← Тафсир

Тафсир · id 21821

التفسير الوسيط للواحدي

الواحدي

Полный текст (2 298 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

هذا الكتاب، يعني القرآن، ﴿أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ص: ٢٩] كثير خيره ونفعه، ليدبروا ليتدبروا، آياته وليتفكروا فيها فيقرر عندهم صحتها، وليتذكر بما فيه من المواعظ أهل اللب والعقل. قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴿٣٠﴾ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ ﴿٣١﴾ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ﴿٣٢﴾ رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ ﴿٣٣﴾ ﴾ [ص: ٣٠-٣٣] ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ﴾ [ص: ٣٠] يعني ولدا، ثم مدح سليمان بقوله: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠] راجع عما يكره الله إلى ما يحب. ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ﴾ [ص: ٣١] بعد العصر، الصافنات يقال: صفن الفرس يصفن صفونا إذا قام على ثلاث، وقلب أحد حوافره. والجياد جمع جواد، وهو الشديد الحضر من الخيل. قال ابن عباس: يريد الخيل السوابق إذا وقفت صفنت على أطراف حوافرها، عرضت عليه حتى شغلته عن صلاة العصر إلى أن غابت الشمس. فذلك قوله تعالى: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ [ص: ٣٢] يعني الخيل، والخيل مال، والخير بمعنى المال كثير في التنزيل. قال الزجاج: الخير ههنا الخيل، والنبي ﷺ سمى زيد الخيل: زيد الخير، وسميت الخيل خيرا لأن الخير معقود بنواصيها: الأجر والمغنم. قال الفراء: يقول: آثرت حب الخير وكل من أحب شيئا فقد آثره. وقوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢] أي: على ذكر ربي، يعني صلاة العصر، ﴿حَتَّى تَوَارَتْ

стр. 1682

بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢] حتى استترت الشمس بما يحجبها عن الأبصار. قال الحسن: إن سليمان ﵇ لما شغله عرض الخيل حتى فاتته صلاة العصر غضب لله تعالى، فقال: ردوها علي أي: أعيدوها عليّ، فطفق قال أبو عبيدة: طفق يفعل، مثل ما زال يفعل، وهو مثل ظل وبات، يقال: طفق يطفق طفقا وطفوقا. وقوله: مسحا أي: يمسح مسحا، أي يضرب، يقال: مسح علاوته أي ضرب عنقه، وهذا قول الفراء، وأبي عبيدة. قال الفراء: والمسح ههنا القطع. والمعنى أنه أقبل يضرب سوقها وأعناقها، لأنها كانت سبب فوت صلاته. وهذا قول ابن عباس، ومقاتل، قالا: يريد قطع السوق والأعناق. وقال الحسن: كسّف عراقيبها، وقطع أعناقها، وقال: لا تشغلني عن عبادة ربي مرة أخرى. قال الزجاج: ولم يكن ليفعل ذلك إلا وقد أباح الله له ذلك. وجائز أن يباح ذلك لسليمان ويحظر في هذا الوقت، والسوق

стр. 1683

جمع ساق، مثل لاب ولوب. ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ ﴿٣٤﴾ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴿٣٥﴾ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ ﴿٣٦﴾ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ ﴿٣٧﴾ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ ﴿٣٨﴾ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿٣٩﴾ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ﴿٤٠﴾ ﴾ [ص: ٣٤-٤٠] قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ [ص: ٣٤] أي: ابتليناه واختبرناه بسلب ملكه. قال أكثر المفسرين: تزوج سليمان ﵇ امرأة من بنات الملوك، فعبدت الصنم في داره، ولم يعلم بذلك سليمان، فامتحن بسبب غفلته كانت عن ذلك. قال ابن عباس في رواية عطاء ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ [ص: ٣٤] : يريد بصخر، الشيطان الذي لم يكن سخر له، وكان شيطانا ماردا عظيما لا يقوى عليه جميع الشياطين، وكان نبي الله سليمان لا يدخل الكنيف بخاتمه، فجاء صخر في صورة سليمان حتى أخذ الخاتم من امرأة من نسائه وأقام أربعين يوما في مكانه، وسليمان هارب. وقال مجاهد: إن شيطانا قال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك. فلما أعطاه إياه نبذه في البحر فذهب ملكه، وقعد الشيطان على كرسيه، ومنعه الله نساء سليمان، فلم يقربهن، وكان سليمان يستطعم، فيقول: أتعرفونني؟ أطعموني. فيكذبونه، حتى أعطته امرأته يوما حوتا فشق بطنه فوجد خاتمه في بطنه، فرجع إليه

стр. 1684

ملكه، فذلك قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ [ص: ٣٤] يعني الشيطان الذي كان على كرسيه يقضي بين الناس، ثم أناب رجع بعد أربعين يوما إلى ملكه.

стр. 1685

فلما رجع ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] قال مقاتل، وأبو عبيدة: لا يكون، فاستجاب الله له ذلك فلم يكن لأحد بعده من الملك ما كان له. ٧٩٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَنْصُورِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيُّ، أنا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، أنا شَبَابَةُ، أنا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ ، أَنَّهُ صَلَّى صَلاةً فَقَالَ: " إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي، يُفْسِدُ عَلَيَّ الصَّلاةَ، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ، فَذَعَتُّهُ، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُوَثِّقَهُ إِلَى سَارِيَةٍ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ أَجْمَعِينَ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ سُلَيْمَانَ، ﵇ ﴿هَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئًا، أَوْ خَائِبًا، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ

стр. 1686

إِبْرَاهِيمَ، عَنْ رَوْحٍ، وَغُنْدَرٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، كُلُّهُمْ، عَنْ شُعْبَةَ ويدل على ما ذكرنا قوله: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ [ص: ٣٦] ولم نسخرها لأحد بعده ولا ملكها سواه، ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ [ص: ٣٦] لينة الهبوب ليست بالعاصفة، حيث أصاب أراد من النواحي، قال الزجاج: إجماع أهل اللغة والمفسرين حيث أصاب، أي حيث أراد من النواحي. قال الزجاج: وحقيقته حيث قصد. وقال الأصمعي: العرب تقول: أصاب فلان الصواب فأخطأ الجواب، معناه أنه قصد الصواب وأراده فأخطأ مراده ولم يتعمد الخطأ. والشياطين أي: وسخرنا له الشياطين، كل بناء يبنون له ما يشاء من محاريب وتماثيل، وغواص يغوصون في البحار يستخرجون له الدر من البحار. وآخرين أي: وسخرنا له آخرين، يعني مردة الشياطين سخروا له حتى قرنهم في الأصفاد، وهو قوله: ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ﴾ [ص: ٣٨] يقال: قرنهم في الحبال إذا كانوا جماعة كثيرة، والأصفاد الأغلال، واحدها صفد. قال الزجاج: هي السلاسل من الحديد، وكل ما شددته شدا وثيقا بالحديد وغيره فقد صفدته. قال أبو عبيد: يقال صفدت الرجل فهو مصفود، وأصفدته فهو مصفد. هذا عطاؤنا أي: قلنا له هذا الملك، يعني ما سأل من قوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ [ص: ٣٥] ، ﴿فَامْنُنْ﴾ [ص: ٣٩] لمن الإحسان إلى من لا تستثيبه. قال عطاء، عن ابن عباس: أعط من شئت وأمسك عمن شئت. بغير حساب لا حرج عليك فيما أعطيت وفيما أمسكت. قال الحسن: ما أنعم الله على أحد نعمة إلا عليه تبعة إلا سليمان، فإن الله تعالى قال: هذا عطاؤنا الآية، إن أعطي أجر، وإن لم يعط لم يكن عليه

