Полный текст (2 298 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
قال ابن عباس: كانوا يتشاءمون بتلك الأيام.
والقراء قرءوا بكسر الحاء وسكونها، قال الزجاج: من قرأ بكسر الحاء فواحدها نحس، ومن قرأ بالسكون فواحدها نحس.
﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ [فصلت: ١٦] أي: عذاب الهوان والذل، وهو العذاب الذي يخزون به، ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى﴾ [فصلت: ١٦] أشد إهانة، ﴿وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت: ١٦] أي، لا يمنعون من العذاب.
ثم ذكر قصة ثمود، فقال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧] قال ابن عباس: بينا لهم سبيل الهدى.
وقال مجاهد: دعوناهم.
وقال الفراء: دللناهم على مذهب الخير، أي: بإرسال الرسول.
﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] فاختاروا الكفر على الإيمان، ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ [فصلت: ١٧] أي: ذي الهوان، وهو الذي يهينهم ويخزيهم، ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت: ١٧] من تكذيبهم صالحا، وعقرهم الناقة.
قوله: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴿١٩﴾ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٢٠﴾ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٢١﴾ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٢٢﴾ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿٢٣﴾ ﴾ [فصلت: ١٩-٢٣] .
﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [فصلت: ١٩] يحبس أولهم على آخرهم، ليتلاحقوا، والمعنى: إذا حشر أعداء الله، وقفوا.
﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾ [فصلت: ٢٠] جاءوا النار التي حشروا إليها، ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ﴾ [فصلت: ٢٠] قال مقاتل: تنطق جوارحهم بما كتبت الألسن، من عملهم بالشرك.
٨١١ - أَخْبَرَنِي عَقِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُرْجَانِيُّ فِيمَا أَجَازَ لِي، أَنَّ
стр. 1752
أَبَا الْفَرَجِ الْقَاضِي أَخْبَرَهُمْ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ الْغِفَارِيُّ، نا عَلِيُّ بْنُ قَادِمٍ، أنا شَرِيكٌ، عَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: ضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَلا تَسْأَلُونِي مِمَّا ضَحِكْتُ؟ قَالُوا: مِمَّ ضَحِكْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " عَجِبْتُ مِنْ مُجَادَلَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ: يَقُولُ: يَا رَبِّ، أَلَيْسَ وَعَدْتَنِي أَنْ لا تَظْلِمَنِي؟ قَالَ: فَإِنَّ لَكَ ذَلِكَ، قَالَ: فَإِنِّي لا أَقْبَلُ عَلَيَّ شَاهِدًا إِلا مِنْ نَفْسِي، قَالَ: أَوَلَيْسَ كَفَى بِي شَهِيدًا وَبِالْمَلائِكَةِ الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ؟ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَجَرْتَنِي مِنَ الظُّلْمِ فَلَنْ أُجِيزَ الْيَوْمَ عَلَيَّ شَاهِدًا إِلا مِنْ نَفْسِي.
قَالَ: فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ وَتَتَكَلَّمُ أَرْكَانُهُ بِمَا كَانَ يَعْمَلُ، قَالَ: فَيَقُولُ لَهُنَّ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، عَنْكُنَّ كُنْتُ أُجَادِلُ.
وقوله: ﴿وَجُلُودُهُمْ﴾ [فصلت: ٢٠] قال ابن عباس: يريد فروجهم.
وهو قول الجميع.
قالوا: كنى الله تعالى عنها بالجلود.
﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] أي: مما ينطق، وتم الكلام، ثم قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [فصلت: ٢١] وليس هذا من جواب الجلود.
﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ﴾ [فصلت: ٢٢] أي: من أن يشهد، عليكم لأنكم ما كنتم تظنون ذلك، ولكن ظننتم الآية، قال ابن عباس: إن الكفار كانوا يقولون: إن الله لا يعلم ما في أنفسنا، ولكنه يعلم ما نظهر.
﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾ [فصلت: ٢٣] أي: ظنكم أن الله لا يعلم ما تعملون، أرداكم أهلككم.
وقال ابن عباس: طرحكم في النار.
ثم أخبر عن حالهم، فقال:
стр. 1753
﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ ﴿٢٤﴾ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ﴿٢٥﴾ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴿٢٦﴾ فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٢٧﴾ ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ﴿٢٨﴾ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ ﴿٢٩﴾ ﴾ [فصلت: ٢٤-٢٩] .
فإن يصبروا أي: على النار، ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٤] مسكن، ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤] أن يسألوا أن يرجع بهم إلى ما يحبون، لم يرجع بهم، لأنهم لا يستحقون ذلك، يقال: أعتبني فلان، أي: أرضاني بعد إسخاطه إياي، واستعتبته: طلبت منه أن يعتب، أي: يرضى.
قوله: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ [فصلت: ٢٥] قال مقاتل: هيأنا لهم.
قرناء من الشياطين، وقال الزجاج: سببنا لهم حتى أضلوهم.
وهو قوله: ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [فصلت: ٢٥] من أمر الآخرة، أنه لا جنة ولا نار، ولا بعث ولا حساب، وما خلفهم من أمر الدنيا، فزينوا لهم اللذات، وجمع الأموال، وترك النفقة في وجوه البر، وباقي الآية قد تقدم تفسيره.
قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْءَانِ﴾ [فصلت: ٢٦] أي: لا تستمعون، وعارضوه باللغو والباطل، وهو قوله: والغوا فيه يقال: لغى يلغي لغا فهو لغ، واللغا واللغو كل كلام لا وجه له، ولا فائدة فيه، وكان الكفار يوصي بعضهم بعضا، إذا سمعتم القرآن من محمد وأصحابه، فارفعوا أصواتكم، حتى تلبسوا عليهم قولهم، فيسكنون، وهو قوله تعالى: لعلكم تغلبون فيسكنون، قال مقاتل: لكي تغلبوهم فيسكنون.
ثم وعدهم الله تعالى بقوله: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي﴾ [فصلت: ٢٧] .
قال مقاتل: بأسوأ ما.
كانوا يعملون وهو الشرك.
ذلك العذاب الشديد، ﴿جَزَاءُ
стр. 1754
أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾ [فصلت: ٢٨] وقوله: النار بدل من قوله: ﴿جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾ [فصلت: ٢٨] ثم ذكر أن إقامتهم فيها دائمة، أي: فقال لهم فيها في النار، دار الخلد دار الإقامة، لا انتقال منها، جزاء أي: للجزاء، ﴿بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ٢٨] قال مقاتل: يعني: القرآن يجحدون أنه من عند الله.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [فصلت: ٢٩] أي: في النار، يقولون: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ﴾ [فصلت: ٢٩] يعنون: إبليس وقابيل، لأنهما سنا المعصية، ﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾ [فصلت: ٢٩] أسفل منا في النار، ليكونا في الدرك الأسفل من النار، قال ابن عباس: ليكونا أشد عذابا منا.
ثم ذكر المؤمنين بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴿٣٠﴾ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴿٣١﴾ نُزُلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴿٣٢﴾ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿٣٣﴾ ﴾ [فصلت: ٣٠-٣٣] .
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] قال أبو بكر الصديق ﵁: استقاموا على أن الله ربهم.
٨١٢ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ النَّصْرَابَاذِيُّ، أنا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، نا أَبُو شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ وَاقِدٍ الْحَرَّانِيُّ، نا زُهَيْرٌ، نا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ نِمْرَانَ، أَنَّهُ قَالَ: قَرَأَ
стр. 1755
أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، أَوْ قَرَأَ عَلَيْهِ رَجُلٌ ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] قَالُوا: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : مَا الاسْتِقَامَةُ؟ قَالَ: الاسْتِقَامَةُ أَنْ لا تُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُمُ الذَّيِنَ لَمْ يُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا حَتَّى يَلْقَوْهُ.
٨١٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْوَرْكَانِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَاعِزٍ الْعَامِرِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، " مُرْنِي بِأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ، قَالَ: قُلْ: رَبِّيَ اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَقِمْ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَكْثَرُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ؟ قَالَ: فَأَخَذَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا ".
وَكَانَ الْحَسَنُ إِذَا تَلا هَذِهِ الْآيَةَ، قَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبُّنَا فَارْزُقْنَا الاسْتِقَامَةَ
٨١٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي الْمُطَّوِعِيِّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، نا يُوسُفُ بْنُ عَاصِمٍ، نا الْجَرَّاحُ بْنُ مَخْلَدٍ، نا أَبُو قُتَيْبَةَ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، نا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي حَزْمٍ، نا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ
стр. 1756
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] فَقَالَ: " قَدْ قَالَهَا نَاسٌ ثُمَّ كَفَرَ أَكْثَرُهُمْ، فَمَنْ قَالَهَا حَتَّى يَمُوتَ فَهُوَ مِمَّنِ اسْتَقَامَ عَلَيْهَا.
