقروعين، وذلك أن السفينة

стр. 1663

احتبست فوقفت، فقال الملاحون: ههنا عبد آبق من سيده، وهذا رسم السفينة، إذا كان فيها عبد آبق لا تجري، فأقرعوا فوقعت القرعة على يونس. فقال: أنا الآبق، وزج نفسه في الماء. قال سعيد بن جبير: لما استهموا جاء حوت إلى السفينة فاغرا فاه ينتظر أمر ربه، حتى إذا ألقى نفسه في الماء أخذه الحوت. فذلك قوله: فالتقمه الحوت يقال: لقمت اللقمة والتقمتها إذا ابتلعتها، وهو مليم مستحق اللوم، لأنه أتى ما يلام عليه حين خرج إلى السفينة قبل أن يأمره الله، فاستحق بذلك اللوم والتأديب. ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ﴾ [الصافات: ١٤٣] قبل أن التقمه الحوت، من المسبحين المصلين، وكان كثير الصلاة والذكر. ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٤] لصار له بطن الحوت قبرا إلى يوم القيامة. قال سعيد بن حبير: شكر الله قد يمسه. وقال الضحاك بن قيس: اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة، فإن يونس كان عبدا صالحا ذاكرا لله، فلما وقع في بطن الحوت قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] الآيتين، وإن فرعون كان عبدا طاغيا ناسيا ذكر الله فلما، أدركه الغرق قال: آمنت بالذي ﴿آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠] قال الله تعالى: ﴿ءَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يونس: ٩١] قال ابن جريج والسدي: لبث يونس ﵇ في بطن الحوت أربعين يوما. وقال الضحاك: عشرين يوما. وقال عطاء: سبعة أيام. وقال مقاتل: ثلاثة أيام. وقال الشعبي: التقمه الحوت ضحى، ولفظه عشية. فذلك قوله: فنبذناه بالعراء يعني: المكان الخالي من الشجر والبناء، قال مقاتل: بالبراز. وقال الكلبي: يعني وجه الأرض. وهو سقيم: قد بلي لحمه مثل الصبي المولود. قال ابن مسعود: كهيئة الفرخ ليس عليه ريش. ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦] كل شجرة لا تقوم على ساق إنما تمتد على وجه الأرض فهو يقطين، مثل الدباء والحنظل والبطيخ قال مقاتل: يعني القرع، وهو قول الجميع، قالوا: كان يستظل بظلها من الشمس، وقيض الله له أروية من الوحش تروح عليه بكرة وعشيا، فكان يشرب من لبنها حتى اشتد لحمه ونبت شعره، ثم أرسله الله بعد ذلك. وهو قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ﴾ [الصافات: ١٤٧] قال قتادة: أرسل إلى أهل نينوى من أرض الموصل قبل أن يصيبه ما أصابه. وقوله: أو يزيدون أو بمعنى الواو، كقوله: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ٦] المعنى: ويزيدون على مائة ألف، قال الفراء: أو ههنا بمعنى بل، وهو قول مقاتل، والكلبي. وقال الزجاج: أو ههنا على أصله، ومعناه أو يزيدون في تقديركم إذا رآهم الرائي قال هؤلاء مائة ألف أو يزيدون، فالشك إنما دخل في حكاية قول المخلوقين. قال مقاتل، والكلبي: كانوا يزيدون على عشرين ألفا. وقال الحسن: بضعة وثلاثين ألفا. وقال سعيد بن جبير: سبعين ألفا. فآمنوا يعني الذين أرسل إليهم يونس، فمتعناهم في الدنيا، إلى حين إلى منتهى آجالهم.