стр. 1687

تبعة. قال الزجاج: قوله: بغير حساب أي: بغير جزاء، يعني: أعطيناك تفضلا لا مجازاة. ثم أخبره بمنزلته في الآخرة، فقال: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٤٠] . ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴿٤١﴾ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ﴿٤٢﴾ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ ﴿٤٣﴾ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴿٤٤﴾ ﴾ [ص: ٤١-٤٤] قوله: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١] النصب والنصب كالحزن والحزن، والعدم والعدم، وهو الضر والمكروه والشدة، يعني ما ابتلاه الله به حين سلط عليه الشيطان، قاله ابن عباس. قال قتادة: بضر في الجسد وعذاب في المال. وقال السدي: النصب ما أنصب الجسد، والعذاب أهلك المال. ثم فرج الله عنه، وهو قوله: اركض برجلك أي: قلنا له اركض برجلك، قال ابن عباس: اضرب الأرض برجلك، فركض فنبعت بركضته عين ماء. وهو قوله: هذا مغتسل وهو ما اغتسل به من الماء، بارد وشراب شرب منه، قال مقاتل: انفجرت له عين فاغتسل منها، فخرج منها صحيحا، ثم مشى أربعين خطوة فدفع الأرض برجله الأخرى فنبعت عين أخرى ماء عذبا باردا، فذلك قوله: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ﴾ [ص: ٤٢] يعني الذي اغتسل فيه، وشراب

стр. 1688

أراد الذي شرب منه. وقال الحسن ركض ركضة أخرى فإذا عين تنبع حتى غمرته، فرد الله إليه جسده، فركض ركضة أخرى فإذا عين أخرى فشرب منها فطهرت جوفه، وغسلت كل قذر كان فيه. وما بعد هذا مفسر في ﴿ [الأنبياء إلى قوله:] وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ [سورة ص: ٤٤] وهو ملء الكف من الشجر والحشيش والشماريخ، وكان حلف ليجلدن امرأته مائة جلدة. قال سعيد بن المسيب: اتهمها أنها قارفت شيئا من الخيانة، لأنها أتته يوما بزيادة على ما كانت تأتي به من الخبز. وقال قتادة: عرض لها إبليس وأراد أن تحمل زوجها على شيء، فقالت لأيوب: لو تقربت إلى الشيطان بشيء فذبحت له عناقا. فحلف أيوب لئن شفاه الله ليجلدنها مائة جلدة، فأمر أن يأخذ عيدانا رطبة من تمام مائة عود، فيضرب به كما أمره الله تعالى، وهو قوله: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] فكان ذلك تحلة ليمينه، وتخفيفا عن امرأته، ثم أثنى على أيوب، فقال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤] أي: على البلاء الذي ابتليناه به، نعم العبد هو، إنه أواب رجاع إلى ما يحب الله من طاعته. قوله: ﴿

стр. 1689

وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ ﴿٤٥﴾ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ﴿٤٦﴾ وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ ﴿٤٧﴾ وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأَخْيَارِ ﴿٤٨﴾ هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ﴿٤٩﴾ ﴾ [ص: ٤٥-٤٩] واذكر عبادنا وقرأ ابن كثير عبدنا على الواحد اختصاصا بالإضافة إلى الله على وجه المكرمة، وهو قراءة ابن عباس، يقول: إنما ذكر إبراهيم، ثم ذكر ولده بعده. قال مقاتل: واذكر يا محمد صبر عبدنا إبراهيم حين ألقي في النار، وصبر إسحاق للذبح، وصبر يعقوب

стр. 1690

حين ذهب بصره، ولم يذكر إسماعيل لأنه لم يبتل بشيء. ﴿أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥] قال ابن عباس: أولي القوة في طاعة

стр. 1691

الله، والأبصار في المعرفة بالله. فالأيدي في هذه الآية جمع اليد التي هي بمعنى القدرة والقوة. قال قتادة: أعطوا قوة في العبادة وصبرا في الدين. وهو قول مجاهد، وسعيد بن جبير، والمفسرين. قوله: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ [ص: ٤٦] قال مجاهد: اصطفيناهم بذكر الآخرة فأخلصناهم بذكرها. وقال قتادة: كانوا يدعون إلى الآخرة وإلى الله. وقال السدي: أخلصوا بخوف الآخرة. فمن قرأ بالتنوين في بخالصة كان المعنى: جعلناهم لنا خالصين بأن خلصت لهم الذكرى الدار، والخالصة مصدر بمعنى الخلوص، والذكرى بمعنى التذكير، أي: خلص لهم تذكير الدار، وهو أنهم يذكرون بالتأهب لها ويزهدون في الدنيا، وذلك شأن الأنبياء صلوات الله عليهم، وأما من أضاف فالمعنى: أخلصناهم بأن خلصت لهم ذكرى الدار، والخالصة مصدر مضاف إلى الفاعل. قال ابن عباس: أخلصوا بذكر الدار الآخرة، وأن يعملوا لها. والذكرى على هذا بمعنى الذكر. ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٧] قال ابن عباس: يريد اصطفيتهم واخترتهم. ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ﴾ [ص: ٤٨] أي: اذكرهم بصبرهم وفضلهم لتسلك طريقهم، ﴿وَكُلٌّ مِنَ الأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٨] اختارهم الله للنبوة. هذا ذكر شرف وذكر جميل يذكرون به أبدا، ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٤٩] يرجعون في الآخرة إلى مغفرة الله. ثم بين حسن ذلك المرجع، فقال: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ ﴿٥٠﴾ مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ ﴿٥١﴾ وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ

стр. 1692

الطَّرْفِ أَتْرَابٌ ﴿٥٢﴾ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ ﴿٥٣﴾ إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ ﴿٥٤﴾ ﴾ [ص: ٥٠-٥٤] ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ﴾ [ص: ٥٠] قال الفراء: المعنى مفتحة لهم أبوابها، والعرب تجعل الألف واللام خلفا من الإضافة. وقال الزجاج: المعنى مفتحة لهم الأبواب منها، فالألف واللام للتعريف لا للبدل. متكئين فيها في الجنات، يدعون فيها تقدير الآية: يدعون في الجنات متكئين فيها. ﴿بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾ [ص: ٥١] بألوان الفاكهة وألوان الشراب، والمعنى: وشراب كثير، فحذف للدلالة عليه. ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ [ص: ٥٢] تقدم تفسيره. أتراب أقران أسنانهن واحدة، بنات ثلاث وثلاثين سنة. هذا يعني ما ذكر فيما تقدم ما يوعد به المتقون على لسان النبي ﷺ ، ومن قرأ بالتاء فالمعنى: قل للمتقين: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٥٣] ليوم الجزاء. ثم أعلم أن ذلك غير منقطع، فقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٤] أي: انقطاع وفناء. قال ابن عباس: ليس لشيء في الجنة نفاد، وما أكل من ثمارها خلف مكانه مثله، وما أكل من حيوانها وطيرها عاد مكانه حيا. ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ﴿٥٥﴾ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴿٥٦﴾ هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ﴿٥٧﴾ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ﴿٥٨﴾ هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ ﴿٥٩﴾ قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ ﴿٦٠﴾ قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ ﴿٦١﴾ ﴾ [ص: ٥٥-٦١] هذا، أي: الأمر هذا الذي ذكرناه. ثم ذكر ما للكفار، فقال: ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ [ص: ٥٥] للذين طغوا على الله وكذبوا الرسل، لشر مآب شر مرجع ومصير. ثم أخبر بذلك، فقال: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [ص: ٥٦] قال ابن عباس: بئس المسكن وبئس الممهد. ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ [ص: ٥٧] قال الفراء، والزجاج: تقدير الآية: هذا حميم غساق فليذوقوه. أي: يقال لهم في ذلك اليوم: هذا حميم وغساق فليذوقوه، وعادت الكناية إلى أحدهما اكتفاء به عن