وذهب كثير من المفسرين إلى: أن الاستقامة على طاعة الله، وأداء فرائضه، ولزوم السنة.
قال الكلبي، عن ابن عباس: استقاموا على ما فرض عليهم.
وروى الزهري، عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه تلا هذه الآية، فقال: «استقاموا لله بطاعته، ولم يروغوا روغان الثعالب» .
وقوله: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [فصلت: ٣٠] قال ابن عباس: عند الموت.
وقال قتادة، ومقاتل: إذا قاموا من قبورهم.
ألا بأن لا، تخافوا من الموت، ولا تحزنوا على ما خلفتم من أهل وولد، وروى جعفر، عن ثابت، أنه قال: بلغنا أنه إذا انشقت الأرض يوم القيامة، نظر المؤمن إلى حافظيه، قائمين على رأسه، يقولان له: لا تخف اليوم ولا تحزن، وأبشر بالجنة التي كنت توعد، نحن أولياؤك في الحياة الدنيا وفي الآخرة، أبشر يا ولي الله، إنك سترى اليوم أمرا لم تر مثله، فلا يهولنك، وإنما يراد به غيرك.
قال ثابت: فما عظيمة تغشى الناس يوم القيامة، إلا وهي لكل مؤمن قرة عين لما هداه الله في الدنيا.
وقال مجاهد: لا تخافوا ما تقدمون عليه من أمر الآخرة، ولا تحزنوا على ما خلفتم من أمر دنياكم، من ولد أو أهل أو دين، فإنه سيخلفكم في ذلك كله.
﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [فصلت: ٣١] هذا من قول الملائكة للمؤمنين، يقولون: نحن الحفظة الذين كنا معكم في الحياة الدنيا، وفي الآخرة يقولون: لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة.
ولكم فيها في الآخرة، ﴿مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ﴾ [فصلت: ٣١] من الكرامات واللذات، ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣١] تتمنون، كقوله: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] وقد مر.
نزلا يجوز أن يكون جمع نازل، ويكون المعنى: ولكم فيها ما تدعون ﴿مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٢] نازلين، ويجوز أن يراد به: القوت الذي
стр. 1757
يقام للنازل والضيف، والمعنى: ثبت لهم ما يدعون ﴿نُزُلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٢] .
قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٣] قال ابن عباس: هو رسول الله ﷺ ، دعا إلى شهادة أن لا إله إلا الله.
وقال الحسن: هو المؤمن أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته.
وعمل صالحا في إجابته، ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣] لربي، وقالت عائشة ﵂: «أرى هذه الآية نزلت في المؤذنين» .
وقال عطاء: وعمل صالحا: قام لله بحقه وفرائضه.
وقال قيس بن أبي حازم: هو الصلاة بين الأذان والإقامة.
﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴿٣٤﴾ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴿٣٥﴾ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿٣٦﴾ ﴾ [فصلت: ٣٤-٣٦] ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت: ٣٤] لا الثانية زائدة، لأن المعنى: ولا تستوي الحسنة والسيئة، يعني: الصبر والغضب، والحلم والجهل، والعفو والإساءة، ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤] كدفع الغضب بالصبر، والإساءة بالعفو، ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ
стр. 1758
وَبَيْنَهُ﴾ [فصلت: ٣٤] أي: فإذا فعلت ذلك، ودفعت السيئة بالتي هي أحسن، صار ﴿الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ﴾ [فصلت: ٣٤] كالصديق القريب، وقال عطاء: التي هي أحسن: السلام إذا لقي من يعاديه، سلم عليه ليلين له.
وقال مقاتل بن حيان: هو أبو سفيان بن حرب، وذلك أنه لان للمسلمين بعد شدة عداوته بالمصاهرة التي حصلت بينه وبين النبي ﷺ ، ثم أسلم فصار وليا في الإسلام، حميما بالقرابة.
وما يلقاها قال الزجاج: وما يلقى هذه الفعلة وهذه الحالة، وهي دفع السيئة بالحسنة.
﴿إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت: ٣٥] على كظم الغيظ، واحتمال المكروه، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥] في الثواب والخير، وقال قتادة: الحظ العظيم: الجنة، أي: ما يلقاها إلا من وجبت له الجنة.
ثم أمره أن يستعيذ بالله إن صرفه الشيطان عن الاحتمال، فقال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [فصلت: ٣٦] الآية مفسرة في آخر ﴿ [الأعراف.
ثم ذكر علامات توحيده، ودلالات قدرته، فقال:] وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴿٣٧﴾ فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ
стр. 1759
وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ ﴿٣٨﴾ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٣٩﴾ ﴾ [سورة فصلت: ٣٧-٣٩] .
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ [فصلت: ٣٧] الآية ظاهرة.
فإن استكبروا تكبروا عن عبادتي، والسجود لي، ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [فصلت: ٣٨] يعني: الملائكة، ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [فصلت: ٣٨] يصلون له، وينزهونه عن السوء، ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] لا يملون، ويفترون.
ومن آياته دلائل قدرته، ﴿أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ [فصلت: ٣٩] قال الأزهري: إذا يبست الأرض ولم تمطر قيل: قد خشعت.
قال ابن عباس: مقشعرة.
﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ﴾ [فصلت: ٣٩] تحركت بالنبات، وهذا مفسر فيما سبق.
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿٤٠﴾ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ﴿٤١﴾ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴿٤٢﴾ مَا يُقَالُ لَكَ إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ﴿٤٣﴾ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴿٤٤﴾ ﴾ [فصلت: ٤٠-٤٤] .
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ [فصلت: ٤٠] تقدم تفسير الإلحاد، وقال مقاتل: يميلون عن الإيمان بالقرآن.
وقال مجاهد: ﴿يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ [فصلت: ٤٠] بالمكاء، واللغط.
﴿لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٤٠] أي: إنا نعلمهم، فنجازيهم بما يعملون، ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ﴾ [فصلت: ٤٠] وهو أبو جهل، ﴿خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠] وهو حمزة، ثم هددهم بقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] قال الزجاج: لفظه لفظ الأمر، ومعناه الوعيد.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ [فصلت: ٤١] بالقرآن، لما جاءهم ثم أخذ في وصف الذكر، وترك جواب ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [فصلت: ٤١] على تقدير: إن
стр. 1760
الذين كفروا بالذكر، يجازون بكفرهم، ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١] قال الكلبي: كريم على الله.
وقال قتادة: أعزه الله، فلا يجد الباطل إليه سبيلا.
وهو قوله: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] قال مقاتل: لا يأتيه التكذيب من الكتب التي قبله، ولا يجيء من بعده كتاب فيبطله.
وهو قول الكلبي.
وقال الزجاج: معناه أنه محفوظ من أن ينقص منه، فيأتيه الباطل من بين يديه، أو يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه.
وهذا قول قتادة، والسدي.
ومعنى الباطل على هذا: الزيادة والنقصان.
﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ﴾ [فصلت: ٤٢] في خلقه، حميد إليهم.
ثم عزى نبيه ﷺ على تكذيبهم، فقال: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣] قال قتادة: يقول: قد قيل للأنبياء من قبلك: ساحر، وكذبوا كما كذبت.
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ [فصلت: ٤٣] لمن آمن، ﴿وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ [فصلت: ٤٣] أليم لمن كذبك.
قوله: ﴿جَعَلْنَاهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا﴾ [فصلت: ٤٤] لو جعلنا هذا الكتاب الذي تقرؤه على الناس بغير لغة العرب، ﴿لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت: ٤٤] هلا بينت آياته بالعربية، حتى نفهمه، أأعجمي وعربي أكتاب أعجمي ونبي عربي؟ وهذا استفهام على وجه الإنكار، أي: أنهم كانوا يقولون: المنزل عليه عربي، والمنزل أعجمي، فكان ذلك أشد لتكذيبهم، قل لهم يا محمد: هو أي: القرآن، ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى﴾ [فصلت: ٤٤] من الضلالة، وشفاء من الأوجاع، وقال مقاتل: شفاء لما في القلوب، للبيان الذي فيه، ﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ [فصلت: ٤٤] لأنهم صم عن استماع القرآن، والانتفاع بما فيه من البيان، ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤] قال قتادة: عموا عن القرآن، وصموا عنه.
وقال السدي: عميت قلوبهم عنه.
والمعنى: وهو عليهم ذو عمى، ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] أي: أنهم لا يسمعون ولا يفهمون، كما أن من دعي من مكان بعيد لم يسمع، ولم يفهم، قال الفراء: تقول للرجل الذي لا يفهم كلامك: أنت تنادي من مكان بعيد.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي
стр. 1761
شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ﴿٤٥﴾ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴿٤٦﴾ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ ﴿٤٧﴾ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ﴿٤٨﴾ ﴾ [فصلت: ٤٥-٤٨] .
قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [فصلت: ٤٥] هذا تعزية للنبي ﷺ ، يقول: كما آتيناك الكتاب، فكذب به قومك، وصدق بعضهم، آتينا موسى الكتاب، فمن مكذب به، ومن مصدق، وهو قوله: ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ [فصلت: ٤٥] في تأخير العذاب عن مكذبي القرآن إلى أجل مسمى، يعني: القيامة، لقضي بينهم بالعذاب الواقع لمن كذب، ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ [فصلت: ٤٥] من صدقك، وكتابك، مريب موقع لهم الريبة.
قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [فصلت: ٤٧] أخبر أن علم القيامة متى يقوم عند الله، لا يعلمه غيره، فعلمها إذا سئل عنها مردود إليه، وما تخرج من ثمرة من أكمامها أوعيتها، وهي ما كانت فيه الثمرة، واحدها كم، وقرئ ثمرات، والإفراد يدل على الكثرة، فيستغنى به عن الجمع، ويوم يناديهم ينادي الله تعالى المشركين، أين شركائي أي: في قولكم وزعمكم، كما قال: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢] ، قالوا آذناك أعلمناك، ﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٧] شاهد بأن لك شريكا، يتبرءون يومئذ من أن يكون مع الله شريك.
﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ [فصلت: ٤٨] زال وبطل في الآخرة، ما كانوا يعبدون في الدنيا، وظنوا علموا وأيقنوا، ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [فصلت: ٤٨] فرار عن النار.
قوله: ﴿لا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ﴿٤٩﴾ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴿٥٠﴾ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ ﴿٥١﴾ ﴾ [فصلت: ٤٩-٥١] .
стр. 1762
﴿لا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩] لا يمل الكافر، ولا يزال يسأل ربه الخير والمال، والغنى، ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ [فصلت: ٤٩] البلاء، والشدة، والفقر، فيئوس قنوط شديد اليأس، قنوط من روح الله.
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا﴾ [فصلت: ٥٠] ولئن آتيناه خيرا، وعافية، وغنى، ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت: ٥٠] قال مجاهد: هذا بعملي، وأنا محقوق به.
وكل هذا من أخلاق الكافر حب المال، والغنى، غير سائم منه، حتى إذا مسه الشر، صار إلى حال الآيس، فإذا عاد إليه المال، نسي أن الله هو المتفضل عليه بما أعطاه، فيبطر ويظن أنه المستحق لذلك، ثم يشك في البعث، فيقول: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [فصلت: ٥٠] ثم يتوهم أن له مع كفره في الآخرة منزلة، فيقول: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي﴾ [فصلت: ٥٠] أي: لست على يقين من البعث، فإن كان الأمر على ذلك، ورددت إلى ربي، ﴿إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠] الجنة، أي: كما أعطاني في الدنيا، سيعطيني في الآخرة الجنة، قال الله تعالى: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ [فصلت: ٥٠] قال ابن عباس: لنقفنهم يوم القيامة على مساوئ أعمالهم.
﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ﴾ [فصلت: ٥١] مفسر في ﴿ [بني إسرائيل، قوله:] فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [سورة فصلت: ٥١] أي: كثير، والمعنى: أنه يسأل ربه أن يكشف ما به، لا يمل من الدعاء في الشدة، ويعرض عن الدعاء في الرخاء.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴿٥٢﴾ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴿٥٣﴾ أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ﴿٥٤﴾ ﴾ [فصلت: ٥٢-٥٤] .
قل يا محمد لأهل مكة، ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ﴾ [فصلت: ٥٢] القرآن، ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ﴾ [فصلت: ٥٢] خلاف للحق، بعيد عنه، وهو أنتم، أي: فلا أحد أضل منكم.
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ﴾ [فصلت: ٥٣] ما يفتح من القرى على محمد ﷺ ، وللمسلمين في النواحي والأطراف، وفي أنفسهم يعني: فتح مكة، وهذا قول مجاهد، والسدي، والحسن، قالوا: هي ظهور محمد ﷺ على الآفاق، وعلى مكة.
يقول: يفتح القرى ومكة على محمد، حتى يعرفوا
стр. 1763
أن الذي أتى به من القرآن هو من عند الله، لأنهم بذلك يعرفون أنه مؤيد من قبل الله، بعد ما كان واحدا لا ناصر له، وهو قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] أي: أن القرآن من عند الله، ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] قال مقاتل: أولم يكف بربك شاهدا أن القرآن من الله.
قال الزجاج: ومعنى الكفاية ههنا: أن الله قد بين لهم ما فيه كفاية في الدلالة.
والمعنى: أولم يكف بربك، لأنه على كل شيء شهيد، شاهد للأشياء لا يغيب عنه شيء.
﴿أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ [فصلت: ٥٤] في شك من البعث، والثواب والعقاب، ﴿أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤] أحاط بكل شيء علما، لأنه عالم الغيب والشهادة.
стр. 1764
تفسير سورة حم عسق
مكية، وهى خمسون وثلاث آيات.
٨١٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْعرافِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ أَبِي الْفَضْلِ الشروطي، نا أَبُو إِسْحَاقَ الْأَسَدِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا الْمَدَائِنِيُّ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ قَرَأَ سُورَةَ ﴿حم ﴿١﴾ عسق ﴿٢﴾ ﴾ [الشورى: ١-٢] كَانَ مِمَّنْ تُصَلِّي عَلَيْهِ الْمَلائِكَةُ وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُ وَيَسْتَرْحِمُونَ لَهُ ".
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم ﴿١﴾ عسق ﴿٢﴾ كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٣﴾ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴿٤﴾ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿٥﴾ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴿٦﴾ ﴾ [الشورى: ١-٦] .
حم عسق روى عكرمة، عن ابن عباس، أنه قال: ح: حلمه، م: مجده، ع: علمه، س: سناؤه، ق: قدرته، أقسم الله تعالى بها.
﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الشورى: ٣] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد إخبار الغيب.
وما يكون قبل أن يكون أوحي إليك وإلى الذين من قبلك، والمعنى: كالوحي الذي تقدم، يوحي إليك إخبار الغيب، وقرأ ابن كثير يوحى بضم الياء وفتح الحاء، وحجته قوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الزمر: ٦٥] ،
стр. 1765
وقوله: ﴿اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الشورى: ٣] على هذه القراءة تبيين للفاعل، كأنه قيل: من يوحي؟ فقيل: الله.
﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ [الشورى: ٥] يريد كل واحدة منها تتفطر فوق التي تليها، من قول المشركين: اتخذ الله ولدا.
نظيرها التي في آخر ﴿ [مريم،] وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [سورة الشورى: ٥] ينزهونه عما لا يجوز في صفته، ويعظمونه، ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥] قال ابن عباس: للمصدقين بالله ورسوله.
قال قتادة: للمؤمنين منهم.
﴿أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الشورى: ٥] لأوليائه، وأهل طاعته.
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الشورى: ٦] يعني: كفار مكة، اتخذوا آلهة، فعبدوها من دون الله، ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ [الشورى: ٦] حافظ على أعمالهم، ليجازيهم بها، ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: ٦] لم نوكلك بهم، حتى تؤاخذ بهم.
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ﴿٧﴾ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ﴿٨﴾ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٩﴾ ﴾ [الشورى: ٧-٩] .
وكذلك ومثل ما ذكرنا، ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا﴾ [الشورى: ٧] ليفهموا ما فيه، ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ [الشورى: ٧] أي: أهل أم القرى، وهي مكة، سميت أم القرى، لأن الأرض دحيت من تحتها، ومن حولها يعني: قرى الأرض كلها، ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ [الشورى: ٧] وتنذرهم بيوم الجمع، وهو يوم القيامة، يجمع الله تعالى فيه الأولين والآخرين، وأهل السموات وأهل الأرض، ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الشورى: ٧] لا شك في الجمع أنه كائن، ثم بعد الجمع يتفرقون، وهو قوله: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] قال ابن عباس: فريق في الجنة يتمتعون ويتنعمون، وفريق في السعير يعذبون.
стр. 1766
٨١٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْبُحْتُرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ، نا قُتَيْبَةُ، نا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، نا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي قَبِيلٍ، عَنْ شُفَيٍّ الْأَصْبَحِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي يَدِهِ كِتَابَانِ، فَقَالَ: " أَتَدْرُونَ مَا هَذَانِ الْكِتَابَانِ؟ فَقُلْنَا: لا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلا أَنْ تُخْبِرَنَا، فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَدِهِ الْيُمْنَى: هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِيهِ تَسْمِيَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَتَسْمِيَةُ آبَائِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ، لا يُزَادُ فِيهِمْ وَلا يُنْقَصُ، وَقَالَ لِلَّذِي فِي شِمَالِهِ: هَذَا كِتَابٌ كَتَبَهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِيهِ تَسْمِيَةُ أَهْلِ النَّارِ وَتَسْمِيَةُ آبَائِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ، لا يُزَادُ فِيهِمْ وَلا يُنْقَصُ.