стр. 1664

﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ﴿١٤٩﴾ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ ﴿١٥٠﴾ أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ﴿١٥١﴾ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿١٥٢﴾ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ ﴿١٥٣﴾ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴿١٥٤﴾ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ﴿١٥٥﴾ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ ﴿١٥٦﴾ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿١٥٧﴾ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ﴿١٥٨﴾ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿١٥٩﴾ إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ﴿١٦٠﴾ ﴾ [الصافات: ١٤٩-١٦٠] قوله: فاستفتهم قال ابن عباس: فسل أهل مكة سؤال توبيخ. ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ [الصافات: ١٤٩] وذلك أن قريشا وقبائل من العرب قالوا: الملائكة بنات الله، وهذا كقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى ﴿٢١﴾ تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى ﴿٢٢﴾ ﴾ [النجم: ٢١-٢٢] . ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا﴾ [الصافات: ١٥٠] معناه: بل أخلقنا الملائكة إناثا؟ وهم شاهدون حاضرون خلقنا إياهم، أي: كيف جعلوهم إناثا ولم يشهدوا خلقهم. ثم أخبر عن كذبهم، فقال: ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ﴿١٥١﴾ وَلَدَ اللَّهُ﴾ [الصافات: ١٥١-١٥٢] حين زعموا أن الملائكة بنات الله، وإنهم لكاذبون في قولهم. ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣] قراءة العامة بفتح الهمزة على الاستفهام الذي معناه التوبيخ، وقرأ نافع بغير استفهام على وجه الخبر كأنه قال: أصطفى البنات في زعمكم وفيما تقولون. وقال الفراء: أراد الاستفهام وحذف حرف الاستفهام كقوله: أذهبتم طيباتكم. ثم وبخهم، فقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٤] لله بالبنات ولأنفسكم بالبنين؟ أفلا تذكرون أفلا تتعظون فتنتهون عن هذا القول. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥٦] حجة بينة على ما تقولون. ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾ [الصافات: ١٥٧] الذي فيه الحجة، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الصافات: ١٥٧] في قولكم. ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] قال قتادة: قالوا صاهر الجن والملائكة من الجن. وقال الكلبي: قالوا لعنهم الله: تزوج من الجن فخرج منها الملائكة. وقال مجاهد: لما قالت قريش الملائكة بنات الله، قال لهم أبو بكر الصديق ﵁: فمن أمهاتهم؟ قالوا: سروات الجن. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨] أي: علموا أن هؤلاء الكفار الذين قالوا هذا القول يحضرون في النار ويعذبون على ما قالوا. ثم نزه نفسه عما قالوا من الكذب، فقال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿١٥٩﴾ إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ﴿١٦٠﴾ ﴾ [الصافات: ١٥٩-١٦٠] يعني: الموحدين الذين استخلصهم الله لتوحيده وعبادته، وهذا استثناء من المحضرين، يقول: علموا أنهم محضرون النار إلا من أخلص العبادة له ووحده. ثم خاطب كفار مكة بقوله: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ﴿١٦١﴾ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ ﴿١٦٢﴾ إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ ﴿١٦٣﴾ وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ﴿١٦٤﴾ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ﴿١٦٥﴾ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ﴿١٦٦﴾ وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ ﴿١٦٧﴾ لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الأَوَّلِينَ ﴿١٦٨﴾ لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ﴿١٦٩﴾ فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿١٧٠﴾ ﴾ [الصافات: ١٦١-١٧٠] ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ١٦١] قال ابن عباس: فإنكم وآلهتكم التي تعبدون من دون الله. ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الصافات: ١٦٢] على ما تعبدون، بفاتنين بمضلين، يقال: فتنت الرجل وافتتنته. ويقال: فتنته على الشيء وبالشيء. كما يقال: أضله على الشيء وأضله به. وقال مقاتل: يقول ما أنتم بمضلين أحدا بآلهتكم إلا من قدر الله له أن

стр. 1665

يصلى الجحيم. وهو قوله: ﴿إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] يعني أن قضاءه سبق في قوم بالشقاوة وأنهم يصلون النار، فهم الذين يضلون في الدنيا ويعبدون الأصنام. ثم قال جبريل للنبي ﷺ : وما منا يا معاشر الملائكة، ﴿إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] في السموات يعبد الله فيه، قال الزجاج: هذا قول الملائكة وفيه مضمر. المعنى: وما منا ملك إلا له مقام معلوم. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] قال قتادة: هم الملائكة صفوا أقدامهم. وقال الكلبي: صفوف الملائكة في السماء كصفوف أهل الدنيا في الأرض. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٦] المصلون لله المنزهون الله عن السوء، يخبر جبريل النبي ﵉ أنهم يعبدون الله بالصلاة والتسبيح وأنهم ليسوا بمعبودين ولا بنات الله كما زعمت الكفار. ثم عاد الكلام إلى الإخبار عن المشركين، فقال: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ ﴿١٦٧﴾ لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الأَوَّلِينَ ﴿١٦٨﴾ ﴾ [الصافات: ١٦٧-١٦٨] أي: كتابا من كتب الأولين، وذلك أنهم قالوا: لو جاءنا ذكر كما جاء غيرنا من الأولين. ﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٩] وهذا كقوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧] . قال تعالى: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ [الصافات: ١٧٠] المعنى: نجاهم ما طلبوا به، فسوف يعلمون عاقبة كفرهم، وهذا تهديد لهم. ثم ذكر العاقبة للأنبياء بالنصر وإن كذبهم قومهم، فقال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ﴿١٧١﴾ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ﴿١٧٢﴾ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴿١٧٣﴾ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ﴿١٧٤﴾ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ﴿١٧٥﴾ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ﴿١٧٦﴾ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ ﴿١٧٧﴾ وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ﴿١٧٨﴾ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ﴿١٧٩﴾ ﴾ [الصافات: ١٧١-١٧٩] ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] أي: تقدم الوعد بأن الله ينصرهم بالحجة والظفر بعدوهم، قال مقاتل: عنى بالكلمة قوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] فهذه الكلمة التي سبقت. ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] حزب الله لهم الغلبة بالحجة والنصرة في العاقبة، لأنهم ينجون من عذاب الدنيا والآخرة. فتول عنهم أعرض عنهم، حتى حين قال مجاهد، والسدي: حتى نأمرك بالقتال. وأبصرهم إذا نزل بهم العذاب، فسوف يبصرون ذلك. فقالوا متى هذا العذاب، فأنزل ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ﴿١٧٦﴾ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ [الصافات: ١٧٦-١٧٧] قال مقاتل: بحضرتهم. وقال الفراء: العرب تكتفي بالساحة، والعقوة من القوم يقولون: نزل بك العذاب وبساحتك. والساحة: متسع الدار. ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧] بئس صباح الذين أنذروا بالعذاب، وذلك أنهم يصبحون في العذاب معذبين. ثم كرر ما سبق تأكيدا لوعد العذاب، فقال: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ﴿١٧٨﴾ وَأَبْصِرْ﴾ [الصافات: ١٧٨-١٧٩] العذاب إذا نزل بهم، فسوف يبصرون تهديد لهم. ثم نزه نفسه عن بهتهم ووصفهم بقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿١٨٠﴾ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ﴿١٨١﴾ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٨٢﴾ ﴾ [الصافات: ١٨٠-١٨٢] ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ [الصافات: ١٨٠] العزة: الغلبة والقوة، عما يصفون من اتخاذ البنات والنساء. ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١] الذين بلغوا عن الله التوحيد والشرائع. ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٢] على هلاك المشركين ونصرة الأنبياء والأولياء. ٧٨٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ، نا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، نا هُشَيْمٌ، عَنْ