стр. 1693

الثاني كقوله: ﴿يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤] ومثله كثير، والحميم: الحار الذي قد انتهى حره، والغساق: ما سال من جلود أهل النار من القيح والصديد، من قولهم: غسقت عينه إذا انصبت، الغسقان الانصباب، والوجه التخفيف في غساق، لأنه اسم موضوع، قال: ومن شدد ذهب به إلى غسق يغسق فهو غساق. وآخر وعذاب آخر، من شكله من مثل ذلك الأول، والشكل المثل، ويريد ضربا من العذاب على شكل الحميم والغساق في الكراهة. قال المفسرون: هو الزمهرير. ومن قرأ وأخر فالمعنى: وأنواع أخر من شكله. وقوله: أزواج أي: ألوان وأنواع وأشباه. هذا فوج قال صاحب النظم: هذا من قول الملائكة، يقولونه لأهل النار إذا جاءوهم بفوج سواهم من أهل النار. والفوج القطيع من الناس، وجمعه أفواج، والمقتحم الداخل في الشيء رميا بنفسه فيه. قال الكلبي: إنهم يضربون بالمقامع حتى يثبوا في النار خوفا من تلك المقامع، ويوقعوا أنفسهم فيها. فلما قالت الملائكة ذلك لأهل النار قالوا: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ [ص: ٥٩] المرحب والرحب معناه السعة، أي: لا اتسعت بهم مساكنهم، والمعنى: لا كرامة لهم. هذا إخبار أن مودتهم تنقطع وتصير عداوة. ﴿إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ [ص: ٥٩] داخلوها كما دخلنا، ومقاسون حرها. فأجابهم الفوج، فقالوا: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ [ص: ٦٠] هؤلاء الأتباع يقولون ذلك للقادة وقد سبقوهم إلى النار، يقولون لهم: ﴿أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ [ص: ٦٠] أنتم بدأتم بالكفر قبلنا، فبئس القرار بئس المستقر والمسكن جهنم. ثم قالت الأتباع: ﴿رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا﴾ [ص: ٦١] من شرع وسن لنا هذا الكفر، ﴿فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا﴾ [ص: ٦١] أي: مضاعفا، أي: زدهم على عذابهم عذابا آخر في النار.

стр. 1694

﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأَشْرَارِ ﴿٦٢﴾ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصَارُ ﴿٦٣﴾ إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ ﴿٦٤﴾ قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴿٦٥﴾ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ﴿٦٦﴾ ﴾ [ص: ٦٢-٦٦] قال الكلبي: ثم ينظرون في النار فلا يرون من كان يخالفهم معهم وهم المؤمنون. فعند ذلك قالوا: ﴿مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ﴾ [ص: ٦٢] في الدنيا، ﴿مِنَ الأَشْرَارِ﴾ [ص: ٦٢] يعنون فقراء المؤمنين: عمارا، وخبابا، وصهيبا، وبلالا، وسلمان. ثم ذكروا أنهم كان يسخرون من هؤلاء، وهو قوله: اتخذناهم سخريا ومن قرأ بفتح الألف على الاستفهام فهو بعيد، لأنهم علموا أنهم اتخذوهم سخريا، فكيف يستقيم أن يستفهموا عن ذلك وقد علموه؟ ووجهه أنه على اللفظ لا على المعنى، وذلك لتعادل أم في قوله: ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصَارُ﴾ [ص: ٦٣] قال مقاتل: أم زاغت أبصارنا عنهم، فهم معنا في النار ولا نراهم. وقال قتادة: زاغت أبصارنا عنهم فلم نرهم حين دخلوا النار. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ [ص: ٦٤] يعني ما ذكرنا قبل هذا لحق. ثم بين ما هو فقال: ﴿تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص: ٦٤] يعني: تخاصم القادة والأتباع على ما أخبر به عنهم. قل لهم يا محمد، لأهل مكة: ﴿إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ﴾ [ص: ٦٥] أنذركم وأحذركم عقوبة الله. ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ﴾ [ص: ٦٥] وقل لهم أيضا: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [ص: ٦٥] لخلقه. ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [ص: ٦٦] الآية.

стр. 1695

٧٩٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيُّ، أنا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ، أنا عَثَّامُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، إِذَا تَضَوَّرَ مِنَ اللَّيْلِ؛ قَالَ: «لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ» ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ ﴿٦٧﴾ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴿٦٨﴾ مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴿٦٩﴾ إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴿٧٠﴾ ﴾ [ص: ٦٧-٧٠] وقوله: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ [ص: ٦٧] يعني القرآن في قوله الجميع. قال مقاتل: القرآن حديث عظيم، لأنه كلام الله . وقال الزجاج: قل النبأ الذي أنبأتكم به عن الله نبأ عظيم. يعني ما أنبأهم به من قصص الأولين، وذلك دليل على صدقه ونبوته، لأنه لم يعلم ذلك إلا بوحي من الله تعالى. ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٨] لا تتفكرون فيه فتعلموا صدقي في نبوتي. يدل على صحة هذا المعنى قوله: ﴿مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإِ الأَعْلَى﴾ [ص: ٦٩] يعني الملائكة، إذ يختصمون يعني ما ذكر في قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] إلى آخر القصة، ﴿إِنْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [ص: ٧٠] ما يوحى إليَّ، ﴿إِلا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [ص: ٧٠] قال الفراء: المعنى ما يوحى إليَّ إلا لأنني نبي ونذير. مبين أبين لكم ما تأتون به من الفرائض والسنن، وما تدعون من الحرام والمعصية. ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ ﴿٧١﴾ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴿٧٢﴾ فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴿٧٣﴾ إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴿٧٤﴾ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ ﴿٧٥﴾ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴿٧٦﴾ ﴾ [ص: ٧١-٧٦] ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ [ص: ٧١] متصل بقوله: إذ يختصمون فاعترض بينهما كلام، وما بعد هذا مفسر فيما مضى من ﴿ [الحجر. ]

стр. 1696

لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [سورة ص: ٧٥] أي: لما توليت خلقه كما قال: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١] وهو مر. ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥] استفهام توبيخ وإنكار، يقول: أستكبرت بنفسك حتى أبيت السجود لآدم؟ أم كنت من القوم الذين يتكبرون فتكبرت عن السجود بكونك من قوم يتكبرون؟ وما بعد هذا مفسر فيما تقدم. قوله: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ﴿٧٧﴾ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ﴿٧٨﴾ قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿٧٩﴾ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ﴿٨٠﴾ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ﴿٨١﴾ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٨٢﴾ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴿٨٣﴾ قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ ﴿٨٤﴾ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٨٥﴾ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ﴿٨٦﴾ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴿٨٧﴾ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ﴿٨٨﴾ ﴾ [ص: ٧٧-٨٨] ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ [ص: ٨٤] انتصب الحق الأول على تقدير فبالحق، حذف الخافض ونصب كما تقول: والله لأفعلن، والحق الثاني يجوز أن يكون الأول وكرره للتأكيد، ويجوز أن يكون الحق منصوبا بأقول، كأنه قال: وأقول الحق. وقرأ الكوفيون والحق رفعا وهو مبتد وخبره محذوف على تقدير الحق مني، كما قال: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٧] وهذا قول مجاهد، قال: يقول الله: الحق مني وأنا أقول الحق. أقسم الله تعالى أن يملأ جهنم من إبليس وأتباعه وهو قوله: ﴿