قَالُوا: فَفِيمَ الْعَمَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِنَّ عَامِلَ الْجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ، وَإِنَّ عَامِلَ النَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ.
فَرَغَ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] ".
ثم ذكر سبب افتراقهم، فقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الشورى: ٨] قال ابن عباس: على دين واحد.
وقال مقاتل: على ملة الإسلام.
كقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥] فبين لهم أنهم افترقوا بالمشيئة الأزلية، ﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الشورى: ٨] في دينه الإسلام، والظالمون الكافرون، ﴿مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ﴾ [الشورى: ٨] يدفع عنهم العذاب، ولا نصير يمنعهم من النار.
﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الشورى: ٩] بل اتخذ الكافرون من دون الله أولياء، ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ [الشورى: ٩] قال ابن عباس: وليك يا محمد وولي من اتبعك.
﴿وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [الشورى: ٩] يبعثهم للجزاء، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الشورى: ٩] من الإحياء، وغيره، قدير.
قوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴿١٠﴾ فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ
стр. 1767
شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿١١﴾ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿١٢﴾ ﴾ [الشورى: ١٠-١٢] .
﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] قال الكلبي: أي من أمر الدين.
﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] أي: يقضي فيه، وقال مقاتل: إن أهل مكة كفر بعضهم بالقرآن، وآمن به بعضهم، فقال الله تعالى: الذي اختلفتم فيه، فإن حكمه إلي، أحكم فيه.
يعني: يوم القيامة، يحكم للمؤمنين بالقرآن بالجنة، وللمكذبين به بالنار، وقيل: إن هذا عام فيما اختلف فيه العباد، يحكم الله فيه يوم القيامة بالفصل الذي يزيل الريب، ويبطل الاختلاف، ذلكم الله الذي يحكم بين المختلفين، هو ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [الشورى: ١٠] في كفاية مهماتي، وإليه أنيب أرجع في المعاد.
﴿فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الشورى: ١١] تقدم تفسيره، ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [الشورى: ١١] جعل لكم مثل خلقكم نساء، ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾ [الشورى: ١١] أصنافا: ذكورا وإناثا، أي: خلق الذكر والأنثى من الحيوان كله، يذرؤكم فيه يخلقكم في هذا الوجه الذي ذكر من جعل الأزواج، وذلك أنه جعل سبب خلقنا الأزواج، والكفاية في قوله: فيه تعود إلى الجعل المراد بقوله: جعل لكم، وقال الزجاج: المعنى: يذرؤكم به، أي: يجعله منكم، ومن الأنعام أزواجنا.
وهذا قول الفراء، جعل في بمعنى: الباء.
وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] قال ابن عباس: ليس له نظير.
والكاف مؤكدة، والمعني: ليس مثله شيء، وهو السميع لما يقال، البصير بأعمال الخلق.
﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الشورى: ١٢] قال ابن عباس: يريد مفاتيح الرزق في السموات والأرض.
وقال الكلبي: مقاليد السموات: خزائن المطر، وخزائن الأرض النبات.
والمعنى: أنه يقدر على فتحها، يملك فتح السماء بالمطر، والأرض بالنبات، يدل على هذا قوله: ﴿يَبْسُطُ
стр. 1768
الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الشورى: ١٢] لأن مفتاح الرزق بيده، ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الشورى: ١٢] من البسط والقدر، عليم.
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ﴿١٣﴾ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ﴿١٤﴾ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴿١٥﴾ ﴾ [الشورى: ١٣-١٥] .
شرع لكم بين لكم، وأوضح، ﴿مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] يعني: التوحيد، والبراءة من الشرك، ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣] من القرآن، وشرائع الإسلام، وما وصينا وشرع لكم، ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى: ١٣] ، ثم بين ما وصى به هؤلاء، فقال: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ [الشورى: ١٣] قال مقاتل: يعني: التوحيد.
﴿وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] يقول: لا تختلفوا في التوحيد، وقال مجاهد: يعني: أنه شرع لكم، ولمن قبلكم من الأنبياء دينا واحدا.
﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣] قال ابن عباس: من توحيد الله تعالى، والإخلاص له وحده لا شريك له.
وقال مقاتل: عظم على مشركي مكة ما تدعوهم إليه من التوحيد، لأنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] .
ثم خص أولياءه بقوله: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الشورى: ١٣] يصطفي الله من عباده لدينه من يشاء، ويهدي إلى دينه، من ينيب من يقبل إلى طاعته، واتبع دينه.
ثم ذكر تفرقهم بعد الإيصاء بترك الفرقة، فقال: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ [الشورى: ١٤] أي: ما تفرقوا إلا عن علم بأن الفرقة ضلالة، ولكنهم فعلوا ذلك للبغي، وهو قوله: بغيا بينهم قال عطاء: بغيا منهم على محمد ﷺ .
﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الشورى: ١٤] في تأخير المكذبين من هذه الأمة، ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الشورى: ١٤] يعني: يوم القيامة، لقضي بينهم بين من آمن، وبين من كفر، يعني: لنزل العذاب بالمكذبين في
стр. 1769
الدنيا، ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ﴾ [الشورى: ١٤] يعني: اليهود والنصارى، من بعدهم من بعد أنبيائهم، ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ [الشورى: ١٤] من محمد ﷺ ، ﴿مُرِيبٍ ﴿١٤﴾ فَلِذَلِكَ فَادْعُ﴾ [الشورى: ١٤-١٥] قال الفراء، والزجاج: فإلى ذلك فادع، كما تقول: دعوت إلى فلان ولفلان.
وذلك إشارة إلى ما وصى به الأنبياء من التوحيد، ﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [الشورى: ١٥] على الدين الذي أمرت به، ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [الشورى: ١٥] أهواء أهل الكتاب، وذلك أنهم دعوه إلى دينهم، وقل لهم: ﴿آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ [الشورى: ١٥] أي: آمنت بكتب الله كلها، ﴿وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] قال ابن عباس: أمرت أن لا أحيف عليكم بأكثر مما افترض الله عليكم في الأحكام.
ومعنى العدل بينهم في الأحكام: هو أنهم إذا ترافعوا إليه، لم يلزمهم شيئا، لا يلزمهم الله، ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ [الشورى: ١٥] أي: إلهنا واحد، وإن اختلفت أعمالنا، فكل يجازى بما يعمل، وهو قوله: لنا أعمالنا أي: ثوابها، ﴿وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] لا خصومة، وهذا قبل أن أمر بالقتال، وإذا لم يؤمر بالقتال وأمر بالدعوة، لم تكن بينه وبين من لا يجيب خصومة، ولا قتال، ثم ذكر مصير الفريقين إلى الله، فيجازي كلا بعمله وهو قوله: ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥] .
﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦] .
﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٦] يخاصمون في دين الله نبيه، قال قتادة: هم اليهود والنصارى، قالوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا فبل نبيكم، فنحن خير منكم.
فهذه خصومتهم، وإنما قصدوا بما قالوا دفع ما أتى به محمد ﷺ ، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ [الشورى: ١٦] أي: من بعد ما دخل الناس في الإسلام، وأجابوه إلى ما دعاهم إليه، ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ١٦] خصومتهم باطلة حين زعموا أن دينهم أفضل من الإسلام، ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦] في الآخرة.
﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ﴿١٧﴾ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا
стр. 1770
يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ﴿١٨﴾ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ﴿١٩﴾ ﴾ [الشورى: ١٧-١٩] .
﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾ [الشورى: ١٧] القرآن، بالحق بما ضمنه من الأمر والنهي، والفرائض، والأحكام وكله حق من الله تعالى، وقوله: والميزان قال قتادة، ومجاهد، ومقاتل: العدل.
وسمي العدل ميزانا، لأن الميزان آلة الإنصاف، والتسوية بين الخلق، قال ابن عباس: أمر الله تعالى بالوفاء، ونهى عن البخس.
وقال مقاتل: وذكر النبي ﷺ الساعة، وعنده قوم من المشركين، فقالوا: متى تقوم الساعة؟ تكذيبا بها، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] .
وقد تقدم هذا في آخر ﴿ [الأحزاب.
] يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ [سورة الشورى: ١٨] لأنهم لا يخافون ما فيها، إذ لم يؤمنوا بها، فهم يطلبون قيامها إبعادا لكونها، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ [الشورى: ١٨] قال مقاتل: لأنهم لا يدرون على ما يهجمون.
وقال الزجاج: لأنهم يعلمون أنهم محاسبون، ومجزيون.
﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى: ١٨] أنها آتية لا ريب فيها، ﴿أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ﴾ [الشورى: ١٨] يدخلهم المرية والشك، ﴿فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨] حين لم يفكروا، فيعلموا أن الله الذي خلقهم أولا، قادر على بعثهم.
﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ [الشورى: ١٩] حفي، بار، رفيق بأوليائه وأهل طاعته، وقال مقاتل: لطيف بالبر والفاجر، لا يهلكهم جوعا.
يدل على هذا قوله: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الشورى: ١٩] فكل من رزقه الله تعالى من مؤمن وكافر،
стр. 1771
وذي روح، فهو ممن شاء الله أن يرزقه، وهو القوي على ما أراد من رزقه من يرزقه، العزيز الغالب، فلا يغلب فيما أراد.
قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ﴿٢٠﴾ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٢١﴾ تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ﴿٢٢﴾ ﴾ [الشورى: ٢٠-٢٢] .
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ [الشورى: ٢٠] معنى الحرث في اللغة: الكسب، يقال: هو يحرث لعياله ويحترث، أي: يكتسب، قال ابن عباس: من كان يريد العمل لله بما يحب الله، ويرضى.
﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [الشورى: ٢٠] أعينه على عبادتي، وأسهل عليه، ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا﴾ [الشورى: ٢٠] أي: من كان يسعى لدنياه، وآثرها على آخرته، نؤته منها قال قتادة: أي: بقدر ما قسم له، كقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾ [الإسراء: ١٨] .
﴿وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] لأن عمل لدنياه، لا لآخرته، وهذا يعني به الكافر.
قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ [الشورى: ٢١] يعني: كفار مكة، يقول: ألهم آلهة سنوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله؟ قال ابن عباس: شرعوا لهم دينا غير دين الإسلام.
﴿وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٢١] لولا أن الله تعالى حكم في كلمة الفصل بين الخلق، بتأخير عذاب هذه الأمة إلى الآخرة، لفرغ من عذاب الذين يكذبونك في الدنيا، وإن الظالمين الذين يكذبونك، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: ٢١] في الآخرة.
ترى الظالمين يعني: في الآخرة، مشفقين خائفين، مما كسبوا من الكفر والتكذيب، ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢] أي: وجزاؤه واقع بهم، قال الزجاج: وجزاء كسبهم واقع بهم.
وباقي الآية ظاهر التفسير.
قوله: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴿٢٣﴾ أَمْ يقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى
стр. 1772
قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿٢٤﴾ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴿٢٥﴾ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴿٢٦﴾ ﴾ [الشورى: ٢٣-٢٦] .
﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ﴾ [الشورى: ٢٣] يعني: ما تقدم ذكره من الجنات، يبشر الله به، ﴿عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشورى: ٢٣] ، وقوله: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] .
٨١٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُوفِيُّ الصُّوفِيُّ، أنا أَبُو الْقَاسِمِ الْمُؤَمَّلُ بْنُ أَحْمَدَ الشَّيْبَانِيُّ، نا يَحْيَى بْنُ صَاعِدٍ، نا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، نا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبَى آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَجِبْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ بُطُونِ قُرَيْشٍ إِلا وَلِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ قَرَابَةٌ، وَإِنَّمَا قَالَ: قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ أَجْرًا إِلا أَنْ تَصِلُوا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ الْقَرَابَةِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ بُنْدَارٍ، عَنْ شُعْبَةَ.
وقال الشعبي: أكثر الناس علينا في هذه الآية، فكتبنا إلى ابن عباس فسأله، فكتب ابن عباس: " إن رسول الله كان أوسط النسب في قريش، ليس بطن من بطونهم إلا وقد ولدوه، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ﴾ [الشورى: ٢٣] على ما أدعوكم إليه أجرا إلا أن تودوني في قرابتي منكم، وتحفظوني لها.
وقال عكرمة: لا أسألكم أجرا على ما أدعوكم إليه من الحق، إلا أن تحفظوني في قرابتي بيني وبينكم، قال: وليس كما يقول الكذابون.
стр. 1773
أخبرنا محمد بن عبد العزيز المروزي فيما كتب إلي، أنا محمد بن الحسين الحدادي، أنا محمد بن يزيد بن يحيى، أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا علي بن عبد الله مولى بني قراد، عن عبد الكريم وهو أبو أمية، قال: سألت مجاهدا عن هذه الآية، فقال: " أما إني لا أقول قول الخشبية، يقول: يا معشر قريش، لا أسألكم على ما أقول أجرا، ارقبوني في الذي بيني وبينكم، لا تعجلوا إلي، ودعوني والناس ".
وهذا قول قتادة، ومقاتل، والسدي، والضحاك، وابن زيد، ورواية الوالبي، والعوفي، عن ابن عباس.
وقال الحسن: إلا أن توددوا إلى الله تعالى، فيما يقربكم إليه من العمل الصالح.
٨١٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَبْدَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حَمْشَاذٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ الْجَوْهَرِيُّ، نا حَسَنُ بْنُ مُوسَى الْأَشْيَبُ، نا قَزَعَةُ بْنُ سُوَيْدٍ، نا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «لا أَسْأَلُكُمْ عَلَى مَا آتَيْتُكُمْ مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى أَجْرًا إِلا أَنْ تُوَادُّوا اللَّهَ وَأَنْ تَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ» .
وفي الآية قول ثالث:
٨١٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَسَّانٍ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ السُّدِّيُّ، نا
стр. 1774
يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ، نا حُسَيْنٌ الْأَشْقَرُ، نا قَيْسٌ، نا الْأَعْمَشُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " لَمَّا نَزَلَتْ ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَأْمُرُنَا اللَّهُ تَعَالَى مَوَدَّتَهُمْ؟ قَالَ: عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَوَلَدَيْهِمَا ".
٨٢٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو الشَّيْخِ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَيْدٍ، نا قُتَيْبَةُ بْنُ مِهْرَانَ،
стр. 1775
نا عَبْدُ الْغَفُورِ أَبُو الصَّبَّاحِ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الرَّمَانِيِّ، عَنْ زَاذَانَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: فِينَا فِي آلِ حم آيَةٌ لا يَحْفَظُ مَوَدَّتَنَا إِلا كُلُّ مُؤْمِنٍ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]
وقال الكلبي: قل لا أسألكم على الإيمان جعلا، إلا أن تودوا أقاربي، حث الله تعالى الناس عن ذوي قرابته.
وعلى الأقوال كلها قول: إلا المودة استثناء ليس من الأول، وليس المعنى أسألكم المودة في القربى، لأن الأنبياء ﵈ لا يسألون أجرا على تبليغ الرسالة، والمعنى: ولكني أذكركم المودة في القربى، وأذكركم قرابتي منكم، وغلط من قال: إن هذه الآية نسخت، بقوله: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ: ٤٧] ، وقوله: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الفرقان: ٥٧] لأنه لا يصح أن يقال: نسخت مودة النبي ﷺ ، وكف الأذى عنه لأجل قرابته، ولا مودة آله وأقاربه، ولا التقرب إلى الله بالطاعة، ومن ادعى النسخ، توهم أن الاستثناء متصل، ورأى إبطال الأجر في هاتين الآيتين، وليس الأمر على ذلك، فإن الاستثناء منقطع، ولا تنافي بين هذه الآية، والآيتين الأخرتين، وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ [الشورى: ٢٣] قال مقاتل: يكتسب حسنة واحدة.
﴿نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ [الشورى: ٢٣] نضاعفها بالواحدة عشرا فصاعدا، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ [الشورى: ٢٣] للذنوب، شكور للقليل حتى يضاعفه.
أم يقولون بل أيقولون، يعنى: كفار مكة، ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الشورى: ٢٤] حين زعم أن القرآن من عند الله، ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤] يربط على قلبك، بالصبر على أذاهم، حتى لا يشق عليك قولهم: إنه مفتر.
ثم أخبر أنه يذهب ما يقولونه باطلا، فقال: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ﴾ [الشورى: ٢٤] أي: الإسلام، بكلماته بما أنزله من كتابه، وقد فعل الله ذلك، فأزهق باطلهم، وأعلى كلمة الإسلام، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشورى: ٢٤] بما في قلوب خلقه.
﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥] قال ابن عباس: يريد أولياءه، وأهل طاعته.
﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥] من خير وشر، ومن قرأ بالتاء فهو خطاب للمشركين، وتهديد لهم.
قوله: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
стр. 1776
الصَّالِحَاتِ﴾ [الشورى: ٢٦] يجيبهم إلى ما يسألونه، وقال عطاء، عن ابن عباس: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم: ٢٧] ، ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الشورى: ٢٦] سوى ثواب أعمالهم، تفضلا عليهم.
وقال أبو صالح عنه: يشفعهم في إخوانهم.
قوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴿٢٧﴾ وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ﴿٢٨﴾ ﴾ [الشورى: ٢٧-٢٨] .
﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٧] قال خباب بن الأرت: فينا نزلت هذه الآية، وذلك أنا نظرنا إلى أموال قريظة والنضير، فتمنيناها، فأنزل الله هذه الآية.