стр. 1666

هَارُونَ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، غَيْرَ مَرَّةٍ وَلأَمْرٍ تَبَيَّنَ يَقُولُ " فِي آخِرِ صَلَوَاتِهِ، أَوْ حِينَ يَنْصَرِفُ: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ. . . .﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ " ٧٨٩ - وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ، نا أَبُو عَمْرِو بْنُ نُجَيْدٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحُلْوَانِيُّ، نا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ، نا وَكِيعٌ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ أَبِي صَفِيَّةَ، عَنِ الأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵁، قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكْتَالَ بِالْمِكْيَالِ الأَوْفَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلْيَكُنْ آخِرُ كَلامِهِ فِي مَجْلِسِهِ: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿١٨٠﴾ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ﴿١٨١﴾ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٨٢﴾ ﴾

стр. 1667

تفسير سورة ص وهي ثمانون وخمس آيات مكية. ٧٩٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَفَّافُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ ص أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ بِوَزْنِ كُلِّ جَبَلٍ سَخَّرَهُ اللَّهُ لِدَاوُدَ حَسَنَاتٍ، وَعَصَمَهُ اللَّهُ، تَعَالَى، أَنْ يُصِرَّ عَلَى ذَنْبٍ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا»

стр. 1668

بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ص وَالْقُرْءَانِ ذِي الذِّكْرِ ﴿١﴾ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ﴿٢﴾ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ ﴿٣﴾ ﴾ [ص: ١-٣] ص قال الضحاك: صدق الله. وقال عطاء، عن ابن عباس: صدق محمد ﷺ . ﴿وَالْقُرْءَانِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] الشرف، كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] وجواب القسم قد تقدم، أقسم الله تعالى بالقرآن أن محمدا ﷺ قد صدق، كما تقول: فعل والله، وقام والله. وقال أهل المعاني: جواب القسم محذوف بتقدير والقرآن ذي الذكر ما الأمر كما يقول الكفار. ودل على هذا المحذوف قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢] قال مقاتل: كفروا بالتوحيد من أهل مكة. في عزة حمية وتكبر عن الحق، وشقاق خلاف وعداوة لمحمد ﷺ . ثم خوفهم، فقال: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ [ص: ٣] يعني: الأمم الخالية المهلكة بتكذيب الرسل، فنادوا عند وقوع الهلاك بهم باستغاثة، ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: ٣] أي: ساعة لا منجى ولا فوت. قال ابن عباس: ليس حين نزو ولا فرار. وقال قتادة: نادى القوم على غير حين النداء. والمناص: مصدر ناص ينوص وهو الفوت والتأخر. ولات بمعنى ليس بلغة أهل اليمن، وقال النحويون: هي لا زيدت فيها

стр. 1669

التاء. كما قالوا: ثم وثمت، ورب وربت، وأصلها هاء وصلت بلا، فقالوا: لا لغير معنى حادث، كما زادوا هاء في ثمة، فلما وصلوها جعلوها تاء. والوقف عليها بالتاء عند الزجاج وأبي علي. وعند الكسائي الوقف عليها بالهاء، نحو قاعدة وضاربة. وعند أبي عبيد الوقف على ثم يبتدئ: تحين مناص، لأن عنده أن هذه التاء تزاد مع حين، فيقال: كان هذا تحين كان ذاك. ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴿٤﴾ أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴿٥﴾ وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ﴿٦﴾ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ ﴿٧﴾ أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ ﴿٨﴾ ﴾ [ص: ٤-٨] قوله: وعجبوا يعني: الكفار الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢] ، ﴿أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ص: ٤] يعني: رسولا من أنفسهم ينذرهم النار، ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص: ٤] حين زعم أنه رسول. ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥] وذلك أن النبي ﷺ أبطل عبادة ما كانوا يعبدون من الآلهة مع الله ودعاهم إلى عبادة الله وحده فتعجبوا من ذلك، وقالوا: كيف جعل لنا إلها واحدا بعد ما كنا نعبد آلهة كثيرة، قوله: إن هذا الذي يقول محمد من أن الإله واحد، لشيء عجاب لأمر عجيب، وهذا كما يقال كبير وكبار، وطويل وطوال. وقوله: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ﴾ [ص: ٦] قال المفسرون: إن أشراف قريش أتوا أبا طالب واجتمعوا عنده وشكوا إليه النبي ﷺ ،