стр. 1697

لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [ص: ٨٥] الآية. قل لكفار مكة: ﴿مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [ص: ٨٦] على تبليغ الوحي والقرآن، من أجر مال تعطونيه، ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] أي: ما أتيتكم رسولا من قبل نفسي، ولم أتكلف هذا الإتيان بل أمرت به. ٧٩٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْحِيرِيُّ الزَّاهِدُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ السِّمِذِيُّ، أنا الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْجَنَدِيُّ، نا عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ اللَّخْمِيُّ، نا أَبُو قُرَّةَ، قَالَ: ذَكَرَ سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَالأَعْمَشِ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ تَقُولَ لِمَا لا تَعْلَمُ: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ لِنَبِيِّهِ، ﷺ ، ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ ﴿إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [ص: ٨٧] ما القرآن إلا موعظة للخلق أجمعين، ولتعلمن أنتم يا كفار مكة، نبأه خبر صدقه، بعد حين قال ابن عباس، وقتادة: بعد الموت. وقال عكرمة: يعني يوم القيامة. وقال الكلبي: من بقي علم ذلك لما ظهر أمره وعلا، ومن مات علمه بعد الموت. وقال الحسن: ابن آدم، عند الموت يأتيك الخبر اليقين.

стр. 1698

تفسير سورة الزمر مكية وهي سبعون وخمس آيات مكية. ٧٩٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الزُّمَرِ لَمْ يَقْطَعِ اللَّهُ رَجَاهُ، وَأَعْطَاهُ ثَوَابَ الْخَائِفِينَ الَّذِينَ خَافُوا اللَّهَ، » ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴿١﴾ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴿٢﴾ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ﴿٣﴾ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴿٤﴾ ﴾ [الزمر: ١-٤] بسم الله الرحمن الرحيم ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ [الزمر: ١] مبتدأ وخبره ﴿مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١] أي: إن تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم لا من غيره، كما تقول في الكلام: استقامة الناس من الأنبياء، أي: إنها لا تكون إلا من الأنبياء. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر: ٢] قال مقاتل: يقول: لم ننزله باطلا لغير شيء. ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] موحدا له لا تشرك به شيئا، والإخلاص أن يقصد العبد بنيته وعمله إلى خالقه، لا يجعل ذلك لعرض الدنيا. ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣] يعني أن الدين الخالص من الشرك هو لله تعالى، وما سواه من الأديان فليس بدين الله الذي أمر به.

стр. 1699

وقال قتادة: الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله. ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الزمر: ٣] يعني الآلهة والأصنام، يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] إلا ليشفعوا لنا إلى الله، وذلك التقريب هو الشفاعة في قول المفسرين، والزلفى القربى، وهو اسم أقيم مقام المصدر، كأنه قال: ﴿إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣] تقريبا. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [الزمر: ٣] بين أهل الأديان، وهم الذين اتخذوا من دونه أولياء، يحكم الله بينهم يوم القيامة، ﴿فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٣] من أمر الدين، كل يقول: الحق ديني، فهم مختلفون، وحكم الله بينهم أن يعذب كلا على قدر استحقاقه. ثم أخبر أن هؤلاء لا يهديهم الله، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣] لا يرشد لدينه من كذب في زعمه أن الآلهة تشفع وكفر في اتخاذ الآلهة دونه، وهذا فيمن سبق عليه القضاء بحرمان الهداية. ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [الزمر: ٤] على ما يزعم من ينسب الله تعالى إلى اتخاذ الولد، ﴿لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر: ٤] يعني الملائكة، كما قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ [الأنبياء: ١٧] ، ثم أعلم أنه منزه عن اتخاذ الولد، فقال: سبحانه تنزيها له عن ذلك، ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ﴾ [الزمر: ٤] لا شريك له، ولا صاحبة، ولا ولد القهار لخلقه، قهر ما خلق بالموت، وهو حي لا يموت. ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ﴿٥﴾ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴿٦﴾ ﴾ [الزمر: ٥-٦] قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر: ٥] أي: لم يخلقهما باطلا لغير شيء، ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ [الزمر: ٥] يدخل هذا على هذا، والتكوير: طرح الشيء بعضه على بعض، يقال: كور المتاع إذا ألقى

стр. 1700

بعضه على بعض. قال قتادة: يغشي هذا على هذا، كما قال: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الأعراف: ٥٤] ، و ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ [الحج: ٦١] . ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [الزمر: ٥] ذللهما للمسير في بروجهما على ما قدر وأراد، كل منهما، ﴿يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٥] أي: إلى الأجل الذي وقت الله الدنيا إليه، وهو انقضاؤها وفناؤها. ﴿أَلا هُوَ الْعَزِيزُ﴾ [الزمر: ٥] الغالب في ملكه، الغفار لأوليائه وأهل طاعته. ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الزمر: ٦] يعني آدم، قال الفراء، والزجاج: المعنى خلقكم من نفس خلقها واحدة. ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر: ٦] لأن خلقها كان بعد خلق الزوج، يعني حواء، خلقت من قصيري آدم. ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ﴾ [الزمر: ٦] معنى الإنزال ههنا: الإنشاء والإحداث، كقوله: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦] ولم ينزل اللباس ولكنه أنزل الماء الذي هو سبب، والقطن والصوف واللباس منهما، كذلك الأنعام تكون بالنبات والنبات يكون بالماء، وقوله: ثمانية أزواج مفسر في ﴿ [الأنعام،] يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [سورة الزمر: ٦] نطفا، ثم علقا إلى أن يخرج من بطن أمه، ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر: ٦] ظلمة المشيمة، وظلمة البطن، وظلمة الرحم، ذلكم الله الذي خلق هذه الأشياء ربكم، ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] عن طريق الحق بعد هذا البيان؟ مثل قوله: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: ٩٥] . ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿٧﴾ وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا

стр. 1701

لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ﴿٨﴾ ﴾ [الزمر: ٧-٨] قوله: إن تكفروا يا أهل مكة، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر: ٧] أي: عن عبادتكم، ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد ولا أرضى لأوليائي وأهل طاعتي الكفر. وقال في رواية الوالبي: يعني عباده المخلصين الذين قال فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] فألزمهم شهادة أن لا إله إلا الله، وحببها إليهم. وقال السدي: لا يرضى لعباده المؤمنين أن يكفروا. وهذا طريق من قال بالتخصيص في هذه الآية، ومن أجراها على العموم قال: إن الله تعالى لا يرضى الكفر لأحد، وكفر الكافر غير مرضي لله، وإن كان بإرادته. والله تعالى مريد لكفر الكافر غير راض به، لأنه لا يمدحه ولا يثني عليه، قال قتادة: والله ما رضي الله لعبد ضلالة، ولا أمره بها، ولا دعاه إليها. وإن تشكروا ما أنعم عليكم من التوحيد، يرضه لكم يرضى ذلك الشكر لكم بأن يثيبكم عليه، وباقي الآية تقدم تفسيره. قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ﴾ [الزمر: ٨] قال عطاء: يريد عتبة بن ربيعة. وقال مقاتل: يريد أبا حذيفة بن المغيرة. ضر بلاء وشدة وفقر، أو مرض، ﴿دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ [الزمر: ٨] راجعا إليه من شركه، ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ﴾ [الزمر: ٨] أعطاه، نعمة منه يعني: أغناه وأنعم عليه بالصحة، ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [الزمر: ٨] نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه، ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [الزمر: ٨] رجع إلى عبادة الأوثان، ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الزمر: ٨] ليزل عن دين الله الإسلام، قل لهذا الكافر: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا﴾ [الزمر: ٨] في الدنيا إلى أجلك، قال الزجاج: لفظ الأمر، ومعناه التهديد والوعيد. ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨] أي: إن مصيرك إلى النار. قوله: ﴿