قال مقاتل: يقول: لو أوسع الله الرزق لعباده، فرزقهم من غير كسب.
﴿لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧] لعصوا، وبطروا النعمة، وطلبوا ما ليس لهم أن يطلبوه، ﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] نظرا منه لأوليائه وأهل طاعته، ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] يعلم أنه لو أعطاهم ما يتمنون بغوا.
قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [الشورى: ٢٨] أي: المطر، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨] من بعد ما يئس الناس منه، وذلك أدعى لهم إلى شكر منزله، والمعرفة بموقع إحسانه، قال مقاتل: حبس الله تعالى المطر عن أهل مكة سبع سنين، حتى قنطوا، ثم أنزل الله المطر، فذكرهم النعمة.
وينشر رحمته يبسط مطره، وهو الولي لأهل طاعته، الحميد عند خلقه.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ ﴿٢٩﴾ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴿٣٠﴾ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ﴿٣١﴾ ﴾ [الشورى: ٢٩-٣١] .
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [الشورى: ٢٩] يعني: الناس وغيرهم من الملائكة، قال مجاهد: الناس والملائكة.
﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٩] يوم القيامة في الآخرة، ﴿إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩] .
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ [الشورى: ٣٠] يعني: ما يلحق المؤمن مما يكره من نكبة حجر، أو عثرة قدم، فصاعدا،
стр. 1777
﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] من المعاصي، ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] من السيئات، فلا يعاقب بها، وقال الحسن: لما نزلت هذه الآية، قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده، ما من خدش عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق، إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر» .
٨٢١ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْفَضْلِ، أنا عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَلَبِيُّ، نا عُبَيْدُ بْنُ جَنَادٍ الْحَلَبِيُّ، نا عَطَاءُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ أَزْهَرَ بْنِ رَاشِدٍ، عَنِ الْخَضِرِ بْنِ الْقَوَّاسِ، عَنْ أَبِي سُخَيْلَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " خَيْرُ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] يَا عَلِيُّ، مَا مِنْ خَدْشٍ وَلا نَكْبَةِ قَدَمٍ إِلا بِذَنْبٍ وَمَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَعُودَ فِيهِ، وَمَا عَاقَبَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُثَنِّيَ عَلَى عَبْدِهِ ".
في
стр. 1778
مصاحف المدينة والشام بما كسبت أيديكم بغير فاء، قال الزجاج: إثبات الفاء أجود، لأن الفاء مجازاة جواب الشرط.
ومن حذف الفاء فعلى أن ما في معنى الذي، والمعنى: الذي أصابكم وقع بما كسبت أيديكم.
وما أنتم يا معشر المشركين، ﴿بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى: ٣١] لا تعجزونني حيث ما كنتم، ولا تسبقونني هربا في الأرض، ولا في السماء لو كنتم فيها.
قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ ﴿٣٢﴾ إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴿٣٣﴾ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ ﴿٣٤﴾ وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ﴿٣٥﴾ فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿٣٦﴾ ﴾ [الشورى: ٣٢-٣٦] .
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ﴾ [الشورى: ٣٢] السفن التي تجري، ﴿فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] كالجبال، جمع علم، وهو الجبل الطويل.
﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ [الشورى: ٣٣] التي تجريها، فيظللن يعني: الجواري، رواكد يعني: ثوابت على ظهر البحر، لا تجري ولا تبرح، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [الشورى: ٣٣] الذي ذكر، ﴿لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [الشورى: ٣٣] أي: لكل مؤمن، لأن من صفة المؤمن الصبر في الشدة، والشكر في الرخاء.
أو يوبقهن يهلكهن ويغرقهن، يعني: أهلها، بما كسبوا بما أشركوا، واقترفوا من الذنوب، ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٤] من ذنوبهم، فينجيهم من الهلكة، ولا يفرقهم.
﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [الشورى: ٣٥] يعني: أن الكفار الذين يكذبون بالقرآن، إذا صاروا إلى الله تعالى بعد البعث، علموا ألا مهرب لهم من عذاب الله، والوجه قراءة ويعلمُ رفعا، لأنه يقطعه من الأول، ويجعله جملة معطوفة على جملة، ومن قرأ بالنصب، فقال الفراء: هو مردود على الجزم، إلا أنه صرف، والجزم إذا صرف عنه
стр. 1779
معطوفة نصب.
قوله: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الشورى: ٣٦] مفسر فيما تقدم إلى قوله: للذين آمنوا وهو بيان أن ما عند الله خير للمؤمنين، لا للكافرين، فقد استوى الفريقان في أن ما أعطوه من الدنيا متاع يتمتعون به ثم يزول، فإذا صاروا إلى الآخرة كان ما عند الله خيرا ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الشورى: ٣٦] .
﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ﴿٣٧﴾ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿٣٨﴾ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴿٣٩﴾ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴿٤٠﴾ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ﴿٤١﴾ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٤٢﴾ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ﴿٤٣﴾ ﴾ [الشورى: ٣٧-٤٣] .
﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ﴾ [الشورى: ٣٧] تقدم تفسير الكبائر في ﴿ [النساء، وقرأ حمزة: كبير الإثم على الواحد وهو يريد الجمع، كقوله:] وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ [سورة النحل: ١٨] ، أو يريد بكبير الإثم: الشرك، على ما فسره ابن عباس، قال: يريد: الشرك.
وقوله: والفواحش يعني: الزنا وأنواعه، وقال مقاتل: يعني: ما تقام فيه الحدود في الدنيا.
﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧] أي: يكظمون الغيظ، ويعفون عمن ظلمهم، يطلبون بذلك ثواب الله تعالى، وعفوه.
﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ٣٨] أجابوه إلى ما دعاهم إليه، من توحيد الله تعالى، وعبادته، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] هي فعلى من المشاورة، وهي الأمر الذي يتشاور فيه، يقال: صار هذا الأمر شورى بين القوم، إذا تشاوروا فيه، والمعنى: أنهم يتشاورون فيما يبدو لهم، ولا يعجلون في الأمر، قال الحسن: والله ما تشاور قوم قط، إلا هداهم الله لأفضل ما بحضرتهم.
٨٢٢ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْفَقِيهُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا
стр. 1780
الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيُّ، نا صَالِحٌ الْمُرِّيُّ، عَنْ سَعِيدٍ الْجَرِيرِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارُكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءُكُمْ وَأَمْرُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ فَظَهْرُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا، وَإِذَا كاَنَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلاءَكُمْ وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ فَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا» .
قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ﴾ [الشورى: ٣٩] الظلم والعدوان، هم ينتصرون ممن ظلمهم، قال عطاء: يعني المؤمنين الذين أخرجهم الكفار من مكة، وبغوا عليهم، ثم مكنهم الله في الأرض، حتى انتصروا ممن ظلمهم.
وقال ابن زيد: جعل الله المؤمنين صنفين: صنف يعفون عن ظالمهم، فبدأ بذكرهم، وهو قوله: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧] : وصنف ينتصرون من ظالمهم، وهم الذين ذكروا في هذه الآية.
ومن انتصر فأخذ بحقه، ولم يجاوز في ذلك ما حد الله تعالى له، فهو مطيع لله، ومن أطاع الله فهو محمود.
ثم ذكر حد الانتصار، فقال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] قال مقاتل: يعني القصاص في الجراحات والدماء.
وقال مجاهد، والسدي: هو جواب القبيح إذا قال: أخزاك الله، يقول: أخزاك الله من غير أن يعتدي.
ثم ذكر العفو، فقال: فمن عفا أي: عمن ظلمه، وأصلح بالعفو بينه وبين ظالمه، ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] ضمن الله تعالى له أجره بالعفو، وقال الحسن: إذا كان يوم القيامة، قام مناد، فنادى: من كان له على الله أجر فليقم، فلا يقوم إلا من عفا، ثم قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠] .
قال مقاتل: يعني من يبدأ بالظلم.
ثم ذكر المنتصر، فقال: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ [الشورى: ٤١] بعد ظلم الظالم إياه، والمصدر ههنا مضاف إلى المفعول، كقوله: ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩] ، وبسؤال نعجتك، فأولئك يعني: المنتصرين ﴿مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] بعقوبة ومؤاخذة.
﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى: ٤٢] قال
стр. 1781
ابن عباس: يريد: يبدءون بالظلم.
﴿وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢] يعملون فيها بالمعاصي.
ولمن صبر فلم ينتصر، ﴿وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ﴾ [الشورى: ٤٣] الصبر والتجاوز، ﴿لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] قال مقاتل: من الأمور التي أمر الله بها.
وقال الزجاج: الصابر يؤتى بصبره ثوابا، فالرغبة في الثواب أتم عزم.