стр. 1670

وقالوا: إنه سفه أحلامنا وسب آلهتنا وعاب ديننا. فعاتب أبو طالب النبي ﷺ ، وقال: ما تريد من قولك يا ابن أخي؟ فقال: أدعوهم إلى كلمة واحدة. قال: وما هي؟ قال: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ. فنفروا من ذلك وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥] وخرجوا من عند أبي طالب يقول بعضهم لبعض: ﴿امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص: ٦] فذلك قوله: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ﴾ [ص: ٦] أي: انطلقوا من مجلسهم الذي كانوا فيه عند أبي طالب وهم يقولون: اثبتوا على عبادة آلهتكم، واصبروا على دينكم. إن هذا الذي نراه من زيادة أصحاب محمد، لشيء يراد لأمر يراد بنا. ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ [ص: ٧] الذي يقول محمد، أي: من التوحيد، ﴿فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ [ص: ٧] يعني النصرانية، لأنها آخر الملل، والنصارى لا يوحدون، لأنهم يقولون ثالث ثلاثة. وقال قتادة: يعنون دينهم الذي هم عليه. إن هذا ما هذا الذي جاء به محمد من التوحيد والقرآن، إلا اختلاق كذب وافتعال. ثم أنكروا تخصيص الله إياه بالقرآن والنبوة، فقالوا: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [ص: ٨] قال الزجاج: قالوا كيف أنزل على محمد القرآن من بيننا ونحن أكبر سنا وأعظم شرفا منه. فقال الله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾ [ص: ٨] يعني حين قالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾ [ص: ٧] والمراد بالذكر القرآن، ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص: ٨] تهديد لهم، أي أنهم سيذوقونه. ثم أجاب عن إنكارهم نبوته بقوله: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ ﴿٩﴾ أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ ﴿١٠﴾ جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأَحْزَابِ ﴿١١﴾ ﴾ [ص: ٩-١١] ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ [ص: ٩] يقول أبأيديهم مفاتيح النبوة والرسالة فيضعونها حيث شاءوا؟ أي أنها ليست بأيديهم، ولكنها بيد العزيز في ملكه، الوهاب وهب النبوة لمحمد ﷺ . ثم أخبر أن الملك له يصطفي من يشاء، وهو قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ﴾ [ص: ١٠] أي: إن ادعوا شيئا من ذلك فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء. قال قتادة، ومقاتل: يعني الأبواب التي في السماء. وقال الكلبي: يقول: في

стр. 1671

طرقها من سماء إلى سماء، وكل ما يوصلك إلى شيء من باب وطريق فهو سببه. ثم أخبر عن هزيمتهم ببدر، وهو قوله: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأَحْزَابِ﴾ [ص: ١١] قال قتادة: أخبر الله تعالى، وهو يومئذ بمكة، أنه سيهزم جند المشركين، فجاء تأويلها يوم بدر. وجند خبر ابتداء محذوف بتقدير هم جند، وما زائدة، وهنالك إشارة إلى بدر ومصارعهم بها، والأحزاب سائر من تقدمهم من الكفار الذين تحزبوا على الأنبياء. ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ ﴿١٢﴾ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُولَئِكَ الأَحْزَابُ ﴿١٣﴾ إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ﴿١٤﴾ وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ ﴿١٥﴾ وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ ﴿١٦﴾ ﴾ [ص: ١٢-١٦] يدل على هذا قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ﴾ [ص: ١٢] قال المفسرون: كانت له أوتاد يعذب الناس عليها، وذلك أنه كان إذا غضب على أحد وَتَّدَ يَدَهُ ورجليه ورأسه على الأرض. وقال عطية: ذو الجنود والجموع الكثيرة. يعني أنهم كانوا يقوون أمره ويشددون ملكه كما يقوي الوتد الشيء، وقيل: ذو الملك الشديد الثابت، كما قال الأسود: في ظل ملك ثابت الأوتاد