стр. 1702

أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩] ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ [الزمر: ٩] الجملة التي عادلت أم قد حذفت، كما يقال: أهذا أم هذا؟ والتقدير: الجاحد الكافر، يعني الذي ذكره في قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ﴾ [الزمر: ٨] خير، ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ [الزمر: ٩] والأصل أم من هو، فأدغمت الميم في الميم، ومن قرأ بالتخفيف فهي ألف الاستفهام دخلت على من، وهو استفهام إنكار، والمعنى: أمن هو قانت كالأول الذي ذكر بالنسيان والكفر؟ قال الزجاج: أمن هو قانت كهذا الذي ذكرنا ممن جعل لله أندادا؟ والقانت: المقيم على الطاعة، القائم بما يجب عليه من أمر الله. قال ابن عباس في رواية عطاء: وهو أبو بكر الصديق ﵁. ٧٩٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، أنا الْوَلِيدُ بْنُ أَبَانٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، نا عُمَرُ بْنُ أَبِي مُعَاذٍ النُّمَيْرِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى، عَنْ يَحْيَى الْبَكَّاءِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي قَوْلِهِ، تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ الآيَةَ، قَالَ: نَزَلَتْ فِي عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، رَضِيَ اللَّهُ

стр. 1703

عَنْهُ وقال مقاتل: نزلت في عمار بن ياسر. وتفسير آناء الليل قد مضى. وقوله: ساجدا وقائما يعني في الصلاة، يحذر الآخرة قال مقاتل: يحذر عذاب الآخرة. ﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] يعني الجنة، كمن لا يفعل ذلك؟ ليسا سواء. وهو قوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] أن ما وعد الله من الثواب والعقاب حق، ﴿وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] ذلك؟ ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩] إنما يتعظ ذوو العقول من المؤمنين، فأما الجاهل الكافر فإنه لا يتعظ. ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿١٠﴾ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴿١١﴾ وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ﴿١٢﴾ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿١٣﴾ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي ﴿١٤﴾ فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴿١٥﴾ ﴾ [الزمر: ١٠-١٥] ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الزمر: ١٠] صدقوا بتوحيد الله، اتقوا ربكم بطاعته واجتناب معاصيه، وتم الكلام، ثم قال: للذين أحسنوا وحدوا الله وأحسنوا العمل، ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ [الزمر: ١٠] يعني الجنة، ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ [الزمر: ١٠] قال ابن عباس: يريد ارحلوا من مكة. وهذا حث لهم على الهجرة من مكة إلى حيث يأمنون. كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧] . ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ﴾ [الزمر: ١٠] على دينهم فلا يتركونه لمشقة تلحقهم، وهذه الآية نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه حين لم يتركوا دينهم، ولما اشتد عليهم الأمر صبروا وهاجروا، وقوله: ﴿أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] قال عطاء: بما لا يهتدي إليه عقل ولا وصف. وقال مقاتل: أجرهم الجنة وأرزاقهم فيها بغير حساب. قوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ﴾ [الزمر: ١١] قال مقاتل: إن كفار قريش قالوا للنبي ﷺ : ما يحملك على الذي أتيتنا به؟ ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدك وسادة قومك، يعبدون اللات والعزى فتأخذ بها. فأنزل الله قل يا محمد: ﴿إِنِّي

стр. 1704

أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] أمرت أن أعبده على التوحيد والإخلاص، لا يشوب عبادتي شرك. وأمرت بهذا، ﴿لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] من هذه الآمة. ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ [الزمر: ١٣] بالرجوع إلى دين آبائي، ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر: ١٣] . ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] بالتوحيد لا أشرك به شيا. ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٥] أمر تهديد، ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الزمر: ١٥] بأن صاروا إلى النار، وأهليهم من الأزواج والخدم في الجنة. قال الزجاج: وهذا يعني به الكفار، فإنهم خسروا أنفسهم بالتخليد في النار، وخسروا أهليهم لأنهم لم يدخلوا مدخل المؤمنين الذين لهم أهل في الجنة. قوله: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ ﴿١٦﴾ وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ ﴿١٧﴾ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ ﴿١٨﴾ ﴾ [الزمر: ١٦-١٨] ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ﴾ [الزمر: ١٦] يعني: أطباقا من النار تلتهب عليهم، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥] الآية. ﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] مهاد من النار. قال السدي: وهي لمن تحتهم ظلل، وهكذا حتى تنتهي إلى القعر. ذلك الذي وصف من العذاب، ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ [الزمر: ١٦] المؤمنين، يعني أن ما ذكر من العذاب معد للكفار، وهو تخويف للمؤمنين ليخافوا فيتقوه بالطاعة والتوحيد. ثم أمرهم بذلك فقال: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦] . قوله: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: ١٧] يعني الأوثان والشيطان، ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر: ١٧] رجعوا إليه بالطاعة، لهم البشرى بالجنة. ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ ﴿١٧﴾ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ [الزمر: ١٧-١٨] يعني القرآن، فيتبعون أحسنه قال السدي: يتبعون أحسن ما يؤمرون به، فيعملونه. وقال عطاء، عن ابن عباس: إن أبا بكر الصديق ﵁ آمن بالنبي ﷺ وصدقه، فجاءه عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير، وسعيد بن زيد، وسعد بن أبي وقاص ﵃، فسألوه، فأخبرهم بإيمانه، فآمنوا ونزلت فيهم ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ ﴿١٧﴾ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ [الزمر: ١٧-١٨] يعني: من أبي

стр. 1705

بكر فيتبعون أحسنه، أي حسنه، وكله حسن. ثم أثنى عليهم بباقي الآية ووصفهم بالهداية والفضل. ثم ذكر من سبقت له من الله الشقاوة، فقال: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ﴿١٩﴾ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ ﴿٢٠﴾ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ ﴿٢١﴾ ﴾ [الزمر: ١٩-٢١] ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر: ١٩] قال ابن عباس: من سبق في علم الله أنه في النار، أفأنت تنقذه فتجعله مؤمنا. يعني لا تقدر على ذلك، قال عطاء: يريد أبا لهب وولده ومن تخلف من عشيرة النبي ﷺ عن الإيمان به. ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: ٢٠] بالإيمان والطاعة، ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر: ٢٠] لهم منازل في الجنة رفيعة، وفوقها منازل أرفع منها، وعدهم الله تلك الغرف والمنازل وعدا لا يخلفه، وهو قوله: وعد الله، ﴿لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر: ٢٠] . ثم ذكر ما يدل على توحيده، وهو قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ﴾ [الزمر: ٢١] أدخل ذلك الماء ﴿يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ﴾ [الزمر: ٢١] جمع ينبوع، وهو يفعول، من نبع الماء ينبع، والينابيع الأمكنة التي ينبع منها الماء. قال مقاتل: فجعله عيونا وركابا في الأرض، ثم يخرج بذلك الماء من الأرض زرعا مختلفا ألوانه من أصفر وأحمر وأخضر وأبيض. ثم يهيج يجف، يقال: هاج النبت يهيج هيجا إذا تم جفافه. فتراه بعد الخضرة، ﴿مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾ [الزمر: ٢١] دقاقا متكسرا متفتتا، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٢١] تفكر لذوي العقول، يذكرون به ما لهم فيه من الدلالة على توحيد الله وقدرته. وقوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴿٢٢﴾ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴿٢٣﴾ أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴿٢٤﴾ ﴾ [الزمر: ٢٢-٢٤] ﴿

стр. 1706

أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الزمر: ٢٢] أي: وسعه لقبول الحق. روي عن ابن مسعود، أنه قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية، فقالوا: يا رسول الله، وما هذا الشرح؟ قال: «نور يقذفه الله في القلب فينفسح له القلب» . فقيل له: فهل لذلك من أمارة؟ قال: «نعم» . قيل: وما هي؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت» . وقوله: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] قال قتادة: النور كتاب الله ، به يأخذ وإليه ينتهي. وقال عطاء، عن ابن عباس: فهو على يقين من ربه. وقال الزجاج: تقدير الآية: أفمن شرح الله صدره للإسلام كمن طبع على قلبه فلم يهتد لقسوته؟ ودل على هذا المحذوف قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] قال مقاتل: نزلت في النبي ﷺ وأبي جهل، لعنه الله. وقال عطاء: نزلت في علي وحمزة وأبي لهب وولده.