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ ﴿٤٤﴾ وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ ﴿٤٥﴾ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ ﴿٤٦﴾ ﴾ [الشورى: ٤٤-٤٦] .
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٤٤] عن الهدى، ﴿فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [الشورى: ٤٤] فما له من أحد يلي هدايته، بعد إضلال الله إياه، وترى الظالمين المشركين، ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [الشورى: ٤٤] في الآخرة، يسألون الرجعة إلى الدنيا، يقولون: ﴿هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤] .
﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ [الشورى: ٤٥] على النار، قبل دخولهم النار، ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الشورى: ٤٥] ساكنين، متواضعين، ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] يعني: خفي النظر لما عليهما من الذل، يسارقون النظر إلى النار، خوفا منها، وذلة في أنفسهم، وعرف المؤمنون خسران الكافرين ذلك اليوم، فقالوا: ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الشورى: ٤٥] بأن صاروا إلى النار، وأهليهم في الجنة، بأن صاروا لغيرهم، قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ [الشورى: ٤٥] .
قوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ﴾ [الشورى: ٤٦] ظاهر.
قوله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ ﴿٤٧﴾ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنْسَانَ كَفُورٌ ﴿٤٨﴾ ﴾ [الشورى: ٤٧-٤٨] .
стр. 1782
استجيبوا لربكم أجيبوا داعي ربكم، يعني: محمدا ﷺ ، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ [الشورى: ٤٧] لا يقدر أحد على رده ودفعه، وهو يوم القيامة، ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ﴾ [الشورى: ٤٧] تلجئون إليه، ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ [الشورى: ٤٧] إنكار وتغيير للعذاب.
قوله: فإن أعرضوا عن الإجابة، ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [الشورى: ٤٨] تحفظ أعمالهم، وإنما أرسلناك داعيا ومبلغا، وهو قوله: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] ما عليك إلا أن تبلغهم، ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾ [الشورى: ٤٨] قال ابن عباس: يعني الغنى والصحة.
فرح بها يعني: الكافر، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ [الشورى: ٤٨] يعني: قحط المطر، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الشورى: ٤٨] من الكفر، ﴿فَإِنَّ الإِنْسَانَ كَفُورٌ﴾ [الشورى: ٤٨] أي: لما تقدم من نعمة الله عليه، ينسى ويجحد بأول شديدة جميع ما سلف من النعم.
﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ ﴿٤٩﴾ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴿٥٠﴾ ﴾ [الشورى: ٤٩-٥٠] .
﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الشورى: ٤٩] له التصرف فيهما بما يريد، ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾ [الشورى: ٤٩] يعني: البنات ليس فيهم ذكر، كما وهب للوط ﵇، لم يولد له إلا بنات، ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩] يعني: البنين ليس معهم أنثى، كإبراهيم ﵇، لم يولد له إلا ذكور.
أو يزوجهم يعني: الإناث والذكور، يجعلهم أزواجا، وهو أن يولد للرجل ذكور وإناث، قال الحسن: يجمع لهم الإناث والذكران، كما جمع لمحمد ﷺ .
فإنه ولد له أربعة بنين وأربع بنات، ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى: ٥٠] لا يولد له، كعيسى ويحيى ﵉، والآية عامة، وهذه الأقسام موجودة في غير الأنبياء، وإنما ذكر الأنبياء تمثيلا، إنه عليم بما خلق، قدير على ما يشاء.
قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴿٥١﴾ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٥٢﴾ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ ﴿٥٣﴾ ﴾ [الشورى: ٥١-٥٣] .
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا﴾ [الشورى: ٥١] يريد الوحي في المنام، أو الإلهام، كما كان الأنبياء
стр. 1783
عليهم السلام، ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] كما كلم موسى ﵇، يريد أن كلامه يسمع من حيث لا يرى، كما يرى سائر المتكلمين ليس إن ثم حجابا يفصل موضعا من موضع، فيدل ذلك على تحديد المحجوب، فهو بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب، حيث لم ير المتكلم، ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا﴾ [الشورى: ٥١] جبريل، أو غيره من الملائكة، فيوحي ذلك الرسول إلى المرسل إليه بإذن الله، ما يشاء الله، قال الزجاج: المعنى: أن كلام الله للبشر، إما أن يكون بإلهام يلهمهم الله، أو يكلمهم من وراء حجاب، كما كلم موسى، أو برسالة ملك إليهم، وتقدير الكلام: ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي وحيا، أو يكلمه من وراء حجاب، أو يرسل رسولا.
ومن قرأ يرسل رفعا، أراد وهو يرسل، فهو ابتداء واستئناف، والوقف كاف على ما قبله.
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ٥٢] أي: فعلنا في الوحي إليك، كما فعلنا بالرسل من قبلك، ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] قال مقاتل: يعين الوحي بأمرنا.
ومعناه: القرآن، لأنه يهتدى به، ففيه حياة من موت الكفر، ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي﴾ [الشورى: ٥٢] قبل الوحي، ﴿مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢] لأنه كان لا يعرف القرآن قبل الوحي، وما كان يعرف شرائع الإيمان ومعالمه، وهي كلها إيمان، وهذا القول هو اختيار إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] يعني: الصلاة سماها إيمانا، وشيخنا الأستاذ أبو إسحاق، يقول في هذا التخصيص بالوقت، فقال: كان هذا قبل البلوغ، وحين كان طفلا في المهد ما كان يعرف الإيمان.
والحسين بن الفضل البجلي يجعل الآية من باب حذف المضاف، يقول: معناه: ولا أهل الإيمان، يعني: من الذي يؤمن، ومن الذي لا يؤمن؟ إجماع الأصوليين على أن الرسل قبل الوحي كانوا مؤمنين، ونبينا محمد ﷺ يعبد الله قبل الوحي على دين إبراهيم ﵇.
стр. 1784
٨٢٣ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ النَّصْرَابَاذِيِّ، أنا الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُوسَى بْنِ خَلَفٍ الرَّسْعَنِيُّ، نا إِسْحَاقُ بْنُ زُرَيْقٍ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ، نا أَبُو سَيَّارٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : " هَلْ عَبَدْتَ وَثَنًا قَطُّ؟ قَالَ: لا.
قَالُوا: هَلْ شَرِبْتَ خَمْرًا قَطُّ؟ قَالَ: لا، وَمَا زِلْتُ أَعْرِفُ أَنَّ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ كُفْرٌ، وَمَا كُنْتُ أَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ، وَلِذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢] .
قوله: ولكن جعلناه يعني: القرآن، نورا يعني: ضياء، ودليلا على التوحيد والإيمان، ﴿نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] نرشده إلى الدين الحق، وإنك لتهدي قال ابن عباس، ومقاتل، والسدي، وقتادة: وإنك لتدعو.
فالهدى ههنا دعوة وبيان، والمعنى: وإنك لتدعو بما أوحينا إليك، إلى طريق مستقيم، يعني: الإسلام.
﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي﴾ [الشورى: ٥٣] شرعه لعباده، الذي ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥٣] ملكا وخلقا، ﴿أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣] يعني: أمور الخلائق في الآخرة.
стр. 1785
تفسير سورة حم الزخرف
مكية، وهي ثمانون وتسع آيات.
٨٢٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْعَزَايِمِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سَلْهَمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الزُّخْرُف كَانَ مِمَّنْ يُقَالُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا عِبَادِي، لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ، ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ".
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم ﴿١﴾ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴿٢﴾ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٣﴾ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴿٤﴾ أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ﴿٥﴾ ﴾ [الزخرف: ١-٥] .
﴿حم ﴿١﴾ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴿٢﴾ ﴾ [الدخان: ١-٢] أقسم الله تعالى بالقرآن، الذي أبان طرق الهدى من طرق الضلالة، وأبان ما تحتاج إليه الأمة في الشريعة.
﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] أي: صيرنا قراءة هذا الكتاب عربيا، لأن من التنزيل ما هو عبري وسرياني، وكتاب محمد ﷺ يقرأ بالعربية، وهذا يدل على أنه إذا قرئ بغير العربية لا يكون قرآنا.
وإنه يعني: القرآن، ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ [الزخرف: ٤] في اللوح المحفوظ، قال الزجاج: أم الكتاب: أصل الكتاب، وأصل كل شيء أمه، والقرآن مثبت عند الله في اللوح المحفوظ، كما قال: ﴿بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَجِيدٌ ﴿٢١﴾ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ﴿٢٢﴾ ﴾ [البروج: ٢١-٢٢] .
وقوله: لدينا قال ابن عباس: يريد الذي عندنا.
لعلي حكيم قال
стр. 1786
قتادة: يخبر عن منزلته وشرفه، وفضله، أي: إن كذبتم به يأهل مكة، فإنه عندنا رفيع شريف، محكم من الباطل.
قوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الزخرف: ٥] يقال: ضربت عنه، وأضربت عنه، أي: تركته، وأمسكت عنه، والصفح مصدر قولهم: صفحت، عند إذا أعرضت عنه، وذلك أنك توليه صفحة وجهك وعنقك، والمراد بالذكر ههنا القرآن، قال الكلبي: يقول الله لأهل مكة: أفنترك عنكم الوحي صفحا، فلا نأمركم ولا ننهاكم، ولا نرسل إليكم رسولا؟ وهذا استفهام معناه الإنكار، أي: لا نفعل ذلك، ومعنى الآية: أفنمسك عن إنزال القرآن ونهملكم، فلا نعرفكم ما يجب عليكم، من أجل أنكم أسرفتم في كفركم؟ وهو قوله: ﴿أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٥] والمعنى: لأن كنتم، والكسر في إن على أنه جزاء استغنى عن جوابه بما تقدمه، كما تقول: أنت ظالم إن فعلت كذا.
قال الفراء: ومثله ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ [المائدة: ٢] بالفتح والكسر، وقد تقدم.
ثم عزى نبيه ﷺ ، بقوله: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ ﴿٦﴾ وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿٧﴾ فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ ﴿٨﴾ ﴾ [الزخرف: ٦-٨] .
﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ﴾ [الزخرف: ٦] إلى قوله: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ [الزخرف: ٨] أقوى من قومك، يعني: الأولين الذين أهلكوا بتكذيبهم الرسل، ﴿وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٨] سبق فيما أنزلنا إليك تشبيه حال الكفار الماضية بحال هؤلاء في التكذيب، ولما أهلكوا أولئك بتكذيبهم، فعاقبة هؤلاء أيضا إلى هلاك.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ﴿٩﴾ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿١٠﴾ وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا
стр. 1787
بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴿١١﴾ وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ ﴿١٢﴾ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴿١٣﴾ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ ﴿١٤﴾ ﴾ [الزخرف: ٩-١٤] .
ولئن سألتهم سألت قومك، ﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩] أقروا بعزتي وعلمي، وهذا إخبار عن غاية جهلهم، إذ أقروا بأن الله خلق السموات والأرض، ثم عبدوا معه غيره، وأنكروا قدرته على البعث، وقد تم الإخبار عنهم.
ثم ابتدأ جل وعز دالا على نفسه بصنيعه، فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا﴾ [الزخرف: ١٠] وتفسير هذه الآية قد سبق في ﴿ [طه، وقوله:] لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [سورة الزخرف: ١٠] لكي تهتدوا في أسفاركم إلى مقاصدكم.
﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ [الزخرف: ١١] قال ابن عباس: يريد ليس كما أنزل على قوم نوح بغير قدر، حتى أغرقهم وأهلكهم، بل هو بقدر، حتى يكون معاشا لكم، ولأنعامكم.
﴿وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ [الزخرف: ١٢] الأصناف والضروب والألوان، والذكر والأنثى، وكل هذا قول للمفسرين، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢] في البحر، والبر.
﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٣] على ظهور ما جعل لكم، فالكناية تعود إلى لفظ ما، ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٣] يعني: النعمة بتسخير ذلك المركب في البر والبحر، قال مقاتل، والكلبي: هو أن يقول: الحمد لله الذي رزقني هذا، وحملني عليه.
﴿وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ [الزخرف: ١٣] ذلل لنا هذا المركب، قال قتادة: قد علمكم كيف تقولون إذا ركبتم.
﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] قال ابن عباس: يريد: ولا طاقة لنا بالإبل، ولا بالفلك، ولا بالبحر لولا أن الله تعالى سخره لنا.
ومعنى المقرن: المطيق، يقال: أقرنت هذا البعير، أي: أطقته.
٨٢٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَطِيَّةَ، نا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، نا رَوْحٌ، نا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَلِيًّا الْأَزْدِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ ابْنَ
стр. 1788
عُمَرَ عَلَّمَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا فِي سَفَرِهِ كَبَّرَ ثَلاثًا، وَقَالَ: " ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٤] اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَالْعَمَلَ بِمَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ ".
وَإِذَا رَجَعَ، قَالَ: «آيِبُونَ تَائِبُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَرَوَاهُ إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، عَنْ رَوْحٍ.
ثم رجع إلى ذكر الكفار الذين قدم ذكرهم، فقال: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ ﴿١٥﴾ أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ ﴿١٦﴾ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ﴿١٧﴾ أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ﴿١٨﴾ ﴾ [الزخرف: ١٥-١٨] .
﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥] حكموا بأن بعض العباد، وهم الملائكة، له أولاد، ومعنى الجعل ههنا: الحكم بالشيء، وهذا معنى قول ابن عباس، ومجاهد، والحسن، قالوا: زعموا أن الملائكة بنات الله.
تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، وقال الأزهري: ومعنى الآية: أنهم جعلوا لله من عباده نصيبا على معنى أنهم جعلوا نصيب الله من الولد.
إن الإنسان يعني: الكافر، لكفور جحود لنعم الله، مبين ظاهر الكفران.
ثم أنكر عليهم هذا، فقال: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ [الزخرف: ١٦] وهذا استفهام توبيخ وإنكار، يقول: أتخذ ربكم لنفسه البنات؟ وأصفاكم أخلصكم، بالبنين كقوله: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٤٠] الآية.
ثم زاد في الاحتجاج عليهم بقوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا﴾ [الزخرف: ١٧] بما جعل لله شبها، وذلك أن ولد كل شيء شبيهه وجنسه، والآية مفسرة في ﴿ [النحل.
ثم وبخهم بما افتروه، فقال:] أَوَمَنْ يُنَشَّأُ
стр. 1789
فِي الْحِلْيَةِ﴾ [سورة الزخرف: ١٨] قال المبرد: تقدير الآية: أوتجعلون له من ينشأ في الحلية؟ يعني: البنت تنبت في الزينة، وقرأ حمزة: ينشأ بالتشديد على غير تسمية الفاعل، وهو رديء، لأنه لم يحك في اللغة نشأ بمعنى أنشأ، إلا أن قال: إنه في القياس بلغ وأبلغ، وفرج وأفرج.
﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ﴾ [الزخرف: ١٨] يعني: المخاصمة، غير مبين للحجة، قال قتادة: قل ما تتكلم امرأة بحجتها، إلا تكلمت بالحجة عليها.
﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ﴿١٩﴾ وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ ﴿٢٠﴾ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ﴿٢١﴾ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴿٢٢﴾ ﴾ [الزخرف: ١٩-٢٢] وجعلوا الملائكة الجعل ههنا بمعنى القول، والحكم على الشيء، كما تقول: جعلت زيدا أفضل الناس، أي: وصفته بذلك، وحكمت به، ﴿الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ [الزخرف: ١٩] وقرئ: عند الرحمن وكل صواب، وقد جاء التنزيل بالأمرين جميعا في وصف الملائكة، وذلك قوله: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] ، وفي قوله: عند الرحمن دلالة على رفع
стр. 1790
المنزلة، والقربة من الكرامة، وقوله: إناثا يعني قولهم: الملائكة بنات الله، قال الله تعالى: أشهدوا خلقهم من الشهادة التي هي بمعنى الحضور، وبخوا على ما قالوا ما لم يشاهدوا، مما يعلم بالمشاهدة، وقرأ نافع: أو أشهدوا خلقهم على أفعلوا من الإشهاد، وقبلها همزة الاستفهام، وتخفيف الهمزة الثانية على معنى: أحضروا خلقهم حتى علموا أنهم إناث؟ وهذا كقوله: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠] ، قال ابن عباس: يريد: أحضروا أم عاينوا خلقهم؟ وقال الكلبي، ومقاتل: لما قالوا هذا القول، سألهم النبي ﷺ ، فقال: «وما يدريكم أنهم إناث؟» قالوا: سمعنا من آبائنا، ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا أنهم إناث.
فقال الله تعالى: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩] عنها في الآخرة.
﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] يعني: بني مليح من خزاعة، كانوا يعبدون الملائكة، ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الزخرف: ٢٠] أي: بما قالوا من قولهم: الملائكة إناث، وهم بنات الله، أخبر الله تعالى أنهم لم يقولوا ذلك عن علم، وأنهم كذبوا في ذلك، وهو قوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠] أي: ما هم إلا كاذبون فيما قالوا، ولم يتعرض لقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] بشيء، قال صاحب النظم: لأن هذا القول من الكفار حق، وإن كان من الكفار.
وهذا كقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥] .
وإن جعلت قوله: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الزخرف: ٢٠] ردا لقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] كان المعنى: أنهم قالوا: إن الله قررنا على عبادتها، فلا يعاقبنا، لأنه رضي بذلك منا.
وهذا كذب منهم، لأن الله تعالى وإن أراد كفر الكافر لا يرضاه، وتقريره الكافر على كفره، لا يكون
следующие страницы →