стр. 1672

ولما ذكر هؤلاء المكذبين، قال: أولئك الأحزاب فأعلمنا أن مشركي قريش حزب من هؤلاء الأحزاب. إن كل ما كل منهم، ﴿إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ [ص: ١٤] فوجب عليهم عقابي بتكذيبهم. ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ﴾ [ص: ١٥] يعني كفار مكة، أي: ما ينتظرون لوقوع العذاب بهم، ﴿إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [ص: ١٥] يعني: النفخة الأخيرة، ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥] وقرئ بالضم، قال الزجاج: فواق وفواق بضم الفاء وفتحها، أي: ما لها من رجوع. والفواق ما بين حلبتي الناقة، وهو مشتق من الرجوع أيضا، لأنه يعود اللبن إلى الضرع بين الحلبتين، وأفاق من مرضه أي رجع إلى الصحة. قال مجاهد: ما لها من فواق رجوع. أي: ما يرد ذلك الصوت فيكون له رجوع، وهو معنى قول مقاتل: من مرد ولا رجعة. وقال قتادة، والضحاك: ليس لها مثنوية. أي صرف ورد، والمعنى أن تلك الصيحة التي هي ميعاد عذابهم إذا جاءت لم ترد ولم تصرف حتى يبعثوا وينجز لهم ميعاد العذاب. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: ١٦] معنى القط في اللغة: النصيب، من القط بمعنى القطع، والنصيب إنما هو القطعة من الشيء، وتسمى كتب الجوائز قطوطا لأنهم كانوا يكتبون الأنصباء من العطايا في الصحائف. يقال: أخذ فلان قطة إذ أخذ كتابه الذي كتب له بجائزته وصلته، ثم سميت الكتب قطوطا وإن لم تكن للصلة، والمفسرون مختلفون على هذين القولين: فقال ابن عباس: قطنا، حظنا من العذاب والعقوبة. وقال قتادة: نصيبنا من العذاب، يقولون ذلك استهزاء. وقال سعيد بن جبير، والسدي: لما ذكر لهم ما في الجنة ﴿قَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا﴾ [ص: ١٦] نصيبنا منها في الدنيا.

стр. 1673

وقال أبو العالية، والكلبي، ومقاتل: لما نزلت ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: ١٩] ، ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥] قالت قريش: زعمت يا محمد أنا نؤتى كتابنا بشمالنا، فعجل لنا قطنا قبل يوم الحساب. يقولون ذلك تكذيبا له، فقال الله : ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴿١٧﴾ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ ﴿١٨﴾ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ﴿١٩﴾ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ ﴿٢٠﴾ ﴾ [ص: ١٧-٢٠] اصبر يا محمد، ﴿عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [ص: ١٧] من تكذيبك، ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ﴾ [ص: ١٧] لكي تتقوى على الصبر بذكر قوته على العبادة، وهو قوله: ذا الأيد أي: ذا القوة على العبادة، وفي طاعة الله، قال الزجاج: وكانت قوة داود على العبادة أتم قوة، كان يصوم يوما ويفطر يوما، وذلك أشد الصوم، وكان يصلي نصف الليل. إنه أواب رجاع عن كل ما يكره الله إلى ما يحب الله. قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ [ص: ١٨] هذا كقوله: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] وقد مر تفسيره، وقوله: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ﴾ [ص: ١٨] قال الكلبي: غدوة وعشية. يقال: أشرقت الشمس إذا أضاءت. وروي عن ابن عباس ﵁ بطرق أنه فسر التسبيح بالإشراق في هذه الآية بصلاة

стр. 1674

الضحى. ٧٩١ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْوَاعِظُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، نا عُبَيْدُ اللَهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَيْبَةَ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ بَخْتَوَيْهِ، نا أَبُو أُمَيَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا الْحَجَّاجُ بْنُ نُصَيْرٍ، نا أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵁، فِي قَوْلِهِ: ﴿بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ﴾ قَالَ: كُنْتُ أَمُرُّ بِهَذِهِ الآيَةِ لا أَدْرِي مَا هِيَ حَتَّى حَدَّثَتْنِي أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، دَخَلَ عَلَيْهَا فَدَعَا بِوَضُوءٍ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى الضُّحَى، وَقَالَ: «يَا أُمَّ هَانِئٍ هَذِهِ صَلاةُ الإِشْرَاقِ» والطير معطوفة على الجبال، كأنه قال: وسخرنا الطير، محشورة مجموعة إليه تسبح لله معه، قال ابن عباس: كان داود إذا سبح جاوبته الجبال واجتمعت إليه الطير، فسبحت معه. وهو قوله: ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٩] رجاع إلى طاعته وأمره، أي: كل له مطيع بالتسبيح معه. وشددنا ملكه قوينا ملكه بالحرس والجنود، قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: كان يحرسه كل ليلة ستة وثلاثون ألف رجل، فإذا أصبح قيل: ارجعوا فقد رضي عنكم نبي الله، وهذا قول جماعة المفسرين. ٧٩٢ - أَخْبَرَنِي أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فِيمَا أَجَازَ لِي، أَنَّ أَبَا الْفَضْلِ الْحَدَّادِيَّ أَخْبَرَهُمْ، عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْخَالِدِيِّ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، نا دَاوُدُ بْنُ أَبِي