стр. 1707

وقوله: ﴿مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] قال الفراء، والزجاج: عن ذكر الله، كما تقول: أتخمت من طعام أكلته، وعن طعام أكلته، سواء، والمعنى أنه غلظ قلبه وصفا عن قبول ذكر الله تعالى. أولئك أي: القاسية قلوبهم، ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] . قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] يعني القرآن، وسمي حديثا لأن النبي ﷺ كان يحدث قومه ويخبرهم بما نزل عليه منه. وقوله: كتابا متشابها أي: يشبه بعضه بعضا، ويصدق بعضه بعضا، ليس فيه اختلاف ولا تناقض. ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: ٢٣] خوفا مما في القرآن من الوعيد. ومعنى تقشعر: تأخذهم قشعريرة، وهي تغير يحدث في جلد الإنسان عند الوجل والخوف. ٧٩٩ - أَخَبْرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، نا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَبَّاسِ الرَّزَّازُ، نا أَبُو شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، نا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ الْعَبَّاسِ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : «إِذَا اقْشَعَرَّ جِلْدُ الْعَبْدِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَحَاتَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا يَتَحَاتُّ عَنِ الشَّجَرَةِ الْيَابِسَةِ وَرَقُهَا» قال الزجاج: إذا ذكرت آيات العذاب اقشعرت جلود الخائفين الله تعالى. ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ﴾ [الزمر: ٢٣] إذا ذكرت آيات الرحمة، وهذا معنى قول جميع المفسرين. وقوله: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ﴾ [الزمر: ٢٣] أي: تطمئن وتسكن، ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣] الجنة والثواب، فحذف مفعول الذكر للعلم به. قال قتادة: هذا نعت أولياء الله تعالى، نعتهم

стр. 1708

الله بأنهم تقشعر جلودهم وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم، إنما ذلك في أهل البدع، وهو من الشيطان. ذلك يعني: أحسن الحديث، وهو القرآن، هدى الله الآية. قوله: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٢٤] نزلت في أبي جهل، قال الكلبي: ينطلق به إلى النار مغلولا، فإذا رمت به الخزنة فيها لم يتقها بأول من وجهه. قال الزجاج: المعنى أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كمن يدخل الجنة. وتم الكلام، ثم أخبر عما تقول الخزنة للكفار بقوله: ﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤] قال عطاء: يريد جزاء ما كنتم تعملون. ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ﴿٢٥﴾ فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴿٢٦﴾ ﴾ [الزمر: ٢٥-٢٦] ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الزمر: ٢٥] من قبل كفار مكة، كذبوا رسلهم بالعذاب إذ لم يؤمنوا، ﴿فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٢٥] يعني: وهم آمنون في أنفسهم، غافلون عن العذاب. ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ﴾ [الزمر: ٢٦] الهوان والعذاب، ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ [الزمر: ٢٦] مما أصابهم في الدنيا، ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٦] لكنهم لم يعلموا ذلك. قوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْءَانِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴿٢٧﴾ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿٢٨﴾ ﴾ [الزمر: ٢٧-٢٨] ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ﴾ [الزمر: ٢٧] لأهل مكة، ﴿فِي هَذَا الْقُرْءَانِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر: ٢٧] بينا لهم ما يشبه حالهم، لعلهم يتذكرون يتعظون فيعتبرون. قرآنا عربيا حال من القرآن في قوله: ﴿فِي هَذَا الْقُرْءَانِ﴾ [الزمر: ٢٧] ، ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] مستقيم ليس بمختلف. ٨٠٠ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَدْلُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدُونِ بْنِ خَالِدٍ، نا أَبُو هَارُونَ

стр. 1709

إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا أَبُو صَالِحٍ، نا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ ، قَالَ: غَيْرَ مَخْلُوقٍ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ﴿٢٩﴾ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ﴿٣٠﴾ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴿٣١﴾ ﴾ [الزمر: ٢٩-٣١] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا﴾ [الزمر: ٢٩] ثم بينه، فقال: ﴿رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] متنازعون مختلفون، ورجلا سلما لرجل سلم له من غير منازع، ومن قرأ سلما فهو مصدر وصف به على معنى: ورجلا ذا سلم لرجل، من قولهم: هو لك سلم، أي: مسلم لا منازع لك فيه. قال الزجاج: وهذا المثل ضرب لمن وحد الله ، ولمن جعل معه شركاء. قال مقاتل: يقول: هل يستوي عبد يشترك فيه نفر مختلفون يملكونه جميعا، ورجل خالص لرجل لا شركة فيه لأحد؟ ثم قال: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا﴾ [الزمر: ٢٩] أي: يستوي من يعبد آلهة شتى مختلفة، يعني الكافر، والذي يعبد ربا واحدا، يعني المؤمن؟ وهذا استفهام معناه الإنكار، أي لا يستويان، وذلك أن الخالص لمالك واحد يستحق من معونته وإحسانه ما لا يستحقه صاحب الشركاء المتعاشرين المختلفين في أمره، وتم الكلام، ثم قال: الحمد لله أي: له الحمد كله دون غيره من المعبودين، بل أي: دع الكلام الأول، ﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] ما يصيرون إليه من العقاب، والمراد بالأكثر الكل. ثم أخبر نبيه ﷺ ، بأنه يموت، وأن هؤلاء الذين يكذبونه يموتون ويجتمعون للخصومة عند الله، وهو قوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] . ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] قال ابن عباس: يعني الحق والمبطل، والظالم والمظلوم. ٨٠١ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، نا ابْنُ نُمَيْرٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ : ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ ؛ قَالَ الزُّبَيْرُ: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، أَيُكَرَّرُ عَلَيْنَا مَا كَانَ بَيْنَنَا فِي الدُّنْيَا مَعَ خَوَاصِّ الذُّنُوبِ؟

стр. 1710

قَالَ: نَعَمْ، لَيُكَرَّرَنَّ عَلَيْكُمْ حَتَّى تُؤَدُّوا إِلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. قَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ إِنَّ الأَمْرَ لَشَدِيدٌ قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ ﴿٣٢﴾ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴿٣٣﴾ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ﴿٣٤﴾ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٣٥﴾ ﴾ [الزمر: ٣٢-٣٥] ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣٢] بأن له ولدا وشريكا، وكذب بالصدق أي: بالتوحيد والقرآن، ﴿إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٣٢] مقام للجاحدين؟ وهو استفهام تقرير، يعني أنه كذلك. ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ [الزمر: ٣٣] محمد ﷺ ، وصدق به أبو بكر ﵁ وأصحابه، وهم المؤمنون الذين صدقوا محمدا ﷺ بما جاء به من الإسلام، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣] الذين اتقوا الشرك. ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر: ٣٤] لهم عند الله من الجزاء والكرامة ما يشاءون، ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٣٤] في أقوالهم وأعمالهم. ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [الزمر: ٣٥] أي: أعطاهم ما شاءوا، ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الزمر: ٣٥] يسترها عنهم بالمغفرة، ﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٥] قال مقاتل: يجزيهم بالمحاسن من أعمالهم، ولا يجزيهم بالمساوي. قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴿٣٦﴾ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ ﴿٣٧﴾ ﴾ [الزمر: ٣٦-٣٧] ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] يعني محمدا ﷺ ، يكفيه عداوة من يعاديه، ومن قرأ عباده فالمراد بالعباد الأنبياء، وذلك أن الأمم قصدتهم بالسوء، وهو قوله: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ﴾ [غافر: ٥]