стр. 1675

الْفُرَاتِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَنَّ رَجُلا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ اسْتَعْدَى عَلَى رَجُلٍ مِنْ عُظَمَائِهِمْ عِنْدَ دَاوُدَ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا غَصَبَنِي بَقَرًا لِي، فَسَأَلَ دَاوُدُ الرُّجَل عَنْ ذَلِكَ فَجَحَدَهُ، فَسَأَلَ الآخَرَ الْبَيِّنَةَ، فَلَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِنَّةٌ، فَقَالَ لَهُمَا دَاوُدُ: قُومَا حَتَّى أَنْظُرَ فِي أَمْرِكُمَا، فَقَامَا مِنْ عِنْدِهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ، تَعَالَى، إِلَى دَاوُدَ فِي مَنَامِهِ أَنْ يَقْتُلَ الرَّجُلَ الَّذِي اسْتَعْدَى عَلَيْهِ. فَقَالَ: هَذِهِ رُؤْيَا وَلَسْتُ أَعْجَلُ حَتَّى أَتَثَبَّتَ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ فِي مَنَامِهِ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ الثَّالِثَةَ أَنْ يَقْتُلَهُ، أَوْ تَأْتِيَهُ الْعُقُوبَةُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ أَقْتُلَكَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: تَقْتُلُنِي بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ؟ فَقَالَ دَاوُدُ: نَعَمْ، وَاللَّهِ لأُنَفِّذَنَّ أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ. فَلَمَّا عَرَفَ الرَّجُلُ أَنَّهُ قَاتِلُهُ؛ قَالَ: لا تَعْجَلْ عَلَيَّ حَتَّى أُخْبِرَكَ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أُخِذْتُ بِهَذَا الذَّنْبِ، وَلَكِنِّي كُنْتُ اغْتَلْتُ أَبَا هَذَا فَقَتَلْتُهُ فَبِذَلِكَ أُخِذْتُ. فَأَمَرَ بِهِ دَاوُدُ فَقُتِلَ فَاشْتَدَّتْ هَيْبَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِدَاوُدَ، ﵇، عِنْدَ ذَلِكَ وَشُدِّدَ بِهِ مُلْكُهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ وقوله: وآتيناه الحكمة قال ابن عباس: النبوة والمعرفة بكل ما حكم. وقال مقاتل: الفهم والعلم. وفصل الخطاب يعني الشهود والإيمان، البينة على المدعي واليمين على من أنكر، لأن خطاب الخصوم إنما ينقطع وينفصل بهذا، وهذا قول أكثر المفسرين. وقال ابن مسعود، ومقاتل، وقتادة: هو العلم بالقضاء والفهم فيه. قوله تعالى: ﴿

стр. 1676

وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ ﴿٢١﴾ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ ﴿٢٢﴾ إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ﴿٢٣﴾ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ﴿٢٤﴾ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ﴿٢٥﴾ يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴿٢٦﴾ ﴾ [ص: ٢١-٢٦] ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ [ص: ٢١] قال مقاتل: بعث الله تعالى إلى داود ﵇ ملكين جبريل وميكائيل لينبهه على التوبة فأتياه في المحراب. وهو قوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] يقال: تسورت الحائط والسور إذا علوته. وإنما قال: تسوروا والخصم ههنا اثنان، لأنه على مذهب من يجعل الاثنين جماعة، والمحراب ههنا كالغرفة، قال محمد بن إسحاق: بعث الله تعالى إليه ملكين يختصمان إليه، مثلا ضربه الله له وأصحابه، فلم يرع داود إلا بهما واقفين على رأسه في محرابه، فقال: ما أدخلكما علي؟ قالا: لا تخف.

стр. 1677

وهو قوله: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى﴾ [ص: ٢٢] أي نحن، ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢] فجئناك لتقضي بيننا، وهو قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ﴾ [ص: ٢٢] يقال: شط الرجل وأشط شططا وإشطاطا إذا جار في حكمه وقضيته. قال المفسرون: لا تجر علينا. ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ [ص: ٢٢] احملنا على الحق ولا تخالف بنا إلى غيره. فقال داود: تكلما. فقال أحد الملكين: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ﴾ [ص: ٢٣] أي: على ديني، ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [ص: ٢٣] يعني امرأة، والنعجة البقرة الوحشية، والعرب تكني بها عن المرأة وتشبه النساء بالنعاج من البقر، وإنما عنى بهذا داود لأنه كانت له تسع وتسعون امرأة، ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [ص: ٢٣] امرأة واحدة، فقال أكفلنيها ضعها إلي واجعلني كافلها، وهو الذي يعولها وينفق عليها، والمعنى: طلقها لأتزوجها، ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣] قال عطاء، عن ابن عباس: كان أعز مني وأقوى على مخاطبتي، لأنه كان الملك. والمعنى أنه كان أقدر على الخطاب بعزة ملكه. وهذه القصة تمثيل لأمر داود مع أوريا زوج المرأة التي أراد أن يتزوج بها. قال داود: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ [ص: ٢٤] أي: بسؤاله نعجتك ليضمها إلى نعاجه، أي: إن كان الأمر على ما تقول فقد ظلمك أخوك بما كلفك من تحولك عن امرأتك ليتزوجها هو، ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾ [ص: ٢٤] وهم الشركاء، واحدهم خليط، وهو المخالط في المال. يريد أن الشركاء كثير منهم يظلم بعضهم بعضا، وهو قوله: ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٤] وظن داود أنهما شريكان فلذلك قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾ [ص: ٢٤] وقوله: ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [ص: ٢٤] أي: فإنهم لا يظلمون أحدا، ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤] أي: هم قليل، يعني الصالحين الذين لا يظلمون، قال المفسرون: فلما قضى بينهم داود ﵇ نظر أحدهما إلى صاحبه فضحك وصعد إلى السماء، فعلم داود أن الله ابتلاه، وأن ما ذكر من القصة تمثيل لقصته هو. وقوله: ﴿

стр. 1678

وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ [ص: ٢٤] أي: أيقن وعلم أنا ابتليناه بما وقع له من القصة، ونظره إلى المرأة، وافتتانه بها، وكان قد أعجب بعبادته، فلما ابتلي بها هويها وقال لزوجها تحول لي عنها، فعوتب على محبة امرأة من له امرأة واحدة، وله تسع وتسعون امرأة، فكان ذلك ذنبا من ذنوب الأنبياء التي يعاتبون عليها، وذلك قوله: فاستغفر ربه سأل ربه غفران ذلك الذنب.

стр. 1679

وخر راكعا قال ابن عباس: ساجدا. وعبر عن السجود بالركوع لأن كليهما بمعنى الانحناء، وأناب راجع إلى ما يحب الله من التوبة والاستغفار. ٧٩٣ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، ﵁، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الأُمَوِيُّ، أنا الرَّبِيعُ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ، ﵁: أَخْبَرَنِي ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنْ زِرٍّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ كَانَ لا يَسْجُدُ فِي ص وَيَقُولُ: إِنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِيٍّ ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ [ص: ٢٥] قال ابن عباس: غفر له ذلك الذنب. ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ [ص: ٢٥] لقربة ومكانة ومنزلة حسنة. أخبرنا سعيد بن محمد الزاهد، أنا أبو علي الفقيه، أنا إبراهيم بن عبد الله العسكري، أنا محمد بن صالح، حدثني محمد بن منصور البرداني، عن جعفر بن سليمان، عن مالك بن دينار في قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ [ص: ٢٥] قال: يقول الله لداود وهو قائم بساق العرش: يا داود، مجدني بذلك الصوت الرخيم اللين. فيقول: كيف وقد سلبتنيه في الدنيا؟ فيقول: إني أرده عليك. قال: فيرفع داود صوته بالزبور فيستفرغ نعيم أهل الجنة. قوله: ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥] يعني الجنة التي هي مآب الأنبياء والأولياء. قوله: يا داود أي: قلنا له يا داود إنا جعلناك صيرناك، ﴿خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦] تدبر أمور العباد من قبلنا بأمرنا، ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] بالعدل الذي هو حكم الله بين خلقه، ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] قال مقاتل: لا يستزلنك الهوى عن طاعة الله. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ

стр. 1680

الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦] قال عكرمة، والسدي: في الآية تقديم وتأخير على تقدير ولهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا، أي: تركوا القضاء بالعدل. وقال الزجاج: أي بتركهم العمل لذلك اليوم صاروا بمنزلة الناسين، وإن كانوا ينذرون ويذكرون. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ﴿٢٧﴾ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ﴿٢٨﴾ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ ﴿٢٩﴾ ﴾ [ص: ٢٧-٢٩] ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا﴾ [ص: ٢٧] قال ابن عباس: لا للثواب والعقاب. ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧] يعني أهل مكة، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧] هم الذين ظنوا أنهم خلقوا لغير شيء، وأنه لا قيامة ولا حساب، قال مقاتل: قال كفار قريش للمؤمنين: إنا نعطى في الآخرة من الخير ما تعطون. فأنزل الله تعالى ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [ص: ٢٨] أي: صدقوا بي، وعملوا الصالحات عملوا بفرائضي، ﴿كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [ص: ٢٨] بالمعاصي، ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ﴾ [ص: ٢٨] يريد به أصحاب النبي ﷺ ، كالفجار وهم الكفار كقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] الآية، وقوله: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥] : وهم الكفار لقوله: كتاب أي:

стр. 1681

هذا الكتاب، يعني القرآن، ﴿أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ص: ٢٩] كثير خيره ونفعه، ليدبروا ليتدبروا، آياته وليتفكروا فيها فيقرر عندهم صحتها، وليتذكر بما فيه من المواعظ أهل اللب والعقل. قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴿٣٠﴾ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ ﴿٣١﴾ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ﴿٣٢﴾ رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ ﴿٣٣﴾ ﴾ [ص: ٣٠-٣٣] ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ﴾ [ص: ٣٠] يعني ولدا، ثم مدح سليمان بقوله: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠] راجع عما يكره الله إلى ما يحب. ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ﴾ [ص: ٣١] بعد العصر، الصافنات يقال: صفن الفرس يصفن صفونا إذا قام على ثلاث، وقلب أحد حوافره. والجياد جمع جواد، وهو الشديد الحضر من الخيل. قال ابن عباس: يريد الخيل السوابق إذا وقفت صفنت على أطراف حوافرها، عرضت عليه حتى شغلته عن صلاة العصر إلى أن غابت الشمس. فذلك قوله تعالى: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ [ص: ٣٢] يعني الخيل، والخيل مال، والخير بمعنى المال كثير في التنزيل. قال الزجاج: الخير ههنا الخيل، والنبي ﷺ سمى زيد الخيل: زيد الخير، وسميت الخيل خيرا لأن الخير معقود بنواصيها: الأجر والمغنم. قال الفراء: يقول: آثرت حب الخير وكل من أحب شيئا فقد آثره. وقوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢] أي: على ذكر ربي، يعني صلاة العصر، ﴿حَتَّى تَوَارَتْ

стр. 1682

بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢] حتى استترت الشمس بما يحجبها عن الأبصار. قال الحسن: إن سليمان ﵇ لما شغله عرض الخيل حتى فاتته صلاة العصر غضب لله تعالى، فقال: ردوها علي أي: أعيدوها عليّ، فطفق قال أبو عبيدة: طفق يفعل، مثل ما زال يفعل، وهو مثل ظل وبات، يقال: طفق يطفق طفقا وطفوقا. وقوله: مسحا أي: يمسح مسحا، أي يضرب، يقال: مسح علاوته أي ضرب عنقه، وهذا قول الفراء، وأبي عبيدة. قال الفراء: والمسح ههنا القطع. والمعنى أنه أقبل يضرب سوقها وأعناقها، لأنها كانت سبب فوت صلاته. وهذا قول ابن عباس، ومقاتل، قالا: يريد قطع السوق والأعناق. وقال الحسن: كسّف عراقيبها، وقطع أعناقها، وقال: لا تشغلني عن عبادة ربي مرة أخرى. قال الزجاج: ولم يكن ليفعل ذلك إلا وقد أباح الله له ذلك. وجائز أن يباح ذلك لسليمان ويحظر في هذا الوقت، والسوق

стр. 1683

جمع ساق، مثل لاب ولوب. ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ ﴿٣٤﴾ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴿٣٥﴾ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ ﴿٣٦﴾ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ ﴿٣٧﴾ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ ﴿٣٨﴾ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿٣٩﴾ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ﴿٤٠﴾ ﴾ [ص: ٣٤-٤٠] قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ [ص: ٣٤] أي: ابتليناه واختبرناه بسلب ملكه. قال أكثر المفسرين: تزوج سليمان ﵇ امرأة من بنات الملوك، فعبدت الصنم في داره، ولم يعلم بذلك سليمان، فامتحن بسبب غفلته كانت عن ذلك. قال ابن عباس في رواية عطاء ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ [ص: ٣٤] : يريد بصخر، الشيطان الذي لم يكن سخر له، وكان شيطانا ماردا عظيما لا يقوى عليه جميع الشياطين، وكان نبي الله سليمان لا يدخل الكنيف بخاتمه، فجاء صخر في صورة سليمان حتى أخذ الخاتم من امرأة من نسائه وأقام أربعين يوما في مكانه، وسليمان هارب. وقال مجاهد: إن شيطانا قال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك. فلما أعطاه إياه نبذه في البحر فذهب ملكه، وقعد الشيطان على كرسيه، ومنعه الله نساء سليمان، فلم يقربهن، وكان سليمان يستطعم، فيقول: أتعرفونني؟ أطعموني. فيكذبونه، حتى أعطته امرأته يوما حوتا فشق بطنه فوجد خاتمه في بطنه، فرجع إليه

стр. 1684

ملكه، فذلك قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ [ص: ٣٤] يعني الشيطان الذي كان على كرسيه يقضي بين الناس، ثم أناب رجع بعد أربعين يوما إلى ملكه.

стр. 1685

فلما رجع ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] قال مقاتل، وأبو عبيدة: لا يكون، فاستجاب الله له ذلك فلم يكن لأحد بعده من الملك ما كان له. ٧٩٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَنْصُورِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيُّ، أنا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، أنا شَبَابَةُ، أنا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ ، أَنَّهُ صَلَّى صَلاةً فَقَالَ: " إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي، يُفْسِدُ عَلَيَّ الصَّلاةَ، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ، فَذَعَتُّهُ، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُوَثِّقَهُ إِلَى سَارِيَةٍ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ أَجْمَعِينَ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ سُلَيْمَانَ، ﵇ ﴿هَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئًا، أَوْ خَائِبًا، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ
следующие страницы →