стр. 1711

فكفاهم الله تعالى شر من عاداهم، يعني أنه كافيكم كما كفى هؤلاء الرسل قبلك. ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ٣٦] أي: بالذين يعبدون من دونه، وهم الأصنام وذلك أنهم قالوا للنبي ﷺ : إنا نخاف أن يصيبك من آلهتنا جنون أو خبل. ثم ذكر سبب ضلالهم، فقال: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٣٦] ، ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر: ٣٧] من تولى الله هدايته لم يضله أحد. ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ﴾ [الزمر: ٣٧] غالب لا يمتنع عليه شيء، ذي انتقام ممن عصاه وكفر به. ثم أعلم أنهم مع عبادتهم الأوثان مقرون بأن الله خالق السموات والأرض، فقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴿٣٨﴾ قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٣٩﴾ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴿٤٠﴾ ﴾ [الزمر: ٣٨-٤٠] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨] ثم أمره أن يحتج عليهم بأن ما يعبدون من دون الله لا يملك كشف ضر، فقال: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ [الزمر: ٣٨] قال ابن عباس، ومقاتل: بمرض أو فقر أو ببلاء أو شدة. ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر: ٣٨] هل تقدر الآلهة أن تكشف ما ينزل بي من ضر، ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾ [الزمر: ٣٨] بخير وصحة، ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر: ٣٨] هل تقدر الآلهة أن تحبس عني تلك الرحمة، وقرئ كاشفات وممسكات بالتنوين وبغيره، فمن نون فلأنه غير واقع، وما لم يقع من أسماء الفاعلين فالوجه فيه التنوين، ومن أضاف فعلى الاستخفاف

стр. 1712

وحذف التنوين، والمعنى على التنوين، وكلا الوجهين حسن. قال مقاتل: فسألهم النبي ﷺ عن ذلك فسكتوا، ولم يجيبوه، فقال الله تعالى للنبي ﷺ : ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨] بالله يثق الواثقون. وما بعد هذا مفسر فيما سبق إلى قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴿٤١﴾ اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٤٢﴾ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ ﴿٤٣﴾ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٤٤﴾ ﴾ [الزمر: ٤١-٤٤] ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [الزمر: ٤١] القرآن، للناس قال ابن عباس: لجميع الخلق. بالحق أي: ليس فيه شيء من الباطل، فمن اهتدى بالقرآن، فلنفسه وهذه الآية مفسرة في آخر ﴿ [يونس،] وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [سورة الزمر: ٤١] لم يوكلك بهم ولا تؤخذ بهم. قال مقاتل: وهذا قبل أن يؤمر بالقتال. قوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] يعني الأرواح، حين موتها عند أجلها، والمعنى: حين موت أبدانها وأجسادها، على حذف المضاف، ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ﴾ [الزمر: ٤٢] أي: ويتوفى الأنفس التي لم تمت، في منامها والتي تتوفى عند النوم هي النفس التي يكون بها العقل والتمييز، قال الزجاج: لكل إنسان نفسان، أحدهما نفس التمييز وهي التي تفارقه إذا نام فلا يعقل، والأخرى نفس الحياة إذا زالت زال معها النفس، والنائم يتنفس. وقوله: فيمسك أي: عن الجسد الروح التي قبضها حتى لا تعود إليه. وهو قوله: ﴿الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ [الزمر: ٤٢] وقرئ قضي عليها الموت، والوجه القراءة الأولى، لقوله: الله يتوفى، قوله: ويرسل يعني ويرسل، الأخرى أي: إلى الجسد، ﴿إِلَى

стр. 1713

أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢] إلى انقضاء الأجل، قال سعيد بن جبير: يقبض أنفس الأحياء والأموات، فيمسك أنفس الأموات ويرسل أنفس الأحياء، فلا يغلط. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢] لدلالات على قدرته حيث لم يغلط في إمساك ما يمسك من الأرواح، وإرسال ما يرسل منها. وقال مقاتل: لعلامات لقوم يتفكرون في أمر البعث. يعني أن توفي نفس النائم وإرسالها بعد التوفي دليل على البعث، وهذا كما روي أنه مكتوب في التوراة: يا ابن آدم، كما تنام تموت، وكما تستيقظ تبعث. قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [الزمر: ٤٣] نزلت في أهل مكة، زعموا أن الأصنام شفعاؤهم عند الله تعالى، فقال الله منكرا عليهم: أم اتخذوا أي: بل اتخذوا من دون الله آلهة شفعاء، قل يا محمد: أولو كانوا يعني الآلهة، ﴿لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا﴾ [الزمر: ٤٣] من الشفاعة، ولا يعقلون أنكم تعبدونهم، وجواب هذا الاستفهام محذوف تقدير أولو كانوا بهذه الصفة تتخذونهم. ثم أخبر أنه لا شفاعة إلا بأذنه، فقال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] قال مجاهد: لا يشفع أحد إلا بإذنه. والمعنى: لا يملك أحد الشفاعة إلا بتمليكه كما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وفي هذا إبطال الشفاعة من ادعيت له الشفاعة من الآلهة. قوله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴿٤٥﴾ قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿٤٦﴾ وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ﴿٤٧﴾ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿٤٨﴾ ﴾ [الزمر: ٤٥-٤٨] ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [الزمر: ٤٥] معنى الاشمئزاز في اللغة: النفور والاستكبار. قال ابن عباس، ومجاهد: اشمأزت انقبضت عن التوحيد. وقال قتادة: استكبرت. وقال أبو عبيدة: نفرت. وكان المشركون إذا سمعوا لا إله إلا الله وحده

стр. 1714

لا شريك له، نفروا من هذا، لأنهم كانوا يقولون الأوثان آلهة. ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ٤٥] يعني: الأصنام التي عبدوها من دونه، ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] يفرحون، قل مجاهد، ومقاتل: يعني حين قرأ النبي ﷺ بمكة ﴿ [النجم، فقال: تلك الغرانيق العلى. فرح كفار مكة بذلك حين سمعوا أن لها شفاعة. وما بعد هذا مفسر فيما تقدم إلى قوله:] وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [سورة الزمر: ٤٧] قال مقاتل: ظهر لهم حين بعثوا ما لم يحتسبوا في الدنيا أنه نازل بهم في الآخرة. والمعنى أنهم كانوا يتقربون إلى الله بعبادة الأصنام، فلما عوقبوا عليها بدا لهم من الله ما لم يحتسبوا. وقد ظهر هذا في قوله: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ [الزمر: ٤٨] أي: من مساوئ أعمالهم من الشرك وظلم أولياء الله، ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [الزمر: ٤٨] أنزل بهم كل ما أنذرهم النبي ﷺ به مما كانوا ينكرونه ويكذبون به. قوله: ﴿فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ﴿٤٩﴾ قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿٥٠﴾ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴿٥١﴾ أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٥٢﴾ ﴾ [الزمر: ٤٩-٥٢] ﴿فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ﴾ [الزمر: ٤٩] يعني الكافر، ﴿ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ﴾ [الزمر: ٤٩] أعطيناه نعمة منا من عندنا، ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ﴾ [الزمر: ٤٩] ذكر الكناية، لأن المراد بالنعمة الإنعام، وقوله: على علم قال مقاتل: على خير

стр. 1715

علمه الله عندي. وقال غيره: على علم من الله بأني له أهل. قال الله تعالى: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ [الزمر: ٤٩] أي: بلوى يبتلى بها العبد ليشكر أو ليكفر، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٤٩] أن ذلك استدراج من الله لهم وامتحان. قد قالها أي: قال تلك الكلمة، وهي قوله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الزمر: ٤٩] قال مقاتل: يعني قارون حين قال: إنما أوتيته على علم عندي. ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٠] يعني: الكفار الذين كانوا قبل هؤلاء، ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٥٠] ما أغني عنهم الكفر من العذاب شيئا. والمعنى أنهم ظنوا أن ما آتيناهم لكرامتهم علينا، ولم يكن كذلك، لأنهم وقعوا في العذاب ولم يغن عنهم ما كسبوا شيئا. وهو قوله: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ [الزمر: ٥١] أي: جزاؤها، يعني العذاب. ثم أوعد كفار مكة، فقال: ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر: ٥١] لأن مرجعهم إلى الله فهم لا يعجزونه ولا يفوتونه فيجازيهم بأعمالهم. ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [الزمر: ٥٢] قال مقاتل: وعظهم ليعتبروا في توحيده، وذلك حين أمطروا بعد سبع سنين، فقال: أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يوسع الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ ويقتر على من يشاء. قوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿٥٣﴾ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ﴿٥٤﴾ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ﴿٥٥﴾ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ﴿٥٦﴾ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴿٥٧﴾ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴿٥٨﴾ بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴿٥٩﴾ ﴾ [الزمر: ٥٣-٥٩] ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] المفسرون كلهم قالوا: إن هذه الآية نزلت في قوم خافوا إن أسلموا أن لا يغفر لهم ما جنوا من الذنوب العظام كالشرك، وقتل النفس، ومعاداة النبي ﷺ ، والقتال ضده، والزنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وفرح النبي ﷺ بهذه الآية، ورآها أصحابه من أوسع الآيات

стр. 1716

في مغفرة الذنوب. ٨٠٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ السَّرَّاجُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أنا الْقَاسِمُ بْنُ سَلامٍ، أنا حَجَّاجٌ، أنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا، ثُمَّ أَتَوْا مُحَمَّدًا، ﷺ ، فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنَا أَنْ لِمَا عَمِلْنَاهُ كَفَّارَةً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ومعنى ﴿أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] أي: بالشرك والزنا وإراقة الدماء. ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] وذلك أنهم ظنوا أنه لا توبة لهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] وعد بغفران الذنوب وإن كثرت. ٨٠٣ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ النَّصْرَابَاذِيُّ، أنا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَارِكٍ، أنا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ، نا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ شَهْرِ بِن حَوْشَبٍ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ، أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ، ﷺ ، يَقْرَأُ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ وَلا يُبَالِي بِهِ ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٨٠٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ

стр. 1717

حَشِيشٍ الْعَدْلُ، نا أَبُو حَامِدٍ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الْحَضْرَمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي قَبِيلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئَ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُبُلانِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنَّ لِيَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ " ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ فقال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٤] أي: ارجعوا من الشرك والذنوب إلى الله تعالى فوحدوه، وأسلموا له وأخلصوا له التوحيد، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤] لا تمنعون من عذاب الله. ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥] يعني القرآن، يقول: أحلوا حلاله وحرموا حرامه. وقال السدي: الأحسن ما أمر الله به في كتابه. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً﴾ [الزمر: ٥٥] يريد الموت، وذلك أنهم يموتون بغتة فيقعون في العذاب، وهو قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ﴿٥٥﴾ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ [الزمر: ٥٥-٥٦] قال المبرد: أي بادروا خوف أن تقول، وحذرا من أن تقول نفس. وقال الزجاج: خوف أن تصيروا إلى حال تقولون فيها هذا القول. ﴿يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله﴾ قال الفراء: الجنب القرب، أي: في قرب الله وجواره، والجنب

стр. 1718

بمعنى القرب كثير في الكلام، يقال: فلان يعيش في جنب فلان، أي في قربه وجواره، ومنه قوله تعالى: والصاحب بالجنب والمعنى على هذا القول: على ما فرطت في طلب جنب الله، أي: في طلب جواره وقربه، وهو الجنة. وهذا معنى قول ابن الأعرابي في قرب الله من الجنة. وقال الزجاج: أي فرطت في الطريق الذي هو طريق الله من توحيده والإقرار بنبوة رسوله ﷺ ، وعلى هذا الجنب بمعنى الجانب، أي: قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضا الله . والمفسرون ذكروا هذه المعاني، فقال عطاء، عن ابن عباس: ضيعت في ثواب الله. وقال مجاهد، والسدي: في أمر الله. وقال الحسن: في طاعة الله. ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦] أي: وما كنت إلا من المستهزءين بالقرآن وبالمؤمنين في الدنيا، أو تقول: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ [الزمر: ٥٧] أرشدني إلى دينه، ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧] الشرك. ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ﴾ [الزمر: ٥٨] مشاهدة وعيانا: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ [الزمر: ٥٨] رجعة إلى الدنيا، ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٨] الموحدين. ثم يقال لهذا القائل: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي﴾ [الزمر: ٥٩] يعني القرآن، ﴿فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ﴾ [الزمر: ٥٩] قلت: إنها ليست من الله تعالى واستكبرت تكبرت عن الإيمان بها. قوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ ﴿٦٠﴾ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٦١﴾ ﴾ [الزمر: ٦٠-٦١] ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٦٠] فزعموا أن له ولدا أو شريكا، وجوههم مسودة. أخبرنا أبو بكر الحارثي، أنا أبو الشيخ الحافظ، نا عبد الله قحطبة، نا محمد بن الصباح، نا عمرو بن الأزهري، عن أبي الربيع، عن كثير بن زياد، قال: سئل الحسن عن هذه الآية ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]

стр. 1719

فقال: هم الذين يقولون: الأشياء إلينا إن شئنا فعلنا، وإن شئنا لم نفعل. وباقي الآية مفسر في هذه ال ﴿ [. قوله: وينجي الله أي: من جهنم، الذين اتقوا الشرك، بمفازتهم المفازة الفوز، هو الظفر بالخير والنجاة من الشر. قال المبرد: المفازة مفعلة من الفوز، وهو السعادة، وإن جمع فحسن، كقولك: السعادة والسعادات. والمعنى: ينجيهم الله بفوزهم، أي بنجاتهم من النار وفوزهم بالجنة،] لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ [سورة الزمر: ٦١] لا يصيبهم العذاب، ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١] لأنهم رضوا بالثواب. ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴿٦٢﴾ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿٦٣﴾ قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ ﴿٦٤﴾ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿٦٥﴾ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴿٦٦﴾ ﴾ [الزمر: ٦٢-٦٦] ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] أي: إن ما في الدنيا والآخرة فهو خالقه، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢] أي: الأشياء كلها موكولة إليه، فهو القائم بحفظها والتصرف فيها. ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٣] واحدها مقليد ومقلاد.

стр. 1720

قال ابن عباس، ومقاتل: يريد مفاتيح السموات والأرض بالرزق والرحمة. وهو قول قتادة. وقال الليث:
следующие страницы →